المفردات:
رُبَما وقرأ بعض القراء (ربّما) وهما لغتان فأهل الحجاز يخففون، وتميم وربيعة يثقلون أى: يشددون، والأصل أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير والقرآن الكريم نزل على النبي وقرأه ﷺ بلهجات العرب تخفيفا عليهم وتسهيلا لحفظهم ذَرْهُمْ دعهم وَيُلْهِهِمُ يشغلهم الأمل وتغرهم الأمانى الخادعة لوما بمعنى هلا وهي كلمة تفيد التحضيض مُنْظَرِينَ المعنى مؤخرين ومؤجلين شِيَعِ جمع شيعة وهي الفرقة والجماعة المجتمعون على رأى واحد نَسْلُكُهُ يقال سلك الشيء في الشيء أدخله فيه يَعْرُجُونَ يصعدون سُكِّرَتْ حبست عن الإبصار كما يحبس النهر من الجري وقيل المراد: حارت كما يحار السكران والمراد منعت من النظر السليم.
هذا افتتاح لسورة الحجر- وهي سورة مكية- بذكر حروف من حروف المعجم، وهي كغيرها المبدوء بهذه الحروف، قد جمعت بين الكلام على القرآن الكريم وذكر بعض القصص ونقاش الكفار والمشركين، ومن هنا كانت المناسبة بينها وبين سورة إبراهيم ظاهرة.
المعنى:
تلك الآيات- والإشارة لآيات السورة- آيات الكتاب الكامل في كل شيء، وآيات قرآن مبين كامل في البنيان، وأنت ترى أنه جمع بين اسمى القرآن الكريم بالعطف لأنهما مقصودان بالذات، وكان تنكير لفظ قرآن للتفخيم، ولا غرابة في ذلك فهو القول الحق الصادر من الحق- ، ولذا ترى الكفار حينما يجدون ما وعدهم ربهم حقا يوم القيامة يودون لو كانوا مسلمين.
стр. 1192
نعم كثيرا ما يودون لو كانوا مسلمين حينما يرون العذاب يصب عليهم صبّا والمسلمون في جنات النعيم، وقيل إنهم يودون ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب، ولفظ ربنا يستعمل للتكثير والتعليل، وأما أنت يا محمد: فدعهم، ولا يهمنك أمرهم فهم لا يرعوون، ذرهم يأكلوا كما تأكل الأنعام ويتمتعوا بالعرض الزائل والمتاع الفاني، ويلههم الأمل وتغرهم الأمانى، فسوف يعلمون عاقبة عملهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وفي قول القرآن الكريم لهم على لسان الرسول: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا منتهى التهديد والذم لهم، وتصوير بارع لما انطوت عليه نفوسهم وإن من يعرف مقدار ألم الزبرقان بن بدر- ﵁ حينما هجاه الخطيئة بقوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
وشهادة حسان بن ثابت بأن الشاعر ساح عليه أى عابه عيبا فظيعا يدرك مقدار ذم القرآن لهم وأنهم يستحقون ذلك.
ولله سنة لا تتخلف مع الأمم: وهي أنه لا يهلك قرية من القرى أبدا إلا في حال أن لها كتابا معلوما وأجلا محدودا. لا تسبق أجلها عنه وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ.
ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [سورة الرعد آية ٣٨] .
ولقد قالوا مقالتين جانبوا فيهما الصواب. وافتروا الباطل الصريح ورد القرآن الكريم عليهما:
قالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. وفي قولهم للنبي وندائهم له- بالذي نزل عليه الذكر- استهزاء وأى استهزاء؟! ومعنى قولهم هذا: إنك لتقول قول المجانين حين تدعى أن الله أنزل عليك الذكر هي المقالة الأولى..
وأما الثانية فهي: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ على معنى تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك في قولك لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [سورة الفرقان آية ٧] . وبعضهم يرى أن المعنى: هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا إن كنت صادقا في دعواك اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [سورة الأنفال آية ٣٢] .
стр. 1193
ولقد رد عليهم فقال ما معناه: لسنا ننزل الملائكة أبدا إلا تنزيلا متلبسا بالحق من عندنا والحكمة التي نعلمها، وليس هناك حكمة في أن تروا الملائكة عيانا يشهدون بصدق النبي محمد ﷺ ، أو المعنى: ما ننزلهم بالعذاب إلا بالحق وفي الوقت المقدر بالضبط، ولو نزلنا الملائكة وقتئذ ما كانوا منظرين، وما أخر عنهم العذاب لحظة.
وهذا رد على مقالتهم الثانية:
وأما الرد على الأولى فها هو ذا: إنا نحن نزلنا الذكر- فأكد لهم أنه- سبحانه- هو المنزل على سبيل القطع والجزم، وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد ﷺ وبين يديه ومن خلفه حفظة ورصدة يحفظون القرآن حتى يبلغه جبريل إلى النبي محفوظا تاما غير منقوص ولا مزيد فيه، نعم إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وتلك خصوصية للقرآن قد تكفل الله وحده بحفظه ورعايته ما دامت السموات والأرض ولذلك لم ير فيه في أى وقت ولا في أى مكان زيادة أو نقصان ولا تحريف ولا تبديل بخلاف الكتب السابقة حيث وكل الله أمر حفظها للربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا وعدوانا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وعرضا حقيرا فكان التحريف والتبديل الظاهر في كل طبعة من طبعات الكتب السابقة إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
[سورة المائدة آية ٤٤] .
وأما أنت يا محمد فلست بدعا من الرسل- والناس هكذا قديما وحديثا- فلا تأس على القوم الكافرين، ولقد أرسلنا من قبلك رسلا مبشرين ومنذرين في شيع وفرق وأمم سابقة، وما أتاهم من رسول قبلك إلا كانوا به يستهزئون، وعليه غاضبون، وبه كافرون، وتلك سنة الله في الخلق.
مثل ذلك التكذيب والكفر الذي أدخل في قلوب المجرمين السابقين ندخله في قلوب المجرمين المعاصرين، أو المعنى: مثل ذلك الإدخال ندخل القرآن مكذبا به ومستهزئا به في قلوب المجرمين حالة كونهم لا يؤمنون أبدا مهما حاولت وفعلت، ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فعرجوا فيه وصعدوا إلى السموات العلا ورأوا من آيات ربك الكبرى، وكان ذلك في وضح النهار وتحت نور الشمس لو حصل هذا لقالوا: إنما سكرت أبصارنا وحبست عن الإبصار ونحن في حيرة وارتباك، وعبارتهم تفيد حصر
стр. 1194
الإسكار في البصر فقط، أما العقل والوجدان فهم يعتقدون به كذلك في دعواهم.
بل نحن مسحورون، أضربوا عن قولهم سكرت أبصارنا إلى قولهم بل نحن مسحورون، والمعنى: أن هؤلاء المشركين بلغ من عنادهم أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء ويسر لهم معراج يصعدون فيه ورأوا عيانا لقالوا هذا شيء خيالي لا حقيقة فيه بل قالوا قد سحرنا محمد، كبرت كلمة تخرج من أفواههم وكذبوا في دعواهم الباطلة.
من مظاهر قدرته وآثار نعمه [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٦ الى ٢٥]
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
المفردات:
بُرُوجاً جمع برج وهي القصور والمنازل وأصل البروج الظهور ومنه قيل:
تبرجت المرأة إذا أظهرت زينتها، والمراد هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة،
стр. 1195
وللعرب في معرفة النجوم ومنازلها علوم ومعارف. رَجِيمٍ مرجوم اسْتَرَقَ السَّمْعَ تسمعه بخفة وحذر فَأَتْبَعَهُ أى تبعه: أدركه شِهابٌ مُبِينٌ المراد به الكواكب أو النار المشتعلة التي نراها في السماء، انظر إلى قوله: «شهاب قبس» مَدَدْناها بسطناها وفرشناها ومهدناها رَواسِيَ المراد الجبال، مَوْزُونٍ مقدر بميزان الحكمة والعلم الصائب خَزائِنُهُ جمع خزانة وهي ما تحفظ فيه الأشياء لَواقِحَ أى: حوامل للسحاب والتراب واللقاح للشجر انظر إلى قوله: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا أى: حملت، وقولهم: ناقة لا قح أى: حامل.
المناسبة:
ما تقدم كان في شأن الكفار وأحوالهم، وما قالوه وتمنوه بعد ظهور الحقائق وعجز الآلهة: وهنا بيان لقدرة الله الباهرة وخلقه البديع المحكم، ونعمه التي لا تحصى ليكون دليلا على وحدانيته، وأنه وحده المعبود بحق.
المعنى:
تالله لقد جعلنا في السماء بروجا وسيرنا فيها منازل الشمس والقمر والنجوم، وزيناها للناظرين المفكرين، والباحثين المعتبرين، إن ذلك لآيات لقوم يتفكرون تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [سورة الفرقان آية ٦١] .
روى عن ابن عباس قال: ولقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء فكانوا يدخلونها ويتسمعون من سكانها الأخبار، ويلقون أخبارها على الكهنة فيزيدون عليها ويحدثون بها أهل الأرض، كلمة حق واحدة وتسع باطلة. فإذا رأى الناس شيئا مما قالوه حقّا صدقوهم في كل ما جاءوا به. فلما ولد عيسى ابن مريم منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمى بشهاب.
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [سورة الصافات ٦- ١٠]
стр. 1196
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [سورة الجن الآيتان ٨ و ٩] .
وهذا يبين لنا معنى قوله تعالى هنا: (وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) : على معنى حفظنا السماء من الشياطين بمنعهم من الصعود إليها إلا من استرق السمع فحفظناها منهم بأن أعددنا لهم شهابا رصدا ليصيبه، وقيل المعنى: وحفظناها من كل شيطان رجيم ولكن من استرق السمع أعددنا له وهيأنا له شهابا رصدا، وهم يسترقون غير الوحى من الأخبار أما الوحى فهم ممنوعون منه دائما لقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ. ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ. وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وإذا استرق الشيطان وتسمع شيئا ليس بوحي قيل: إنه يقذفه بسرعة إلى الكهنة بواسطة أعوانه ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تصيبهم بسوء فقط وهذا رأى بعيد، والصحيح أن الشهاب يقتلهم قبل إلقائهم الخبر فلا تصل أخبار السماء إلى الأرض أبدا إلا عن طريق الأنبياء والوحى، ولذلك انقطعت الكهانة ببعثة النبي ﷺ : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وهذا هو الرأى الذي أميل إليه.
هذه نظرة إلى السماء وما فيها بالإجمال، ثم بعد ذلك تعرض القرآن إلى الأرض التي تقلهم: فقال: والأرض مددناها وفرشناها، وجعلناها ممهدة صالحة للسكنى والمعيشة عليها، وألقى الله فيها رواسى من الجبال شامخات حتى لا تميد بكم ولا تضطرب، وهي دائرة في مدارها حول الشمس وحول نفسها وليس في الآية دليل على أن الأرض ليست كروية بل هو الدليل القوى على كمال قدرة الله وتمام عظمته إذ كل منا يراها منبسطة رغم تكويرها، ثابتة رغم تحركها.
يا سبحان الله، لقد ثبت بما لا يقبل الشك أن الأرض كروية ومع هذا فالذي في القطب الشمالي وأخوه الذي في القطب الجنوبي كل منهما يرى أرضه منبسطة ممهدة وهي تقله وله سماء تظلله والماء حوله ساكن ثابت فسبحانه وتعالى قادر حكيم!!! والأرض فرشناها فنعم الماهدون، وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها كل شيء من النبات موزون بميزان الحكمة والتقدير، ليس في الأرض على سعتها نبات ليس له وزن وفائدة، بل كل شيء لحكمة ومصلحة قد تخفى على الكثير منا، والطب الحديث يكشف لنا
стр. 1197
كل يوم أسرارا من النبات والأعشاب، وقد جعل الله لنا فيها معايش ورزقا وجعل فيها لمن لستم له برازقين من حيوان وخدم وأولاد فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
وما من شيء في هذا الكون إلا ونحن قادرون على إيجاده والإنعام به، وما نعطيه إلا بقدر حسب الحكمة والعلم الشامل فذكر الخزائن من باب التمثيل لا الحقيقة، والله أعلم.
وأرسلنا الرياح لواقح أى: حوامل، نعم الريح تحمل السحب والسفن وتذرو التراب وتحمله حتى تكاد تنقل الجبال من مكانها، وتلقح النبات والأشجار، وتلقيح الشجر أمر أظهره العلم الحديث فقد اكتشف لنا أن كل زهرة أو ثمرة فيها ذكر وأنثى وتحتاج إلى اللقاح، ويحمل لقاحها الريح وبعض الحيوانات، فأنزلنا من السماء بواسطة الرياح ماء لكم منه شراب فأسقيناكموه، ولستم له بخازنين، وهل يمكننا حجز مياه النيل كلها وقت الفيضان؟!! أو حجز مياه الأمطار؟
ثم تعرض القرآن لذكر شيء له الأثر العميق في نفوسنا وهي قصة الموت والحياة فالمولى القدير يحيى وحده ويميت وحده كل المخلوقات كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» وتالله لقد علمنا المستقدمين منكم في الحياة والموت والعمل وكل شيء، وتالله لقد علمنا المستأخرين في الحياة والموت والعمل، وكل شيء عند ربك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وأن ربك هو يحشرهم ويحاسبهم إنه هو الحكيم في كل شيء العليم بكل شيء- ..
قصة آدم وتكوينه، وعلاقته بالملائكة والجن [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٦ الى ٤٤]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
стр. 1198
المفردات:
صَلْصالٍ طين يابس يصوت إذا نقرته كما يصوت الحديد مِنْ حَمَإٍ الحمأ الطين الأسود مَسْنُونٍ متغير مأخوذ من قولهم أسن الماء إذا تغير قال القرطبي:
كان أول الأمر ترابا أى: متفرق الأجزاء، ثم بلّ فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا، أى: متغير الرائحة، ثم يبس فصار صلصالا، وقوله- تعالى- من
стр. 1199
حمأ مفسر لجنس الصلصال كقولك: أخذت هذا من رجل من العرب وَالْجَانَّ هو إبليس وسمى بذلك لتواريه عن الأعين السَّمُومِ النار لا دخان لها وقيل السموم الريح الحارة التي تقتل سميت بذلك لتأثيرها على مسام الجسم فَأَنْظِرْنِي أمهلنى بِما أَغْوَيْتَنِي الغواية ضد الرشد لَأُزَيِّنَنَّ لأحسنن لهم المعاصي الْمُخْلَصِينَ الذين استخلصهم الله. وقرئ المخلصين على معنى الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أورياء.
وهذا مظهر- أيضا- من مظاهر قدرة الله وعظمته وفيه بيان فضل الله على آدم وبنيه، وتكريمه حيث أمر الملائكة بالسجود له، مع بيان أثر مخالفة الله والتحذير من الشيطان وو وسوسته.
المعنى:
ولقد خلق الإنسان الأول أعنى آدم أبا البشر من طين جاف أصله طين أسود منتن متغير الرائحة.
وإن الإنسان منا ليقف أمام أسرار كلام الله ودقائقه مبهوتا متحيرا، وصدق الله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء آية ٨٨] .
نعم خلقنا الله من طين جاف له صوت إذا نقر، أصله طين أسود منتن متغير وفي هذا إشارة إلى ما فينا من طبع وما نحن عليه من خلق وغريزة!
وفي الحديث «إنّ الله- خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأسود وبين ذلك، والسّهل والحزن والطّيّب والخبيث» .
وإذا عرفنا أننا خلقنا من طين أسود منتن الرائحة (حمأ مّسنون) عرفنا السرفى في وقوعنا في الآثام، وارتماء أكثر الناس في أحضان الرذيلة ولو بحثنا لوجدنا لنا رائحة تزكم الأنوف، وتصد النفوس.
стр. 1200
ولعلك تقول وما سواد هذا الطين؟ إنه إشارة إلى ظلام النفس وكدرتها، وسلوكها الطريق الملتوى غير الواضح (الله ولىّ الّذين آمنوا يخرجهم من الظّلمات إلى النّور) أى: بسبب الكتب السماوية.
وأما الصلصال وما أدراك ما هو؟ إنه الإناء المتخذ من الطين الجاف الذي لم تنضجه النيران فإذا ضربته سمع له صوت أترى هذا الإناء قويا؟ أرأيته وهو أجوف فارغ ضعيف غير متماسك وهكذا الإنسان أمام مغريات الدنيا وثورة الغرائز.
وأما الجان قد خلقه الله من نار السموم.
الجن خلق من خلق الله منهم الصالحون والطالحون وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً [سورة الجن آية ١١] وهم مكلفون مثلنا، ويتكاثرون، ويروننا ولا نراهم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [سورة الأعراف آية ٢٧] . ومنهم من سبقت له الحسنى فهو مؤمن بربه، ومنهم من غلبت عليه الشقوة فكان من العصاة المذنبين كإبليس وقرينه وهم الشياطين.
ولقد ذكر الله أن الجن خلقوا من نار السموم، أما حقيقة النار هذه فشيء الله أعلم به، ولكن في هذا إشارة إلى بعض طبائع الجن. فالنار تعلو وتتعالى، وقد تؤذى غالبا، وفيها معنى العجلة والسرعة وقوة الغضب.
ونحن نرى أن إبليس تكبر وعصى، وتعجل في الحكم وغضب حينما أمر بالسجود لآدم.
إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته وأتممت خلقه، ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
ومن هنا يعلم أن الإنسان مكون من مادة أصلها الطين الأسود المنتن، ومن روح هي من روح الله، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء ٨٥] .
نعم.. الروح سر من أسرار الله لا يعلم كنهها إلا خالقها، ولكنها قوة في الإنسان لها الأثر الفعال في سلوك الإنسان واتجاهه في الحياة. هي مصدر الخير والهدى والتقوى والفلاح وكل صفة حسنة من صدق وإيمان وإيثار وتعاون وتساند وأخوة في الله، روح
стр. 1201
المؤمن هي مصدر فضائل الحق والخير والنور والهدى، بل هي الحياة التي يعنيها القرآن الكريم، أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [سورة الأنعام آية ١٢٢] .
هذا البشر المكون من مادة وروح هو الذي أراد له أن يكون خليفته في الأرض هو الذي يصلح لعمارتها، فهو من الأرض وقد عادلها، وفيه نوازع الشر، ونوازع الخير، وعليهما تسير الحياة ويعمر الكون وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «١» أما من خلق من نور خالص فليس فيه هذا الاستعداد والله أعلم بخلقة ولذا رد الله الملائكة بقوله:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة آية ٣٠] .
هذا الإنسان المخلوق من طين وروح أمر الله ملائكته بالسجود له. سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وتقديس، وله- سبحانه- أن يفضل من يشاء على من يشاء إذ بيده الأمر كله.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. وما منعك يا إبليس من السجود وقد أمرك ربك وخالقك؟! إنما منعه من السجود استكباره، وتعاليه وسرعة انفعاله وغضبه.. ألم يخلق من نار فيها خصائص التعالي والارتفاع والسرعة والانفعال؟! قال الله: يا إبليس ما المانع لك في ألا تكون مع الساجدين قال إبليس المغرور المخدوع غير الموفق: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون!! ما كان ينبغي لي السجود لبشر أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، ومن إجابة إبليس يمكننا أن نتأكد من أبرز صفاته وهي الكبر والتعجل والغضب.
وقد أجابه الله على موقفه هذا، قائلا: فاخرج من السموات أو من الجنة أو من عداد الملائكة، فإنك مرجوم مطرود، وإن عليك اللعنة من الله إلى يوم الدين.
قال إبليس: رب فأمهلنى إلى يوم يبعثون. أراد بسؤاله هذا ألا يموت. فأجابه الله بقوله: فإنك من المنظرين المؤجلين إلى البعث ثم لا بد من موتك وحسابك كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [سورة الرحمن آية ٢٦] .
стр. 1202
قال إبليس: رب بسبب إغوائك لي وحكمك على باللعنة والطرد من رحمتك لأزينن لهم الأرض، يا سبحان الله!! إنه لسر عظيم، ذكر الأرض هنا، فإن إبليس لا يأتى لنا إلا من ناحية الأرض، والمادة التي ركبنا منها، وليس له تسلط على الروح فإنها من أمر الله وسلطانه فهو يأتى لنا من ناحية غريزة حب التملك والبقاء ألم يقل لأبينا آدم تزيينا له وإغواء هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى «١» ولقد ذكر الرسول سبب ضعف المسلمين وذهاب عزهم وتكاثر الأجانب عليهم «حبّ الدّنيا وكراهية الموت» ، وهذه أسس البلاء، ولأغوينهم أجمعين، والغي ضد الرشاد وخصمه فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «٢» .
وما يحسه كل منا من ناحية الشيطان ووسوسته يجعلنا ندرك سر قوله تعالى وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٣» الذين استخلصتهم وأخلصوا لك في العبادة فلا فساد ولا رياء، ولا يحبون أن يحمدهم الناس بل إلى الله وحده عملوا.
قال الله تعالى: هذا صراط على مستقيم، وقضاء قضيته على نفسي محتوم، إنك يا إبليس ليس لك سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانك على الذين لم يخلصوا الإيمان، ولم يعمر قلوبهم نور الروح ولم يتصل بهم سر الله اتصالا وثيقا إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «٤» .
فالناس صنفان خاضع لشهواته ونزواته وماديته وطبيعته وغرائزه وهم شعب إبليس المتسلط عليهم، وصنف مؤمن تقى روحه طيبة ونفسه كريمة واتصاله بالله قوى وهؤلاء ليس لإبليس عليهم سلطان وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «٥» .
وهذا هو الحكم العام: إن جهنم لموعد من اتبعك وسار خلفك، لها سبعة أبواب مفتحة ومهيأة لكل داخل، واسعة تسع العصاة والمذنبين، لكل باب منها جزء مقسوم وعدد معلوم.
стр. 1203
المتقون يوم القيامة [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
المفردات:
وَعُيُونٍ جمع عين قيل المراد: أنهار الجنة التي ذكرت في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى الآية ١٥ من سورة محمد وقيل هي عيون خاصة لكل فرد أو عامة ينتفع بها الكل غِلٍّ الغل: الحقد والحسد الدفين نَصَبٌ تعب ومشقة.
هذا الكلام على الصنف الثاني وهم الذين لا سلطان لإبليس عليهم وهم المتقون.
المعنى:
إن المتقين الذين اتقوا الله وامتثلوا أمره، وتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن في جنات وبساتين، أكلها دائم وظلها، وتلك عقبى المتقين، ولهم عيون ماء وخمر ولبن وعسل مصفى، عيون خاصة بهم أو عامة ولا نزاع عليها ولا عراك، لأن الله نزع منهم الغل والحسد والحقد الدفين.
стр. 1204
ويقال لهم، ادخلوها بسلام آمنين ادخلوها سالمين آمنين لا خوف عليكم، ولا أنتم تحزنون، ونزعنا ما استقر في صدورهم من غل وحقد وحسد التي هي من طبع الإنسان المادي في الدنيا حالة كونهم إخوانا متحابين متصادقين متساندين وهذه هي معاني الأخوة في الله، والتحاب في الله، حالة كونهم على سرر متقابلين لا ينظر الواحد منهم إلا لوجه أخيه، ولا ينظر إلى ظهره، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يكون هناك غيبة ولا نميمة، ولا تزاحم، ولا تنازع لأن خصائص المادة قد ذهبت بالموت في الدنيا.
وهم لا يمسهم فيها نصب ولا مشقة. لا تعب ولا ألم
وفي الصحيحين «إنّ الله أمرنى أن أبشر خديجة ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب»
وما هم من الجنة بمخرجين وفي الحديث: يقال. يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [سورة الكهف آية ١٠٨] .
وهذا تقرير لما ذكر من أهل الجنة والنار،
وفي الحديث «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّته أحد. ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرّحمة ما قنط من رحمته أحد» .
نبىء عبادي أنى أنا الغفور الرحيم أغفر لمن تاب وأناب، وعمل عملا صالحا وأن عذابي هو العذاب الأليم الشديد الموجع لمن كفر أو عصى ولم يتب ولم يرجع عن غيه وسوء صنعه.
قصة ضيف إبراهيم مع لوط وقومه [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٧٧]
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
стр. 1205
المفردات:
ضَيْفِ إِبْراهِيمَ هم الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط وَجِلُونَ فزعون خائفون الْقانِطِينَ القانطون الآيسون من الولد في الكبر الضَّالُّونَ البعيدون عن طريق الحق فَما خَطْبُكُمْ ما شأنكم وحالكم؟ والخطب الأمر الخطير لَمُنَجُّوهُمْ لمخلصوهم مما هم فيه قَدَّرْنا قضينا الْغابِرِينَ الباقين في العذاب مُنْكَرُونَ أى: لا أعرفكم يَمْتَرُونَ يشكون أنه نازل بهم وهو العذاب فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ تقدم تفسيره في سورة هود- لا قصة لوط وَقَضَيْنا إِلَيْهِ أوحينا إلى لوط دابِرَ هؤُلاءِ أى: آخرهم وسيستأصلون- عن آخرهم فلا يبقى منهم أحد مُصْبِحِينَ عند طلوع الصبح وَلا تُخْزُونِ هو من الخزي والذل والهوان وقيل هو الخزاية أى الحياء والخجل لَعَمْرُكَ قسم من الله بحياة النبي ﷺ . وأصله بضم العين، وفتحت لكثرة الاستعمال الصَّيْحَةُ المراد الصوت القاصف عند الشروق مع رفع بلادهم إلى عنان السماء ثم قلبها وجعل عاليها سافلها سِجِّيلٍ أى من طين لِلْمُتَوَسِّمِينَ المتفكرين الناظرين المعتبرين لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ على طريق قومك يا محمد إلى الشام.
وفي هذا القصص بيان عملي لعذاب الله الأليم الذي يحل بالعصاة والمذنبين، ولرحمته الواسعة التي تشمل الطائعين، وقد أمر رسول الله بإخبار المشركين بذلك علهم يعتبرون بما حل بقوم لوط من عذاب، وإن عذابهم هو العذاب الأليم، وبما حل بلوط ومن تبعه من الرحمة وأنه هو الغفور الرحيم.
المعنى:
ونبئهم يا محمد أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم، ونبئهم وأخبرهم عن ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما.. قال إبراهيم:
إنا منكم وجلون وخائفون، قال لهم ذلك بعد أن رد عليهم بأحسن منها، وقدم لهم عجلا سمينا مشويا، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم، وتوجس منهم خيفة.
قالوا: يا إبراهيم، لا تخف، إنا رسل ربك نبشرك بغلام عليم، قال: أبشرتمونى
стр. 1206
على أن مسنى الكبر؟ فبم تبشروني؟ قالوا: يا إبراهيم، بشرناك بالحق الثابت إذ هو وعد الله الذي لا يتخلف. فلا تكن من القانطين اليائسين فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا غرابة في ذلك فالله الذي أوجد ولدا من غير أب وأم قادر على إيجاده من أبوين عجوزين!! قال إبراهيم: ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون المكذبون البعيدون عن طريق الحق والصواب.
ولما علموا أنهم ملائكة وليسوا بشرا حيث أخبروه بأمر خارق للعادة وهو بشراهم بالولد قال لهم: ما خطبكم أيها المرسلون! قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ضالين مشركين، قوم يأتون في ناديهم المنكر، ويأتون الرجال شهوة من دون النساء!! إنا أرسلنا إلى قوم لوط.
أرسلنا إلى هؤلاء لنهلكهم بالعذاب إلا آل لوط وأتباعه وأهل دينه، إنا لمنجوهم أجمعين، ومخلصوهم من ذلك العذاب إلا امرأة لوط كانت من الغابرين قد قضى الله عليها أن تكون من المهلكين، لأنها كانت تفعل فعلهم، وتعينهم على قصدهم.
فلما جاء آل لوط المرسلون، وهم الملائكة ضيف إبراهيم جاءوهم في بلدهم (سدوم) قال لوط: إنكم أيها القادمون قوم منكرون لا أعرفكم وقيل: أنكر حالتهم وخاف عليهم من قومه لما رآهم شبانا مردا حسان الوجوه، قالوا: يا لوط، بل جئناك بعذاب قومك وهلاكهم، وقد كانوا يشكون في مجيئه، ولا يصدقونك في خبرك، ونحن قد آتيناك بالحق والأمر الصدق فإنا رسل الحق- وإنا لصادقون في كل ما ادعيناه.
ثم جاءت مرحلة التنفيذ فقالوا له: أسر مع أهلك المؤمنين ببقية من الليل أى:
أسر بطائفة من الليل تكفى لتجاوز حدود القرية والبعد عنها واتبع أدبارهم، وكن من ورائهم لئلا يتخلف منهم أحد. ولا تشغل قلبك بأحد من الكفار المتخلفين منهم، بل كن ذاكرا لله شاكرا له أن نجاك وأهلك من العذاب، ولا يلتفت منكم أحد لئلا تروا العذاب وهو نازل بهم فترق قلوبكم لهم ولكن جدوا في المسير وأسرعوا في الهجرة غير ملتفتين إلى من وراءكم، وامضوا حيث تؤمرون.
وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين: وأوحينا إليه ذلك
стр. 1207
الأمر ثم فسر بعد الإبهام بقوله: إن دابرهم وآخرهم مقطوع ويستأصل، أى: أنه لا يبقى منهم أحد أبدا وسينزل عليهم العذاب وهم داخلون في الصباح.
وفي هذه السورة ذكر عذابهم وهلاكهم قبل فعلهم، (والواو لا تقتضي ترتيبا) وجاء أهل المدينة (سادوم) يستبشرون بالأضياف طامعين فيهم، مؤملين أن يفعلوا معهم الفاحشة.
ولما رأى لوط ذلك فيهم قال لهم: إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون، واتقوا الله، ولا تحزون. أليس فيكم رجل رشيد يدافع عن الفضيلة!! قالوا: يا لوط أو لم ننهك عن أن تضيف أحدا من العالمين، لأنا لا يمكننا أن نمنع أنفسنا عن ارتكاب الفاحشة معهم، وقيل المعنى: أو لم ننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس قصدناه بالفاحشة.
قال: يا قوم هؤلاء بناتي تزوجوهن فهن أطهر لكم، إن كنتم فاعلين.
أقسم الله- بعمر النبي محمد ﷺ وبحياته أن هؤلاء لفي سكرتهم وضلالهم يعمهون ويتيهون، وما علموا أن العذاب ينتظرهم وأنهم في طريق الفناء والهلاك فاعتبروا يا أهل مكة.
عقب هذا مباشرة أخذتهم الصيحة، وحلت بهم الصاخة، وقت شروق الشمس إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فجعلنا عالى ديارهم سافلها، وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين المفكرين الناظرين بعين الاعتبار وأن ديارهم بطريق قومك إلى الشام فهم يرونها. فهل من مدكر؟! إن في ذلك لآية للمؤمنين الصادقين!!
أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٨٦]
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)
стр. 1208
المفردات:
أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم قوم شعيب، والأيكة: الغيضة والشجر الملتف لَبِإِمامٍ مُبِينٍ بطريق واضح أَصْحابُ الْحِجْرِ الحجر ديار ثمود فَاصْفَحِ اعف عنهم وتجاوز عن مسيئهم، والصفح الإعراض.
المعنى:
ولقد كان أهل مدين أصحاب أيكة وغيضة ظالمين بشركهم، وقطعهم الطريق ونقصهم الكيل والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة، وعذاب يوم الظلمة وقد كانوا قريبا من قوم لوط في المكان ولذا قال الله: وإنهما لبطريق واضح يسلكه الناس لم يندرس بعد، والناس تبصر تلك الآثار الشاهدة عليهم، وهذا تنبيه لقريش وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
«١» ولقد كذب أصحاب الحجر وهم قبيلة ثمود المرسلين إذ كذبوا نبيهم صالحا. ومن كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل لأنهم متفقون في الأصول، وآتيناهم آياتنا الدالة على صدق رسولنا صالحا وهي الناقة التي أخرجها الله من صخرة صماء وكانت تسرح في بلادهم، ولها شرب ولهم شرب فهي ضخمة، ولبنها كثير كان يكفى القبيلة، وكانت لهم بيوت نحتوها في الجبل، وأصبحوا فيها آمنين من العدو، ومن سقوطها عليهم. فلما عتوا وبغوا، واعتدوا على الناقة أخذتهم الصيحة في وقت الصبح فما أغنى عنهم ما كانوا يكتسبون من أموال وديار.
стр. 1209
وهذه سنة الله في الخلق، وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق والعدل ليجزي الله الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى، وإن الساعة لآتية لا ريب فيها، فاصفح يا محمد وأعرض عمن أساء إليك، واصفح الصفح الجميل، وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا تعجب من هذا. إن ربك هو الخلاق العليم الذي يعلم المصلحة والعلاج الناجح للكل لأنه خلق الكل أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [سورة الملك آية ١٤] إذا لا غرابة أن يأمر النبي ﷺ وهو بمكة بالعفو والصفح ثم يأمره وهو بالمدينة بالقتال والجهاد والغلظة في الحرب..
توجيهات إلهيّة إلى الحبيب المصطفى ﷺ [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٧ الى ٩٩]
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
стр. 1210
المفردات:
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ لا تطمع ببصرك إلى ما عند غيرك من حطام الدنيا أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافا منهم وَاخْفِضْ جَناحَكَ المراد ألن جانبك وتواضع لهم، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه إذا غطاه به وضمه إليه الْمُقْتَسِمِينَ جماعة من قريش اقتسموا الطريق ليصدوا عن سبيل الله، وقيل: اقتسموا للقرآن فقال بعضهم هو سحر، وبعضهم. هو شعر، وبعضهم هو كهانة، وقيل هم أهل الكتاب عِضِينَ جمع عضة والمراد فرقوه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل فرقوا أقوالهم فيه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ المراد بلغ الرسالة للجميع، وأظهر دينك ولا تخش أحدا، وأصل الصدع الشق ومنه تصدع البناء وتصدع القوم تفرقوا يَضِيقُ صَدْرُكَ المراد تتألم وتتحرج الْيَقِينُ الموت لأنه متيقن الوقوع.
هكذا السور المكية المبدوءة بأحرف هجائية تبدأ غالبا بالكلام على القرآن الكريم والنبي ﷺ ، وتختتم بالحديث عنهما ألا ترى إلى سورة هود ويوسف وإبراهيم وها هي ذي سورة الحجر.
المعنى:
وتالله لقد آتيناك يا أيها الرسول سبع آيات هي المثاني، والقرآن العظيم، ولقد اختلف العلماء في
المراد بالسبع المثاني فقال البعض: هي الفاتحة وقد روى الشيخان ذلك التفسير عن النبي ﷺ .
والفاتحة تثنى في كل صلاة بقراءتها في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأن فيها الثناء على الله- ، وقال البعض السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة. وآل عمران. والنساء. والمائدة. والأنعام. والأعراف. والأنفال.
والتوبة: بناء على أنهما سورة واحدة، وسميت مثاني لأن القصص والأحكام والحدود ثنيت فيها وكررت، وقيل المراد بالسبع المثاني جميع القرآن. ويكون عطف والقرآن العظيم من باب الترادف أو عطف الصفات والموصوف واحد اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر ٢٣] .
стр. 1211
ولقد آتيناك وأنزلنا عليك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، وهذا شرف كبير. وفضل عظيم، وجاه عريض، ومن يعطى هذا لا يطمح ببصره طموح راغب إلى ما متعنا به أزواجا من الكفار وأصنافا منهم، وكيف يطمع في عرض زائل، وحطام فان وقد أعطى القرآن العظيم؟! روى عن أبى بكر- رضى الله عنه-. من أوتى القرآن فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى فقد صغر عظيما، وعظم صغيرا،
وروى عن النبي ﷺ «ليس منّا من لّم يتغنّ بالقرآن»
أى: يستغنى به.
وهذا توجيه سام وأدب عال من الله- سبحانه- لعباده المؤمنين، وتربية لنفوسهم بعيدة الأثر، فليس أضر على الإنسان من طموحه إلى من هو فوقه في الدنيا وعرضها بل انظر إلى من دونك تسترح فإذا أعطيت مع هذا القرآن فكفى به شرفا، وليست الآية تدعو إلى عدم العمل. كلا فليس في ديننا رهبانية ولا كسل بل هو دين العمل والقصد الحسن، وفي الآية إشارة إلى ما في القرآن من الخير والفلاح، وأنه لا يغرنا تقلب الذين كفروا في البلاد بل هو متاع قليل ومأواهم جهنم وبئس المصير.
ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا، ويقول القرطبي: ولا تحزن على ما تمتعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضل منه.
واخفض جناحك للمؤمنين، نعم وألن جانبك لهم، وتواضع معهم، فلو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر يا سبحان الله هذه تعاليم إلهية تلقى للنبي ﷺ الذي شهد له القرآن بأنه على خلق عظيم ليعمل بها كل رئيس أراد أن تلتف حوله قلوب جماعته، فلينظر حكامنا وقادتنا إلى تعاليم القرآن.
وقل لهم: إنى أنا النذير المبين فقط، فليس لي من الأمر شيء وإنما علىّ البلاغ والتبشير والإنذار، وعلى الله كل شيء بعد هذا.
ولقد آتيناك ونزلنا عليك القرآن مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، نعم أهل الكتاب اقتسموا القرآن فجعلوا بعضه حقا لأنه موافق لهواهم، وبعضه باطلا لأنه مخالف لهواهم! وقال بعضهم هذه السورة لي، وقال الآخر وهذه السورة لي، ترى أنهم اقتسموا القرآن وجعلوه فرقا، ويجوز أن يراد بالقرآن
стр. 1212
كتبهم التي يقرءونها، وقد آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويكون هذا من باب التسلية للنبي ﷺ حيث قال قومه إنه سحر، أو شعر، أو كهانة.
وبعضهم يقول: المقتسمون هم القرشيون الذين اقتسموا الطريق ووقف كل منهم على باب يحذر الناس من اتباع النبي ويقولون عن القرآن إنه سحر وصاحبه ساحر، وهو كذب، وصاحبه كذاب، وهو شعر وصاحبه شاعر، ولعل المعنى إنى أنا النذير المبين إنذارا بعذاب ينزل بكم كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن فرقا وأنواعا.
فاقسم بربك لنسألنهم جميعا يوم لا ينفع مال ولا بنون، عما كانوا يعملون وسنجازيهم عليه الجزاء الوافي حتى يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا.
وإذا كان الأمر كذلك، وقد نفذ النبي ﷺ كل هذه التوجيهات وعمل بها فاصدع أيها النبي بما تؤمر.
أمر رسول الله ﷺ بتبليغ الرسالة للجميع، والجهر بها فقد مضت مرحلة الإسرار في الدعوة.
فاصدع بالذي تؤمر به وفرق به جمعهم، واجهر بدعوتك فسينشق بها حائطهم وسيصدع جدارهم، وأعرض عن المشركين، ولا تبال بهم فالله عاصمك منهم، ومؤيدك بروح من عنده، وكافيك شر المستهزئين بك المجاهرين لك في العداوة والبغضاء، وقد صدق الله وعده ونصر عبده، ونال كل من زعماء الشرك وقادة الباطل حتفهم على أسوأ صورة في غزوة بدر وما بعدها.
هؤلاء المستهزئون بك يستحقون أكثر من ذلك فهم الذين يجعلون مع الله إلها آخر، ويشركون به من لا يملك ضرا ولا نفعا فسوف يعلمون عاقبة عملهم ونتيجة شركهم.
ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، وتتحرج نفسك بما يعملون ولكن الدواء الناجح الذي به تطمئن القلوب وتهدأ النفوس، حتى تستعذب في سبيل الله كل عذاب، وتعده من أكبر النعم وتمام التطهير لها.
هذا الدواء هو التسبيح والتقديس والركوع والسجود، والإكثار من العبادة والاتصال بالله إذ هذه مطهرات للنفس مقويات للروح ومتى قويت الروح ضعفت النفس المادية التي تشعر بالألم والتعب والنصب إذا عملت في سبيل الله.
стр. 1213
وهذا علاج نفيس يجب أن يتحلى به كل داعية إلى الله، وعامل في سبيل الله.
ولقد صدق رسول الله ﷺ حينما عالج ألم ابنته وتعبها من الرحى بعلاج التسبيح والتحميد والتكبير.
واعبد ربك أيها الرسول حتى يأتيك الأمر اليقين، وتلقى ربك، وإذا كان هذا هو توجيه الله للنبي ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فأين نحن؟! أين نحن؟! اللهم وفقنا واهدنا إلى سواء السبيل.
стр. 1214
سورة النحل
وتسمى سورة النعم لما عدد الله فيها من النعم، وهي مكية على الصحيح، ويدور الكلام فيها حول ذكر النعم وبيان مظاهر القدرة، ونقاش المشركين في عقائدهم مع التعرض ليوم القيامة وما فيه، وقد ذكر في آخر السورة السابقة المستهزئين المكذبين وذكر الموت، وقال: لنسألنهم أجمعين، كل ذلك يتناسب مع أول السورة هنا، وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية.
من دلائل وحدانية الله [سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
стр. 1215
المفردات:
أَنْ أَنْذِرُوا الإنذار التحذير مما يخاف منه دِفْءٌ الشيء الذي يدفئك جَمالٌ المراد هنا جمال الصورة وتركيب الخلقة تُرِيحُونَ الرواح رجوعها بالعشي من المرعى تَسْرَحُونَ السراح ذهابها بالغداة إلى المرعى أَثْقالَكُمْ أحمالكم بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بمشقتها وغاية جهدها جائِرٌ أى: مائل إلى الحق وزائغ الْأَنْعامَ الإبل والبقر والغنم وهي الثمانية المذكورة في سورة الأنعام.
المعنى:
يقول الله- : أتى أمر الله، وتحقق مجيئه إذ خبر الله في الماضي والمستقبل سواء لأنه خبر الحق الآتي ولا شك فيه، وأمر الله هنا عقابه وعذابه لمن أقام على الشرك وتكذيب الرسول، وقد كان كفار مكة يستعجلون العذاب الذي وعدهم به رسول الله حتى قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء.. وقيل أمر الله الآتي: هو قيام الساعة وما يتبعه من إحياء الموتى.
أتى أمر الله فلا تستعجلوه. سبحانه وتعالى عما يشركون أى: تنزيها له وتقديسا عما تشركون، فالله- سبحانه- هو الواحد الأحد. تبرأ من أن يكون له شريك أو ولد وتعالى جنابه عن الشركاء.
ولقد كان استعجال العذاب وقيام القيامة منهم تكذيبا للنبي واستهزاء بوعده، وذلك
стр. 1216
لون من الشرك وضرب من الكفر، ولهذا قرن النهى عن الاستعجال بإثبات التنزيه له عن الشرك والتعالي عن الشركاء!! ينزل الملائكة بالروح من أمره والروح هو الوحى الذي يحيى القلوب كما تحيى الروح موات الأبدان، فالإنسان بلا روح جزء من طين أسود منتن، وهو- بلا وحى يهديه- ميت لا حياة فيه أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها فالروح الذي ينزل من أمره- سبحانه- هو الحياة والنور والهدى والقرآن ينزله على من يشاء من عباده، فالله أعلم حيث يجعل رسالته.
وينزل الملائكة بالروح من عنده أن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا أنا فاتقون وبأن خافوا عقابي، وارجوا ثوابي.
وفي هذه الآية يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ توكيد لسابقتها وتفصيل لإجمالها ولذا فصل بينهما، ومن دلائل التوحيد ومظاهر القدرة أيضا.. خلق السموات وما فيها والأرضين وما فيها فقد خلق العالم العلوي، والعالم السفلى خلقهما بالحق الذي لا شك فيه لم يخلقهما عبثا، ولكن ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى، تعالى سبحانه وتسامى عما يشركون، إذ هو الذي خلق وحده فهو الذي يعبد وحده.
وأما أنت أيها الإنسان فمخلوق ضعيف مهين حقير، خلقت من نطفة مذرة ونهايتك جيفة قذرة خلقت من ماء مهين، وآخرك عظم رميم. فإذا أنت خصيم مبين؟؟
تخاصم ربك وتجادل رسله وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وقد أتى أبى بن خلف الجمحي لرسول الله ﷺ بعظم رميم (بال متفتت) وقال: يا محمد أترى أن الله يحيى هذا بعد ما قد رم؟! ما أجهلك يا ابن آدم.
لما ذكر الإنسان وأصله ذكر ما منّ به عليه من نعم لا تحصى فذكر أنه خلق الأنعام، خلقها لكم يا بنى آدم فيها دفء من صوف ووبر، وجلد وشعر وبلحمها وشحمها تتولد الحرارة الكافية لنشاط الجسم، وفيها منافع، نعم في الأنعام منافع جمة
стр. 1217
فهي عنصر للغذاء، وآلة للعمل، وناحية مهمة في الاقتصاد، ومركب ذلول في السفر، ومنها تأكلون لبنها وسمنها ولحمها وشحمها، ولبنها غذاء جيد نافع.
ولكم فيها جمال وزينة، وفرح ومسرة في رواحها بالعشي حيث تكون أبهى منظرا وأعلى أسنمة وأكثر لبنا، تملأ البيت ثغاء ورغاء والعين جمالا والنفس سرورا، ولذا قدم الرواح على السرور، وهي تحمل أحمالكم الثقيلة إلى بلد لم تكونوا بالغيه وحدكم إلا بالمشقة والتعب فالجمل سفينة الصحراء، ومركب الأعراب، ولقد أعده العليم الخبير للسير فيها أرأيت خفه الذي لا يغوص في الرمال وصبره على الجوع والعطش الأيام الطوال، إن ربكم لرءوف بكم رحيم. وخلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها وتنتقلوا بها من مكان إلى آخر فتتخذونها للركوب والزينة، ومهما تعددت السيارات والدراجات فلا يزال للإبل والبغال والحمير مكانتها عند أصحابها وأربابها، ويخلق الله- سبحانه- غير ذلك مما لا تعلمون. أليس في هذا دليل على إعجاز القرآن الكريم؟ وأن خالقه يعلم بما كان وما سيكون فهذه العبارة جمعت الدراجة والسيارة والطيارة والسفينة وغير ذلك من المخترعات التي جدت وستجد وسبحان العليم البصير القوى القادر سبحانه وتعالى عما يشركون!.
ويستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على عدم جواز لحوم الخيل والبغال والحمير لأنها خلقت للركوب والزينة بخلاف الأنعام.
يقولون من تداعى المعاني كلام الله- سبحانه- هنا على السبيل بخصوصه وإن كان ذلك من نعمه علينا بل هي نعمة من أجل النعم أن الله يهدينا إلى سواء السبيل.
وعلى الله وحده هدايتنا بواسطة رسله وكتبه إلى السبيل القصد والطريق الحق المستقيم إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ومن السبيل طريق جائر عن العدل والحق فلا تتبعوه. طريق الشيطان والنفس والهوى فلا تسلكوه.
ولو شاء ربكم لهداكم أجمعين على طريق الإلجاء والقسر، ولكنه بيّن وترك لك الاختيار ليجازيك عن عملك واختيارك وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [سورة يونس آية ٩٩] .
المفردات:
تُسِيمُونَ ترعون، والسائمة التي ترعى وَما ذَرَأَ لَكُمْ أى: وسخر ما خلق لكم، ومن ذرأ أخذت الذرية وهي تشمل الثقلين إلا أن العرب تركت همزها أَلْوانُهُ أشكاله ومناظره مَواخِرَ جواري فيه تذهب وتجيء مقبلة ومدبرة بالريح وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال رَواسِيَ جبالا ثابتة أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ خوف أن تضطرب يمينا وشمالا بكم من ماد يميد إذا تحرك ومال وَعَلاماتٍ هي معالم الطرق بالنهار.
المعنى:
لما ذكر الله- ما أنعم به علينا من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته علينا في المطر والنبات، وما يتبع ذلك من ذكر السماء ونجومها والبحار وسفنها.
هو الذي أنزل من السماء ماء عذبا فراتا لكم منه شراب تسيغونه ليس ملحا بل هو النمير الصافي إذ أصله بخار تكاثف في الجو ثم حمله الريح إلى حيث شاء ثم نزل مطرا شرب منه الحيوان ونبت بسببه شجر وزرع، فيه تسام الدواب وترعى مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
ينبت لكم ربكم به الزرع بجميع أصنافه وأشكاله، وينبت لكم به الزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات الأخرى التي لم يعرفها العرب المخاطبون بهذا الكلام أولا، إن في ذلك لآية ودلالة على وحدانية الله وقدرته لقوم يتفكرون، نعم إن في عملية المطر وخروجه من ماء البحر الملح ثم صعوده إلى السماء ونزوله منها حيث شاء ثم إنبات الزرع والشجر المختلف الأشكال والألوان بسببه مع أن الماء واحد والأرض واحدة، إن في ذلك كله لآيات ودلائل لقوم يتفكرون..
هو الذي سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان، الليل للسكون والهدوء والنوم والراحة، والنهار للحركة وكسب الرزق، وسخر الشمس والقمر كل في فلك يسبحون ذللها للنور والضياء، والحياة والدفء والحرارة ولتعلموا عدد السنين والحساب بمسير الشمس
стр. 1220
والقمر، والنجوم مسخرات بأمره لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، إن ذلك لآيات لقوم يستعملون عقولهم في فهم حقائق الكون الذي هم فيه.
هو الذي سخر لكم ما خلق في الأرض جميعا على اختلاف أشكاله وألوانه خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً «١» إن في ذلك لآية لقوم يتذكرون ويتدبرون، وهو الله- الذي سخر البحر وذلله وجعله خاضعا وهو صاحب قوة وبطش فجعلنا نحده بالجسور والقناطر، ونركبه، ونتخذه طريقا لنقل أنفسنا ومتاعنا إلى حيث نشاء، وجعل فيه- سبحانه- السمك ولحمه الطري والحلية من اللؤلؤ والمرجان، ومكننا من كل ذلك ونرى السفن الكبيرة الثقيلة محمولة على ظهر البحر وتشق الماء شقا، وتمخر عبابه وهي كالبلد المتنقل، سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا، ولتستخرجوا منه حلية تلبسونها، ولتبتغوا من فضله بالتجارة والرحلات والأسفار، وقد من الله علينا بذلك لننتفع ولعلنا نقوم بواجب الشكر علينا.
هو الذي ألقى في الأرض رواسى من الجبال الشامخات لئلا تميد بكم الأرض وتضطرب عند دورانها وتحركها، وجعل لكم فيها أنهارا كنهر النيل والفرات والمسيسبى وغيرها وجعلها سبلا وطرقا لربط أجزاء الأرض ولنقل التجارة والمصالح، وجعلها علامات وحدودا، وفي الأرض علامات أخرى وحدود من أنهار وجبال وآكام، وفي السماء نجوم نهتدي بها في الظلمات وسبحان الله عما يشركون.
هذا هو الخلاق المنعم فأين الشركاء؟! [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٧ الى ٢٣]
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)
стр. 1221
المعنى:
هذا خلق الله فأرونى. ماذا خلق الذين من دونه؟ أرونى ماذا خلقوا من الأرض؟
أم لهم شركاء في السماء؟!! عجبا لكم أيها المشركون. أفمن يخلق مما تقدم كمن لا يخلق؟ أعميتم فلا تذكرون وتتعظون؟
ما تقدم من أنواع الخلق بعض نعم الله علينا وهذا في الواقع قطرة من بحر، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أبدا. ولا تطيقوا حصرها، فكيف بأداء شكرها والقيام بحقها؟ ومع هذا فالله هو الغفور الرحيم بكم، فأنت مهما عملت لله فعملك لا يوازى نعمة واحدة من نعمه، ولعلك تدرك السر في ختم الآية بالمغفرة والرحمة.
الله خلق جميع الخلق ما نعلم وما لا نعلم، وهو صاحب النعم التي لا تحصى ولا تحصر، وهو الغفور الرحيم، والله يعلم ما تسرون وما تعلنون إذ هو عالم الغيب والشهادة اللطيف الخبير.
والذين تدعونهم من دون الله آلهة. وشركاء لله، لا يخلقون شيئا بل هم يخلقون، وهم أموات غير أحياء أى: هم أجساد ميتة. لا حياة فيها أصلا، فزيادة (غير أحياء) لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها، بل لا حياة لهذه أصلا فكيف يعبدونها وهم أفضل لأنهم أحياء، وهم أموات، إن هذا لعجيب!! وهؤلاء الأصنام لا تشعر في أى وقت يبعث عبدتهم من الكفار، وهذا ضرب من التهكم بهم عظيم إذ شعور الجماد بالأمور الظاهرة والمحسوسة مستحيل فكيف بالأمور الخفية التي لا يعلمها إلا الله؟!!
стр. 1222
إلهكم أيها الناس إله واحد لا إله إلا هو المعبود بحق إذ هو وحده الخالق المدبر لهذا الكون، وهو فاطر السموات والأرض فكيف يعبد غيره من المخلوقات بل من الأحجار والأوثان والجمادات؟!! وإذا كان هو الحق لا شك فيه، فما سبب هذا الشرك؟
الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها، ولا يؤمنون بالوحدانية، قلوبهم منكرة لا يؤثر فيها وعظ، لا ينفع معها تذكير، والحال أنهم مستكبرون عن الحق متعالون على الصواب، دائبون على الكفر والجحود، حقا إن ربك يعلم ما يسرون وما يعلنون، وهو مجازيهم على أفعالهم، إنه لا يحب المستكبرين أبدا، ألست معى أن سبب الكفر هو غلق القلوب وختمها بالخاتم حتى لا يدخلها نور؟ وهؤلاء لا يسمعون وإن كانت لهم آذان، ولا يبصرون وإن كانت لهم عين، ولا يفقهون وإن كان لهم قلب، وذلك أن روحهم خبيثة مظلمة بداء الكبر والتكبر، ولقد كان امتناع وليهم إبليس عن امتثال أمر ربه لسبب واحد هو التكبر قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص ٧٦] أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [الإسراء ٦١] ولقد صدق الله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [غافر ٥٦] .
المستكبرون وجزاؤهم [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
стр. 1223
المفردات:
أَساطِيرُ أباطيل وترهات القدماء أَوْزارَهُمْ ذنوبهم الْقَواعِدِ الأسس التي عليها البناء تُشَاقُّونَ تعادون أنبيائى بسببهم الْخِزْيَ الهوان والذل فَأَلْقَوُا السَّلَمَ المراد استسلموا وأقروا لله بالربوبية.
المعنى:
الذين لا يؤمنون بالآخرة، قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون، وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟: أى شيء أنزله ربكم؟ ومن هو السائل؟ هل هو الوافد عليهم أو هو واحد من المسلمين أو هو النضر بن الحارث؟ وقال هذا تهكما قالوا في الجواب عن السؤال: ما تدعون نزوله عليكم أيها المسلمون إن هو إلا أساطير الأولين وأباطيل المتقدمين.
قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم وذنوبهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة وليحملوا أوزار من يضلونهم ويتبعونهم في ذلك بغير علم، وهم العوام فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ألا ساء ما يحملون! وبئس شيئا يحملونه هذا.
стр. 1224
ولا غرابة في ذلك فها هي ذي حال من تقدمهم من الأمم يحكيها الحق- ﵎ بقوله: قد مكر الذين من قبلهم، وفعلوا المكايد لدين الله، واحتالوا بكافة الطرق أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ «١» هؤلاء الماكرون قديما قد أتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، وهذا تمثيل والمعنى: أهلكهم الله فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه، وأحبط الله أعمالهم، وأبطل كيدهم، وانظر إلى السر في قوله تعالى: من فوقهم والسقف لا يكون إلا من فوق. السر هو تأكيد سقوط السقف، وهلاكهم تحته بسببه، وأتاهم العذاب من كل مكان ومن حيث لا يشعرون، فاعتبروا يا أهل مكة، هذا عذابهم في الدنيا..
أما في الآخرة فها هو ذا.
ثم يوم القيامة يخزيهم ويذلهم، ويقول بواسطة الملائكة لهم تأنيبا وتهذيبا: أين شركائى؟ أين آلهتكم التي عبدتموها من دوني؟ أين الذين كنتم تشاقون فيهم رسلي، وتعادونهم؟!! قال الذين أوتوا العلم من الملائكة والمؤمنين: إن الخزي اليوم والهوان، والذل والحسرة والسوء على الكافرين وحدهم.
الذين تتوفاهم الملائكة حالة كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، لما حضرهم الموت وبدا لهم ما كانوا ينكرون ألقوا السلم واستسلموا لقضاء الله، وتيقنوا أن قول الرسل حق، وأنه لا إله إلا الله، وقالوا لسوء تقديرهم وظنّا منهم أن ذلك ينفع:
ما كنا نعمل سوءا، فيرد الله عليهم بلى: قد عملتم السوء كله إن الله عليم بما كنتم تعلمون ...
فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس المثوى والمآب مثوى المستكبرين إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ.. [سورة الصافات آية ٣٥] .
المتقون وجزاؤهم [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
стр. 1225
هذه مقالة المؤمنين واعتقادهم في المنزل عليهم وهو القرآن إثر مقالة المشركين والمستكبرين عليه. ليظهر الفرق واضحا بين الاثنين.
المعنى:
وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم؟ والسائل هم الوافدون على المسلمين في المواسم والأسواق، وذلك أن رسل العرب كانت تأتى إلى مكة فإذا صادفت مشركا قال في شأن محمد والقرآن: هذا ساحر. كاذب. شاعر وما أنزل عليه أساطير الأولين، وإذا صادفت مؤمنا قال: ما حكاه القرآن ها هنا. قال المتقون في جوابهم: أنزل ربكم خيرا، وانظر يا أخى في الجوابين جواب المشركين أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وجواب المسلمين قالُوا خَيْراً ولعل التخريج كما ذكر القرطبي أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل وقالوا أساطير الأولين بالرفع والمؤمنون آمنوا بالنزول المستمر فقالوا: أنزل خيرا وهذا أساسه الإعراب في الآية.
للذين أحسنوا في هذه الدنيا بالإيمان والعمل حسنة من النصر والفتح والعز والسلطان، ولدار الآخرة ونعيمها وما فيها خير وأبقى لهم، فهم يثابون على عملهم الطيب في الدنيا والآخرة وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أى في الدنيا وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ أى في الآخرة ...
ولنعم دار المتقين جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار، لهم فيها ما يشاءون من متاع ونعيم مثل هذا الجزاء العظيم يجزى الله المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة طيبين طاهرين
стр. 1226
من الشرك والعمل السيئ، وزاكية أعمالهم وأقوالهم، تقول الملائكة لهم: سلام عليكم من الله، ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون من عمل، وذلك كله تفضل من المولى إذ العمل وحده لا يكفى
للحديث «لن يدخل أحد منكم الجنّة بعمله، قالوا: حتّى أنت يا رسول الله! قال: حتّى أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» .
عاقبة الكفار [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)
المعنى:
ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ثم يأخذون جزاءهم، أو يأتى أمر ربك بالعذاب والنكال لهم في الدنيا، أو يأتى أمر ربك بحدث القيامة وما فيها من عذاب لهم، لأنهم تسببوا في لحوق ما ذكر بهم، وشبهوا بالمنتظرين المتوقعين لحدوثه، كما فعل هؤلاء فعل الذين من قبلهم، وكان الجزاء على ذلك واحدا، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
كذلك فعل الذين من قبلهم مثل أفعالهم فأصابهم سيئات فعلهم، وحاق بهم جزاؤه، وأحاطهم خطر ما كانوا يستهزئون، فإنهم كانوا يستعجلون العذاب، ويطلبونه استهزاء بالنبي ﷺ وكفرا، وظلوا كذلك حتى حاق بهم العذاب، وأحاط بهم الخطر من كل جانب.
стр. 1227
بعض حججهم الواهية [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٥ الى ٤٠]
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
المفردات:
اجْتَنِبُوا اتركوا الطَّاغُوتَ كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، وقيل الطاغوت: الشيطان والمراد اجتنبوا ما يدعو إليه مما نهى عنه الشرع، والطاغوت من الطغيان وهو مجاوزة الحد حَقَّتْ وجبت وثبتت لإصراره على الكفر.
стр. 1228
المعنى:
لما سدت السبل أمام المشركين، ولزمتهم الحجج الدامغة، تهربوا وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا، ولا فعلنا محرما أبدا، وهم يقصدون بذلك الطعن في الرسالة: قال الشوكانى في كتابه فتح القدير: «ومقصودهم بهذا القول المعلق بالمشيئة الطعن في الرسالة أى: لو كان ما قاله الرسول حقا من المنع من عبادة الله، والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله حاكيا الرسول ذلك عن الله. ولو كان هذا صحيحا لم يقع منا ما يخالف ما أراده الله. فإنه قد شاء ذلك وما شاءه كان وما لم يشأ لم يكن، فلما وقعت منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه كان ذلك دليلا على أن ذلك المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في الحقيقة لا يعترفون بذلك، ولا يقرون لكنهم قصدوا بذلك الطعن على الرسل.
وقال المشركون: لو شاء الله ما عبدنا شيئا حال كونه من دون الله أى غيره، نحن ولا آباؤنا من قبل، ولا حرمنا شيئا حال كونه دونه أى: دون الله، والمراد:
ما حرمنا شيئا مستقلين بتحريمه.
مثل ذلك الفعل ليس جديدا بل كذلك كذب الذين من قبلهم رسلهم، ولجئوا إلى مثل هذه الطرق. وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق، فهل على الرسل إلا البلاغ الواضح الذي يبين الشريعة وأحكامها! وأما علم الله وإرادته، فشيء آخر ولقد بعثنا في كل أمة رسولا لإقامة الحجة عليهم بأن اعبدوا الله حق العبادة واتركوا كل معبود سواه كالشيطان والصنم الكاهن، وكل من دعا إلى ضلال وتجاوز حدود الدين والعقل.
فمنهم من هداه الله ووفقه فآمن وامتثل، ومنهم من حقت عليه الضلالة وثبتت لإصراره على الذنب والمعاصي فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [سورة الشمس ٨- ١٠] .
ومن هنا نعلم أن الله أرسل الرسل تدعو إلى الخير وامتثال أمر الله، وترك عبادة الأوثان وفعل المحرمات (وهذا معنى الهداية والدلالة) ثم بعد ذلك آمن البعض وكفر البعض فمنهم شقي وسعيد، ولهذا عاقب من خالفه وأثاب من أطاعه فكان في ذلك
стр. 1229
دليل على أن أمر الله- سبحانه- لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلا للبعض، وهذا رد لحجتهم وتفنيد لكلامهم، ثم قال: فسيروا في الأرض. وانظروا كيف كان عقاب المكذبين، ودعوكم من هذه الحجج الواهية، والمناقشة الباطلة.
ثم خصص الخطاب برسوله ﷺ ليؤكد ما تقدم بقوله:
إن تحرص على هدايتهم وتطلبها فليس يجدي ذلك شيئا فإن وراء الهداية والطلب باللسان توفيق الله وإلهامه، والله- سبحانه- لا يهدى ولا يوافق الضالين المكذبين الذين ختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
انظر إليهم متعجبا وقد أقسموا بالله، وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت.
بل يبعث من يموت، ويعد ذلك وعدا عليه حقا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يبعث الله الخلق ليبين لهم الذي يختلفون فيه من أمر البعث، وليظهر لهم أنه حق أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف ٤٤] ، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.
وما لكم لا تؤمنون بالعبث؟ وتقولون من يحيى العظام وهي رميم؟ وما علمتم أن كل شيء في الكون خاضع له سبحانه، وإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة النحل آية ٤٠] .
جزاء المؤمنين وتهديد الكافرين [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٥٠]
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥)
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)
стр. 1230
المفردات:
هاجَرُوا فِي اللَّهِ الهجرة: ترك الأوطان والأهل والبلد في سبيل الله وهي بعد ذلك ترك السيئات من الأعمال لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم في الدنيا منزلا حسنا يَخْسِفَ خسف المكان يخسف خسوفا ذهب في الأرض وخسف الله به الأرض غاب فيها فِي تَقَلُّبِهِمْ في أسفارهم وتصرفهم عَلى تَخَوُّفٍ مع تخوف وتوقع للبلايا، وقيل التخوف والتنقص في المال والأنفس والثمرات يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ يميل من جانب إلى جانب ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق أى: رجع والفيء الرجوع، ومنه حتى تفيء إلى أمر الله أى: ترجع داخِرُونَ خاضعون صاغرون والدخور: الصغار والذل.