Полный текст (1 926 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرَّجُلِ فِي الدُّيُونِ وَجَبَ قَبُولُهَا فِي كُلِّ حَقٍّ لَا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ إذا كَانَ الدَّيْنُ حَقًّا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَازَهَا فِي الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ثم قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فَأَجَازَ شَهَادَتَهَا مَعَ الرَّجُلِ عَلَى الْأَجَلِ وَلَيْسَ بِمَالٍ كَمَا أَجَازَهَا فِي الْمَالِ فَإِنْ قِيلَ الْأَجَلُ لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَالِ قِيلَ لَهُ هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْأَجَلَ قَدْ يَجِبُ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَفِي مَنَافِعِ الْأَحْرَارِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ وَقَدْ يُؤَجِّلُهُ الْحَاكِمُ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّمِ وَعَلَى دَعْوَى الْعَفْوِ مِنْهُ بِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ فَقَوْلُك إنَّ الْأَجَلَ لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَالِ خَطَأٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْبُضْعُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِمَالٍ وَلَا يَقَعُ النِّكَاحُ إلَّا بِمَالٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجِيزَ فِيهِ شَهَادَةَ النِّسَاءِ قَوْله تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ دِيَانَاتِ النَّاسِ وَأَمَانَاتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ الظاهر دون الحقيقة إذا لَا يَعْلَمُ ضَمَائِرَهُمْ وَلَا خَبَايَا أُمُورِهِمْ غَيْرُ الله تعالى ثم قال الله تَعَالَى فِيمَا أَمَرَنَا بِاعْتِبَارِهِ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَمْرَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ موكولا إلَى اجْتِهَادِ رَأْيِنَا وَمَا يَغْلِبُ فِي ظُنُونِنَا مِنْ عَدَالَتِهِمْ وَصَلَاحِ طَرَائِقِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَغْلِبَ فِي ظَنِّ بَعْضِ النَّاسِ عَدَالَةُ شَاهِدٍ وَأَمَانَتُهُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ رِضًى وَيَغْلِبُ فِي ظَنِّ غَيْرِهِ أنه ليس يرضى فقوله مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ مَبْنِيٌّ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ وَاَلَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّهَادَةِ أَشْيَاءُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا الْعَدَالَةُ وَالْآخَرُ نَفْيُ التُّهْمَةِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَالثَّالِثُ التَّيَقُّظُ وَالْحِفْظُ وَقِلَّةُ الْغَفْلَةِ أَمَّا الْعَدَالَةُ فَأَصْلُهَا الْإِيمَانُ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ اللَّهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَالْأَمَانَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَأَمَّا نَفْيُ التُّهْمَةِ فَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا أَوْ زَوْجًا وَزَوْجَةً وَأَنْ لَا يَكُونَ قَدْ شَهِدَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ فَرُدَّتْ لِتُهْمَةٍ فَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَنْ ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا مَرَضِيَّيْنِ وَأَمَّا التَّيَقُّظُ وَالْحِفْظُ وَقِلَّةُ الْغَفْلَةِ فَأَنْ لَا يَكُونَ غُفُولًا غَيْرَ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ فَإِنَّ مِثْلَهُ رُبَّمَا لُقِّنَ الشيء فتقلنه وَرُبَّمَا جُوِّزَ عَلَيْهِ التَّزْوِيرُ فَشَهِدَ بِهِ قَالَ ابن رستم عن محمد ابن الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ صَوَّامٍ قَوَّامٍ مُغَفَّلٍ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يُلَقَّنَ فَيَأْخُذَ بِهِ قَالَ هذا أشر مِنْ الْفَاسِقِ فِي شَهَادَتِهِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيمَا الْمُحَبِّرُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ قَالَ قَالَ
стр. 632
رَجُلٌ لِلْحَسَنِ يَا أَبَا سَعِيدٍ إنَّ إيَاسًا رَدَّ شَهَادَتِي فَقَامَ مَعَهُ إلَيْهِ فَقَالَ يَا ملكعان لم رددت شهادته أوما بَلَغَك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ
فَقَالَ أَيُّهَا الشَّيْخُ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وإن صاحبك هذا ليس برضاه وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا السِّرِّيُّ بْنُ عَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ فَبَلَغَ الْحَسَنُ وَقَالَ قُومُوا بِنَا إلَيْهِ قَالَ فَجَاءَ إلَى إيَاسٍ فَقَالَ يَا لُكَعُ تَرُدُّ شَهَادَةَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ أَرْضَى قَالَ فَسَكَتَ الْحَسَنُ فَقَالَ خَصْمُ الشَّيْخِ فَمِنْ شَرْطِ الرِّضَا لِلشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لِمَا يَسْمَعُهُ مُتْقِنًا لِمَا يُؤَدِّيهِ وَقَدْ ذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي صِفَةِ الْعَدْلِ أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَلِمَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْحُدُودُ وَمَا يُشْبِهُ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الْعَظَائِمِ وَكَانَ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَأَخْلَاقُ الْبِرِّ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعَاصِي الصِّغَارِ قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْبِرِّ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ يُقَامِرُ عَلَيْهَا وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهَا وَكَذَلِكَ مَنْ يُكْثِرُ الْحَلِفَ بِالْكَذِبِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ قَالَ وَإِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْجَمَاعَةِ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ أَوْ مَجَانَةً أَوْ فِسْقًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنَّ تَرَكَهَا عَلَى تَأْوِيلٍ وَكَانَ عَدْلًا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَالَ وَإِنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ الْفَاحِشِ لَمْ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ وَرُبَّمَا اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَالْخَيْرُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الشَّرِّ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَيْسَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الذُّنُوبِ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ جَائِزَةٌ إذَا كَانُوا عُدُولًا إلَّا صِنْفًا مِنْ الرَّافِضَةِ يُقَالُ لَهُمْ الْخَطَّابِيَّةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا فِيمَا يَدَّعِي إذَا حَلَفَ لَهُ وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَلِذَلِكَ أَبْطَلْت شَهَادَتَهُمْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَيُّمَا رَجُلٍ أَظْهَرَ شَتِيمَةَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ شَتَّامًا لِلنَّاسِ وَالْجِيرَانِ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُ فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ اخْتَلَفُوا وَاقْتَتَلُوا وَشَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُمْ اقْتَتَلُوا عَلَى تَأْوِيلٍ فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمَنْ سَأَلْت عَنْهُ فَقَالُوا إنَّا نَتَّهِمُهُ بشتم أصحاب
стр. 633
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ هَذَا حَتَّى يَقُولُوا سَمِعْنَاهُ يَشْتُمُ قال فإن قَالُوا نَتَّهِمُهُ بِالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ وَنَظُنُّ ذَلِكَ بِهِ وَلَمْ نَرَهُ فَإِنِّي أَقْبَلُ ذَلِكَ وَلَا أُجِيزُ شَهَادَتَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا نَتَّهِمُهُ بالشتم قَدْ أَثْبَتُوا لَهُ الصَّلَاحَ وَقَالُوا نَتَّهِمُهُ بِالشَّتْمِ فَلَا يُقْبَلُ هَذَا إلَّا بِسَمَاعٍ وَاَلَّذِينَ قَالُوا نَتَّهِمُهُ بِالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ وَنَظُنُّ ذَلِكَ بِهِ وَلَمْ نَرَهُ فَإِنِّي أَقْبَلُ ذَلِكَ وَلَا أُجِيزُ شَهَادَتَهُ أَثْبَتُوا لَهُ صَلَاحًا وَعَدَالَةً وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْخَوَارِجِ إذْ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ شَهِدُوا قَالَ قُلْت وَلِمَ لَا تُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ وَأَنْتَ تُجِيزُ شَهَادَةَ الْحَرُورِيَّةِ قَالَ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَنَا مَا لَمْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَرَجُوا اسْتَحَلُّوا أَمْوَالَنَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مَا لَمْ يَخْرُجُوا وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ الْكُوفِيُّ قَالَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ سِمَاعَةَ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا يوسف يقول سمعت أبا حنيفة يَقُولُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَةَ بَخِيلٍ فَإِنَّ الْبَخِيلَ يَحْمِلُهُ شِدَّةُ بُخْلِهِ عَلَى التَّقَصِّي فَيَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ مَخَافَةَ الْغَبْنِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا
سَمِعْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَقُولُ سَمِعْت إبْرَاهِيمَ يَقُولُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَيُّهَا النَّاسُ كُونُوا وَسَطًا لَا تَكُونُوا بُخَلَاءَ وَلَا سَفَلَةَ فَإِنَّ الْبَخِيلَ وَالسَّفَلَةَ الَّذِينَ إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لَمْ يُؤَدُّوهُ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ حَقٌّ اسْتَقْصُوهُ
قَالَ وَقَالَ مَا مِنْ طِبَاعِ الْمُؤْمِنِ التَّقَصِّي مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
وَحَدَّثَنَا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ قَالَ سَمِعْت الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا حنيفة يقول من كان معه بخيل لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ يَحْمِلُهُ الْبُخْلُ عَلَى التَّقَصِّي فَمِنْ شِدَّةِ تَقَصِّيهِ يَخَافُ الْغَبْنَ فَيَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ مَخَافَةَ الْغَبْنِ فَلَا يَكُونُ هَذَا عَدْلًا وَقَدْ رُوِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قُلْت لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أُخْبِرْت أَنَّك لَا تُجِيزُ شَهَادَةَ الْأَشْرَافِ بِالْعِرَاقِ وَلَا الْبُخَلَاءِ وَلَا التُّجَّارِ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ قَالَ أَجَلْ أَمَّا الَّذِينَ يَرْكَبُونَ إلَى الْهِنْدِ حَتَّى يُغَرِّرُوا بِدِينِهِمْ وَيُكْثِرُوا عَدُوَّهُمْ مِنْ أَجْلِ طَمَعِ الدُّنْيَا فَعَرَفْت أَنَّ هَؤُلَاءِ لو أعطى أحدهما دِرْهَمَيْنِ فِي شَهَادَةٍ لَمْ يَتَحَرَّجْ بَعْدَ تَغْرِيرِهِ بِدِينِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي قُرَى فَارِسَ فَإِنَّهُمْ يُطْعِمُونَهُمْ الرِّبَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَأَبَيْت أَنْ أُجِيزَ شَهَادَةَ آكِلِ الرِّبَا وَأَمَّا الْأَشْرَافُ فَإِنَّ الشَّرِيفَ بِالْعِرَاقِ إذَا نَابَتْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَائِبَةٌ أَتَى إلَى سَيِّدِ قَوْمِهِ فَيَشْهَدُ لَهُ وَيَشْفَعُ فكنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنْ لَا يَأْتِيَنِي
стр. 634
بِشَهَادَةٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ رَدُّ شَهَادَةِ قَوْمٍ ظَهَرَ مِنْهُمْ أُمُورٌ لَا يُقْطَعُ فِيهَا بِفِسْقِ فَاعِلِيهَا إلَّا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى سُخْفٍ أَوْ مُجُونٍ فَرَأَوْا رَدَّ شَهَادَةِ أَمْثَالِهِمْ مِنْهُ ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ أَخْبَرَنِي دَاوُد بْنُ حَاتِمٍ الْبَصْرِيُّ أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ كَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ يَأْكُلُ الطِّينَ وَيَنْتِفُ لِحْيَتَهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز وكان ينتف عنفقته ويحفى لِحْيَتَهُ وَحَوْلَ شَارِبَيْهِ فَقَالَ مَا اسْمُك قَالَ فُلَانٌ قَالَ بَلْ اسْمُك نَاتِفٌ وَرَدَّ شَهَادَتَهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد ابن سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْجَعْدِ بْنِ ذَكْوَانَ قَالَ دَعَا رَجُلٌ شَاهِدًا لَهُ عِنْدَ شُرَيْحٍ اسْمُهُ رَبِيعَةُ فَقَالَ يَا رَبِيعَةَ يَا رَبِيعَةَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَالَ يَا رَبِيعَةَ الكويفر فأجاب فَقَالَ لَهُ قُمْ وَقَالَ لِصَاحِبِهِ هَاتِ غَيْرَهُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْأَقْلَفُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَزَّم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَصْحَابِ الْحُمُرِ يَعْنِي النَّخَّاسِينَ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ حَمَامِ وَلَا حَمَّامٍ وَرَوَى مِسْعَرُ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ شُرَيْحٍ وَهُوَ ضَيِّقُ كُمِّ الْقِبَا فَرَدَّ شَهَادَتَهُ وَقَالَ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ فَقَالَ أَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ فَقَالَ شَهِدْت بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَا أُجِيزُ لَك الْيَوْمَ شَهَادَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا رَآهُ تَكَلَّفَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ لَمْ يَرَهُ أَهْلًا لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ مِنْ رَدِّ الشَّهَادَةِ مِنْ أَجْلِهَا غَيْرُ مَقْطُوعٍ فِيهَا بِفِسْقِ فَاعِلِيهَا وَلَا سُقُوطِ الْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا دَلَّهُمْ ظَاهِرُهَا عَلَى سُخْفِ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ فَرَدُّوا شَهَادَتَهُمْ مِنْ أَجْلِهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ تجرى مُوَافَقَةَ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ عَلَى حَسَبِ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَمَنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ سُخْفٌ مِنْ الشَّاهِدِ أَوْ مُجُونُهُ أَوْ اسْتِهَانَتُهُ بِأَمْرِ الدِّينِ أَسْقَطَ شَهَادَتَهُ قال محمد في كتاب آداب الْقَاضِي مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ مَجَانَةٌ لَمْ أَقْبَلْ شهادته قال وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُخَنَّثِ
стр. 635
وَلَا شَهَادَةُ مَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ يُطَيِّرُهَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَرَدَّ شَهَادَتَهُ قَالَ فَقُلْت لِابْنِ أَبِي لَيْلَى مَثَلُ فُلَانٍ وَحَالُهُ كَذَا وَحَالُ ابْنِهِ كَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ فَقَالَ أَيْنَ يَذْهَبُ بِك إنَّهُ فَقِيرٌ فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الْفَقْرَ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ إذْ لَا يُؤْمَنُ بِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ الْفَقْرُ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ وَإِقَامِ شَهَادَةٍ بِمَا لَا تَجُوزُ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ وَتَجُوزُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ إذَا كَانُوا عُدُولًا فَشَرَطَ مَالِكٌ مَعَ الْفَقْرِ الْمَسْأَلَةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ
لِلتُّهْمَةِ وَقَبِلَهَا فِي الْيَسِيرِ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قَبِلْت شَهَادَتَهُ وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ المعصية وعدم المروءة ردت شَهَادَتَهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ أَكْثَرُ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى كَبِيرَةٍ فَهُوَ عَدْلٌ فَأَمَّا شَرْطُ الْمُرُوءَةِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التصاون والصمت والحسن وَحِفْظَ الْحُرْمَةِ وَتَجَنُّبَ السُّخْفِ وَالْمُجُونِ فَهُوَ مُصِيبٌ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ نَظَافَةَ الثَّوْبِ وَفَرَاهَةَ الْمَرْكُوبِ وَجَوْدَةَ الْآلَةِ وَالشَّارَةَ الْحَسَنَةَ فَقَدْ أَبْعَدَ وَقَالَ غَيْرَ الْحَقِّ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ مِنْ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أبو بكر جميع مَا قَدَّمْنَا مِنْ ذِكْرِ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الشَّهَادَةِ مَا حَكَيْنَا عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ بَنَى قَبُولَ أَمْرِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا غَلَبَ فِي اجْتِهَادِهِ وَاسْتَوْلَى عَلَى رَأْيِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ يَرْضَى وَيُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ هَلْ يَسْأَلُ عَنْهُ الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ إلى أبو موسى في القضاء والمسلمون عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظِنِّينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَقَالَ مَنْصُورٌ قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ وَمَا الْعَدْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ قَالَ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا وَلِيَ الْحَسَنُ الْقَضَاءَ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ يَجْرَحُ الشَّاهِدَ وَذَكَرَ هُشَيْمٌ قَالَ سَمِعْت ابْنَ شُبْرُمَةَ يَقُولُ ثَلَاثٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهِنَّ أَحَدٌ قَبْلِي وَلَنْ يَتْرُكْهُنَّ أَحَدٌ بَعْدِي الْمَسْأَلَةُ عَنْ الشُّهُودِ وَإِثْبَاتُ حُجَجِ الْخَصْمَيْنِ وَتَحْلِيَةُ الشُّهُودِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ إلَّا أَنْ يَطْعَنَ فِيهِمْ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنْ طَعَنَ فِيهِمْ سَأَلْت عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَزَكَّيْتهمْ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا شُهُودَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنِّي أَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي
стр. 636
السِّرِّ وَأُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُسْأَلُ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُطْعَنْ فِيهِمْ وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ فِي السِّرِّ أَنَا كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الْقَوْمَ إذَا قِيلَ لَهُ هَاتِ مَنْ يُزَكِّيَك فَيَقُولُ قَوْمِي يُزَكُّونَنِي فَيَسْتَحْيِ الْقَوْمُ فَيُزَكُّونَهُ فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ سَأَلْت فِي السِّرِّ فَإِذَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ قُلْت هَاتِ مَنْ يُزَكِّيَك فِي الْعَلَانِيَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَيُزَكِّيهِمْ فِي الْعَلَانِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ فِيهِمْ الْخَصْمُ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يقضى بشهادة الشهود حتى يسئل عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَقَالَ اللَّيْثُ أَدْرَكْت النَّاسَ وَلَا تُلْتَمَسُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ تَزْكِيَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْوَالِي يَقُولُ لِلْخَصْمِ إنْ كَانَ عِنْدَك مَنْ يَجْرَحُ شَهَادَتُهُمْ فَأْتِ بِهِ وَإِلَّا أَجَزْنَا شَهَادَتَهُ عَلَيْك وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْأَلُ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ فَإِذَا عُدِّلَ سَأَلَ عَنْ تَعْدِيلِهِ عَلَانِيَةً لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُعَدَّلَ هُوَ هَذَا لَا يُوَافِقُ اسْمٌ اسْمًا وَلَا نَسَبٌ نَسَبًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ بِتَعْدِيلِ مَنْ ظَهَرَ إسْلَامُهُ فَإِنَّمَا بَنَى ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالُ النَّاسِ مِنْ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ فِي الْعَامَّةِ وَقِلَّةِ الْفُسَّاقِ فِيهِمْ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ لِلْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال خير الناس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثلاث أو أربع ثم يجيء قوم سبق شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ
قَالَ وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ وَإِنَّمَا حَمَلَ السَّلَفُ وَمَنْ قَالَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِمَّا وَصَفْنَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَصْرِهِمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَجَوَازِ الشَّهَادَةِ لِظُهُورِ الْعَدَالَةِ فِيهِمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَاحِبُ رِيبَةٍ وَفِسْقٍ كَانَ يُظْهِرُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ وَيَتَبَيَّنُ أَمْرَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَتَكَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ الْحَالُ عَلَيْهِ وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَحْوَالَ النَّاسِ بَعْدُ لَقَالَ بِقَوْلِ الْآخَرِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ وَلَمَا حَكَمَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِالْعَدَالَةِ إلَّا بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ بِخَبَرِهِ
وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ عَدَالَتِهِ بَعْدَ ظُهُورِ إسْلَامِهِ لِمَا وَصَفْنَا فَثَبَتَ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ أَمْرَ التَّعْدِيلِ وَتَزْكِيَةَ الشُّهُودِ وَكَوْنَهُمْ مَرْضِيِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى اجْتِهَادِ الرَّأْيِ وَغَالِبِ الظَّنِّ لِاسْتِحَالَةِ إحَاطَةِ عُلُومِنَا بِغَيْبِ أُمُورِ النَّاسِ وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ الِاغْتِرَارَ بِظَاهِرِ حَالِ الْإِنْسَانِ وَالرُّكُونَ
стр. 637
إلَى قَوْلِهِ مِمَّا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ الصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةِ فَقَالَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الْآيَةَ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ مَغِيبِ أَمْرِهِ وَحَقِيقَةِ حَالِهِ فَقَالَ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها الْآيَةَ فَأَعْلَمَنَا ذَلِكَ مِنْ حَالِ بَعْضِ مَنْ يُعْجَبُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَقَالَ أَيْضًا فِي صِفَةِ قوم آخرين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ الْآيَةَ فَحَذَّرَ نَبِيُّهُ ﷺ الِاغْتِرَارَ بِظَاهِرِ حَالِ الْإِنْسَانِ وَأَمَرَنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فَقَالَ وَاتَّبِعُوهُ وَقَالَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَغَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا الرُّكُونُ إلَى ظَاهِرِ أَمْرِ الْإِنْسَانِ دُونَ التَّثَبُّتِ فِي شَهَادَتِهِ وَالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ حَتَّى إذَا غَلَبَ فِي ظَنِّهِ عَدَالَتُهُ قَبِلَهَا وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الشُّهُودَ الْمَقْبُولِينَ بِصِفَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْعَدَالَةَ فِي قَوْله تَعَالَى اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ وقوله وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَالْأُخْرَى أَنْ يَكُونُوا مَرْضِيِّينَ لِقَوْلِهِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وَالْمَرْضِيُّونَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِفَتِهِمْ الْعَدَالَةُ وَقَدْ يَكُونُ عَدْلًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ فِي الشَّهَادَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَمْرًا مُغَفَّلًا يَجُوزُ عليه التذوير والتمويه فقوله مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ فقد انْتَظَمَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالتَّيَقُّظِ وَذَكَاءِ الْفَهْمِ وَشِدَّةِ الْحِفْظِ وَقَدْ أَطْلَقَ اللَّهُ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذِكْرِ الْعَدَالَةِ وَهِيَ مِنْ شَرْطِهَا الْعَدَالَةُ وَالرِّضَى جَمِيعًا وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي إيجَابِ التَّثَبُّتِ فِي سَائِرِ أَخْبَارِ الْفُسَّاقِ وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ فَوَجَبَ التَّثَبُّتُ فِيهَا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ فَاسِقًا فَلَمَّا نَصَّ اللَّهُ عَلَى التَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا قَبُولَ شَهَادَةِ الْعُدُولِ الْمَرْضِيِّينَ وَكَانَ الْفِسْقُ قَدْ يُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ وَالْعَدَالَةُ لَا تُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ دُونَ ظَاهِرِ الْحَالِ عَلِمْنَا أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ صَلَاحِ الشَّاهِدِ وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَكْثَرِ الظَّنِّ فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُهَاجِرَاتِ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وَهَذَا هُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ دُونَ الْحَقِيقَةِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ دُونَ الْمُغَيَّبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ إذْ كَانَتْ الشَّهَادَاتُ مِنْ مَعَالِمِ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَقَدْ عُقِدَ بِهَا مَصَالِحُ الْخَلْقِ فِي وَثَائِقِهِمْ وَإِثْبَاتِ حُقُوقِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ وَإِثْبَاتِ الْأَنْسَابِ وَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ إمْضَاءُ حُكْمٍ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ مِنْ طَرِيقِ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ يَدُلُّ
стр. 638
عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِإِمَامٍ مَعْصُومٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَاحْتِجَاجُ مَنْ يَحْتَجُّ فِيهِ بِأَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كُلَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ دُونَ غَالِبِ الظَّنِّ وَأَكْثَرِ الرَّأْيِ وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ إمَامٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُؤْمَنْ الْخَطَأُ فِيهَا لِأَنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مَأْمُونًا عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ إذَا كَانُوا مَرْضِيِّينَ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ دُونَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ مُغَيَّبِ أُمُورِهِمْ مَعَ جَوَازِ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ عَلَيْهِمْ ثَبَتَ بُطْلَانُ الْأَصْلِ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَ النَّصِّ فَإِنْ قَالُوا الْإِمَامُ يَعْلَمُ صِدْقَ الشُّهُودِ مِنْ كَذِبِهِمْ قِيلَ لَهُمْ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَسْمَعَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ الْإِمَامِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْإِمَامِ قَاضٍ وَلَا أَمِينٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْعِصْمَةِ وَفِي الْعِلْمِ بِمُغَيَّبِ أَمْرِ الشُّهُودِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَامِ إلَّا مَعْصُومًا مَأْمُونَ الزَّلَلِ وَالْخَطَإِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِمَامِ حُكَّامٌ وَشُهُودٌ وَأَعْوَانٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ ثَبَتَ بِذَلِكَ جَوَازُ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ مَبْنِيًّا عَلَى اجْتِهَادِ الرَّأْيِ وَغَالِبِ الظَّنِّ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ اعْتِبَارِ أَحْوَالٍ الشُّهُودِ بِمَا يَغْلِبُ فِي الظَّنِّ مِنْ عَدَالَتِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا نُصُوصَ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ لِأَنَّ الدِّمَاءَ وَالْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَنْسَابَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي قد
عقد بهما مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَا نَعْلَمُ مُغَيَّبَ أُمُورِهِمْ وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِشَهَادَاتِهِمْ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ مَعَ تَجْوِيزِ الْكَذِبِ وَالْخَطَإِ وَالزَّلَلِ وَالسَّهْوِ عَلَيْهِمْ فَثَبَتَ بِذَلِكَ تَجْوِيزُ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالُ غَلَبَةِ الرَّأْيِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَلَا اتِّفَاقَ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ الْأَخْبَارِ الْمُقَصِّرَةِ عَنْ إيجَابِ الْعِلْمِ بِمُخْبِرَاتِهَا مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْحُكْمِ بِهَا مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي الْمُغَيَّبِ بِخِلَافِهِ فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ خَبَرِ مَنْ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِخَبَرِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَقَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى رَدِّ أَخْبَارِ الْآحَادِ بِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَاهَا لَكِنَّا قَدْ جَعَلْنَا مَنْزِلَةَ الْمُخْبِرِ أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ لَمْ يَجِبْ فِي الْأَصْلِ قَبُولُ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا عِلْمُ مُعْجِزَةٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ اعْتِبَارِ
стр. 639
نَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى بَعْضِهَا وَمُخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِهَا فَمِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بطلان شهادة الشاهد لولده إلَّا شَيْءٌ يُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ قَالَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ وَشَهَادَةُ الْأَبِ لَابْنِهِ ولامرأته إذَا كَانُوا عُدُولًا مُهَذَّبِينَ مَعْرُوفِينَ بِالْفَضْلِ وَلَا يستوي الناس في ذلك ففرق بينهما لَوَالِدِهِ وَبَيْنَهَا لِلْأَجْنَبِيِّ فَأَمَّا أَصْحَابُنَا وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَلَا الْأَبِ لَابْنِهِ وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا ولا الزوج لامرأته وروى عن إياس ابن مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ لَابْنِهِ حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ الْحَذَّاءُ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ لابنه قوله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الْأَبْنَاءِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى مِنْ بُيُوتِكُمْ قَدْ انْتَظَمَهَا إذْ كَانَتْ مَنْسُوبَةً إلَى الْآبَاءِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ بُيُوتِهِمْ عَنْ ذِكْرِ بُيُوتِ أَبْنَائِهِمْ
وَقَالَ ﷺ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك
فَأَضَافَ الْمِلْكَ إلَيْهِ
وَقَالَ إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ فَلَمَّا أَضَافَ مِلْكَ الِابْنِ إلَى الْأَبِ
وَأَبَاحَ أَكْلَهُ لَهُ وَسَمَّاهُ لَهُ كَسْبًا كَانَ الْمُثْبِتُ لِابْنِهِ حَقًّا بِشَهَادَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مُثْبِتِهِ لِنَفْسِهِ وَمَعْلُومٌ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ لِابْنِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الِابْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا فَوَاجِبٌ قَبُولُ شهادته لهؤلاء كما نقبلها لِأَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لِهَؤُلَاءِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُهَا لِلْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ لِابْنِهِ بِمَا ليس بحق له فجائزة عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ قِيلَ لَهُ لَيْسَتْ التُّهْمَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ لِابْنِهِ وَلِأَبِيهِ تُهْمَةُ فِسْقٍ وَلَا كَذِبٍ وَإِنَّمَا التُّهْمَةُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَصِيرُ فِيهَا بِمَعْنَى الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ وَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ وَصَحَّتْ عَدَالَتُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا فِيمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ لَا عَلَى جِهَةِ تَكْذِيبِهِ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلَّ مُدَّعٍ لِنَفْسِهِ فَدَعْوَاهُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِهَا فَالشَّاهِدُ لِابْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَكَذَلِكَ قَالَ أصحابنا إن كل شاهد يجر بشهادته «١٦- أحكام في»
стр. 640
إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا أَوْ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا فَغَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقُومُ مَقَامَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِيمَا يَدَّعِيهِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ أَصْدَقُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ إذ دلت الأعلام الْمُعْجِزَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَأَنَّ الْكَذِبَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ مَعَ وُقُوعِ الْعِلْمِ لَنَا بِمُغَيَّبِ أَمْرِهِ وَمُوَافَقَةِ بَاطِنِهِ لِظَاهِرِهِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيمَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ عَلَى دَعْوَاهُ دُونَ شَهَادَةِ غَيْرِهِ حِينَ طَالَبَهُ الْخَصْمُ بِهَا وَهُوَ قِصَّةُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُك فَقَالَ خُزَيْمَةَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّك بَايَعْته فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ بِمَ تَشْهَدُ فَقَالَ بِتَصْدِيقِك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ
فَلَمْ يَقْتَصِرْ النَّبِيُّ ﷺ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَلَمْ يَقُلْ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ هَلُمَّ شَهِيدًا إنَّهُ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُدَّعِينَ فَعَلَيْهِمْ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَا يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعُ بِهَا عَنْهَا مَغْرَمًا وَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ أَعْظَمَ الْمَغْنَمِ كشهادته لنفسه والله تعالى أعلم.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا نَظِيرُ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِلْوَالِدِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدِهَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ تَبَسُّطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي مَالِ الْآخَرِ فِي الْعَادَةِ وَأَنَّهُ كالمباح الذي لا يحتاج فيه إلى الاستيذان فما يثبته الزوج لامرأته بِمَنْزِلَةِ مَا يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ مَا تُثْبِتُهُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُعْتَادِ بَيْنَ تَبَسُّطِهِ فِي مَالِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَبَيْنَهُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ لِوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ غَيْرَ جَائِزَةٍ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ شَهَادَةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِزَوْجَتِهِ بِمَالٍ تُوجِبُ زِيَادَةَ قيمة البضع الذي في ملكه لأن مهره مِثْلِهَا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ مَالِهَا فَكَانَ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ بزيادة قيمة ما هو ملكه وقد
стр. 641
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ أَنَّ عَبْدَهُ سَرَقَ مَرَّةً لِامْرَأَتِهِ عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَافًا إلَيْهِمَا بِالزَّوْجِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا فَمَا يُثْبِتُهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ فَكَأَنَّهُ يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ مَالُ الزَّوْجِ كَانَتْ النَّفَقَةُ الَّتِي تستحقها أكثر فكأنها شاهدة إذْ كَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلنَّفَقَةِ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ فِي حَالَيْ الْفَقْرِ وَالْغِنَى فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَالْأُخْتُ الْفَقِيرَةُ وَالْأَخُ الزَّمِنُ يَسْتَحِقَّانِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى أَخِيهِمَا إذَا كَانَ غَنِيًّا وَلَمْ يَمْنَعَ ذَلِكَ جَوَازَ شَهَادَتِهِمَا لَهُ قِيلَ لَهُ لَيْسَتْ الْأُخُوَّةُ مُوجِبَةً لِلِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَسْتَحِقُّهَا مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ وَالْفَقِيرَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الْأُخُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةُ سَبَبٌ لَاسْتِحْقَاقِهَا فَقِيرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ غَنِيًّا فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُثْبِتَةً بِشَهَادَتِهَا لِنَفْسِهَا زِيَادَةَ النَّفَقَةِ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهَا وَالنَّسَبُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلنَّفَقَةِ لوجوده بينهما فلذلك اختلفا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا شَهَادَةُ الْأَجِيرِ
وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمُسْتَأْجِرِهِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا اسْتِحْسَانًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى هِشَامٌ وَابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ فِي عِيَالِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرُ الْحَوْضِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا محمد بن راشد عن سليمان ابن مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ وَشَهَادَةَ ذِي الغمر على أخيه ورد الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا عَلَى غَيْرِهِمْ
وَحَدَّثَنَا محمد بن بكر قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلُهُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجِيرُ الْخَاصُّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّابِعُ لَهُمْ وَالْأَجِيرُ الْخَاصُّ هَذِهِ صِفَتُهُ وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ فَهُوَ وَسَائِرُ النَّاسِ فِي مَالِهِ بِمَنْزِلَةٍ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ جَوَازَ شَهَادَتِهِ وَكَذَلِكَ شَرِيكُ الْعِنَانِ تجوز شهادته
стр. 642
لَهُ فِي غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا كُلُّ شَهَادَةٍ رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ لَمْ تُقْبَلْ أَبَدًا مثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذَا رُدَّتْ لِفِسْقِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ فَشَهِدَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ أَبَدًا وَمِثْلَ شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ إذَا رُدَّتْ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ تُقْبَلْ أَبَدًا وَقَالُوا لَوْ شَهِدَ عَبْدٌ بِشَهَادَةٍ أَوْ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ فَرُدَّتْ ثُمَّ أُعْتِقَ الْعَبْدُ أَوْ أسلم الكافر أو كبر الصبى أو عتق العبد وشهد بِهَا لَمْ تُقْبَلْ أَبَدًا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهَا إذَا رُدَّتْ لِتُهْمَةٍ لَمْ تُقْبَلْ أَبَدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ حَكَمَ بِإِبْطَالِهَا وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ إلَّا بِحُكْمٍ وَلَا يَصِحُّ فَسْخُهُ بِمَا لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ بِزَوَالِ التُّهْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا رُدَّتْ الشَّهَادَةُ كَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِإِبْطَالِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ مَاضِيًا لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ أَبَدًا وَأَمَّا الرِّقُّ وَالْكُفْرُ وَالصِّغَرُ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي رُدَّتْ مِنْ أَجْلِهَا وَحُكْمَ الْحَاكِمِ بِإِبْطَالِهَا مَحْكُومٌ بِزَوَالِهَا لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ فَلَمَّا صَحَّ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِزَوَالِ الْمَعَانِي الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِزَوَالِ التُّهْمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى لَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ كان حكم الحاكم بإبطالها ماضيا إذا كَانَ مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ لَا يَنْفَسِخُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ الْعَدَالَةِ وَنَفْيِ التُّهْمَةِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ هِيَ مِنْ شَرَائِطِ الشَّهَادَاتِ وَقَدْ انْتَظَمَهَا قَوْله تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ فَانْظُرْ إلَى كَثْرَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي ضِمْنِ قَوْله تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ وَبَلَاغَةِ لَفْظِهِ وَوَجَازَتِهِ وَاخْتِصَارِهِ وظهور فوائده وجميع ما ذكرنا من عِنْدَ ذِكْرِنَا لِمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَاسْتِنْبَاطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا في مضمونه وتحريم مُوَافَقَتَهُ مَعَ احْتِمَالِهِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ إيرَادُ لَفْظٍ يَتَضَمَّنُ مِنْ الْمَعَانِي وَالدَّلَالَاتِ وَالْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ اخْتِصَارِهِ وَقِلَّةِ عَدَدِ حُرُوفِهِ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُنَا مِنْ مَعَانِيهِ مِمَّا لَوْ كُتِبَ لطال وكثر والله نسئل التَّوْفِيقَ لِنَعْلَمَ أَحْكَامَهُ وَدَلَائِلَ كِتَابِهِ وَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ قَوْله تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى قرئ فتذكر إحداهما الأخرى بِالتَّشْدِيدِ وَقُرِئَ فَتُذْكِرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِالتَّخْفِيفِ وَقِيلَ إنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَكُونُ
стр. 643
وَاحِدًا يُقَالُ ذَكَّرْته وَذَكَرْته وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ مُؤَمَّلُ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ مَنْ قَرَأَ فَتُذَكِّرَ مُخَفَّفَةً أَرَادَ تَجْعَلَ شَهَادَتَهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ ذَكَرٍ وَمَنْ قَرَأَ فَتُذَكِّرَ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ التَّذْكِيرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سفيان ابن عُيَيْنَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ وَجَبَ حَمْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى مَعْنَى وَفَائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى فَتُذَكِّرَ بِالتَّخْفِيفِ تَجْعَلُهُمَا جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ في ضبط الشهادة وحفظها وإتقانها وقوله تَعَالَى فَتُذَكِّرَ مِنْ التَّذْكِيرِ عِنْدَ النِّسْيَانِ وَاسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مُوجِبِ دَلَالَتَيْهِمَا أَوْلَى مِنْ الِاقْتِصَارِ بِهَا عَلَى مُوجِبِ دَلَالَةِ أَحَدِهِمَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَأَيْت نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِعُقُولِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْهُنَّ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهِنَّ قَالَ جَعْلُ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ
فَهَذَا مُوَافِقٌ لمعنى من تأول فتذكر إحداهما الأخرى عَلَى أَنَّهُمَا تَصِيرَانِ فِي ضَبْطِ الشَّهَادَةِ وَحِفْظِهَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إقَامَةُ شَهَادَةٍ وَإِنْ عُرِفَ خَطُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لَهَا ألا ترى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى فَلَمْ يَقْتَصِرْ بِنَا عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَطِّ دُونَ ذِكْرِ الشَّهَادَةِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِتَسْتَذْكِرَ بِهِ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَأَنَّهَا لَا تُقَامُ إلَّا بَعْدَ حِفْظِهَا وَإِتْقَانِهَا وَفِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي شَهَادَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ ثُمَّ قَالَ عِنْدِي شَهَادَةٌ فِيهِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى فَأَجَازَهَا إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ نِسْيَانِهَا وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي رَجُلٍ سُئِلَ عَنْ شَهَادَةٍ فِي أَمْرٍ كَانَ يَعْلَمُهُ فَقَالَ لَيْسَ عِنْدِي شَهَادَةٌ ثُمَّ إنَّهُ شَهِدَ بِهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي قَالَ تُقْبَلُ مِنْهُ إذَا كَانَ عَدْلًا لِأَنَّهُ يَقُولُ نَسِيتهَا ثُمَّ ذَكَرْتهَا وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لَهُ فَيَجُوزُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ لِغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لِي عِنْدَهُ هَذَا الْحَقُّ ثُمَّ يَدَّعِيهِ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لَهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ فَجَازَ إقْرَارُهُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْحَقِّ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَهَا بِإِقْرَارِهِ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَإِنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَلَا يُبْطِلُهَا قَوْلُهُ لَيْسَ عِنْدِي شَهَادَةٌ وقَوْله
стр. 644
تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يَشْهَدُ بِهَا حَتَّى يَذْكُرَهَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ قَالَ قُلْت لِمُحَمَّدٍ رَجُلٌ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةٍ وَكَتَبَهَا بِخَطِّهِ وَخَتَمَهَا أَوْ لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهَا وَقَدْ عُرِفَ خَطُّهُ قَالَ إذَا عُرِفَ خَطُّهُ وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا خَتَمَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَخْتِمْ قَالَ فَقُلْت إنْ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ فَكَتَبَ غَيْرُهُ لَهُ قَالَ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَحْفَظَ وَيَذْكُرَهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ لا يقتضى بِهِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يقتضى بِهِ إذَا كَانَ فِي قِمْطَرِهِ وَتَحْتَ خَاتَمِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَضَرَّ بِالنَّاسِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يُمْضِي شَيْئًا مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ خَاتَمِهِ وَأَنَّهُ لَا يُمْضِي مَا وَجَدَهُ فِي ديوانه غَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِثْلَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَجِدُهُ فِي دِيوَانِهِ وَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي لِخَصْمِهِ فَلَمْ يُثْبِتْهُ فِي دِيوَانِهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِيَ بِهِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يَذْكُرُهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ عُرِفَ خَطُّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ إنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَلَكِنْ يُؤَدِّي شَهَادَتَهُ إلَى الْحَاكِمِ كَمَا عَلِمَ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجِيزَهَا فَإِنْ كَتَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ وَمَاتَ الشُّهُودُ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ خَطُّ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَلَا يَسْتَحْلِفُ رَبَّ الْمَالِ وَذَكَرَ أَشْهَبُ عَنْهُ فِيمَنْ عُرِفَ خَطُّهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا إلَى السُّلْطَانِ وَيُعْلِمُهُ لِيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ وَلَا يَذْكُرُ عَدَدَ الدَّرَاهِمِ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُ وَإِنْ كَتَبَهَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا أَنَّهُ يَعْرِفُ الْكِتَابَ فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ شَهِدَ وَأَنَّهُ قَدْ كَتَبَهَا فَأَرَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْكِتَابِ وَقَالَ اللَّيْثُ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ وَكَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِحَقٍّ فَلْيَشْهَدْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا ذَكَرَ إقْرَارَ الْمُقِرِّ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ أَثْبَتَهُ فِي دِيوَانِهِ أَوْ لَمْ يُثْبِتْهُ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلدِّيوَانِ إلَّا الذِّكْرُ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُزَنِيّ إنَّهُ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا دَلَالَةَ قَوْله تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَدَلَالَةُ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْكِتَابِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ إقَامَةِ الشَّهَادَةِ ذِكْرَ الشَّاهِدِ لَهَا وَأَنَّهُ
لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى الْخَطِّ إذْ الْخَطُّ وَالْكِتَابُ مَأْمُورٌ بِهِ لِتَذْكُرَ بِهِ
стр. 645
الشَّهَادَةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا فَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهَا وقَوْله تَعَالَى وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يدل على ذلك وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَنَدِهِ وَأَمَّا الْخَطُّ فَقَدْ يُزَوَّرُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الشَّاهِدِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ خطه وليس بخطه وَلَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَمَنْ لَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ فَهُوَ بِخِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا تَجُوزُ لَهُ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَقَدْ أَكَّدَ أَمْرَ الشَّهَادَةِ حَتَّى صَارَ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا صَرِيحُ لَفْظِهَا وَلَا يُقْبَلُ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَى الْخَطِّ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّزْوِيرُ وَالتَّبْدِيلُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِيمَنْ عَرَفَ الْخَطَّ وَالْخَاتَمَ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا وقَوْله تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما مَعْنَاهُ أَنْ يَنْسَاهَا لِأَنَّ الضَّلَالَ هُوَ الذَّهَابُ عَنْ الشَّيْءِ فَلَمَّا كَانَ النَّاسِي ذَاهِبًا عَمَّا نَسِيَهُ جَازَ أَنْ يُقَالَ ضَلَّ عَنْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَسِيَهُ وَقَدْ يُقَالَ أَيْضًا ضَلَّتْ عَنْهُ الشَّهَادَةُ وَضَلَّ عَنْهَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أعلم.
بَابُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَابْنُ شُبْرُمَةَ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَلَا يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ فِي شَيْءٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُحْكَمُ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْقَوْلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قوله وَاسْتَشْهِدُوا يَتَضَمَّنُ الْإِشْهَادَ عَلَى عُقُودِ الْمُدَايَنَاتِ الَّتِي ابْتَدَأَ فِي الْخِطَابِ بِذِكْرِهَا وَيَتَضَمَّنُ إقَامَتَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلُزُومَ الْحَاكِمِ الْأَخْذِ بِهَا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلْحَالَيْنِ وَلِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْعَقْدِ إنَّمَا الْغَرَضُ فِيهِ إثْبَاتُهُ عِنْدَ التَّجَاحُدِ فَقَدْ تَضَمَّنَ لَا مَحَالَةَ اسْتِشْهَادَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى الْعَقْدِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَإِلْزَامِهِ الْحُكْمِ بِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَأَوَامِرُ اللَّهِ عَلَى الْوُجُوبِ فَقَدْ أَلْزَمَ اللَّهُ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وقَوْله تَعَالَى فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولم يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دُونَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَذَلِكَ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ لِلشَّهَادَةِ غَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى مَا دُونَهُ وَفِي تَجْوِيزِ أَقَلَّ منه
стр. 646
مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ كَمَا لَوْ أَجَازَ مُجِيزٌ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْقَذْفِ سَبْعِينَ أَوْ حَدُّ الزِّنَا تِسْعِينَ كَانَ مُخَالِفًا لِلْآيَةِ وَأَيْضًا قَدْ انْتَظَمَتْ الْآيَةُ شَيْئَيْنِ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ أَحَدَهُمَا الْعَدَدَ وَالْآخَرَ الصِّفَةَ وَهِيَ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا مَرْضِيِّينَ لقوله تعالى مِنْ رِجالِكُمْ وقوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهُمْ والاقتصار على دُونِهَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الْعَدَدِ إذْ كَانَتْ الْآيَةُ مُقْتَضِيَةً لِاسْتِيفَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِي تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهَا وَهُوَ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ وَالرِّضَا فَغَيْرُ جَائِزٍ إسْقَاطُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالرِّضَا لِأَنَّ الْعَدَدَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ وَالْعَدَالَةُ إنَّمَا نُثْبِتُهَا مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ لَا مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الْعَدَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الْعَدَدِ الْمَعْلُومِ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْيَقِينِ وَأَيْضًا فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ الِاحْتِيَاطَ فِي إجَازَةِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ أَوْجَبَ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ وَقَالَ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ثُمَّ قَالَ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا فَنَفَى بِذَلِكَ أَسْبَابَ التُّهْمَةِ وَالرِّيَبِ وَالنِّسْيَانِ وَفِي مَضْمُونِ ذَلِكَ مَا يَنْفِي قَبُولَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَالْحُكْمَ لَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِظْهَارِ وَنَفْيِ الرِّيبَةِ وَالشَّكِّ وَفِي قَبُولِ يَمِينِهِ أَعْظَمُ الرِّيَبِ وَالشَّكِّ وَأَكْبَرُ التُّهْمَةِ وَذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْآيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَلَا مُرَادٍ بِالْآيَةِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ لَا يَجُوزُ أن يقع عليها إثم الشَّاهِدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُون رَضِيَ فِيمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ فَالْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِهِ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَرَافِعٌ لِمَا قُصِدَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَثِيقَةِ عَلَى مَا بَيَّنَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَصَدَ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ بِهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ بَيِّنَةً لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُسَمَّى الْيَمِينُ بَيِّنَةً لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ الْبَيِّنَةُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ فَاسْتَوْعَبَ مَا تَحْتَهَا فَمَا مِنْ بَيِّنَةٍ إلَّا وَهِيَ الَّتِي عَلَى الْمُدَّعِي فَإِذًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لَفْظًا مُجْمَلًا قَدْ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاتَّفَقُوا أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ وَالشَّاهِدَ وَالْمَرْأَتَيْنِ مُرَادُونَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ صَارَ
كَقَوْلِهِ الشَّاهِدَانِ أَوْ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ عَلَى الْمُدَّعِي فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دُونِهِمْ
وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ فَإِنَّ
стр. 647
الْأُمَّةَ قَدْ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَصَارَ فِي حَيِّزِ الْمُتَوَاتِرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ ﷺ لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ
فَحْوَى هَذَا الْخَبَرِ ضَرْبَيْنِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَحَدِهِمَا أَنَّ يَمِينَهُ دَعْوَاهُ لِأَنَّ مُخْبِرَهَا وَمُخْبِرَ دَعْوَاهُ وَاحِدٌ فَلَوْ اسْتَحَقَّ بِيَمِينِهِ كَانَ مُسْتَحِقًّا بِدَعْوَاهُ وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّ دَعْوَاهُ لَمَّا كانت وَمَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِيَمِينِهِ إذْ كَانَتْ يَمِينُهُ قَوْلَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
حَدِيثُ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَضْرَمِيِّ الَّذِي خَاصَمَ الْكِنْدِيَّ فِي أَرْضٍ ادَّعَاهَا فِي يَدِهِ وَجَحَدَ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك
فَنَفَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَسْتَحِقَّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ قِيلَ لَهُ قَدْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَاحِدًا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ مَا يُوجِبُ صِحَّةَ دَعْوَاهُ عِنْدَ الْجُحُودِ فَأَمَّا حال الإقرار فلم يجز لَهَا ذِكْرٌ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إلَّا مَا ذَكَرْنَا فِي الْخَبَرِ وَالْإِقْرَارُ قَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وُجُوبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ فَحَكَمْنَا بِهِ أو الشاهد وَالْيَمِينُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقَضَى قَوْلُهُ شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ بِبُطْلَانِهِ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِأَخْبَارٍ رُوِيَتْ مُبْهَمَةً ذُكِرَ فِيهَا قَضِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ أَنَا ذَاكِرُهَا وَمُبَيِّنُ مَا فِيهَا أَحَدُهَا ما
حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرحمن عن سهل بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ عن زهير ابن مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ وَحَدِيثٌ آخَرُ
وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ
وَحَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الرحمن بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عبد الله بن الحرث قال حدثنا
стр. 648
سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى باليمين مع الشاهد
قال عمرو وإنما ذَاكَ فِي الْأَمْوَالِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا خُلْدُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ أَبِي جعفر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْحُقُوقِ وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ مَعَ الْيَمِينِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِيجَابِ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِهَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا فَسَادُ طُرُقِهَا وَالثَّانِي جُحُودُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ رِوَايَتَهَا وَالثَّالِثُ رَدُّ نَصِّ الْقُرْآنِ لَهَا وَالرَّابِعُ أَنَّهَا لَوْ سَلِمَتْ مِنْ الطَّعْنِ وَالْفَسَادِ لِمَا دَلَّتْ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَالْخَامِسُ احْتِمَالُهَا لِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ فَأَمَّا فَسَادُهَا مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ فَإِنَّ حَدِيثَ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِضَعْفِ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ هَذَا وَلِأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا يَصِحُّ لِمُخَالِفِنَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيمَا قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَذَكَرَهُ وَلَمْ يَلْجَأْ إلَى مَا وَجَدَهُ فِي كِتَابٍ وَأَمَّا
حَدِيثُ سُهَيْلٍ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قال حدثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبُ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
قَالَ أَبُو دَاوُد وَزَادَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ أَنِّي حَدَّثْته إيَّاهُ وَلَا أَحْفَظُهُ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَدْ كَانَ أَصَابَتْ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَزَالَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد الإسكندراني قَالَ حَدَّثَنَا زِيَادٌ يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بِإِسْنَادِ أَبِي مُصْعَبٍ وَمَعْنَاهُ قَالَ سُلَيْمَانُ فَلَقِيت سُهَيْلًا فَسَأَلْته عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَا أَعْرِفُهُ فَقُلْت لَهُ إنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْك قَالَ فَإِنْ كَانَ رَبِيعَةُ أَخْبَرَك عَنِّي فَحَدِّثْ بِهِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِّي وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ لا يثبت بِهِ شَرِيعَةٌ مَعَ إنْكَارِ مَنْ رُوِيَ
стр. 649
عَنْهُ إيَّاهُ وَفَقْدِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ ثُمَّ نَسِيَهُ قِيلَ لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَهَمَ بَدِيًّا فِيهِ وَرَوَى مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ آخِرُ أَمْرِهِ جُحُودَهُ وَفَقْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَمَّا حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَقِيلَ إنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ فَذَكَرَ فِيهِ جَابِرًا وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنَا إحْدَى الْعِلَلِ الْمَانِعَةِ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ بِهَا وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ عَنْ سِوَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْت رَبِيعَةَ الرَّأْيَ قُلْت قَوْلُكُمْ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ وَيَمِينَ صَاحِبِ الْحَقِّ قَالَ وَجَدْت فِي كِتَابِ سَعْدٍ فَلَوْ كَانَ حَدِيثُ سُهَيْلٍ صَحِيحًا عِنْدَ رَبِيعَةَ لَذَكَرَهُ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى مَا وَجَدَ فِي كتاب سعد وحدثنا عبد الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَ هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ لَا إلَّا شَاهِدَيْنِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قَالَ سَأَلْت ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ إيشْ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَ كَانَ يَقُولُ بِدْعَةً وَأَوَّلُ مَنْ أَجَازَهُ مُعَاوِيَةُ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ فَقَالَ مَا أَعْرِفُهُ وَإِنَّهَا البدعة وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ وَالزُّهْرِيُّ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي وَقْتِهِ فَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ ثَابِتًا كَيْفَ كَانَ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ وَأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَالِ مِنْ غَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَرَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالُوا أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله ابن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ شَهِدَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ وَإِخْوَتِهِ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَعْطَى أَخَاهُ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي أمية نصيبه من ريعه وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهَا فَأَجَازَ مُعَاوِيَةُ شَهَادَتَهَا وَحْدَهَا وَعَلْقَمَةُ حَاضِرٌ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ كَانَ قَضَاءُ مُعَاوِيَةَ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ جَائِزًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا قَضَاؤُهُ بِالشَّاهِدِ مِنْ غَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ فَاقْضُوا بِمِثْلِهِ وَأَبْطِلُوا حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ
стр. 650
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ لا يجوز شَهَادَةٌ عَلَى دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ دُونَ شَاهِدَيْنِ حَتَّى إذَا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ جَعَلَ مَعَ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ يَمِينَ الطَّالِبِ وَرَوَى مُطَّرِفُ بْنُ مَازِنٍ قَاضِي أَهْلِ الْيَمَنِ عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ قَالَ أَدْرَكْت هَذَا الْبَلَدَ يَعْنِي مَكَّةَ وَمَا يُقْضَى فِيهِ فِي الْحُقُوقِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ حَتَّى كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَامِلِهِ إنَّك كُنْت تَقْضِي بِالْمَدِينَةِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ إنَّا قَدْ كُنَّا نَقْضِي كَذَلِكَ وَإِنَّا وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تَقْضِيَنَّ
إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَقَدْ أَخْبَرَ هَؤُلَاءِ السَّلَفِ إنَّ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ سُنَّةُ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا خَفِيَ عَلَى عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا أَحَدُهُمَا فَسَادُ السَّنَدِ وَاضْطِرَابُهُ وَالثَّانِي جُحُودُ سُهَيْلٍ لَهُ وَهُوَ الْعُمْدَةُ فِيهِ وَإِخْبَارُ رَبِيعَةَ أَنَّ أَصْلَهُ مَا وُجِدَ فِي كِتَابِ سَعْدٍ وَإِنْكَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَإِخْبَارِهِمْ أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنَّهَا لَوْ وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ مُسْتَقِيمَةٍ تُقْبَلُ أَخْبَارُ الْآحَادِ فِي مِثْلِهَا وَعُرِّيَتْ مِنْ ظُهُورِ نَكِيرِ السَّلَفِ عَلَى روايتها وَإِخْبَارِهِمْ إنَّهَا بِدْعَةٌ لَمَا جَازَ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَوَجْهُ النَّسْخِ مِنْهُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ الَّذِي لَا يَرْتَابُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ سَامِعِي الْآيَةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ حُظِرَ قَبُولُ أَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَفِي اسْتِعْمَالِ هَذَا الْخَبَرِ تَرْكُ مُوجِبِ الْآيَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَنْطَوِيَ تَحْتَ ذِكْرِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ كَمَا كَانَ المفهوم من قوله فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَقَوْلِهِ فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ مَنَعَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا فِي كَوْنِهَا حَدًّا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ حد القاذف أقل من ثمانين وحد الزَّانِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ كَانَ مُخَالِفًا لِلْآيَةِ كَذَلِكَ مَنْ قَبِلَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِشْهَادِ شَاهِدَيْنِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الْآيَةِ كَذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ مَا أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ الْمَقْصِدِ فِي الْكِتَابِ وَاسْتِشْهَادِ الشُّهُودِ فِي قَوْلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وَقَوْلُهُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّوَثُّقُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَالِاسْتِظْهَارُ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ لِنَفْيِ الرِّيبَةِ
стр. 651
وَالشَّكِّ وَالتُّهْمَةِ عَنْ الشُّهُودِ فِي قَوْلِهِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وَفِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ رَفْعُ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا وَإِسْقَاطُ اعْتِبَارِهَا فَثَبَتَ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِهَا خِلَافُ الْآيَةِ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِمَّا قَدْ ظَهَرَ بِهِمَا مُخَالَفَةُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِلْآيَةِ وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْقُرْآنِ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ مُسْتَعْمَلًا ثَابِتًا وَكَانَتْ أَخْبَارُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مُخْتَلَفًا فِيهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَنْسُوخًا بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَوْ كان ثابتا لا تفق عَلَى اسْتِعْمَالِ حُكْمِهِ كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ حُكْمِ الْقُرْآنِ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّ خَبَرَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَوْ سَلِمَ مِنْ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَوَرَدَ مِنْ طُرُقٍ مُسْتَقِيمَةٍ لَمَا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي الاستحقاق فشاهد وَيَمِينِ الطَّالِبِ وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهَذِهِ حِكَايَةُ قَضِيَّةٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ حَتَّى يُحْتَجَّ بِهِ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا كَيْفِيَّتَهَا فِي الْخَبَرِ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
وَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ وُجُودَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ اسْتَحْلَفَهُ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدٍ فَأَفَادَ أَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا تَمْنَعُ اسْتِحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ أَصْلًا فَأَبْطَلَ الرَّاوِي بِنَقْلِهِ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ظَنَّ الظَّانِّ لِذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْجِنْسِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الرَّاوِي أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ فِي حَالٍ وَبِالْبَيِّنَةِ فِي حَالٍ فَلَا يَكُونَ حُكْمُ الشَّاهِدِ مُفِيدًا لِلْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَهَذَا كقوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما لَمَّا كَانَ اسْمًا لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ سَارِقًا وَاحِدًا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الَّذِي جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَاسْتَحْلَفَ الطَّالِبَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ ادَّعَى الْبَرَاءَةَ وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ احْتِمَالُهُ لِمُوَافَقَةِ مَذْهَبِنَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَادَّعَى عَيْبًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ إلَّا لِعُذْرٍ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي وُجُودِ الْعَيْبِ وَاسْتَحْلَفَ الْمُشْتَرِي مَعَ ذَلِكَ بِاَللَّهِ مَا رَضِيَ فَيَكُونُ قَدْ قَضَى بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَإِذَا كَانَ خَبَرُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مُحْتَمِلًا لِمَا وَصَفْنَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يُزَالَ بِهِ حُكْمٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ نَصِّ الْقُرْآنِ لِمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ مِنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ منى
стр. 652
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ الْمَرْوِيَّةَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَمْوَالِ أَوْ غَيْرِهَا وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلَانِهِ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ فَإِنْ قِيلَ قال عمرو ابن دِينَارٍ وَمَذْهَبُهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهَا فِي الْأَمْوَالِ فَإِذَا جَازَ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَإِنْ كَانَتْ الْقَضِيَّةُ مُبْهَمَةً لَيْسَ فِيهَا بَيَانُ ذِكْرِ الْأَمْوَالِ وَلَا غَيْرِهَا فَكَذَلِكَ لَا يَقْضِي بِهِ فِي الْأَمْوَالِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهَا وَلَيْسَ الْقَضَاءُ بِهَا فِي الْأَمْوَالِ بِأَوْلَى مِنْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَقْضِي بِهِ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمْوَالُ فَتَقُومُ يَمِينُ الطَّالِبِ مَقَامَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ قِيلَ لَهُ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَكَيْفَ صَارَتْ يَمِينُ الطَّالِبِ قَائِمَةً مَقَامَ شَاهِدٍ آخَرَ دُونَ أَنْ تَقُومَ مَقَامَ امْرَأَةٍ وَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً هَلْ تُقِيمُ يَمِينَهَا مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ لَهُ فَقَدْ صَارَتْ الْيَمِينُ آكَدَ مِنْ الشَّهَادَةِ لِأَنَّك لَا تَقْبَلُ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحُقُوقِ وَقَبِلْت يَمِينَهَا وَأَقَمْتهَا مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِقَبُولِ مَنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ شاهدة وقامت يَمِينُهَا مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ فَقَدْ خَالَفَتْ الْقُرْآنَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مَرْضِيًّا فِيمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَنَاقُضِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عُقُودِ الْمُدَايَنَاتِ وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي كافرا أو فاسقا وشهد منه شَاهِدٌ وَاحِدٌ اسْتَحْلَفُوهُ وَاسْتَحَقَّ مَا يَدَّعِيهِ بِيَمِينِهِ وَهُوَ لَوْ شَهِدَ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِهِ وَحَلَفَ عَلَيْهَا خَمْسِينَ يَمِينًا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَلَا أَيْمَانُهُ وَإِذَا ادَّعَى لِنَفْسِهِ وَحَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى بِقَوْلِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَلَا مَأْمُونٍ لَا فِي شَهَادَتِهِ وَلَا فِي أَيْمَانِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ وَتَنَاقُضِ مَذْهَبِهِمْ.
قَوْلُهُ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَطَاوُسٍ إذَا مَا دُعُوا لِإِقَامَتِهَا وَعَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ إذَا دُعُوا لِإِثْبَاتِ الشَّهَادَةِ فِي الْكُتُبِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ إثْبَاتِهَا فِي الكتاب وإقامتها بعد علم الْحَاكِمِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَيْهِمَا جميعا لعموم اللفظ هو فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى إثْبَاتِ الشَّهَادَةِ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا دُعُوا لِإِثْبَاتِ شَهَادَاتِهِمْ فِي الْكِتَابِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الشُّهُودِ الْحُضُورُ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنَّمَا عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَحْضُرَا عِنْدَ الشهود فإذا حضرا هم وَسَأَلَاهُمْ إثْبَاتَ شَهَادَاتِهِمْ فِي الْكِتَابِ فَهَذِهِ الْحَالُ هي المرادة بقوله
стр. 653
إِذا ما دُعُوا لإثبات الشهادة وأما إذا ما أَثْبَتَا شَهَادَتَهُمَا ثُمَّ دُعِيَا لِإِقَامَتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فهذا الدعاء هو كحضورهم عِنْدَ الْحَاكِمِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْضُرُ عِنْدَ الشَّاهِدَيْنِ لِيَشْهَدَا عِنْدَهُ وَإِنَّمَا الشُّهُودُ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَالدُّعَاءُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ لِإِثْبَاتِ الشهادة في الكتاب والدعاء والثاني لِحُضُورِهِمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وقَوْله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا عَلَى الْحَالَيْنِ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَالْإِقَامَةِ لَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وقَوْله تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ابْتِدَاءُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مَا انْتَظَمَهُ اللَّفْظُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى خُصُوصِهِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَا قَالَ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا فَسَمَّاهُمْ شُهَدَاءَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَالُ إقَامَتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ شُهَدَاءَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدُوا فِي الْكِتَابِ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَسَمَّاهُمَا شَهِيدَيْنِ وَأَمَرَ بِاسْتِشْهَادِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ حَالَ الِابْتِدَاءِ مُرَادَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَسَمَّاهُ زَوْجًا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الشاهد إثبات الشهداء ابْتِدَاءً وَيَلْزَمُهُ إقَامَتُهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْهَدْ غَيْرَهُ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَغُسْلِ الْمَوْتَى وَدَفْنِهِمْ وَمَتَى قَامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عن الباقين وَكَذَلِكَ حُكْمُ الشَّهَادَةِ فِي تَحَمُّلِهَا وَأَدَائِهَا وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ أَنَّهُ غير جائز للناس كلهم الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَلَوْ جَازَ لِكُلِّ واحد أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَحَمُّلِهَا لَبَطَلَتْ الْوَثَائِقُ وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ وَكَانَ فِيهِ سُقُوطُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَدَبَ إلَيْهِ مِنْ التَّوَثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى لُزُومِ فَرْضِ إثْبَاتِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ فَرْضَهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ تَحَمُّلُهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ فَإِذَا ثَبَتَ فَرْضُ التَّحَمُّلِ عَلَى الْكِفَايَةِ كَانَ حُكْمُ الْأَدَاءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَذَلِكَ إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ مِنْهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ إلَّا شَاهِدَانِ فَقَدْ تَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمَا مَتَى دُعِيَا لِإِقَامَتِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا وَقَالَ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وقال وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ وإذا كان منهما مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط
стр. 654
الفرض منهما لما وصفنا قوله وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تَمَلُّوا وَلَا تَضْجَرُوا أَنْ تَكْتُبُوا الْقَلِيلَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَأْجِيلِهِ وَالْكَثِيرَ الَّذِي نُدِبَ فِيهِ الْكِتَابُ وَالْإِشْهَادُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِيرَاطَ وَالدَّانِقَ ونحوه إذ ليس في العادة المدينة بِمِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ فَأَبَانَ أَنَّ حُكْمَ الْقَلِيلِ الْمُتَعَارَفِ فِيهِ التَّأْجِيلُ كَحُكْمِ الْكَثِيرِ فِيمَا نُدِبَ إلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّزْرَ الْيَسِيرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ وَأَنَّ قَلِيلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى كِتَابَتِهِ وَالْإِشْهَادِ فِيهِ وَكُلُّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْعَادَةِ فَطَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَغَالِبُ الظَّنِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا تَوْقِيفَ فِيهَا وَلَا اتِّفَاقَ وَقَوْلُهُ إِلى أَجَلِهِ يَعْنِي إلَى مَحِلِّ أَجَلِهِ فَيَكْتُبُ ذِكْرَ الْأَجَلِ فِي الْكِتَابِ وَمَحِلِّهِ كَمَا كَتَبَ أَصْلَ الدَّيْنِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمَا أَنْ يَكْتُبَا فِي الْكِتَابِ صِفَةَ الدَّيْنِ وَنَقْدَهُ وَمِقْدَارَهُ لِأَنَّ الأجل بعض أوصافه فَحُكْمُ سَائِرِ أَوْصَافِهِ بِمَنْزِلَتِهِ
وقَوْله تَعَالَى ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الْغَرَضَ الَّذِي أَجْرَى بِالْأَمْرِ وبالكتاب وَاسْتِشْهَادِ الشُّهُودِ هِيَ الْوَثِيقَةُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُتَدَايِنَيْنِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ وَرَفْعِ الْخِلَافِ وَبَيَّنَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِالْكِتَابَةِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْدَلُ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَقَعَ فِيهِ بَيْنَهُمْ التَّظَالُمُ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَثْبَتُ لَهَا وَأَوْضَحُ مِنْهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الرِّيبَةِ وَالشَّكِّ فِيهَا فَأَبَانَ لَنَا جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ أَمَرَ بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ احْتِيَاطًا لَنَا فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَدَفْعِ التَّظَالُمِ فِيمَا بَيْنَنَا وَأَخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْكِتَابِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلشَّهَادَةِ مَا نَفَى عَنْهَا الرَّيْبَ وَالشَّكَّ وَأَنَّهُ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ مَكْتُوبًا فَيَرْتَابُ الشَّاهِدُ فَلَا يَنْفَكُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الِارْتِيَابِ وَالشَّكِّ فَيُقْدِمَ عَلَى مَحْظُورٍ أَوْ يَتْرُكَهَا فَلَا يُقِيمَهَا فَيُضَيِّعَ حَقَّ الطَّالِبِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا مَعَ زَوَالِ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ إقَامَتُهَا إذَا لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِنْ عُرِفَ خَطُّهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْكِتَابَ مَأْمُورٌ بِهِ لِئَلَّا يَرْتَابَ بِالشَّهَادَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ إقَامَتُهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهَا فإذا كان الشك فيها يمنع فَعَدَمُ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهَا قَوْله تَعَالَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْبِيَاعَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ تَسْلِيمَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ بِلَا تَأْجِيلٍ فَأَبَاحَ تَرْكَ الْكِتَابِ فِيهَا وَذَلِكَ تَوْسِعَةٌ مِنْهُ جَلَّ
стр. 655
وَعَزَّ لِعِبَادِهِ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ لِئَلَّا يَضِيقَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ تَبَايُعِهِمْ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْأَقْوَاتِ الَّتِي حَاجَتُهُمْ إلَيْهَا مَاسَّةٌ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي نَسَقِ هَذَا الْكَلَامِ وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وعمومه يقتضى الإشهادة على سائر عقود البياعات بالأثمان العاجلة والآجلة وَإِنَّمَا خَصَّ التِّجَارَاتِ الْحَاضِرَةِ غَيْرِ الْمُؤَجَّلَةِ بِإِبَاحَةِ ترك الكتاب فيها فأما الإشهاد مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي جَمِيعِهَا إلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَيْسَ فِي الْعَادَةِ التَّوَثُّقُ فِيهَا بِالْإِشْهَادِ نَحْوَ شِرَى الْخُبْزِ وَالْبَقْلِ وَالْمَاءِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْإِشْهَادَ فِي شِرَى الْبَقْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ لَنُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ وَلَنَقَلَهُ الْكَافَّةُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِي عِلْمنَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأَقْوَاتِ وَمَا لَا يَسْتَغْنِي الْإِنْسَانُ عَنْ شِرَائِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ عَنْهُمْ الْإِشْهَادَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ وَإِنْ كَانَ نَدْبًا وَإِرْشَادًا فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْبِيَاعَاتِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى مَا يُخْشَى فِيهِ التَّجَاحُدُ مِنْ الْأَثْمَانِ الْخَطِيرَةِ وَالْأَبْدَالِ النَّفِيسَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْحُقُوقِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ عَيْبٍ إنْ وَجَدَهُ وَرُجُوعُ مَا يَجِبُ لِمُبْتَاعِيهِ بِاسْتِحْقَاقِ مُسْتَحِقٍّ لِجَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَكَانَ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكِتَابَ وَالْإِشْهَادَ عَلَى الْبِيَاعَاتِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَثْمَانٍ آجِلَةٍ وَالْإِشْهَادَ عَلَى الْبِيَاعَاتِ الْحَاضِرَةِ دُونَ الْكِتَابِ وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ قَالَ إذَا كَانَ نَسِيئَةً كُتِبَ وَإِذَا كَانَ نَقْدًا أُشْهِدَ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي النَّقْدِ إنْ أَشْهَدْت فَهُوَ ثِقَةٌ وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ فَلَا بَأْسَ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ إنَّ الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ عِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ قَوْلُهُ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ هِيَ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إلَى الْكَاتِبِ أَوْ الشَّاهِدِ فَيَقُولَ إنِّي عَلَى حَاجَةٍ فَيَقُولَ إنَّك قَدْ أُمِرْت أَنْ تُجِيبَ فَلَا يُضَارَّ وَعَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ مِثْلُهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ لَا يُضَارَّ كَاتِبٌ فَيَكْتُبْ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا يُضَارَّ الشَّهِيدُ فَيَزِيدَ فِي شَهَادَتِهِ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ لَا يُضَارَّ بِفَتْحِ الراء فكانت إحدى القرائتين نَهْيًا لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَنْ مُضَارَّةِ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى فِيهَا نَهْيُ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ عَنْ مُضَارَّةِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مُسْتَعْمَلٌ فَصَاحِبُ الْحَقِّ مَنْهِيٌّ عَنْ مُضَارَّةِ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ بِأَنْ يَشْغَلَهُمَا عَنْ حَوَائِجِهِمَا وَيُلِحَّ عَلَيْهِمَا فِي الِاشْتِغَالِ «١٧- أحكام في»
стр. 656
بِكِتَابِهِ وَشَهَادَتِهِ وَالْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ
عَنْ مُضَارَّةِ الطَّالِبِ بِأَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ مَا لَمْ يُمِلَّ وَيَشْهَدُ الشَّهِيدُ بِمَا لَمْ يَسْتَشْهِدْ وَمِنْ مُضَارَّةِ الشَّهِيدِ لِلطَّالِبِ الْقُعُودُ عَنْ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا شَاهِدَانِ فَعَلَيْهِمَا فَرْضُ أَدَائِهَا وَتَرْكُ مُضَارَّةِ الطَّالِبِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ إقَامَتِهَا وَكَذَلِكَ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ إذَا لَمْ يَجِدَا غَيْرَهُ فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى فِي التجارة فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ كَتْبَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالْإِشْهَادَ فِيهِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى عُقُودِ الْمُدَايَنَاتِ الْمُؤَجَّلَةِ لَمَّا كَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَكَانَ تَارِكُهُ تَارِكًا لِمَا نُدِبَ إلَيْهِ من الاحتياط لما له جَازَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها بِأَنْ لَا تَكُونُوا تَارِكِينَ لِمَا نُدِبْتُمْ إلَيْهِ بترك الكتابة كما تكونوا تَارِكِينَ النَّدْبَ وَالِاحْتِيَاطَ إذَا لَمْ تَكْتُبُوا الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ وَلَمْ تَشْهَدُوا عَلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْكُمْ فِي بَابِ حِيَاطَةِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَلِّمُ مَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ بِإِزَاءِ تَسْلِيمِ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ عطفا على ذكر المضارة تدل عَلَى أَنَّ مُضَارَّةَ الطَّالِبِ لِلْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ وَمُضَارَّتُهُمَا لَهُ فِسْقٌ لِقَصْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى مُضَارَّةِ صَاحِبِهِ بَعْدَ نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهَا والله أعلم.
بَابُ الرَّهْنِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا عَدِمْتُمْ التَّوَثُّقَ بِالْكِتَابِ والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة وقام الرَّهْنَ فِي بَابِ التَّوَثُّقِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَصِلُ فِيهَا إلَى التَّوَثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ مَقَامَهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ حَالَ السَّفَرِ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِيهَا عَدَمُ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الرَّهْنَ إلَّا فِي السَّفَرِ وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الْحَضَرِ فَذَهَبَ مُجَاهِدٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمَّا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْآيَةِ وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْآيَةُ فِي السَّفَرِ لَمْ يَثْبُتْ فِي غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَعَامَّةِ السَّلَفِ فِي جَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ
وَقَدْ رَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ
وَرَوَى قَتَادَةُ عن أنس قال رهن النبي ﷺ درعا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ
فَثَبَتَ جَوَازُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ بِفِعْلِهِ ﷺ وقال تعالى فَاتَّبِعُوهُ وَقَالَ لَقَدْ كانَ
стр. 657
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ لِحَالِ السَّفَرِ بِذِكْرِ الرَّهْنِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِيهَا عَدَمُ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ وَهَذَا كَمَا
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ
لَمْ يُرِدْ بِهِ وُجُودَ الْمَخَاضِ وَاللَّبَنِ بِالْأُمِّ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ مِنْ الْحَالِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ لَا يَكُونَ بِأُمِّهَا مَخَاضٌ وَلَا لَبَنٌ فَكَذَلِكَ ذِكْرُ السَّفَرِ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ حَتَّى يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ
وَالْمُرَادُ اسْتِحْكَامُهُ وَجَفَافُهُ لَا حُصُولُهُ فِي الْجَرِينِ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ فِي بَيْتِهِ أَوْ حَانُوتِهِ بَعْدَ اسْتِحْكَامِهِ وَجَفَافِهِ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ قُطِعَ فِيهِ فَكَانَ ذِكْرُ الْجَرِينِ عَلَى الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ مِنْ حَالِهِ فِي اسْتِحْكَامِهِ فَكَذَلِكَ ذِكْرُهُ لِحَالِ السَّفَرِ هُوَ عَلَى هذا المعنى وقوله فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْبُوضًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ فَلَمَّا كَانَ اسْتِيفَاءُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ لِلشُّهُودِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيمَا شَرَطَ لَهُ مِنْ الصِّفَةِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَيْهَا كَمَا لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الشُّهُودِ إلَّا عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ إذْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْإِيجَابِ وَالْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْآيَةِ وَالْآيَةُ إنَّمَا أَجَازَتْهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ إجَازَتُهُ عَلَى غَيْرِهَا إذْ لَيْسَ هاهنا أَصْلٌ آخَرُ يُوجِبُ جَوَازَ الرَّهْنِ غَيْرُ الْآيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْبُوضًا أنه معلوم أنه وثيقة لمرتهن بِدَيْنِهِ وَلَوْ صَحَّ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لَبَطَلَ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِ الرَّاهِنِ الَّتِي لَا وَثِيقَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهَا وَإِنَّمَا جُعِلَ وَثِيقَةً لَهُ لِيَكُونَ مَحْبُوسًا فِي يَدِهِ بِدَيْنِهِ فَيَكُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ كَانَ لَغْوًا لَا مَعْنَى فِيهِ وَهُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا يَكُونُ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ مَا دَامَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنْ هُوَ سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي سَقَطَ حَقُّهُ وَكَانَ هُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ سَوَاءً فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إقْرَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا وَالشَّافِعِيُّ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِالْقَبْضِ وَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِيهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَحُكِمَ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيِّنَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى إقْرَارِ الْمُصَدَّقِ بِالْقَبْضِ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَبْضِ فَقِيلَ إنَّ الْقِيَاسَ قَوْلُهُ فِي الرَّهْنِ كَذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِقَبْضِ الرَّهْنِ اتِّفَاقُ
стр. 658
الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِهِ بِالْبَيْعِ وَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ فكذلك قبض الرهن والله أعلم.
ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي رَهْنِ الْمُشَاعِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ وَلَا فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَمَا يُقْسَمُ وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الثَّوْرِيِّ فِي رَجُلٍ يَرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَيَسْتَحِقُّ بعضه قال يحرج مِنْ الرَّهْنِ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ الرَّاهِنَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يُقْسَمُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا صَحَّ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْبُوضًا مِنْ حَيْثُ كَانَ رَهْنُهُ عَلَى جِهَةِ الْوَثِيقَةِ وَكَانَ فِي ارْتِفَاعِ الْقَبْضِ ارْتِفَاعُ مَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْوَثِيقَةُ وَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ وَفِيمَا لَا يُقْسَمُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن العقد وَهُوَ الشَّرِكَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا دَفْعَ الْقَبْضِ لِلْمُهَايَأَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ مَا يُبْطِلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَتَى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْقَبْضَ بِالْمُهَايَأَةِ وَعَادَ إلَى يَدِ الشَّرِيكِ فَقَدْ بَطَلَ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عَارِيَّةِ الرهن المقبوض إذا أعاده لراهن فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى يَدِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا الْقَبْضَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ وَإِنَّمَا هُوَ ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَبْضُ مُسْتَحَقًّا بِمَعْنًى يُقَارِنُ الْعَقْدَ وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقْسَمُ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ شَرْطِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ كَالرَّهْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْهِبَةِ مِنْ الْقَبْضِ لِصِحَّةِ الْمِلْكِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ بَقَاءِ الْمِلْكِ اسْتِصْحَابُ الْيَدِ فَلَمَّا صَحَّ الْقَبْضُ بَدِيًّا لَمْ يَكُنْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ تَأْثِيرٌ فِي رَفْعِ الْمِلْكِ وَلَمَّا كَانَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُرْتَهِنِ رَفْعُ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ مَا يُبْطِلُهُ وَيُنَافِيهِ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا أَجَزْت رَهْنَهُ مِنْ شَرِيكِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ يَدِهِ فِي الثَّانِي لِأَنَّ يَدَهُ تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ قِيلَ لَهُ لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ اسْتِخْدَامَهُ إنْ كَانَ عَبْدًا بِالْمُهَايَأَةِ بِحَقِّ مِلْكِهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَدُهُ فِيهِ يَدَ رَهْنٍ فَقَدْ اُسْتُحِقَّتْ يَدُ الرَّهْنِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِاسْتِحْقَاقِ قَبْضِ الرَّهْنِ مُقَارِنًا للعقد وَاخْتُلِفَ فِي رَهْنِ الدَّيْنِ فَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ بِحَالٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَبِعْته بَيْعًا وَارْتَهَنْت مِنْهُ الدَّيْنَ الَّذِي
стр. 659
لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ أن يرتهن دينا على غيره لأنه جائز لِمَا عَلَيْهِ قَالَ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ على ذلك الرَّجُلِ وَيَبْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا وَيُرْهَنَ مِنْهُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ وَيَقْبِضَ ذَلِكَ الْحَقَّ لَهُ وَيَشْهَدَ لَهُ وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَاهُ وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وَقَبْضُ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ مَا دَامَ دَيْنًا لَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَا إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُوَ حَقٌّ لَا يَصِحُّ فِيهِ قَبْضٌ وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِي الْأَعْيَانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو ذَلِكَ الدَّيْنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ الْأَوَّلِ أَوْ مُنْتَقِلًا إلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ الْفَضْلِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنْ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ هُوَ رَهْنًا لِبَقَائِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْغَيْرِ أَبْعَدُ فِي الْجَوَازِ لِعَدَمِ الْحِيَازَةِ فِيهِ وَالْقَبْضِ بِحَالٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّهْنِ إذَا وُضِعَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وَالثَّوْرِيُّ يَصِحُّ الرَّهْنُ إذَا جَعَلَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا جَعَلَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَضَيَاعُهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رَهْنِ شِقْصِ السَّيْفِ إنَّ قَبْضَهُ أَنْ يُحَوِّلَ حَتَّى يَضَعَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَوْ عَلَى يَدَيْ الشَّرِيكِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قوله فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَقْتَضِي جَوَازَهُ إذَا قَبَضَهُ الْعَدْلُ إذْ لَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَالْعَدْلِ وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ قَبْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَيْضًا
فَإِنَّ الْعَدْلَ وَكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْقَبْضِ فَكَانَ الْقَبْضُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ فِي الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْمَقْبُوضَاتِ بِوَكَالَةِ مَنْ لَهُ الْقَبْضُ فِيهَا فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْعَدْلُ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لَكَانَ لَهُ أن يقبضه منه ولما كان العدل أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ قِيلَ لَهُ هَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا وَقَابِضًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ مِنْ قبل أن الراهن لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا رَضِيَ بِيَدِ وَكِيلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَى هُوَ قَابِضٌ لِلسِّلْعَةِ لِلْمُوَكِّلِ وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا بِالثَّمَنِ وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْحَبْسِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَيْسَ جَوَازُ حَبْسِ الْوَكِيلِ الرَّهْنِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ عَلَمًا لِنَفْيِ الْوَكَالَةِ وَكَوْنِهِ قَابِضًا لَهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَدَ الْعَدْلِ يَدُ الْمُرْتَهِنِ وَأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِي الْقَبْضِ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَتَى شَاءَ أَنْ يَفْسَخَ هَذَا الرَّهْنَ وَيُبْطِلَ يَدَ الْعَدْلِ ويرده إلى الراهن وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ إبْطَالُ يَدِ الْعَدْلِ فَدَلَّ ذَلِكَ
стр. 660
عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ جَعَلَا الْمَبِيعَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لَمْ يخرج عن ضمان البيع وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِهِ كَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ قِيلَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَدْلَ فِي الْبَيْعِ لَوْ صَارَ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي لَخَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَفِي خُرُوجِهِ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ سُقُوطُ حَقِّهِ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ قَبْضَهُ بَطَلَ حَقُّهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَيْسَ لَهُ إلَّا قَبْضٌ وَاحِدٌ فَمَتَى وُجِدَ سَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى يَدِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ وَكِيلًا لَهُ لَصَارَ قَابِضًا لَهُ قَبْضَ بَيْعٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مَمْنُوعًا مِنْهُ فَكَانَ لَا مَعْنَى لِقَبْضِ الْعَدْلِ بَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي كَأَنَّهُ قَبَضَهُ وَالْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ لِلْمُشْتَرِي لَتَمَّ الْبَيْعُ فِيهِ وَفِي تَمَامِ الْبَيْعِ سُقُوطُ حَقِّ الْبَائِعِ فِيهِ فَلَا مَعْنَى لِبَقَائِهِ فِي يَدَيْ الْعَدْلِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ لِأَنَّ كَوْنَ الْعَدْلِ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لَا يُوجِبُ إبْطَالَ حَقِّ الرَّاهِنِ أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الرَّاهِنِ بَاقٍ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِ الْعَدْلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْضِ الْعَدْلِ وَقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَفَارَقَ الْعَدْلَ فِي الشِّرَى لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي إذْ كَانَ يَصِيرُ فِي مَعْنَى قَبْضِ الْمُشْتَرِي فِي خُرُوجِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَدُخُولِهِ فِي ضَمَانِهِ وَفِي مَعْنَى تَمَامِ الْبَيْعِ فِيهِ وَسُقُوطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْهُ وَالْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِلْبَائِعِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ مُوجِبٌ لَهُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ أَوْ يَرْضَى بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي أَوْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ ضَمَانِ الرَّهْنِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ فَعَطَفَ بِذِكْرِ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّهْنِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِأَمَانَةٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَانَةً كَانَ مَضْمُونًا إذْ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَانَةً لَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ الْأَمَانَةَ لِأَنَّ الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف عَلَى غَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ الرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ وَقَالَ الثَّقَفِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ ثِيَابًا فَهُوَ مَضْمُونٌ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَإِنْ كَانَ عَقَارًا أَوْ حَيَوَانًا فَهَلَكَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ
стр. 661
اشْتَرَطَ الضَّمَانَ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ عَلِمَ هَلَاكَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلَاكَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ يُقَالُ لَهُ صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ حَلَفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى الرَّاهِنُ حَلَفَ عَلَى مَا سَمَّى وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضُلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ فِيهِ إذَا شَرَطَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُصَدَّقٌ فِي ضَيَاعِهِ وَأَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ ضَامِنٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ فَدَيْنُهُ بَاقٍ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَغْلَقُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمَا فِيهِ إذَا عَلِمَ وَلَكِنْ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلَاكَهُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ قَالَ فَأَمَّا غُنْمُهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ وَأَمَّا غُرْمُهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ وَفَّاهُ إيَّاهُ وَقَالَ اللَّيْثُ الرَّهْنُ مِمَّا فِيهِ إذَا هَلَكَ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا فِيهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا فِيهِ تَرَادَّا الْفَضْلَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ أَمَانَةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحَالٍ إذَا هَلَكَ سَوَاءٌ كَانَ هَلَاكُهُ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اتفق السلف عن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِ
فَرَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ قال إذا كان أكثر مما رهن فَهَلَكَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْفَضْلِ وَإِذَا كَانَ بِأَقَلَّ مِمَّا رَهَنَهُ بِهِ فَهَلَكَ رَدَّ الرَّاهِنُ الْفَضْلَ
وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ وَهُوَ قول إبراهيم النخعي
وروى الشعبي عن الحرث عَنْ عَلِيٍّ فِي الرَّهْنِ إذَا هَلَكَ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ قَالَ إذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَهُوَ بِمَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ تُصِبْهُ جَائِحَةٌ وَاتُّهِمَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْفَضْلَ
فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ وَفِي جَمِيعِهَا ضَمَانُهُ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَرُوِيَ عَنْ ابن عمر أنه يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَقَالَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ وَقَالَ شُرَيْحٌ وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى ضَمَانِهِ وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهُ أَمَانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ خَارِجًا عَنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ وَفِي الْخُرُوجِ عَنْ اخْتِلَافِهِمْ مُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى ضَمَانِهِ فَذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى
стр. 662
بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَائِلِ بِنَفْيِ ضَمَانِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ وَبَيْنَ اتفاقهم على وجه واحد فيه أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ مِنْ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ مَضْمُونٌ فَهَذَا اتِّفَاقٌ قَاضٍ بِفَسَادِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ أَمَانَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى ضَمَانِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْت عَطَاءً يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَنَفَقَ فِي يَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُرْتَهِنِ ذَهَبَ حَقُّك وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لَا شَيْءَ لَك
فَقَوْلُهُ لِلْمُرْتَهِنِ ذَهَبَ حَقُّك
إخْبَارٌ بِسُقُوطِ دَيْنِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ هُوَ دَيْنُهُ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْغَنَوِيُّ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الزَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إسحاق قال حدثنا المسيب ابن وَاضِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ
وَالْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ ضَمَانُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ شُرَيْحٍ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حديد وكذلك
قول محارب ابن دِثَارٍ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَاتَمٍ رُهِنَ بِدَيْنٍ فَهَلَكَ أَنَّهُ بِمَا فِيهِ
وَظَاهِرُ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ قَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الرَّهْنِ أَوْ أَقَلَّ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ رَدَّ الْفَضْلَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَحَقُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يُبَاعَ فَيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَقْبُوضٌ لِلِاسْتِيفَاءِ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهٍ فَإِنَّمَا يَكُونُ هَلَاكُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَقْبُوضٌ بِهِ كَالْمَغْصُوبِ مَتَى هَلَكَ هَلَكَ عَلَى ضَمَانِ الْغَصْبِ وَكَذَلِكَ الْمَقْبُوضُ عَلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ جَائِزٍ إنَّمَا يَهْلَكُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حَصَلَ قَبْضُهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفَاءِ بِالدَّلَالَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَلَاكُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَيَكُونَ مُسْتَوْفِيًا بِهَلَاكِهِ لِدَيْنِهِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ فَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ قِيمَةً فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَجْعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعِدَّةِ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِ دَيْنِهِ فَيَكُونُ أَمِينًا فِي الْفَضْلِ وَيَدُلُّ عَلَى ضَمَانِهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى بُطْلَانِ الرَّهْنِ بِالْأَعْيَانِ نَحْوَ الْوَدَائِعِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا لِلْعَيْنِ وَصَحَّ بِالدُّيُونِ الْمَضْمُونَةِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ
стр. 663
بِالدَّيْنِ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ بِهَلَاكِهِ وَيَدُلُّ عليه أنا لم نجد في الوصول حَبْسًا لِمِلْكِ الْغَيْرِ لِحَقٍّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي لَمَّا كَانَ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ وَكَذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ يَكُونُ مَحْبُوسًا فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ مَضْمُونًا بِالْمَنَافِعِ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ وَيَلْزَمُهُ بِحَبْسِهِ ضَمَانُ الْأُجْرَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلُ الْمَنَافِعِ فَثَبَتَ أَنَّ حَبْسَ مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَخْلُو مِنْ تَعَلُّقِ ضَمَانٍ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِكَوْنِهِ أَمَانَةً
بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا يُوَصِّلُهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ وَقَوْلُهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ ابن الْمُسَيِّبِ كَمَا
رَوَى مَالِكٌ وَيُونُسَ وَابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
قَالَ يُونُسَ بْنُ زَيْدٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ الرَّهْنُ لِمَنْ رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ فَأَخْبَرَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ لَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا قَالَ وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ ذلك بل كان يغرمه إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ زِيَادَتَهُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ نُقْصَانَهُ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَمَّا
قَوْلُهُ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وطاوسا ذكرا جميعا أنهم كانوا يَرْهَنُونَ وَيَقُولُونَ إنْ جِئْتُك بِالْمَالِ إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَهُوَ لَك
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
وَتَأَوَّلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ إذَا ضَاعَ قَدْ غَلِقَ الرَّهْنُ إنَّمَا يُقَالَ غَلِقَ إذَا اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ فَذَهَبَ بِهِ وَهَذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ
بِقَوْلِهِ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّهُمْ يَقُولُونَ غَلِقَ الرَّهْنُ إذَا ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ قَالَ زُهَيْرٌ:
وَفَارَقْتُك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلَقَا
يَعْنِي ذهبت بقلبه شَيْءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
فَهَلْ يَمْنَعُنِي ارْتِيَادُ البلا ... دمن حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِينِ
عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حَافِظٌ ... فَقَلَّ فِي امْرِئٍ غَلْقُ مُرْتَهَنِ
فَقَالَ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي فَقَلَّ فِي امْرِئٍ غَلْقُ مُرْتَهِنِ يَعْنِي أَنَّهُ يَمُوتُ فَيَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كأن لم
стр. 664
يَكُنْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ يَنْصَرِفُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْمُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ وَالثَّانِي عِنْدَ الْهَلَاكِ لَا يَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَفَصَلَهُ بَعْضُهُمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ لَهُ زِيَادَتَهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانَهُ فَإِنَّهُ تَأْوِيلٌ خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ الْفُقَهَاءِ خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُرْمَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ اللُّزُومُ قَالَ الله تعالى إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يَعْنِي ثَابِتًا لَازِمًا وَالْغَرِيمُ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ وَيُسَمَّى بِهِ أَيْضًا الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ لِأَنَّ لَهُ اللُّزُومَ وَالْمُطَالَبَةَ
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ فَجَعَلَ الْغُرْمَ
هُوَ لُزُومُ الْمُطَالَبَةِ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْآدَمِيِّ
وَفِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ
وَقَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ- إلى قوله- وَالْغارِمِينَ وهم المدينون وقال تعالى إِنَّا لَمُغْرَمُونَ يَعْنِي مُلْزَمُونَ مُطَالَبُونَ بِدُيُونِنَا فَهَذَا أَصْلُ الْغُرْمِ في أصل اللغة وَحَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي مَعْنَى الْغُرْمِ قَالَ أَبُو عُمَرَ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ إنَّ هَلَاكَ الْمَالِ وَنُقْصَانَهُ يُسَمَّى غُرْمًا لِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ لَا يُسَمَّى غَرِيمًا وَإِنَّمَا الْغَرِيمُ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ لِلْآدَمِيِّ بِدَيْنٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ أَنَّهُ نقصانه خَطَأٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ هُوَ الْقَائِلُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ عَلَى مَا قَالَهُ الشافعى لأن مِنْ مَذْهَبِهِ ضَمَانُ الرَّهْنِ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ فِي كِتَابِ السَّبْعَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةَ بْنِ زيد وعبيد الله بن عبيد اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إذَا هَلَكَ وَعَمِيَتْ قِيمَتُهُ وَيَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ الثِّقَةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ضَمَانَ الرَّهْنِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَالْوَاجِبُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقْضِيَ بِتَأْوِيلِ الرَّاوِي عَلَى مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ فَجَعَلَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَنَّهُ فِي الْأَمْوَالِ حُجَّةً فِي أَنْ لَا يُقْضَى فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَقَضَى بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ أَنَّهُ بِقِلَالِ
стр. 665
هَجَرَ عَلَى مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا أَنَّهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ قَاضِيًا عَلَى مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَلَزِمَهُ عَلَى هَذَا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَاضِيًا عَلَى مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ كَانَ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ ثَابِتًا عَنْهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَنَّ لِلرَّاهِنِ زِيَادَتَهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ وَهُوَ تَفْسِيرُ
قَوْلِهِ ﷺ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَ اسْتِحْقَاقَ مِلْكِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الدَّيْنِ
فَقَالَ ﷺ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ يَعْنِي لِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ يَعْنِي زِيَادَتَهُ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لا يستحق غير عين الرهن لا نماءه وَزِيَادَتِهِ وَأَنَّ دَيْنَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ كَقَوْلِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنُهُ فَإِذًا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِ الرَّهْنِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ
وَقَوْلُهُ ﷺ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
إذَا أَرَادَ بِهِ حَالَ بَقَائِهِ عِنْدَ الْفِكَاكِ وَإِبْطَالَ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَ اسْتِحْقَاقِ مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ قَدْ حَوَى مَعَانِيَ مِنْهَا أَنَّ الرَّهْنَ لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَجُوزُ هُوَ لِإِبْطَالِ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَهُمْ وَإِجَازَتِهِ الرَّهْنَ وَمِنْهَا أَنَّ الرَّهْنَ لَمَّا كَانَ شَرْطُ صِحَّتِهِ الْقَبْضَ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ثُمَّ لَمْ تُفْسِدْهُ الشُّرُوطُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَبْضِ مِنْ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فِي أَنَّ الشُّرُوطَ لَا تُفْسِدُهَا لِاجْتِمَاعِهَا فِي كَوْنِ الْقَبْضِ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكَاتِ لَا تُعَلَّقُ عَلَى الْأَخْطَارِ لِأَنَّ شَرْطَهُمْ لِمِلْكِ الرَّهْنِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَانَ تَمْلِيكًا مُعَلَّقًا عَلَى خَطَرٍ وَعَلَى مَجِيءِ وَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَرْطَ التَّمْلِيكِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي سَائِرِ عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ وَالْبَرَاءَةِ فِي امْتِنَاعِ تَعَلُّقِهَا عَلَى الْأَخْطَارِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ وَهَبْت لَك الْعَبْدَ أَوْ قَالَ قَدْ بِعْتُكَهُ إنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَقَعُ بِهِ الْمِلْكُ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ أَبْرَأْتُك مِمَّا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَفَارَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ الْعَتَاقَ وَالطَّلَاقَ فِي جَوَازِ تَعَلُّقِهِمَا عَلَى الْأَخْطَارِ لِأَنَّ لَهُمَا أَصْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الله تعالى قد أجاز الكتابة بقوله ﷺ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَهُوَ أَنْ يَقُولَ كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ وَذَلِكَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى خَطَرٍ وَعَلَى مَجِيء حَالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ وَقَالَ فِي شَأْنِ الطَّلَاقِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إيقَاعِهِ فِي الْحَالِ وَبَيْنَ إضَافَتِهِ إلَى وَقْتِ السُّنَّةِ وَلَمَّا كَانَ إيجَابُ هَذَا الْعَقْدِ أَعْنِي الْعِتْقَ عَلَى مَالٍ وَالْخُلْعُ بمال
стр. 666
مَشْرُوطٌ لِلزَّوْجِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيمَا أَوْجَبَهُ قَبْلَ قَبُولِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ صَارَ ذَلِكَ عِتْقًا مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ بِمَنْزِلَةِ شُرُوطِ الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِيهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّقِهِمَا عَلَى شُرُوطٍ وَأَوْقَاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ وَالْمَعْنَى فِي هَذَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَلْحَقُهُمَا الْفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهِمَا وَسَائِرُ الْعُقُودِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهَا فَلِذَلِكَ لم يصح تغلقها عَلَى الْأَخْطَارِ وَنَظِيرُ دَلَالَةِ
قَوْلِهِ ﷺ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ
عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَعَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَهَذِهِ بِيَاعَاتٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا لَمَسَ السِّلْعَةَ أَوْ أَلْقَى الثَّوْبَ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ حَصَاةً وَجَبَ الْبَيْعُ فَكَانَ وُقُوعُ الْمِلْكِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بَلْ بِفِعْلٍ آخَرَ يَفْعَلُهُ أَحَدُهُمَا فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكَاتِ لَا تَتَعَلَّقُ عَلَى الْأَخْطَارِ وَإِنَّمَا جَعَلَ أَصْحَابُنَا الرَّهْنَ مَضْمُونًا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفَاءِ وَجَبَ اعْتِبَارُ مَا يَصِحُّ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْ عِدَّةٍ أَقَلَّ مِنْهَا وَلَا أَكْثَرَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي الْفَضْلِ وَضَامِنًا لِمَا نَقَصَ الرَّهْنُ عَنْ الدَّيْنِ وَمَنْ جَعَلَهُ بِمَا فِيهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ شَبَّهَهُ بِالْمَبِيعِ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَنَّهُ يَهْلَكُ بِالثَّمَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا كَانَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ بِهَلَاكِهِ فَسَقَطَ الثَّمَنُ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ بَقَاءُ الثَّمَنِ مَعَ انْتِقَاضِ الْبَيْعِ وَأَمَّا الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يَتِمُّ بِهَلَاكِهِ وَلَا يُنْتَقَضُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ بِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ ضَمَانِهِ بِمَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ إذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ عَنْ الدَّيْنِ أَمَانَةً فَمَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً وَأَنْ لَا يَكُونَ حَبْسُهُ بِالدَّيْنِ لِلِاسْتِيفَاءِ مُوجِبًا لِضَمَانِهِ لِوُجُودِنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الزِّيَادَةِ مَعَ عَدَمِ الضَّمَانِ فِيهَا وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَرْهُونَةِ الْمَوْلُودُ بَعْدَ الرَّهْنِ يَكُونُ مَحْبُوسًا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ مَعَ الْأُمِّ وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مَحْبُوسًا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ عِلَّةً لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا قِيلَ لَهُ إنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الدَّيْنِ مِنْ مِقْدَارِ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَوَلَدِ الْمَرْهُونَةِ كِلَاهُمَا تَابِعٌ لِلْأَصْلِ غَيْرُ جَائِزٍ إفْرَادُهُمَا دُونَ الْأَصْلِ إذَا أُدْخِلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُمَا بِحُكْمِ الضَّمَانِ لِامْتِنَاعِ إفْرَادِهِمَا بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ حُدُوثِ الْوِلَادَةِ وَلَيْسَ حُكْمُ مَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ حُكْمَ مَا يُفْرَدُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِ الْأُمِّ وَيُثْبِتُ لَهُ حَقَّ الِاسْتِيلَادِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ وَلَا يَصِحُّ انْفِرَادُهُ فِي الْأَصْلِ
стр. 667
بِهَذَا الْحَقِّ لَا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ وَهُوَ حَمْلٌ مَعَ اسْتِحَالَةِ إفْرَادِهِ بِالْعَقْدِ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْت مِنْ زِيَادَةِ الرَّهْنِ وَوَلَدِ الْمَرْهُونَةِ لَمَّا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْأَصْلِ وَلَا أَنْ يَلْحَقَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا اُبْتُدِئَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَهْدَى بَدَنَةً فَزَادَتْ فِي بَدَنِهَا أَوْ وَلَدَتْ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهَا بِزِيَادَتِهَا وَوَلَدِهَا وَلَوْ ذَهَبَتْ الزِّيَادَةُ وَهَلَكَ الْوَلَدُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالْهَلَاكِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَسَطٌ فَأَهْدَى بَدَنَةً خِيَارًا مُرْتَفِعَةً أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ حُكْمُهَا ثَابِتٌ مَا بَقِيَ الْأَصْلُ فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ بَطَلَ حُكْمُ الزِّيَادَةِ وَعَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَدَلُ الزِّيَادَةِ وَلَدًا وَلَدَتْهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَرْهُونَةِ وَزِيَادَتُهَا على قيمة الرهن هذا حكمهما فِي بَقَاءِ حُكْمِهَا مَا دَامَا قَائِمَيْنِ وَسُقُوطُ حكمهما إذا هلكا والله أعلم.
ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالرَّهْنِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زيادة وَزُفَرُ لَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ الرهن ولا الراهن أيضا وقالوا إذا آجر المرتهن الراهن بِإِذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ آجَرَهُ الرَّاهِنُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فقد خرج من الراهن وَلَا يَعُودُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إذَا آجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حاله وَالْغَلَّةُ لِلْمُرْتَهِنِ قَضَاءً مِنْ حَقِّهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا خَلَّى الْمُرْتَهِنُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالرَّاهِنِ يُكْرِيهِ أَوْ يُسَكِّنُهُ أَوْ يُعِيرُهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا وَإِذَا آجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الرَّهْنِ وَكَذَلِكَ إذَا أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا آجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَالْأَجْرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَا يَكُونُ الْكَرْيُ رَهْنًا بِحَقِّهِ إلا أن يشترط المرتهن فإن اشتراطه فِي الْبَيْعِ أَنْ يَرْتَهِنَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ الْكَرْيِ فَإِنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقَعَ بِهَذَا الشَّرْطِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ شَرَطَ فِيهِ الْبَائِعُ بَيْعَهُ الرَّهْنَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِ وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَذَكَرَ المعاني عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُنْتَفَعَ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ وَلَا يُقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ الْمَرْهُونِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ غَلَّةُ الرَّهْنِ لِصَاحِبِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ منها والفضل له فإن لم تكن له غَلَّةً وَكَانَ يَسْتَخْدِمُهُ فَطَعَامُهُ بِخِدْمَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَخْدِمُهُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ ابن صَالِحٍ لَا يَسْتَعْمِلُ الرَّهْنَ
стр. 668
وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَارًا يَخَافُ خَرَابَهَا فَيَسْكُنَهَا الْمُرْتَهِنُ لَا يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَإِنَّمَا يُرِيدُ إصْلَاحَهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إذَا لَبِسَ الْمُرْتَهِنُ الْخَاتَمَ لِلتَّجَمُّلِ ضَمِنَ وَإِنْ لَبِسَهُ لِيَحُوزَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدُ الرَّهْنَ بِطَعَامِهِ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ بِقَدْرِ العمل فإن كان العمل أكثر أخذ أفضل ذَلِكَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ
وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيمَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ
أَيْ مَنْ رَهَنَ ذَاتَ ظَهْرٍ وَدَرٍّ لَمْ يَمْنَعْ الرَّهْنُ مِنْ ظَهْرِهَا وَدَرِّهَا وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْعَبْدَ وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ وَيَحْلُبَ الدَّرَّ وَيَجُزَّ الصُّوفَ وَيَأْوِيَ بِاللَّيْلِ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَجَعَلَ الْقَبْضَ مِنْ صِفَاتِ الرَّهْنِ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُ الْقَبْضِ مُوجِبًا لِإِبْطَالِ الرَّهْنِ فَإِذَا آجَرَهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ اسْتَحَقَّ الْقَبْضَ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ الرَّهْنُ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْعَارِيَّةِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ إذْ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرُدَّ الْعَارِيَّةَ إلَى يَدِهِ مَتَى شاء واحتج من أجاز أجازته وَالِانْتِفَاعَ بِهِ بِمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا وَالظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا
وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ النَّفَقَةُ فَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لِرُكُوبِ ظَهْرِهِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِمِلْكِهِ لَا لِرُكُوبِهِ وَلَبَنِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُرْكَبُ أَوْ يُحْلَبُ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّبَنَ وَالظَّهْرَ لِلْمُرْتَهِنِ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي يُنْفِقُهَا
وَقَدْ بَيَّنَّ ذَلِكَ هُشَيْمٌ فِي حَدِيثِهِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهَا وَيُرْكَبُ
فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الَّذِي تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَيَكُونُ لَهُ ظَهْرُهُ وَلَبَنُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ لَا يُنْتَفَعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ فَقَدْ تَرَكَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ غَيْرَ ثَابِتٍ فِي الْأَصْلِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا وَهُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّ مِثْلَهُ كَانَ جَائِزًا قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فَلَمَّا حُرِّمَ الرِّبَا وَرُدَّتْ الْأَشْيَاءُ إلَى مَقَادِيرِهَا صَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ النَّفَقَةَ بَدَلًا مِنْ اللَّبَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَهُوَ نظير
стр. 669
مَا رُوِيَ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مِقْدَارَ اللَّبَنِ الَّذِي أَخَذَهُ وَذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِإِيجَابِ الرُّكُوبِ وَاللَّبَنِ لِلرَّاهِنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مِنْ صِفَاتِ الرَّهْنِ الْقَبْضَ كَمَا جَعَلَ مِنْ صِفَاتِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةَ بِقَوْلِهِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ وقوله مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ زَوَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ فَكَذَلِكَ لَمَّا جَعَلَ مِنْ صِفَاتِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا بِقَوْلِهِ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وَجَبَ إبْطَالُ الرَّهْنِ لِعَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْقَبْضِ فَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَبْضِ الذي به يصح الرهن لمنع ذلك من صحته بديا لِمُقَارَنَةِ مَا يُبْطِلُهُ وَلَوْ صَحَّ بَدِيًّا لَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِاسْتِحْقَاقِ قَبْضِهِ وُجُوبُ رَدِّهِ إلَى يَدِهِ وَأَيْضًا لَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْءِ الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ وَالْوَطْءُ مِنْ مَنَافِعِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سَائِرِ الْمَنَافِعِ فِي بُطْلَانِ حَقِّ الرَّاهِنِ فِيهَا وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَطْءَ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَيْهَا كَذَلِكَ الِاسْتِخْدَامُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ شَرَطَ مِلْكَ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا رَهَنَهُ رَهْنًا وَقَالَ إنْ جِئْتُك بِالْمَالِ إلَى شَهْرٍ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَقَالَ مَالِكٌ الرَّهْنُ فَاسِدٌ وَيَنْقَضِ فَإِنْ لَمْ يُنْقَضْ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ تَغَيَّرَ فِي يَدِهِ لَمْ يُرَدَّ وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ وَهَذَا فِي السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ وَأَمَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إلَى الرَّاهِنِ وَإِنْ تَطَاوَلَ إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ الدَّارُ أَوْ يُبْنَى فِيهَا أَوْ يُغْرَسُ فِي الْأَرْضِ فَهَذَا فَوْتٌ وَيُغْرَمُ الْقِيمَةُ مِثْلَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَقَالَ الْمُعَافَى عَنْ الثَّوْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَرْهَنُ صَاحِبَهُ الْمَتَاعَ وَيَقُولُ إنْ لَمْ آتِك فَهُوَ لَك قَالَ لَا يَغْلَقُ ذَلِكَ الرَّهْنُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ لَيْسَ قَوْلُهُ هَذَا بِشَيْءٍ وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَوْ رَهَنَهُ وَشَرَطَ لَهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالْحَقِّ إلَى كَذَا فَالرَّهْنُ لَهُ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ وَالرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الرَّهْنِ وَفَسَادِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالدَّيْنِ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَاهُ فَإِنَّمَا نَفَى النَّبِيُّ ﷺ غَلْقَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَنْفِ صِحَّةَ الرَّهْنِ الَّذِي شَرَطَاهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ وَهُوَ أَيْضًا قِيَاسُ الْعُمْرَى الَّتِي أَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا الشَّرْطَ وَأَجَازَ الْهِبَةَ والمعنى الجامع
стр. 670
بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ بِالْعَقْدِ دُونَ الْقَبْضِ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بن زياد إذا هلك وَاخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي الدَّيْنِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَقَالَ طَاوُسٌ يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ إلَى ثَمَنِ الرَّهْنِ وَيُسْتَحْلَفُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ وَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَوْلًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَالَ إنْ كَانَ لِلرَّاهِنِ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهِ الرَّهْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ لو شاء جحده الراهن وَمَتَى أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا اخْتَلَفَا فِي الدَّيْنِ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ
قَدْرَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ وَكَانَ أَوْلَى بِهِ وَيُحَلِّفُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِأَنَّهُ وَعَظَهُ فِي الْبَخْسِ وَهُوَ النُّقْصَانُ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُرْتَهِنُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالرَّاهِنُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ ﷺ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي مِقْدَارِهِ بِالِاتِّفَاقِ كَذَلِكَ إذَا كَانَ بِهِ رَهْنٌ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَجُّ لِمَالِكٍ أَنَّ قَوْلَهُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قال فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَأَقَامَ الرَّهْنَ مَقَامَ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يَأْتَمِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ حِينَ أَخَذَ مِنْهُ وَثِيقَةً كَمَا لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَى مَبْلَغِهِ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ لِأَنَّ الشُّهُودَ وَالْكُتَّابَ تُنَبِّئُ عَنْ مَبْلَغِ الْحَقِّ فَلَمْ يُصَدَّقْ الرَّاهِنُ وَقَامَ الرَّهْنُ مَقَامَ الشُّهُودِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ قِيمَتَهُ فَإِذَا جَاوَزَ قِيمَتَهُ فَلَا وَثِيقَةَ فِيهِ وَالْمُرْتَهِنُ مُدَّعٍ فِيهِ وَالرَّاهِنُ مُدَّعًى عَلَيْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ الْحُجَّاجِ وَذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْتَمِنْهُ حَتَّى أَخَذَ الرَّهْنَ قَامَ الرَّهْنُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ وَزَعَمَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَوْلَ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ حِينَ قَالَ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ فِي الْحَالِ الَّتِي أُمِرَ فِيهَا بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابِ وَلَمْ يَجْعَلْ عَدَمَ ائْتِمَانِ الطالب
следующие страницы →