يسافر فيه من بر أو بحر فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أى: حرج أو إثم في أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أى في أن تنقصوا منها ما خففه الله عنكم رحمة بكم.
وقوله تَقْصُرُوا من القصر وهو ضد المد. يقال قصرت الشيء أى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه.
ومن في قوله مِنَ الصَّلاةِ يجوز أن تكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا به لتقصروا. ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا. والجار والمجرور في موضع الصفة.
أى: فليس عليكم جناح في أن تقصروا شيئا من الصلاة.
وقوله إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله.
والمراد بالفتنة هنا: إنزال الأذى بالمؤمنين.
أى: إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة.
وقوله إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً تعليل لتأكيد أخذ الحذر من الكفار دائما، لأن عداوتهم للمؤمنين ظاهرة، وكراهتهم لهم شديدة.
أى: إن الكافرين كانوا وما زالوا بالنسبة لكم- أيها المؤمنون- يظهرون العداوة، وما تخفيه صدورهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر.
وقد أكد- سبحانه- هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور، لكي يحترس المسلمون منهم أشد الاحتراس.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١- أن قصر الصلاة في السفر سنة. ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه كما يخير في الكفارات. ومنهم من يرى أنه فرض.
قال القرطبي ما ملخصه: واختلف العلماء في حكم القصر في السفر فروى عن جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين. واحتجوا بحديث عائشة «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» ولا حجة فيه لمخالفتها له فإنها كانت تتم في السفر وذلك يوهنه ...
وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض. ومشهور مذهبه وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة. وهو الصحيح.
стр. 1332
ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير. ثم اختلفوا في أيهما أفضل، فقال بعضهم: القصر أفضل.. وقيل: الإتمام أفضل» «١» .
أما بالنسبة لمسافة السفر التي يجوز معها قصر الصلاة للعلماء فيها أقوال منها: أن السفر الذي يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد.
وهذا رأى الأحناف. ومن حججهم قوله ﷺ : «يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها» وأيضا ورد أن النبي ﷺ منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم، فدل هذا على أن ما دون الثلاث لا يعد سفرا، بل هو في حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه. وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام.
أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط، وذلك لما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد. من مكة إلى عسفان، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط.
ويرى داود الظاهري وأتباعه أن القصر في كل ما يسمى سفرا، سواء أكان قصيرا أم طويلا لأن المدار عندهم في تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب في الأرض، ولأن كلمة الضرب في الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة.
وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها: أن الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا في الرخصة، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا، وقد بينت السنة النبوية الشريفة مقداره على خلاف في الروايات.
هذا، وقد حكى القرطبي أقوال بعض العلماء في نقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظواهرها بدون فهم سليم فقال:
قال ابن العربي: وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا: إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين. ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أفكر فيه بفضول قلبي. ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة. وإنما كان كذلك، لأنها كانت لفظة عربية مستقر
стр. 1333
علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا. وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا. كما أننا نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا، لحديث «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها» وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين. وعليه عول مالك. ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه، فقد روى مرة «يوما وليلة» ومرة «ثلاثة أيام» ...
ثم قال القرطبي: واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة. فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم.. واختلفوا فيما سوى ذلك. فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة وغيرها. وعلى أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما.
ثم قال: واختلف العلماء في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم. فقال مالك والشافعى والليث بن سعد: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا نوى الإقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل من ذلك قصر «١» .
٢- ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر، وأن المراد بالقصر في قوله «أن تقصروا من الصلاة» هو القصر في الكمية أى في عدد الركعات، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، وأن حكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا.
وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه: وقوله- تعالى- إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
كقوله- تعالى- وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقوله- تعالى- وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ.
ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس. أن النبي ﷺ : خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين.
стр. 1334
وروى البخاري عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: صلى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين.
وروى البخاري عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة. فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
وروى مسلم وأحمد وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب. قلت له:
قوله- تعالى-: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .
وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟
فقال: ركعتان، فقلت له: أين قوله، إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ونحن آمنون؟
فقال: سنة رسول الله ﷺ «١» .
فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوقة في تشريع صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا، وأن قوله- تعالى- أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبي ﷺ في أسفاره، وأن القصر للصلاة في السفر بالنظر لما كانت عليه في الحضر.
قالوا: ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات، ما رواه البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ «انصرف من اثنتين- أى صلى الصلاة الرباعية ركعتين عن سهو- فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ....
هذا ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف، وأن المقصود بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية- أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك- لأنهم يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهي تمام غير قصر.
قال ابن كثير ما ملخصه: ومن العلماء من قال: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإمام مالك عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر
стр. 1335
الكمية. لأن ما هو الأصل لا يقال فيه فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن عمر- رضى الله عنه- قال: صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ «١» » .
وقال القرطبي: وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو فمن كان آمنا فلا قصر له. روى عن عائشة أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم.
فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يقصر. فقالت: إنه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟ ...
وذهب جماعة إلى أن الله- تعالى- لم يبح القصر في كتابه إلا بشرطين: السفر والخوف وفي غير الخوف بالسنة «٢» .
ويبدو لنا أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة بحيث يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين تخفيفا من الله- تعالى- عليه، سواء أكان في حالة أمن أم حالة خوف، لأن النصوص التي ساقها الجمهور لتأييد رأيهم صريحة في صحة ما ذهبوا إليه، ولأن القصر في اللغة معناه أن تقتصر من الشيء على بعضه، وهذا أظهر ما يكون في قصر الركعات على اثنين بدل أربع، أما القصر في الصفة أو الكيفية فهو تغيير في الصلاة لا إتيان بالبعض، إذ هو إحلال للإيماء محل الركوع والسجود- مثلا-. وأيضا فإن مِنَ في قوله أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ تكون أظهر في الاقتصار على بعض الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض.
ومن أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير.
ثم شرع- سبحانه- في بيان صفة صلاة الخوف في جماعة فقال- تعالى- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ، وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ.
والمعنى: وإذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال «فأقمت لهم الصلاة» أى:
فأردت أن تقيم لهم الصلاة في جماعة لتزدادوا أجرا ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه،
стр. 1336
فعليك في هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أى فلتقم جماعة من أصحابك معك في الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم.
والضمير في قوله وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ يعود إلى الرجال الذين معه في الصلاة ... أى:
ولتأخذ الطائفة القائمة معك في الصلاة أسلحتها معها وهي في الصلاة حتى تكون على أهبة القتال دائما.
وقوله فَإِذا سَجَدُوا أى: الرجال القائمون معك في الصلاة سجدوا في الركعة الأولى وأتموا الركعة فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أى: فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا في مقابلة العدو للحراسة. فالضمير في الكل يعود إلى المصلين معه.
وقيل المعنى: فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا في الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعلييه فيكون الضمير في قوله فَلْيَكُونُوا يعود إلى الطائفة الثانية التي ليست في الصلاة.
وقوله: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التي لم تدخل في الصلاة بعد. أى: فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التي كانت قبل ذلك في الحراسة والتي لم تصل بعد فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الركعة الأولى وأنت يا محمد في الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التي لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى في حالة الحرب، وأمرهم في الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم.
وقوله وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ استعمل لفظ الأخذ فيه في الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة في حملها للدفاع بها عن النفس. «١»
وقدم- سبحانه- الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر،
стр. 1337
ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ.
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله: فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة؟ قلت: لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة في الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله- تعالى- أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة «١» .
وقوله- تعالى- وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله وَدَّ من الود وهو محبة الشيء وتمنى حصوله.
والأسلحة: جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التي يستعملها الناس في حروبهم وقتالهم.
والأمتعة: جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا: ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم.
ولَوْ في قوله لَوْ تَغْفُلُونَ مصدرية. وقوله مَيْلَةً منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد.
والمعنى: كونوا دائما- أيها المؤمنون- في أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التي تستعملونها في قتالكم لهم، وفي هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطيعون قتله. فعليكم- أيها المؤمنون- أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدائكم الذين يتربصون بكم الدوائر.
فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله- تعالى- للمؤمنين بوضع السلاح في أحوال معينة دون أن يرخص لهم في أخذ الحذر فقال- تعالى- وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ.
стр. 1338
أى: ولا حرج ولا إثم عليكم- أيها المؤمنون- في أن تضعوا أسلحتكم في أغمادها فلا تحملوها إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ يثقل معه حمل السلاح أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم، بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى: إن الله- تعالى- أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال- تعالى- قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ.
وأما في الآخرة فبالعذاب الذي يهينهم ويذلهم ولا يستطيعون منه نجاة أو مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا- أيها المؤمنون- الأسباب التي توصلكم إلى النصر عليهم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١- قال الآلوسى: تعلق بظاهر قوله- تعالى- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ. من خص صلاة الخوف بحضرته ﷺ كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه الجصاص في كتاب الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده ﷺ نوابه، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﵊ كما في قوله خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً وقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذا يحل محل الإجماع «١» .
٢- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبى عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي ﷺ الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا: تأتى عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم
стр. 1339
من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآية وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ.. إلخ بين الظهر والعصر «١» » .
٣- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبي ﷺ قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة وفي مواضع متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبي. وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف.
واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن القصار أنه ﷺ صلاها في عشر مواضع. وقال ابن العربي: روى عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإمام أحمد بن حنبل- وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه- لا أعلم أنه روى في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث صلى منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله «٢» .
وقال ابن كثير: صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك «٣» . ونظرا لاختلاف الروايات الواردة في كيفية صلاة الخوف، فقد اختلف الفقهاء في كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. وهاك بعض مذاهبهم:
(أ) ذهب الإمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام الناس طائفتين: طائفة تكون مع الإمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى بالذين معه ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الأخرى التي كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإمام الركعة الثانية ويسلم هو.
ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلي ركعة بغير قراءة، لأنها في رأيهم لاحقة. أى كأنها وراء الإمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة عندهم وراء الإمام ثم تتشهد وتسلم. وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثانية فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة، فتكون كمن أدرك آخر صلاة الإمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة في حقها.
стр. 1340
وهذه الكيفية لصلاة الخوف التي أخذ بها الإمام أبو حنيفة قد وردت في روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبي ﷺ .
(ب) أما الإمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى: أن يقسم الإمام الناس إلى طائفتين: طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم يصلى بالطائفة التي معه ركعة ولا يسلم وتتم هي الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثانية، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإمام وحده أما هم فيقومون فيصلون وحدهم الركعة التي بقيت ثم يتشهدون ويسلمون.
وقريب من هذه الكيفية ما ذهب إليه الإمام الشافعى فهو يوافق المالكية فيما ذهبوا إليه إلا أنه قال: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية صلاتها ثم يسلم معهم.
ويذهب الإمام أحمد بن حنبل في كيفية صلاة الخوف إلى ما ذهب إليه الإمام مالك.
وفي رواية عنه أنه يوافق ما ذهب إليه الشافعية.
وهذا كله فيما إذا كانت الصلاة ثنائية في الأصل كالفجر أو رباعية فإنها تقصر إلى ثنائية.
أما إذا كانت صلاة الخوف في المغرب فيرى جمهور الفقهاء أن الإمام يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة ثم تتم كل طائفة ما بقي عليها بالطريقة التي سبق ذكرها عند الأئمة، والتي بسطها العلماء في كتب الفقه.
٤- ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أهمية صلاة الجماعة، لأن الله- تعالى- أمر المسلمين بأن يؤدوا الصلاة في جماعة حتى وهم في حالة الاستعداد للقاء أعدائهم.
قال ابن كثير: ما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة.
حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك.
٥- كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أن الإسلام دين يأمر أتباعه بأداء الصلاة حتى ولو كانوا في ساحة المعركة، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ومتى حسنت هذه الصلة بين المجاهد وخالقه، فإنه- سبحانه- يكلؤه بعين رعايته، ويمده بنصره وتأييده.
وأن الإسلام بجانب هذا الاهتمام الشديد بشأن الصلاة فإنه يهتم أيضا بأن يأمر أتباعه بالحذر من مكر أعدائهم ومن مباغتتهم لهم، بأن يكون المؤمنون مستعدين لصدهم وردهم على أعقابهم، وأن لا يغفلوا عن حمل أسلحتهم حتى ولو كانوا قائمين للصلاة.
وبهذا نرى أن الإسلام يربى أتباعه تربية روحية وعقلية وبدنية من شأنها أن توصلهم- متى حافظوا عليها- إلى ما يعلى كلمتهم في الدنيا، ويرفع درجاتهم في الآخرة.
стр. 1341
ثم أمر الله- تعالى- المؤمنين بالإكثار من ذكره بعد الانتهاء من صلاتهم، وشجعهم على مواصلة قتال أعدائهم بدون خوف أو ملل فقال- تعالى-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
والمعنى: فإذا أديتم صلاة الخوف- أيها المؤمنون- على الوجه الذي بينته لكم وفرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ أى: فداوموا على الإكثار من ذكر الله في كل أحوالكم سواء كنتم قائمين في ميدان القتال، أم قاعدين مستريحين، أم مضطجعين على جنوبكم، فإن ذكر الله- تعالى- الذي يتناول كل قول أو عمل يرضى الله- هو العبادة المستمرة التي بها تصفو النفوس، وتنشرح الصدور، وتطمئن القلوب. قال- تعالى- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
وإنما أمرهم- سبحانه- بالإكثار من ذكره في هذه الأحوال بصفة خاصة، مع أن الإكثار من ذكر الله مطلوب في كل وقت، لأن الإنسان في حالة الخوف ومقابلة الأعداء أحوج ما يكون إلى عون الله وتأييده ونصره، والتضرع إلى الله بالدعاء في هذه الأحوال يكون جديرا بالقبول والاستجابة.
قال- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
والفاء في قوله فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ للتفريع على ما قبله.
أى: فإذا ما سكنت نفوسكم من الخوف، وأقمتم في مساكنكم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فداوموا على أداء الصلاة على وجهها الذي كانت عليه قبل حالة الحرب، وأتموا أركانها وشروطها وآدابها وخشوعها.
стр. 1342
وقوله «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» تذييل المقصود به تأكيد ما قبله من الأمر بالمحافظة على الصلاة.
أى: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا محددا بأوقات لا يجوز مجاوزتها بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا، وأمنا وخوفا.
والمراد بالكتاب هنا: المكتوب. وبالموقوت: المحدد بأوقات من وقت كمضروب من ضرب.
وقد رجح ابن جرير هذا المعنى بقوله: وأولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضا موقوتا. أى فرضا وقت لهم وقت وجوب أدائه. لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل: وقت الله عليك فرضه فهو يقته. ففرضه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جعل له وقتا يجب عليك أداؤه «١» .
وقد أكد الله- تعالى- فرضية الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها بإن المفيدة للتأكيد، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار. وبالتعبير عن الصلاة بأنها كتاب، وهو تعبير عن الوصف بالمصدر فيفيد فضل توكيد، وبقوله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فإن هذا التركيب يفيد الإلزام والحتمية. وكل ذلك لكي يحافظ المؤمنون عليها محافظة تامة دون أن يشغلهم عنها شاغل، أو يحول بينهم وبين أدائها حائل.
وقوله وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ تشجيع للمؤمنين على مواصلة قتال أعدائهم بصبر وعزيمة.
وقوله تَهِنُوا من الوهن وهو الضعف والتخاذل. والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى بغى المتعدى أى طلب.
أى: ولا تضعفوا- أيها المؤمنون- في ابتغاء العدو وطلبه، ولا تقعد بكم الآلام عن متابعته وملاحقته حتى يتم الله لكم النصر عليه.
ثم رغبهم- سبحانه- في مواصلة طلب أعدائهم بأسلوب منطقي رصين فقال: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ.
أى: لا تتوانوا- أيها المؤمنون- عن ملاحقة أعدائكم ومقاتلتهم مهما تحملتم من آلام، وما أصبتم به من جراح، لأن ما أصابكم من آلام وجراح قد أصيب أعداؤكم بمثله أو أكثر منه، ولأن الآلام التي تحسونها هم يحسون مثلها أو أكثر منها. وفضلا عن ذلك فأنتم ترجون
стр. 1343
بقتالكم لهم رضا الله، وإعلاء كلمته، وحسن مثوبته، وإظهار دينه. أما هم فإنهم يقاتلونكم ولا رجاء لهم في شيء من ذلك. وإنما رجاؤهم في تحقيق شهواتهم، وإرضاء شياطينهم، وانتصار باطلهم على حقكم.
وشتان بين من يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الحق. ومن يقاتل وغايته ورجاؤه نصرة الباطل.
ومادام الأمر كذلك فانهضوا- أيها المؤمنون- لقتال أعداء الله وأعدائكم، دون أن يحول بينكم وبين قتالهم ما تحسون به من آلام، فإن الله- تعالى- قد جعل العاقبة لكم، والنصر في ركابكم..
وقريب من هذه الآية قوله- تعالى- في سورة آل عمران: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أى: وكان الله وما زال عليما بكل شيء من أحوالكم وأحوالهم، حكيما في كل ما يقضيه ويأمر به أو ينهى عنه، فسيروا- أيها المؤمنون- في الطريق التي أمركم- سبحانه- بالسير فيها لتنالوا تأييده ورضاه.
هذا، وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما ذكره القرطبي من أنها نزلت في أعقاب حرب أحد حيث أمر النبي ﷺ المؤمنين بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان قد حضر القتال في غزوة أحد «١» .
وهذا السبب الذي ذكره القرطبي في نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه فإن الآيتين الكريمتين تأمران المسلمين في كل زمان ومكان بالمحافظة على فرائض الله ولا سيما الصلاة، وبالإكثار من ذكره في جميع أحوالهم، وبالإقدام على قتال أعدائهم بعزيمة صادقة، وهمة عالية، دون أن يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من آلام، فإن الله- تعالى- قد تكفل بنصر المؤمنين، ودحر المشركين.
وبعد أن أمر الله- تعالى- المؤمنين بالمحافظة على فرائضه وبأخذ حذرهم من الأعداء.
وبالاستعداد لإبطال مكرهم، وبمواصلة قتالهم حتى تعلو كلمة الحق، بعد كل هذا أمر- سبحانه- المؤمنين في شخص نبيهم ﷺ بأن يلتزموا الحق في كل شئونهم وأحوالهم، لأن عدم التقيد بالحق والعدل يؤدى إلى ضعف الأمة واضمحلالها. وقد ساق- سبحانه- في آيات كريمة ما يهدى القلوب إلى صراطه المستقيم فقال- تعالى-:
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا أنها متقاربة المعاني.
ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف من أن رجلا اسمه طعمة بن أبيرق- أحد بنى ظفر- سرق درعا من جار له أسمه قتادة ابن النعمان في جراب دقيق. فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه. وخبأ طعمة الدرع عند رجل من اليهود اسمه زيد بن السمين.
فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها، وماله بها علم. فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال اليهودي: دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر- أقارب طعمة-: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فلما وصلوا إليه سألوه أن يجادل- أى يدافع- عن صاحبهم طعمة وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي. فهم رسول الله ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل هم أن يقطع يده فنزلت «١» .
وهذه الآيات الكريمة وإن كانت قد نزلت في حادثة معينة، إلا أن توجيهاتها وأحكامها تتناول جميع المكلفين في كل زمان ومكان.
وقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ تشريف للنبي ﷺ وإرشاد إلى ما يجب أن يكون عليه الحاكم أو القاضي من عدالة ونزاهة.
أى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن الكريم، إنزالا ملتبسا بالحق وبالعدل لكي تحكم بين الناس في قضاياهم بما أراك الله. أى بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك وقوله بِالْحَقِّ في محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف. وصاحب الحال هو الكتاب. أى: أنزلناه ملتبسا بالحق.
وقوله بِما أَراكَ الفعل هنا متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف والآخر كاف الخطاب أى: بما أراكه الله. أى: بما عرفك وأعلمك.
وسمى ذلك العلم بالرؤية، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور.
قال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية. وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصوم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضى بنحو مما أسمع. ولعل أحدكم أن
стр. 1346
يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها» .
وفي رواية للإمام أحمد عن السيدة أم سلمة- أيضا- قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست. ليس عندهما بينه. فقال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض.
فإنى أقضى بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار.. فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخى. فقال رسول الله ﷺ أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما. ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» «١» .
وقوله «ولا تكن للخائنين خصيما» معطوف على كلام مقدر يفهم من المقام. والخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فاعل بمعنى مخاصم وجمعه الخصماء. وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه. وقيل للخصمين خصمان، لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى.
والمعنى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبراء، بأن تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين- الذين يظهرون الإسلام- قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق.
وسماهم- سبحانه- خائنين، لأنهم في علمه- تعالى- كانوا كذلك وقد أخبر نبيه بخيانتهم ليحذرهم ولا يحسن الظن بهم.
قال القرطبي: قال العلماء: لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم. فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ وفيهم نزل قوله- تعالى- وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وقوله: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ.
والخطاب للنبي ﷺ والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين:
أحدهما: أنه- تعالى- أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
. والآخر: أن النبي ﷺ كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره فدل على أن القصد لغيره «٢» .
стр. 1347
ثم قال- تعالى- وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. أى: واستغفر الله مما هممت به من تبرئة طعمة وإدانة اليهودي، حيث إن ظاهر الأمر يقتضى ذلك، وهذا وإن لم يكن ذنبا، إلا أنه- سبحانه- أمر نبيه ﷺ بالاستغفار من ذلك، لعلو مقامه على حد قول العلماء:
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو المعنى: واستغفر الله لهؤلاء الخائنين لكي يتوبوا إلى الله- تعالى- ببركة استغفارك لهم، إن الله- تعالى- كان كثير المغفرة لمن تاب إليه، وكثير الرحمة لمن آمن به واتقاه. وهذا الأمر بالاستغفار والإنابة إلى الله موجه إلى كل مكلف في شخص النبي ﷺ ثم قال- تعالى- وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً.
أى: ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين «يختانون أنفسهم» أى يخونونها بشدة وإصرار إن الله- تعالى- لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفا من أوصافه، وخلقا من أخلاقه، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك في الإثم والمعصية عادة من عاداته.
وجاء- سبحانه- بلفظ يَخْتانُونَ
بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة في الخيانة لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة.
وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم.
ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه، وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإسلامية، وزعزعة أمنها واستقرارها.
والمراد بالموصول في قوله وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
طعمة وأمثاله من الخائنين أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته.
وقال- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
بصيغة المبالغة لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين.
أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله- تعالى- يحب من عنده أصل الخيانة والإثم.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: فإن قلت: لم قيل «خوانا أثيما» على المبالغة؟ قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر- رضى الله عنه- أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة
стр. 1348
سرقها فاعف عنه. فقال لها كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة «١» .
وقوله يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
بيان لأحوالهم القبيحة التي تجعلهم محل غضب الله وسخطه.
والاستخفاء معناه الاستتار. يقال استخفيت من فلان. أى: تواريت منه واستترت.
أى: أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع في الآثام يستترون من الناس عند ما يقعون في المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
أى: ولا يشعرون برقابة الله عليهم، واطلاعه على جميع أحوالهم، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه مع أنه- سبحانه- هو الأحق بأن يستحى منه، ويخشى من عقابه.
وقوله وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
بيان لشمول علمه- سبحانه- بكل حركاتهم وسكناتهم.
أى: أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من الله، مع أنه- سبحانه- معهم في كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه على أقوالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم حين «يبيتون» أى يضمرون ويدبرون ويقدرون في أذهانهم مالا يرضاه الله- من القول كأن يرتكبوا المنكرات ثم يمسحونها في غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم.
قال صاحب الكشاف: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم- إن كانوا مؤمنين- أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح.
وقوله يُبَيِّتُونَ
أى: يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع في دار غيره.
فإن قلت: كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى في النفس؟ قلت: لما حدث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز. ويجوز أن يكون المراد بالقول: الحلف الكاذب الذي حلف به طعمة بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودي «٢» .
وقوله وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى وكان الله- تعالى- محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم ولا يغيب عن علمه شيء من تصرفاتهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة.
стр. 1349
ثم وبخ- سبحانه- أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم بالباطل فقال:
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا.
أى: ها أنتم أيها المدافعون عن الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم في الدنيا مبرئين إياهم من الخيانة بدون حق، فمن ذا الذي يستطيع منكم أن يدافع عنهم أمام الله يوم القيامة، بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا. أى: قائما بتدبير أمورهم، ومدافعا عنهم؟ لا شك أنه لن يكون هناك أحد يدافع عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان سيجازى بعمله، ولن ينفعه دفاع المدافعين، أو جدال المجادلين.
وقوله ها
حرف تنبيه. أى تنبيه المخاطبين على خطئهم في المجادلة عن السارق، وقوله أَنْتُمْ
مبتدأ. وقوله هؤُلاءِ
منادى بحرف نداء محذوف مبنى على الكسر في محل نصب.
وجملة جادَلْتُمْ عَنْهُمْ
. خبر المبتدأ. وبعضهم أعرب هؤلاء خبر أول. وجعل جملة جادلتم خبرا ثانيا.
وقوله جادَلْتُمْ
من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل مجدول الفتل أى قوى البنية فالجدال معناه تقوية الحجة التي يدافع بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره. وقيل إن الجدال مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يكون كالمصارع الذي يريد أن يلقى صاحبه عليها. ومنه قولهم: تركته مجدلا أى مطروحا على الأرض.
وأَمْ
في قوله أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
منقطعة للإضراب الانتقالى.
والاستفهام إنكارى بمعنى النفي في الموضعين. أى لا أحد يجادل عنهم أمام الله- تعالى- ولا أحد يستطيع أن يقوم بتدبير أمورهم يوم القيامة.
ثم فتح- سبحانه- بعد هذا التوبيخ الشديد للخائنين- باب التوبة لعباده فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
أى: ومن يعمل عملا سيئا يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودي، أو يظلم نفسه بارتكاب الفواحش، التي يعود معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر، وترك فرائض الله التي فرضها على عباده ثم بعد كل ذلك يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
بأن يتوب إليه توبة صادقة نصوحا «يجد الله» بفضله وكرمه غَفُوراً رَحِيماً
أى كثير الغفران لعباده التائبين، واسع الرحمة إليهم.
فالمراد بعمل السوء هنا- على أرجح الأقوال- العمل السيئ الذي يكون فيه أذى للغير كالقذف والشتم والسب وما يشبه ذلك.
стр. 1350
والمراد بظلم النفس: الأعمال السيئة التي يعود ضررها ابتداء على فاعلها نفسه كشرب الخمر، وترك الصلاة أو الصيام وما يشبه ذلك.
وإنما فسروا كل جملة بهذا التفسير المغاير للأخرى لوجود المقابلة بينهما.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
أى عملا قبيحا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه «١» .
والتعبير «بثم» في قوله ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
للإشارة إلى ما بين المعصية والاستغفار من تفاوت معنوي شاسع. إذ المعصية تؤدى بفاعلها إلى الخسران أما الاستغفار الذي تصحبه التوبة الصادقة فيؤدى إلى الفلاح والسعادة.
وقوله يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
يفيد أن الله- تعالى- يستجيب لطلب الغفران من عبده متى تاب إليه وأناب، لأنه- سبحانه- قد وصف نفسه بأنه كثير المغفرة والرحمة لعباده، متى أقبلوا على طاعته بقلب سليم، ونية صادقة.
ثم بين- سبحانه- بأن الأفعال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده فقال- تعالى- وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
والكسب كما يقول الراغب- ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، ككسب المال. وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة له ثم استجلب به مضرة. وقد ورد في القرآن في فعل الصالحات والسيئات فمما استعمل في الصالحات قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. ومما استعمل في السيئات قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ «٢» .
ومنه قوله- تعالى- هنا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
أى. ومن يرتكب إثما من الآثام التي نهى الله عن ارتكابها، فإن ضرر ذلك يعود على نفسه وحدها. وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يبتعد عن الذنوب والآثام حتى ينجو من العقاب.
وقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
تذييل قصد به التحذير من سوء عاقبة اكتساب الآثام.
أى: وكان الله عليما بما في قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون، حكيما في كل ما قدر وقضى.
стр. 1351
وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين- سبحانه- المصير السيئ الذي ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون به غيرهم فقال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.
وقد قيل: إن الخطيئة والإثم هنا بمعنى واحد وقد جيء بهما على اختلاف لفظيهما للتأكيد المعنوي. ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما متغايران. وأن المراد بالخطيئة:
المعصية الصغيرة. والمراد بالإثم: المعصية الكبيرة. وقال آخرون: الفرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد. والإثم لا يكون إلا عن عمد.
ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن استهانة وعدم اكتراث، لأنه لكثرة ولوغه في الشرور صار يأتيها بلا مبالاة. قال- تعالى- بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ وقال- تعالى- مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.
وأن المراد بالإثم هنا: الذنوب التي يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار فتؤدى به إلى الإبطاء عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة، لأن الإثم كما يقول الراغب-: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب «١» .
والبهتان كما يقول القرطبي من البهت- بمعنى الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به الإنسان من كذب- وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برىء. وروى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال. أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال. ذكرك أخاك بما يكره قال. أفرأيت إن كان في أخى ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه فقد بهته. ثم قال القرطبي وهذا نص. فرمى البريء بهت له. يقال. بهته بهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله «٢» .
والمعنى: «ومن يكسب خطيئة» أى ذنبا من الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن استهانة لكثرة تعوده على ارتكاب السيئات، أو يرتكب إِثْماً
من الآثام التي تبطئه عن رضا الله ورحمته «ثم يرم به بريئا» أى: ينسبه إلى غيره من الأبرياء مع أنه هو الذي اقترفه فَقَدِ احْتَمَلَ
أى: فقد تحمل بسبب فعله ذلك بُهْتاناً
أى كذبا يجعل من رمى به في حيرة ودهشة، وتحمل أيضا إِثْماً مُبِيناً
أى ذنبا واضحا بينا لا خفاء فيه يؤدى به إلى غضب الله وسخطه.
قال الجمل وقوله (به) في هذه الهاء أقوال:
стр. 1352
أحدها: أنها تعود على إِثْماً
والمتعاطفان بأو يجوز أن يعود الضمير على المعطوف كما في هذه الآية وعلى المعطوف عليه كما في قوله- تعالى- وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً.
الثاني: أنها تعود على الكسب المدلول عليه بالفعل نحو (اعدلوا هو أقرب للتقوى) أى العدل.
الثالث: أنها تعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو فإنه في قوة ثم يرم بأحد المذكورين «١» .
وقال الفخر الرازي: واعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ومعاقب في الآخرة أشد العقاب. فقوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً
إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا. وقوله وَإِثْماً مُبِيناً
إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة «٢» .
وبهذا نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد بينت مراتب العصاة أمام الله- تعالى وفتحت لهم باب التوبة ليثوبوا إلى رشدهم، وتوعدت المصرين على معاصيهم بسوء المصير.
ثم بين- سبحانه- مظاهر فضله على نبيه ﷺ فقال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ.
أى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بك- يا محمد- بأن وهبك النبوة، وعصمك من كيد الناس وأذاهم، وأحاطك علما بما يبيتونه من سوء لولا ذلك لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ
أى: من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم وهم طعمة وأشياعه الذين دافعوا عنه، ومن كان على شاكلتهم في النفاق والجدال بالباطل أَنْ يُضِلُّوكَ
أى: لهمت طائفة من هؤلاء الذين في قلوبهم مرض أن يضلوك عن القضاء بالحق بين الناس، ولكن الله- تعالى- حال بينهم وبين هذا الهم بإشعارهم بأن ما يفعلونه معك من سوء سيكشفه الله لك عن طريق الوحى.
وقوله وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
أى: أنهم بمحاولتهم إخفاء الحق والدفاع عن الخائن، وتعاونهم على الإثم والعدوان، ما يضلون إلا أنفسهم، لأن سوء عاقبة ذلك ستعود عليهم وحدهم، أما أنت يا محمد فقد عصمك الله من شرورهم، وحماك من كل انحراف عن الحق والعدل.
وقوله وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
معطوف على ما قبله. أى هم بمحاولتهم إخفاء الحق
стр. 1353
ما يضرونك بأى قدر من الضر. لأنك إنما قضيت بينهم بما هو الظاهر من أحوالهم، وهو الذي تحكم بمقتضاه، أما الأمور الخفية التي تخالف الحق فمرجع علمها إلى الله وحده.
ومِنْ
في قوله مِنْ شَيْءٍ
زائدة لتأكيد النفي. وشيء أصله النصب على أنه مفعول مطلق لقوله يَضُرُّونَكَ
. أى: وما يضرونك شيئا من الضرر وقد جر لأجل حرف الجر الزائد.
وقوله وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
معطوف على قوله وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
لزيادة التقرير، ولزيادة بيان ما وهبه الله- تعالى- لنبيه من خير ورعاية وعصمة أى: أن الله- تعالى- قد امتن عليك يا محمد بأن أنزل عليك القرآن الذي يهدى للتي هي أقوم، وأنزل عليك الحكمة أى العلم النافع الذي يجعلك تصيب الحق في قولك وعملك «وعلمك ما لم تكن تعلم» من أخبار الأولين والآخرين، ومن خفيات الأمور، ومن أمور الدين والشرائع.
وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
أى وكان فضل الله عليك عظيما عظما لا تحده عبارة، ولا تحيط به إشارة.
فالآية الكريمة فيها ما فيها من التنويه بشأن الرسول ﷺ ومن مظاهر فضل الله عليه ورحمته به.
وبعد فإن المتأمل في هذه الآيات الكريمة، ليراها تهدى الناس إلى ما يسعدهم في كل زمان ومكان متى اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها.
إنها تأمرهم في شخص نبيهم ﷺ أن يلتزموا الحق في كل أقوالهم وأعمالهم، حتى ولو كان الذي عليه الحق من أقرب الناس إليهم، وكان الذي له الحق من أعدى أعدائهم، وتنهاهم عن الدفاع عن الخائنين الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وتبين لهم أن دفاعهم عنهم لن يفيده أمام الله- تعالى-.
ثم تفتح للعصاة باب التوبة لكي يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى طاعة ربهم وتخبرهم أن شؤم المعصية سيعود إليهم وحدهم ... وتنبههم إلى أن من أشد الذنوب عند الله- تعالى- أن يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره.
ثم تسوق الآيات في ختامها جانبا من فضل الله على نبيه ورحمته به، لكي يزداد ثباتا واطمئنانا» ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا.
وهكذا نرى الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية. ولا يترجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان الذي عليه الحق ممن يظهرون الإسلام
стр. 1354
ويعاملون معاملة المسلمين، وكان الذي له الحق من اليهود الذين لم يتركوا مسلكا لمحاربة الدعوة الإسلامية إلا سلكوه والذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك أنكروه وحاربوه.
فهل رأيت- أخى القارئ- عدالة تقترب من هذه العدالة في سموها ونقائها واستقامة منهجها؟
إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند الله، لأن البشر مهما استقامت طبائعهم، فإنهم ليس في استطاعتهم أن يصلوا إلى هذا المستوي الرفيع الذي تشير إليه الآيات، والذي يكشف لكل عاقل أن هذا القرآن من عند الله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لا خير فيه، وأن العاقل هو الذي يحرص على القول النافع والعمل الطيب. وأن الذين يتبعون الطريق المخالف لطريق الحق سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال- سبحانه-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
وقوله- تعالى-: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من إخفاء الأقوال أو الأعمال التي فيها شر ومضرة، ومن إعلان الأقوال أو الأفعال التي من ورائها خير ومنفعة. وقوله نَجْواهُمْ أى:
مما يتناجى به الناس ويتكلمون فيه. والنجوى: اسم مصدر بمعنى المسارة. يقال: نجوته نجوا
стр. 1355
ونجوى وناجيته مناجاة. أى: ساررته بكلام على انفراد. وأصله: أن تعلو بمن تناجيه بسر معين في نجوة من الأرض. أى في مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله. وقيل: أصله من النجاة، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة. وتطلق النجوى على القوم المتناجين كما في قوله- تعالى- نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى.
والضمير في قوله مِنْ نَجْواهُمْ يعود إلى الناس جميعا، ويدخل فيه أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا.
والمعروف- كما يقول الآلوسى- هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أنواع البر كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك. ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله- تعالى- أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ «١» .
والمعنى: لا خير في كثير من الكلام الذي يتناجى فيه الناس، ويتحدثون به سرا، إلا في نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله، وينفع بها المحتاج إليها، أو من أمر غيره بالإكثار من أعمال البر، أو القيام بالإصلاح بين الناس المتخاصمين لكي يعودوا إلى ما كانوا عليه من الألفة والإخاء والصفاء.
قال الجمل: وقوله إِلَّا مَنْ أَمَرَ. في هذا الاستثناء قولان:
أحدهما: متصل والثاني: أنه منقطع. وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجي أى التحدث. وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا.
فعلى الأول يكون منقطعا، لأن من أمر ليس مناجاة، فكأنه قيل: لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا. وقوله إِلَّا مَنْ أَمَرَ. إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا في لغة الحجازيين. أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا. وإما مجرور على البدل من كثير، أو من نجواهم، أو صفة لأحدهما «٢» .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجي المذموم ثلاث خصال هي جماع الخير، وذلك لأن الصدقة التي يخرجها الإنسان تكون سببا في تزكية ماله، وحسن ثوابه، ونشر المحبة والمودة بين الناس.
والتعبير بقوله إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ يفيد الدعوة إليها، والحث على بذلها سرا ما دامت المصلحة تقتضي ذلك.
стр. 1356
أما المعروف وهو النوع الثاني من التناجي المحمود فهو- كما يقول القرطبي لفظ يعم كل أعمال البر. ففي الحديث الشريف (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) وقال على بن أبى طالب: (لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد) .
وقال الماوردي: ينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرض زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة ففاتت فأعقبت ندما.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح- أى التعجيل- ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله. لما فيهما من إسقاط الشكر، وإحباط الأجر. قال بعض الشعراء:
زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور خطير «١»
والأمة التي يفشو فيها قول المعروف وفعله، تسودها السعادة، وتظلها المحبة والمودة والرحمة.
وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت عزائمهم، ورسخ إيمانهم.
وقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن التخاصم والتنازع يؤدى إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس. قال- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي تحض على الإصلاح بين الناس ومن ذلك ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده. فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على.
فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كلام ابن آدم كله عليه لا له. إلا ذكر الله- تعالى- أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر» . فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. فهو هذا بعينه.
وروى الجماعة- سوى ابن ماجة- عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ
стр. 1357
يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا» . وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب. والإصلاح بين الناس. وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبى الدرداء قال: قال رسول ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. يا رسول الله!! قال إصلاح ذات البين» . قال: «وفساد ذات البين هي الحالقة» «١» .
ففي هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الإصلاح بين الناس حتى يعيشوا في أمان واطمئنان.
وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التي أخرجها الله- تعالى من التناجي المذموم هي جماع الخير الإنسانى والاجتماعى.
وقد أشار الإمام الرازي إلى ذلك بقوله: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة. والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه- تعالى- ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع:
الأمر بالصدقة. والأمر بالمعروف. والإصلاح بين الناس.
وإنما ذكر الله- تعالى- هذه الأقسام الثلاثة، لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة. أما إيصال الخير: فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال. وإليه الإشارة بقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ. وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة. ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف. وإليه الإشارة بقوله أَوْ مَعْرُوفٍ وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية «٢» .
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
أى: ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله- تعالى-. وقال- سبحانه- ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء في صدر الآية. لأن المقصود
стр. 1358
الترغيب في هذا الفعل الحسن، لأن الأمر بالخير إذا دخل في زمرة الخيرين كان الفاعل أحرى بالدخول في زمرتهم.
وفي تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله، تحريض على إخلاص النية، لأن الأعمال بالنيات، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ومحق بركتها.
والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل. أى. فسوف نؤتيه أجرا لا يحيط به نطاق الوصف، ولن نبخسه شيئا من حقه حتى ولو كان هذا الشيء بالغا النهاية في الصغر.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الذين يسيرون في طريق الباطل، ويتركون طريق الحق فقال- تعالى-: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً.
وقوله يُشاقِقِ من المشاقة بمعنى المعاداة والمخالفة المقصودة. وهي من الشق لأن المخالف كأنه يختار شقا يكون فيه غير شق الآخر.
فقوله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أى: من يخالفه ويعاديه.
وقوله مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أى يخالفه ويعاديه من بعد ما اتضح له الحق، وقام لديه الدليل على صحة دين الإسلام.
وقوله وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ معطوف على يشاقق. أى: ويتبع طريقا غير طريق الإسلام التي سار فيها المؤمنون، واعتقدوا صحتها وسلامتها من كل سوء. من يفعل ذلك.
نوله ما تولى، أى نجعله- كما يقول الآلوسى واليا لما تولاه من الضلال. أو نخل بينه وبين ما اختار لنفسه من الضلال في الدنيا. أو نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه في الدنيا وانتصر به من الأوثان وغيرها.
قال صاحب المنار: والذي أريد توجيه الأذهان إلى فهمه هو أن هذه الجملة مبينة لسنة الله- تعالى- في عمل الإنسان. ومقدار ما أعطيه من الإرادة والاستقلال والعمل بالاختيار. فالوجهة التي يتولاها في حياته، والغاية التي يقصدها من عمله، يوليه الله إياها ويوجهه إليها. أى:
يكون بحسب سنته- تعالى- واليا لها وسائرا على طريقها. فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره على ترك ما اختار لنفسه. ولو شاء- سبحانه- لهدى الناس أجمعين بخلقهم على حالة واحدة في الطاعة كالملائكة، ولكنه شاء أن يخلقهم على ما نراهم عليه الآن من تفاوت في الاستعداد والإدراك وعمل كل فرد بحسب ما يرى أنه خير له وأنفع في عاجله أو آجله أو فيهما جميعا «١» ...
стр. 1359
وقوله وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً وعيد شديد لأولئك المخالفين لطريق الحق. وأصل الصلى: إيقاد النار ولزومها وقت الاستدفاء. يقال صلى بالنار أى: بلى بها. وصليت الشاة:
شويتها وهي مصلية.
والمعنى: ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله في الآخرة جهنم ليشوى فيها كما تشوى الشاة، وساءت جهنم مكانا لمن صار إليها، وحل فيها.
قال ابن كثير: والذي عول عليه الشافعى يرحمه الله- في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها. وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة على ذلك ... «١» .
وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين قد بشرتا من يفعل الخير ابتغاء مرضاة الله بالأجر العظيم، وأنذرتا من يخالف طريق أهل الحق بالعذاب الأليم، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم حذر- سبحانه- من الشرك وتوعد المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله بالعذاب المهين فقال- تعالى-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢١]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١)
стр. 1360
ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس في سبب نزول قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. الآية: أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إنى شيخ منهمك في الذنوب. إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به. ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي جراءة. وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا. وإنى لنادم تائب. فما ترى حالي عند الله- تعالى-؟ فنزلت «١» .
والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر سواء أكان هذا الكفر من أهل الكتاب أم من العرب أم من غيرهم.
والمعنى: إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له ممن اقترفها إذا مات من غير توبة. فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
وأما قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. فمقيد بالمشيئة أى: يغفر الذنوب جميعا لمن شاء أن يغفر له. ومقيد أيضا بما عدا الشرك. أى يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك فإنه لا يغفره لمن مات عليه.
ثم بين- سبحانه- سوء حال المشركين فقال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً والضلال هو السير في غير الطريق الموصل إلى النجاة.
أى: ومن يشرك بالله- تعالى- بأن يعبد سواه، أو يجعل معه شريكا في العبادة فقد سار في طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك، ويفضى به إلى العذاب المهين.
وهذه الآية قد مر الكلام مفصلا في آية تشبهها من هذه السورة وهي قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «٢» .
стр. 1361
قالوا: وقد ختمت هذه الآية بقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً لأنها في شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته ﷺ وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومع ذلك فقد حملهم الحسد على إنكار الحق، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم في الكذب والجرأة على الله.
وختمت الآية التي معنا بقوله- تعالى-: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً لأنها في قوم مشركين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحيا، فأتاهم رسول الله ﷺ بالهدى ودين الحق، وميز لهم طريق الرشد من طريق الغي، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا واضحا عن طريق الحق. وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم.
ثم فصل- سبحانه- ما عليه المشركون من ضلال فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً.
وإِنْ هنا هي النافية. ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى العبادة لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه.
والمراد بالإناث: الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله.
أى: أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما، أو ما ينادون من دون الله لقضاء حوائجهم إلا أوثانا لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.
وعبر عن الأصنام بالإناث لأن المشركين سموا أكثر هذه الأصنام بأسماء الإناث، كاللات والعزى ومناة.
قال الحسن: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بنى فلان وكانوا يزينونه بالحلى كالنساء.
وقيل: المراد بالإناث هنا الملائكة، لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون عنها: بنات الله. قال- تعالى- وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً.
وقيل: المراد بها هنا: الجمادات التي لا حياة فيها ومع ذلك يعبدونها.
قال أبو حيان: قال الراغب: أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير فاعلة. فبكتهم الله أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلا من كل وجه. وعلى هذا نبه إبراهيم- ﵇ أباه بقوله: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
«١» .
стр. 1362
وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال: وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب، ما عرف بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه. فكأنه- تعالى- يقول: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه حجة عليهم في ضلالهم وكفرهم أنهم يعبدون إناثا. والإناث من كل شيء أخسه. فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر «١» .
وقوله وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً بيان لما دفعهم إلى الوقوع في ذلك الضلال الذي انغمسوا فيه.
ومريدا. أى عاتيا متمردا بالغا الغاية في الشرور والفساد.
قال الراغب: والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعرى من الخيرات. من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ومنه قيل رملة مرداء أى: لم تنبت شيئا. ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر «٢» .
فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد. ومنه قوله- تعالى-رْحٌ مُمَرَّدٌ
أى أملس. ووصف الشيطان بالتمرد لتجرده للشر. وعدم علوق شيء من الخير به. أو لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء.
والمعنى: إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصناما سموها بأسماء الإناث، وما يطيعون في عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل خير، ومتعريا من كل فضيلة. فهذا الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير الله فانقادوا له انقيادا تاما. وخضعوا له خضوعا لا مكان معه لتعقل أو تدبر.
وقوله مَرِيداً صفة لشيطان. وقوله لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية. أى: طرده من رحمته طردا مقترنا بسخط وغضب.
ثم حكى- سبحانه- أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم عن طريق الحق
стр. 1363
فقال: وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً:
أى: أن الشيطان قال مؤكدا ومقسما لأتخذن من عبادك الذين هم من ذرية آدم، نصيبا مفروضا. أى: لأجعلن لي منهم مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا، وهم الذين سأصرفهم عن الطريق الحق، وسأجعلهم خاضعين لوسوستى ومنقادين لأمري. وقوله لَأَتَّخِذَنَّ من الاتخاذ وهو أخذ الشيء على جهة الاختصاص. وقوله مَفْرُوضاً من الفرض بمعنى القطع. وأطلق هنا على العدد المعين من الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحي المؤمنين. فكل من أطاع الشيطان من بنى آدم فهو نصيبه المقطوع منهم له.
وجملة وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً معطوفة على الجملة المتقدمة عليها. أى:
أن هؤلاء المشركين ما يطيعون في عبادتهم لغير الله إلا شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله- تعالى- له، وبين هذا القول الشنيع الصادر منه عند اللعن.
أما الأمر الثاني والثالث اللذان توعد الشيطان بهما بنى آدم فقد حكاهما- سبحانه- في قوله وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أى: ولأضلنهم عن طريق الحق فأجعلهم يسيرون في طريق الباطل إلى نهايته، ولأمنينهم الأمانى الفارغة. بأن أجعلهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة، والأوهام الفاسدة. والأطماع التي تسيطر على نفوسهم وعقولهم، وبذلك يكونون من جندي، ويخضعون لأمري.
أما الأمر الرابع الذي توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه- سبحانه- في قوله وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ.
قال الراغب: البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل في قطع الأعضاء والشعر. يقال بتك شعره وأذنه- أى قطعها أو شقها- ومنه سيف باتك أى قاطع للأعضاء. وأما البت فيقال في قطع الحبل «١» .
وكانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا قطعوا أذنها أو شقوها شقا واسعا علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها وجعلوها للطواغيت وسموها بحيرة أى المشوقة الأذن.
والمراد: أنه يأمرهم بعبادة غير الله وبالأمانى الباطلة. وبتقطيع آذان الأنعام تقربا للطواغيت والأوثان فيسارعون إلى إجابته، وينقادون لوسوسته.
стр. 1364
أما الأمر الخامس الذي توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه- سبحانه- في قوله وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ.
قال ابن كثير: أى دين الله. وهذا كقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ على قول من جعل ذلك أمرا أى: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم. كما ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال: قال رسول الله ﷺ قال الله- تعالى-: «إنى خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» «١» .
وقال بعضهم: المراد بتغيير خلق الله تغيير الصور التي خلق الله عليها مخلوقاته، كفقأ عين فحل الإبل في بعض الأحوال، وقطع الآذان، والوشم، وما يشبه ذلك مما كانوا يفعلونه في جاهليتهم اتباعا للشيطان.
وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق الله: تغيير دين الله فقال ما ملخصه: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، قال: دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه وهي قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمة، وغير ذلك من المعاصي «٢» .
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو مقاله حتى يحذروه ويتخذوه عدوا لهم، لينالوا رضا الله ومثوبته.
وقد أكد- سبحانه- هذا المعنى بقوله: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً.
أى: ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، بأن يتبع الشيطان ويواليه ويسير خلف
стр. 1365
وسوسته، ويترك طريق الحق والهدى، من يفعل ذلك يكن بفعله هذا قد خسر خسرانا واضحا بينا، لأن الشيطان لا يسوق الإنسان إلا إلى ما يهلكه ويخزيه في الدنيا والآخرة، وسيقول لأتباعه يوم ينزل بهم العقاب في الآخرة إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.
وقوله- تعالى- يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً تأكيد للتحذير السابق من اتباع الشيطان.
أى: يعد الشيطان أولياءه بالوعود الباطلة، ويمنيهم بالأمانى الكاذبة، لكي يستمروا على طاعته، والحال أن الشيطان ما يعدهم إلا بالأمور الخادعة التي ظاهرها يغرى وباطنها يردى.
قال القرطبي: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء.
وقوله غُرُوراً مفعول ثان للوعد، أو مفعول لأجله. أو نعت لمصدر محذوف أى وعدا ذا غرور.
وقوله أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً بيان لسوء مصير الذين انقادوا للشيطان واتبعوا خطواته.
والمحيص: المهرب والملجأ. وهو اسم مكان أو مصدر ميمى يقال حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا أى: عدل وحاد.
أى: أولئك الذين اتبعوا خطوات الشيطان وساروا في ركابه، مستقرهم جميعا جهنم، ولا يجدون ملجأ دونها يلتجئون إليه، أو مهربا يهربون منه لينجوا من عذابها، وإنما يبقون فيها دون أن يتمكنوا من الخروج منها.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت أشد التحذير من الإشراك بالله- تعالى- ومن اتباع وساوس الشيطان وخداعه ووعوده الباطلة، وأمانيه الخادعة، وهددت كل من يهجر طريق الرشد. ويسلك طريق الغي بالعذاب الشديد الذي لا مفر منه ولا مهرب.
ثم عقب- سبحانه- ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين، الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وابتعدوا عن كل مالا يرضيه فقال- سبحانه-:
стр. 1366
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٦]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
وقوله- تعالى- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك، أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جريا على عادة القرآن في تعقيب الإنذار بالبشارة، والوعيد بالوعد.
أى: والذين آمنوا بالله إيمانا حقا، وقدموا في حياتهم الأعمال الصالحات «سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار» أى من تحت غرفها ومساكنها الأنهار «خالدين فيها أبدا» أى: مقيمين فيها إقامة أبدية «وعد الله حقا» أى: واقعا لا محالة ما وعد الله به عباده الصالحين من نعم بخلاف ما وعد الشيطان به أتباعه فإنه وعد كاذب باطل.
وقوله وَعْدَ اللَّهِ منصوب على المصدر المؤكد لمضمون جملة سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لأنها بمعناه فكأنه مؤكد لنفسه وقوله حَقًّا منصوب بفعل محذوف أى: حق ذلك حقا.
стр. 1367
والاستفهام في قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا للنفي. والقيل مصدر كالقول أى: هذا ما وعد الله به عباده المؤمنين، وما وعد الله به عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة، لأنه لا أحد أصدق من الله قولا. فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد الله لعباده المؤمنين بالجنة.
وقوله قِيلًا منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ ثم بين- سبحانه- أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
والأمانى: جمع أمنية. وهي ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء متنوعة.
كحصوله على الخير الوفير في الدنيا، وعلى الجنة في الآخرة. وهي مأخوذة من التمني.
وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين. وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ
. الآية.
وقال مجاهد: قالت العرب لن نبعث ولن نعذب. وقالت اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى. فأنزل الله- تعالى- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ. الآية «١» .
والضمير في قوله لَيْسَ يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ودخول الجنة.
والخطاب لجميع الفرق التي حدث بينها تنازع في شأن الدين الحق، وفي شأن ما يترتب على ذلك من ثواب.
والمعنى: ليس ما وعد الله به من الثواب أو إدخال الجنة، أو ليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانيكم- أيها المسلمون- أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإيمان الصادق، وبالعمل الصالح، وبالسعي والجد في طاعة الله، فقد اقتضت سنة الله- تعالى- أن من يعمل خيرا يجد خيرا، ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أى: من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إلا إذا تاب، أو تفضل الله عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا.
стр. 1368
وقد سار ابن كثير في تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال: «والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان ولهذا قال: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.
أى ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني. بل العبرة بطاعة الله- سبحانه- واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» .
ومنهم من يرى أن الخطاب في قوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ للمسلمين.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله: في لَيْسَ ضمير وعد الله أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب بِأَمانِيِّكُمْ وَلا بأمانى أهل الكتاب. والخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به. وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله «٢» .
ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين. وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ. مشركي قريش.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب. لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض في قوله قبل ذلك.
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ وقوله يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ فإلحاق معنى قوله- تعالى- لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من أثر الرسول ﷺ «٣» .
ومع وجاهة هذا الرأى الذي سار عليه ابن جرير، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب. لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهي أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح.
وقوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ جملة مكونة من شرط وجزاء. والمراد بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصي. وقيل: المراد بالسوء هنا الكفر فقط.
стр. 1369
قال الآلوسى قوله- تعالى-: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أى: عاجلا أو آجلا. فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبى بكر الصديق قال: كنت عند النبي ﷺ فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله: يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت على؟ فقلت: بلى يا رسول الله. فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت انفصاما في ظهري.. فقال رسول الله ﷺ . مالك يا أبا بكر؟ قلت بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء. وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ﷺ : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله- تعالى- ليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة.
وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله- تعالى- فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها.
قال الآلوسى: والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى. ولهذا أجمع عامة العلماء على أن الأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها- وإن قلت مشقتها- يكفر الله- تعالى- بها الخطيئات، والأكثرون على أنها- أيضا ترفع بها الدرجات، وهو الصحيح المعول عليه. فقد صح في غير ما طريق «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» «١» .
وقوله- تعالى- وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً تذييل قصد به تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء.
أى: أن من يعمل السوء سيجازى به، ولا يجد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى الله- سبحانه- يلي أمره ويحامى عنه، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب الله- تعالى- ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً.
أى: ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أنثى ما دام متحليا بصفة الإيمان، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يدخلون الجنة جزاء عملهم ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم، ولو كان هذا الشيء نقيرا وهو النقطة التي تكون في ظهر النواة ويضرب بها المثل في القلة والحقارة.
ومَنْ في قوله مِنَ الصَّالِحاتِ للتبعيض أى: بعض الأعمال الصالحات لأن الإنسان
стр. 1370
لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة، وإنما كل إنسان يعمل على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها.
ومَنْ في قوله مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى للبيان. أى بيان أن الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر.
وفي ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذي كان واقعا عليها قبل شريعة الإسلام العادلة.
والجملة الكريمة في موضع نصب على الحال من ضمير يَعْمَلْ.
وقوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ قيد لإخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من أعمال صالحة في الدنيا فإنها لن تنفعه في الآخرة بسبب كفره بالدين الحق.
واسم الإشارة وهو قوله فَأُولئِكَ يعود إلى من في قوله وَمَنْ يَعْمَلْ باعتبار معناها.
وقوله وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً بيان لفضل الله- تعالى- وعد له، وأنه- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
ثم أثنى- سبحانه- على من أخلص له الإيمان والعمل فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ.
أى: لا أحد أحسن دينا، وأجدر بالقبول عند الله وبجزيل ثوابه ممن أخلص نفسه لله، وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه.
وقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ أى: وهو مؤد لما أمره الله به ومبتعد عن كل ما نهاه الله عنه، على الوجه اللائق الحسن.
فالاستفهام في قوله وَمَنْ أَحْسَنُ للنفي. والمقصود منه مدح من فعل ذلك على أتم وجه.
وقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ جملة في موضع الحال من فاعل أَسْلَمَ.
فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين:
أولهما: إخلاص القلب والنية لله- تعالى- بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله.
والثاني: إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإحسان الذي عرفه النبي ﷺ بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
وقوله وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً بيان لما كان عليه إبراهيم- ﵇ من عقيدة سليمة، ودين قويم. وهو معطوف على قوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ.