هذا جماعة من المتأولين، منهم: ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل.
قالوا: ومعنى سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ هو الذي ورد في الحديث عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- أى شدقيه- ثم يقول له. أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «١» .
ويرى بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل، وأن الظاهر غير مراد ومعنى قوله سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ عند هذا البعض: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم، فلا يأتون لأنهم ليس في قدرتهم ذلك.
أو المعنى: سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق، ويتحملون وزر ذلك يوم القيامة.
فالآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة الله، وتتوعد البخلاء بأقسى ألوان الوعيد وأفظعها. وتبين أن كل ما في هذا الكون إنما هو ملك لله- تعالى- وحده، فهو المعطى وهو المانع، ولذا قال- تعالى: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
والميراث: مصدر كالميعاد. وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والمراد به ما يتوارث.
والمعنى: أن لله- تعالى- وحده لا لأحد غيره ما في السموات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما بال هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه، ولا ينفقونه في سبيله. وعلى هذا يكون الكلام جاريا على حقيقته ولا مجاز فيه.
ويصح أن يكون المعنى: أن الله- تعالى- يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به من مال وغيره وينتقل منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم، وتبقى الحسرة والندامة عليهم. وعلى هذا يكون الكلام على سبيل المجاز.
قال الزجاج: أى أن الله- تعالى- يفنى أهلهما. فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك.
فخوطبوا بما يعلمون، لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثا، ملكا له» .
وقوله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تذييل قصد به حضهم على الإنفاق، ونهيهم عن البخل،
стр. 1017
أى أن الله- تعالى- خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل أو غيرهما، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبي ﷺ ولأتباعه، وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم، وفضحت المنافقين وهتكت ما تستروا به من رياء وخداع، وبينت أن من سنن الله في خلقه أن يبتلى عباده بشتى ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب، وأنه- سبحانه- يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن البخلاء بما آتاهم الله من فضله ستكون عاقبتهم شرا، ومصيرهم إلى العذاب الأليم.
ثم أخذت السورة الكريمة- بعد أن فضحت المنافقين- في الحديث عن بعض رذائل أهل الكتاب، وفي التحذير من شرورهم، وفي بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله من بلاء واختبار فقال- تعالى-:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨١ الى ١٨٨]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)
стр. 1018
قال ابن كثير: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله- تعالى- مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قالت اليهود: يا محمد!! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت المدارس «١» . فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له «فنحاص» وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له «أشيع» . فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا.
стр. 1019
فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله ...
فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال يا محمد: أبصر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله ﷺ : ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله. إن عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه.
فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ... «١» .
والمعنى: لقد سمع الله- تعالى- قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور والفحش فزعموا أن الله- تعالى- فقير وهم أغنياء.
والمقصود من هذا السمع لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح، ثم محاسنهم على ما تفوهوا به من أقوال، وما ارتكبوه من أعمال، ومعاقبتهم على جرائمهم بالعقاب المهين الذين يستحقونه.
وقوله سَنَكْتُبُ ما قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أى سنسجل عليهم في صحائف أعمالهم قولهم هذا، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء الله بغير حق، فالإسناد مجازى والكتابة حقيقية.
أو المعنى: سنحفظه في علمنا ولا نهمله، وسنعاقبهم بما يستحقون من عقوبات، فيكون الإسناد حقيقة والكتابة مجاز.
والسين للتأكيد، أى لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته، بل سنسجله عليهم ونعاقبهم عليه عقابا أليما بسبب أقوالهم القبيحة، وأعمالهم المنكرة.
وقد قرن- سبحانه- قولهم المنكر هذا، يفعل شنيع من أفعال أسلافهم، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وذلك لإثبات أصالتهم في الشر، واستهانتهم بالحقوق الدينية، وللتنبيه على أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها، ومعصية استباحوها، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا الأنبياء بغير حق، وللإشعار بأن هاتين الجريمتين من نوع واحد، وهو التجرؤ على الله- تعالى-، فقتل الأنبياء هو تعد على أمناء الله في الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته، وقولهم إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
стр. 1020
وهو تطاول على ذات الله، وكذب عليه، ووصف له بما لا يليق به- سبحانه- وبهذا كله يكونون قد عتوا عتوا كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا.
وأضاف- سبحانه- القتل إلى المعاصرين للعهد النبوي من اليهود، مع أنه حدث من أسلافهم لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه وإن لم يكونوا قد باشروه، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها هو.
وفي الحديث الشريف: إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها.
ووصف- سبحانه- قتلهم للأنبياء بأنه بِغَيْرِ حَقٍّ مع أن هذا الإجرام لا يكون بحق أبدا، للإشارة إلى شناعة أفعالهم، وضخامة شرورهم، وأنهم لخبث نفوسهم، وقسوة قلوبهم لا يبالون أكان فعلهم في موضعهم أم في غير موضعه.
ثم صرح- سبحانه بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أى:
سنجازيهم بما فعلوا، ونلقى بهم في جهنم، مخاطبين إياهم بقولنا: ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم بها تكذبون.
ففي الآية الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام.
والذوق حقيقته إدراك المطعومات، والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه، والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم كما في قوله- تعالى- فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ثم صرح- سبحانه- بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم في العذاب المحرق فقال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
أى: ذلك العذاب الشديد الذي حاق بكم- أيها اليهود- بسبب ما قدمته أيديكم من عمل سىء، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه- سبحانه- لا يظلم عباده مثقال ذرة. واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد. والمراد بالأيدى الأنفس، والتعبير بالأيدى عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال بذاته.
قال الآلوسى ما ملخصه:
стр. 1021
وقوله وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على قوله بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ فهو داخل تحت حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسيء ...
وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم ... وقيل إن صيغة «ظلام» للنسب كعطار أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا» «١» .
ثم ذكر- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ.
وقوله الَّذِينَ قالُوا إِنَّ.. إلخ. في محل نصب بتقدير: أعنى. أو في محل رفع بتقدير: هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون في محل جر على البدلية من قوله الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ.
والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء، وحي بن أخطب ... وغيرهم، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبي ﷺ وقالوا له هذا القول وهو: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا ... إلخ.
والقربان هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات.
والمعنى: أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذين قالوا إن الله أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل الله- تعالى- حتى يأتينا بقربان يتقرب به إلى الله، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، فإذا فعل ذلك كان صادقا في رسالته.
ومقصدهم من وراء هذا القول الذي حكاه القرآن عنهم، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود الله. وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبي ﷺ حسدا له، وإنما تركوا الإيمان به، لأنه لم يأت بالمعجزات التي أتى بها الأنبياء السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا- في زعمهم-.
ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات الله في إثبات رسالات رسله متعددة النواحي، مختلفة المناهج، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله- تعالى- رسوله محمدا ﷺ أن يرد
стр. 1022
عليهم بما يبطل قولهم فقال: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
أى: قل لهم يا محمد قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي كثير عددهم «بالبينات» أى بالحجج الواضحة، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم وَبِالَّذِي قُلْتُمْ أى وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنكم تتبعون الحق، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد بصدقهم؟.
فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التي تثبت كذبهم فيما يدعون، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد ﷺ متوقف على مجيئه بالقربان الذي تأكله النار دعوى كاذبة، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم ...
قال الفخر الرازي: وقد بين الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل: زكريا ويحيى وعيسى، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا في قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة. وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا في قتلهم، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم. وهذا يقتضى كونهم متعنتين- أيضا- في مطالبهم. ولهذا لم يجبهم الله فيها» «١» .
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ. جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ.
والبينات: جمع بينة وهي الآيات المبينة للحق، والأدلة التي يستشهد بها الرسول على أنه صادق فيما يبلغه عن ربه.
والزبر جمع زبور- كالرسول والرسل- وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته.
وخص الزبور بالكتاب الذي أنزله الله على داود- ﵇: قال- تعالى- وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
وقيل: الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته.
стр. 1023
والمعنى فإن كذبك هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم وجحودهم، فلا تبتئس ولا تحزن، فإن الأنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب من أقوالهم بعد أن جاءوهم بالدلائل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن جاءوهم بِالزُّبُرِ أى بالكتب الموحى بها من الله- تعالى- لوعظ الناس وزجرهم، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى بالكتاب الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم.
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول ﷺ والتخفيف عنه مما يلقاه من الجاحدين والمكذبين.
ثم بين- سبحانه- أن مرد الخلق جميعا إلى الله، وأن كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت، وأن الدار الباقية إنما هي الدار الآخرة التي سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال- تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
قال ابن كثير: «يخبر- تعالى- إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله- تعالى-: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.
فهو- تعالى- وحده الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت..» .
وقوله ذائِقَةُ الْمَوْتِ من الذوق وحقيقته إدراك الطعوم، والمراد به هنا حدوث الموت لكل نفس.
وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما يستتبعه من عذاب، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب.
وأسند ذوق الموت إلى الناس ولم يسنده إلى الشخص: لأن النفس روح، والشخص جزءان: جسم ونفس، والنفس هي التي تبقى بعد مفارقتها للجسد، فهي التي تذوق الموت كما ذاقت الحياة الدنيا.
وقوله وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى: وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة. يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف اتصل قوله- تعالى-: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بما قبله؟ قلت: اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت
стр. 1024
ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور.
فإن قلت: فهذا يوهم نفى ما يروى من أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون في ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور» «١» .
وقال الفخر الرازي: «بين- سبحانه- أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة، لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف الانقطاع.
وكذا القول في العقاب، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة» «٢» .
ثم قال- تعالى- فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ.
الزحزحة عن النار: هي التنحية عنها، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح مضاعف الفعل زحه عن المكان إذا جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة.
والمعنى أن كل نفس سيدركها الموت لا محالة. وأن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة، فمن كانت نتيجة حسابه الإبعاد عن النار، والنجاة من سعيرها، فقد فاز فوزا عظيما، وأدرك البغية التي ليس بعدها بغية.
والفاء في قوله فَمَنْ زُحْزِحَ للتفريع على قوله تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ.
وجمع- سبحانه- بين زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ مع أن في الثاني غنية عن الأول، للإشعار بأن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما: النجاة من النار، والتلذذ بنعيم الجنة.
وفي الحديث الشريف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ «٣» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يزحزح عن
стр. 1025
النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» «١» .
ثم ختم- الآية بقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.
والمتاع: هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى.
والغرور- بضم الغين- مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل.
أى: ليست هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها. ونستمتع بلذاتها ومنافعها، إلا متاعا يستمتع به المغتر بها، الذي لا يفكر في أى شيء سواها، ثم يحاسب على ذلك حسابا عسيرا يوم القيامة، أما الذي يأخذ من متاعها بالطريقة التي أمر الله- تعالى- بها، فإنه يكون من السعداء في دنياهم وآخرتهم.
قال صاحب الكشاف: شبه- سبحانه- الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» «٢» .
فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الطاعة، وتحذير للعصاة من المعصية، وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا، وسيلقى كل إنسان جزاءه على عمله، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا الله يوم يلقاه.
ثم بين- سبحانه- للمؤمنين أنهم سيتعرضون في المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا لذلك في أيامهم الماضية، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة، وصبر جميل فقال- تعالى-: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً.
وقوله لَتُبْلَوُنَّ جواب قسم محذوف أى: والله لتبلون أى لتختبرن. والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق، ومن التمسك بمكارم الأخلاق، فإن المصائب محك الرجال.
وإنما أخبرهم- سبحانه- بما سيقع لهم من بلاء، ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه، وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، أما الشدة التي تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها.
стр. 1026
والمعنى: لتبلون- أيها المؤمنون- ولتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ بما يصيبها من الآفات، وبما تطالبون به من إنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله، ولتختبرن أيضا في أَنْفُسِكُمْ بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد، وفضلا عن ذلك فإنكم لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهم اليهود والنصارى وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم كفار العرب، لتسمعن من هؤلاء جميعا أَذىً كَثِيراً كالطعن في دينكم، والاستهزاء بعقيدتكم، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التي أتاكم بها نبيكم، والتفنن فيما يضركم.
وقد رتب- سبحانه- ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا، فابتدأ بأدنى ألوان البلاء وهو الإصابة في المال، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة في النفس لأنها أغلى من المال، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهي التي تختص بالإصابة في الدين، وقد عبر عنها بقوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً.
وإنما كانت الإصابة في الدين أعلى أنواع البلاء، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله، وتهون عليه نفسه، ولكنه لا يهون عليه دينه، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى في ماله ونفسه ولكن ليس من السهل عليه أن يؤذى في دينه ...
ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه. ولكنه مع ذلك- لقوة إيمانه- لم يحتمل من «فنحاص» اليهودي أن يصف الخالق- بأنه فقير، فما كان من الصديق إلا أن شجّ وجه فنحاص عند ما قال ذلك القول الباطل.
وقد جمع- سبحانه- بين أهل الكتاب وبين المشركين في عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين، للإشعار بأن الكفر ملة واحدة، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان في معاداتهم للحق، لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا، وزاد العالمين حقدا وحسدا.
ثم أرشد- سبحانه- المؤمنين إلى العلاج الذي يعين على التغلب على هذا البلاء فقال:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
أى: وإن تصبروا على تلك الشدائد، وتقابلوها يضبط النفس، وقوة الاحتمال. وَتَتَّقُوا الله في كل ما أمركم به ونهاكم عنه، تنالوا رضاه- سبحانه- وتنجوا من كيد أعدائكم.
والإشارة في قوله فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التي يجب أن يسير عليها كل عاقل. لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر.
стр. 1027
وقوله فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ دليل على جواب الشرط. والتقدير: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور.
فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين، وتنبيههم إلى سنة من سنن الحياة، وهي أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر.
ولقد بين النبي ﷺ أن قوة الإيمان وشدة البلاء متلازمان، فقد روى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أى الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على حسب دينه. فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة» .
ثم حكى- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ.
الميثاق. هو العهد الموثق المؤكد. وقد أخذ- سبحانه- العهد على الذين أوتو الكتاب بأمرين:
أولهما: بيان ما في الكتاب من أحكام وأخبار.
وثانيهما: عدم كتمان كل شيء مما في هذا الكتاب.
والمعنى: واذكر أيها المخاطب وقت أن أخذ الله العهد المؤكد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يبينوا جميع ما في الكتاب من أحكام وأخبار وبشارات بالنبي ﷺ وألا يكتموا شيئا من ذلك، لأن كتمانهم للحق سيؤدي إلى سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة.
والضمير في قوله «لتبيننه» يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع والأحكام والبشارات الخاصة بمبعث النبي ﷺ .
أى لتبينن ما في هذا الكتاب الذي بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار وبشارات. وقيل الضمير يعود إلى الميثاق، ويكون المراد من العهد الذي وثقه الله عليهم هو تعاليمه وشرعه ونوره.
وقوله وَلا تَكْتُمُونَهُ عطف على «لتبيننه» وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا. وجمع- سبحانه- بين أمرهم المؤكد بالبيان وبين نهيهم عن الكتمان مبالغة في إيجاب ما أمروا به حتى لا يقصروا في إظهار ما في الكتاب من حقائق وحتى لا يلجئوا إلى كتمان هذه الحقائق أو تحريفها.
стр. 1028
ولكن أهل الكتاب- ولا سيما العلماء منهم- نقضوا عهودهم مع الله- تعالى-، وقد حكى- سبحانه- ذلك في قوله فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.
النبذ: الطرح والترك والإهمال.
أى أن أهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما في الكتاب ولا يكتموا شيئا منه، لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل إنهم نبذوا ما عاهدهم الله عليه، وطرحوه وراء ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد. وأخذوا في مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيرا من متاع الدنيا وحطامها، فبئس الفعل فعلهم.
والتعبير عنهم بقوله فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كناية عن استهانتهم بالمنبوذ، وإعراضهم عنه بالكلية، وإهمالهم له إهمالا تاما، لأن من شأن الشيء المنبوذ أن يهمل ويترك، كما أن من شأن الشيء الذي هو محل اهتمام أن يحرس ويجعل نصب العين.
والضمير في قوله فَنَبَذُوهُ يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع الحديث ابتداء.
ويصح أن يعود إلى الكتاب، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام، والكتاب وعاؤها، فنبذ الكتاب نبذ للعهد.
والمراد «بالثمن القليل» ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوى من غيرهم في مقابل عدم بيانهم لما في الكتاب من حقائق، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل نبذهم لكتاب الله وعهوده، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله- تعالى-.
قوله فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن.
فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعلي بئس، وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف.
وقيل «ما» مصدرية فاعلى بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة،
стр. 1029
وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبي ﷺ أنه قال: «من كتم علماء عن أهله ألجم بلجام من نار» وعن على رضى الله عنه، قال: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى خذ على أهل العلم أن يعلموا» «١» .
وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة: هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئس الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، ولا يكتموا منه شيئا» «٢» .
ثم حكى- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة، وهي أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
والخطاب في قوله لا تَحْسَبَنَّ موجه إلى النبي ﷺ أو لكل من يصلح له الخطاب.
والنهى موجه إلى حسبان أن يكون في هؤلاء الأشرار خير.
أى أن الله تعالى، ينهى نبيه ﷺ ، نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا في هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
و «المفازة» مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هي اسم مكان أى محل فوز ونجاة.
والمعنى: لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أى يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، والذين يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أى يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود، ومن إظهار الحق وعدم كتمانه، فإنهم فعلوا الشرور والآثام. ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آثام، بل
стр. 1030
يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات، فهم ممن قال الله فيهم أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً.
لا تحسبن هؤلاء الأشرار بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أى بمنجاة منه، بل لهم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات.
وقوله الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هو المفعول الأول لتحسب، والمفعول الثاني محذوف والتقدير:
لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين. أو مهتدين، أو صالحين.
وحذف هذا المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو قوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ ولتذهب النفس كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم به- سبحانه-، وهو أنهم يفعلون القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه.
وقوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة وهو تأكيد لقوله لا تَحْسَبَنَّ.
قال الزجاج: جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب وما أشبهه، للإعلام بأن الذي جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به. فتقول. لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد «لا تظنن» توكيدا وتوضيحا «١» .
والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله- تعالى بِمَفازَةٍ للإشعار بأن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا، ولذا أكد- سبحانه- عدم نجاتهم بقوله وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
فذكر- سبحانه- عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه، وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه.
هذا، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريم نزلت في شأن أحبار اليهود فقد روى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا.
فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، وإنما نزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس:
стр. 1031
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قوله وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقال ابن عباس: «سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، ثم خرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» .
وذكر بعض العلماء أن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين، فقد روى البخاري عن أبى سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ . فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا وأحبو أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت، لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ «١» .
قال العلماء: ولا منافاة بين الروايتين، لأن الآية عامة في جميع ما ذكر. وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حدثتنا عن جملة من رذائل أهل الكتاب، فقد حكت قولهم إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وحكت قولهم أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ووصفتهم بكتمان الحق ونبذه وراء ظهورهم، كما وصفتهم بأنهم يفرحون بما أتوا وييحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وردت على أكاذيبهم بما يدحضها وأنذرتهم بسوء مصيرهم، وساقت للمؤمنين من ألوان التسلية ما يخفف عنهم مصابهم، ويجعلهم يسيرون في هذه الحياة بعزم ثابت، وهمة عالية، ونفس مطمئنة.
ثم ختم- سبحانه- سورة آل عمران بالحديث عن مظاهر قدرته، وأدلة وحدانيته، وبشر أصحاب العقول السليمة- الذين يعتبرون ويتعظون ويتفكرون ويكثرون من ذكره- برضوانه وجنته، وأمر عباده بألا يغتروا بما عليه الكافرون من سلطان وجاه فإنه- سبحانه- قد جعل العاقبة للمتقين، كما أمرهم بالصبر والمصابرة والمرابطة ومداومة خشيته فقال- تعالى-:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٩ الى ٢٠٠]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)
стр. 1032
قوله- تعالى- وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أى له وحده- سبحانه- ملك السموات والأرض بما فيهما، فهو وحده صاحب السلطان القاهر في هذا العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار: إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، وهو- سبحانه- على كل شيء قدير، لا يعجزه أمر، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع عقابه مانع، فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته.
وبعد أن بين- سبحانه- أن ملك السموات والأرض بقبضته، أشار- سبحانه- إلى ما فيهما من عبر وعظات فقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.
أى: إن في إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار ... وفي إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة، وفي اختلافهما طولا وقصرا.. وفي كل ذلك لأمارات واضحة، وأدلة ساطعة، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله- تعالى- وعظيم قدرته، وباهر حكمته.
وصدرت الجملة الكريمة بحرف «إن» للاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة.
أى إن في إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب، وما اشتملتا عليه من البدائع، وفي اختلاف الليل والنهار ... إن في كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله، وكمال قدرته وحكمته.
والمراد بأولى الألباب: أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب الشيء هو خلاصته وصفوته.
ولقد قال الزمخشري في صفة أولى الألباب: «هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفي الحكم: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا في حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر» «١» .
стр. 1033
هذا، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار في فضل هذه الآيات العشر التي اختتمت بها سورة آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير- ﵀:
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقد روى البخاري- ﵀ عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد: فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآيات. ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة. ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السورة.
ثم قال: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصرى نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يدي نورا، ومن خلفي نورا، ومن فوقى نورا، ومن تحتي نورا. وأعظم لي نورا يوم القيامة» .
وروى ابن مردويه عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة- رضى الله عنها- فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر: أخبرينا بأعجب ما رأيته من رسول الله ﷺ ؟ فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا!! أتانى في ليلتي حتى مسّ جلده جلدي ثم قال: يا عائشة: ذريني أتعبد لربي- قالت: فقلت والله إنى لأحب قربك وإنى أحب أن تعبد ربك.
فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى. حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:
ويحك يا بلال!! وما يمنعني أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلخ الآيات.
ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» «١» .
ثم وصف- سبحانه- أولى الألباب بصفات كريمة فقال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ.
стр. 1034
فقوله الَّذِينَ يَذْكُرُونَ إلخ. في موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب. ويجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب على المدح.
أى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيات واضحات على وحدانية الله وقدرته، لأصحاب العقول السليمة، الذين من صفاتهم أنهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ أى يستحضرون عظمته في قلوبهم، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك في جميع أحوالهم. فهم يذكرونه قائمين، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ أن ذكرهم لله- تعالى- بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم» .
وقوله قِياماً وَقُعُوداً منصوبان على الحالية من ضمير الفاعلي في قوله: يَذْكُرُونَ.
وقوله وَعَلى جُنُوبِهِمْ متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى: وكائنين على جنوبهم أى مضطجعين.
ثم وصفهم بوصف آخر فقال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله- تعالى-، ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر التدبر والتفكر في هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة، وبديع المخلوقات، ليصلوا من وراء ذلك إلى الإيمان العميق، والإذعان التام، والاعتراف الكامل بوحدانية الله. وعظيم قدرته ...
فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون في مخلوقات الله وما فيها من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع- سبحانه-، فيعلموا أن لهذا الكون قادرا مدبرا حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله، تدل على عظم خالقها.
ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التي تحض على التفكير السليم، وعلى التدبر في عجائب صنع الله، ومن ذلك قول سليمان الداراني: «إنى أخرج من بيتي فما يقع بصرى على شيء إلا رأيت لله على فيه نعمة، ولى فيه عبرة» ، وقال الحسن البصري: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» .
وقال الفخر الرازي: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس.
ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال- تعالى-: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ.
ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض، لأن
стр. 1035
دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم» «١» .
وقد وبخ- سبحانه- الذين يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.
ثم حكى- سبحانه- ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم في خلقه فقال: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.
أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم في بدائع صنع الله تفكيرا سليما، استشعروا عظمة الله استشعارا ملك عليهم جوارحهم، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم:
يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثا، أو عاريا عن الحكمة. أو خاليا من المصلحة، سُبْحانَكَ أى ننزهك تنزيها تاما عن كل مالا يليق بك فَقِنا عَذابَ النَّارِ أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب النار.
وقوله رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا. لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.
وقوله: باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقا باطلا، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة، خاليا من المصلحة، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة.
وكان نداؤهم لخالقهم- بلفظ رَبَّنا اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع.
وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أى، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق، وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه- لم يخلق هذا عبثا- أن هناك ثوابا وعقابا، فسألوا الله- تعالى- أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار.
وقوله- تعالى- حكاية عنهم رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ في مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار.
أى: أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد.
стр. 1036
والخزي: مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفي هذا التعليل مبالغة في تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح في طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كان رجاؤه في القبول أشد، وإخلاصه أتم، وشعوره بالعطاء أقوى.
وقوله وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله- تعالى- أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء.
و «من» للدلالة على استغراق النفي، أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر، وفي ذلك إشارة إلى انفراد الله- تعالى- بالسلطان ونفاذ الإرادة.
ثم حكى- سبحانه- لونا آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال- تعالى- رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ...
أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين: يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أى داعيا يدعو إلى الإيمان وهو محمد ﷺ ، فاستجبنا لدعوته، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف.
وفي وصفه ﷺ بالمنادي، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته التي يدعو إليها، وأنه حريص على تبليغها للناس تبليغا تاما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأى فائدة في الجميع بين «المنادى» ويُنادِي؟ قلت:
ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدا بالإيمان، تفخيما لشأن المنادى لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهاد يهدى للإسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك.
فإذا قلت: ينادى للإيمان. ويهدى للإسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادي وفخمته «١» .
و «أن» في قوله أَنْ آمِنُوا تفسيرية لما في فعل يُنادِي من معنى القول دون حروفه، وجيء بفاء التعقيب في قوله- تعالى- حكاية عنهم فَآمَنَّا للدلالة على المبادرة والسبق، إلى الإيمان، وأنهم قد أقبلوا على الداعي إلى الله بسرعة وامتثال، وفي ذلك دلالة على سلامة فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد.
стр. 1037
ثم حكى- سبحانه- مطلبهم فقال: رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ.
أى نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك، واستجبنا للحق الذي جاء به، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه- تعالى-.
فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار الأخيار، وهي مطالب تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وزهدهم في متع الحياة الدنيا.
وقد جمعوا في طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة عصيان فيه إساءة، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفران والتكفير كلاهما فيه معنى الستر والتغطية، إلا أن الغفران يتضمن معنى عدم العقاب، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة.
ومعنى وفاتهم مع الأبرار: أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما.
وبذلك يكونون في صحبة الأبرار وفي جملتهم.
ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء الحسن فقال- تعالى- حكاية عنهم رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
أى نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة، ما وعدتنا به من ثواب في مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا لهم، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ أى ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ أى إنك- سبحانك- لا تخلف وعدك الذي وعدته لعبادك الصالحين.
فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة، ختاما لدعواتهم، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه.
والمراد بقولهم ما وَعَدْتَنا الثواب والعطاء الكائن منه- سبحانه- و «ما» موصولة أى آتنا الذي وعدتنا به أو وعدتنا إياه.
وقوله عَلى رُسُلِكَ فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب.
стр. 1038
أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟
قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، «يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم، والتضرع إليه، والملجأ الذي هو سيما العبودية» «١» .
تلك هي الدعوات الخاشعات التي حكاها- سبحانه- عن أصحاب العقول السليمة، وهم ينضرعون بها إلى خالقهم- -فماذا كانت نتيجتها؟
لقد كانت نتيجة دعواتهم، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال- تعالى- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ!!.
قال الحسن البصري: «ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم» .
وقال جعفر الصادق: «من حزبه أمر فقال خمس مرات رَبَّنا أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرءوا إن شئتم قوله- تعالى- الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً ... إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم.
ودلت الفاء في قوله فَاسْتَجابَ على سرعة الإجابة، لأن الفاء للتعقيب، فهم لأنهم دعوا الله بقلب سليم، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء.
واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء، إذ السين والتاء للتأكيد، مثل استوقد واستخلص.
وقال بعضهم: إن استجاب أخص من أجاب، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه، وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد.
والمعنى: أن الله- تعالى- قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم، وأنه- سبحانه- لا يضيع عمل عامل منهم، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى، وسيمنحهم من الثواب. فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب، ولن يفرق في عطائه بين ذكر وأنثى، لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة.
وفي التعبير باللفظ السامي رَبُّهُمْ إشارة إلى أن الذي سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، والرحيم بهم.
стр. 1039
ومعنى لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم، بل أكافئه عليه بما يستحقه، وأعطيه من ثوابي ورحمتي ما يشرح صدره، ويدخل البهجة والسرور على نفسه.
وقوله مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان لعامل، وتأكيد عمومه، أى لا أضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكرا أم أنثى.
ومعنى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة.
روى الترمذي عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله- تعالى- ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله- تعالى- فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
ثم بين- سبحانه- الأعمال الصالحة التي استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه- سبحانه- فقال: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي، وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ.
أى: فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التي أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا من ديارهم، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أى تحملوا الأذى والاضطهاد في سبيل الحق الذي آمنوا به وَقاتَلُوا أعداء الله وَقُتِلُوا وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك، وعدهم الله- تعالى- بالأجر العظيم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أى لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التي فيها العسل المصفى، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
وقوله ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أى لأثيبنهم ثوابا عظيما من عندي، والله- تعالى- عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من الأرض التي أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ عند ما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال: «يا مكة والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت» .
стр. 1040
ولأنهم قد تحملوا من الأذى في سبيل الله، ولأنهم قد جاهدوا أعداء الله وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله.
وقوله فَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له، والتفخيم لشأنه. وخبره قوله لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ.
وقوله وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ معطوف على هاجَرُوا. وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم، وانتشار الحق الذي اعتنقوه، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء.
وقوله وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي معطوف على ما قبله. والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من جهة المشركين.
وجمع- سبحانه- بين قوله وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وقوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ جواب قسم محذوف، أى والله لأكفرن عنهم سيئاتهم.
وقدّم- سبحانه- تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة، لأن التخلية- كما يقولون- مقدمة على التحلية، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقوله ثَواباً مصدر مؤكد لما قبله، لأن المعنى لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما.
وقوله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صفة لقوله ثَواباً وهو وصف مؤكد لأن الثواب لا يكون إلا من عنده- تعالى-، لكنه صرح به- سبحانه- تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه.
وقوله وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
وقد ختم- سبحانه- الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده- سبحانه- في الآخرة لعباده المتقين.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإكثار من ذكر الله وإلى التفكر السليم في عجائب صنعه، وساقت لنا ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التي تضرع بها الأخيار إلى خالقهم، وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذي منحه الله لهم في مقابل إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، فقد جرت سنته- سبحانه- أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده.
стр. 1041
وبعد أن بشر- سبحانه- عباده المؤمنين الصادقين بهذا الثواب الحسن، نهاهم عن الاغترار بما عليه الكافرون من قوة وسطوة ومتاع دنيوى فقال- تعالى- لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ.
يغرنك: من الغرور وهو الأطماع في أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضر في صورة الأمر النافع، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين- وهي الغفلة- ويقال: رجل غر إذا كان ينخدع لمن خادعه.
والتقلب في البلاد: التصرف فيها على جهة السيطرة والغلبة ونفوذ الإرادة.
والمتاع: الشيء الذي يتمتع الإنسان به لمدة معينة، والمعنى: لا يصح أن يخدع أحد بما عليه الكافرون من تقلب في البلاد ومن تصرفهم فيها تصرف الحاكم المسيطر عليها، المستغل لثرواتها وخيراتها، فإن تصرفهم هذا لن يستمر طويلا، بل سيبقى مدة قليلة يتمتعون فيها بما بين أيديهم ثم يزول عنهم كل شيء وسوف يعودون إلى خالقهم فيعذبهم العذاب الأكبر على ظلمهم وبغيهم وكفرهم.
والخطاب في قوله لا يَغُرَّنَّكَ للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى له الخطاب، وهو نهى للمؤمنين عن أن يغتروا بما عليه الكافرون من جاه ونفوذ وسلطان وغنى.
وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع المنهي عنه فإن الإنسان قد ينهى عن شيء لم يقع منه لتحذيره من الوقوع فيه في الحال أو المآل.
ولذا روى عن قتادة أنه قال: «والله ما غروا نبي الله حتى قبضه الله إليه» .
ولقد قال صاحب الكشاف في الجواب على أن النهى موجه إلى النبي ﷺ فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول الله ﷺ بذلك حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن عظيم القوم ومتقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا فكأنه قيل: لا يغرنكم.
والثاني: أن رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم فأكد ما كان عليه وثبت ما كان على التزامه كقوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١» .
وقوله مَتاعٌ خبر لمبتدأ محذوف أى هو متاع وقوله قَلِيلٌ صفة لمتاع. ووصف بأنه قليل لقصر مدته، ولكونه متعة فانية زائلة بخلاف ما أعده الله للمتقين من نعيم في الآخرة فإنه دائم لا يزول.
стр. 1042
وجاء العطف بثم في قوله ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ للإشعار بالتفاوت الكبير بين حالهم في الدنيا وما هم فيه من متاع زائل وبين ما سينالهم في الآخرة من عذاب دائم لا ينقطع.
أى أنهم يتمتعون بهذه المتع العاجلة لفترة قليلة ثُمَّ مَأْواهُمْ أى مكانهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه جَهَنَّمُ التي لا يحيط الوصف بشدة عذابها وَبِئْسَ الْمِهادُ أى بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم.
وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى جهنم هم الذين كانوا سببا فيه بكفرهم واستحبابهم العمى على الهدى.
وفي هذا تعزية للمؤمنين وتسلية لهم عما يرونه من غنى وجاه وسلطان للمشركين وتحريض للأخبار على أن يجعلوا همهم الأكبر في العمل الصالح الذي يوصلهم إلى رضوان الله الباقي، ففي الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم. فلينظر بم يرجع» .
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين فقال: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها.
وافتتحت الآية الكريمة بحرف «لكن» الذي معناه الاستدراك، لأن مضمونها ضد الكلام الذي قبلها. ولكي تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين عاقبة المؤمنين الأخيار.
والمعنى: هذا هو شأن الكافرين يتقلبون في البلاد لفترة قصيرة من الزمان هي مدة حياتهم في هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شيء عند موتهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم الذي لا ينقطع.. لكن الذين اتقوا ربهم وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك فقد أعد الله لهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة اللذيذة، وهم خالدون في تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال.. فأين مصير أولئك.
الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟
فالآية الكريمة بيان لكمال حسن حال المؤمنين، إثر بيان سوء عاقبة الكافرين.
ثم قال- تعالى- نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.
والنزل: ما يعد للنزيل والضيف لإكرامه والحفاوة به من طعام وشراب وغيرهما. وهو منصوب على أنه حال من «جنات» لتخصيصها بالوصف، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الاستقرار.
стр. 1043
أى لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها حالة كون هذه الجنات منزلا مهيئا لهم من عند الله- تعالى- على سبيل الإكرام لهم، والتشريف لمنزلتهم.
وقوله وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ أى ما عند الله من نعيم مقيم لعباده المتقين خير مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل.
ثم بين- سبحانه- أن أهل الكتاب ليسوا سواء. بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار، وقد بين- سبحانه- هنا صفات الأخيار منهم فقال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا.
أى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم اليهود والنصارى لفريقا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد ﷺ ويؤمن بحقيقة «ما أنزل إليهم» من التوراة والإنجيل ولا يزالون مع هذا الإيمان العميق خاشِعِينَ لِلَّهِ أى خاضعين له- سبحانه- خائفين من عقابه، طالبين لرضاه لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق دينهم في نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
فأنت ترى أنه- سبحانه- قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب.
وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية في كثير من سوره ومن ذلك قوله- تعالى- لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
وقوله- تعالى- مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ.
وقدم- سبحانه- إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من فاعل يُؤْمِنُ وجمع حملا على المعنى:
ثم بين- سبحانه- جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم الكريمة فقال: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل في مقابل أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة.
وقوله إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق
стр. 1044
وأنه يوفيها لكل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي.
ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل: لهم أجرهم عند ربهم عن قريب، لأن الله- تعالى- سريع الحساب والجزاء.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بنداء جامع للمؤمنين، دعاهم فيه إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا، وَرابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
والصبر معناه: حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكاره وتعويدها على أداء الطاعات.
والمصابرة: هي المغالبة بالصبر: بأن يكون المؤمن أشد صبرا من عدوه.
ورابطوا: من المرابطة وهي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهي استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء.
والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على طاعة الله وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر.
وَصابِرُوا أى قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التي تستلزم الصبر وتقتضيه.
قال صاحب الكشاف: وَصابِرُوا أعداء الله في الجهاد، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل منهم صبرا وثباتا فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدته وصعوبته» «١» .
وَرابِطُوا أى أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدو بالترصد له، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما تكرهون.
ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون في سبيل الله نصف العام، ويطلبون قوتهم بالعمل في النصف الآخر.
ولقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل المرابطة من أجل حماية ديار الإسلام، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول
стр. 1045
الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» .
وروى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان» «١» .
وبعضهم جعل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة مستدلا بالحديث الذي رواه مسلم والنسائي عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة. فذلكم الرباط» .
قال القرطبي: بعد أن ساق هذا الحديث-: «والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله- وأصلها من ربط الخيل، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي ﷺ «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله» «٢» .
ومما يدل على أن المرابطة في سبيل الله من أجل الديار الإسلامية من أفضل الأعمال وأن الصالحين الأخيار من المسلمين كانوا لا ينقطعون عنها، مما يدل على ذلك ما كتبه عبد الله بن المبارك- وهو يرابط بطرسوس- إلى صديقه الفضيل بن عياض- وكان الفضيل معتكفا بالمسجد الحرام- كتب إليه عبد الله يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأ الفضيل هذه الأبيات بكى وقال: صدق عبد الله.
وقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أى اتقوا الله بأن تصونوا أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر في الدنيا، والثواب الحسن في الآخرة.
стр. 1046
وبعد: فهذه سورة آل عمران، وهذا تفسير مفصل لما اشتملت عليه من توجيهات نافعة وعظات بليغة، وآداب عالية وتشريعات سامية وتربية رشيدة وعبادات قويمة وحجج تثبت الحق وتدحض الباطل.
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أ. د. محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر
стр. 1047
فهرس إجمالى لتفسير سورة «آل عمران»
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة تعريف بسورة آل عمران/ ٥ ١/ ألم/ ١٦ ٢/ الله لا إله إلا هو/ ١٨ ٣/ نزل عليك الكتاب/ ١٩ ٤/ من قبل هدى للناس/ ٢١ ٥/ إن الله لا يخفى عليه شيء/ ٢٤ ٦/ هو الذي يصوركم/ ٢٥ ٧/ هو الذي أنزل عليك الكتاب/ ٢٦ ٨/ ربنا لا تزغ قلوبنا/ ٣٥ ٩/ ربنا إنك جامع الناس/ ٣٦ ١٠/ إن الذين كفروا/ ٣٧ ١١/ كدأب آل فرعون/ ٤٠ ١٢/ قل للذين كفروا/ ٤١ ١٣/ قد كان لكم آية في فئتين/ ٤٢ ١٤/ زين للناس حب الشهوات/ ٤٥ ١٥/ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم/ ٥١ ١٦/ الذين يقولون ربنا/ ٥٢ ١٧/ الصابرين والصادقين/ ٥٣ ١٨/ شهد الله أنه لا إله إلا هو/ ٥٤ ١٩/ إن الدين عن الله الإسلام/ ٥٧ ٢٠/ فإن حاجوك فقل/ ٥٩ ٢١/ إن الذين يكفرون/ ٦٢ ٢٢/ أولئك الذين حبطت/ ٦٤ ٢٣/ ألم تر إلى الذين أوتوا/ ٦٥
стр. 1048
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٢٤/ ذلك بأنهم قالوا/ ٦٧ ٢٥/ فكيف إذا جمعناهم/ ٦٩ ٢٦/ قل اللهم مالك الملك/ ٦٩ ٢٧ تولج الليل في النهار/ ٧٢ ٢٨/ لا يتخذ المؤمنون الكافرين/ ٧٤ ٢٩/ قل إن تخفوا ما في صدوركم/ ٧٨ ٣٠/ يوم تجد كل نفس/ ٨٠ ٣١/ قل إن كنتم تحبون الله/ ٨١ ٣٢/ قل أطيعوا الله والرسول/ ٨٢ ٣٣/ إن الله اصطفى آدم/ ٨٣ ٣٤/ ذرية بعضها من بعض/ ٨٥ ٣٥/ إذ قالت امرأة عمران/ ٨٥ ٣٦/ فلما وضعتها قالت/ ٨٧ ٣٧/ فتقبلها ربها بقبول/ ٨٩ ٣٨/ هنالك دعا زكريا/ ٩٢ ٣٩/ فنادته الملائكة/ ٩٤ ٤٠/ قال رب أنى يكون لي/ ٩٧ ٤١/ قال رب اجعل لي آية/ ٩٩ ٤٢/ وإذ قالت الملائكة يا مريم/ ١٠١ ٤٣/ يا مريم اقنتى لربك/ ١٠٣ ٤٤/ ذلك من أنباء الغيب/ ١٠٤ ٤٥/ إذ قالت الملائكة يا مريم/ ١٠٥ ٤٦/ ويكلم الناس في المهد/ ١٠٧ ٤٧/ قالت رب أنى يكون/ ١٠٩ ٤٨/ ويعلمه الكتاب/ ١١٠ ٤٩/ ورسولا إلى بنى إسرائيل/ ١١٢ ٥٠/ ومصدقا لما بين يدي/ ١١٦ ٥١/ إن الله ربي وربكم/ ١١٧ ٥٢/ فلما أحس عيسى/ ١١٧
стр. 1049
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٥٣/ ربنا آمنا بما أنزلت/ ١٢٠ ٥٤/ ومكروا ومكر الله/ ١٢١ ٥٥/ إذ قال الله يا عيسى/ ١٢١ ٥٦/ فأما الذين كفروا/ ١٢٤ ٥٧/ وأما الذين آمنوا وعملوا/ ١٢٤ ٥٨/ ذلك نتلوه عليك/ ١٢٥ ٥٩/ إن مثل عيسى عند الله/ ١٢٦ ٦٠/ الحق من ربك فلا/ ١٢٧ ٦١/ فمن حاجك فيه من بعد/ ١٢٨ ٦٢/ إن هذا لهو القصص/ ١٣١ ٦٣/ فإن تولوا فإن الله/ ١٣١ ٦٤/ قل يا أهل الكتاب تعالوا/ ١٣٢ ٦٥/ يا أهل الكتاب لم تحاجون/ ١٣٥ ٦٦/ ها أنتم هؤلاء حاججتم/ ١٣٦ ٦٧/ ما كان إبراهيم يهوديا/ ١٣٧ ٦٨/ إن أولى الناس بإبراهيم/ ١٣٧ ٦٩/ ودت طائفة من أهل الكتاب/ ١٣٨ ٧٠/ يا أهل الكتاب لم تكفرون/ ١٣٩ ٧١/ يا أهل الكتاب لم تلبسون/ ١٣٩ ٧٢/ وقالت طائفة من أهل الكتاب/ ١٤١ ٧٣/ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع/ ١٤٣ ٧٤/ يختص برحمته من يشاء/ ١٤٧ ٧٥/ ومن أهل الكتاب/ ١٤٧ ٧٦/ بلى من أوفى بعهده/ ١٥١ ٧٧/ إن الذين يشترون/ ١٥٢ ٧٨/ وإن منهم لفريقا/ ١٥٥ ٧٩/ ما كان لبشر أن/ ١٥٨ ٨٠/ ولا يأمركم أن تتخذوا/ ١٦٠ ٨١/ وإذ أخذ الله ميثاق/ ١٦٢
стр. 1050
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٨٢/ فمن تولى بعد ذلك/ ١٦٦ ٨٣/ أفغير دين الله يبغون/ ١٦٧ ٨٤/ قل آمنا بالله وما أنزل إلينا/ ١٦٨ ٨٥/ ومن يبتغ غير الإسلام/ ١٧٠ ٨٦/ كيف يهدى الله قوما/ ١٧١ ٨٧/ أولئك جزاؤهم أن عليهم/ ١٧٣ ٨٨/ خالدين فيها لا يخفف/ ١٧٤ ٨٩/ إلا الذين تابوا/ ١٧٤ ٩٠/ إن الذين كفروا بعد/ ١٧٥ ٩١/ إن الذين كفروا وماتوا/ ١٧٧ ٩٢/ لن تنالوا البر حتى/ ١٨٠ ٩٣/ كل الطعام كان حلا/ ١٨١ ٩٤/ فمن افترى على الله/ ١٨٤ ٩٥/ قل صدق الله فاتبعوا/ ١٨٤ ٩٦/ إن أول بيت وضع للناس/ ١٨٥ ٩٧/ فيه آيات بينات/ ١٨٨ ٩٨/ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون/ ١٩٢ ٩٩/ قل يا أهل الكتاب لم تصدون/ ١٩٤ ١٠٠/ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا/ ١٩٦ ١٠١/ وكيف تكفرون وأنتم/ ١٩٧ ١٠٢/ يا أيها الذين آمنوا اتقوا/ ١٩٨ ١٠٣/ واعتصموا بحبل الله/ ١٩٨ ١٠٤/ ولتكن منكم أمة/ ٢٠١ ١٠٥/ ولا تكونوا كالذين/ ٢٠٤ ١٠٦/ يوم تبيض وجوه/ ٢٠٦ ١٠٧/ وأما الذين ابيضت/ ٢٠٩ ١٠٨/ تلك آيات الله/ ٢١٠ ١٠٩/ والله ما في السموات وما في الأرض/ ٢١١ ١١٠/ كنتم خير أمة أخرجت/ ٢١٢
стр. 1051
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ١١١/ لن يضروكم إلا أذى/ ٢١٦ ١١٢/ ضربت عليهم الذلة/ ٢٢٢ ١١٣/ ليسوا سواء/ ٢٢٥ ١١٤/ يؤمنون بالله واليوم الآخر/ ٢٢٧ ١١٥/ وما يفعلوا من خير/ ٢٢٩ ١١٦/ إن الذين كفروا/ ٢٣٠ ١١٧/ مثل ما ينفقون في/ ٢٣٢ ١١٨/ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا/ ٢٣٣ ١١٩/ هأنتم أولاء تحبونهم/ ٢٣٧ ١٢٠/ إن تمسسكم حسنة/ ٢٣٩ ١٢١/ وإذ غدوت من أهلك/ ٢٤٤ ١٢٢/ إذ همت طائفتان/ ٢٤٦ ١٢٣/ ولقد نصركم الله ببدر/ ٢٤٨ ١٢٤/ إذ تقول للمؤمنين/ ٢٤٩ ١٢٥/ بلى إن تصبروا/ ٢٤٩ ١٢٦/ وما جعله الله إلا بشرى لكم/ ٢٥٣ ١٢٧/ ليقطع طرفا من/ ٢٥٤ ١٢٨/ ليس لك من الأمر شيء/ ٢٥٥ ١٢٩/ والله ما في السموات وما في الأرض/ ٢٥٧ ١٣٠/ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا/ ٢٥٧ ١٣١/ واتقوا النار التي/ ٢٦٠ ١٣٢/ وأطيعوا الله والرسول/ ٢٦٠ ١٣٣/ وسارعوا إلى مغفرة/ ٢٦١ ١٣٤/ الذين ينفقون/ ٢٦٣ ١٣٥/ والذين إذا فعلوا/ ٢٦٥ ١٣٦/ أولئك جزاؤهم مغفرة/ ٢٦٧ ١٣٧/ قد خلت من قبلكم/ ٢٦٩ ١٣٨/ هذا بيان للناس/ ٢٧٠ ١٣٩/ ولا تهنوا ولا تحزنوا/ ٢٧٢
стр. 1052
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ١٤٠/ إن يمسسكم قرح/ ٢٧٣ ١٤١/ وليمحص الله الذين آمنوا/ ٢٧٧ ١٤٢/ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة/ ٢٧٧ ١٤٣/ ولقد كنتم تمنون الموت/ ٢٧٩ ١٤٤/ وما محمد إلا رسول/ ٢٨١ ١٤٥/ وما كان لنفس أن تموت/ ٢٨٥ ١٤٦/ وكأين من نبي قاتل معه/ ٢٨٦ ١٤٧/ وما كان قولهم/ ٢٨٨ ١٤٨/ فآتاهم الله ثواب الدنيا/ ٢٨٩ ١٤٩/ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا/ ٢٩٠ ١٥٠/ بل الله مولاكم/ ٢٩١ ١٥١/ سنلقى في قلوب الذين كفروا/ ٢٩٢ ١٥٢/ ولقد صدقكم الله وعده/ ٢٩٤ ١٥٣/ إذ تصعدون
ولا تلوون/ ٣٠٠ ١٥٤/ ثم أنزل عليكم من بعد الغم/ ٣٠٢ ١٥٥/ إن الذين تولوا منكم/ ٣٠٧ ١٥٦/ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا/ ٣١٠ ١٥٧/ ولئن قتلتم في سبيل الله/ ٣١٣ ١٥٨/ ولئن متم أو قتلتم/ ٣١٤ ١٥٩/ فبما رحمة من الله/ ٣١٥ ١٦٠/ إن ينصركم الله فلا غالب/ ٣٢٠ ١٦١/ وما كان لنبي أن يغل/ ٣٢١ ١٦٢/ أفمن اتبع رضوان الله/ ٣٢٣ ١٦٣/ هم درجات عند الله/ ٣٢٤ ١٦٤/ لقد من الله على المؤمنين/ ٣٢٦ ١٦٥/ أو لما أصابتكم مصيبة/ ٣٢٧ ١٦٦/ وما أصابكم يوم التقى/ ٣٢٩ ١٦٧/ وليعلم الذين نافقوا/ ٣٣٠ ١٦٨/ الذين قالوا لإخوانهم/ ٣٣٣
стр. 1053
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ١٦٩/ ولا تحسبن الذين قتلوا/ ٣٣٥ ١٧٠/ فرحين بما آتاهم الله/ ٣٣٧ ١٧١/ يستبشرون بنعمة من الله/ ٣٣٨ ١٧٢/ الذين استجابوا الله والرسول/ ٣٤٠ ١٧٣/ الذين قال لهم الناس/ ٣٤١ ١٧٤/ فانقلبوا بنعمة من الله/ ٣٤٣ ١٧٥/ إنما ذلكم الشيطان يخوف/ ٣٤٤ ١٧٦/ ولا يحزنك الذين يسارعون/ ٣٤٦ ١٧٧/ إن الذين اشتروا/ ٣٤٨ ١٧٨/ ولا يحسبن الذين كفروا/ ٣٤٨ ١٧٩/ ما كان الله ليذر المؤمنين/ ٣٥٠ ١٨٠/ ولا يحسبن الذين يبخلون/ ٣٥١ ١٨١/ لقد سمع الله/ ٣٥٤ ١٨٢/ ذلك بما قدمت أيديكم/ ٣٥٧ ١٨٣/ الذين قالوا إن الله/ ٣٥٨ ١٨٤/ فإن كذبوك فقد كذب/ ٣٥٩ ١٨٥/ كل نفس ذائقة الموت/ ٣٦٠ ١٨٦/ لتبلون في أموالكم/ ٣٦٢ ١٨٧/ وإذ أخذ الله ميثاق/ ٣٦٤ ١٨٨/ لا تحسبن الذين يفرحون/ ٣٦٦ ١٨٩/ ولله ملك السموات والأرض/ ٣٦٨ ١٩٠/ إن في خلق السموات والأرض/ ٣٧١ ١٩١/ الذين يذكرون الله/ ٣٧٢ ١٩٢/ ربنا إنك من تدخل النار/ ٣٧٣ ١٩٣/ ربنا إننا سمعنا مناديا/ ٣٧٤ ١٩٤/ ربنا وآتنا ما وعدتنا/ ٣٧٥ ١٩٥/ فاستجاب لهم ربهم/ ٣٧٦ ١٩٦/ لا يغرنك تقلب الذين كفروا/ ٣٧٩ ١٩٧/ متاع قليل ثم مأواهم/ ٣٧٩
стр. 1054
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ١٩٨/ لكن الذين اتقوا ربهم/ ٣٨٠ ١٩٩/ وإن من أهل الكتاب/ ٣٨١ ٢٠٠/ يا أيها الذين آمنوا اصبروا/ ٣٨٢
стр. 1055
[المجلد الثالث]
سورة النساء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن خير ما اشتغل به العقلاء، هو خدمة كتاب الله- تعالى-، الذي أنزله- سبحانه- على قلب نبيه محمد- ﷺ لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور.
ولقد عنى المسلمون منذ فجر الإسلام عناية كبرى بشأن القرآن الكريم. وقد شملت هذه العناية جميع نواحيه، وأحاطت بكل ما يتصل به، وكان لها آثارها المباركة النافعة التي استفاد منها كل مظهر من مظاهر النشاط الفكرى والعملي عرفه الناس في حياتهم الروحية والمادية.
وكان من أبرز مظاهر هذه العناية بشأن القرآن الكريم، الاشتغال بتفسيره وتأويله على قدر الطاقة البشرية.
ولقد سبق لي أن كتبت تفسيرا وسيطا لسور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران.
ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير لسورة النساء، حاولت فيه أن أكتب عما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من هدايات جامعة، وتشريعات حكيمة وتوجيهات رشيدة، وآداب سامية، من شأنها أن توصل المتمسكين بها إلى طريق السعادة في دنياهم وآخرتهم.
وقبل أن أبدأ في تفسير آيات هذه السورة الكريمة بالتفصيل والتحليل. رأيت من الخير أن أسوق بين يديها تعريفا بها، يتناول زمان نزولها، وعدد آياتها، وسبب تسميتها بهذا الاسم، ومناسبتها لما قبلها، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.
والله نسأل أن يوفقنا لخدمة كتابه، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر