← Тафсир

Тафсир · id 23588

تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ هذا الطرد والإِبعاد. إِلى يَوْمِ الدِّينِ فإنه منتهى أمد اللعن، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ بمعنى آخر ينسى عنده هذه. وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أراد أن يجد فسحة في الإِغواء أو نجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولاً بيوم الجزاء لما عرفته وثانياً بيوم البعث، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثاً بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي الباء للقسم وما مصدرية وجوابه. لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلاف. وقيل للسببية والمعتزلة أوّلوا الاغواء بالنسبة إلى الغي، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم ﵇، أو بالإِضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل، وأن في إمهاله تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب. وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ولأحملنهم أجمعين على الغواية. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤١ الى ٤٢] قالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) قالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ حقٌ علي أن أراعيه. مُسْتَقِيمٌ لا انحراف عنه، والإِشارة إلى ما تضمنه

стр. 562

الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه، أو الإِخلاص على معنى أنه طريق عَلَيَّ يؤدي إِلى الوصول إليَّ من غير اعوجاج وضلال. وقرئ عَلَيَّ من علو الشرف. إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ تصديق لإِبليس فيما استثناه وتغيير الوضع لتعظيم الْمُخْلَصِينَ، ولأن المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشيطان عنهم، أو تكذيب له فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده، فإن منتهى تزيينه التحريض والتدليس كما قال: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً، وعلى الأول يدفع قول من شرط أن يكون المستثني أقل من الباقي لإِفضائه إلى تناقض الاستثناءين. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ لموعد الغاوين أو المتبعين. أَجْمَعِينَ تأكيد للضمير أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدراً على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان فإنه لا يعمل. لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ يدخلون منها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي: جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية، أو لأن أهلها سبع فرق. لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ من الأتباع. جُزْءٌ مَقْسُومٌ أفرز له، فأعلاها للموحدين العصاة، والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس للمجوس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين، وقرأ أبو بكر «جُزْء» بالتثقيل. وقرئ «جز» على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزاي، ثم الوقف عليه بالتشديد ثم إجراء الوصل مجرى الوقف، ومنهم حال منه أو من المستكن في الظرف لا في مَقْسُومٌ لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ من أتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ لكل واحد جنة وعين أو لكل عدة منهما كقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ثم قوله: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ الآية، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وهشام وَعُيُونٍ والعيون بضم العين حيث وقع والباقون بكسر العين. ادْخُلُوها على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء على أنه ماض فلا يكسر التنوين. بِسَلامٍ سالمين أو مسلما عليكم. آمِنِينَ من الآفة والزوال. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٧ الى ٤٨] وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) وَنَزَعْنا في الدنيا بما ألف بين قلوبهم، أو في الجنة بتطييب نفوسهم. ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ من حقد كان في الدنيا وعن علي رضي الله تعالى عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، أو من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب. إِخْواناً حال من الضمير في جنات، أو فاعل ادخلوها أو الضمير في آمنين أو الضمير المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإِضافة وكذا قوله: عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ويجوز أن يكونا صفتين لإِخواناً أو حال من ضميره لأنه بمعنى متصافين، وأن يكون متقابلين حالاً من المستقر في على سرر.

стр. 563

لاَ يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ استئناف أو حال بعد حال، أو حال من الضمير في متقابلين. وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ فإن تمام النعمة بالخلود. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٩ الى ٥١] نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده وفي عطف وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ على نَبِّئْ عِبادِي تحقيق لهما بما يعتبرون به. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً. قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ خائفون وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، ولأنهم امتنعوا من الأكل والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره. قالُوا لاَ تَوْجَلْ وقرئ «لا تأجل» من أوجله «ولا تواجل» من واجله بمعنى أوجله. إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، فإن المبشر لا يخاف منه. وقرأ حمزة نبشرك بفتح النون والتخفيف من البشر. بِغُلامٍ هو اسحاق ﵇ لقوله: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ. عَلِيمٍ إذا بلغ. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٤ الى ٥٦] قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذا قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ أي فبأي أعجوبة تبشرون، أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالاً لإِجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء. قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول الله تعالى وأمره. فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم ﵇ باعتبار العادة دون القدرة ولذلك: قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته كما قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وقرأ أبو عمرو والكسائي يَقْنَطُ بالكسر، وقرئ بالضم وماضيهما قنط بالفتح. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٧ الى ٥٨] قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة، ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة لأنهم كانوا عدداً والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم ﵉، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.

стр. 564

قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني قوم لوط. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٩ الى ٦٠] إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) إِلَّا آلَ لُوطٍ إن كان استثناء من قَوْمٍ كان منقطعاً إذ ال قَوْمٍ مقيد بالإِجرام وإن كان استثناء من الضمير في مُجْرِمِينَ كان متصلاً، والقوم والإِرسال شاملين للمجرمين، وآلَ لُوطٍ المؤمنين به وكأن المعنى: إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ أجرم كلهم إلا آل لوط منهم لنهلك المجرمين وننجي آل لوط منهم، ويدل عليه قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ أي مما يعذب به القوم، وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء ومتصل بآل لوط جار مجرى خبر لكن إذا انقطع وعلى هذا جاز أن يكون قوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من آلَ لُوطٍ، أو من ضميرهم، وعلى الأول لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ اعتراضاً، وقرأ حمزة والكسائي لَمُنَجُّوهُمْ مخففاً. قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم قَدَّرْنا هنا وفي «النمل» بالتخفيف، وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم. ويجوز أن يكون قَدَّرْنا أجري مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم إياه إلى أنفسهم. وهو فعل الله لما لهم من القرب والاختصاص به. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦١ الى ٦٤] فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بِشَرٍ. قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه. وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ باليقين من عذابهم. وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به. [سورة الحجر (١٥) : آية ٦٥] فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فاذهب بهم في الليل، وقرأ الحجازيان بوصل الهمزة من السرى وهما بمعنى وقرئ «فسر» من السير. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ في طائفة من الليل وقيل في آخره قال: افتَحِي البَابَ وَانْظُرِي فِي النُّجُوم ... كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطَعٍ لَيْلٍ بَهِيمِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم. وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه ما أصابهم أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلف امرؤ لغرض فيصيبه العذاب. وقيل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة. وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه، وهو الشام أو مصر فعدي وَامْضُوا إلى حَيْثُ وتُؤْمَرُونَ إلى ضميره ٠ المحذوف على الاتساع. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٦ الى ٦٧] وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ أي وأوحينا إليه مقضياً، ولذلك عدي بإلى. ذلِكَ الْأَمْرَ مبهم يفسره. أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ

стр. 565

مَقْطُوعٌ ومحله النصب على البدل منه وفي ذلك تفخيم للآمر وتعظيم له. وقرئ بالكسر على الاستئناف والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. مُصْبِحِينَ داخلين في الصبح وهو حال من هؤلاء، أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى. ف أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ في معنى مدبري هؤلاء. وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ سدوم. يَسْتَبْشِرُونَ بأضياف لوط طمعا فيهم. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٨ الى ٦٩] قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه. وَاتَّقُوا اللَّهَ في ركوب الفاحشة. وَلا تُخْزُونِ ولا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان، أو لا تخجلوني فيهم من الخزاية وهو الحياء. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٠ الى ٧١] قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ على أن تجير منهم أحداً أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لكل احد وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه، أو عن ضيافة الناس وإنزالهم. قالَ هؤُلاءِ بَناتِي يعني نساء القوم فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، وفيه وجوه ذكرت في سورة «هود» . إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قضاء الوطر أو ما أقول لكم. [سورة الحجر (١٥) : آية ٧٢] لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) لَعَمْرُكَ قسم بحياة المخاطب والمخاطب في هذا القسم هو النبي ﵊ وقيل لوط ﵇ قالت الملائكة له ذلك، والتقدير لعمرك قسمي، وهو لغة في العمر يختص به القسم لإِيثار الأخف فيه لأنه كثير الدور على ألسنتهم. إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم. يَعْمَهُونَ يتحيرون فكيف يسمعون نصحك. وقيل الضمير لقريش والجملة اعتراض. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٣ الى ٧٤] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة هائلة مهلكة. وقيل صيحة جبريل ﵇. مُشْرِقِينَ داخلين في وقت شروق الشمس. فَجَعَلْنا عالِيَها عالي المدينة أو عالي قراهم. سافِلَها وصارت منقلبة بهم. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل، وقد تقدم مزيد بيان لهذه القصة في سورة «هود» . [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٥ الى ٧٧] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ للمتفكرين المتفرسين الذين يتثبّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته. وَإِنَّها وإن المدينة أو القرى. لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بالله ورسله. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)

стр. 566

وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه الله إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة، والْأَيْكَةِ الشجرة المتكاثفة. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالإِهلاك. وَإِنَّهُما يعني سدوم والأيكة. وقيل الأيكة ومدين فإنه كان مبعوثاً إليهما فكان ذكر إحداهما منبهاً على الأخرى. لَبِإِمامٍ مُبِينٍ لبطريق واضح، والإِمام اسم ما يؤتم به فسمي به الطريق ومطمر البناء واللوح لأنها مما يؤتم به. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٠ الى ٨١] وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ يعني ثمود، كذبوا صالحاً، ومن كذب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع، ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحاً ومن معه من المؤمنين، والْحِجْرِ واد بين المدينة والشأم يسكنونه. وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني آيات الكتاب المنزل على نبيهم، أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها ودرها، أو ما نصب لهم من الأدلة. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٢ الى ٨٤] وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها، أو من العذاب لفرط غفلتهم أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ إلا خلقاً ملتبساً بالحق لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشرور، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء وإزاحة فسادهم من الأرض. وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فينتقم الله لك فيها ممن كذبك. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ولا تعجل بانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وقيل هو منسوخ بآية السيف. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم. الْعَلِيمُ بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم، أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح، وفي مصحف عثمان وأبَيِّ ﵄ «هو الخالق» ، وهو يصلح للقليل والكثير والْخَلَّاقُ يختص بالكثير. [سورة الحجر (١٥) : آية ٨٧] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً سبع آيات وهي الفاتحة. وقيل سبع سور وهي الطوال وسابعتها «الأنفال» و «التوبة» فإنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وقيل «التوبة» وقيل «يونس» أو الحواميم السبع. وقيل سبع صحائف وهي الأسباع. مِنَ الْمَثانِي بيان للسبع والمثاني من التثنية، أو الثناء فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته، أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه أو مثني عليه بالبلاغة والاعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته

стр. 567

العظمى وأسمائه الحسنى، ويجوز أن يراد ب الْمَثانِي القرآن أو كتب الله كلها فتكون مِنَ للتبعيض. وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ لا تطمح ببصرك طموح راغب. إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافاً من الكفار، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه «من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيرا» . وروي «أنه ﵊ وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم: لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع» . وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أنهم لم يؤمنوا. وقيل إنهم المتمتعون به. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وتواضع لهم وارفق بهم. وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا. [سورة الحجر (١٥) : آية ٩٠] كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ مثل العذاب الذي أنزلناه عليهم، فهو وصف لمفعول النذير أقيم مقامه والمقتسمون هم الإثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإِيمان بالرسول ﷺ فأهلكهم الله تعالى يوم بدر أو الرهط الذين اقتسموا أي تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً ﵊ وقيل هو صفة مصدر محذوف يدل عليه. وَلَقَدْ آتَيْناكَ فإنه بمعنى أنزلنا إليك، والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا عناداً: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أن القرآن ما يقرءون من كتبهم، فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ ، وقوله لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الخ اعتراضاً ممداً لها. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩١ الى ٩٣] الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أجزاء جمع عضة، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء. وقيل فعلة من عضهته إذا بهته، وفي الحديث «لعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة» وقيل أسحاراً وعن عكرمة المعضة السحر، وإنما جمع جمع السلامة جبراً لما حذف منه والموصول بصلته صفة للمقتسمين أو مبتدأ خبره. فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من التقسيم أو النسبة إلى السحر فنجازيهم عليه. وقيل هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي. [سورة الحجر (١٥) : آية ٩٤] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فاجهر به، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، أو فافرق به بين الحق والباطل، وأصله الإِبانة والتمييز وما مصدرية أو موصولة، والراجع محذوف أي بما تؤمر به من الشرائع. وَأَعْرِضْ عَنِ

стр. 568

الْمُشْرِكِينَ ولا تلتفت إلى ما يقولون. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩٥ الى ٩٦] إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بقمعهم وإهلاكهم. قيل كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، يبالغون في إيذاء النبي ﷺ والاستهزاء به فقال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لاخذه، فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أخمص العاص فدخل فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وإلى عيني الأسود بن المطلب فعمي: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم في الدارين. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ من الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء بك. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك، أو فنزهه عما يقولون حامداً له على أن هداك للحق. وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ من المصلين، وعنه ﵊ (أنه كان إذا حَزبه أمر فزع إلى الصلاة) . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق، والمعنى فاعبده ما دمت حياً ولا تخلّ بالعبادة لحظة. عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد ﷺ » والله أعلم.

стр. 569

(١٦) سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية [سورة النحل (١٦) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول ﷺ من قيام الساعة، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاءً وتكذيباً، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ والباقون بالياء على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. [سورة النحل (١٦) : آية ٢] يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ بالوحي أو القرآن، فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول ﷺ ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل من أنزل، وعن يعقوب مثله وعنه «تنزل» بمعنى تتنزل. وقرأ أبو بكر «تنزل» على المضارع المبني للمفعول من التنزيل. مِنْ أَمْرِهِ بأمره أو من أجله. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أن يتخذه رسولاً. أَنْ أَنْذِرُوا بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته. أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أن الشأن لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ، أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وقوله فَاتَّقُونِ رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود، وأَنْ مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول، أو مصدرية في موضع الجر بدلاً من الروح أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية. وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣ الى ٤] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها

стр. 570

وخصصها بحكمته. تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما ومما لا يقدر على خلقهما. وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل. فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ منطيق مجادل. مُبِينٌ للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. روي أن أُبَي بن خلف أتى النبي ﷺ بعظم رميم وقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ. فنزلت. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥ الى ٦] وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَالْأَنْعامَ الإِبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره. خَلَقَها لَكُمْ أو بالعطف على الإِنسان، وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له. فِيها دِفْءٌ ما يدفأ به فيقي البرد. وَمَنافِعُ نسلها ودرها وظهورها، وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها. وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأن الكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ زينة. حِينَ تُرِيحُونَ تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي. وَحِينَ تَسْرَحُونَ تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرئ «حيناً» على أن تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ وصفان له بمعنى تُرِيحُونَ فيه وتَسْرَحُونَ فيه. [سورة النحل (١٦) : آية ٧] وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أحمالكم. إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلاً أن تحملوها على ظهوركم إليه. إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إلا بكلفة ومشقة. وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمعنى النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم. [سورة النحل (١٦) : آية ٨] وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ عطف على الْأَنْعامَ. لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة. وقيل هي معطوفة على محل لِتَرْكَبُوها وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود مِنْ خَلْقِهَا الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة لِتَرْكَبُوها أو مصدراً في موضع الحال من أحد الضميرين أي: متزينين أو متزيناً بها، واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً، ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري أجمل غيرها، ويجوز أن يكون إخباراً بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، وأن يراد به ما خلق في الجنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر.

стр. 571

[سورة النحل (١٦) : آية ٩] وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلاً، أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه، والمراد من السَّبِيلِ الجنس ولذلك أضاف إليه ال قَصْدُ وقال: وَمِنْها جائِرٌ حائد عن القصد أو عن الله، وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة، أو لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. وقرئ و «منكم جائر» أي عن القصد. وَلَوْ شاءَ الله. لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ من السحاب أو من جانب السماء. مَآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ما تشربونه، ولَكُمْ صلة أَنْزَلَ أو خبر شَرابٌ ومِنَ تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ وقوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ. وَمِنْهُ شَجَرٌ ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي. وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال: يَعْلِفُهَا اللَّحْمَ إِذَا عَزَّ الشَّجَر ... وَالخَيْلُ فِي إِطْعَامِهَا اللَّحْم ضَرَر فِيهِ تُسِيمُونَ ترعون، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. [سورة النحل (١٦) : آية ١١] يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم. وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانياً هو أشرف الأغذية، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ على وجود الصانع وحكمته، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها. ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢ الى ١٣] وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ بأن هيأها لمنافعكم. مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب

стр. 572

وأوضاعها، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضاً ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعاً للدور والتسلسل، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع. وقرأ حفص والنجوم مسخرات على الابتداء والخبر فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضاً. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ جمع الآية، وذكر العقل لأنها تدل أنواعاً من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات. وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على اللَّيْلَ، أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أصنافه فإنها تتخالف باللون غالباً. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم. [سورة النحل (١٦) : آية ١٤] وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإِظهار قدرته في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق، وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحماً حنث بأكل السمك. وأجيب عنه بأن مبنى الإِيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإِطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه. وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم، فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم. وَتَرَى الْفُلْكَ السفن. مَواخِرَ فِيهِ جواري فيه تشقه بحيزومها، من المخر وهو شق الماء. وقيل صوت جري الفلك. وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ من سعة رزقه بركوبها للتجارة. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سبباً للانتفاع وتحصيل المعاش. [سورة النحل (١٦) : آية ١٥] وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالاً رواسي. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ كراهة أن تميل بكم وتضطرب، وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. وَأَنْهاراً وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معناه. وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لمقاصدكم، أو إلى معرفة الله . [سورة النحل (١٦) : آية ١٦] وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) وَعَلاماتٍ معالم يستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك. وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بالليل في البراري والبحار، والمراد بالنجم الجنس ويدل عليه قراءة وَبِالنَّجْمِ بضمتين وضمة وسكون على الجمع. وقيل الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي، ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير

стр. 573

للتخصيص كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون، فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم. [سورة النحل (١٦) : آية ١٧] أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيهاً على أنهم بالإشراك بالله جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيهاً بها، والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم أو الأصنام، وأجروها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة ومن حق الإِله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق أو للمبالغة وكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفوا فساد ذلك فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٨ الى ١٩] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها لا تضبطوا عددها فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها، أتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة تنبيهاً على أن وراء ما عَدَّدَ نعماً لا تنحصر، وأن حق عبادته تعالى غير مقدور. إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها. رَحِيمٌ لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم بعد تزييفه باعتبار القدرة. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٠ الى ٢١] وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) والّذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أي والآلهة الذين تعبدونهم من دونه. وقرأ أبو بكر «يَدْعُونَ» بالياء. وقرأ حفص ثلاثتها بالياء. لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئاً لينتج أنهم لا يشاركونه، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهية فقال: وَهُمْ يُخْلَقُونَ لأنهم ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإِله ينبغي أن يكون واجب الوجود. أَمْواتٌ هم أموات لا تعتريهم الحياة، أو أموات حالاً أو مآلاً. غَيْرُ أَحْياءٍ بالذات ليتناول كل معبود، والإِله ينبغي أن يكون حياً بالذات لا يعتريه الممات. وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ولا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم، والإِله ينبغي أن يكون عالماً بالغيوب مقدراً للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تكرير للمدعى بعد إقامة الحجج. فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ

стр. 574

مُسْتَكْبِرُونَ . بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة، فإن المؤمن بها يكون طالباً للدلائل متأملاً فيما يسمع فينتفع به، والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعاً للأسلاف وركوناً إلى المألوف، فإنه ينافي النظر والاستكبار عن اتباع الرسول وتصديقه والالتفات إلى قوله، والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين. لاَ جَرَمَ حقاً. أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فيجازيهم، وهو في موضع الرفع ب جَرَمَ لأنه مصدر أن فعل. إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ فضلاً عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع الرسول. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٥] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون. قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما تدعون نزوله، أو المنزل أساطير الأولين، وإنما سموه منزلاً على التهكم أو على الفرض أي على تقدير أنه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه، والقائلون قيل هم المقتسمون. لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال. وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ وبعض أوزار ضلال من يضلونهم وهو حصة التسبب. بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم، إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق والمبطل. أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ بئس شيئاً يزرونه فعلهم. [سورة النحل (١٦) : آية ٢٦] قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٢٦) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام. فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فأتاها أمره من جهة العمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت. فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وصار سبب هلاكهم. وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل. وقيل المراد به نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا. [سورة النحل (١٦) : آية ٢٧] ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ. وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ أضاف إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإِضافتهم زيادة في توبيخهم. الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ تعادون المؤمنين في شأنهم. وقرأ نافع بكسر النون بمعنى تشاقونني فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله . قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة. إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ الذلة والعذاب. عَلَى الْكافِرِينَ وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإِهانة، وحكايته لأن يكون لطفاً ووعظاً لمن سمعه. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)

стр. 575

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وقرأ حمزة بالياء. وقرئ بإدغام التاء في التاء وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بأن عرضوها للعذاب المخلد. فَأَلْقَوُا السَّلَمَ فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت. مَا كُنَّا قائلين ما كنا. نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ كفر وعدوان، ويجوز أن يكون تفسيراً ل السَّلَمَ على أن المراد به القول الدال على الاستسلام. بَلى أي فتجيبهم الملائكة بلى. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهو يجازيكم عليه، وقيل قوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة، وعلى هذا أول من لم يجوز الكذب يومئذ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بأنا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءا، واحتمل أن يكون الراد عليهم هو الله تعالى، أو أولوا العلم. فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ كل صنف بابها المعد له. وقيل أبواب جهنم أصناف عذابها. خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ جهنم. [سورة النحل (١٦) : آية ٣٠] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يعني المؤمنين. مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً أي أنزل خيراً، وفي نصبه دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب، وأطبقوه على السؤال معترفين بالإِنزال على خلاف الكفرة. روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ، فإذا جاء الوافد من المقتسمين قالوا له ما قالوا وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ مكافأة في الدنيا. وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أي ولثوابهم في الآخرة خير منها، وهو عدة للذين اتقوا على قولهم، ويجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم بدلاً وتفسيراً ل خَيْراً على أنه منتصب ب قالُوا. وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ دار الآخرة فحذفت لتقدم ذكرها. [سورة النحل (١٦) : آية ٣١] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها مَا يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) وقولِه: جَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح. يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من أنواع المشتهيات، وفي تقديم الظرف تنبيه على أن الإِنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة. كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مثل هذا الجزاء يجزيهم وهو يؤيد الوجه الأول. [سورة النحل (١٦) : آية ٣٢] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ. وقيل فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس. يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا يحيقكم بعد مكروه. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حين تبعثون فإنها معدة لكم على أعمالكم. وقيل هذا التوفي وفاة الحشر لأن الأمر بالدخول حينئذ. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)

стр. 576

ْ يَنْظُرُونَ ما ينتظر الكفار المار ذكرهم. لَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء. وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ القيامة أو العذاب المستأصل. ذلِكَ مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب. عَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأصابهم ما أصابوا. ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بتدميرهم. لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بكفرهم ومعاصيهم المؤدية إليه. فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا أي جزاء سيئات أعمالهم على حذف المضاف، أو تسمية الجزاء باسمها. وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وأحاط بهم جزاؤه والحيق لا يستعمل إلا في الشر. [سورة النحل (١٦) : آية ٣٥] وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ إنما قالوا ذلك استهزاء أو منعاً للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيها، أو إنكاراً لقبح ما أنكر عليهم من الشرك وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء الله صدورها عنهم ولشاء خلافه، ملجئاً إليه لا اعتذاراً إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم، وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين. ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله. فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ إلا الإِبلاغ الموضح للحق وهو لا يؤثر في هدى من شاء الله هداه لكنه يؤدي إليه على سبيل التوسط، وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقاً بل بأسباب قدرها له، ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإِلهية في الأمم كلها سبباً لهدى من أراد اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه بقوله تعالى: [سورة النحل (١٦) : آية ٣٦] وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ يأمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت. فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وفقهم للإِيمان بإرشادهم. وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ إذ لم يوفقهم ولم يرد هداهم، وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية لما فيه من الدلالة على أن تحقق الضلال وثباته بفعل الله تعالى وإرادته من حيث أنه قسم من هدى الله، وقد صرح به في الآية الأخرى. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يا معشر قريش. فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ من عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٧ الى ٣٨] إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٨) إِنْ تَحْرِصْ يا محمد. عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ من يريد ضلاله وهو المعني بمن حقت عليه الضلالة. وقرأ غير الكوفيين لاَّ يَهْدِي على البناء للمفعول وهو أبلغ. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ من ينصرهم بدفع العذاب عنهم. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ عطف على وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إيذاناً بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده، ولقد رد الله عليهم أبلغ رد فقال: بَلى يبعثهم. وَعْداً مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه بَلى فإن يبعث موعد من الله. عَلَيْهِ إنجازه لامتناع الخلف في وعده، أو لأن البعث مقتضى حكمته. حَقًّا صفة أخرى للوعد. وَلكِنَّ أَكْثَرَ

стр. 577

النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه، ثم إنه تعالى بين الأمرين فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي يبعثهم لِيُبَيِّنَ لَهُمُ. الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو الحق. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ فيما يزعمون، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة، وهو المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ثم قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهو بيان إمكانه وتقريره أن تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد، وإلاَّ لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده، ونصب ابن عامر والكسائي ها هنا وفي «يس» فيكون عطفاً على نقول أو جوابا للأمر. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا هم رسول الله ﷺ وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله ﷺ وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم، وقوله. فِي اللَّهِ أي في حقه ولوجهه. لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ مما يعجل لهم في الدنيا. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. الَّذِينَ صَبَرُوا على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن، ومحله النصب أو الرفع على المدح. وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ منقطعين إلى الله مفوضين إليه الأمر كله. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، أي جرت السنة الإِلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشراً يوحي إليه على ألسنة الملائكة، والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة «الأنعام» فإن شككتم فيه. فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم. إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكاً للدعوة العامة وقوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا معناه رسلاً إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورد بما روي: أنه ﵊ رأى جبريل صلوات الله عليه على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.

стр. 578

بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب، كأنه جواب: قائل قال: بم أرسلوا؟ ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلاً في الاستثناء مع رجالاً أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط، أو صفة لهم أي رجالاً ملتبسين بالبينات، أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله على أن قوله فاسألوا اعتراض، أو بلا تعلمون على أن الشرط للتبكيت والإِلزام. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ أي القرآن وإنما سمي ذكراً لأنه موعظة وتنبيه. لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه، أو مما تشابه عليهم والتبيين أعم من أن ينص بالمقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس. ودليل العقل. وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي المكرات السيئات وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول الله ﷺ وراموا صد أصحابه عن الإِيمان. أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسف بقارون أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم. فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. [سورة النحل (١٦) : آية ٤٧] أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ على مخافة بأن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على أن ينقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأحوالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته. روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته: تَخَوَّفَ الرَحْلُ مِنْهَا تامكا قَرَداً ... كَمَا تَخَوِّفَ عُود النَبْعَةِ السُّفُنُ فقال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما ديواننا قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث لا يعاجلكم بالعقوبة. [سورة النحل (١٦) : آية ٤٨] أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه، وما موصولة مبهمة بيانها. يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة. وقرأ حمزة والكسائي «تَروْا» بالتاء وأبو عمرو «تتفيؤ» بالتاء. عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ عن أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها، استعارة من يمين الإِنسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في ظلاله وجمعه في قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ وهما حالان من الضمير في ظلاله، والمراد من السجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب أو سجدا حال من الظلال وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير. والمعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها، أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والأجرام في أنفسها أيضاً داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى

стр. 579

فيها، وجمع داخِرُونَ بالواو لأن من جملتها من يعقل، أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل المراد ب الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع وشماله هو الجانب الغربي المقابل له من الأرض، فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينقاد انقياداً يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعاً والانقياد لتكليفه وأمره طوعاً ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض وقوله: مِنْ دابَّةٍ بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كانت في أرض أو سماء. وَالْمَلائِكَةُ عطف على المبين به عطف جبريل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السموات وتعيين له إجلالاً وتعظيماً، أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم، وما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليباً للعقلاء. وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ يخافونه أن يرسل عذاباً من فوقهم، أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. والجملة حال من الضمير في لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٥٢] وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه، أو إيماءِ بأن الاثنينية تنافي الألوهية كما ذكر الواحد في قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإِلهية، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإِلهية. فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب وتصريحاً بالمقصود فكأنه قال: فأنا ذلك الإِله الواحد فإياي فارهبون لا غير. وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقاً وملكاً. وَلَهُ الدِّينُ أي الطاعة. واصِباً لازماً لما تقرر من أنه الإله وحده والحقيق بأن يرهب منه. وقيل واصِباً من الوصب أي وله الدين ذا كلفة. وقيل الدين الجزاء أي وله الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر. أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال تعالى: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله، وَما شرطية أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإِخبار دون الحصول، فإن استقرار النعمة بهم يكون سبباً للإِخبار بأنها من الله لا لحصولها منه. ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة.

стр. 580

ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ وهم كفاركم. بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بعبادة غيره، هذا إذا كان الخطاب عاماً، فإن كان خاصاً بالمشركين كان من للبيان كأنه قال: إذا فريق وهم أنتم، ويجوز أن تكون من للتبعيض على أن يعتبر بعضهم كقوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ. لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو إنكار كونها من الله تعالى. فَتَمَتَّعُوا أمر تهديد. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أغلظ وعيده، وقرئ فيمتعوا مبنياً للمفعول عطفاً على لِيَكْفُرُوا، وعلى هذا جاز أن تكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد والفاء للجواب. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد فيكون الضمير لِما، أو التي لا يعلمونها فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم على أن العائد إلى ما محذوف، أو لجهلهم على أن ما مصدرية والمجعول له محذوف للعلم به. نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الزروع والأنعام. تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ من أنها آلهة حقيقة بالتقرب إليها وهو وعيد لهم عليه. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. سُبْحانَهُ تنزيه له من قولهم، أو تعجب منه. وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ يعني البنين، ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى أخبر بولادتها. ظَلَّ وَجْهُهُ صار أو دام النهار كله. مُسْوَدًّا من الكآبة والحياء من الناس. واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير. وَهُوَ كَظِيمٌ مملوء غيظاً من المرأة. يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ يستخفى منهم. مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ. من سوء المبشر به عرفاً. أَيُمْسِكُهُ محدثاً نفسه متفكراً في أن يتركه. عَلى هُونٍ ذل أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أي يخفيه فيه ويئده، وتذكير الضمير للفظ مَا وقرئ بالتأنيث فيهما. أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٠] لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهاراً بهم وكراهة الإِناث ووأدهن خشية الإِملاق. وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ المنفرد بكمال القدرة والحكمة. [سورة النحل (١٦) : آية ٦١] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)

стр. 581

وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ بكفرهم ومعاصيهم. مَّا تَرَكَ عَلَيْها على الأرض، وإنما أضمرها من غير ذكر للدلالة الناس والدابة عليها. مِنْ دَابَّةٍ قط بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء. وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى سماه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ بل هلكوا أو عذبوا حينئذ لا محالة، ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٢] وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة، والاستخفاف بالرسل وأراذل الأموال. وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ مع ذلك وهو. أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي عند الله كقوله: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وقرئ «الكذب» جمع كذوب صفة للألسنة. لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ رد لكلامهم وإثبات لضده. وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته. وقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإِفراط في المعاصي. وقرئ بالتشديد مفتوحاً من فرطته في طلب الماء ومكسوراً من التفريط في الطاعات. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٣] تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فأصروا على قبائحها وكفروا بالمرسلين. فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي في الدنيا، وعبر باليوم عن زمانها أو فهو وليهم حين كان يزين لهم، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، ويجوز أن يكون الضمير لقريش أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء اليوم يغريهم ويغويهم، وإن يقدر مضاف أي فهو ولي أمثالهم، والولي القرين أو الناصر فيكون نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في القيامة. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٤ الى ٦٥] وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ للناس. الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من التوحيد والقدر وأحوال المعاد وأحكام الأفعال. وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ معطوفان على محل لتبين فإنهما فعلا المنزل بخلاف التبيين. وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تدبر وإنصاف. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٦] وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم. نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ استئناف لبيان العبرة، وإنما ذكر الضمير ووحده ها هنا للفظ وأنثه في سورة «المؤمنين» للمعنى، فإن الْأَنْعامِ اسم

стр. 582

جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب نُسْقِيكُمْ بالفتح هنا وفي «المؤمنين» . مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً، ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن، لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقي ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضماً ثانياً فيحدث أخلاطاً أربعة معها مائية، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولاً إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبناً، ومن تدبر صنع الله تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته، ومِنْ الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك: سقيت من الحوض، لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإِسقاء وهي متعلقة ب نُسْقِيكُمْ أو حال من لَبَناً قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة. خالِصاً صافياً لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه. سائِغاً لِلشَّارِبِينَ سهل المرور في حلقهم، وقرئ «سيّغا» بالتشديد والتخفيف. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٧] وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما، وقوله: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً استئناف لبيان الإِسقاء أو ب تَتَّخِذُونَ، ومنه تكرير للظرف تأكيداً أو خبر لمحذوف صفته تَتَّخِذُونَ، أي وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه، وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير، أو لأن ال ثَمَراتِ بمعنى الثمر والسكر مصدر سمي به الخمر. وَرِزْقاً حَسَناً كالتمر والزبيب والدبس والخل، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة. وقيل السكر النبيذ وقيل الطعم قال: جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سُكْراً أي تنقلت بأعراضهم. وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٨ الى ٦٩] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ألهمها وقذف في قلوبها، وقرئ «إلى النحل» بفتحتين. أَنِ اتَّخِذِي بأن اتخذي ويجوز أن تكون أَنِ مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر. مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبني في كل جبل وكل

стр. 583

شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتاً تشبيهاً ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة، ولعل ذكره لتنبيه على ذلك وقرئ بُيُوتًا بكسر الباء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر/ يَعْرُِشُونَ بضم الراء. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها. فَاسْلُكِي ما أكلت. سُبُلَ رَبِّكِ في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك، أو فَاسْلُكِي الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سُبُلَ رَبِّكِ لا تتوعر عليك. ولا تلتبس. ذُلُلًا جمع ذلول وهي حال من السبل، أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك، أو من الضمير في أسلكي أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس، لأنه محل الإِنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. شَرابٌ يعني العسل لأنه مما يشرب، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلاً، ثم تقىء ادخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادخاراً فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه. مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل. فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض، ويجوز أن يكون للتعظيم. وعن قتادة أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: «اسقه العسل» ، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع فقال: «اذهب واسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك» . فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال. وقيل الضمير للقرآن أو لما بين الله من أحوال النحل. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعاً أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه. [سورة النحل (١٦) : آية ٧٠] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ بآجال مختلفة. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ يعاد. إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون. لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بمقادير أعماركم. قَدِيرٌ يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدَّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ. [سورة النحل (١٦) : آية ٧١] وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك. فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ بمعطي رزقهم. عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ على مماليكهم فإن ما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم. فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها، ويجوز أن تكون

стр. 584

واقعة موقع الجواب كأنه قيل: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرزق، على أنه رد وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فيساورهم فيه. أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ حيث يتخذون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، والباء لتضمن الجحود معنى الكفر. وقرأ أبو بكر «تجحدون» بالتاء لقوله: خَلَقَكُمْ وفَضَّلَ بَعْضَكُمْ. [سورة النحل (١٦) : آية ٧٢] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي من جنسكم لتأنسوا بها ولتكون أولادكم مثلكم. وقيل هو خلق حواء من آدم. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وأولاد أولاد أو بنات، فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة. وقيل هم الأختان على البنات. وقيل الربائب ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين. وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ أو الحلالات ومِنْ للتبعيض فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم كالبحائر والسوائب. وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرموا ما أحل الله لهم، وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإِيهام التخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل. [سورة النحل (١٦) : آية ٧٣] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً من مطر ونبات، ورِزْقاً إن جعلته مصدراً فشيئاً منصوب به وإلا فبدل منه. وَلا يَسْتَطِيعُونَ أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلاً، وجمع الضمير فيه وتوحيده في لاَ يَمْلِكُ لأن مَا مفرد في معنى الألهة، ويجوز أن يعود إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئاً من ذلك فكيف بالجماد. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٧٥) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ فلا تجعلوا له مثلاً تشركونه به، أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون. وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو تعليل للنهي، أو أنه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم دون نصه، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم كيف يضرب فضرب مثلاً لنفسه ولمن عبد دونه فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأساً ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً كثيراً فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء، واحتج بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغني القادر على الإِطلاق.

стр. 585

وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق، وتقييد العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر فإنه أيضاً عبد الله وبسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيماً للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك، والأظهر أن مَنْ نكرة موصوفة ليطابق عَبْداً، وجمع الضمير في يَسْتَوُونَ لأنه للجنسين فإن المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد؟. الْحَمْدُ لِلَّهِ كل الحمد له، لا يستحقه غيره فضلاً عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فيضيفون نعمة إلى غيره ويعبدونه لأجلها. [سورة النحل (١٦) : آية ٧٦] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ولد أخرس لا يَفْهمُ وَلا يُفْهِمُ. لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من الصنائع والتدابير لنقصان عقله. وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ عيال وثقل على من يلي أمره. أَيْنَما يُوَجِّهْهُ حيثما يرسله مولاه في أمر، وقرئ «يوجه» على البناء للمفعول و «يوجه» بمعنى يتوجه كقوله أينما أوجه ألق سعداً «وتوجه» بلفظ الماضي. لا يَأْتِ بِخَيْرٍ بنجح وكفاية مهم. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل. وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو في نفسه على طريق مستقيم لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي، وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلهما، وهذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام لإِبطال المشاركة بينه وبينها أو للمؤمن والكافر. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يختص به علمه لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس. وقيل يوم القيامة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض. وَما أَمْرُ السَّاعَةِ وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته. إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدئ فيه، فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن، وأَوْ للتخيير أو بمعنى بل. وقيل معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجاً، ثم دل على قدرته فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنه لغة أو إتباع لما قبلها، أو حمزة بكسرها وكسر الميم والهاء مزيدة مثلها في أهراق. لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً جهالاً مستصحبين جهل الجمادية. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ كي تعرفوا ما أنعم عليكم طوراً بعد طور فتشكروه. [سورة النحل (١٦) : آية ٧٩] أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)

стр. 586

أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة. مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له. فِي جَوِّ السَّماءِ في الهواء المتباعد من الأرض. مَا يُمْسِكُهُنَّ فيه. إِلَّا اللَّهُ فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون بها. [سورة النحل (١٦) : آية ٨٠] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر، فعل بمعنى مفعول. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها. تَسْتَخِفُّونَها تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وقت تر حالكم. وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ ووضعها أو ضربها وقت الحضر أو النزول. وقرأ الحجازيان والبصريان يَوْمَ ظَعْنِكُمْ بالفتح وهو لغة فيه. وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها الصوف للضائنة والوبر للإبل والشعر للمعز، وإضافتها إلى ضمير الْأَنْعامِ لأنها من جملتها. أَثاثاً ما يلبس ويفرش. وَمَتاعاً ما يتجر به. إِلى حِينٍ إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة، أو إلى حين، مماتكم أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم. [سورة النحل (١٦) : آية ٨١] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من الشجر والجبل والأبنية وغيرها. ظِلالًا تتقون بها حر الشمس. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها جمع كن. وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ ثياباً من الصوف والكتان والقطن وغيرها. تَقِيكُمُ الْحَرَّ خصه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني الدروع والجواشن، والسربال يعم كل ما يلبس. كَذلِكَ كإتمام هذه النعم التي تقدمت. يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به وتنقادون لحكمه. وقرئ «تُسْلِمُونَ» من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك. وقيل «تُسْلِمُونَ» من الجراح بلبس الدروع. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٢ الى ٨٣] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا ولم يقبلوا منك. فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت، وهذا من إقامة السبب مقام المسبب. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يعرف المشركون نعمة الله التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من الله تعالى. ثُمَّ يُنْكِرُونَها بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا أو بأعراضهم عن أداء حقوقها. وقيل نعمة الله نبوة محمد ﷺ عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عناداً ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة. وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ الجاحدون عناداً، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق

стр. 587

لنقصان العقل أو التفريط في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. [سورة النحل (١٦) : آية ٨٤] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر. ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار إذ لا عذر لهم. وقيل في الرجوع إلى الدنيا. وثُمَّ لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من الإقناط الكلي على ما يمنون به من شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا هم يسترضون، من العتبى وهي الرضا وانتصاب يوم بمحذوف تقديره اذكر، أو خوفهم أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ عذاب جهنم. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أوثانهم التي ادعوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه. قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ نعبدهم أو نطيعهم، وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك، أو التماس لأن يشطر عذابهم. فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله تعالى: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَأَلْقَوْا وألقى الذين ظلموا. إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا. وَضَلَّ عَنْهُمْ وضاع عنهم وبطل. مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر. زِدْناهُمْ عَذاباً لصدهم. فَوْقَ الْعَذابِ المستحق بكفرهم. بِما كانُوا يُفْسِدُونَ بكونهم مفسدين بصدهم. [سورة النحل (١٦) : آية ٨٩] وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منهم. وَجِئْنا بِكَ يا محمد. شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ على أمتك. وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ استئناف أو حال بإضمار قد. تِبْياناً بياناً بليغاً. لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس. وَهُدىً وَرَحْمَةً للجميع وإنما حرمان المحروم من تفريطه. وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ خاصة.

стр. 588

[سورة النحل (١٦) : آية ٩٠] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ بالتوسط في الأمور اعتقاداً كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقاً كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. وَالْإِحْسانِ إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما قال ﵊ «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ عن الإِفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وَالْمُنْكَرِ ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية. وَالْبَغْيِ والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر. وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقيب قوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ للتنبيه عليه. يَعِظُكُمْ بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تتعظون. [سورة النحل (١٦) : آية ٩١] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ يعني البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. وقيل كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله: إِذا عاهَدْتُمْ وقيل النذور، وقيل الإِيمان بالله وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ أي أيمان البيعة أو مطلق الأيمان. بَعْدَ تَوْكِيدِها بعد توثيقها بذكر الله تعالى، ومنه أكد بقلب الواو همزة وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا شاهداً بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ من نقض الأيمان والعهود. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٢] وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ما غزلته، مصدر بمعنى المفعول. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ متعلق ب نَقَضَتْ أي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام. أَنْكاثاً طاقات نكث فتلها جمع نكث، وانتصابه على الحال من غَزْلَها أو المفعول الثاني لنقضت فإنه بمعنى صيرت، والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه. وقيل هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك. تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ حال من الضمير في وَلا تَكُونُوا، أو في الجار الواقع موقع الخبر أي لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها، متخذي أيمانكم مفسدة ودخلاً بينكم، وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه. أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ لأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً من جماعة، والمعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ الضمير لأن تكون أمة لأنه بمعنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر. أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم. وقيل

стр. 589

الضمير للرباء وقيل للأمر بالوفاء. وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٤] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على الإِسلام. وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بالخذلان. وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتوفيق. وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سؤال تبكيت ومجازاة. وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغة في قبح المنهي. فَتَزِلَّ قَدَمٌ أي عن محجة الإسلام. بَعْدَ ثُبُوتِها عليها والمراد أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة. وَتَذُوقُوا السُّوءَ العذاب في الدنيا. بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بصدكم عن الوفاء أو صدكم غيركم عنه، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره. وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٥] وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله ﷺ . ثَمَناً قَلِيلًا عرضاً يسيراً، وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد. إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة. هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما يعدونكم. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم والتمييز. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٦] ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَا عِنْدَكُمْ من أعراض الدنيا. يَنْفَدُ ينقضي ويفنى. وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته. باقٍ لا ينفد، وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق. وليجزينّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ على الفاقة وأذى الكفار، أو على مشاق التكاليف. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون. بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ بما يرجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٧] مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بينه بالنوعين دفعاً للتخصيص. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا يعيش عيشاً طيباً فإنه إن كان موسراً فظاهر وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر فإنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه. وقيل في الآخرة. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من الطاعة. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)

стр. 590

فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ إذا أردت قراءته كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة، والجمهور على أنه للاستحباب. وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل. وعن ابن مسعود (قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال: قل أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ على أولياء الله تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر باستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطاناً. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ يحبونه ويطيعونه. وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ بالله أو بسبب الشيطان. مُشْرِكُونَ. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠١] وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٠١) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظاً أو حكماً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يُنَزِّلُ بالتخفيف. قالُوا أي الكفرة. إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ متقول على الله تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وهو جواب إِذا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ، اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالاً. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠٢] قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ يعني جبريل ﵊، وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم: حاتم الجود وقرأ ابن كثير رُوحُ الْقُدُسِ بالتخفيف وفي يُنَزِّلُ ونَزَّلَهُ تنبيه على أن إنزاله مدرجاً على حسب المصالح بما يقتضي التبديل. مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ملتبساً بالحكمة. لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه، وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم. وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ المنقادين لحكمه، وهما معطوفان على محل لِيُثَبِّتَ أي تثبيتاً وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم وقرئ لِيُثَبِّتَ بالتخفيف. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠٣] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يعنون جبراً الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل جبراً ويساراً كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول ﷺ يمر عليهما ويسمع ما يقرءانه.

стр. 591

وقيل عائشاً غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب. وقيل سلمان الفارسي. لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، مأخوذ من لحد القبر. وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء، لسان أعجمي غير بين. وَهذا وهذا القرآن. لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذو بيان وفصاحة، والجملتان مستأنفتان لإِبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون ما تلقفه منه. وثانيهما: هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه لكن لم يتلقف منه اللفظ، لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها، وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥] إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يصدقون أنها من عند الله. لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الحق أو إلى سبيل النجاة. وقيل إلى الجنة. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة، هددهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم فقال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لأنهم لا يخافون عقاباً يردعهم عنه. وَأُولئِكَ إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش. هُمُ الْكاذِبُونَ أي الكاذبون على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب، أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة، أو الكاذبون في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ، إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠٦] مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ بدل من الذين لا يؤمنون وما بينهما اعتراض، أو من أُولئِكَ أو من الْكاذِبُونَ، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب دل عليه قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الافتراء أو كلمة الكفر، استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإِيمان. وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على أن الإِيمان هو التصديق بالقلب. وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً اعتقده وطاب به نفساً. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إذ لا أعظم من جرمه. روي (أن قريشاً أكرهوا عماراً وأبويه ياسراً وسمية على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قبلها وقالوا: أنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتلوا ياسراً وهما أول قتيلين في الإِسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهاً فقيل: يا رسول الله إن عماراً كفر فقال: كلا إن عمارا ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار: رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازاً للدين كما فعله أبواه لما روي (أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله ﷺ قال: فما تقول في فقال: أنت أيضاً فخلاه، وقال للآخر ما تقول في محمد قال: رسول الله ﷺ ؟ قال فما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه

стр. 592

ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له) . [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٩] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ذلِكَ إشارة إلى الكفر بعد الإِيمان أو الوعيد. بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ بسبب أنهم آثروها عليها. وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه. وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة إذ أغفلتهم الحالة الراهنة عن تدبر العواقب. لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٠ الى ١١١] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١١١) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا أي عذبوا كعمار رضي الله تعالى عنه بالولاية والنصر، وثُمَّ لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك، وقرأ ابن عامر فُتِنُوا بالفتح أي من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبراً، حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا. ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الجهاد وما أصابهم من المشاق. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد الهجرة والجهاد والصبر. لَغَفُورٌ، لما فعلوا قبل. رَحِيمٌ منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ منصوب ب رَحِيمٌ أو باذكر. تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي. وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ جزاء ما عملت. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ لا ينقصون أجورهم. [سورة النحل (١٦) : آية ١١٢] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي جعلها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته، أو لمكة. كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً لا يزعج أهلها خوف. يَأْتِيها رِزْقُها أقواتها. رَغَداً واسعاً. مِنْ كُلِّ مَكانٍ من نواحيها. فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير: غمرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكَا ... غلقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ المال

стр. 593

فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لمَّا يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظراً إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار كقوله: يُنَازِعْني رِدَائي عَبْدُ عَمْرو ... رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرُو بن بَكْرِ لِي الشَّطرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرٍ استعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظراً إلى المستعار. بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بصنيعهم. [سورة النحل (١٦) : آية ١١٣] وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ يعني محمدا ﷺ ، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد، أو وقعة بدر. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٥] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد ما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم، صداً لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ تطيعون، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ كما قالوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا الآية، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل: كالسباع والحمر الأهلية، وانتصاب الْكَذِبَ ب لاَ تَقُولُوا وهذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام، أو مفعول لا تَقُولُوا، والْكَذِبَ منتصب ب تَصِفُ وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر. وقرئ «الكذب» بالجر بدلاً من «ما» ، والْكَذِبَ جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب. لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ تعليل لا يتضمن الغرض. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله:

стр. 594

مَتاعٌ قَلِيلٌ أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. [سورة النحل (١٦) : آية ١١٨] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ أي في سورة «الأنعام» في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. مِنْ قَبْلُ متعلق ب قَصَصْنا أو ب حَرَّمْنا. وَما ظَلَمْناهُمْ بالتحريم. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة. [سورة النحل (١٦) : آية ١١٩] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة، والسوء يعم الافتراء على الله وغيره. ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة. لَغَفُورٌ لذلك السوء. رَحِيمٌ يثيب على الإنابة. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٢] إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة، ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله، أو لأنه كان وحده مؤمناً وكان سائر الناس كفاراً. وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده، أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. قانِتاً لِلَّهِ مطيعاً له قائماً بأوامره. حَنِيفاً مائلاً عن الباطل. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما زعموا فإن قريشاً كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة فكيف بالكثيرة. اجْتَباهُ للنبوة. وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في الدعوة إلى الله. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً بأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه، ورزقه أولاداً طيبة وعمراً طويلاً في السعة والطاعة. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لمن أهل الجنة كما سأله بقوله: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. [سورة النحل (١٦) : آية ١٢٣] ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد، وثُمَّ إما لتعظيمه والتنبيه على أن أَجَلَّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ﵇ ملته، أو لتراخي أيامه. أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل كان قدوة الموحدين.

стр. 595

[سورة النحل (١٦) : آية ١٢٤] إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ تعظيم السبت، أو التخلي فيه للعبادة. عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي على نبيهم، وهم اليهود أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض، فألزمهم الله السبت وشدد الأمر عليهم. وقيل معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل، وذكرهم هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بالمجازاة على الاختلاف، أو بمجازاة كل فريق بما يستحقه. [سورة النحل (١٦) : آية ١٢٥] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) ادْعُ من بعثت إليهم. إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ إلى الإسلام. بِالْحِكْمَةِ بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة. وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الخطابات المقنعة والعبر النافعة، فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم. وَجادِلْهُمْ وجادل معانديهم. بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شغبهم. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم. [سورة النحل (١٦) : آية ١٢٦] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ لما أمره بالدعوة وبين له طرقها أشار إليه وإلى من يتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال. وقيل أنه ﵇ لما رأى حمزة وقد مثل به فقال: «والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك» ، فنزلت. فكفر عن يمينه، وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه، وحث على العفو تعريضاً بقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ وتصريحاً على الوجه الآكد بقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ أي الصبر. خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ من الانتقام للمنتقمين، ثم صرح بالأمر به لرسوله لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه عليه فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٨] وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلا بتوفيقه وتثبيته. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم. وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ في ضيق صدر من مكرهم، وقرأ ابن كثير في ضَيْقٍ بالكسر هنا وفي «النمل» وهما لغتان كالقول والقيل، ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيق. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا المعاصي. وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في أعمالهم بالولاية والفضل، أو مع الذين

стр. 596

اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية» .

стр. 597

(١٧) سورة بني إسرائيل مكية وقيل إلا قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ إلى آخر ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية. [سورة الإسراء (١٧) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا سبحان اسم بمعنى التسبيح الذى هو التنزيه وقد يستعمل علماً له فيقطع عن الإِضافة ويمنع عن الصرف قال: قَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ ... سبحان من علقمة الفاخر وانتصابه بفعل متروك إظهاره، وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد. وأَسْرى وسرى بمعنى، ولَيْلًا نصب على الظرف. وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرئ: «من الليل» أي بعضه كقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ. مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعينه لما روي أنه ﵊ قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذا أتاني جبريل بالبراق» . أو من الحرم وسماه المسجد الحرام لأنه كله مسجد أو لأنه محيط به، أو ليطابق المبدأ المنتهى. لما روي أنه ﷺ كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة عليها وقال: «مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم» ، ثم خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به قريشاً فتعجبوا منه استحالة، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: إن كان قال لقد صدق، فقالوا: أتصدقه على ذلك، قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق، واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبر، ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وكان ذلك قبل الهجرة بسنة . واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة بروحه أو بجسده، والأكثر على أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجب قريش واستحالوه، والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية، وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ﷺ ، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى ﵊، ومحفوف بالأنهار والأشجار. لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا

стр. 598

كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له، ووقوفه على مقاماتهم، وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات. وقرئ «ليريه» بالياء. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال محمد ﷺ . الْبَصِيرُ بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٣] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا على أن لا تتخذوا كقولك: كتبت إليك أن أفعل كذا. وقرأ أبو عمرو بالياء على «أن لا يتخذوا» . مِنْ دُونِي وَكِيلًا رباً تكلون إليه أموركم غيري. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ نصب على الاختصاص أو النداء إن قرئ «أن لا تتخذوا» بالتاء على النهي يعني: قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلاً، أو على أنه أحد مفعولي أَلَّا تَتَّخِذُوا ومِنْ دُونِي حال من وَكِيلًا فيكون كقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من واو تَتَّخِذُوا، و «ذُرّيَّةِ» بكسر الذال. وفيه تذكير بأنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح ﵇ في السفينة. إِنَّهُ إن نوحاً ﵇. كانَ عَبْداً شَكُوراً يحمد الله تعالى على مجامع حالاته، وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به. وقيل الضمير لموسى ﵊. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤ الى ٥] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وأوحينا إليهم وحيا مقتضيا مبتوتاً. فِي الْكِتابِ في التوراة. لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ جواب قسم محذوف، أو قضينا على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم. مَرَّتَيْنِ إفسادتين أولادهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقيل أرمياء. وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقَصْدُ قتل عيسى ﵈. وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما وعد عقاب أولاهما. بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده. وقيل جالوت الجزري. وقيل سنحاريب من أهل نينوى. أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد. فَجاسُوا فترددوا لطلبكم. وقرئ بالحاء المهملة وهما أخوان. خِلالَ الدِّيارِ وسطها للقتل والغارة فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد. والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية وعدم المنع. وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٦] ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة والغلبة. عَلَيْهِمْ على الذين بعثوا عليكم، وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن اسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، أو بأن سلط الله داود ﵊ على جالوت فقتله وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً مما كنتم، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٧] إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)

стр. 599

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها. وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فإن وباله عليها، وإنما ذكرها باللام ازدواجاً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وعد عقوبة المرة الآخرة. لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي بعثناهم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي يجعلوها بادية آثار المساءة فيها، فحذف لدلالة ذكره أولاً عليه. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «ليسوء» على التوحيد، والضمير فيه للوعد أو للبعث أو لله، ويعضده قراءة الكسائي بالنون. وقرئ «لنسوأن» بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة، و «لنسوأن» بفتح اللام على الأوجه الأربعة على أنه جواب إذا واللام في قوله: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ متعلق بمحذوف هو بعثناهم. كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ليهلكوا. مَا عَلَوْا ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم. تَتْبِيراً ذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز، وقيل حردوس قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرا بينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقوني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً، فقالوا: إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحداً منهم فهدأ. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٨] عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الآخرة. وَإِنْ عُدْتُمْ نوبة أخرى. عُدْنا مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد ﷺ ، وقصد قتله فعاد الله تعلى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا. وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً محبساً لا يقدرون على الخروج منها أبدا الآباد. وقيل بساطاً كما يبسط الحصير. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩ الى ١٠] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ للحالة أو الطريقة التي هي أقوم الحالات أو الطرق. وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وقرأ حمزة والكسائي وَيُبَشِّرُ بالتخفيف. وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً عطف على أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً، والمعنى أنه يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم، أو على يُبَشِّرُ بإضمار يخبر. [سورة الإسراء (١٧) : آية ١١] وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ ويدعو الله تعالى عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، أو يدعوه بما يحسبه خيراً وهو شر. دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ مثل دعائه بالخير. وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر عاقبته. وقيل المراد آدم ﵊ فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط. روي: أنه ﵇ دفع أسيراً إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت كتافه، فهرب فدعا عليها بقطع اليد ثم ندم فقال ﵇: اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت. ويجوز أن يريد بالإِنسان الكافر وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء كقول النضر بن الحرث: اللهم انصر خير الحزبين، اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية. فأجيب له فضرب عنقه صبراً يوم بدر.

стр. 600

[سورة الإسراء (١٧) : آية ١٢] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره. فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي الآية التي هي الليل، بالإِشراق والإِضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود. وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، أو مبصراً أهله كقولهم: أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء. وقيل الآيتان القمر والشمس، وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور، أو نقص نورها شيئاً فشيئاً إلى المحاق، وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها. لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم. وَلِتَعْلَمُوا باختلافهما أو بحركاتهما. عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وجنس الحساب. وَكُلَّ شَيْءٍ تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا. فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا بيناه بياناً غير ملتبس. [سورة الإسراء (١٧) : آية ١٣] وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ عمله وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر، لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه، استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر الله تعالى وعمل العبد. فِي عُنُقِهِ لزوم الطوق في عنقه. وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً هي صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإن الأعمال الاختيارية تحدث في النفس أحوالاً ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات، ونصبه بأنه مفعول أو حال من مفعول محذوف، وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة يعقوب ويخرج من خرج و «يخرج» وقرئ «ويخرج» أي الله يَلْقاهُ مَنْشُوراً لكشف الغطاء، وهما صفتان للكتاب، أو يَلْقاهُ صفة ومَنْشُوراً حال من مفعوله. وقرأ ابن عامر يَلْقاهُ على البناء للمفعول من لقيته كذا. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٤ الى ١٥] اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) اقْرَأْ كِتابَكَ على إرادة القول. كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي كفى نفسك، والباء مزيدة وحَسِيباً تمييز وعلى صلته لأنه إما بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها من حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي فوضع موضع الشهيد، لأنه يكفي المدعي ما أهمه، وتذكيره على أن الحساب والشهادة مما يتولاه الرجال أو على تأويل النفس بالشخص. مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لا ينجي اهتداؤه غيره ولا يردي ضلاله سواه. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولا تحمل نفس حاملة وزراً وزر نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها. وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة، وفيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع. [سورة الإسراء (١٧) : آية ١٦] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أو دنا وقته المقدر كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة. أَمَرْنا مُتْرَفِيها متنعميها بالطاعة على لسان رسول
следующие страницы →