← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المعنى: سمع إخوة يوسف نصيحة أبيهم، وجاءوا إلى مصر، يتحسسون يوسف وأخاه، بلا يأس ولا ملل. فلما دخلوا على يوسف أرادوا اختباره بذكر حالهم وتضرعهم له فإن رق قلبه وتغير حاله ذكروا ما يريدون، وكان أبوهم يرجح أن هذا العزيز هو يوسف: وقالوا: أيها العزيز. قد مسنا وأهلنا الضر، وأصابتنا سنين مجدبة قاحلة لم تدع لنا «سبدا ولا لبدا» لم تترك لنا شيئا وجئنا لك أيها الأمير ببضاعة قليلة لا يقبلها التجار، بضاعة لا تروج إلا بالدفع وحسن العرض وكثرته، فأوف لنا الكيل وأتمه كما كنت تفعل فقد عودتنا الجميل، وتصدق علينا بالزائد، إن الله يجزى المتصدقين، ويكافئهم على أعمالهم. هذا كلامهم الذي تحسسوا به يوسف، وتطلعوا به إلى معرفة خبره. أما هو فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟! وهو استفهام يراد به تعظيم فعلتهم بيوسف قديما حيث ألقوه في الجب وحيدا طريدا عاريا من اللباس، وما فعلوه في أخيه بنيامين من المعاملة الجافة، إذ أنتم جاهلون قبح فعلتكم، وعظم جرمكم، أى: كنتم في حال يغلب فيها الجهل والطيش إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [سورة النساء آية ١٧] ، وقيل المعنى: هل علمتم قبح ما فعلتم؟! ألا فلتعلموا أن هذا ذنب كبير يجب أن تسرعوا فيه إلى التوبة ورضاء الله، أما حقي فأنا أسامحكم فيه، وهكذا خلق آل إبراهيم من الأنبياء والمرسلين. كان سؤال يوسف لهم وهو العارف بما فعلوه فاتحة لأن يعرفوه فيطمئنوا أباهم على أولاده الأحبة: وكان مصداقا لقوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وصدق الله. ثم وجهوا ليوسف سؤالا يدل على التعجب والاستغراب: أإنك لأنت يوسف؟! عجبوا من ترددهم عليه سنتين وهم لا يعرفونه وهو يعرفهم. قال نعم أنا يوسف!! وهذا أخى بنيامين الذي فرقتم بيني وبينه وبيني وبين أبى، قد منّ الله علينا إذ هو الرحمن الرحيم، العليم الخبير الذي يدافع عن المؤمنين، يا إخوتى إن الحق الذي نطقت به الشرائع جميعا واتفقت عليه هو: من يتق الله حق تقواه،

стр. 1122

ويعتمد عليه، ويصبر فهو حسبه وكافيه من كل مكروه، ولا غرابة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، قالوا إحقاقا للحق، وإزهاقا للباطل: لقد آثرك الله علينا، وفضلك ووفقك، وعلمك ما لم تكن تعلم، ولا حرج على فضل الله وأما نحن فما كنا إلا خاطئين معتدين، لا عذر لنا أبدا. ماذا قال يوسف إزاء هذا الإقرار بالذنب؟ قال: يا إخوتى لا تثريب عليكم ولا لوم فقد صفحت عن زلتكم. وأسأل الله أن يغفر اليوم لكم، وهو أرحم الراحمين. يقول البعض كيف جاز ليوسف وقد عرفهم أن يكتم أمرهم سنتين مع علمه بحزن أبيه وألمه. والجواب عن ذلك أنه يسير تبعا لوحى الله، فلما أمره نفذ، ويمكن أن يقال كتم الأمر ليصادفوا شدة وألما وليكون لقيا أبيه بعد فقده هو وأخيه أوقع في نفسه وأكثر أثرا والله أعلم. ثم قال يوسف: يا إخوتى اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى ليعلم علما موافقا للواقع أنى حي وأن الله تولاني بالعناية والرعاية كما كان يأمل ويفهم من الرؤيا، وألقوه على وجهه يأت بصيرا، ويرتد إليه بصره إذ قد ضعف أو فقد لكثرة البكاء فإذا فرح واستبشر رجع له بصره كما كان، ولا حرج على فضل الله. وأتونى بأهليكم جميعا لتفسر الرؤيا في الواقع. يعقوب وقد جاءه البشير [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٤ الى ٩٨] وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)

стр. 1123

المفردات: فَصَلَتِ انفصلت عن البلد وجاوزت حدودها رِيحَ رائحة يوسف أو قميصه تُفَنِّدُونِ تنسبونى إلى الفند وهو ضعف العقل وفساد الرأى ضَلالِكَ خطئك. المعنى: تعرف إخوة يوسف على أخيهم وأقروا له بذنبهم وعفا عنهم وأمرهم أن يحملوا قميصه إلى أبيه، وأن يأتوا بأهليهم إليه. ولما خرجوا من مصر وانفصلوا عنها قال يعقوب وهو النبي الصادق: إنى لأشم رائحة يوسف، وقال هذا لمن كان بمجلسه، قال الحاضرون له: تالله إنك لفي خطئك القديم، وحبك الأعمى ليوسف، واعتقادك فيه أنه حي يرزق، وما نظن هذا إلا ضلالا وتخبطا. فلما أن جاء البشير بعد هذا بأيام يبشر بلقيا يوسف مع أخيه حاملا قميصه وقد ألقاه على وجه أبيه فارتد بصيرا ورجع له بصره قال لمن حوله: ألم أقل لكم يا أولادى: إنى أعلم من الله أشياء لا تعلمونها؟ الآن حصحص الحق وظهر، وبدأ الصبح لذي عينين، واعترفوا بالجرم بعد الإنكار وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا، واطلب المغفرة لنا من الله فقد تبنا وأنبنا. قال يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي في المستقبل إذ قد أتيتم ذنبا كبيرا، ليس من السهل أن أطلب المغفرة بهذه السرعة، على أن هذا الذنب وهو إلقاء يوسف في

стр. 1124

الجب إيذاء ليوسف أولا، ولى ثانيا، فلا أستغفر حتى يعفو صاحب الحق. وأنتم أولادى وأنا المشرف على تربيتكم فلا بد من بقائكم مدة تعالجون فيها نفوسكم وتندمون فيها على فعلكم. وانظر إلى يوسف وكيف أزال الخوف من نفوس إخوته بسرعة حيث اعترفوا بذنبهم وقد كانوا في قلق وهمّ شديدين. أما كيف شم يعقوب رائحة يوسف على مسيرة أيام فالذي يستبعد هذا شخص محروم ومن ذاق عرف، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده، أنستبعد على يعقوب بن ابراهيم هذا، وجده ألقى في النار فلم تؤثر فيه، هؤلاء أرواحهم قوية لا تحجزها مادة ولا يحدها مكان ولا زمان، وهو نبي وقد تكون هذه معجزة له. وأما رجوع بصره إليه فهي معجزة كالمعجزات التي جاءت على يد الأنبياء، وليس من العقل ولا من الدين البحث في كيفيتها، بل نؤمن بها كما جاءت، وهذا هو الإيمان بالغيب وهو صفة المؤمنين المهديين. تأويل رؤيا يوسف من قبل [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠١] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)

стр. 1125

المفردات: الْعَرْشِ كرسي تدبير الملك وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ساجدين سجود إجلال وتعظيم لا سجود عبادة نَزَغَ نخس. والمراد وسوس وأفسد ما بيني وبين إخوتى الْبَدْوِ البادية. المعنى: عرف يوسف إخوته ثم عرفهم بنفسه متى شاء الله، وطلب منهم أن اذهبوا بقميصي وألقوه على وجه أبى، وأحضروا لي أهلكم جميعا يعيشون معى في مصر. ذهب الإخوة كما أشار يوسف وأحضروا له أبويه، ولما علم بمقدمهم خرج هو ووجوه القوم للقيا يعقوب إسرائيل الله ونبيه، فلما دخلوا عليه وهو في عظمة الملك وأبهة السلطان آوى إليه أبويه، وضمهما وعانقهما عناق المشوق الولهان، وقال: ادخلوا مصر، وتمتعوا بخيرها إن شاء الله آمنين لا خوف عليكم، ولا أنتم تحزنون فيها أبدا، ورفع أبويه على سرير ملكه زيادة في تكريمهما. وهل هي أمه أو خالته؟ الله أعلم فبكل قال بعض المفسرين. وما كان من أبويه وإخوته الأحد عشر إلا أن خروا له ساجدين سجود تحية وإجلال، وكانت تحيتهم كذلك فلما رآهم يوسف قال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، وذلك تفسيرها إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ فالشمس أبوه والقمر أمه أو خالته والكواكب إخوته قد جعلها ربي حقيقة واقعة، وقد أحسن بي، وأفاض على من نعمه إذ أخرجنى من السجن إلى الملك والرياسة، وجاء بكم من البدو وشظف العيش إلى الحضر والمدنية، وانظر إلى سياسة يوسف وحكمته لم يثر الموضوعات التي ينشأ عنها ألم لبعض الناس فلم يذكر إلقاءه في الجب لئلا يتألم إخوته، ولا زجه في السجن، ومكر النسوة به لئلا يثار هذا

стр. 1126

الموضوع الشائك، ولكنه ذكر إخراجه من السجن وهو يد للملك عليه وهكذا الحكمة والكياسة وحسن التصريف والسياسة. هذا كله من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتى وأوقع بيننا الحسد والبغضاء للقضاء على الأخوة الصادقة. إن ربي- لطيف بخلقه رحيم بعباده إنه هو العليم بحالهم الحكيم في أفعاله- جل شأنه-. لما أتم الله النعمة على يوسف، وخلصه من شدة الإلقاء في الجب، ومحنة امرأة العزيز وكيد النسوة له، وألم السجن، وأنعم عليه بالملك بعد البراءة مما نسب إليه لما حصل هذا وأمثاله ليوسف تاقت نفسه الكريمة إلى دعاء الله- ﵎ أن يجزل الله له ثواب الآخرة كما أجزل له العطاء في الدنيا فقال: يا ربي قد عودتني الجميل وآتيتني ملك مصر، وعلمتني شيئا من تأويل الأحاديث وتعبير الرؤيا، والوقوف على أسرار كلامك، يا رب يا فاطر السموات والأرض وخالقهما على أبدع نظام وأحكم ترتيب أنت يا ربي وليي وصاحب أمرى ومتولى شأنى في الدنيا والآخرة يا ولى الأولياء وسيد الضعفاء والأقوياء، يا صاحب الأمر، توفني مسلما، وألحقنى بالصالحين من آبائي ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأنت الرحيم الكريم القادر على كل شيء.. القصة وما تشير إليه من أهداف [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٢ الى ١١١] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)

стр. 1127

المفردات: أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ اتفقوا على إلقائه في الجب وعزموا عليه وَكَأَيِّنْ المراد بها كثير من الآيات غاشِيَةٌ عقوبة تغشاهم وتحيط بهم بَغْتَةً فجأة

стр. 1128

بَصِيرَةٍ حجة واضحة ومعرفة تامة. اسْتَيْأَسَ يئس بَأْسُنا عقابنا وعذابنا عِبْرَةٌ العبرة والاعتبار نوع واحد وفيها معنى العبور من جهة إلى جهة. هذا ختام السورة الكريمة، وتلك القصة القوية المؤثرة التي اشتركت فيها عناصر مختلفة في أماكن متعددة، قصة فصولها متعددة الألوان فيوسف مع إخوته، وهو في بيت العزيز، وفي السجن، وفي دست الحكم قصة جمعت بين كيد الإخوة وحسدهم، وكيد النساء ومكرهن، قصة الصبر والحكمة، والفداء والبطولة، قصة السياسة والرياسة، قصة لها معان وفيها إشارات وعبرة وذكرى لأولى الألباب. المعنى: بعد أن قص الله قصة يوسف أحسن القصص شكلا وموضوعا وكانت أروع مثل للقصة ذكر الله- ﵎ أن القصص دليل على نبوءة محمد وصدقه فقال: ذلك الذي ذكرناه سابقا مما يتعلق بيوسف من أنباء الغيب وأخباره التي لا يعلمها إلا الله عالم الغيب والشهادة، ذلك نوحيه إليك، ونطلعك عليه، إذ ما كنت تعلم هذا أنت ولا أحد من قومك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم، واتفقوا على إلقاء يوسف في الجب، وعزموا على ذلك مصممين، وهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين. نعم هذه أخبار كيف وصلت إليك؟ هل كنت حاضرها وشاهد أمرها؟ أم وصلت إليك عن طريق الرواية ممن حضرها؟ لا هذا ولا ذاك ولم تكن هناك كتب فيها هذا القصص المحكم بهذه الصورة فلم يبق إلا أنها وصلت إليك عن طريق الوحى الإلهى، وهذا بلا شك من دلائل النبوة وعلامات الرسالة، وكان هذا يكفى في إيمان الناس بك وتصديقهم لرسالتك لو أن الله أراد ذلك. ولكن اعلم أن أكثر الناس ولو حرصت وعملت المستحيل لا يؤمنون مهما ظهرت الآيات الناطقة فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد. أيكون السبب في عدم إيمانهم بك أنك تطلب مالا أو أجرا أو جاها أو ملكا حتى يكون لهم العذر في عدم الإيمان؟!! لا، لا، إنك كبقية الرسل قبلك لا تسأل الناس

стр. 1129

أجرا أيا كان ولا مالا، وما أجرك إلا على الله وحده، وما القرآن إلا ذكر وتذكرة للعالمين جميعا فمن شاء ذكره وآمن به، ومن شاء غير ذلك فحسابه على ربه. لا تعجب يا محمد من كفرهم وقد ظهرت الدلائل في القصة دالة على صدقك فكثير من الآيات في السموات وما فيها والأرض وما عليها يمرون عليها مرور الحيوان أو الجماد وهم عنها معرضون لا يلتفتون إليها ولا يؤمنون بها، ولا غرابة فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمن يهديهم من بعد الله، وهؤلاء الكفار المعاصرون لك ومن على شاكلتهم لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون، فالعجب أنك إن سألتهم قائلا من خلقكم؟ يقولون: الله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة لقمان آية ٢٥، وسورة الزمر آية ٣٨] ولكنهم يعبدون معه آلهة وشركاء قائلين: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. أعملوا هذا فأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله تحيط بهم وتغشاهم فلا تترك أحدا منهم أو تأتيهم الساعة بغتة وفجأة وهم لا يشعرون؟ ولكنهم في ضلال مبين. بعد هذا النقاش الدقيق وسوق الأدلة المفحمة وبيان أنه لا غرض لك إلا الخير لهم، وبيان أن طبعهم الكفر مهما ظهر من الأدلة، بعد هذا ساق البيان والطريقة المثلى التي تحمل الغرض العام من دعوته، فقال الله له: قل هذه سبيلي.. الآية والمعنى: قل يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو لها والطريقة التي أنا عليها سبيلي وسنتي أدعو إلى دين الله لا غرض لي ولا قصد إلا إرضاء ربي والقيام بواجبى والامتثال لأمره- . وأنا على بصيرة من أمرى وحجة ظاهرة، ومعرفة كاملة بما أدعوا إليه أنا ومن تبعني ودعا بدعوتي وسار على طريقتي إلى يوم الدين وسبحان الله وما أنا من المشركين به غيره في أى ناحية من النواحي، لا أشرك به عرضا من أعراض الدنيا، ولا أوثر عليه مالا ولا ولا ولدا ولا تجارة ولا كسبا. بل: الله أكبر ولله الحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله. وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا، لا ملائكة ولا إناثا، لقد أرسلنا رسلنا تترا وأوحينا إليهم. وأيدناهم بروح من أمرنا، وكانوا في جماعة من أهل القرى المجتمعة فيها الخلق، وهكذا الرسل كانوا لقيادة بعض الشعوب والأمم وأنت يا محمد لهداية كل القرى والأمم.

стр. 1130

عجبا لكم يا كفار مكة أعميتم فلم تسيروا في الأرض فتنظروا وتروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم، وكانوا أشد منكم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرتموها وجاءتهم رسلهم بالبينات فكفر من كفر وآمن من آمن فكان عاقبة الكفر هلاكا ودمارا، وعاقبة الإيمان نجاة واستقرارا في الدنيا، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا: أجهلتم كل هذا فلا تعقلون؟! لقد أرسلنا رسلنا ولم نعاجل الكفار بالعقوبة بل أمهلناهم علهم يثوبون لرشدهم ويرجعون عن غيهم حتى يئس الرسل من النصر وإنزال العقوبة، واستيأسوا من إيمانهم أو عقوبتهم وظنوا أن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب. وقيل المعنى: وظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد. حتى إذا يئسوا وظنوا الظنون جاءهم نصرنا وأمرنا. ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، فنجا المؤمنون الذين أراد الله لهم النجاة فآمنوا أما الكافرون فحاق بهم البأس والعذاب من كل جانب، ولا يرد بأس الله عن القوم المجرمين. فأنت ترى أن من أغراض القصة في القرآن العبرة والعظة بمن تقدم من الأمم فضلا عن أنها دليل النبوة وبرهانها لما فيها من الأخبار بما لا يعرف الرسل ولا طريق لمعرفتهم إلا بالوحي. ولقد كان في قصص الأنبياء جميعا خصوصا يوسف وإخوته عبرة وعظة وذكرى. وهدى لأولى الألباب والعقول الصافية. ما كان هذا الحديث، أى القرآن الشامل للقصة وغيرها، ليفترى ويختلق، وكيف يكون هذا؟ وهو المصدق لما بين يديه من الكتب بل هو المهيمن عليها الحارس لها: وكان فيه تفصيل كل شيء. نعم ما فرطنا في الكتاب من شيء إذ فيه أمهات المسائل وأسس القواعد الشرعية وهو الأصل للسنة والإجماع والقياس فما وافق روح الكتاب أخذناه وما تنافر معه رددناه، وهو هدى ورحمة لقوم يؤمنون بالغيب ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية ٢] .

стр. 1131

سورة الرعد روى أنها مكية ، وقيل: مدنية، وعدد آياتها ثلاث وأربعون، وهي مناسبة لسابقتها، فقد قال الله في سورة يوسف: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وهنا توضيح لهذا المجمل وتفصيل له، وفيها ذكر للتوحيد أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ؟. وهنا امتداد لدعوة التوحيد، وذكر كثير من صفات الله، وفي كل سلوة للنبي ﷺ . القرآن حق والله قادر على كل شيء [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)

стр. 1132

المفردات: المر تقرأ هكذا: ألف. لام. ميم. را، وفيها ما في أخواتها عَمَدٍ جمع عماد أو عمود وقرئ عمد بالضم مَدَّ الْأَرْضَ بسطها رَواسِيَ جمع راسية والمراد الجبال لأن الأرض ترسو بها أى: تثبت يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ التغشية إلباس الشيء، والغشاء كالغطاء صِنْوانٌ جمع صنو وهي النخلات أو النخلتان يجمعهن أصل واحد وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا، وقيل: الصنو المثل وعليه قول النبي ﷺ : «عمّ الرّجل صنو أبيه» والمراد نخيل متماثلات وغير متماثلات. المعنى: تلك الآيات من آيات هذه السورة آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن، العظيمة القدر، والذي أنزل إليك من ربك- وهو القرآن كله- هو الحق. لا حق بعده، ولا شك فيه، تنزيل من حكيم حميد، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بهذا. وكيف لا يؤمنون بهذا؟! والله الذي أنزله هو الذي رفع السماء بلا عمد، وها أنتم أولاء ترونها من غير عمد، نعم رفع الله السموات وما فيها من كواكب وأجرام. وشموس وأقمار بقدرته وعظمته أليس الله على كل شيء قدير؟! ثم استوى على العرش وقصد إليه، واستولى عليه، وفي الحقيقة الاستواء والعرش الله أعلم بهما، على أن الآية تدل على نفوذ الأمر، وتمام السلطان والتدبير. وسخر الشمس والقمر، ذللهما لما يريده من دوران وضياء وظهور وإخفاء، كل من الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة يجرى لأجل مسمى عنده- سبحانه- وهو انتهاء الدنيا وقيام القيامة فكل يجرى في فلك له إلى وقت معلوم وزمن محدود عنده تتبدل الأرض غير الأرض والسموات. هكذا يدبر الله الأمر، ويصرف الكون حسب إرادته وحكمته حالة كونه يفصل الآيات الدالة على كمال قدرته وبالغ حكمته، وتفصيلها ذكرها مفصلة كرفع السماء، ومد الأرض، وتسخير الشمس والقمر، وجريهما إلى أجل مسمى، وغير ذلك مما هو مذكور في القرآن.

стр. 1133

لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات القواطع توقنون بأن هذا القرآن حق، وما نزل على محمد ﷺ صدق، وأن البعث والجزاءات لا شك فيه إذ القادر على هذا لا يعجزه بعث ولا حساب. هذه بعض الآيات السماوية، وأما الآيات الأرضية فقال فيها: وهو الله الذي مد الأرض وبسطها. وفرش الأرض ومهدها وجعل فيها رواسى شامخات وسقاكم ماء عذبا فراتا: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً؟! [سورة النبأ الآيات ٦- ٨] ، ومد الأرض وبسطها ليس دليلا على عدم كرويتها إذ هي مبسوطة ممدودة في نظرنا لنعيش عليها، وفي الواقع كرويتها أمر لا يشك فيه عاقل. وجعل- من كل الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى، للتلقيح والإنتاج والحمد لله أثبت العلم الحديث أن في كل نبات ذكورا وإناثا، قد تكون في الزهرة الواحدة أو الشجرة الواحدة أو في شجيرات ويتم التلقيح إما بالريح أو الطير، وسبحان الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وقيل جعل فيها من كل ثمرة صنفين كبيرة وصغيرة إلى آخر ما ذكروه، يغشى الليل النهار بجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه. شبّه إزالة النور بسبب ظلمة الليل بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية حتى تسترها. إن في ذلك الذي ذكره الحق- سبحانه- من مد الأرض وبسطها وإرساء الجبال فيها مع تحركها ودورانها وما جعله الله فيها من الثمرات الناشئة عن الازدواج والتلقيح وتعاقب النور والظلمة مع طول كل وقصره إن في ذلك لآيات بيّنه للناظرين المتفكرين المعتبرين. وفي الأرض قطع متجاورات ترابها واحد، وماؤها واحد، وفيها زرع واحد، ثم تتفاوت الثمرة، بعضها حلو وبعضها مر، بعضها يثمر وبعضها لا يثمر. وفي الأرض جنات وبساتين من زروع ونخيل وأعناب وغيرها من الفواكه التي عرفت في غير جزيرة العرب، ومن عجائب النخل أن فيه صنوانا وغير صنوان، والمعنى أن أشجار النخيل قد تكون الواحدة لها رأسان وأصل واحد وقد تكون غير ذلك كبقية الشجر. وقيل المعنى: إن أشجار النخل قد تكون متماثلة وغير متماثلة مع اتحاد التربة والزرع يسقى ذلك كله بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، أليس في هذا

стр. 1134

دليل على بديع صنعه وعظيم قدرته فإن القطع المتجاورة فيها الجنات متلاصقة، بل والأشجار المتشابكة المتداخلة، تسقى بماء واحد وبنظام واحد وبذرها واحد ثم نرى في بعضها نضجا وكمالا وطعما وحلاوة، وفي البعض جفافا ونقصا، وصغرا وحموضة بل وطعما متغيرا تمام التغير عن زميلتها، أليس هذا دليلا على وجود القادر المختار الواحد القهار، وأن الدنيا لم تسر بطبعها من غير مدبر لها حكيم؟ إن في ذلك لآيات وحججا، ولكن لقوم يعقلون ويتدبرون بفكر حر وعقل سليم. والحمد لله أثبت علماء الطبيعة الأحرار الذين درسوا الكون وما فيه أنه على نظام لو اختل قيد شعرة لهلك العالم وفنى، وهذا دليل على وجود الله وكمال قدرته على كل شيء. بعض أقوالهم والجزاء عليها [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٥ الى ٧] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) المفردات: الْأَغْلالُ جمع غل وهو طوق تشد به اليد إلى العنق والمراد وصفهم بالإصرار الْمَثُلاتُ جمع مثلة، وهي عقوبة أمثالهم من المكذبين سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من مماثلة.

стр. 1135

بعد أن صدر السورة الكريمة بذكر الآيات القواطع الدالات على أنه على كل شيء قدير، وأن البعث والإعادة مما يدخل تحت القدرة. تعرض لبعض أقوالهم المنافية تماما لهذه المقدمات. المعنى: وإن تعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث فقولهم حقيق بالعجب جدير به إذ من قدر على رفع السماء بلا عمد، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر إلى آخر الآيات السابقة سواء كانت علوية أم أرضية، من قدر على ذلك وعلى غيره، ولم يعي بخلقهن قادر بلا شك على أن يحيى الموتى بل هو أهون عليه!! إذن إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب، والعجب: تغير نفسي عند خفاء السبب، وهو محال على الله فالمراد تعجب الرسول ومن حوله من المؤمنين. قالوا: أإذا كنا ترابا؟!! أننا لفي خلق جديد؟ قالوا مستبعدين ومحيلين البعث بعد أن كانوا ترابا؟!! أى أنبعث بعد أن كنا ترابا؟، فكان جزاؤهم على هذا.. أولئك الكاملون في الضلال المتمادون في الكفر والعناد هم الذين كفروا بربهم وأولئك هم المصرون على ما هم عليه فلا أمل فيهم البتة، وينظر إلى هذا قول الشاعر العربي لهم عن الرشد أغلال وأقياد وقيل المعنى: أولئك يغلون يوم القيامة بالأغلال إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [سورة غافر الآيتان ٧١ و ٧٢] . وأولئك هم أصحاب النار الملتزمون لها دائما هم فيها خالدون إلى ما شاء الله. ويستعجلونك بالسيئة والعذاب الذي أنذرتهم به، استهزاء بك وتكذيبا لك قبل الحسنة من الإمهال أو الإيمان، ولا غرابة فهم القائلون اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال ٣٢] . يستعجلونك بالعذاب وقد خلت من قبلهم المثلات، وحلت بمن سبقهم العقوبات لما كذبوا واستعجلوا العذاب، وإن ربك لذو مغفرة للناس حالة كونهم ظالمين، نعم

стр. 1136

هو يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئة، وقد كتب على نفسه الرحمة لمن يتوب توبة نصوحا، وإن ربك لشديد العقاب لمن أصر على الذنب ولم يرجع نادما على ما فعل وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى ٤٠] وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت ٤٦] . ومع هذا كله يقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه! لم يكتفوا بالآيات التي نزلت على محمد ﷺ . عجبا لهم وأى عجب؟! ألم يكفهم أن الله أنزل القرآن حجته الباقية وآيته الخالدة فقيل لرسول الله تطمينا لقلبه: إنما أنت منذر ورسول، وما عليك إلا البلاغ، فلا يهمنك أمرهم ولا تعبأ به، لم يكتفوا بالقرآن وطلبوا معجزة موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى، فرد الله عليهم بقوله: لكل قوم هاد من الأنبياء يأتى إليهم ومعه معجزة تتلاءم مع طبيعتهم وفنهم الذي برعوا فيه وقيل المعنى: إنما أنت رسول، ولكل قوم هاد هو الله- يلجئهم إلى الخير وحده لا دخل لأحد غيره. من مظاهر علمه وحكمته [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٨ الى ١١] اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)

стр. 1137

المفردات: تَغِيضُ الْأَرْحامُ تنقصه الأرحام في زمن أو جسم يقال: غاض الماء إذا جف ونقص الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما حضر مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ مستتر بالليل وقيل ظاهر فيه وَسارِبٌ بِالنَّهارِ سرب: ذهب، وسارب: ذاهب بالنهار، أى ظاهر فيه. وقيل: المراد متوار فيه فهو من الأضداد في اللغة مُعَقِّباتٌ جمع معقبة والتاء للمبالغة لا للتأنيث، والمراد ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار والٍ ناصر ينصرهم. المناسبة: يقول الله لنبيه: أنت منذر فقط، ولا عليك شيء بعد هذا ولكل قوم هاد ورسول، معه معجزاته المناسبة، المؤيدة له تبعا لعلم دقيق وحكم سامية إذ الله يعلم الغيب والشهادة إلخ.. الآيات. وعلى الرأى الثاني في تفسير وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ فقد أتى بهذه الآيات للإشارة إلى أن هذه قدرته وهذا علمه فهو وحده القادر على هدايتهم بأى شكل، وأما أنت فنذير فقط. المعنى: الله وحده هو الذي يعلم ما تحمله المرأة في بطنها أهو ذكر أم أنثى؟ الله وحده يعلم الجنين في بطن أمه على أية كيفية يكون وضعه!! وفي أى وقت يكون مولده فالأشعة الحديثة لا تعلم إن كان الجنين ذكرا أم أنثى نعم أثبتت التجارب أن الله وحده هو الذي يعلم ذلك علما قطعيا لا شك فيه. وكثيرا ما قالوا: إن في بطن فلانة ذكرا ثم يكون أنثى! وصدق الله. الله يعلم ما تحمل كل أنثى ويعلم ما تنقصه الأرحام وما يزداد، والنقص والزيادة اللتان يعلمهما العالم البصير شاملان لكل نقص حسى أو معنوي وكذا الزيادة، وكل شيء عنده- ﵎ بقدر قدره، وقضاء قضاه إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وهذه الآية الكريمة تصف المولى- جل شأنه- بإحاطة

стр. 1138

العلم وأنه يعلم ما غاب وما حضر، وأنه يعلم الباطن الذي خفى عن الخلق كما يعلم الظاهر المشاهد، وهو الكبير المتعالي عما يقوله المشركون السفهاء. وإذا كان المولى يعلم السر والجهر والغيب والشهادة فسواء منكم أيها الناس من أسر القول وحدث به نفسه، ومن جهر به ليسمعه غيره يستوي هذا وذاك فالله عالم بكل شيء سواء عنده من هو مستتر في الظلمات، ومن هو ظاهر في الطرقات، من هو مستتر بالليل، ومن هو سارب وذاهب بالنهار على وجه السرعة والوضوح لكل فرد من الظاهر أو المستتر معقبات من الملائكة يتعاقبون على حفظه بالليل والنهار في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر يتبادلون الحفظ والرعاية كما ورد في الحديث. له معقبات من بين يديه ومن خلفه أى من أمامه ومن خلفه، والمراد من كل جهة هؤلاء الملائكة الحفظة يحفظونه من الوحوش والهوام والأخطار لطفا من المولى به وهم يحفظونه بأمر الله وإذنه وهذا معنى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فمن في الآية بمعنى الباء، وقيل المعنى: يحفظونه عن أمر الله لا عن أمر أنفسهم فهم موكلون به يحفظونه من الله أى عن أمره كقوله تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أى عن جوع وقيل المعنى: يحفظونه من الله أى من ملائكة العذاب حتى لا تحل بهم عقوبة لان الله لا يغير ما بقوم من نعمة وحفظ ورعاية حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان والعدل والاستقامة، ولا يظلم ربك أحدا. نعم لكل إنسان منا حفظة يحفظونه من بأس الله وعذابه فإذا أعلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد راقب ربه وخشي حسابه فاستقام أمره، وإذا كان الله قد جعل للإنسان حفظة يحفظونه بأمر الله فكيف يصاب بسوء؟ نعم يصاب إذا قدر له ذلك فهم يحفظونه من أمر الله بمعنى أن ذلك مما أمرهم به لأنهم لا يقدرون أن يدفعوا أمر الله. إن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وعز واستقلال حتى يغيروا ما بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة التي ترضى الله ورسوله ﷺ وتثبت دعائم الدولة. ولقد أثبت التاريخ الإسلامى صدق هذه النظرية القرآنية فالله لم يغير ما كان عند الأمة الإسلامية من عز ورفاهية وعلم واقتصاد حتى غيروا ما بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة التي ترضى الله ورسوله، وتثبت ما بأنفسهم حيث حكموا بغير

стр. 1139

القرآن، وتركوا دينهم، وقلدوا غيرهم، وشاعت بينهم الموبقات وانحلت أخلاقهم والأمل عندنا الآن ليحول الله ضعفنا إلى قوة وذلنا إلى عزة، وفقرنا إلى غنى، واحتلالنا إلى استقلال، وصدق الله: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والله على كل شيء قدير، وإذا أراد الله بقوم سوءا من احتلال وذل أو مرض وفقر ونحوهما من أسباب البلاء التي تكون بسبب أعمالهم وما كسبته أيديهم فلا راد له ولا معقب لحكمه، وفي هذا إيماء إلى أنه ينبغي ألا يستعجلوا السيئة قبل الحسنة فإن ذلك كله مرجعه إلى عالم خبير لا يرد له قضاء، وما لهم من دونه من وال وناصر. من مظاهر قدرة الله وألوهيته [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٢ الى ١٦] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)

стр. 1140

المفردات: الْبَرْقَ شرارة كهربائية تظهر في السماء من اتصال سحابتين مختلفتين في كهربتهما الرَّعْدُ هو صوت احتكاك الهواء الناشئ من تفريغ جزء منه بسبب احتراقه بالشرارة الصَّواعِقَ جمع صاعقة وسببها أن السحب قد تمتلئ بكهربة شديدة والأرض بكهربة أخرى مخالفة. فإذا اقتربت السحب من الأرض حصل احتكاك كهربائى تنشأ عنه صاعقة إذا صادفت شيئا أحرقته، وللبرق والرعد والصاعقة تفسيرات أخرى لا تلتئم في ظننا مع القواعد العلمية الحديثة يُجادِلُونَ الجدال شدة الخصومة الْمِحالِ الماحلة والكيد للأعداء ضَلالٍ ضياع وخسارة ظِلالُهُمْ جمع ظل وهو الخيال المقابل للشمس الذي يظهر للجرم بِالْغُدُوِّ جمع غداة وهي أول النهار وَالْآصالِ مفردها أصيل وهو ما بين العصر إلى المغرب. هذا امتداد لبيان صفات الله القدسية، ووصفه بمظاهر العلم والإحاطة، والقدرة والكمال، وتفرده بالألوهية والربوبية. المعنى: هو الله- الذي يريكم البرق الخاطف، والنور اللامع، الذي يظهر فجأة ويختفى من تقارب سحابتين مختلفتين في الكهرباء، هو الذي يسخر البرق بشيرا بمطر يطمع فيه من له حاجة إليه، ونذيرا لمن يخاف المطر كمن في جرينه قمح أو شعير أو هو مسافر يضره المطر، يا سبحان الله! لك في خلقك شئون ونظام. وهو الذي ينشئ السحاب الثقال بالماء، ويسبح الرعد بحمده تسبيحا بلسان الحال لا بلسان المقال وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وفي المأثور عن النبي ﷺ قوله إذا سمع صوت الرعد والصواعق: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» رواه البخاري وأحمد ، وتسبيح الملائكة

стр. 1141

من هيبته وجلاله. وما أجهلك يا ابن آدم إنك لظلوم جهول يسبح الجماد في الأرض والسماء وتسبح الملائكة رهبة من جلاله، وأنت يا ابن آدم خلقت من مادة وروح ففيك شيء من الجماد وشيء من الملائكية (الناحية الروحية) ومع هذا فكثير منكم يا أبناء آدم لا تسبحون ولا تعبدون الله وحده. وهو يرسل الصواعق المحرقة المبيدة فيصيب بها من يشاء من خلقه. والحال أن الكفار مع هذا كله يجادلون في لله- وفي رسوله وفي الحساب والجزاء وهو شديد المحال شديد البطش والكيد لأعدائه شديد الحيلة ينزل بأعدائه عذابه من حيث لا يشعرون، وهو القادر على أن ينزل عليكم العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [سورة النمل آية ٥١] . له- دعوة الحق، ودعاء الصدق، له وحده العبادة ومنه الاستعانة، وإليه التضرع وعليه التوكل، إذ هو وحده له دعوة الحق. ، فهو الخالق والمبدئ والمعيد، والرحيم الودود، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد، جل شأنه، وتباركت أسماؤه والذين يدعونهم من دونه كالأصنام والأوثان والأحجار والمعبودات لا يستجيبون لهم بشيء وكيف يستجيبون؟ وهم أضعف من الضعف، بل إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب، هؤلاء الشركاء لا يستجيبون لهم بشيء مما يريدونه من نفع أو إزالة ضر إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفه إليه من بعيد ليبلغ فاه وهو عطشان فهل يجيبه الماء؟. إنه لا يجيبه لأنه جماد لا يعقل دعاء، ولا يشعر به. وما دعاء الكافرين أصنامهم، وما عبادتهم لهم إلا ضلال وخسران: وضياع وهلاك. ولله وحده- ﵎ يسجد من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن يسجدون سجود انقياد وامتثال طائعين إن كانوا مؤمنين ومكرهين إن كانوا كافرين. نعم لله يسجد ما في السموات وكل ما في الأرض من حيوان ونبات وجماد وإنسان وجن وملك، كلهم خاضعون منقادون للذي خلقهم وفطرهم بقدرته وإرادته.

стр. 1142

وظلالهم خاضعة كذلك بالغدو والآصال. خاضعة لقدرة لله فهو الذي سخر الشمس وغيرها. أمر رسول الله أن يسألهم: قل يا محمد لهم: من رب السموات والأرض؟ ولما كانوا يقرون بأن الله خلقهما وهو ربهما ولا سبيل إلى إنكار ذلك أبدا أمر أن يجيب ويقول: قل: الله!! وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [سورة الزخرف آية ٩] . قل لهم أفاتخذتم من دونه أولياء؟!! أى وإذا كان الأمر كذلك وأنتم تقرون بأنه الخالق والرب للسماء والأرض فما بالكم اتخذتم من دونه أولياء عاجزين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؟! قل لهم: هل يستوي الأعمى عن طريق الحق والبصير به؟ بل هل تستوي الظلمات والنور؟ وجمع الظلمات وأفرد النور لأن طريق الحق واحد وطرق الباطل متعددة. بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه؟ فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم. والمعنى ليس الأمر على هذا يشتبه عليهم ويختلط، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد، وكل الشركاء أصنام لا تدفع عن نفسها ضرا. قل لهم يا محمد: قد بدا الصبح لذي عينين وظهر الحق جليا. الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار. هذا مثل للحق وأهله وللباطل وحزبه [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٧ الى ١٩] أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)

стр. 1143

المفردات: أَوْدِيَةٌ جمع واد وهو المنفرج بين مرتفعين الذي يسيل فيه الماء بِقَدَرِها بمقدارها الملائم لها زَبَداً الزبد ما يعلو وجه الماء، ويقال له الغثاء والرغوة رابِياً منتفخا زائدا بسبب انتفاخه جُفاءً والجفاء ما يرمى به الوادي من الزبد والغثاء. بعد أن ضرب الله مثل الأعمى والبصير للمؤمنين والكافرين، ومثل النور والظلمات للإيمان والكفر. ضرب هنا مثلا للحق وأهله وللباطل وحزبه. المعنى: مثل الله- ﵎ الحق الذي هو القرآن الكريم في نزوله من عند الله واستقراره في قلوب المؤمنين، وثباته فيها وانتفاعهم به بمقدار الحكمة موزونا بميزان العلم والمعرفة كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ في المعاش والمعاد بالماء النازل من السماء السائل في أودية سيلانا مقدرا، هذا المقدار هو المناسب لكل واد حتى لا يحصل خطر من سيلان الماء فيه، ولأمر ما كان القرآن كالماء، وما ذاك إلا لأن الماء عليه قوام الحياة وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ والقرآن عليه نظام الكون وحياة العالم أجمع.

стр. 1144

ومثل القرآن كذلك بالمعدن النافع من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس فهذا كله فيه خير الناس وينتفعون به في الحلية والمتاع وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [سورة الحديد آية ٢٥] . ومثل الباطل في سرعة زواله وعدم فائدته بالزبد الطافي فوق الماء، والغثاء الطافي فوق المعدن عند انصهاره بالنار فكل منهما خبيث سريع الزوال لا ينتفع به صاحبه ولا يؤثر على الماء الصافي ولا على المعدن الخالص. وهاك المثل بعبارة القرآن الكريم مشروحة شرحا أسأل الله أن أكون موفقا فيه أنزل الله- من السماء ماء هو ماء المطر فسالت بذلك أودية خاصة- لا كل الأودية- بقدرها أى: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع غير ضار انظر إلى قوله: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ وفي هذه العبارة تجوّز إذ الذي يسيل هو الماء، فاحتمل السيل الجاري في تلك الأودية زبدا وغثاء ورغوة مرتفعة رابية طافية فوق سطح الماء وهكذا الباطل يرتفع في أول الأمر ثم لا يلبث أن يمحى ويضيع ولا يبقى إلا الحق مثل الزبد يطفو ويعلو ثم يذهب ويبقى الماء وهل يؤثر الزبد على الماء لا. كذلك الباطل. وهناك زبد وغثاء آخر يطفو فوق المعدن الذي يسيل بواسطة النار هذا الزبد ينشأ مما يوقدون عليه في النار من ذهب وفضة أو حديد ونحاس وغيره يوقدون عليه لأجل الحلية في الذهب مثلا أو للمنفعة في الحديد، والأبحاث العلمية التي استخدمت الحديد والمعادن في هذه النهضة الحديثة شاهد عدل على ذلك. مثل ذلك التصوير الفنى الرائع يضرب الله مثلا للحق والباطل فأما عاقبة كل وهي التي تدفع العقلاء إلى اتباع الحق وأهله، والبعد عن الباطل وحزبه فها هي ذي. فأما الزبد الذي يعلو فوق الماء أو على المعدن فيذهب جفاء مرميا به بسرعة إذ لا خير فيه ولا نفع. أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ويبقى فيها، والعاقبة له مهما علا الباطل، نعم أما الماء فيبقى في الأرض للانتفاع به في الشرب والسقي بأى صورة كانت بواسطة الآبار إن غار في الأرض وأخذا باليد إن بقي على ظهرها وهكذا المعدن شأنه كالماء. أما الحق والقرآن أمام الشرك وزخرف الباطل فهما الباقيان النافعان المفيدان للناس

стр. 1145

جميعا إما مباشرة لمن تمسك بهما أو بالتبع لمن كفر بهما فحضارة أوروبا التي هي فيها لا نبالغ إن قلنا إنها من الإسلام عن طريق مدارس القسطنطينية والأندلس، وفي الحروب الصليبية يعرف هذا الأحرار في عقولهم وتفكيرهم، وللأسف يتمسك الغربي بما يدعو إليه ديننا من الحق والعدل والكرامة والعزة والصدق وعدم النفاق، ونتمسك نحن بباطل عقائدهم وزيف أخلاقهم!! كذلك يضرب الله الأمثال للناس جميعا للذين استجابوا لربهم وآمنوا بالحق والقرآن المثوبة الحسنى! والذين لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا لهم العقاب الشديد والعذاب الأليم، بدليل لو أن لهم ما في الأرض جميعا من مال ومنافع ومثله معه لأحبوا من صميم قلوبهم وعن طيب خاطرهم أن يفتدوا به أنفسهم. أولئك لهم الحساب السيّئ الشديد ومأواهم جهنم، وبئس المهاد مهادهم. أفمن يعلم أنما أنزل إليك من القرآن من عند ربك الذي مثل بالماء الصافي والمعدن الخالص النافع هو الحق الذي لا شك فيه كمن هو أعمى بصيرة وقلبا لا يشاهد الشمس في رأد الضحى كأنه يقول: أبعد ما بين حال كل من الباطل والحق ومآلهما يتوهم المماثلة أحد؟ إنما يتذكر بذلك أولو الألباب. ومن هم؟!! من هم أولو الألباب؟ وما جزاؤهم؟ [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)

стр. 1146

المفردات: يَنْقُضُونَ النقض: الفك وأصله للحبل ثم استعمل في العهد لأنه يشبهه يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ الخشية: الخوف مع العلم بمن تخشاه وَيَدْرَؤُنَ يدفعون عَدْنٍ أى: إقامة. بعد أن ضرب الله المثل لمن اتبع الحق ولمن اتبع الباطل، وأبان أنه لا يتذكر إلا أولو الألباب ناسب أن يذكر من هم أولو الألباب وما جزاؤهم. المعنى: إنما يتذكر بالأمثال ويتعظ بها أولو الألباب وأصحاب العقول، فالذكرى والموعظة لا تنفع إلا المؤمنين أولى الألباب، ولكنا نرى أناسا يصفون الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، ويتفننون في جمع المال من شتى الطرق بأنهم أولو الألباب أما القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يبين لنا أصحاب العقول ويصفهم بصفات ثمانية. ١- الذين يوفون بعهد الله. وهو ما عقدوه على أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم وفيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وقد شهدت فطرتهم السليمة به. وأنزل عليهم في الكتاب إيجابه. ولا ينقضون الميثاق وهو العهد الموثق المؤكد الذي وثقوه بينهم وبين الله وبينهم وبين العباد من العقود والمعاملات والعهود والالتزامات وفي الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» وقال قتادة: إن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين موضعا في القرآن عناية بأمره واهتماما بشأنه. ٢- والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، وظاهر الآية يشمل كل ما أمر الله

стр. 1147

بصلته ونهى عن قطعه من حقوق الله وحقوق جميع العباد خصوصا حقوق الأقارب التي هي صلة الرحم من باب أولى. ٣- ويخشون ربهم، والخشية من الله مرتبة العلماء وسمة المقربين من الأتقياء إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [سورة فاطر آية ٢٨] وهي صفة تحملهم على فعل كل ما أمروا به واجتناب كل ما نهوا عنه. ٤- ويخافون سوء الحساب، فهم يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويزنون أعمالهم قبل أن توزن عليهم لأنهم يخافون الحساب الذي يستقصى كل الأعمال مع المناقشة في الصغير والكبير. ٥- والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم. والصبر حبس النفس على ما تكره ويكون بفعل الطاعات والتكليف، واجتناب المنهيات والمنكرات، والرضا بقضاء الله وقدره في الرزايا والمصائب، والصبر المطلوب لأنه عمل نفسي قلبي شرط فيه أن يكون ابتغاء مرضاة الله، وطلبا لجزاء الصبر لا حبا في الرياء والسمعة. ٦- وأقاموا الصلاة، وإقامتها إتيانها مقومة كاملة تامة الأركان والهيئات مع الخشوع الكامل والاتجاه إلى الله، والاستحضار العرفي إن لم يكن الحقيقي وذلك يكون إذا تذكرت أنك واقف بين يدي الله وأمام جبار السماء والأرض. الواحد القهار، وعليك أن تروض نفسك على ذلك وتعودها الوقوف بأدب أمام الله فلا يشغلك شيء أبدا عن الصلاة بحيث لا تفكر إلا فيها، يا أخى حاول أن تشعر قلبك بخشية الله وتملأ نفسك بالخوف منه وأن تفهم أن الصلاة الناقصة تلف في خرق بالية وترد على صاحبها فتظل تدعو عليه إلى يوم القيامة. ٧- وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، والواقع هو الذي يفهمنا سر تكرار القرآن لطلب الإنفاق فلو أنفق الناس بعضا من أموالهم، وامتثلوا أمر ربهم ما كنا في حاجة أبدا إلى قانون يحد من تصرفهم، ولما شاعت تلك الأفكار الهدامة التي تقوض صرح مجتمعنا. ٨- ويدرءون بالحسنة السيئة وهذه هي آخر صفة لأصحاب العقول إذ من العقل أن ندفع السيئة بالحسنة فالحسنات يذهبن السيئات، والواقع أثبت أن من الخير للشخص

стр. 1148

أن يعامل أخاه معاملة حسنة معاملة بالشفقة والرحمة حتى يسل سخائمه، ويميت حسده وبغضه بالإحسان إليه. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استبعد الإنسان إحسان أما جزاؤهم في الدنيا السعادة والهدوء، والراحة واطمئنان البال ولظهور هذه لم تذكر في القرآن وأما في الآخرة: فأولئك لهم عقبى الدار التي هي الجنة العالية ذات القطوف الدانية، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ويكفى أنها نزل الرحمن الذي أعده لأحبابه وأوليائه فهل بعد ذلك شيء؟!!. ومن صلح من آبائهم سواء أكان ذكرا أم أنثى وأزواجهم، وذرياتهم الأقربين يكونون معهم ليأنسوا بهم هذا بشرط أن يكونوا مستحقين لذلك والا فالحديث عن النبي ﷺ لفاطمة «يا فاطمة اعملي فلن أغنى عنك من الله شيئا» وفي القرآن يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ هؤلاء في الجنة على سرر متقابلين ومعهم أهلهم إكراما لهم وأنسابهم، ثم تمر عليهم الملائكة تحييهم يا له من شرف كبير الملائكة تستقبل وتحيى المؤمنين الموصوفين بما ذكر، نعم يدخلون عليهم من كل باب قائلين سلام عليكم بما صبرتم، وأمن عليكم ورحمة من ربكم بسبب صبركم وتحملكم فنعم عقبى الدار. ورد أن النبي ﷺ كان يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، وكذا كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان- رضى الله عنهم-.. من هم الأشقياء؟ وما جزاؤهم؟ [سورة الرعد (١٣) : آية ٢٥] وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)

стр. 1149

بعد ما ذكر المتقين وأصحاب العقول وصفاتهم وجزاءهم ذكر حال الأشقياء وجزاءهم وهذا ديدن القرآن يتكلم على الطائع والعاصي ليظهر الفرق واضحا جليا فيكون ذلك أدعى إلى الامتثال والعمل الصالح. المعنى: والذين ينقضون عهد الله الذي ألزمه عباده وأمر به في كتابه مما يشمل عهد الله والناس، وما ركبه في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات ونقضه عدم العمل به عنادا وكفرا من بعد ميثاقه وتوكيده، وإلزامهم به عن طريق العقل والطبع والشرع والنقل. ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان والامتثال وصلة الرحم فالكفر وعدم الإيمان بجميع الرسل، وقطع الرحم والأخوة، ومنع المساعدات التي يوجبها الوطن والضمير الإنسانى في كل ذلك قطع لما وصله الله وأمر به. ويفسدون في الأرض بأعمالهم الخبيثة التي ينشأ عنها الحرب والهلاك والدمار والفساد. هؤلاء الناقضون العهد الذين لا يخافون ربهم ولا يخشون حسابه، القاطعون الرحم المفسدون في الأرض لهم اللعنة والطرد من الرحمة، والبعد عن خيرى الدنيا والآخرة ولهم سوء الدار لما اجترحوا من سيئات الأعمال وارتكبوا من شرور الآثام.. من أوصافهم أيضا [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)

стр. 1150

المفردات: وَيَقْدِرُ أى: يضيق أو يعطى بقدر الكفاية فقط مَتاعٌ شيء قليل ذاهب مأخوذ من قولهم متع النهار إذا ارتفع وهو لا بد زائل بالزوال طُوبى من الطيب أى: العيش الطيب ويشمل النعمى والخير. والحسنى. والكرامة والغبطة وقيل: هي اسم لشجرة في الجنة. المعنى: هذا امتداد لوصف الأشقياء الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك لهم سوء الدار. وفرحوا بالحياة الدنيا وقالوا، لولا أنزل عليه آية من ربه إلخ. ولما نعتهم الله بقوله: لهم سوء الدار كأن سائلا سأل وقال: كيف هذا؟ مع أننا نرى هؤلاء الأشقياء منعمين في الدنيا فكيف قيل فيهم لهم سوء الدار. والجواب أن الله يبسط الرزق لمن يشاء بقطع النظر عن كونه مؤمنا أو كافرا لأن الدنيا عنده لا تزن جناح بعوضة فالمؤمن قد يضيق عليه الرزق ابتلاء واختبارا، فبسط الرزق للكافر لا يدل على الكرامة، والتقتير على المؤمن لا يدل على الإهانة، وعلى هذا فقوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ جملة معترضة بين أوصاف الأشقياء الكفار. وهم فرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ولم يذكروا الآخرة ولا حسابها ولم يعملوا لها أبدا، وما الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا متاع زائل وعرض فإن حائل يزول بسرعة كما يزول متع النهار.

стр. 1151

وهم لسوء فهمهم وتقديرهم يقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه كأنهم لم يقتنعوا بالآيات المنزلة على النبي محمّد ﷺ التي أهمها القرآن، يا عجبا كل العجب!! إن هذا لعجيب. وما أشد عنادكم وما أعظم كفركم!! الله يضل من يشاء، من يضله فلا سبيل إلى اهتدائه ولو أنزلت عليه كل آية، ويهدى إليه من أناب ورجع عن غيه وشيطانه. ويهدى إليه الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم وتلين جلودهم، وتهدأ نفوسهم لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الثائرة، وتهدأ النفوس المضطربة، هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى وخير، ومثوبة وكرامة لهم يوم القيامة وحسن مآب ولا حرج على فضل الله. رد على المشركين وبيان قدرة الله على كل شيء وتسلية النبي ﷺ [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)

стр. 1152

المفردات: قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ شققت وتصدعت حتى صارت قطعا يَيْأَسِ المراد يعلم، وقيل هو يأس على حقيقته قارِعَةٌ داهية تفجؤهم ونكبة تحل بهم فَأَمْلَيْتُ الإملاء والإمهال أن يترك الشخص ملاوة من الزمن في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى لتأكل ما تشاء قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ رقيب وحفيظ عليها بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بباطل من القول لا حقيقة له في الواقع أَشَقُ أشد وأنكى واقٍ حافظ. طلبوا من النبي ﷺ آية خلاف القرآن فرد الله عليهم بأن المسألة ليست آية تأتى، وإنما الهداية من الله، والرسول مبشر ونذير فقط، وهنا يقول: إن محمدا رسول كبقية الرسل وآيته القرآن، ولو أنزل عليكم ما تطلبونه وزيادة لما آمنتم: المعنى: مثل ذلك الإرسال الذي سبق مع الأمم الماضية أرسلناك يا محمد إرسالا له شأن وفضل، أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم فهي آخرها، وأنت خاتم الأنبياء والمرسلين لتتلو عليهم وتقرأ الذي أوحيناه إليك، وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فكيف يطلبون بعد ذلك آية؟!! وهم يكفرون بالرحمن المنعم بجلائل النعم، والذي وسعت رحمته كل شيء في

стр. 1153

الكون، ومن رحمته إرسالك من أنفسهم وأنت عزيز عليك عنتهم حريص عليهم بالمؤمنين رءوف رحيم هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة الجمعة آية ٢] ، وهذا القرآن الذي معك فيه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة.. فكيف يكفرون بالرحمن؟!! قل لهم يا محمد: هو ربي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الذي كفرتم به وأشركتم به غيره وهو الله الأحد الفرد. الصمد. الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، عليه وحده توكلي وإليه وحده توبتي ورجوعي، وهذا بيان لفضل التوبة ومقدارها، وحث عليها إذ أمر بها- ﵊ وهو المنزه عن اقتراف الذنوب والآثام. وروى أن نفرا من مشركي مكة فيهم أبو جهل، وعبد الله بن أمية جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى رسول الله ﷺ فأتاهم فقال له عبد الله: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسخ فإنها أرض ضيقة فلست- كما زعمت- بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخّر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخرت لسليمان الريح كما زعمت فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود. وأحيى لنا جدك قصى ابن كلاب أو من شئت أنت من موتانا نسأله أحق ما تقول أنت أم باطل! فإن عيسى كان يحيى الموتى ولست بأهون على الله منه فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ. ولو ثبت أن قرآنا سيرت به الجبال وزحزحت عن أماكنها كما فعل بالطور لموسى، أو لو ثبت أن قرآنا شققت به الأرض وجعلت أنهارا وعيونا كما حدث للحجر حين ضربه موسى بعصاه، أو لو ثبت أن قرآنا كلم به أحد الموتى في قبورهم وأحياهم بتلاوته كما وقع لعيسى- ﵇ لو ثبت هذا لشيء من الكتب لثبت للقرآن المنزل على محمد لما اشتمل عليه من الآيات الكونية الدالة على عظم قدرة الله وبديع صنعه، ولما انطوى عليه من الحكم والأحكام التي فيها صلاح العباد في المعاش والمعاد، ولما فيه من القوانين الاقتصادية والسياسية والعمرانية التي تكفل للأمة أن تعيش عيشة سعيدة وتكون خير أمة أخرجت للناس.

стр. 1154

لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه مما تقتضيه الحكمة الإلهية لكان مظهر ذلك هو القرآن الذي لم يعدوه آية. وقيل المعنى: لو أن قرآنا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى، لما آمنوا به كقوله تعالى. وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [سورة الأنعام آية ١١١] . بل لله القدرة على كل شيء وهو القادر على الآيات التي اقترحوها وغيرها إلا أن علمه بأن إظهارها مفسدة يصرفه عن إظهارها ويمنعه. وهم يكفرون بالرحمن في كل حال وعلى أى وضع، ولو ثبت أن قرآنا سيرت به الجبال إلخ الآية. أنسوا!! أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات والمعجزات. وقيل: إن المراد أفلم ييأس الذين آمنوا ويقنطوا من إيمان هؤلاء الكفار لعلمهم أن الله- تعالى- لو أراد إيمانهم لهداهم، وذلك أن بعض المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي اقترحها الكفار طمعا في إيمانهم إذ لو أراد هدايتهم لهداهم. ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة تقرعهم، وداهية تفجؤهم في أنفسهم وأموالهم وديارهم أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله وينتهى هذا العالم، وهكذا يحقق الله وعده ووعيده فهم دائما في حروب وفتن لا تنتهي أبدا إن لم تكن حربا حقيقية تكن حربا باردة، وأما أنت أيها الرسول فلا يحزنك أمرهم، ولا يؤلمك استهزاؤهم، ولقد استهزئ برسل من قبلك، ونالوا ما نالوا من قومهم، وقالوا لهم ما قالوا مما علمته في قصصهم، ولكن كانت العاقبة والدائرة عليهم ولقد أملى الله لهم، وأمهلهم حتى ارتكبوا التعاسيف وظن المسلمون بالله الظنون، ثم أخذهم ربك بالعذاب الأليم أخذ عزيز مقتدر فكيف كان عقاب؟! فهل من مدكر؟! أفمن هو قائم على كل نفس بالحفظ والرعاية والعناية والكلاءة وهو المولى القدير كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع؟ بل إن يسلبهم أحقر الحيوانات شيئا لا يستنقذوه منه.

стр. 1155

أفمن هو قائم على الكون كله بالحفظ والرعاية والخلق والإيجاد كشركائهم الذين اتخذوهم آلهة من دون الله وجعلوا له شركاء! والمراد نفى المماثلة. قل لهم يا محمد: سموهم وانعتوهم من هم؟! بل أتنبئونه بشيء لا يعلمه في الأرض! مع أنه العالم بكل ما في السموات والأرض، بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول ليس له حقيقة واقعة، وليس له ظل في الخارج فكلامكم قول باطل زائل كاذب تقولونه بأفواهكم فقط. ليس لله شريك أبدا، بل زين للذين كفروا مكرهم، وصدوا عن سبيل الله بكل قواهم وما يملكون، والله متم نوره ولو كره الكافرون ومن يضلله الله فلا هادي له أبدا. ولهم عذاب أليم في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأنكى، وما لهم من واق ولا حافظ يحفظهم من عذاب الله. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذن الله!! وصف الجنة، ومناقشة المعترضين من أهل الكتاب والمشركين [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٩] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)

стр. 1156

المفردات: مَثَلُ الْجَنَّةِ صفتها العجيبة التي تشبه المثل في غرابتها الْأَحْزابِ جمع حزب ويطلق على الطائفة المتحزبة المجتمعة لشأن من الشئون مَآبِ مرجع واقٍ حافظ أَجَلٍ الأجل المدة والوقت كِتابٌ قيل: هو الحكم المعين الذي يكتب على العباد على حسب ما تقتضيه الحكمة أُمُّ الْكِتابِ أصله قيل: هو علم الله وقيل غيره. هكذا ديدن القرآن إذا وصف النار وعذابها قفّى على ذلك بذكر الجنة ونعيمها وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً [سورة الفرقان ١١- ١٥] إلى آخر الآيات من السورة. المعنى: يريد الله- ﵎ أن يمثل الغائب بما هو مشاهد معروف عندنا، تقريبا للأفهام وتوجيها للأذهان، وإلا فالجنة على حقيقتها شيء لا يدرك كنهه إلا بعد دخولها والتمتع بها- إن شاء الله- فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [سورة الزخرف آية ٧١] . فيما يتلى عليكم صفة الجنة التي وعدها الله للمتقين تجرى من تحتها الأنهار سارحة في أرجائها وجوانبها وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيرا، ويوجهونها حيث أرادوا مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [سورة محمد آية ١٥] .

стр. 1157

أكلها دائم وظلها دائم وفيها الفواكه والمطاعم والمشارب بلا انقطاع ولا فناء وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [سورة الواقعة الآيتان ٣٢ و ٣٣] وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [سورة الإنسان آية ١٤] تلك عقبى الذين اتقوا وهذا جزاؤهم، وعقبى الكافرين وجزاؤهم ونهايتهم النار التي وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم. وهذا الذي مضى من وصف الجنة والنار، وغير ذلك مما نزل به القرآن. الناس فيه على صنفين: مصدق ومكذب، فالذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى وهم قائمون بمقتضاه، ومؤمنون حقا بما فيه يفرحون بما أنزل إليك من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به. ومن الأحزاب من ينكر بعضه، نعم كان من أهل الكتاب عبد الله بن سلام، وتميم الداري من المؤمنين الكاملين، وبعضهم كان يتحزب على النبي ويؤلب عليه ككعب بن الأشرف وغيره من زعمائهم ورؤسائهم ينكرون بعض القرآن وهو ما لم يوافق ما حرفوه من كتبهم وشرائعهم المغيرة. وكيف تختلفون بين مصدق ومكذب؟ وهناك أساس واحد هو الذي يحتاج إليه المرء ليفوز بالسعادة، وهو ما أمر الله به نبيه فقال: قل يا محمد: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به شيئا، إليه وحده أدعو وإليه وحده مآبي ومرجعي، فهذا هو التوحيد الخالص الكامل، وتلك الرسالة بإيجاز، دعوى إلى الله فقط وطاعة وإخلاص وعبادة واستعانة بالله وحده، وأما المرجع والمآب والحساب والجزاء فإليه وحده أيضا. ومثل ذلك الإرسال للرسل قديما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك كتابا هو القرآن وهو كتاب محكم الآيات، فيه الحكم الحق والقول الفصل، أنزلناه حكما بلسان عربي مبين فكان مبينا لمقاصده موضحا لمراميه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصلت آية ٤٢] . ولئن اتبعت يا محمد أهواءهم وآراءهم من بعد ما جاءك العلم من الله- فليس لك من دون الله ولىّ ولا ناصر، وهذا وعيد وتهديد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد الذي وصلوا إليه من الوقوف على أسرار الشرع والإلمام بالسنة النبوية والحجة المحمدية.

стр. 1158

روى أن اليهود عابت رسول الله بكثرة النساء، وقالوا لو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء . وقد لجوا في طلب الآيات كما تقدم، فرد الله عليهم ليس محمد بدعا من الرسل، ولقد أرسلنا قبله رسلا وكانوا بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويفعلون كل ما يفعله البشر قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف ١١٠] وصدق الله فهذا تسجيل في القرآن لا يقبل شكا ولا جدلا وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أمّا أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللّحم، وأتزوّج النساء فمن رغب عن سنّتى فليس منّى» . وأما الآيات المقترحة فتلك نغمة رددها القرآن ورد عليها كثيرا بما يفيد أن الرسول رسول فقط والآيات من عند الله، وما كان لرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله وأمره، وقد جاءكم القرآن وكفى به معجزة خالدة باقية ثابتة على جهة التحدي والإفحام. والآيات لا تأتى اعتباطا ولكنها لحكمة وفي زمن، الله يعلمه لكل أجل كتاب أى: لكل مدة مضروبة ووقت معلوم كتاب مكتوب، وكل شيء عنده بمقدار إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [سورة القمر آية ٤٩] لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [سورة الأنعام آية ٦٧] وقيل المعنى: لكل كتاب أجل، أى لكل أمر كتبه الله أجل معين ووقت معلوم، فليست هناك آية مقترحة بنازلة قبل أوانها، ولا عذاب استعجلوه بنازل قبل أوانه، فالآجال والأعمار والأرزاق والأحداث، كل ذلك بقضاء الله وقدره، وله وقت محدود لا يتقدم ولا يتأخر فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة الأعراف آية ٣٤] . يمحو الله ما يشاء من الأحداث الكونية والإنسانية ويثبت ما يشاء من هذا كله في الخارج، وعنده- أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، أو علمه- جل شأنه- ثابت أزلا لا يتغير ولا يتبدل كل شيء على حسب علمه ووفق إرادته، والمعنى يمحو ويثبت في الخارج ما يشاء، وعلمه لا يتغير ولا يتبدل وهو موافق لما في اللوح المحفوظ، ومظاهر المحو والإثبات نراها في كل لحظة من ليل ونهار، وشمس وقمر، ونور وظلام، وحياة وموت، وقوة وضعف، وزرع وحصاد إلى آخر ما في الأحداث الكونية، هذا المحو والإثبات خاضع لعلمه القديم الذي لا يتغير ولا يتبدل، وعلى هذا فالآية رد- أيضا- على اقتراحهم الآيات حيث كان المحو والإثبات خاضع لمشيئة الله ولقانونه الذي وضعه، وهو لكل كتاب أجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر.

стр. 1159

وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال نجملها والله أعلم بكتابه: ١- قال ابن عباس: يدبر أمر السنة فيمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت. ٢- قال مجاهد: مثل هذا. ٣- قال الحسن: يمحو الله من جاء أجله ويثبت من بقي أجله. ٤- قال عكرمة: يمحو الله القمر ويثبت الشمس. ٥- قال الربيع: يقبض الله الأرواح في النوم فيميت من يشاء ويمحوه، ويرجع من يشاء فيثبته. ٦- وقال آخرون: يمحو الله ما يشاء من الشرائع بالنسخ ويثبت ما يشاء بلا نسخ. ٧- وقال بعضهم: يمحو الله المحن والمصائب بالدعاء. الرسول ﷺ مبلغ والله محاسب ومنتقم [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)

стр. 1160

المفردات: أَطْرافِها جوانبها مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ المعقب الذي يتعقب الشيء فيبطله بالنقد والتجريح. المعنى: يريد الله- تحديد موقف الرسول من مطالب الكفار العنادية التي يطلبونها من النبي ﷺ تطمينا لخاطره وتهدئة لنفسه ووعدا بنصره.. وإن نرينك بعض الذي وعدناهم من العذاب في الدنيا أو توفيناك قبل هذا فاعلم أن عليك شيئا واحدا تؤديه كاملا ألا وهو تبليغ كل ما أنزل إليك من ربك- وإن لم تفعل فما بلغت رسالته- ولا يهمنك شيء بعد هذا أبدا فالله معك وحافظك وعاصمك من الناس، وعلى الله وحده حسابهم وجزاؤهم. أنسوا ولم يروا أن الله- يأتى إلى أرض الكفر فينقصها شيئا فشيئا وأن أرض الإسلام تتسع شيئا فشيئا حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وسبح المسلمون وكبروا بحمد الله ونعمته. ولا غرابة في ذلك فالله يحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، بل قوله الفصل وأمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، وهو سريع الحساب، وقد كنا نفهم في الآية أنها دليل على فرطحة الأرض وأنها ليست تامة الكروية بل هي منبعجة ناقصة الأطراف، ولكن يظهر أن الآية والله أعلم نص في المعنى الأول. وقد مكر الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية بأنبيائهم كعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط واستنفدوا جهدهم وطاقتهم في إطفاء نور الحق، أو لم يعلموا أن لله وحده المكر جميعا، وقد أبى الله إلا إتمام نوره ولو كره الكافرون.. والله وحده يعلم ما تكسب كل نفس في كل حركة تتحركها، وسيعلم الكفار- يوم لا يغنى عنهم ذلك شيئا- لمن عقبى الدار؟!! وفي هذا سلوى للنبي ﷺ حيث يعلم أن ديدن الناس قديما مع إخوانه الرسل وحديثا معه لم يتغير ولم يتبدل، وفي هذا تقوية لعزمه ببيان أن النصر في النهاية له وأن الدائرة على الكفار.
следующие страницы →