← Тафсир

Тафсир · id 23588

تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

واسط وقع فيها طاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله تعالى وقدره. أو قوماً من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ففروا حذر الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم. وَهُمْ أُلُوفٌ أي ألوف كثيرة. قيل عشرة. وقيل ثلاثون. وقيل سبعون وقيل متألفون جمع إلف أو آلف كقاعد وقعود والواو للحال. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له. فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا أي قال لهم موتوا فماتوا كقوله: كُنْ فَيَكُونُ والمعنى أنهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علة، بأمر الله تعالى ومشيئته. وقيل ناداهم به ملك وإنما أسند إلى الله تعالى تخويفاً وتهويلاً. ثُمَّ أَحْياهُمْ قيل مر حزقيل ﵇ على أهل داوردان وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب من ذلك فأوحى الله تعالى إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله تعالى، فنادى فقاموا يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لاَّ إله إِلا أَنتَ. وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليهم حالهم ليستبصروا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ أي لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٤ الى ٢٤٥] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لما بين أن الفرار من الموت غير مخلص منه وأن المقدر لا محالة واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلهم في سبيل الله وإِلا فالنصر والثواب. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المتخلف والسابق. عَلِيمٌ بما يضمرانه وهو من وراء الجزاء. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ مَنْ استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء، وذَا خبره، والَّذِي صفة ذا أو بدله، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي به يطلب ثوابه. قَرْضاً حَسَناً إقراضاً حسناً مقروناً بالإخلاص وطيب النفس أو مقرضاً حلالاً طيباً. وقيل: القرض الحسن بالمجاهدة والإِنفاق في سبيل الله فَيُضاعِفَهُ لَهُ فيضاعف جزاءه، أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة، وقرأ عاصم بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإن مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ في معنى أيقرض الله أحد. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالرفع والتشديد وابن عامر ويعقوب بالنصب. أَضْعافاً كَثِيرَةً كثرة لا يقدرها إلا الله . وقيل الواحد بسبعمائة، و «أضعافاً» جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير أو المصدر على أن الضعف اسم مصدر وجمعه للتنويع. وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يقتر على بعض ويوسع على بعض حسب ما اقتضت حكمته، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كيلا يبدل حالكم. وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر بالصاد ومثله في الأعراف في قوله تعالى: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على حسب ما قدمتم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٦] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ الْمَلَإِ جماعة يجتمعون للتشاور، ولا واحد له كالقوم ومن للتبعيض. مِنْ بَعْدِ مُوسى أي من بعد وفاته ومن للابتداء. إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو يوشع، أو شمعون، أو

стр. 142

شمويل ﵈. ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أقم لنا أميراً ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر فيه عن رأيه، وجزم نقاتل على الجواب. وقرئ بالرفع على أنه حال أي أبعثه لنا مقدرين القتال، ويقاتل بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب والوصف لملكا. قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا فصل بين عسى وخبره بالشرط، والمعنى أتوقع جبنكم عن القتال إن كتب عليكم، فأدخل هل على فعل التوقع مستفهماً عما هو المتوقع عنده تقريراً وتثبيتاً. وقرأ نافع عَسَيْتُمْ بكسر السين. قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أيْ أيُّ غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان والإفراد عن الأولاد، وذلك أن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فظهروا على بني إسرائيل فأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء الملوك أربعمائة وأربعين. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٧] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً طالوت علم عبري كداود وجعله فعلوتاً من الطول تعسف يدفعه منع صرفه، روي أن نبيهم ﷺ لما دعا الله أن يملكهم أتى بعضا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا من أين يكون له ذلك ويستأهل. وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ والحال أنا أحق بالملك منه وراثة ومكنة وإنه فقير لا مال له يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن طالوت كان فقيراً رَاعياً أو سقاء أو دباغاً من أولاد بنيامين ولم تكن فيهم النبوة والملك، وإنما كانت النبوة في أولاد لاوى بن يعقوب والملك في أولاد يهوذا وكان فيهم من السبطين خلق. قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك. أولاً بأن العمدة فيه اصطفاه الله وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانياً بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم. وقد زاده الله فيهما وكان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه، وثالثاً بأن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعاً أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عليم بمن يليق بالملك من النسيب وغيره. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٨] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه حجة على أنه اصطفى طالوت وملكه عليهم. إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الصندوق فعلوت من التوب، وهو الرجوع فإنه لا يزال يرجع إلى ما يخرج منه، وليس بفاعول لقلة نحو سلس وقلق، ومن قرأه بالهاء فلعله أبدله منه كما أبدل من تاء التأنيث لاشتراكهما في الهمس والزيادة، ويريد به صندوق التوراة وكان من خشب الشمشاد مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ الضمير للإِتيان أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة، أو للتابوت أي مودع فيه

стр. 143

ما تسكنون إليه وهو التوراة. وكان موسى ﵊ إِذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. وقيل صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وقيل صورة الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وقيل التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وإتيانه مصير قلبه مقراً للعلم والوقار بعد أن لم يكن. وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون، وآلْهما أبناؤهما أو أنفسهما. والآل مقحم لتفخيم شأنهما، أو أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمهما. تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قيل رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه وقيل كان بعده مع أنبيائهم يستفتحون به حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه، وكان في أرض جالوت إلى أن ملك الله طالوت فأصابهم بلاء حتى هلكت خمس مدائن فتشاءموا بالتابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي ﵇ وأن يكون ابتداء خطاب من الله . [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٩] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم. روي: أنه قال لهم لا يخرج معي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن إختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازه وسألوه أن يجري الله لهم نهراً . قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه. فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي فليس من أشياعي، أو ليس بمتحد معي. وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولاً أو مشروباً قال الشاعر: وَإِن شِئْتُ لَمْ أَطْعِم نقاخاً وَلاَ بَرَدْا وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبياً كما قيل، أو بإخبار النبي ﵊. إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ استثناء من قوله فمن شرب منه، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدم والصائبون على الخبر في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ ابن عامر والكوفيون غُرْفَةً بضم الغين. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي فكرعوا فيه إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط، وتعميم الأول ليتصل الاستثناء، أو أفرطوا في الشرب منه إلا قليلا منهم. وقرئ بالرفع حملاً على المعنى فإن قوله فَشَرِبُوا مِنْهُ في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة آلاف. وقيل: ألفاً. روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته، ومن لم يقتصر غلب عليه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة. فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي القليل الذين لم يخالفوه. قالُوا أي بعضهم لبعض. لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقوتهم. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى. وقيل: هم القليل الذين ثبتوا معه، والضمير في قالُوا للكثير المنخذلين عنه اعتذاراً في التخلف وتخذيلاً للقليل، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ

стр. 144

اللَّهِ بحكمه وتيسيره، وكَمْ تحتمل الخبر والاستفهام، ومَنْ مبينة أو مزيدة. والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته، أو من فاء رجع فوزنها فعة أو فلة. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. بالنصر والإثابة. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٠ الى ٢٥١] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي ظهروا لهم ودنوا منهم. قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ التجؤوا إلى الله بالدعاء، وفيه ترتيب بليغ إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم. وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ قيل: كان إيشا في عسكر طالوت معه ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وكان صغيراً يرعى الغنم، فأوحى الله إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت له: إنك بنا تقتل جالوت، فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله ثم زوجه طالوت بنته. وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي ملك بني إسرائيل ولم يجتمعوا قبل داود على ملك. وَالْحِكْمَةَ أي النبوة. وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كالسرد وكلام الدواب والطير. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ولولا أنه يدفع بعض الناس ببعض وينصر المسلمين على الكفار ويكف بهم فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض، أو لفسدت الأرض بشؤمهم. وقرأ نافع هنا وفي الحج «دفاع الله» . [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٢] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ إشارة إلى ما قص من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داودُ جالوت نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لما أخبرت بها من غير تعرف واستماع. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) تِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة، أو المعلومة للرسول ﷺ ، أو جماعة الرسل واللام للاستغراق. فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ تفضيل له، وهو موسى ﵊. وقيل: موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلم الله موسى ليلة الحيرة وفي الطور، ومحمدا ﵊ ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى وبينهما بون بعيد، وقرئ «كَلمَ الله» و «كالم الله» بالنصب، فإنه كلم الله كما أن الله كلمه ولذلك قيل كليم الله بمعنى مكالمه. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ بأن فضله على غيره من وجوه متعددة، أو بمراتب متباعدة. وهو محمد

стр. 145

صلّى الله عليه وسلّم فإنه خصه بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم ﵇ خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب. وقيل: إدريس ﵇ لقوله تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا. وقيل: أُوْلُو العزم مِنَ الرسل. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ خصه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي هدى الناس جميعاً. مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد الرسل. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي المعجزات الواضحة لاختلافهم في الدين، وتضليل بعضهم بعضاً. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه التزام دين الأنبياء تفضلاً. وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ لإِعراضه عنه بخذلانه. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره للتأكيد. وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فيوفق من يشاء فضلاً، ويُخذل من يشاء عدلاً. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل وأن الحوادث بيد الله تابعة لمشيئته خيراً كان أو شراً إيماناً أو كفرا. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ما أوجبت عليكم إنفاقه. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ من قبل أن يأتى يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم، والخلاص من عذابه إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم، وإنما رفعت ثلاثتها مع قصد التعميم لأنها في التقدير جواب: هل فيه بيع؟ أو خلة؟ أو شفاعة؟ وقد فتحها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الأصل. وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ يريد والتاركون للزكاة هم ظالمون الذين ظلموا أنفسهم، أو وضعوا المال في غيره موضعه وصرفوه على غير وجهه، فوضع الكافرون موضعه تغليظاً لهم وتهديداً كقوله: ومَنْ كَفَرَ مكان ومن لم يحج وإيذاناً بأن ترك الزكاة من صفات الكفار لقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥] اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غيره. وللنحاة خلاف في أنه هل يضمر للأخير مثل في الوجود أو يصح أن يوجد. الْحَيُّ الذي يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإِمكان. الْقَيُّومُ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيعول من قام بالأمر إذا حفظه، وقرئ «القيام» و «القيم» . لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة فتور يتقدم النوم قال ابن الرقاع: وَسَنانٌ أَقْصَدَهُ النَّعَاسُ فَرَنَّقَت ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمٍ والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود، والجملة

стр. 146

نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حياً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان مؤف الحياة قاصراً في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده. لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية، والمراد بما فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فهو أبلغ من قوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه ، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة أي مخاصمة. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، أو أمور الدنيا وأمور الآخرة، أو عكسه، أو ما يحسونه وما يعقلونه، أو ما يدركونه وما لا يدركونه، والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهما العقلاء، أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ من معلوماته. إِلَّا بِما شاءَ أن يعلموه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ولا كرسي في الحقيقة، ولا قاعد. وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العالم والملك. وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسياً محيط بالسموات السبع، لقوله ﵊ «ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي، إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» ولعله الفلك المشهور بفلك البروج، وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد. وَلا يَؤُدُهُ أي ولا يثقله، مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج. حِفْظُهُما أي حفظه السموات والأرض، فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. وَهُوَ الْعَلِيُّ المتعالي عن الأنداد والأشباه. الْعَظِيمُ المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه. وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ عالم الأشياء كلها، جليها وخفيها، كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يؤده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم، ولذلك قال ﵊ «إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي، من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته، ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة» . وقال «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» . [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ إذ الإِكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، ولكن قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء. وقبل إخبار في معنى النهي، أي لا تكرهوا في الدين، وهو إما عام منسوخ بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، أو خاص بأهل

стр. 147

الكتاب لما روي (أن أنصارياً كان له ابنان تنصرا قبل المبعث، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: الأنصاري يا رسول الله أيدخل بِعَقْبَيَّ النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلاهما) . فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ بالشيطان، أو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى. فعلوت من الطغيان قلبت عينه ولامه. وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد وتصديق الرسل. فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى طلب الإِمساك عن نفسه بالعروة الوثقى من الحبل الوثيق، وهي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح والرأي القويم. لَا انْفِصامَ لَها لا انقطاع لها يقال فصمته فانفصم إذا كسرته. وَاللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال عَلِيمٌ بالنيات، ولعله تهديد على النفاق. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم، أو متولي أمورهم، والمراد بهم من أراد إيمانه وثبت في علمه أنه يؤمن. يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه. مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية إلى الكفر. إِلَى النُّورِ إلى الهدى الموصل إلى الإِيمان، والجملة خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في الخبر، أو من الموصول، أو منهما، أو استئناف مبين، أو مقرر للولاية. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أي الشياطين، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ من النور الذي منحوه بالفطرة، إلى الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات، أو من نور البينات إلى ظلمات الشكوك والشبهات. وقيل: نزلت في قوم ارتدوا عن الإِسلام، وإسناد الإِخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وعيد وتحذير، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمروذ وحماقته. أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ لأن آتاه أي أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة، أو حاج لأجله شكراً له على طريقة العكس كقولك عاديتني لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك وهو حجة على من منع إيتاء الله الملك الكافر من المعتزلة. إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف ل «حَاجَّ» ، أو بدل من أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ على الوجه الثاني. رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ بخلق الحياة والموت في الأجساد. وقرأ حمزة «رب» بِحذف الياء. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بالعفو عن القتل والقتل. وقرأ نافع «أنا» بلا ألف. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ أعرض إبراهيم ﵊ عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعاً للمشاغبة، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإِتيان بها غيره، لا عن حجة إلى أخرى. ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته، أو اعتقاد الحلول. وقيل لما كسر إبراهيم ﵊ الأصنام سجنه أياماً ثم أخرجه ليحرقه، فقال له من ربك الذي تدعو إليه وحاجة فيه. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فصار مبهوتاً. وقرئ «فَبُهِتَ» أي فغلب إبراهيمُ الكافرَ. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

стр. 148

الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية. وقيل لا يهديهم محجة الاحتجاج أو سبيل النجاة، أو طريق الجنة يوم القيامة. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ تقديره أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه، وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإِحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدعي الربوبية، وقيل الكاف مزيدة وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر. وقيل إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل: ألم تر كالذي حاج، أو كالذي مر. وقيل: إنه من كلام إبراهيم ذكره جواباً لمعارضته وتقديره أو إن كنت تحيي فأحيي كإحياء الله تعالى الذي مر على قرية. وهو عزير بن شرحيا. أو الخضر، أو كافر بالبعث. ويؤيده نظمه مع نمروذ. والقرية بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل القرية التي خرج منها الألوف. وقيل غيرهما واشتقاقها من القرى وهو الجمع. وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالية ساقطة حيطانها على سقوفها. قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإِحياء، واستعظاماً لقدرة المحيي إن كان القائل مؤمناً، واستبعاداً إن كان كافرا. وأَنَّى في موضع نصب على الظرف بمعنى متى أو على الحال بمعنى كيف. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ فألبثه ميتاً مائة عام، أو أماته الله فلبث ميتاً مائة عام. ثُمَّ بَعَثَهُ بالإِحياء. قالَ كَمْ لَبِثْتَ القائل هو الله وساغ أن يكلمه وإن كان كافراً لأنه آمن بعد البعث أو شارف الإِيمان. وقيل ملك أو نبي. قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ كقول الظان. وقيل: إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية منها فقال أو بعض يوم على الإِضراب. قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير بمرور الزمان، واشتقاقه من السنة. والهاء أصلية إن قدرت لام السنة هاء وهاء سكت إن قدرت واواً. وقيل أصله لم يتسنن من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة كتقضي البازي، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد. وقيل كان طعامه تيناً وعنباً وشرابه عصيراً أو لبناً وكان الكل على حاله. وقرأ حمزة والكسائي «لم يتسن» بغير الهاء في الوصل. وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرقت عظامه، أو انظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب من التغير، والأول أدل على الحال وأوفق لما بعده. وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي وفعلنا ذلك لنجعلك آية. روي أنه أتى قومه على حماره وقال أنا عزير فكذبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله فعرفوه بذلك، وقالوا هو ابن الله . وقيل لما رجع إلى منزله كان شاباً وأولاده شيوخاً فإذا حدثهم بحديث قالوا حديث مائة سنة. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ يعني عظام الحمار، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم. كَيْفَ نُنْشِزُها كيف نحييها، أو نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه، وكيف منصوب بنشزها والجملة حال من العظام أي: انظر إليها محياة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «ننشرها» من أنشر الله الموتى، وقرئ «ننشرها» من نشر بمعنى أنشر. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فاعل تبين مضمر يفسره ما بعده تقديره: فلما تبين له إن الله على كل شيء قدير. قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، أو يفسره ما قبله أي فلما تبين له ما أشكل عليه. وقرأ حمزة والكسائي قالَ أَعْلَمُ على الأمر والأمر مخاطبه، أو هو نفسه خاطبها به على طريق التبكيت.

стр. 149

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إنما سأل ذلك ليصير علمه عياناً، وقيل لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له: إن إحياء الله تعالى برد الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. وانتقل إلى تقرير آخر، ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرة أخرى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بأني قادر على الإِحياء بإعادة التركيب والحياة، قال له ذلك وقد علم أنه أغرق الناس في الإِيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه. قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بلى آمنت ولكن سألت ذلك لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامة العيان إلى الوحي أو الاستدلال. قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قيل طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة وفيه إيماء إلى أن إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاوس، والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بهما الغراب، والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام. وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإِنسان وأجمع لخواص الحيوان والطير مصدر سمي به أو جمع كصحب. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ فأملهن واضممهن إليك لتتأملها وتعرف شياتها لئلا تلتبس عليك بعد الإِحياء. وقرأ حمزة ويعقوب فَصُرْهُنَّ بالكسر وهما لغتان قَالَ: وَمَا صَيَدُ الأَعْنَاقِ فيهم جبلة ... ولَكِنْ أَطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا وقال: وَفَرْعٌ يصِيرُ الجِيدَ وَحْفٌ كَأنه ... عَلى اللَّيثِ قنوان الكروم الدّوالح وقرئ «فَصُرْهُنَّ» بضم الصاد وكسرها وهما لغتان، مشددة الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وفصرهن من التصرية وهي الجمع أيضاً. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك. قيل كانت أربعة. وقيل سبعة. وقرأ أبو بكر «جزءوا» و «جزؤ» بضم الزاي حيث وقع. ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لهن تعالين بإذن الله تعالى. يَأْتِينَكَ سَعْياً ساعيات مسرعات طيراناً أو مشياً. روي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها فيمسك رؤوسها، ويخلط سائر أجزائها ويوزعها على الجبال، ثم يناديهن. ففعل ذلك فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثاً ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن . وفيه إشارة إلى أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية، فعليه أن يقبل على القوى البدنية فيقتلها ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها، فيطاوعنه مسرعات متى دعاهن بدعاية العقل أو الشرع. وكفى لك شاهداً على فضل إبراهيم ﵊ وَيُمْنُ الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال، إنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عُزّيراً بعد أن أماته مائة عام. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجز عما يريده. حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله ويذره. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦١] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أي مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة على حذف المضاف. أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ أسند الإِنبات إلى الحبة لما كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت على الحقيقة هو الله تعالى والمعنى: أنه يخرج منها ساق

стр. 150

يتشعب لكل منه سبع شعب، لكل منها سنبلة فيها مائة حبة. وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه وقد يكون في الذرة والدخن في البر في الأراضي المغلة. وَاللَّهُ يُضاعِفُ تلك المضاعفة. لِمَنْ يَشاءُ بفضله وعلى حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تفاوتت الأعمال في مقادير الثواب. وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة. عَلِيمٌ بنية المنفق وقدر إنفاقه. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٢ الى ٢٦٣] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً نزلت في عثمان رضي الله تعالى عنه فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وعبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة. والمن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه. والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، وثم للتفاوت بين الإِنفاق وترك المن والأذى. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمن ما أسند إليه معنى الشرط إيهاماً بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ رد جميل. وَمَغْفِرَةٌ وتجاوز عن السائل والحاجة، أو نيل المغفرة من الله بالرد الجميل، أو عفو من السائل بأن يعذر ويغتفر رده. خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما، وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة. وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن إنفاق بمن وإيذاء. حَلِيمٌ عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضا الله تعالى ولا ثواب الآخرة، أو مماثلين الذي ينفق رئاء الناس، والكاف في محل النصب على المصدر أو الحال، ورِئاءَ نصب على المفعول له أو الحال بمعنى مرائياً أو المصدر أي إنفاق رِئاءَ. فَمَثَلُهُ أي فمثل المرائي في إنفاقه. كَمَثَلِ صَفْوانٍ كمثل حجر أملس. عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر. فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقياً من التراب. لاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثواباً، والضمير للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به الجنس، أو الجمع كما في قوله: إِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَومُ كُلَّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدٍ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى الخير والرشاد، وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٥] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ وتثبيتاً بعض أنفسهم على الإِيمان، فإِن

стр. 151

المال شقيق الروح، فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها، أو تصديقاً للإِسلام وتحقيقاً للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم، وفيه تنبيه على أن حكمة الإِنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال. كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة، كمثل بستان بموضع مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً. وقرأ ابن عامر وعاصم بِرَبْوَةٍ بالفتح وقرئ بالكسر وثلاثتها لغات فيها. أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر. فَآتَتْ أُكُلَها ثمرتها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالسكون للتخفيف. ضِعْفَيْنِ مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. والمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وقيل: أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفاً. فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل، أو فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها. وهو المطر الصغير القطر، والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من أحواله، ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في زلفاهم بالوابل والطل. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير عن الرئاء وترغيب في الإخلاص. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٦] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة فيه للإِنكار. أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل الجنة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أن فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع. وَأَصابَهُ الْكِبَرُ أي كبر السن، فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب، والواو للحال أو للعطف حملاً على المعنى، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار لا قدرة لهم على الكسب. فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ عطف على أصابه، أو تكون باعتبار المعنى. والإِعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود، والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف، فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه، وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ من حلاله أو جياده. وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمرات والمعادن، فحذف المضاف لتقدم ذكره. وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ أي ولا تقصدوا الرديء منه أي من المال، أو مما أخرجنا لكم. وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر، وقرئ «ولا تؤمموا» «ولا تيمموا» بضم التاء. تُنْفِقُونَ حال مقدرة من فاعل تيمموا، ويجوز أن يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالاً منه. وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته. إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ إلا أن تتسامحوا فيه، مجاز من أغمض بصره إذا غضه. وقرئ

стр. 152

«تُغْمِضُواْ» أي تحملوا على الإِغماض، أو توجدوا مغمضين. وعن ابن عباس ﵁: كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لانتفاعكم. حَمِيدٌ بقبوله وإثابته. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٨] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الإِنفاق، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر. وقرئ الْفَقْرَ بالضم والسكون وبضمتين وفتحتين. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ويغريكم على البخل، والعرب تسمي البخيل فاحشاً. وقيل المعاصي وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ أي يعدكم في الإِنفاق مغفرة لذنوبكم. وَفَضْلًا خلفاً أفضل مما أنفقتم في الدنيا، أو في الآخرة. وَاللَّهُ واسِعٌ أي واسع الفضل لمن أنفق. عَلِيمٌ بإنفاقه. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٩] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ تحقيق العلم وإتقان العلم. مَنْ يَشاءُ مفعول أول أخر للإِهتمام بالمفعول الثاني وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ بناؤه للمفعول لأنه المقصود. وقرأ يعقوب بالكسر أي ومن يؤته الله الحِكمة. فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً أي: أيُّ خير كثير؟ إذ حيز له خير الدارين. وَما يَذَّكَّرُ وما يتعظ بما قص من الآيات، أو ما يتفكر، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة. إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٠ الى ٢٧٢] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة أو كثيرة، سراً أو علانية، في حق أو باطل. أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه. وَما لِلظَّالِمِينَ الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها، أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذر. مِنْ أَنْصارٍ من ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ فنعم شيئاً إبداؤها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل. وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وقالون بكسر النون وسكون العين، وروي عنهم بكسر النون وإخفاء حركة العين وهو أقيس. وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ أي تعطوها مع الإِخفاء. فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فالإِخفاء خير لكم، وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة عنه. عن ابن عباس ﵄ (صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً) . وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالياء أي والله يكفر أو الإِخفاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب بالنون مرفوعاً على أنه جملة فعلية مبتدأة أو إسمية معطوفة على ما بعد الفاء أي: ونحن نكفر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي به مجزوماً على محل الفاء وما بعده. وقرئ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفعل للصدقات. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ترغيب في الإِسرار.

стр. 153

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين، وإنما عليك الإِرشاد والحث على المحاسن، والنهي عن المقابح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ صريح بأن الهداية من الله تعالى وبمشيئته، وإنها تخص بقوم دون قوم. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة. فَلِأَنْفُسِكُمْ فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث. وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ حال، وكأنه قال وما تنفقون من خير فلأنفسكم غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله وطلب ثوابه. أو عطف على ما قبله أي وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجهه فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث. وقيل: نفي في معنى النهي. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه أضعافاً مضاعفة، فهو تأكيد للشرطية السابقة، أو ما يخلف للمنفق استجابة لقوله ﵊ «اللهم اجعل لمنفق خلفاً، ولممسك تلفاً» روي: أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لما أسلموا أن ينفعوهم فنزلت . وهذا في غير الواجب أما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكفار. وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون ثواب نفقاتكم. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو صدقاتكم للفقراء. الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أحصرهم الجهاد. لاَ يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم به. ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ذهاباً فيها للكسب. وقيل هم أهل الصفة كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ . يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين. أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ من أجل تعففهم عن السؤال، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من الضعف ورثاثة الحال، والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل أحد. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً إلحاحاً، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، من قولهم لحفني من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده، والمعنى أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا. وقيل: هو نفي للأمرين كقوله: على لا حب يهتدي بمناره ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال، أو على الحال. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ترغيب في الإِنفاق وخصوصا على هؤلاء. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٤] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً أي يعمون الأوقات والأحوال بالخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية. وقيل في أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً ودرهم نهاراً، ودرهم سراً ودرهم علانية. وقيل: في ربط الخيل في سبيل الله والإِنفاق عليها. فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ خبر الذين ينفقون، والفاء للسببية. وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين ولذلك جوز الوقف على وعلانية. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٥] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)

стр. 154

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي الآخذون له، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال، ولأن الربا شائع في المطعومات وهو زيادة في الأجل، بأن يباع مطعوم بمطعوم، أو نقد بنقد إلى أجل، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه، وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. لاَ يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم. إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ إلا قياماً كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء. مِنَ الْمَسِّ أي الجنون، وهذا أيضاً من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل: جَنَّ الرجلُ. وهو متعلق ب لاَ يَقُومُونَ أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا، أو بيقوم أو بيتخبط فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم ولكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله. وكان الأصل إنما الربا مثل البيع ولكن عكس للمبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلاً وقاسوا به البيع، والفرق بينَّ فإن من أعطى درهمين بدرهم ضيع درهماً، ومن اشترى سلعة تساوي درهماً بدرهمين فلعل مساس الحاجَةُ إليها، أو توقع رواجها يجبر هذا الغبن. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم، وإبطال القياس بمعارضة النص. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فمن بلغه وعظ من الله تعالى وزجر كالنهي عن الربا. فَانْتَهى فاتعظ وتبع النهي. فَلَهُ مَا سَلَفَ تقدم أخذه التحريم ولا يسترد منه، وما في موضع الرفع بالظرف إن جعلت من موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي سيبويه إذ الظرف غير معتمد على ما قبله. وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يجازيه على انتهائه إن كان من قبول الموعظة وصدق النية. وقيل يحكم في شأنه ولا اعتراض لكم عليه. وَمَنْ عادَ إلى تحليل الربا، إذ الكلام فيه. فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأنهم كفروا به. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٦] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه، وعنه ﵊ «إن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره» . وعنه ﵊ «ما نقصت زكاة من مال قط» . وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ لا يرضى ولا يحب محبته للتوابين. كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات. أَثِيمٍ منهمك في ارتكابه. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٧] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وبما جاءهم منه. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ عطفهما على ما يعمهما لإِنافتهما على سائر الأعمال الصالحة. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من آت. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فائت. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٨ الى ٢٧٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)

стр. 155

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم به. روي: أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. فنزلت . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش «فآذنوا» أي فاعلموا بها غيركم، من الأذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، وتنكير حرب للتعظيم وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله، كالباغي ولا يقتضي كفره. روي: أنها لما نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء واعتقاد حله. فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة. وَلا تُظْلَمُونَ بالمطل والنقصان، ويفهم منه أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فيء: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٠] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم ذو عسرة. وقرئ «ذا عسرة» أي وإن كان الغريم ذا عسرة. فَنَظِرَةٌ فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة وهي الإنظار. وقرئ «فناظره» على الخبر أي فالمستحق ناظره بمعنى منتظره، أو صاحب نظرته على طريق النسب وفناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة. إِلى مَيْسَرَةٍ يسار، وقرأ نافع وحمزة بضم السين، وهما لغتان كمشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وأخلفوك وعد الأمر الذي وعدوا. وَأَنْ تَصَدَّقُوا بالإبراء. وقرأ عاصم بتخفيف الصاد. خَيْرٌ لَكُمْ أكثر ثواباً من الإِنظار، أو خير مما تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه. وقيل: المراد بالتصدق الإِنظار لقوله ﵊، «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما فيه من الذكر الجميل الجزيل. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨١] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ يوم القيامة، أو يوم الموت فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص ثواب وتضعيف عقاب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنها آخر آية نزل بها جبريل ﵇ وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة) وعاش رسول الله ﷺ بعدها أحداً وعشرين يوماً وقيل أحداً وثمانين يوماً. وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) .

стр. 156

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أي إذا داين بعضكم بعضاً، تقول: داينته إذا عاملته نسيئة معطياً أو آخذاً. وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة ويعلم تنوعه إلى المؤجل والحال، وأنه الباعث على الكتبة ويكون مرجع ضمير فاكتبوه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج. فَاكْتُبُوهُ لأنه أوثق وادفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب. وعن ابن عباس ﵄ (أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلم) . وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ من يكتب السوية لا يزيد ولا ينقص، وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به معدلاً بالشرع. وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ولا يمتنع أحد من الكتاب. أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن الإِباء عنها تأكيداً، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه، والإِملال والإِملاء واحد. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي المملي. أو الكاتب. وَلا يَبْخَسْ ولا ينقص. مِنْهُ شَيْئاً أي من الحق، أو مما أملى عليه. فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل مبذراً. أَوْ ضَعِيفاً صبياً أو شيخاً مختلاً. أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أو غير مستطيع للإِملال بنفسه لخرس أو جهل باللغة. فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبياً أو مختل العقل، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع. وهو دليل جريان النيابة في الإِقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان. مِنْ رِجالِكُمْ من رجال المسلمين، وهو دليل اشتراط إسلام الشهود وإليه ذهب عامة العلماء وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فإن لم يكن الشاهدان رجلين. فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فليشهد أو فليستشهد رجل وامرأتان، وهذا مخصوص بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لعلمكم بعدالتهم. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى علة اعتبار العدد أي لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى، والعلة في الحقيقة التذكير ولكن لما كان الضلال سبباً له نزل منزلته كقولهم: أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، وكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن. وقرأ حمزة أَنْ تَضِلَّ على الشرط «فتذكر» بالرفع. وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب فَتُذَكِّرَ من الإِذكار. وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا لأداء الشهادة أو التحمل. وسموا شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ ولا تملوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب. وقيل كنى بالسأم عن الكسل لأنه صفة المنافق، ولذلك قال ﵊ «لا يقول المؤمن كسلت» صَغِيراً أَوْ كَبِيراً صغيراً كان الحق أو كبيراً، أو مختصراً كان الكتاب أو مشبعاً. إِلى أَجَلِهِ إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون. ذلِكُمْ إشارة إلى أن تَكتبوه. أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أكثر قسطاً. وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأثبت لها وأعون على إقامتها، وهما مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، وإنما صحت الواو في أَقْوَمُ كما صحت في التعجب لجموده. وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين، وإدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد أي: إلا أن تتبايعوا يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوا، لبعده عن التنازع والنسيان. ونصب عاصم تِجارَةً على أنه الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كقوله: بَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنَا ... إذَا كَانَ يوماذا كَوَاكِبَ أَشْنَعا

стр. 157

ورفعها الباقون على أنها الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامة. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ هذا التبايع، أو مطلقاً لأنه أحوط. والأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة. وقيل: إنها للوجوب ثم اختلف في إحكامها ونسخها. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل البناءين، ويدل عليه أنه قرئ «وَلاَ يُضَارَّ» بالكسر والفتح. وهو نهيهما عن ترك الإِجابة والتحريف والتغيير في الكتب والشهادة، أو النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد لهما، ولا يعطى الكاتب جعله، والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان. وَإِنْ تَفْعَلُوا الضرار أو ما نهيتم عنه. فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ خروج عن الطاعة لا حق بكم. وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره ونهيه. وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ أحكامه المتضمنة لمصالحكم. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كرر لفظه الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم لشأنه. ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين. وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فالذي يستوثق به رهان، أو فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان. وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الإِرتهان كما ظنه مجاهد والضحاك رحمهما الله تعالى لأنه ﵇ رهن درعه في المدينة من يهودي على عشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله، بل لإِقامة التوثق للإِرتهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة إعوازها. والجمهور على اعتبار القبض فيه غير مالك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون: وقرئ بإسكان الهاء على التخفيف. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بأمانته عن الارتهان. فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ أي دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به. وقرئ «الذي ايتمن» بقلب الهمزة ياء، و «الذي أتمن» بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات. وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أيها الشهود، أو المدينون والشهادة شهادتهم على أنفسهم. وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم. والجملة خبر إن وإسناد الإِثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره: العين زانية والأذن زانية. أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال، وكأنه قيل: تمكن الإِثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه، وفاق سائر ذنوبه. وقرئ «قَلْبَهُ» بالنصب كحسن وجهه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تهديد. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقاً وملكاً. وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعني ما فيها من السوء والعزم عليه لترتب المغفرة والعذاب عليه. يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيامة. وهو حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض. فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه، وهو صريح في نفي وجوب التعذيب. وقد رفعهما ابن عامر وعاصم ويعقوب على الاستئناف، وجزمهما الباقون عطفاً على جواب الشرط، ومن جزم بغير فاء جعلهما بدلاً منه بدل البعض من الكل أو الاشتمال كقوله: مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا فِي دِيَارِنَا ... تجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا

стр. 158

وإدغام الراء في اللام لحن إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإِحياء والمحاسبة. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٥] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإِعتداد به، وإنه جازم في أمره غير شاك فيه. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا يخلو من أن يعطف الْمُؤْمِنُونَ على الرَّسُولُ، فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعاً إلى الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين. وباعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدأ، ويكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال. وقرأ حمزة والكسائي: «وكتابه» يعني القرآن، أو الجنس. والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب. لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقولون لا تفرق. وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء على أن الفعل ل كُلٌّ. وقرئ «لا يفرقون» حملاً على معناه كقوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ واحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي كقوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ. ولذلك دخل عليه بين، والمراد نفي الفرق بالتصديق والتكذيب وَقالُوا سَمِعْنا أجبنا. وَأَطَعْنا أمرك. غُفْرانَكَ رَبَّنا اغفر لنا غفرانك، أو نطلب غفرانك. وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث. [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦] لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لاَ طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إلا ما تسعه قدرتها فضلاً ورحمةً، أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. لَها مَا كَسَبَتْ من خير. وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشر لأن الاكتساب فيه احتمال والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله وأعمل بخلاف الخير. رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة، أو بأنفسهما إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلاً فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك. وإن كان خطأ. فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمةً وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفعوم قوله ﵊ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» . رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً عبأً ثقيلاً يأصر صاحبه، أي يحبسه في مكانه. يريد به التكاليف الشاقة. وقرئ «وَلاَ تَحْمِلْ» بالتشديد للمبالغة. كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا حملاً مثل حملك إياه على مِنْ قَبْلِنا، أو مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لإِصراً، والمراد به ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة. أو ما أصابهم من الشدائد والمحن. رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لاَ طاقَةَ لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة، أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه، والتشديد هاهنا لتعدية

стр. 159

الفعل إلى المفعول الثاني. وَاعْفُ عَنَّا وامح ذنوبنا. وَاغْفِرْ لَنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة. وَارْحَمْنا وتعطف بنا وتفضل علينا. أَنْتَ مَوْلانا سيدنا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، أو المراد به عامة الكفرة. روي أنه ﵊ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة فعلت. وعنه ﵇ «أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة. كتبها الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل» . وعنه ﵊ «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» . وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، كما قال ﵊ «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة، ولن يستطيعها البطلة قيل: يا رسول الله وما البطلة؟ قال: السحرة» . تم بحمد الله وحسن توفيقه طبع المجلد الأول من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة وآخر دعوانا أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين

стр. 160

محتوى الجزء الأول من تفسير البيضاوي مقدمة أولا: ترجمة صاحب التفسير ٩ ثانيا: التعريف بأنوار التنزيل وطريقة مؤلفه فيه ١٢ اختصار البيضاوي تفسيره من «الكشاف» للزمخشري ١٢ استمداد البيضاوي تفسيره من «مفاتيح الغيب» للرازي ومن «تفسير الراغب الأصفهاني» ١٢ اهتمامه بالقراءات وذكر الشاذّ منها ١٢ عرضه للصناعة النحوية ١٢ تعرضه لبعض المسائل الفقهيّة دون توسّع ١٢ تقرير وترجيح مذهب أهل السّنّة ١٣ التقليل من ذكر الروايات الإسرائيلية ١٣ الخوض في مباحث الكون والطبيعة تأثرا بالرازي ١٣ تقريظ هذا التفسير ١٤ قول الإمام جلال الدين السيوطي في حاشيته: «نواهد الأبكار وشواهد الأفكار» ١٤ قول حاجي خليفة في «كشف الظنون» ١٤ الحواشي المكتوبة على تفسير البيضاوي ١٦ خطبة الكتاب ٢٣ بيان كون اللام في الحمد للاختصاص والكلام في القصر وغيره ٢٣ بيان أرفع العلوم قدرا ٢٣ تفسير سورة الفاتحة ٢٥ بيان أسامي الفاتحة ٢٥ بيان كون البسملة من الفاتحة أم لا؟ ٢٥ بيان متعلق البسملة ٢٥ بيان تحقيق معنى الباء ٢٥ بيان الكلام في لفظ الاسم واشتقاقه وما فيه من الخلاف ٢٥ بيان أصل لفظ الجلالة وتحقيق اشتقاقه ٢٦

стр. 161

بيان تحقيق القول في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٢٧ بيان مباحث الْحَمْدُ لِلَّهِ ٢٧ بيان مباحث (أل) الجنسية ٢٧ بيان الفرق بين الملك والمالك ٢٨ بيان الالتفات ٢٩ بيان الضمائر وملحقاتها ٢٩ بيان تقسيم النعم ٣٠ بيان الكلام على آمين وتحقيق معنى اسم الفعل ٣١ تفسير سورة البقرة ٣٣ بيان تحقيق القول في الحروف المبدوء بها السور ٣٣ بيان معنى الهدى وأقسامه ٣٦ بيان معنى التضمين وتحقيق القول فيه ٣٧ بيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج ٣٧ بيان دليل من ذهب إلى أن الرزق يعم الحلال والحرام ٣٨ بيان معنى اليقين وأنه لا يوصف به علم الباري تعالى ٤٠ بيان معنى الكفر في الشرع ٤١ بيان أن الأخبار بوقوع شيء لا ينفي كونه مقدورا ٤٢ بيان تأويلات المعتزلة للختم ونحوه المسند إلى الله تعالى ٤٢ بيان كون المنافقين أخبث الكفرة ٤٣ بيان أن كمال الإيمان بماذا يكون ٤٦ بيان أن الطلب غير الإرادة ٤٨ بيان فائدة ضرب الأمثال ٤٩ بيان معنى الشيء وأنه يعم الباري في بعض الإطلاقات ٥٣ بيان أن أسماء الجموع للعموم ٥٤ بيان كيفية المطر والسحاب ٥٥ بيان الدليل على إعجاز القرآن وكونه حجّة ٥٧ بيان أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلّا الأسماء ٦٠ بيان حسن التمثيل وشروطه ٦٢

стр. 162

بيان معنى أما وتحقيق القول فيها ٦٢ بيان الفسق ودرجات الفاسق ٦٤ بيان إثبات صحة الحشر وبيان المقدمات المتوقفة عليها ٦٧ بيان الاختلافات في حقيقة الملائكة ٦٧ بيان القول في معنى الأسماء التي علمها الله للملائكة ٦٩ بيان التكليف بالمحال وما قيل فيه ٦٩ بيان مزية الإنسان بالعلم وأن اللغات توقيفية ٧٠ بيان أن آدم أفضل من الملائكة وأن إبليس قيل إنه من الملائكة وإنه منهم نوعا يتوالدون ٧١ بيان ما قيل في وسوسة إبليس لآدم مع طرده من الجنة ٧٢ بيان ما تمسكت به الحشوية من عدم عصمة الأنبياء والجواب عنه ٧٤ بيان ما تمسكت به المعتزلة من عدم الشفاعة لأرباب الكبائر والجواب عنه ٧٩ بيان كيفية انفلاق البحر لبني إسرائيل وأنه من الآيات الملجئة للإيمان ٧٩ بيان ما قيل في مسخ المعتدين في السبت قردة أنه من مسخ القلوب ٨٥ بيان قصة أصحاب البقرة ٨٦ بيان أن المعاصي يجر بعضها بعضاً حتى تؤدّي إلى الكفر ٩٠ بيان أن من أيقن بالجنة أحب التخلص إليها بالموت ٩٥ بيان السر في كراهة اليهود لسيدنا جبريل ٩٥ بيان أن جيل اليهود أربع فرق ٩٧ بيان أن الساحر لا يكون إلّا خبيث النفس مثل الشيطان ٩٧ بيان النسخ وأنه من المصالح ٩٩ بيان اختلاف الأئمة في دخول الكفار المساجد ١٠١ بيان الدليل على إبطال الولد له سبحانه ١٠٢ بيان الأشياء التي كلّف بها سيدنا إبراهيم ١٠٤ بيان مقام إبراهيم والصلاة التي تصلّى عنده ١٠٥ بيان أولاد إبراهيم ١٠٧ بيان أن الانتساب إلى الأشراف لا ينفع عند الله بمجرده ١٠٨ بيان أن التوجيه إلى جهة الكعبة أو عينها ١١١ بيان أن حياة الشهداء لا تدرك إلّا بالوحي وأن الأرواح جواهر قائمة بنفسها تبقى بعد الموت

стр. 163

دراكة ١١٤ بيان الدليل على وجود الإله ووحدته ١١٧ بيان انحصار الكمالات الإنسانية في ثلاثة وبيانها ١٢١ بيان نسخ الوصية للوارث بعد وجوبها ١٢٣ بيان وقت نزول صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن ١٢٥ بيان الاعتكاف وأنه خاصّ بالمسجد ١٢٦ بيان الحصر في الحج وفدائه ١٢٩ بيان المشعر الحرام ما هو ١٣١ بيان عدد الأنبياء والرسل ١٣٥ بيان سرية عبد الله بن جحش ١٣٦ بيان ما نزل في الخمر من الآيات ١٣٧ بيان إطلاق المشركين على اليهود والنصارى ١٣٨ بيان الإيلاء وحكمه ١٤٠ بيان القرء والاختلاف فيه ١٤١ بيان الخلع وابتدائه ١٤٢ بيان أقصى مدة الرضاع ١٤٤ بيان عدة المتوفى عنها زوجها ١٤٥ بيان فضل بعض الأنبياء على بعض ١٥٢ بيان المحاجة التي قام بها سيدنا إبراهيم مع النمروذ ١٥٥

стр. 164

[الجزء الثاني] (٣) سورة آل عمران مدنية وآيها مائتان [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إنما فتح الميم في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن الميم في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام. وقرئ بكسرها على توهم التحريك لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر بسكونها والابتداء بما بعدها على الأصل. الْحَيُّ الْقَيُّومُ روي أنه ﵊ قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة الله لاَ إله إِلاَّ هو الحي القيوم، وفي آل عمران الله لاَ إله إِلاَّ هو الحي القيوم، وفي طه وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىِّ القيوم» . [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣ الى ٤] نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن نجوماً. بِالْحَقِّ بالعدل، أو بالصدق في أخباره، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال. مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ جملة على موسى وعيسى. واشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل تعسف لأنهما أعجميان، ويؤيد ذلك أنه قرئ «الأنجيل» بفتح الهمزة وهو ليس من أبنية العربية، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي التَّوْراةَ بالإِمالة في جميع القرآن، ونافع وحمزة بين اللفظين إِلاَّ قَالُون فإنه قرأ بالفتح كقراءة الباقين. مِنْ قَبْلُ من قبل تنزيل القرآن. هُدىً لِلنَّاسِ على العموم إن قلنا إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يريد به جنس الكتب الإِلهية، فإنّها فارقة بين الحق والباطل. ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، كأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل، أو الزبور أو القرآن. وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيماً، وإظهاراً لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق والمبطل، أو المعجزات إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها. لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم. وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنع من التعذيب. ذُو انْتِقامٍ لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥ الى ٦] إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)

стр. 165

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي شيء كائن في العالم كلياً كان أو جزئياً، إيماناً أو كفراً. فعبَّر عنه بالسماء والأرض إِذ الحس لا يتجاوزهما، وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حياً وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أي من الصور المختلفة، كالدليل على القيومية، والاستدلال على أنه عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره. وقرئ «تصوركم» أي صوركم لنفسه وعبادته. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ولا يقدر على مثل ما يفعله. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إشارة إلى كمال قدرته وتناهي حكمته. قيل: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان رباً، فإِن وفد نجران لما حاجوا فيه رسول الله ﷺ نزلت السورة، من أولها إلى نيف وثمانين آية تقريراً لما احتج به عليهم وأجاب عن شبههم. [سورة آل عمران (٣) : آية ٧] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإِجمال والاحتمال. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أصله يرد إليها غيرها والقياس أمهات فأفرد على تأويل كل واحدة، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ محتملات لا يتضح مقصودها. لإِجمال أو مخالفة ظاهر. إلا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينالوا بها. وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات. معالي الدرجات. وأما قوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله: كِتاباً مُتَشابِهاً فمعناه أنه يشبه بعضه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ، وَأُخَرُ جمع أخرى وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الآخر ولا يلزم منه معرفته، لأن معناه أن القياس أن يعرف ولم يعرف لا أنه في معنى المعرف أو عن أُخَرُ من فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ عدول عن الحق كالمبتدعة. فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه، ويحتمل أن يكون الداعي إلى الاتباع مجموع الطلبتين، أو كل واحدة منهما على التعاقب. والأول يناسب المعاند والثاني يلائم الجاهل. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الذي يجب أن يحمل عليه. إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه، ومن وقف على إِلَّا اللَّهُ فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه: كمدة بقاء الدنيا، ووقت قيام الساعة، وخواص الأعداد كعدد الزبانية، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد ولم يدل على ما هو المراد. يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ استئناف موضح لحال الراسخين، أو حال منهم أو خبر أن جعلته مبتدأ. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي كل من المتشابه والمحكم من عنده، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر، وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله، وهو تجرد العقل عن غواشي الحس، واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم وتربيته، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته، أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. كما أنه جواب عن قوله لا أب له غير الله، فتعين أن يكون هو أباه بأنه تعالى مصور الأجنة كيف يشاء فيصور من نطفة أب ومن غيرها، وبأنه صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور.

стр. 166

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨ الى ٩] رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا من مقال الراسخين. وقيل: استئناف والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، قال ﵊ «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه» . وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا. بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحق والإِيمان بالقسمين. من الحكم والمتشابه، وبعد نصب على الظرف، وإذ في موضع الجر بإضافته إليه. وقيل إنه بمعنى إن. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تزلفنا إليك ونفوز بها عندك، أو توفيقاً للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ لكل سؤل، وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لحساب يوم أو لجزائه. لاَ رَيْبَ فِيهِ في وقوع اليوم وما فيه من الحشر والجزاء، نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة فإنها المقصد والمال. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ فإن الإِلهية تنافيه وللإِشعار به وتعظيم الموعود لون الخطاب، واستدل به الوعيدية. وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقاً. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠ الى ١١] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عام في الكفرة. وقيل: المراد به وفد نجران، أو اليهود، أو مشركوا العرب. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي من رحمته، أو طاعته على معنى البدلية، أو من عذابه وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ حطبها. وقرئ بالضم بمعنى أهل وقودها. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ متصل بما قبله أي لن تغن عن أولئك، أو توقد بهم كما توقد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب، وهو مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فنقل إلى معنى الشأن. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على آلِ فِرْعَوْنَ. وقيل استئناف. كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ حال بإضمار قد، أو استئناف بتفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٢] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود فإنه ﵊ جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا لا يغرنك أنك أصبت أغماراً لا علم لهم بالحرب لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقد صدق الله وعده لهم بقتل قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم وهو من دلائل النبوة. وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على أن الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. وَبِئْسَ الْمِهادُ تمام ما يقال لهم، أو استئناف وتقدير بئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٣] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)

стр. 167

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ الخطاب لقريش أو لليهود، وقيل للمؤمنين. فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا يوم بدر. فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين، وكان قريباً من ألف، أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وذلك كان بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجترءوا عليهم وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا مدداً من الله تعالى للمؤمنين، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله به في قوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. ويؤيده قراءة نافع ويعقوب بالتاء وقرئ بهما على البناء للمفعول أي يريهم الله، أو يريكم ذلك بقدرته، وفئة بالجر على البدل من فئتين والنصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل التقتا. رَأْيَ الْعَيْنِ رؤية ظاهرة معاينة. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره كما أيد أهل بدر. إِنَّ فِي ذلِكَ أي التقليل والتكثير، أو غلبة القليل عديم العدة في الكثير شاكي السلاح، وكون الواقعة آية أيضاً يحتملها ويحتمل وقوع الأمر على ما أخبر به الرسول ﷺ . لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ أي لعظة لذوي البصائر. وقيل لمن أبصرهم. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه إبتلاء، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع. وقيل الشيطان فإن الآية في معرض الذم. وفرق الجبائي بين المباح والمحرم. مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ بيان للشهوات، والقنطار المال الكثير. وقيل مائة ألف دينار. وقيل ملء مسك ثور. واختلف في أنه فعلال أو فنعال، والمقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة. والمسومة المعلمة من السومة وهي العلامة، أو المرعية من أسام الدابة وسومها، أو المطهمة. والأنعام الإِبل والبقر والغنم ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا إشارة إلى ما ذكر. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٦] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ يريد به تقرير أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا. لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها استئناف لبيان ما هو خير، ويجوز أن يتعلق اللام بخير ويرتفع جنات على هو جنات، ويؤيده قراءة من جرها بدلاً من بِخَيْرٍ. وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستقذر من النساء. وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن بضم الراء ما خلا الحرف الثاني في المائدة وهو قوله تعالى: رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ بكسر الراء وهما لغتان. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي بأعمالهم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات، وقد نبه بهذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله تعالى لقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ وأوسطها الجنة ونعيمها.

стр. 168

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ صفة للمتقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإِيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٧] الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإما بالبدن، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإما بالمال وهو الإِنفاق في سبل الخير، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإِجابة، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين. قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ بين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها. وَالْمَلائِكَةُ بالإِقرار. وَأُولُوا الْعِلْمِ بالإِيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. قائِماً بِالْقِسْطِ مقيماً للعدل في قسمه وحكمه وانتصابه على الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللبس كقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً. أو من هو والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد قائماً، أو أحقه لأنها حال مؤكدة، أو على المدح، أو الصفة للمنفي وفيه ضعف للفصل وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة، أو حالاً من الضمير. وقرئ «القائم بالقسط» على البدل عن هو أو الخبر لمحذوف. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبني عليه قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد. وقد روي في فضلها أنه ﵊ قال «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: «إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد، ادخلوا عبدي الجنة» . وهي دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ ، وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه بدل الكل أن فسر الإِسلام بالإِيمان، أو بما يتضمنه وبدل اشتمال إن فسر بالشريعة. وقرئ أنه بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني، واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى لتضمنه معناهما. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإِسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقاً، أو في التوحيد فثلثت النصارى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وقيل هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه

стр. 169

السلام. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي بعد ما علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالآيات والحجج. بَغْياً بَيْنَهُمْ حسداً بينهم وطلباً للرئاسة، لا لشبهة وخفاء في الأمر. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ وعيد لمن كفر منهم. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) فَإِنْ حَاجُّوكَ في الدين، أو جادلوك فيه بعد ما أقمت الحجج. فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره، وهو الدين القويم الذي قامت به الحجج ودعت إليه الآيات والرسل، وإنما عبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفصل، أو مفعول معه. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب. أَأَسْلَمْتُمْ كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة، أم أنتم بعد على كفركم ونظيره وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وفيه تعيير لهم بالبلادة أو المعاندة. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعد ووعيد. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ هم أهل الكتاب الذين في عصره ﵇. قتل أولهم الأنبياء ومتابعيهم وهم رضوا به وقصدوا قتل النبي ﷺ والمؤمنين ولكن الله عصمهم، وقد سبق مثله في سورة البقرة. وقرأ حمزة «ويقاتلون الذين» . وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر إن كليت ولعل ولذلك قيل الخبر. أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ كقولك زيد فافهم رجل صالح، والفرق أنه لا يغير معنى الابتداء بخلافهما. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يدفع عنهم العذاب. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي التوراة أو جنس الكتب السماوية، ومن للتبعيض أو للبيان. وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير. يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ الداعي محمد ﵊ وكتاب الله القرآن، أو التوراة لما روي (أنه ﵊ دخل مدراسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت. فقال: على دين إبراهيم. فقالا إن إبراهيم كان يهودياً فقال: هلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم. فأبيا فنزلت) . وقيل نزلت في الرجم. وقرئ لِيَحْكُمَ على البناء للمفعول فيكون الاختلاف فيما بينهم، وفيه دليل على أن الأدلة السمعية حجة في الأصول. ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم مع علمهم بأن الرجوع إليه واجب. وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم عادتهم الإِعراض، والجملة حال من فريق وإنما ساغ لتخصصه بالصفة.

стр. 170

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٤ الى ٢٥] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) ذلِكَ إشارة إلى التولي والإِعراض. بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ. وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من أن النار لن تمسهم إلا أياماً قلائل، أو أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنه تعالى وعد يعقوب ﵇ أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم. فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. روي: أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ جزاء ما كسبت. وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار، لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص منها وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ الضمير لكل نفس على المعنى لأنه في معنى كل إنسان. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٦] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) قُلِ اللَّهُمَّ الميم عوض عن يا ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول يا عليه مع لام التعريف وقطع همزته وتاء القسم. وقيل: أصله يا الله أمنا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته. مالِكَ الْمُلْكِ يتصرف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ تعطي منه ما تشاء من تشاء وتسترد، فالملك الأول عام والآخران بعضان منه. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما بالنصر والإِدبار والتوفيق والخذلان. بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ذكر الخير وحده لأنه المقتضي بالذات، والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كلياً، أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه إذ روي (أنه ﵇ لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره، فجاء ﵊ فأخذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها. وبرق منها برق أضاء منه ما بين لابتيها لكأن بها مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر وكبر معه المسلمون وقال «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي منها قصور صنعاء» وأخبرني جبريل ﵇ أن أمتي ظاهرة على كلها فابشروا» . فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق) فنزلت . فنبه على أن الشر أيضاً بيده بقول إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٧] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ عقب ذلك ببيان قدرته على معاقبة الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله، دلالة على

стр. 171

أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذل والعز وإيتاء الملك ونزعه. والولوج: الدخول في مضيق. وإيلاج الليل والنهار: إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص. وإخراج الحي من الميت وبالعكس. إنشاء الحيوانات من موادها وإماتتها، أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه. وقيل: إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر الْمَيِّتِ بالتخفيف. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨] لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما، حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في الله، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية. مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي اتخاذهم أولياء. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية، فإن موالاتي المتعاديين لا يجتمعان قال: تَوَدُّ عَدُوي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني ... صَدِيْقُكَ لَيْسَ النوك عَنْكَ بِعَازِبِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، أو اتقاء. والفعل معدى بمن لأنه في معنى تحذروا وتخافوا. وقرأ يعقوب «تقية» . منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى ﵇: كن وسطاً وامش جانباً. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح وذكر النفس، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٩] قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها. وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فيعلم سركم وعلنكم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٠] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يَوْمَ منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وهو له أمداً بعيداً، أو بمضمر نحو اذكر، وتَوَدُّ حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، ولا تكون مَا شرطية لارتفاع تَوَدُّ. وقرئ «ودت» وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية

стр. 172

كائن وأوفق للقراءة المشهورة. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرره للتأكيد والتذكير. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب للأمر أي يرضَ عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه ﷺ . روي: أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه . وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حباً لله. وقيل: في أقوام زعموا على عهده ﷺ أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقاً من العمل. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا. فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. لما أوجب طاعة الرسول وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها، وبه استدل على فضلهم على الملائكة، وَآلَ إِبْراهِيمَ، إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وقد دخل فيهم الرسول ﷺ ، وَآلَ عِمْرانَ موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن ساقط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب ﵇، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. وقيل بعضها من بعض في الدين. والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٥] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)

стр. 173

إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي فينتصب به إذ على التنازع. وقيل نصبه بإضمار اذكر، وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران . وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً مُحَرَّراً معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة ونصبه على الحال. فَتَقَبَّلْ مِنِّي ما نذرته. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لقولي ونيتي. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٦] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى الضمير لما في بطنها وتأنيثه لأنه كان أنثى، وجاز انتصاب أنثى حالاً عنه لأن تأنيثها علم منه فإن الحال وصاحبها بالذات واحداً. أو على تأويل مؤنث كالنفس والحبلة. وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وَضَعَتْ على أنه من كلامها تسلية لنفسها أي ولعل الله فيه سراً، أو الأنثى كانت خيراً. وقريء «وَضَعَتْ» على أنه خطاب الله تعالى لها. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى بيان لقوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، واللام فيهما للعهد ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرت فتكون اللام للجنس. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ عطف على ما قبلها من مقالها وما بينهما اعتراض، وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً إليه وطلباً لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى: العابدة. وفيه دليل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور متغايرة. وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ أجيرها بحفظك. وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة. وعن النبي ﷺ «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل من مسه إلا مريم وابنها» . ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٧] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) فَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر. بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا . ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كتقضي وتعجل أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا شدد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا زكريا

стр. 174

غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها، وخفف الباقون. ومدوا «زكرياء» مرفوعاً. كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ أي الغرفة التي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه ومقدمها، سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً جواب كُلَّما وناصبه. روي: أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس . قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعده. قيل تكلمت صغيرة كعيسى ﵇ ولم ترضع ثدياً قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى. روي (أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أهدت لرسول الله ﷺ رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها وقال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فقال لها: أنَّى لك هذا! فقالت: هو من عند الله إن الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حساب، فقال الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها) . [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى. قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً كما وهبتها لحنة العجوز العاقر. وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ، فسأل وقال هب لي من لدنك ذرية، لأنه لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة. إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي من جنسهم كقولهم زيد يركب الخيل. فإن المنادي كان جبريل وحده. وقرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالإِمالة والتذكير. وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أي قائماً في الصلاة، و (يصلي) صفة قائم أو خبر أو حال آخر أو حال عن الضمير في قائم. أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى أي بأن الله. وقرأ نافع وابن عامر بالكسر على إرادة القول، أو لأن النداء نوع منه. وقرأ حمزة والكسائي (يبشرك) ، و (يحيى) اسم أعجمي وإن جعل عربياً فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل. مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعيسى ﵇، سمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر، أو بكتاب الله، سمي كلمة كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. وَسَيِّداً يسود قومه ويفوقهم وكان فائقاً للناس كلهم في أنه مَا هَمَّ بمعصية قط. وَحَصُوراً مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت . وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئاً منهم أو كائناً من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة. [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٠] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعاداً من حيث العادة، أو استعظاماً أو تعجبا أو استفهاماً عن كيفية

стр. 175

حدوثه. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أدركني كبر السن وأثر في. وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة. وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد، من العقر وهو القطع لأنها ذات عقر من الأولاد. قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ أي يَفْعَلُ مَا يَشَاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يَفْعَلُ مَا يَشَاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة، ويفعل ما يشاء بيان له أو كذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، والله يفعل ما يشاء بيان له. [سورة آل عمران (٣) : آية ٤١] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعرف بها الحبل لاستقبله بالبشاشة والشكر وتزيح مشقة الانتظار. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثاً، وإنما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصة ليخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره، قضاء لحق النعمة وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال. إِلَّا رَمْزاً إشارة بنحو يد أو رأس، وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر والاستثناء منقطع وقيل متصل والمراد بالكلام ما دل على الضمير. وقرئ «رَمْزًا» بفتحتين كخدم جمع رامز ورمزاً كرسل جمع رموز على أنه حال منه ومن الناس بمعنى مترامزين كقوله: مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجِف ... رَوَانِفُ أَليتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً في أيام الحبسة، وهو مؤكد لما قبله مبين للغرض منه، وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ من الزوال إلى الغروب. وقيل من العصر أو الغروب إلى ذهاب صدر الليل. وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى الضحى. وقرئ بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ كلموها شفاهاً كرامة لها، ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة لزكريا أو إرهاصاً لنبوة عيسى ﵊، فإن الإِجماع على أنه لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا. وقيل ألهموها، والاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم يقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء. والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتها مما قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب، أو ليقترن اركعي بالراكعين للإِيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين. وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وبالسجود الصلاة كقوله تعالى: وَأَدْبارَ السُّجُودِ. وبالركوع الخشوع والإخبات. [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٤] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)

стр. 176

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أقداحهم للاقتراع. وقيل اقترعوا بأقلامهم التى كانوا يكتبون بها التوراة تبركاً، والمراد تقرير كونه وحياً على سبيل التهكم بمنكريه، فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الإتهام باحتمال العيان ولا يظن به عاقل. أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ متعلق بمحذوف دل عليه يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أي يلقونها ليعلموا، أو يقولوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ تنافسا في كفالتها. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بدل من إِذْ قالَتِ الأولى وما بينهما اعتراض، أو من إِذْ يَخْتَصِمُونَ على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك لقيته سنة كذا. يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه: المبارك، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبريل، ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة، تكلف لا طائل تحته، وابن مريم لما كان صفة تميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها، ولا ينافي تعدد الخبر وإفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد به أن الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة، فإن الإِسم علامة المسمى والمميز له ممن سواه ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب. وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى، والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ من الله، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً، كلام الأنبياء من غير تفاوت. والمهد مصدر سمي به ما يمهد للصبي في مضجعه. وقيل إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله، وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية وَمِنَ الصَّالِحِينَ حال ثالث من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم. [سورة آل عمران (٣) : آية ٤٧] قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ تعجب، أو استبعاد عادي، أو استفهام عن أنه يكون بتزوج أو غيره. قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ القائل جبريل، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى. إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجاً بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)

стр. 177

ونعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل كلام مبتدأ ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم لما علمت أنها تلد من غير زوج، أو عطف على يبشرك، أو وجيهاً والْكِتابَ الكتبة أو جنس الكتب المنزلة. وخص الكتابان لفضلهما. وقرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء. وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ منصوب بمضمر على إرادة القول تقديره: ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى النطق فكأنه قال: وناطقاً بأني قد جئتكم، وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم. أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نصب بدل من أني قد جئتكم، أو جر بدل من آية، أو رفع على هي أني أخلق لكم والمعنى: أقدر لكم وأصور شيئاً مثل صورة الطير، وقرأ نافع إِنّى بالكسر فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل. فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ فيصير حياً طياراً بأمر الله، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه. وقرأ نافع هنا وفي المائدة «طائراً» بالألف والهمزة. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى أو الممسوح العين. روي: أن ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى ﵊ وما يداوي إلا بالدعاء . وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كرر بإذن الله دفعاً لتوهم الألوهية، فإن الإِحياء ليس من جنس الأفعال البشرية. وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موفقين للإِيمان فإن غيرهم لا ينتفع بالمعجزات، أو مصدقين للحق غير معاندين. [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٠] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ عطف على رَسُولًا على الوجهين، أو منصوب بإضمار فعل دل عليه قَدْ جِئْتُكُمْ أي وجئتكم مصدقاً. وَلِأُحِلَّ لَكُمْ مقدر بإضماره، أو مردود على قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، أو معطوف على معنى مُصَدِّقاً كقولهم جئتك معتذراً ولأطيب قلبك. بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أي في شريعة موسى ﵊ كالشحوم والثروب والسمك ولحوم الإِبل والعمل في السبت، وهو يدل على أن شرعه كان ناسخاً لشرع موسى ﵊ ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة، كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتناقض وتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. [سورة آل عمران (٣) : آية ٥١] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربكم وهو قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فإنه دعوة الحق المجمع عليها فيما بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر، أو جئتكم بآية على إن الله ربي وربكم وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض والظاهر أنه تكرير لقوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ أي لما جئتكم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة فاتقوا الله في المخالفة وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي

стр. 178

وَرَبُّكُمْ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: فَاعْبُدُوهُ إشارة إلى استكمال القوة العلمية فإنه بملازمة الطاعة التي هي الإِتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن بين أن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره قوله ﵊ «قل آمنت بالله ثم استقم» . [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٢] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس. قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ملتجئاً إلى الله تعالى أو ذاهباً أو ضاماً إليه، ويجوز أن يتعلق الجار ب أَنْصارِي مضمناً معنى الإِضافة، أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله تعالى فى نصري. وقيل إلى هاهنا بمعنى (مع) أو (في) أو (اللام) . قالَ الْحَوارِيُّونَ حواري الرجل خاصته من الحور وهو البياض الخالص، ومنه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن. سمي به أصحاب عيسى ﵊ لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. وقيل كانوا ملوكاً يلبسون البيض استنصر بهم عيسى ﵊ من اليهود. وقيل قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها. نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أنصار دين الله. آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٤] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع الشاهدين بوحدانيتك، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد ﷺ فإنهم شهداء على الناس. وَمَكَرُوا أي الذين أحس منهم الكفر من اليهود بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة. وَمَكَرَ اللَّهُ حين رفع عيسى ﵊ وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل. والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والإِزدواج. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكراً وأقدرهم على إيصال الضرر مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ. [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٥] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لمكر الله أو خير الماكرين، أو لمضمر مثل وقع ذلك. يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى، عاصماً إياك من قتلهم، أو قابضك من الأرض من توفيت مالي، أو متوفيك نائماً إذ روي أنه رفع نائماً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت. وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى. وَرافِعُكَ إِلَيَّ إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم أو قصدهم وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعاونهم بالحجة أو السيف في غالب الأمر، ومتبعوه من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم تسمع غلبة لليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ الضمير لعيسى ﵊ ومن تبعه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.

стр. 179

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فنوفيهم أُجُورَهُمْ تفسير للحكم وتفصيل له. وقرأ حفص فَيُوَفِّيهِمْ بالياء. وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تقرير لذلك. [سورة آل عمران (٣) : آية ٥٨] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره، وهو مبتدأ خبره. نَتْلُوهُ عَلَيْكَ وقوله: مِنَ الْآياتِ حال من الهاء ويجوز أن يكون الخبر ونتلوه حالاً على أن العامل معنى الإِشارة وأن يكونا خبرين وأن ينتصب بمضمر يفسره نتلوه. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ المشتمل على الحكم، أو المحكم الممنوع عن تطرق الخلل إليه يريد به القرآن. وقيل اللوح. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٩ الى ٦٠] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ إن شأنه الغريب كشأن آدم ﵊. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة للتمثيل مبينة لما به الشبه، وهو أنه خلق بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم، شبه حاله بما هو أعرب منه إفحاماً للخصم وقطعاً لمواد الشبهة والمعنى خلق قالبه من التراب. ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أي أنشأه بشراً كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه، ويجوز أن يكون ثم لتراخي الخبر لا المخبر. فَيَكُونُ حكاية حال ماضية. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر محذوف أي هو الحق، وقيل الْحَقُّ مبتدأ ومِنْ رَبِّكَ خبره أي الحق المذكور من الله تعالى. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب للنبي ﷺ على طريقة التهييج لزيادة الثبات أو لكل سامع. [سورة آل عمران (٣) : آية ٦١] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) فَمَنْ حَاجَّكَ من النصاري. فِيهِ في عيسى. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البينات الموجبة للعلم. فَقُلْ تَعالَوْا هلموا بالرأي والعزم. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحمل عليها، وإنما قدمهم على الأنفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم. ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا. والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف فيه بيان روي (أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي ﵁ خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقفهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا

стр. 180

لرسول الله ﷺ وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد، فقال ﵊: والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر) . وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٣] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) إِنَّ هَذَا أي ما قص من نبأ عيسى ومريم. لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ بجملتها خبر إن، أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه، وما بعده خبر واللام دخلت فيه لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ صرح فيه ب مِنْ المزيدة للاستغراق تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإِعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم. [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ يعم أهل الكتابين. وقيل يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة. تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها. أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها. وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد. وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا روي أنه لما نزلت اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال «أليس يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال: هو ذاك» . فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد. فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل. (تنبيه) أنظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين: أولاً، أحوال عيسى ﵊ وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقاً أسهل، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. [سورة آل عمران (٣) : آية ٦٥] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ تنازعت اليهود
следующие страницы →