وقوله- تعالى- حكاية عنهم: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ إخبار من الله عن جراءة اليهود عليه- سبحانه- وسوء أدبهم معه، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التي لا تحصى.
وأرادوا بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ: أنه- سبحانه- بخيل عليهم، ممسك خيره عنهم، مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف.
وأصل الغل- كما يقول الراغب- تدرع الشيء وتوسطه، ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر. والغل مختص بما يقيد به الشخص فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال «١» .
وليس المراد باليد هنا الجارحة المعروفة بهذا الاسم، لأن الله- تعالى- منزه عن مشابهة الحوادث. وإنما غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير والعطاء.
والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لا سيما في دفع المال وإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والكف فقيل للجواد فياض اليد، مبسوط الكف، وقيل للبخيل: مقبوض اليد، كز الكف.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: «غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله- تعالى- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة، حتى إنه يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان البخل والجود.
وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقول القائل:
جاد الحمى بسط اليدين بوابل ... شكرت نداه تلاعه ووهاده
ويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفين.
وقد علق صاحب الانتصاف على قول صاحب الكشاف «غل اليد وبسطها مجاز» فقال:
والنكتة في استعمال هذا المجاز تصوير الحقيقة المعنوية بصورة حسية تلزمها غالبا، وهي بسط اليد للجود وقبضها للبخل، ولا شيء أثبت من الصور الحسية في الذهن، فلما كان الجود
стр. 1682
والبخل معنيين لا يدر كان بالحس. عبر عنهما بلازمهما لفائدة الإيضاح والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات «١» .
وقوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن يخلق- سبحانه- فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله- تعالى- بسبب سوء أدبهم معه- سبحانه- وجحودهم لنعمه.
وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم، وأساءوا الأدب مع خالقهم ورازقهم، فقالوا في شأنه ما هو منزه عنه- تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
قال الآلوسى ما ملخصه: ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدى الحقيقة، بأن يغلوا في الدنيا أسارى- وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم. ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيسا. وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقوله: سبني سب الله دابره أى قطعه، لأن السب أصله القطع «٢» .
وقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ معطوف على مقدر يقتضيه المقام، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل.
والمعنى: كلا- أيها اليهود- ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل، بل هو- سبحانه- الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه.
فبسط اليد هنا كناية عن الجود والفضل والإنعام منه- سبحانه- على خلقه.
وعبر بالمثنى فقال: بَلْ يَداهُ للإشارة إلى كثرة الفيض والإنعام، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء أعطى بكلتا يديه.
قال ابن كثير قوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ أى: بل هو الواسع الفضل. الذي ما يخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له. كما قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ والآيات في هذا كثيرة.
وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة- أى لا ينقصها الإنفاق- سحاء- أى مليئة- الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه. وكان عرشه على الماء، وفي يده الأخرى
стр. 1683
الفيض- أو القبض- يرفع ويخفض وقال: يقول الله- تعالى-: أنفق أنفق عليك» «١» .
وقوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده، والدلالة على أنه على مقتضى حكمته ومشيئته فهو- سبحانه- يبسط الرزق لمن يشاء أن يبسطه له ويقبضه عمن يشاء أن يقبضه عنه، وقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه لا ينافي سعة كرمه، لأنه يعطى ويمنع على حسب مشيئته التي أقام بها نظام خلقه.
ثم بين- سبحانه- موقفهم الجحودى مما أنزله على رسوله ﷺ فقال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً.
أى: إن ما أنزلنا عليك يا محمد من قرآن كريم، وما أطلعناك عليه من خفى أمور هؤلاء اليهود، ومن أحوال سلفهم كل ذلك ليزيدن الكثيرين منهم كفرا على كفرهم، وطغيانا على طغيانهم، وذلك لأنهم قوم أكل الحقد قلوبهم، واستولى الحسد على نفوسهم.
وإذا كان ما أنزلناه إليك يا محمد فيه الشفاء لنفوس المؤمنين، فإنه بالنسبة لهؤلاء اليهود يزيدهم بغيا وظلما وكفرا.
قال- تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً «٢» .
فالجملة الكريمة بيان لموقف اليهود الجحودى من الآيات التي أنزلها الله على رسوله ﷺ وهي في الوقت ذاته تسلية له ﷺ عما يلقاه منهم.
وقد أكد- سبحانه- هذه الجملة بالقسم المطوى، وباللام الموطئة له، ونون التوكيد الثقيلة لكي ينتفى الرجاء في إيمانهم، وليعاملهم النبي ﷺ وأتباعه على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة، وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع.
وقوله كَثِيراً هو المفعول الأول لقوله وَلَيَزِيدَنَّ وفاعله ما الموصولة في قوله ما أُنْزِلَ وقوله طُغْياناً هو المفعول الثاني.
ثم زاد- سبحانه- في تسلية رسوله ﷺ فأصدر حكمه فيهم بدوام العداوة والبغضاء بين طوائفهم وفرقهم فقال: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فالضمير في قوله بَيْنَهُمُ يعود إلى فرق اليهود المختلفة من فريسيين وصدوقيين وقرائين، وكتبة وغير ذلك من فرقهم المتعددة.
стр. 1684
وقيل: الضمير يعود إلى طائفتى اليهود والنصارى.
والأول أرجح لأن الحديث في هذه الآية عن اليهود الذين وصفوا الله- تعالى- بما هو منزه عنه.
والعداوة والبغضاء يرى بعضهم أنهما اسمان لمعنى واحد.
ويرى آخرون أن معناهما مختلف. فالعداوة معناها المناوأة الظاهرة، والبغضاء هي الكراهية التي تكون في القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا. فلا عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعداوة.
قال أبو حيان: والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس التي تكون في القلب. فهما معنيان متغايران وإن كانا متلازمين أحيانا. فلا عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلان للعداوة.
قال أبو حيان: والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو. وقال ابن عطية. وكأن العداوة شيء يشهد، يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء لا تتجاوز النفوس «١» .
والمعنى: وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة العداوة الدائمة، والبغضاء المستمرة، فأنت تراهم كلمتهم مختلفة، وقلوبهم شتى وكل فرقة منهم تلصق النقائص بالأخرى، وهم على هذه الحال إلى يوم القيامة.
وما أظهره اليهود في هذا العصر من تعاون وتساند جعلهم ينشئون دولة لهم بفلسطين، هو أمر مؤقت، فإن هذه الدولة لن تستمر طويلا، بل ستعود إلى أهلها المسلمين متى صدقوا في جهادهم واتبعوا تعاليم دينهم.
قال الفخر الرازي: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه- تعالى- بين أن هؤلاء اليهود إنما ينكرون نبوته ﷺ بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد. ولأجل حب الجاه والمال. ثم إنه- تعالى- بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أنه- تعالى- كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته.. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا. ويحارب بعضهم بعضا.
فإن قلت: فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا على الكتابيين حتى يذموا عليه؟
قلنا: بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبوة وعصر الصحابة والتابعين. أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيبا
стр. 1685
على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن» «١» .
وقوله: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أى: كلما أرادوا حرب الرسول ﷺ والمؤمنين وهيئوا الأسباب لذلك وحاولوا تفريق كلمتهم وإثارة العداوة بينهم. كلما فعلوا ذلك أفسد الله عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، وألقى الرعب في قلوبهم.
والتعبير بهذه الجملة الكريمة جاء على وفق ما جرى عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا يسمونها نار الحرب.
والتعبير هنا لذلك على سبيل المجاز إذ عبر- سبحانه- عن إثارة الحروب بإيقاد نارها.
باعتبار أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المستعرة في أخطارها ومصائبها.
وقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ تذييل مقرر لما قبله من الصفات الذميمة التي دمغ الله- تعالى- بها اليهود.
أى: أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وأنهم يسعون سعيا حثيثا للإفساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن، وإيقاظ الأحقاد بين الناس. والله- تعالى- لا يحب المفسدين بل يبغضهم ويمقتهم، لإيثارهم الضلالة على الهدى، والشر على الخير.
وبهذا نرى الآية الكريمة قد ردت على اليهود في نسبتهم البخل إلى الله- تعالى- وبينت أنه- سبحانه- هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء وكشفت عن جوانب من رذائلهم وعنادهم وأوضحت أنه- سبحانه- يبغضهم لأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ولقد بسطنا القول في مظاهر فسادهم في الأرض في غير هذا الموطن فارجع إليه إن شئت «٢» .
وبعد أن حكى- سبحانه- ما حكى من رذائل أهل الكتاب وخصوصا اليهود عقب ذلك بفتح باب الخير لهم متى آمنوا واتقوا فقال- تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٥ الى ٦٦]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)
стр. 1686
والمعنى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ من اليهود والنصارى آمَنُوا برسول الله- ﷺ وبما جاء به من حق ونور وَاتَّقَوْا الله- تعالى- بأن صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضاه. لو أنهم فعلوا ذلك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ بأن رفعنا عنهم العقاب وسترنا عليهم معاصيهم فلم نحاسبهم عليها، وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ في الآخرة.
قال الفخر الرازي: واعلم أنه- سبحانه- لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم عقب ذلك ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا. أما سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين:
أحدهما: رفع العقاب.
والثاني: إيصال الثواب.
أما رفع العقاب فهو المراد بقوله: لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. وأما إيصال التواب فهو المراد بقوله: وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وأما سعادات الدنيا فقد ذكرها في قوله بعد ذلك: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ «١» .
وكرر- سبحانه- اللام في قوله: لَكَفَّرْنا. وَلَأَدْخَلْناهُمْ لتأكيد الوعد. وفيه تنبيه إلى كثرة ذنوبهم ومعاصيهم وإلى أن الإسلام يجب ما قبله من ذنوب مهما كثرت.
وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا.
وجمع- سبحانه- بين الإيمان والتقوى، للإيذان بأن الإيمان الذي ينجى صاحبه، ويرفع درجاته، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله، لا إيمان المنافقين الذين يدعون الإيمان وهو منهم برىء والضمير في قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعود إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإيمان ليدخلوا فيه كي ينالوا رضاه.
والمراد بإقامة التوراة والإنجيل: العمل بما فيهما من بشارات بصدق النبي ﷺ وحضهم على
стр. 1687
الإيمان به عند ظهوره وتنفيذ ما اشتملا عليه من أحكام أيدتها تعاليم الإسلام، وأصل الإقامة الثبات في المكان. ثم استعير في إقامة الشيء لتوفية حقه.
والمراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم، لأنهم مخاطبون به، وليسوا خارجين عن دائرة التكاليف التي دعا إليها.
قال- تعالى- وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «١» أى: لأنذركم به يا أهل مكة، ولأنذر به أيضا جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم.
وقيل: المراد بما أنزل إليهم من ربهم. كتب أنبيائهم السابقين مثل كتاب شعياء، وكتاب حزقيل، وكتاب دانيال. فإنها مشتملة أيضا على البشارة بالنبي ﷺ .
والمراد بقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ المبالغة في شرح ما ينعم الله به عليهم من خيرات وأرزاق تعمهم من كل جهة من الجهات لا أن هناك فوقا وتحتا.
أى: لأكلوا أكلا متصلا وفيرا، ولعمهم الخير والرزق من كل جهة بأن تعطيهم السماء مطرها وبركتها، وتعطيهم الأرض نباتها وخيرها، فيعيشوا في رغد من العيش وفي بسطة من الرزق.
وفي ذلك دلالة على أن الاستقامة على شرع الله، تأتى بالرزق الرغيد، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في آيات كثيرة ومن ذلك قوله- تعالى-:
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً «٢» .
وقال- تعالى- حكاية عن هود أنه قال لقومه: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ «٣» .
والمعنى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أى اليهود والنصارى أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بأن عملوا بما فيهما من أقوال تدعوهم إلى الإيمان بالدين الحق الذي جاء به محمد ﷺ وتركوا تحريف الكلم عن مواضعه.
ولو أنهم- أيضا آمنوا بما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ من قرآن مجيد فيه هدايتهم وسعادتهم لو أنهم فعلوا ذلك لأتاهم الرزق الواسع من كل ناحية ولعمهم الخير من كل جهة، ولعاشوا آمنين مطمئنين.
стр. 1688
والمراد بالأكل الانتفاع مطلقا، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الانتفاعات ويستتبع سائرها.
ومفعول «أكلوا» محذوف لقصد التعميم. أو القصد إلى نفس الفعل كما في قولهم: فلان يعطى ويمنع.
وقوله: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ مدح للقلة التي تستحق المدح من أهل الكتاب» وذم للكثيرين منهم الذين قبح عملهم وفسدت نفوسهم.
والأمة: الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد. أو جنس واحد. أو مكان واحد.
ومقتصدة من الاقتصاد وهو الاعتدال في كل شيء والمراد به هنا: السير على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير، وهو طريق الإسلام.
والمعنى: من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق، وهم قلة آمنت بالنبي- ﷺ وإلى جوار هذه الجماعة القليلة المستقيمة عدد كبير من أهل الكتاب ساء عملهم، واعوج سلوكهم، وكان من حالهم ما يثير العجب والدهشة.
والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب من دخل منهم في الإسلام واتبع ما جاء به النبي- ﷺ .
وبذلك نرى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية متى آمنوا بالله تعالى- واتبعوا ما جاء به رسوله محمد ﷺ .
وبعد أن حكى الله- تعالى- في الآيات السابقة ما كان عليه أعداء الإسلام- وخصوصا اليهود- من محاولات لفتنة الرسول ﷺ ومن دسائس حاكوها لعرقلة سير الدعوة الإسلامية، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ومن حقد على المؤمنين لإيمانهم برسل الله وكتبه ومن سوء أدب مع خالقهم ورازقهم. بعد أن حكى- سبحانه- كل ذلك، أتبعه بتوجيه نداء إلى الرسول ﷺ أمره فيه بأن يمضى في تبليغ رسالته إلى الناس دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين، أو حقد الحاقدين. فإنه- سبحانه- قد حماه وعصمه منهم فقال:
[سورة المائدة (٥) : آية ٦٧]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)
стр. 1689
روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما غزا رسول الله ﷺ بنى أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الحارث من بنى النجار: لأقتلن محمدا فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطنى سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال يا محمد. أعطنى سيفك أشيمه- أى أراه- فأعطاه إياه- فرعدت يده حتى سقط السيف من يده: فقال رسول الله ﷺ حال الله بينك وبين ما تريد.
فأنزل الله- تعالى- يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. الآية «١» .
قال الفخر الرازي- بعد أن ذكر عشرة أقوال في سبب نزولها- واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله- تعالى- آمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود والنصارى، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها» «٢» .
وهذا الذي قاله الإمام الرازي هو الذي تسكن إليه النفس أى أن الآية الكريمة ساقها الله- تعالى- لتثبيت النبي ﷺ وتقوية قلبه وأمره بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه الذين حدثه عن مكرهم به وكراهتهم له، حديثا مستفيضا، وقد بشره- سبحانه- في هذه الآية بأنه حافظه من مكرهم وعاصمه من كيدهم.
وقوله: بَلِّغْ من التبليغ بمعنى: إيصال الشيء إلى المطلوب إيصاله إليه.
والمعنى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ الكريم المرسل إلى الناس جميعا بَلِّغْ أى: أوصل إليهم ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أى: كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار دون أن تخشى أحدا إلا الله. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ما أمرت به من إيصال وتبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك إلى الناس فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ أى: وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه الله إليه، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها.
وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله: قوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أى: وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك. فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ أى: فلم تبلغ إذا ما كلفت به من أداء الرسالة، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدلى به
стр. 1690
غيرها، وكونها لذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به» «١» .
وفي ندائه ﷺ بوصف الرسالة تشريف له وتكريم وتمهيد لما يأمره به الله من وجوب تبليغ ما كلف بتبليغه إلى الناس دون أن يخشى أحدا سواه.
لأن الله- تعالى- هو الذي خلقه ورباه وتعهده بالرعاية والحماية. وهو الذي اختاره لحمل هذه الرسالة دون غيره، فمن الواجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزل إليه منه- سبحانه- قال الجمل: وقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ظاهر هذا التركيب اتحاد الشرط والجزاء، لأنه يؤول ظاهرا إلى وإن لم تفعل فما فعلت، مع أنه لا بد وأن يكون الجواب مغايرا للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام.
وقد أجاب عن ذلك ابن عطية بقوله أى: وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به فصار المعنى: وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا» «٢» .
وقال صاحب الانتصاف ما ملخصه: ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس أنه عظيم شنيع، ينقم على مرتكبه بل إن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول: لما كان الأمر كذلك استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء، للصوقها بالجزاء في الأفهام وإن كان من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز يذكر الشرط عاما بقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ولم يقل: فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة، حتى يكون اللفظ متغايرا، وهذه المغايرة اللفظية- وإن كان المعنى واحدا- أحسن رونقا، وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا الفصل كاللباب من علم البيان» «٣» .
هذا، ومن المعلوم الذي لا خفاء فيه عند كل مسلم، أن الرسول ﷺ قد بلغ ما أمره الله به البلاغ التام، وقام به أتم القيام دون أن يزيد شيئا على ما كلفه به ربه أو ينقص شيئا.
وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من النصوص التي تشهد بأن الرسول ﷺ قد امتثل أمر الله في تبليغ رسالته، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت لمسروق: من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب.
стр. 1691
والله يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. الآية.
ثم قال: ابن كثير: وقد شهدت له ﷺ أمته بإبلاغ الرسالة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع. فقد قال في خطبته يومئذ: «أيها الناس، إنكم مسئولون عنى فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» «١» .
وقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وعد منه- سبحانه- بحفظ نبيه من كيد أعدائه.
وقوله: يَعْصِمُكَ من العصم بمعنى الإمساك والمنع. وأصله- كما يقول ابن جرير- من عصام القربة، وهو ما تربط به من سير وخيط ومنه قول الشاعر:
وقلت عليكم بمالك إن مالكا ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
أى: سيمنعكم «٢» .
والمعنى: عليك يا محمد أن تبلغ رسالة الله دون أن تخشى أحدا سواه، والله- تعالى- يحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك:
فالمراد بالعصمة هنا: عصمة نفسه وجسمه ﷺ من القتل أو الإهلاك، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل. وهذا لا ينافي ما تعرض له ﷺ من بأساء وضراء وأذى بدني، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه، وشج وجهه وكسرت رباعيته في غزوة أحد.
والمراد بالناس هنا: المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال والعناد، إذ ليس في المؤمنين الصادقين إلا كل محب لله ولرسوله.
ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول ﷺ فقد عصم الله- تعالى- حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدى الناس مهما دبروا له من مكر وكيد.
لقد نجاه من كيدهم عند ما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة.
ونجاه من كيد اليهود عند ما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم.
ونجاه من مكرهم عند ما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم.
ونجاه من مكرهم عند ما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه ﷺ .
إلى غير ذلك من الأحداث التي تعرض لها النبي ﷺ من أعدائه. ولكن الله- تعالى- نجاه منهم «٣» .
стр. 1692
وهناك آثار تشهد بأن النبي ﷺ كان يحرس من بعض أصحابه فلما نزلت هذه الآية صرفهم عن حراسته.
فقد أخرج الترمذي والحاكم وابن أبى حاتم وابن جرير عن عائشة قالت: كان رسول الله يحرس ليلا حتى نزلت وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال لهم: «أيها الناس انصرفوا لقد عصمنى الله» «١» .
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تذييل قصد به تعليل عصمته ﷺ وتثبيت قلبه أى: إن الله- تعالى- لا يهدى القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم الغي على الرشد. ولا يوصلهم إلى ما يريدونه من قتلك ومن القضاء على دعوتك، بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك.
وبعد هذا التثبيت والتكريم لنبيه. أمره- سبحانه- أن يصارح أهل الكتاب بما هم عليه من باطل وأن يدعوهم إلى اتباع الحق الذي جاء به فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : آية ٦٨]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)
قال الآلوسى: أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق، فقال النبي ﷺ بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمركم أن تبينوه للناس فبرئت من أحداثكم. قالوا: فإن لم تأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل الله قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ الآية «٢» .
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين امتدت أيديهم إلى كتبهم بالتغيير والتبديل. قل لهم يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يعتد به من الدين أو العلم أو المروءة
стр. 1693
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
أى: لستم على شيء يقام له وزن من أمر الدين حتى تعملوا بما جاء في التوراة والإنجيل، من أقوال تبشر برسالة محمد ﷺ وحتى تؤمنوا بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهدى إلى الرشد: لأنكم مخاطبون به، ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه، ومحاسبون حسابا عسيرا على الكفر به، وعدم الإذعان لما اشتمل عليه.
والتعبير بقوله- تعالى- لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ فيه ما فيه من الاستخفاف بهم، والتهوين من شأنهم، أى: لستم على شيء يعتد به ألبتة من أمر الدين. وذلك كما يقول القائل عن أمر من الأمور: هذا الأمر ليس بشيء يريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي الأمثال، أقل من لا شيء.
فالجملة الكريمة تنفى عنهم أن يكون في أيديهم شيء من الحق والصواب ماداموا لم يؤمنوا بالنبي ﷺ الذي بشرت به التوراة والإنجيل وأنزل الله عليه القرآن وهو الكتاب المهيمن على الكتب السماوية السابقة.
وقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً جملة مستأنفة مبينة لغلوهم في العناد والجحود، وناعية عليهم عدم انتفاعهم بما يشفى النفوس، ويصلح القلوب.
والضمير في قوله مِنْهُمْ يعود إلى أهل الكتاب.
أى: وإن ما أنزلناه إليك يا محمد من هدايات وخيرات ليزيدن هؤلاء الضالين من أهل الكتاب طغيانا على طغيانهم. وكفرا على كفرهم لأن نفوسهم لا تميل إلى الحق والخير وإنما تنحدر نحو الباطل والشر.
وقوله: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ تذييل قصد به تسلية الرسول ﷺ والفاء للإفصاح.
والأسى: الحزن. يقال: أسى فلان على كذا يأسى أسى إذا حزن.
أى: إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلا تحزن عليهم، ولا تتأسف على القوم الكافرين فإنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى، وفي المؤمنين غنى لك عنهم.
وليس المراد نهيه ﷺ عن الحزن والأسى، لأنهما أمران طبيعيان لا قدرة للإنسان عن صرفهما، وإنما المراد نهيه عن لوازمهما، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب وتعظيم أمرها وبذلك تتجدد الآلام ويحزن القلب.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن الناس أمامه سواء وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأن الايمان الحق يقطع ما قبله من عقائد زائفة. وأفعال سيئة فقال- تعالى-:
стр. 1694
[سورة المائدة (٥) : آية ٦٩]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
فالآية الكريمة تبين أن أساس النجاة يوم القيامة هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وما يستتبع ذلك من أفعال طيبة وأعمال صالحة.
وقد ذكر- سبحانه- في هذه الآية أربع فرق من الناس:
أما الفرقة الأولى: فهي فرقة المؤمنين، وهم الذين عبر عنهم- سبحانه- بقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أى: آمنوا إيمانا صادقا، بأن أذعنوا للحق الذي جاء به محمد ﷺ واتبعوه في كل ما جاء به.
وقد ابتدأ القرآن بهم لشرفهم وعلو منزلتهم وللإشعار بأن دين الإسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك.
والفرقة الثانية: فرقة الذين هادوا. أى اليهود. يقال: هاد وتهود إذا دخل في اليهودية.
وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب- ﵇ وقد قلبت الذال في كلمة يهوذا دالا في التعريب. أو سموا حين تابوا من عبادة العجل من هاد يهود هودا بمعنى تاب ومنه قوله- تعالى- إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أى: تبنا ورجعنا إليك.
والفرقة الثالثة: فرقة الصابئين جمع صابئ وهو الخارج من دين إلى دين. يقال صبا الظلف والناب والنجم- منع وكرم- إذا طلع.
والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ولا تزال بقية منهم تعيش في تخوم العراق، ومن العسير الجزم بحقيقة معتقدهم، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم.
وأما الفرقة الرابعة: فهي فرقة النصارى جمع نصران بمعنى نصراني قيل سموا بذلك لأنهم ادعوا أنهم أنصار عيسى- ﵇ وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية الناصرة التي ظهر بها عيسى- ﵇ واتبعه بعض أهلها.
والإيمان المشار إليه في قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يفسره بعض العلماء بالنسبة
стр. 1695
لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذي قرره الإسلام. فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام، وكان ينتمى إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه، فله أجره على ذلك عند ربه.
أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها لأن شريعة الإسلام قد نسخت ما قبلها، والرسول ﷺ قال: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى» .
ويفسرونه- أى الإيمان المشار إليه سابقا- بالنسبة للمؤمنين الذين عبر الله عنهم بقوله:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا على أنه بمعنى الثبات والدوام والإذعان، وبذلك ينتظم عطف قوله- تعالى- وَعَمِلَ صالِحاً على قوله آمَنَ مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على العمل الصالح من ثواب جزيل وعاقبة حميدة.
وبعض العلماء يرى أن معنى مَنْ آمَنَ أى: من أحدث من هذه الفرق إيمانا بالنبي ﷺ وبما جاء به من عند ربه.
قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات.
وقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بيان لحسن عاقبتهم، وجزيل ثوابهم.
أى. فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل هم في مأمن منها، ولا هم يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها في العمل الصالح.
هذا وقد قرأ جمهور القراء وَالصَّابِئُونَ بالرفع. وقرأ ابن كثير بالنصب.
وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الأكثرون، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله: وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أى: إيمانا حقا لا نفاقا. وخبر إن محذوف تقديره: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. دل عليه المذكور، وقوله: وَالَّذِينَ هادُوا مبتدأ. فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى عطف على هذا المبتدأ. وقوله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ. خبر عن هذه المبتدءات الثلاثة. وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكأنه قال: الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم
стр. 1696
يحزنون. فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإيمان لا مطلقا «١» .
وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال: قوله: وَالصَّابِئُونَ رفع على الابتداء وخبره محذوف. والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها. كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. والصابئون كذلك.
ثم قال: فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟
قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟ وذلك لأن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها أى: خرجوا» «٢» .
والخلاصة، أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب في الإيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر، واتبع ما جاء به النبي ﷺ واستمر على هذا الإيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة، فإن الله- تعالى- يرضى عنه ويثيبه ثوابا حسنا، وبتجاوز عما فرط منه من ذنوب، لأن الإيمان الصادق يجب ما قبله، من عقائد زائفة، وأعمال باطلة وأقوال فاسدة.
وبعد أن فتح- سبحانه- باب الإيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكي يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته. عقب ذلك باستئناف الحديث من أنواع أخرى من الرذائل التي عرفت عن بنى إسرائيل فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)
стр. 1697
والمراد بالميثاق في قوله: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ: العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن يؤدوا ما كلفهم به من تكاليف وأن يتبعوا النبي ﷺ عند ظهوره.
وقد أكد الله هذا الميثاق الذي أخذه عليهم بلام القسم وبقد المفيدة للتحقيق أى: بالله لقد أخذنا الميثاق على بنى إسرائيل بأن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئا، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات والشرائع والأحكام.
وقوله وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا معطوف على أَخَذْنا والتنكير في قوله: رُسُلًا للتكثير والتعظيم.
أى: أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيروا على الطريق المستقيم، وأرسلنا إليهم رسلا ذوى عدد كثير، وأولى شأن خطير، لكي يتعهدوهم بالتبشير والإنذار، ولكي يرشدوهم إلى ما يأتون وما يذرون من أمور دينهم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- مع أخذه الميثاق عليهم لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به.
ولم يذكر- سبحانه- هنا موضوع هذا الميثاق، اكتفاء بذكره في مواطن أخرى كثيرة. ومن ذلك قوله- تعالى- قبل ذلك في هذه السورة:
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ، لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ. وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً الآية «١» .
وقوله- تعالى- في سورة البقرة: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ.. الآية «٢» .
وقوله: كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذي أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم.
أى: أخذنا الميثاق المؤكد عليهم، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق، وعصوا الرسل، فكانوا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بما لا تشتهيه نفوسهم الشقية، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية، ناصبوه العداء فكذبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل.
ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم. وقتلوا من
стр. 1698
بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبوهم: زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى- ﵇ كما حاولوا قتل رسول الله ﷺ إلا أن الله- تعالى- نجاهما من مكرهم وكيدهم.
قال صاحب الكشاف: وقوله: كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ جملة شرطية وقعت صفة لقوله:
رُسُلًا. والرابط محذوف: أى: رسول منهم بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ أى بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم.
فإن قلت: أين جواب الشرط قلت: هو محذوف يدل عليه فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ فكأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه» «١» .
والتعبير بقوله: كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ يدل على أن حال بنى إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين أمرين إما التكذيب لهم، والاستهانة بتعاليمهم وإما أن يجمعوا مع التكذيب قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة. فكأن التكذيب والقتل قد صارا سجيتين لهم لا تتخلفان في أى زمان ومع أى رسول، وذلك لأن لفظ «كل» يدل على العموم. «وما» مصدرية ظرفية دالة على الزمان، فكأنه- سبحانه- يقول: في كل أوقات مجيء الرسل إليهم كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان.
وقال- سبحانه- بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ للمبالغة في ذمهم، إذ هوى النفس ميلها في الغالب إلى الشهوات التي لا تنبغي، والرسل ما أرسلهم الله- تعالى- إلا لهداية الأنفس، وكفها عن شهواتها التي يؤدى الوقوع فيها إلى المفاسد.
وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءوهم بما يخالف هواهم، ويتعارض مع أنانيتهم وشرههم ومطامعهم الباطلة.
وهكذا الأمم عند ما تفسد عقولها وتسيطر عليها الأطماع والشهوات، ترى الحسن قبيحا، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها.
وقدم- سبحانه- المفعول به في قوله فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ للاهتمام بتفصيل أحوال بنى إسرائيل السيئة، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم.
وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال: فَرِيقاً كَذَّبُوا وعن القتل بالفعل المضارع فقال: وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ لحكاية الحال الماضية التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم، ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة
стр. 1699
في الحال، وفي ذلك ما فيه من النعي عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التي بلغت نهاية الشناعة والقبح.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أنهم مع ما فعلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ينزجروا، ولم يندموا ... بلغ بهم الغرور والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيء هين وأنه لن يكون له أثر سىء في حياتهم. فقال- تعالى- وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ.
وقوله: وَحَسِبُوا معطوف على قوله كَذَّبُوا وهو من الحسبان بمعنى الظن: وقوله:
فِتْنَةٌ من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لتظهر جودته. والمراد بها هنا: الشدائد والمحن والمصائب التي تنزل بالناس.
وقوله: فَعَمُوا وَصَمُّوا من العمى الذي هو ضد الإبصار، ومن الصمم الذي هو ضد السمع. وقد استعير هنا للإعراض عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل.
والمعنى إن بنى إسرائيل قد أخذنا عليهم العهد المؤكد، وأرسلنا إليهم الرسل لهدايتهم، فكان حالهم أنهم كذبوا بعض الرسل، وقتلوا البعض الآخر. ولم يكتفوا بهذا بل ظنوا- لسوء أعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور والتكبر على نفوسهم- أنهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم للرسل وقتلهم لهم فأمنوا عقاب الله وتمادوا في فنون البغي والفساد وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل واشتملت عليها الكتب السماوية ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أى: قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا أى: ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادهم وضلالهم وعدوانهم على هدايتهم، إلا عددا قليلا منهم بقي على إيمانه وتوبته فأنت ترى أن الآية الكريمة مسوقة لبيان فساد معتقدات بنى إسرائيل وما جبلت عليه نفوسهم من جحود وغرور. حيث ارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم ومنكرات تقشعر لها الأبدان ومع كل ذلك حسبوا أن الله- تعالى- لا يعاقبهم عليها، لأنهم- كما يزعمون- أبناء الله وأحباؤه. ثم إنهم بعد أن تاب الله عليهم نقضوا عهودهم معه وعادوا إلى عماهم عن الدين الذي جاءتهم به رسلهم وإلى صممهم عن الاستماع إلى الحق الذي ألقوه إليهم.
وقوله: أَلَّا تَكُونَ قراءة أبو عمر والكسائي وحمزة بضم النون على اعتبار «أن» هي المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فتنة. فخففت أن وحذف ضمير الشأن- وهو اسمها- وحسبوا على هذه القراءة بمعنى علموا.
وتعليق فعل الحسبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم.
стр. 1700
وقرأه الباقون بفتح النون على اعتبار أن «أن» ناصبة لتكون. وحسب على هذه القراءة على بابها من الشك والظن.
وسد مسد مفعولي حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إليه وهو أن وما في حيزها.
وقوله فَعَمُوا معطوف على حَسِبُوا وجيء بالفاء التي للسببية للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى أن عماهم عن الطريق القويم وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا.
ومن بديع إيجاز القرآن الكريم أن أومأ إلى عدم اهتمامهم بمصيرهم في الآخرة ببيان أن ظنهم لن تنزل بهم مصائب في الدنيا يسبب مفاسدهم، هذا الظن هو الذي جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح.. أما الآخرة فلا مكان لها في تفكيرهم، لأنهم قوم تعساء يحرصون على الدنيا حرصا شديدا دون أن يعيروا الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب أى اهتمام.
وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان وتغلب عليها حب الشهوات وضعف الوازع الديني في نفوس أفرادها. إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصورا على تدبير شئون دنياهم، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم اغمضوا أعينهم عن آخرتهم، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة.
وجيء بحرف العطف ثُمَّ المفيد للتراخي في قوله ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ للإشارة إلى أن قبول توبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم أى: ثم تاب الله عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعراض عن الرشد والهدى.
وقوله ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا بيان لنقضهم لعهودهم مع الله، وارتكاسهم في الذنوب والخطايا والمنكرات. ارتكاسا شديدا بحيث صاروا ليسوا أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك.
أى: بعد أن قبل الله توبتهم من جرائمهم المنكرة. عادوا إلى الانتكاس مرة أخرى فوقعوا في الذنوب والجرائم بإصرار وعناد فأصابهم ما أصابهم من عقوبات لم يتب الله عليهم بعدها.
وقوله كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير في قوله عَمُوا وَصَمُّوا وهذا الإبدال في غاية الحسن. لأنه لو قال عَمُوا وَصَمُّوا بدون هذا البدل لأوهم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك.
فلما قال كَثِيرٌ مِنْهُمْ دل على أن العمى والصمم قد حدث للكثيرين منهم، وهناك قلة منهم لم تنقض عهودها مع الله- تعالى- بل بقيت على إيمانها وصدق توبتها.
стр. 1701
وهذا- كما قلنا مرارا- من إنصاف القرآن للناس في أحكامه، ودقته في ألفاظه، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه.
وقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ تذييل قصد به بطلان حسبانهم المذكور، والبصير مبالغة في المبصر وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يكون منهم من أعمال سواه أبصرها الناس أم لم يبصروها.
والمقصود من هذا الخبر لازم معناه، وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شيء.
وسيحاسبهم على أعمالهم.
أى: والله- تعالى- عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شيء دون أن تخفى عليه خافية، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم.
هذا، وقد تكلم المفسرون عن وقت التوبة التي كانت بعد عماهم وصممهم وعن العمى والصمم الذي أصابهم بعد ذلك وقد أجمل الإمام الرازي كلامهم فقال:
والآية تدل على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين. واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه:
الأول: المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى- ﵈ ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان: ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد ﷺ بأن أنكروا نبوته. وقلة منهم هي التي آمنت به.
الثاني: المراد أنهم عموا وصموا حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة.
الثالث: قال القفال: ذكر الله- تعالى- في سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً «١» .
والذي نراه أن تحديد عماهم وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها هذا التحديد غير مقنع.
ولعل أحسن منه أن نقول: إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة، وطبائع معوجة، ومن نقض للعهود والمواثيق. فهم أخذ الله عليهم العهود فنقضوها، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم وظنوا أن عدوانهم هذا شيء هين ولن يصيبهم بسببه عقاب
стр. 1702
دنيوى، فلما أصابهم العقاب الدنيوي كالقحط والوباء والهزائم. بسبب مفاسدهم، تابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه، فعادوا إلى عماهم وصممهم- إلا قليلا منهم-، وارتكبوا ما ارتكبوا من منكرات بتصميم وتكرار فأصابهم- سبحانه- بفتن لم يتب عليهم منها. وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» .
وبعد أن بين- سبحانه- أنماطا من قبائح اليهود ومن صفاتهم الذميمة شرع في بيان قبائح النصارى وضلالاتهم وأرشدهم إلى طريق الحق والصواب، وحذرهم من السير في طريق الغواية والعناد فقال- تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٢ الى ٧٥]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)
стр. 1703
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما استقصى الكلام مع اليهود، شرع هاهنا في الكلام مع النصارى، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم.
وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله- تعالى- حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى «١» .
واللام في قوله: لَقَدْ كَفَرَ واقعة جوابا لقسم مقدر.
والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره والانغماس في الباطل والضلال.
أى: اقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم.
وقد أكد- سبحانه- كفرهم بالقسم المقدر لأنهم غالوا في إطراء عيسى وفي وضعه في غير موضعه كما غالت اليهود في الكفر به وفي وصفه بالأوصاف التي هو برىء منها.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله عيسى في الرد على من جعلوه إلها فقال: وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.
أى: وقال المسيح مكذبا لمن وصفه بالألوهية: يا بنى إسرائيل اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، فهو ربي الذي خلقني وتعهدنى بالتربية والرعاية، وهو ربكم- أيضا- الذي أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات.
والواو في قوله: وَقالَ الْمَسِيحُ للحال. والجملة حالية من الواو التي هي فاعل قالُوا.
أى: قالوا ما قالوا، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال لبنى إسرائيل حين إرساله إليهم: اعبدوا الله ربي وربكم.
وقوله: رَبِّي وَرَبَّكُمْ تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية لله- تعالى- لأنه- سبحانه- هو الخالق له ولهم ولكل شيء.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله عيسى محذرا من الإشراك فقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك: منعه من دخولها، لإشراكه مع الله آلهة أخرى.
والمأوى: المكان الذي يأوى إليه الإنسان. أى يرجع إليه ويستقر فيه.
стр. 1704
أى: قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، لأنه أى الحال والشأن مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئا في عبادته- سبحانه- فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أى: منعه من دخولها، بسبب شركه وكفره، وجعل مَأْواهُ النَّارُ أى: جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم.
فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإشراك بالله، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء.
وجمع- سبحانه- بين العقوبة السلبية للمشركين وهي حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإيجابية وهي استقرارهم في النار، للإشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا بالله، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التي تدل على جهلهم وسفاهتهم.
والمراد بالظالمين: المشركون الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم فتكون ال للعهد.
ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس.
وقال- سبحانه- وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ بصيغة الجمع لكلمة «أنصار» ، وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق، للإيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم.
أى: مالهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب الله بأى طريقة من الطرق.
وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذي حكاه الله عنه- كما سبق أن ذكرنا- ويحتمل أن تكون من كلام الله- تعالى- وقد ساقها- سبحانه- لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإشراك.
وقوله- تعالى- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون في العقائد والنحل، ويتجمعون على الكفر والضلال، فهم شيع شتى، وفرق متنابذة، كل شيعة منهم تكفر الأخرى وتعارضها في معتقداتها.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: في تفسير قول النصارى إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ طريقان:
الأول: أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والذي يؤكد ذلك قوله- تعالى- للمسيح أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فقوله: ثالِثُ ثَلاثَةٍ أى: أحد ثلاثة آلهة. أو واحد من ثلاثة آلهة.
والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة
стр. 1705
أقانيم: أب، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب الذات. وبالابن الكلمة.
وبالروح الحياة. وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد.
ثم قال الإمام الرازي: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى» «١» :
وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية «٢» .
ومعنى ثالث ثلاثة: واحد من ثلاثة. أى: أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفاعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها: أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير. فتقول: رابع أربعة أى: واحد من أربعة وليس زائدا عليها، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله.
وقوله: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل.
وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على «ما» و «إلا» . مع تأكيد النفي بمن المفيدة لاستغراق النفي.
والمعنى: لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين، الذي خلق الخلق بقدرته، ورباهم بنعمته. وإليه وحده مرجعهم وإيابهم.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال- تعالى-: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله: لَقَدْ كَفَرَ والمراد بانتهائهم: رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر.
والمراد بقوله: - عَمَّا يَقُولُونَ: أى عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان.
стр. 1706
أى: لقد كفر أولئك الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة كفرا شديدا بينا والحق أنه ليس في الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أى: ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم.
فالجملة الكريمة تحذير من الله- تعالى- لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب.
والاعتقاد الفاسد الذي يتنافى مع العقول السليمة، والأفكار القويمة.
وقوله: لَيَمَسَّنَّ جواب لقسم محذوف، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف في قوله وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا والتقدير: والله إن لم ينتهوا ليمسن.
وأكد- سبحانه- وعيدهم بلام القسم في قوله لَيَمَسَّنَّ ردا على اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار، لأن صلب عيسى- في زعمهم- كان كفارة عن خطايا البشر.
وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام: لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة، كما قال- تعالى- في آية أخرى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ «١» .
وقال- سبحانه- لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم.
ومن في قوله مِنْهُمْ يصح أن تكون تبعيضية أى: ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخلوا في دين الإسلام.
ويصح أن تكون بيانية، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله: ومن في قوله: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ للبيان كالتي في قوله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ.
والمعنى: ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة عَذابٌ أَلِيمٌ أى نوع شديد الألم من العذاب.. كما تقول: أعطنى عشرين من الثياب. تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون» «٢» .
وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم، فتح لهم- سبحانه- باب رحمته، حيث رغبهم في الإيمان، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال- تعالى-: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
стр. 1707
والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التي لا يقبلها عقل سليم، ولا تصور قويم.
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام. أى: أيسمعون ما يسمعون من الحق الذي يزهق باطلهم ومن النذر التي ترقق القلوب فلا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى الله وطلب مغفرته، والحال أنه- سبحانه- عظيم المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا.
إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله، وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ليدل على أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهمالهم.
قال أبو السعود: وقوله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ جملة حالية من فاعل يَسْتَغْفِرُونَهُ مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار.
أى: والحال أن الله: - تعالى- مبالغ في المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم من فضله» «١» .
وقال ابن كثير: هذا من كرمه- تعالى- وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم «٢» .
ثم بين- سبحانه- حقيقة عيسى ﵇ وحقيقة أمه مريم حتى يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال- تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.
وقوله صِدِّيقَةٌ صيغة مبالغة في التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب ومسيك مبالغة في الشرب والمسك.
قال الراغب: والصديق من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لم يكذب قط: وقيل:
بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله.. قال تعالى- فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ فالصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة «٣» .
стр. 1708
والمعنى: إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. قد قالوا منكرا وزورا، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعى واحد منهم الألوهية.
وأما أم عيسى مريم فما هي إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها- أو التصديق له في سائر أمورها. وهما- أى عيسى وأمه مريم- عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام، ويشربان الشراب ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم- يا معشر النصارى- أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مع صفات الألوهية: إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولكم وضلال تفكيركم، وعظيم جهلكم.
وقوله مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ جملة مشتملة على قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافى، أى أن المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهي الألوهية فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى في عيسى أنه الله، أو أنه جزء من الله أو أنه أحد آلهة ثلاثة.
وقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ صفة للرسول وهو عيسى أريد بها بيان أنه مساو للرسل الكرام الذين سبقوه في تبليغ رسالة الله إلى الناس وأنه ليس بدعا في هذا الوصف وإذا فلا شبهة للذين زعموا انه إله لأنه لم يجيء بشيء زائد على ما جاء به الرسل.
وقوله. وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ معطوف على قوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها، ونفى أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، فهي ليست إلها. كما أنها ليست رسولا.
ولذا قال ابن كثير: دلت الآية على أن مريم ليست بنبية- كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم عيسى ونبوة أم موسى- استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال- قال تعالى- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى «١» .
وقوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ جملة مستأنفة لبيان خواصهما الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله- تعالى- وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس. لأنها صفة واضحة
стр. 1709
ظاهرة للناس، ودالة على احتياجهما لغيرهما في مطلب حياتهما، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها.
وقال صاحب الكشاف: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة.. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك «١» .
ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه، ولذا عجب الله- تعالى- رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أى: يصرفون يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء.
أى: انظر- يا محمد- كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهرا. ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم.
فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه- سبحانه- أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك.
وكرر الله- سبحانه- الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة وجيء بثم المفيدة للتراخي في قوله ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أى: أن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء الضالين عنها- مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها- أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم.
ثم تابع- سبحانه- حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله- ﷺ أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال- تعالى:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)
стр. 1710
والاستفهام في قوله أَتَعْبُدُونَ لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم.
وما في قوله ما لا يَمْلِكُ يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي وأن تكون نكرة موصوفة.
والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب.
وقوله يَمْلِكُ من الملك بمعنى حيازة الشيء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم:
أتعبدون معبودات غير الله- تعالى- هذه المعبودات وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم:
كالمرض والفقر، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه.
فالمراد بما لا يملك: كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون «ما» للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب.
وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول- تعالى- منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الألوهية فقال- تعالى- قُلْ أى: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً «١» .
ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: ما لا يَمْلِكُ عيسى- ﵇ أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن الله المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم: إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر- بعد الأدلة السابقة- على فساد أقوال النصارى في عيسى وأمه مريم.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون- من دون الله- عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشيء من الضرر في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بشيء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية.
стр. 1711
وأوثرت «ما» على «من» لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما في مسلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادرا على كل شيء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد.
وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله- تعالى- يستحق العبادة والخضوع، لأنه- سبحانه- هو المالك لكل شيء، والخالق لكل شيء أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
وقدم- سبحانه- الضر على النفع فقال: ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير، ولأنهم كانوا يعبدون غير الله- تعالى- وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والاضرار.
وقوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ في محل نصب على الحال. من فاعل أَتَعْبُدُونَ أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم.
ثم أرشدهم- سبحانه- إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ والغلو مصدر غلا في الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير.
وقد نهى النبي- ﷺ عن الغلو حتى في الدين، فقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قلبكم بالغلو في الدين» «١» .
وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» «٢» .
وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون. قالها ثلاثة» «٣» والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التي جاءت بها تعاليم الإسلام.
стр. 1712
وقد غالى أهل الكتاب في شأن عيسى- ﵇ أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدا وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه في غير موضعه الذي وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. وكما غالوا في شأن عيسى ﵇ فقد غالوا أيضا في تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها.
وقوله غَيْرَ الْحَقِّ منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق: أى: غلوا باطلا.
وقوله: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ معطوف على قوله: لا تَغْلُوا قال الفخر الرازي: الأهواء- هاهنا- المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقال: وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى وقال: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وقال: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ.
وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه.
وقيل: سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار. وأنشد في ذم الهوى:
إن الهوى الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال رجل لابن عباس: الحمد الله الذي جعل هو اى على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة» «١» .
والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التي تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أى: لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزا باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذي خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برىء منها.
وقل لهم أيضا: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبي ﷺ بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جريا وراء شهواتهم وأهوائهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ معطوف على قوله قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ.
стр. 1713
أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن سَواءِ السَّبِيلِ أى: عن الطريق الواضح الذي أتى به النبي ﷺ وهو طريق الإسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه ﷺ مع معرفتهم بصدقة بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله.
فأنت ترى أنه- تعالى- قد وصفهم- كما يقول الإمام الرازي- بثلاث درجات في الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق «١» .
هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو في الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان «غلو حق» وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون. وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك بعض الرذائل التي شاعت في بنى إسرائيل، والتي بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٨ الى ٨١]
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)
стр. 1714
وقوله لُعِنَ من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله فالملعون هو المحروم من رحمته- سبحانه- ولطفه وعنايته.
والمعنى: لعن الله- تعالى- الذين كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى- ﵉ وقد جاء الفعل «لعن» بالبناء للمجهول لأن الفاعل معلوم وهو الله- تعالى- ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن الله- سبحانه- وقوله: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ في محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل كَفَرُوا وهو واو الجماعة.
وقوله: عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ متعلق بلعن. أى: لعنهم- سبحانه- في الزبور والإنجيل على لسان هذين النبيين الكريمين اللذين كان أولهما- بجانب منصب الرسالة- قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة. وكان ثانيهما وهو عيسى- ﵇ رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم.
قال الآلوسى: لعنهم الله- تعالى- في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل في هذين الكتابين «ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله أو بأحد من رسله» .
وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة.
وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال: اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت» «١» .
وقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ بيان لسبب لعنهم وطردهم من رحمة الله.
واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى اللعن المذكور.
стр. 1715
أى: ذلك اللعن للكافرين من بنى إسرائيل سببه عصيانهم لله ولرسله، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس.
أى أن لعنهم لم يكن اعتباطا أو جزافا، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة وأفعالهم المنكرة، وسلوكهم السيئ.
وقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا جملة من مبتدأ وخبر. وقوله: وَكانُوا يَعْتَدُونَ معطوف على صلة ما وهو عَصَوْا فيكون داخلا في حيز السبب الذي أدى إلى لعنهم والجملة المكونة من اسم الإشارة ذلِكَ وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره لماذا لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل؟
وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة في جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ.
أى: لم يكن ذلك اللعن الشنيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيء آخر، «١» .
وعبر- سبحانه- عن عصيانهم بالماضي فقال ذلِكَ بِما عَصَوْا للإشارة إلى استقرار العصيان في طبائعهم، وثباته في نفوسهم وجوارحهم.
وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإيذان بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا نبيا إلا وآذوه، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على المصلحين مستمر في كل زمان ومكان.
ثم فسر- سبحانه- عصيانهم وعدوانهم بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.
وقوله يَتَناهَوْنَ من التناهى.
قال الفخر الرازي: وللتناهى هاهنا معنيان:
أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور- أنه تفاعل من النهى. أى: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا.
روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «من رضى عمل قوم فهو منهم. ومن كثر سواد قوم فهو منهم» والمعنى الثاني: في التناهى أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا كف عنه» «٢» .
стр. 1716
والمنكر: هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال.
أى أن مظاهر عصيان الكافرين من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات. واجتراح السيئات، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عنها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها.
وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها: أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها.
وقوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ذم لهم على كثرة ولوغهم في المعاصي والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم.
واللام في قوله لَبِئْسَ لام القسم فكأنه- سبحانه- قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
قال صاحب الكشاف: قوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبئهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر» «١» .
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولإصلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث في هذا المعنى.
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وروى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» .
стр. 1717
قال ابن مسعود: وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا- أى تحملوهم على التزام الحق وتعطفوهم عليه» .
وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» .
وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله- لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه. فإذا فعلوا ذلك لعن الله العامة والخاصة» .
وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم قلنا: يا رسول الله، وما الذي ظهر في الأمم قبلنا؟ قال ﷺ : الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» «١» أى في فساقكم.
هذا جانب من الأحاديث التي وردت في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فعلى الأمة الاسلامية أن تقوم بحقها حتى تكون مستحقة لمدح الله- تعالى- لها بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- ما كان يقوم به اليهود في العهد النبوي من تحالف مع المشركين ضد المسلمين فقال: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
أى: ترى- أيها الرسول الكريم- كثيرا من بنى إسرائيل المعاصرين لك يوالون الكافرين ويحالفونهم عليك بسبب حسدهم لك على ما آتاك الله من فضله وبسبب كراهتهم للإسلام والمسلمين.
والذي يقرأ تاريخ الدعوة الاسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون العراقيل في طريقها، ويناصرون كل محارب لها، ففي غزوة الأحزاب انضم بنو قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين «٣» .
وفي كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين، ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والاضرار.
стр. 1718
وقوله: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حاق بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله، ومحاربتهم لأوليائه.
أى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة استحقوا بسببها سخط الله عليهم، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضا بسببها الخلود الدائم في العذاب المهين.
قال الجمل: وما في قوله لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ هي الفاعل، وقوله: وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم.
فالتقدير: سخط الله عليهم وخلدهم في العذاب «١» .
ثم بين- سبحانه- الدوافع التي حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال:
وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
فالضمير في قوله كانُوا يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل الكتاب الذين حملهم حقدهم وبغضهم للنبي ﷺ ولأتباعه على موالاة الكافرين.
والمراد- هنا- بالنبي: موسى- ﵇ وبما أنزل إليه التوراة، لأن الحديث مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم من أتباع موسى.
وقيل المراد به النبي ﷺ والمراد بما أنزل إليه: القرآن.
أى: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيمانا حقا، ويؤمنون بنبيهم موسى إيمانا صادقا ويؤمنون بالتوراة التي أنزلها الله عليه إيمانا سليما، لو كانوا مؤمنين هذا الإيمان الصادق، لكفوا عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصفياء، لأن تحريم موالاة المشركين متأكدة في التوراة وفي كل شريعة أنزلها الله على نبي من أنبيائه.
وقوله: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ استدراك لبيان حالهم، ولبيان سبب موالاتهم للكافرين وعداوتهم للمسلمين.
أى: ولكن كثيرا من هؤلاء اليهود فاسقون، أى: خارجون عن الدين الحق إلى الأديان الباطلة، فدفعهم هذا الفسق وما صاحبه من حقد وعناد على موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين.
وقد كرر سبحانه وصف الكثيرين منهم بالصفات الذميمة، إنصافا للقلة التي آمنت وتمييزا لها عن تلك الكثرة الكافرة الفاسقة..
стр. 1719
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت ما عليه الكافرون من بنى إسرائيل من صفات ذميمة، أفضت إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله، حتى يحذرهم المسلمون ويجتنبوا سلوكهم السيئ، وخلقهم القبيح.
وبعد هذا الحديث الطويل الذي طوفت فيه سورة المائدة مع أهل الكتاب بصفة عامة ومع اليهود بصفة خاصة، والذي تحدثت خلاله عن علاقة المؤمنين بهم وعن العهود التي أخذها الله عليهم وموقفهم منها، وعن دعاواهم الباطلة وكيف رد القرآن عليها، وعن أخلاقهم السيئة، وعن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين، وعن المصير السيئ الذي ينتظرهم إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم، وعن المنهاج القويم الذي استعمله القرآن معهم في دعوتهم إلى الدين الحق، بعد هذا الحديث الطويل معهم في تلك الموضوعات وفي غيرها نرى السورة الكريمة في نهاية المطاف تحدثنا عن أشد الناس عداوة للمؤمنين وعن أقربهم مودة لهم فتقول:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٢ الى ٨٦]
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
стр. 1720
أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشيّ وفدا إلى رسول ﷺ فأسلموا، قال: فأنزل الله فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ إلى آخر الآية. قال:
فرجعوا إلى النجاشيّ فأخبروه فأسلم النجاشيّ فلم يزل مسلما حتى مات، فقال رسول الله ﷺ :
إن أخاكم النجاشيّ قد مات فصلوا عليه فصلى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة والنجاشيّ بالحبشة.
ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى في سبب نزول هذه الآيات: والصواب في ذلك من القول عندي، أن الله- تعالى- وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، وأن نبي الله ﷺ يجدهم أقرب الناس مودة لأهل الايمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشيّ ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا، لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه» «١» .
فقوله- تعالى- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من آيات سجلت على اليهود كثيرا من الصفات القبيحة والمسالك الخبيثة.
وقد أكد- سبحانه- هذه الجملة بلام القسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها، والخطاب للنبي- ﷺ ويصح أن يكون لكل من يصلح للخطاب للإيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس.
والمعنى: أقسم لك يا محمد بأنك عند مخالطتك للناس ودعوتهم إلى الدين الحق، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم: وهما اليهود والذين أشركوا، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور. وهذه الرذائل متى تمكنت في النفس حالت بينها وبين الهداية والإيمان بالحق.
وقوله أَشَدَّ النَّاسِ مفعول أول لقوله لَتَجِدَنَّ ومفعوله الثاني الْيَهُودَ وقوله عَداوَةً تمييز.
قال الآلوسى: والظاهر أن المراد من اليهود العموم، أى من كان منهم بحضرة الرسول الله ﷺ من يهود المدينة وغيرهم ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله» وقيل المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد، وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم الذين أشركوا. والمراد من النَّاسِ. كما قال أبو حيان- الكفار: أى لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء.
ووصفهم- سبحانه- بذلك لشدة كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وقربهم إلى