وكتب اليهود- لا سيما التلمود- طافحة بالوصايا التي تبيح لهم أن يعاملوا غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم، من ذلك ما جاء في التلمود: إذا خدع يهود أحدا من الأمم وجاء يهودي آخر واختلس من الأمم بعض ما عنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن، فعلى اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التي أرسلها إليهما (يهواه) «١» ويهواه هو إله اليهود.
ونتيجة لهذا الغرور والتعالي الذي تميز به اليهود، وأهدروا بسببه كل حق أو كرامة لسواهم من الناس، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذي سلبوه منهم، وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب، وتعاليهم الباطل.
ثالثا: عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التي آوتهم فهم متعصبون متحزبون، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم، كما يجمعهم الحقد على العالم بأسره. وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذي لا محيد لهم عنه.
ويصف الدكتور (ويزمان) أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة في اليهود بقوله: (وكان اليهود في موتول (مسقط رأسه) بروسيا، يعيشون كما يعيش اليهود في مئات المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكمشين، وفي عالم غير عالم الناس الذين يعيشون معهم) .
ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها، ما ذكره (سلامون شحتر) في خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال: (إن معنى الاندماج في الأمم هو فقدان الذاتية.
وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من النتائج، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات) «٢» .
وقد تسبب عن عزلتهم وعصيبتهم أمور خطيرة، فقد نظروا إلى من سواهم من الأمم نظرة كلها عداء وريبة وحذر، وصار طابعهم في كل زمان ومكان عدم الإخلاص لاية هيئة دينية أو دنيوية. وعدم الولاء للأوطان التي يعيشون فيها ويأكلون من خيراتها، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون غيرها، لأن اليهودي يهودي قبل كل شيء، مهما تكن جنسيته، ومهما يعتنق من عقائد ومبادئ في الظاهر، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ناصر يهوديته، وحاول أن يشيع الخراب والدمار في الأمة التي هو فرد من أفرادها خصوصا إذا أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود في كل مكان أن يجعلوا ولاءهم لإسرائيل وليس للدولة التي يعيشون فيها.
تقول جولدامايير وزيرة خارجية إسرائيل سابقا: (إن اليهود المقيمين خارج إسرائيل طوائف
стр. 2242
مشتتة تعيش في المنفي، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شيء، ويتحتم عليهم الولاء المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التي يسبغونها على أنفسهم، وإن اليهودي الإنجليزى الذي ينشد بحكم إنجليزيته نشيد (حفظ الله الملكة) لا يمكن أن يكون في نفس الوقت صهيونيا) «١» .
وما أكثر الحوادث التي قام فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على الأوطان التي يعيشون فيها لحساب أعدائها، واظهر مثل على ذلك ما قام به اليهود المقيمون في ألمانيا من خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى، وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ألمانيا، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد (بلفور) من الحكومة البريطانية سنة ١٩١٧ م.
وقد عدد (هتلر) خيانات اليهود لألمانيا فذكر منها استنزاف أموال الشعب بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف والبورصة والشركات التجارية، والسيطرة على دور النشر، والتدخل في سياسة الدولة لغير مصلحة ألمانيا وفي القمة من خياناتهم التجسس ضد ألمانيا الذي احترفه عدد كبير منهم.
ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله (وإذا قيض لليهودي أن يتغلب على شعوب هذا العالم، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية، وعند ما يستأنف كوكبنا السيار طوافه في الأثير كما فعل منذ ملايين السنين لن يكون هناك بشر على سطحه.. لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبما شاء خالقنا، لأنى بدفاعى عن نفسي ضد اليهودي، أنما أناضل في سبيل الدفاع، عن عمل الخالق) «٢» .
وإذن فعزلة اليهود، وعصبيتهم، وخيانتهم للأوطان التي آوتهم، كان جزاؤها العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة.
رابعا: اضطهادهم لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ اليهود ملطخ بجراثم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بغيرهم وملئ بالمجاز التي قاموا بها ضد الشعوب التي كان لهم النصر عليها، وقد ساعدهم على ذلك ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال لغيرهم متى واتتهم الفرصة عليه، ففي سفر الخروج ما نصه.
(حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن إجابتك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا
стр. 2243
دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إياها فلا تستبق منها نسمة ما) «١» .
ولقد طبق اليهود هذه التعاليم أسوأ تطبيق في كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا في روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة ٢١٤ م بإيعاز من الإمبراطور (مارك أوريل) .
وما لنا نذهب بعيدا في الاستشهاد على إجرامهم، ومعارك فلسطين ما زالت ماثلة في أذهاننا، يقول أحد الكتاب المعاصرين: (إن مذبحة دير ياسين كانت من أبشع المذابح التي ارتكبها اليهود. فقد قتلوا مائتين وخمسين إنسانا في قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم، وذبحوا الأطفال في أحضان أمهاتهم وأمام أعينهن) . وحدث ما يشبه هذه المذابح في كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا وقبية وكفر قاسم.
والحق، أن مفاهيم اليهود الباطلة، وأنانيتهم الطاغية، وطباعهم اللئيمة وأخلاقهم الفاسدة، وعصبيتهم الذميمة، وقلوبهم القاسية، واستباحتهم لقتل غيرهم، وإهدار كرامته، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه، وبسبب هذه الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، ومن يمزقهم شر ممزق.
ويعجبني في هذا المقام قول المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» «لا توجد أمة في الأرض في كل أجيال التاريخ منذ بدء الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو إسرائيل من الكوارث والآلام، على أن هذه الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بنى إسرائيل أنفسهم» .
والآن، بعد سرد هذه العقوبات التي حلت ببني إسرائيل في مختلف العصور تأييدا لقوله- تعالى- لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ بسبب أعمالهم السيئة نعود إلى السورة الكريمة فنراها تحدثنا عن لون من ألوان الدعاوى الباطلة التي حكاها القرآن عنهم، وهو زعمهم أن ذنوبهم مغفورة لهم، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب، وارتكبوا من موبقات، واستحلوا من أموال حرام، فلن يحاسبهم الله على ذلك إلا حسابا يسيرا لأنهم أبناؤه وأحباؤه، واستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى ذلك عنهم فتقول:
стр. 2244
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
قال الإمام القرطبي: الخلف- بسكون اللام- الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، الخلف- بفتح اللام- البدل، ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابى: الخلف- بفتح اللام- الصالح، وبسكونها الطالح، ومنه قيل للردى من الكلام خلف- بسكون اللام- ومنه المثل السائر «سكت ألفا ونطق خلفا» قال لبيد.
ذهب الذين يعاش في أكنافهم- وبقيت في خلف كجلد الأجرب.
فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح، هذا هو المستعمل المشهور، وفي الحديث الشريف (يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له) وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر «١» .
والعرض- بفتح الراء- متاع الدنيا وحطامها من المال وغيره.
قال صاحب الكشاف: قوله تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أى حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله هذا تخسيس وتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة) «٢» .
والضمير في قوله مِنْ بَعْدِهِمْ يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله في الآية السابقة بقوله وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
والمعنى: فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم في الأرض أمما خلف سوء، ورثوا
стр. 2245
كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه، ووقفوا على ما فيه من تحليل وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه، واستحلوا محارمه مع علمهم بها، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس. ويأكلون السحت أكلا لما ويقولون وهم والغون في المعاصي ومصرون على الذنوب: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال، لأننا من نسل أنبيائه، فنحن شعبه الذي اصطفاه من سائر البشر، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يفترونها على الله وهم يعلمون.
وجملة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه.
وقيل: هي حال من الضمير في ورثوا.
ثم أخبر- سبحانه- عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة فقال تعالى: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) أى: أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التي أنزلها عليهم في التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا. ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه في بطونهم، وبدون توبة أو ندم.
قال مجاهد قوله تعالى وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ لا يشرف لهم شيء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون المغفرة (ويقولون سيغفر لنا) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه «١» .
وقال السدى: (كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له ما شأنك ترتشى في الحكم؟ فيقول سيغفر لي، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة، ويقول: (وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه) «٢» .
ثم أنكر- سبحانه- عليهم ما زعموه بقولهم: (سيغفر لنا) وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه) .
والمعنى: لقد أخذ الله العهد في التوراة على هؤلاء المرتشين في أحكامهم: والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره.
стр. 2246
ولا ينقضوا عهده، ولا يتجاوزوا حدوده، وقد درس هؤلاء الكتاب، أى: قرءوه وفهموه، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم، فضيعوه واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.
وقوله أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له. وقيل إنه مفعول لأجله أى: لئلا يقولوا.
وجملة وَدَرَسُوا ما فِيهِ معطوفة في المعنى على قوله تعالى أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق في التوراة ودرسوه.
قال ابن دريد: (كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له «١» .
ثم بين الله لهم أن ما أعده في الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذي آثره هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب فقال تعالى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ أى: والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته في السر والعلن، خير من عرض هذا الأدنى الذي استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم مقيم وثواب جزيل أَفَلا تَعْقِلُونَ- يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا- هذا الحكم الواضح، الذي لا يخفى على ذي عقل سليم، لم تطمسه الشهوات، ولم يستحوذ عليه الشيطان.
وفي هذا إشارة إلى أن الطمع في متاع الحياة الدنيا هو الذي جعل بنى إسرائيل يقولون على الله غير الحق. ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بدنياهم.
قال الإمام الآلوسى: (والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- إنهم وبخوا على إيجابهم على الله- تعالى- غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها.
وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى) ومن هنا قيل: إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وباتباعهم أنفسهم هواها
стр. 2247
وتمنيهم على الله- سبحانه- الأمانى، ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها، وقالوا على الله ما ليس بحق من القول) «١» .
ثم أثنى الله- تعالى- على من تمسك بكتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه، ولم يتقول على الله الكذب فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.
والمراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو جنس الكتب السماوية عموما.
والمعنى: والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الذي أنزله الله ويعتصمون بحبله في جميع شئونهم إنا لا نضيع أجرهم لأنهم قد أصلحوا دينهم ودنياهم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وخص الصلاة بالذكر مع دخولها فيما قبلها إظهارا لمزيتها لكونها عماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر.
وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وبختا اليهود لافترائهم على الله الكذب وردتا عليهم في دعواهم أن ذنوبهم مغفورة لهم مع تعمدهم أكل أموال الناس بالباطل، وبينتا لهم طريق الفلاح لكي يسيروا عليها، إن كانوا ممن ينتفع بالذكر، ويعتبر بالمثلات.
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل عن بنى إسرائيل بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله عليهم، وبأمرهم بالإيمان والعمل الصالح فقالت:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧١]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
والآية الكريمة معطوفة على ما سبق من أحوال بنى إسرائيل بتقدير: اذكر.
ونتقنا: من النتق وهو الزعزعة والرفع والجذب بشدة، يقال: نتق الشيء ينتقه وينتقه، جذبه واقتلعه.
стр. 2248
والمراد بالجبل جبل الطور الذي سمع موسى عليه الكلام من ربه.
قيل: «إن موسى لما أتى بنى إسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا ما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم، وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله الجبل فانقطع من أصله حتى قام على رءوسهم مقدار عسكرهم، فلما نظروا إليه فوق رءوسهم خروا ساجدين، فسجدوا كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من أن يسقط فوقهم «١» .
أى: واذكر يا محمد وذكر بنى إسرائيل المعاصرين لك وقت أن رفعنا الجبل فوق آبائهم الذين كانوا في عهد موسى حتى صار كأنه غمامة أو سقيفة فوق رءوسهم لنريهم آية من الآيات التي تدل على قدرتنا وعلى صدق نبينا موسى- ﵇.
قال بعض العلماء: «ورفع الجبل فوقهم لإرشادهم آية من آيات الله تقوى إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بما في الكتاب المنزل بجد واجتهاد» «٢» .
وقوله وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أى: ووقع في نفوسهم أن الجبل ساقط عليهم إذا لم يستجيبوا لما أمرهم به نبيهم- ﵇.
قال الجمل: وقوله وَظَنُّوا فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل جر نسقا على نتقنا المخفوض بالظرف تقديرا.
والثاني: أنه حال، و «قد» مقدرة عند بعضهم، وصاحب الحال الجبل.
أى: كأنه ظلة في حال كونه مظنونا وقوعه بهم.
والثالث: أنه مستأنف فلا محل له. والظن هنا على بابه، وقيل بمعنى اليقين» .
وقوله خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ مقول لقول محذوف دل عليه المعنى.
والتقدير: وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوة، أى تمسكوا به واعملوا بما فيه يجد ونشاط، وتقبلوه بحسن استعداد وبدون تقصير أو تردد.
والمراد بقوله: ما آتَيْناكُمْ التوراة التي أنزلها الله على موسى لتكون هدى ونورا لهم.
وقوله وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أى: احفظوه وتدبروه وتدارسوه واعملوا به بلا تعطيل لشيء منه.
стр. 2249
قال القرطبي: وهذا هو من المقصود من الكتب: العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب، فقد روى النسائي عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شيء منه» «١» .
و «لعل» في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إما للتعليل فيكون المعنى: خذوا الكتاب بجد وعزم، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك في دنياكم وآخرتكم. وإما للترجى، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين.
ولكن بنى إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد، ولجوا في المعصية، فاستحقوا لعنة الله وغضبه، وما ربك بظلام للعبيد.
وبذلك تكون سورة الأعراف قد حدثتنا- من بين ما حدثتنا- من مطلعها إلى هنا عن هداية القرآن الكريم، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وعن النداءات التي وجهها الله- تعالى- لبنى آدم تذكيرا وتوجيها وتعليما حتى يسعدوا في دينهم ودنياهم، وعن أحوال السعداء والأشقياء في الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم، ثم أفاضت السورة الكريمة في حديثها عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل.
والهدف الأول الذي قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو إثبات وحدانية الله، وإخلاص العبادة له، وحمل الناس على السير في الطريق المستقيم، وقد استعملت السورة في عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم، وإقامة الحجج ودفع الشبه.
ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بنى إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة، زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر، ولنتصاحب سويا- أيها القارئ الكريم- متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة في الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التي تثبت وحدانية الله وتبطل الشرك والشركاء، مستعينة في ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الانسانية.
تدبر معى قوله- تعالى-:
стр. 2250
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
قال صاحب المنار: هذه الآيات بدء سياق جديد في شئون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد للايمان به وتمجيده وشكره، في إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بنى إسرائيل. فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة، ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة أو سياق على سياق «١» .
قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الظهور: جمع ظهر وهو العمود الفقرى لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته.
والذرية: سلالة الإنسان من الذكور والإناث.
وقوله مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل بعض من قوله مِنْ بَنِي آدَمَ وذُرِّيَّتَهُمْ مفعول أخذ.
والمعنى: واذكر أيها الرسول وذكر كل عاقل وقت أن استخرج الله- تعالى- من أصلاب بنى آدم ذريتهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها- سبحانه- في أرحام الأمهات، وجعلها علقة ثم مضغة، ثم جعلها بشرا سويا، وخلقا كاملا مكلفا.
قال الآلوسى: وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الإنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي. وقيل إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق، فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج.
والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية.
وقوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أى: أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل
стр. 2251
وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعته، وبما أودع في قلوبهم من غريزة الإيمان، وفي عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم وخالقهم.
وقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ مقول لقول محذوف: أى: قائلا لهم- بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية- ألست بربكم، ومالك أمركم، ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أى: قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك، فإن آثار رحمتك وعجائب خلقك، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد في هذه الشهادة.
وبَلى حرف جواب، وتختص بالنفي فلا تقع إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره، لو قالوا نعم لكفروا. لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب.
قال صاحب الكشاف: وقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله- تعالى- وفي كلام رسوله ﷺ وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى- إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقوله فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى» «١» .
والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته- تعالى- معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال- تعالى-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.
والفطرة هي معرفة ربوبيته- سبحانه-:
وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم الله- تعالى- على معرفته، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مولود الا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء- أى سالمة الأذن- هل تحسون فيها من جدعاء- أى مقطوعة الأذن.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله- ﷺ : يقول الله- تعالى- إنى
стр. 2252
خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم- أى صرفتهم عن دينهم- وحرمت عليهم ما أحللت لهم» .
وروى الطبري عن الحسن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله ﷺ «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها» ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة أن الله- تعالى- نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته- ومنها أنفسهم- دلائل توحيده وربوبيته، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد.
فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله- تعالى- على معرفته والإيمان به، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل.
وعلى هذا الرأى سار المحققون من مفسري السلف والخلف:
ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة: أن الله- تعالى- مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ليست صحيحة الاسناد، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة.
وقد رد أصحاب الرأى الأول على هذا البعض بردود منها: أن الله- تعالى قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم، وقال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره، وقال ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذريته. قال إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك، لأن آدم حاشاه من الشرك بالله- تعالى:
قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددا كبيرا من الأحاديث في هذا المعنى: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبى هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك» «١» .
ثم بين- سبحانه- سبب الاشهاد وعلله فقال: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أى: فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا، أو منعا من أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم: إنا كنا عن هذا الأمر وهو إفراد الله- تعالى- بالربوبية غافلين لم ننبه إليه، لأنهم
стр. 2253
ما داموا قد خلقوا على الفطرة، ونصب الله لهم في كل شيء من مخلوقاته ما يدل على وحدانيته، وجاءتهم الرسل فبشرتهم وأنذرتهم. فقد بطل عذرهم، وسقطت حجتهم.
ثم بين- سبحانه- سببا آخر لهذا الاشهاد فقال: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ.
أى. وفعلنا ذلك- أيضا منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب: إن آباءنا هم الذين سنوا هذا الإشراك وساروا عليه فنحن قد اتبعناهم في ذلك بمقتضى أننا أبناؤهم، وننهج نهجهم من بعدهم، فإن قولكم هذا غير مقبول بعد أن هيأ الله لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لنور الحق لو كنتم مستعدين لقبوله.
والاستفهام في قوله أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ للإنكار. أى: أنت يا ربنا حكيم وعادل فهل تؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من الباطل أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟ إنك يا ربنا قد وعدت أنك لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل فكيف تؤاخذنا؟.
والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد هو في أصل فطرتكم فلم لم ترجعوا إليه عند ما دعاكم رسولنا الكريم إلى وحدانية الله ونبذ الشركاء إن انقيادكم للاباء بعد أن وهبكم الله العقول المفكرة، وأرسل إليكم الرسل مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئولية، ولن ينقذكم من العذاب.
ثم قال- تعالى- وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أى: ومثل هذا التفصيل البليغ نفصل لبنى آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم، ولعلهم يرجعون إلى فطرتهم وما استكن فيها من ميثاق، وإلى خلقتهم وما كمن فيها من ناموس. فالرجوع إلى الفطرة القويمة كفيل بغرس عقيدة التوحيد في القلوب، وردها إلى بارئها الواحد القهار الذي فطرها على الحق، وصرفها عن الجهل والتقليد.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآيات أمورا من أهمها:
١- فساد التقليد في الدين، وأنه- تعالى- قد أزاح العذر، وأزال العلل بحيث أصبح لا يعذر أحد بكفره أو شركه.
٢- أن معرفته- تعالى- فطرية ضرورية. قال- تعالى- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
وروى الترمذي عن عمران بن الحصين قال: قال النبي ﷺ لأبى: يا حصين كم إلها تعبد
стр. 2254
اليوم. قال أبى: سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال. فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك.
قال: الذي في السماء.
فالله- تعالى- فطر الخلق كلهم على معرفة فطرة التوحيد، حتى من خلق مجنونا لا يفهم شيئا ما يحلف إلا به. ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس «١» .
ثم ضرب- سبحانه- مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال- تعالى-:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٧]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
قال صاحب المنار: هذا مثل ضربه الله- تعالى للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله محمد ﷺ وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها حافظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعلمه فسلب هذه الآيات، لأن العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التي تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض، أو كان في التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له، كالثوب الخلق يلقيه صاحبه، والثعبان يتجرد من جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر:
خلقوا، وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا، وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا
стр. 2255
فحاصل معنى المثل: أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيضاحها بالحجج والدلائل كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه، لأن كلا منهما لم ينظر في الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص» «١» .
وقوله- تعالى- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها أى: اقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الإنسان الذي آتيناه آياتنا بأن علمناه إياه، وفهمناه مراميها، فانسلخ من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة، أو الحية من جلدها.
والمراد أنه خرج منه بالكلية بأن كفر بها، ونبذها وراء ظهره، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات.
وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئا على أتم وجه انسلخ منه. وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة وقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أى: فلحقه الشيطان وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين في الغواية، مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين:
وفي التعبير بقوله فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ مبالغة في ذم هذا الإنسان وتحقيره، جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه، فهو على حد قول الشاعر:
وكان فتى من جند إبليس فارتقى ... به الحال حتى صار إبليس من جنده
قال الجمل: أتبعه فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه، وهو مبالغة في حقه حيث جعل إماما للشيطان.
وثانيهما: أن يكون متعديا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فأتبعه الشيطان خطواته، أى جعله تابعا لها:
وقوله وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه.
والضمير في قوله لَرَفَعْناهُ يعود إلى الشخص المعبر عنه بالاسم الموصول الَّذِي والضمير في قوله بِها يعود إلى الآيات. ومفعول المشيئة محذوف.
أى: ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان لرفعناه لأننا
стр. 2256
لا يستعصى على قدرتنا شيء، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا جرت أن نرفع من عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى فنذرهم في ضلالهم يعمهون.
وقد بين القرآن هذا المعنى في قوله: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ أخلد إلى الأرض: أى ركن إليها. وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود.
أى: ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات ولكنه هو الذي ركن إلى الدنيا، واطمأن بها، واستحوذت بشهواتها على نفسه، واختار لنفسه طريق التسفل المنافى للرفعة، واتبع هواه في ذلك فلم ينتفع بشيء من الآيات التي آتيناه إياه.
أى: أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين، ولكن هذا المقتضى عارضه مانع وهو إخلاد من أوتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه للهوى، فتغلب المانع على المقتضى، فهو كما قال القائل:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يقتضى
فقلت: لما لم يكن عاملا ... تعارض المانع والمقتضى
قال الآلوسى: وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه- تعالى- ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله- تعالى-، إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه. ومن هنا قال ﷺ اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك» «١» .
وقوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.
اللهث: إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال: لهث الكلب يلهث- كسمع ومنع- لهثا ولهاثا، إذا أخرج لسانه في التنفس.
والمعنى: فمثل هذا الإنسان الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها وأصبح إيتاء الآيات وعدمها بالنسبة له سواء، مثله كمثل الكلب إن شددت عليه وأتبعته لهث، وإن تركته على حاله لهث- أيضا-، فهو دائم اللهث في الحالين. لأن اللهث طبيعة فيه، وكذلك حال الحريص على الدنيا، المعرض عن الآيات بعد إيتائها، إن وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ، وإن تركت وعظه فهو حريص- أيضا- على الدنيا وشهواتها.
والإشارة في قوله ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ إلى وصف الكلب أو إلى المنسلخ من الآيات، أى:
стр. 2257
ذلك المثل البعيد الشأن في الغرابة مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من الجاحدين المستكبرين المنسلخين عن الهدى بعد أن كان في حوزتهم.
وقوله فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أى: إذا ثبت ذلك، فاقصص على قومك أيها الرسول الكريم المقصوص عليك من جهتنا لعلهم يتفكرون فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال.
والفاء في قوله فَاقْصُصِ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والقصص مصدر بمعنى اسم المفعول، واللام فيه للعهد، وجملة الترجي في محل نصب على أنها حال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له. أى فاقصص القصص راجيا لتفكرهم، أو رجاء لتفكرهم.
وقوله: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا استئناف مسوق لبيان كمال قبحهم بعد البيان السابق. وساءَ بمعنى بئس وفاعلها مضمر. ومَثَلًا تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم قوله- تعالى- الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا.
أى: ساء مثلا مثل أولئك القوم الذين كذبوا بآياتنا حيث شبهوا بالكلاب إما في استواء الحالتين في النقصان وأنهم ضالون وعظوا أم لم يوعظوا، وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن خير الهدى والعلم وأقبل على هواه صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال:
«ليس لنا مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» .
وقوله وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ معطوف على كَذَّبُوا داخل معه في حكم الصلة بمعنى أنهم جمعوا بين أمرين قبيحين: التكذيب وظلمهم أنفسهم أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم وحدها بارتكابهم تلك الموبقات والخطيئات. فإن العقوبة لا تقع إلا عليهم لا على غيرهم.
هذا، والذي ذهب إليه المحققون من العلماء أن هذه الآيات الكريمة المثل فيها مضروب لكل إنسان أوتى علما ببعض آيات الله، ولكنه لم يعمل بمقتضى علمه، بل كفر بها ونبذها وراء ظهره وصار هو والجاهل سواء.
وقيل: إن الآيات الكريمة واردة في شخص معين، واختلفوا في هذا المعين.
فبعضهم قال إنها في أمية بن أبى الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا وتمنى أن يكون هو هذا الرسول، فلما أرسل الله- تعالى- نبيه محمدا ﷺ حسده ومات كافرا.
стр. 2258
وبعضهم قال: نزلت في أبى عامر الراهب الذي سماه النبي ﷺ : «الفاسق» كان يترهب في الجاهلية فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق.
وبعضهم قال: إنها في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون صفة النبي ﷺ ومخرجه، فلما بعثه الله- تعالى- كفروا به.
وبعضهم قال: إنها نزلت لتحكى قصة رجل من علماء اليهود اسمه بلعم ابن باعوراء أوتى علم بعض كتب الله ثم انسلخ منها بأن كفر بها ونبذها بعد أن رشاه اليهود.
والذي نراه أن الرأى الأول الذي عليه المحققون من المفسرين هو الراجح، وأن هؤلاء الذين ذكروا يندرجون تحته، لأنه لم يرد نص صحيح يعين اسم الذي وردت الآيات في حقه، فوجب أن نحملها على أنها وارد في شأن كل من علم الحق فأعرض عنه واتبع هواه.
ثم يعقب القرآن على هذا المثل ببيان أن الهداية والضلال من الله وأن هناك أقواما من الجن والإنس قد خلقوا لجهنم بسبب إيثارهم طريق الشر على طريق الخير قال- تعالى-:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
قوله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي أى: من يوفقه الله- تعالى- إلى سلوك طريق الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة فهو المهتدى حقا، الواصل إلى رضوان الله صدقا.
وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أى: ومن يخذله- سبحانه- بالحرمان من هذا التوفيق بسبب إيثاره السير في طريق الهوى والشيطان على طريق الهدى والإيمان، فأولئك هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم.
وأفرد- سبحانه- المهتدى في الجملة الأولى مراعاة للفظ مَنْ، وجمع الخاسرين في الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم.
стр. 2259
وحكمة إفراد المهتدى للإشارة إلى أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتنوع، وحكمة جمع الثاني وهو قوله الْخاسِرُونَ للإشارة إلى تعدد أنواع الضلال، وتنوع وسائله وأساليبه.
وقوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله ومفصل له.
و «الذرء» الخلق. يقال: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذرءا، أى: خلقهم. واللام في لِجَهَنَّمَ للعاقبة والصيرورة.
أى: ولقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب بها كثيرا من الجن والانس وهم الكفار المعرضون عن الآيات وتدبرها، الذين علم الله منهم أزلا اختيارهم الكفر فشاءه منهم وخلقه فيهم وجعل مصيرهم النار لذلك.
ثم بين- سبحانه- صفاتهم التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها أى: لا يفقهون بها الآيات الهادية إلى الكمالات مع أن دلائل الإيمان مبثوثة في ثنايا الكون تدركها القلوب المتفتحة، والبصائر المستنيرة.
وجملة لَهُمْ قُلُوبٌ في محل نصب صفة أخرى لقوله كَثِيراً وجملة لا يَفْقَهُونَ بِها في محل رفع صفة لقلوب.
وقوله وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها أى: لهم أعين لا يبصرون بها ما في هذا الكون من براهين تشهد بوحدانية الله، مع أنها معروضة للأبصار مكشوفة للأنظار، فهم كما قال- تعالى-، وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ فهم لهم أعين ترى وتبصر ولكن بدون تأمل أو اعتبار، فكأن وجودها وعدمه سواء.
وقوله وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أى: لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، أى أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية.
قال صاحب الكشاف: «هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم: وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم- لإعراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار- مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموبقات، وتوغلهم فيما يؤهلهم لدخول النار» «١» .
стр. 2260
وقوله أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات المذكورة كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية.
وقوله بَلْ هُمْ أَضَلُّ تنقيص لهم عن رتبة الأنعام، أى: بل هم أسوأ حالا من الأنعام، إذ أن الأنعام ليس لها سوى الاستعدادات الفطرية التي تهديها أما الإنسان فقد زود إلى جانب الفطرة بالقلب الواعي، والعقل المدرك، والعين المبصرة، وزود بالقدرة على اتباع الهدى أو اتباع الضلال، فإذا لم يفتح بصره وقلبه وسمعه على الحق فإنه يكون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية.
وقوله أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أى أولئك المنعوتون بما ذكرهم الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم وخيرهم وسعادتهم، بسبب استحواذ الهوى والشيطان عليهم ولا يظلم ربك أحدا.
وبعد أن بين- سبحانه- حال المخلوقين لجهنم بسبب غفلتهم وإهمالهم لعقولهم وحواسهم، أعقبه ببيان العلاج الذي يشفى من ذلك، وبالنهى عن اتباع المائلين عن الحق فقال- تعالى-:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٠]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
قال القرطبي: قوله- تعالى- وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها أمر بإخلاص العبادة لله- تعالى- ومجانبة الملحدين والمشركين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت» «١» .
والأسماء: جمع اسم، وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمن، والرحيم، أو مصدرا كالرب والسلام.
والحسنى: تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
والمعنى: ولله- تعالى- وحده جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات فادعوه أى سموه واذكروه ونادوه بها.
стр. 2261
روى الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة والله وتر يحب الوتر» .
قال الآلوسى: والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه- عزت أسماؤه- في التسعة والتسعين، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «من أصابه هم أو حزن فليقل: اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي في يدك ماضى فىّ حكمك، عدل فىّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وذهاب همي وجلاء حزنى ... إلخ» فهذا الحديث صريح في عدم الحصر.
وحكى النووي اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، وهو لا ينافي أن له- تعالى- أسماء غيرها» «١» .
ثم قال- تعالى- وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ذروا: فعل أمر لم يرد في اللغة استعمال ماضيه ولا مصدره، وهو بمعنى الترك والإهمال.
ويلحدون من الإلحاد وهو الميل والانحراف، يقال: ألحد إلحادا إذا مال عن القصد والاستقامة، وألحد في دين الله: حاد عنه ومنه لحد القبر لأنه يمال بحفره إلى جانبه بخلاف الضريح فإنه يحفر في وسطه.
والمعنى: ولله- تعالى- أشرف الأسماء وأجلها فسموه بها أيها المؤمنون، واتركوا جميع الذين يلحدون في أسمائه- سبحانه- بالميل بألفاظها أو معانيها عن الحق من تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل أو ما ينافي وصفها بالحسنى اتركوا هؤلاء جميعا فإنهم سيلقون جزاء عملهم من الله رب العالمين.
ومن مظاهر إلحاد الملحدين في أسمائه- تعالى- تسمية أصنامهم بأسماء مشتقة منها، كاللات: من الله- تعالى-، والعزى: من العزيز، ومناة: من المنان وتسميته- تعالى- بما بوهم معنى فاسدا، كقولهم له- سبحانه-: يا أبيض الوجه كذلك من مظاهر الإلحاد في أسمائه- تعالى-، تسميته بما لم يسم به نفسه في كتابه، أو فيما صح من حديث رسوله، إلى غير ذلك مما يفعله الجاهلون والضالون.
ثم تمضى السورة الكريمة في هديها وتوجيهها فتفصل صنوف الخلق، وتمدح من يستحق المدح وتذم من يستحق الذم فتقول:
стр. 2262
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨١ الى ١٨٦]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
وقوله وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ معطوف على قوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا قبل ذلك، لأن كلتيهما تفصيل لإجمال قوله- تعالى- مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي.
أى: وممن خلقنا للجنة- لأنه في مقابلة وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ- أمة يهدون بالحق، أى:
يدعون إليه ويسيرون عليه، وبه يعدلون أى: به يقضون وينصفون الناس.
وقد وردت آثار تفيد أن المراد بهذه الأمة: الأمة المحمدية ففي الصحيحين عن معاوية بن أبى سفيان قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة، وفي رواية: «حتى يأمر الله وهم على ذلك» :
وقال قتادة: بلغنا أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذا الآية يقول: هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها.
وعن الربيع بن أنس- في هذه الآية- قال: قال رسول الله ﷺ إن من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل» .
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة.
ثم ذكر- سبحانه- حال المكذبين فقال. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
стр. 2263
الاستدراج: - كما قال القرطبي- هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة. والدرج لف الشيء، يقال: أدرجته ودرجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة» «١» .
وقال صاحب الكشاف: الاستدراج: استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومنه: درج الصبى إذا قارب بين خطوه، وأدرج الكتاب. طواه شيئا بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في أثر بعض. ومعنى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يراد بهم. وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغي، فكلما جدد عليهم نعمة، ازدادوا بطرا وجددوا معصية، فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أن متواترة النعم محبة من الله وتقريب. وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج من الله- تعالى- نعوذ بالله منه» «٢» .
وقد قيل: إذا رأيت الله- تعالى- أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج.
وقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الإملاء: الإمداد في الزمن والإمهال والتأخير، مشتق من الملاوة والملوة، وهي الطائفة الطويلة من الزمن. والملوان: الليل والنهار.
ويقال: أملى له إذا أمهله طويلا، وأملى للبعير: إذ أرخى له في الزمام ووسع له في القيد ليتسع المرعى.
والكيد كالمكر، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهى إلى ما يسوءه من مخبره وغايته. وإضافته إلى الله- تعالى- يحمل على المعنى اللائق به، كإبطال مكر أعدائه أو إمدادهم بالنعم ثم أخذهم بالعذاب.
ومتين: من المتانة بمعنى الشدة والقوة. ومنه المتن للظهر أو للحم الغليظ.
والمعنى. والذين كذبوا بآياتنا سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم بكثرة النعم بين أيديهم، حتى يفاجئهم الهلاك من حيث لا يعلمون أن صنعنا هذا معهم هو لون من الاستدراج. وأمهل لهؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر، وأمد لهم في أسباب الحياة الرغدة، إن كيدي شديد متين لا يدافع بقوة ولا بحيلة. وفي الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن أبى موسى أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» .
стр. 2264
وقوله وَأُمْلِي لَهُمْ جوز بعضهم أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أى: وأنا أملى لهم. وقيل هو معطوف على قوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ وقيل هو مستأنف.
ثم أمر- سبحانه- هؤلاء الظالمين بالتفكر والتدبر فقال: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
الهمزة للإنكار والتوبيخ، وهي داخلة على فعل حذف للعلم به من سياق القول، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام.
والجنة: مصدر كالجلسة بمعنى الجنون. وأصل الجن الستر عن الحاسة.
والمعنى: أكذب هؤلاء الظالمون رسولهم ﷺ ولم يتفكروا في أنه ليس به أى شيء من الجنون، بل هو أكمل الناس عقلا، وأسدهم رأيا، وأنقاهم نفسا.
والتعبير بِصاحِبِهِمْ للإيذان بأن طول مصاحبتهم له مما يطلعهم على نزاهته عما اتهموه به، فهو ﷺ قد لبث فيهم قبل الرسالة أربعين سنة كانوا يلقبونه فيها بالصادق الأمين، ويعرفون عنه أسمى ألوان الإدراك السليم والتفكير المستقيم.
قال الجمل: وجملة «ما بصاحبهم من جنة» في محل نصب معمولة ليتفكروا فهو عامل فيها محلا لا لفظا لوجود المعلق له عن العمل وهو ما النافية.
ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ثم ابتدأ كلاما آخر إما استفهام إنكار وإما نفيا. ويجوز أن تكون «ما» استفهامية في محل الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم.
والتقدير: أى شيء استقر بصاحبهم من الجنون» «١» .
وقوله إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ بيان لوظيفته ﷺ أى: ليس بمجنون كما زعمتم أيها المشركون وإنما هو مبالغ في الإنذار، مظهر له غاية الإظهار. فهو لا يقصر في تخويفكم من سوء عاقبة التكذيب، ولا يتهاون في نصيحتكم وإرشادكم إلى ما يصلح من شأنكم.
ثم دعاهم القرآن إلى النظر والاستدلال العقلي فقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ.
الملكوت: هو الملك العظيم زيدت فيه اللام والتاء للمبالغة كما في جبروت.
والجملة الكريمة مسوقة لتوبيخهم على إخلالهم بالتأمل في الآيات التكوينية إثر تقريعهم على عدم تفكرهم في أمر نبيهم ﷺ .
стр. 2265
أى: أكذبوا ولم يتفكروا في شأن رسولهم ﷺ وما هو عليه من كمال العقل، ولم ينظروا نظر تأمل واعتبار واستدلال في ملكوت السموات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي ملكوت الأرض من البحار والجبال والدواب وغيرها، ولم ينظروا كذلك فيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف مما يشهد بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو المستحق وحده للعبادة والخضوع.
وقوله مِنْ شَيْءٍ بيان «لما» وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده.
وقوله: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ في محل جر معطوف على ما قبله، وأَنْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو أَنْ يَكُونَ.
والمعنى: أو لم ينظروا- أيضا- في اقتراب آجالهم، وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مفاجأة الموت لهم ونزول العذاب بهم وهم في أتعس حال.
إنهم لو تفكروا في أمر رسولهم ﷺ ولو نظروا فيما خلق الله من مخلوقات بعين التدبر والاتعاظ، لآمنوا وهدوا إلى صراط العزيز الحميد.
وقوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أى: إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو أكمل كتب الله بيانا، وأقواها برهانا، فبأى كلام بعده يؤمنون؟.
والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم. ولقطع أى أمل في إيمانهم لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات، وبهذا الكلام المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك.
ثم عقب القرآن على هذا التوبيخ والتهديد للمشركين بقوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
أى: من يرد الله إضلاله بسبب اختياره للضلالة، وصممه عن الاستماع للحق فلا قدرة لأحد على هدايته، وهو- سبحانه- يترك هؤلاء الضالين في طغيانهم متحيرين مترددين.
ثم بينت السورة الكريمة أن أمر الساعة مرده إلى الله- تعالى-، وأن السائلين عن وقتها من الأحسن لهم أن يستعدوا لها بدل أن يكثروا من السؤال عن زمن مجيئها فقالت:
стр. 2266
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٧ الى ١٨٨]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
قال الآلوسى: عن ابن عباس أن قوما من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا. إنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحانا منهم، مع علمهم أن الله- تعالى- قد استأثر بعلمها. وأخرج ابن جرير عن قتادة أن جماعة من قريش قالوا: يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة فنزلت» «١» .
وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها استئناف مسوق لبيان بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم.
والساعة في الأصل اسم لمدار قليل من الزمان غير معين، وتطلق في عرف الشرع على يوم القيامة وهو المراد بالسؤال هنا.
وأطلق على يوم القيامة ساعة إما لوقوعه بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله- تعالى-.
وأَيَّانَ ظرف زمان متضمن معنى متى. ومُرْساها مصدر ميمى من أرساها إذا أثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل كما في قوله- تعالى- وَالْجِبالَ أَرْساها ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. وأَيَّانَ خبر مقدم ومُرْساها مبتدأ مؤخر.
стр. 2267
والمعنى: يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن الساعة قائلين أيان مرساها؟.
أى متى إرساؤها واستقرارها، أو متى زمن مجيئها وحصولها؟.
وقوله قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي جواب عن سؤالهم: أى: قل أيها الرسول الكريم: علم الساعة أو علم قيامها عند ربي وحده ليس عندي ولا عند غيرى من الخلق شيء منه.
والتعبير بإنما المفيد للحصر للاشعار بأنه- سبحانه- هو الذي استأثر بعلم ذلك ولم يخبر أحدا به من ملك مقرب أو نبي مرسل.
وقوله لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ بيان لاستمرار إخفائها إلى حين قيامها وإقناط كلى عن إظهار أمرها بطريق الإخبار.
والتجلية: الكشف والإظهار. يقال: جلى لي الأمر وانجلى وجلاه تجلية بمعنى: كشفه وأظهره أتم الإظهار.
والمعنى: لا يكشف الحجاب عن خفائها، ولا يظهرها للناس في الوقت الذي يختاره إلا الله وحده.
قال بعضهم: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد لكي يكونوا دائما على حذر، فيكون ذلك أدعى للطاعة وأزجر عن المعصية، فإنه متى علمها المكلف ربما تقاصر عن التوبة وأخرها.
ثم عظم- سبحانه- أمر الساعة فقال ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: كبرت أو شقت على أهلها لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما فيها من محاسبة ومجازاة، وعن السدى: أن من خفى عليه علم شيء كان ثقيلا عليه.
أو المعنى: ثقلت عند الوقوع على نفس السموات حتى انشقت وانتثرت نجومها وكورت شمسها، وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها، وسجرت بحارها، وقوله: «لا تأتيكم إلا بغتة» أى: لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة من غير توقع ولا انتظار.
وقد وردت أحاديث متعددة تؤيد وقوع الساعة فجأة، ومنها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته- أى ناقته ذات اللبن- فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه- أى يطليه بالجص أو الطين- فلا يسقى فيه.
ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فمه فلا يطعمها» .
ثم قال- تعالى- يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
стр. 2268
أى: يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حفى عنها أى: كأنك حفى عنها أى: كأنك عالم بها. من حفى عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله بتتبع واستقصاء ومن بحث عن شيء وسأل عنه استحكم علمه به، وعدى حَفِيٌّ بعن اعتبارا لأصل معناه، وهو السؤال والبحث.
قال صاحب الكشاف: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها عالم بها. وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه. استحكم علمه فيه ورصن- أى ثبت وتمكن-، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه إحفاء الشارب، واحتفاء البقل، استئصاله، وأحفى في المسألة إذا ألحف- أى ألح وتشدد- وحفى بفلان وتحفى به: بالغ في البر به..
وقيل: إن قريشا قالت له إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ فقيل: يسألونك عنها كأنك حفى تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله في اخبارك به، لكنت مبلغه للقريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحى إليك.
ثم قال: فإن قلت: لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله؟ قلت: للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وعلى هذا تكرير العلماء والحذاق» «١» .
وقال صاحب الانتصاف: وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلقى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرار أن الكلام إذا بنى على مقصد واعترض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده، طرى بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتى، وهذا منها فإنه لما ابتدأ الكلام. بقوله «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي إلى قوله بَغْتَةً أن يدمغ تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده، فطري ذكره تطرية عامة، ولا تراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال كالتذكرة للأول مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل يَسْئَلُونَكَ ولم يذكر المسئول عنه وهو «الساعة» اكتفاء بما تقدم، فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال:
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه» «٢» .
هذا، وإذا كان علم الساعة مرده إلى الله وحده، فإن هناك نصوصا من الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها، ومن ذلك قوله- تعالى-:
стр. 2269
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ.
والأشراط: جمع شرط- بفتح الشين والراء- وهي العلامات الدالة على قربها، وأعظم هذه العلامات بعثة النبي ﷺ إذ بها كمل الدين وما بعد الكمال إلا الزوال.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويفرج بين إصبعيه الوسطى والسبابة.
وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال له ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها:
«إذا ولدت الأمة ربها- أى سيدها-، وإذا تطاول رعاة الإبل في البنيان» .
ومن علامات الساعة- كما صرحت بذلك الأحاديث- قبض العلم، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ومنها- أى من علامات الساعة- كثرة الزلازل، وتقارب الزمان- أى قلة البركة في الوقت بحيث يمر الشهر كأنه أسبوع-، وظهور الفتن وكثرة الهرج- أى القتل إلى غير ذلك من العلامات التي وردت في الأحاديث النبوية، وقد ساق بعض المفسرين وعلى رأسهم ابن كثير جملة منها «١» .
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يبين للناس أن كل الأمور بيد الله- تعالى-، وأن علم الغيب كله مرجعه إليه- سبحانه- فقال:
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أى: لا أملك لأجل نفسي جلب نفع ما ولا دفع ضرر ما.
وقوله لِنَفْسِي متعلق بأملك. أو بمحذوف وقع حالا من نَفْعاً والمراد: لا أملك ذلك في وقت من الأوقات.
وقوله إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء متصل. أى لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله بأن يمكنني من ذلك، فإننى حينئذ أملكه بمشيئته.
وقيل: الاستثناء منقطع، أى لكن ما شاء الله من ذلك كائن.
стр. 2270
وقوله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أى: لكانت حالي- كما قال الزمخشري- على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير، واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب، ورابحا وخاسرا في التجارات ومصيبا ومخطئا في التدابير» «١» .
قال الجمل: فان قلت: قد أخبر ﷺ عن المغيبات وقد جاءت أحاديث في الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته فكيف نوفق بينه وبين قوله- تعالى- وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ..
إلخ.؟ قلت: يحتمل أنه قاله على سبيل التواضع والأدب، والمعنى: لا أعلم الغيب إلا أن يطلعني الله عليه ويقدره لي.
ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب. فلما أطلعه الله أخبر به كما قال- تعالى- عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم، ثم بعد ذلك أظهره- سبحانه- على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته «٢» .
ثم بين القرآن وظيفة الرسول ﷺ في قوله إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أى: ما أنا إلا عبد أرسلنى الله نذيرا وبشيرا، وليس من مهمتى أو وظيفتي معرفة علم الغيب.
وقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يجوز أن يتعلق بقوله نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ جميعا لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير، ويجوز أن يتعلق بقوله بَشِيرٌ وحده، وعليه يكون متعلق النذير محذوف أى: للكافرين. وحذف للعلم به:
وبهذا الإعلان من جانب الرسول ﷺ للناس عن وظيفته، تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق من الشرك في أية صورة من صوره، وتنفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها فيها بشر ولو كان هذا البشر محمدا ﷺ فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشرى، وتقف القدرة البشرية، إذ علم الغيب إنما هو لله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن مظاهر قدرة الله وأدلة وحدانيته، فذكرت الناس بمبدأ نشأتهم، وكيف أن بعضهم قد انحرف عن طريق التوحيد إلى طريق الشرك، وساقت ذلك في صورة القصة لضرب المثل من واقع الحياة فقالت:
стр. 2271
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٠]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)
قوله- تعالى- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها استئناف مسوق لبيان ما يقتضى التوحيد الذي هو المقصد الأعظم.
أى. إن الذي يستحق العبادة والخضوع، والذي عنده مفاتح الغيب هو الله الذي خلقكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم، وجعل من نوع هذه النفس وجنسها زوجها حواء، ثم انتشر الناس منهما بعد ذلك كما قال- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً.
وقوله لِيَسْكُنَ إِلَيْها أى: ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه.
فالأصل في الحياة الزوجية هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار وهذه نظرة الإسلام إلى تلك الحياة قال- تعالى- وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.
والضمير المستكن في لِيَسْكُنَ يعود إلى النفس، وكان الظاهر تأنيثه لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها وهي قوله واحِدَةٍ إلا أنه جاء مذكرا هنا باعتبار أن المراد من النفس هنا- آدم ﵇ «ولو أنث على حسب الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى، فكان التذكير كما يقول الزمخشري- أحسن طباقا للمعنى.
وقوله فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ.
стр. 2272
الغشاء: غطاء الشيء الذي يستره من فوقه، والغاشية الظلة التي تظل الإنسان من سحابة أو غيرها. والتغشى كناية عن الجماع. أى فلما تغشى الزوج الذي هو الذكر الزوجة التي هي الأنثى وتدثرها لقضاء شهوتهما حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً. أى: حملت منه محمولا خفيفا وهو الجنين في أول حملة لا تجد المرأة له ثقلا لأنه يكون نطفة ثم مضغة، ولا ثقل له يذكر في تلك الأحوال فَمَرَّتْ بِهِ أى: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير نقصان ولا إسقاط. أو المعنى:
فاستمرت به كما كانت من قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت من غير مشقة وتلك هي المرحلة الأولى من مراحل الحمل.
وتأمل معى- أيها القارئ الكريم- مرة أخرى قوله- تعالى: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً لترى سمو القرآن في تعبيره، وأدبه في عرض الحقائق. إن أسلوبه يلطف ويدق عند تصوير العلاقة بين الزوجين، فهو يسوقها عن طريق كناية بديعة تتناسب مع جو السكن والمودة بين الزوجين وتتسق مع جو الستر الذي تدعو إليه الشريعة الإسلامية عند المباشرة بين الرجل والمرأة، ولا نجد كلمة تؤدى هذه المعاني أفضل من كلمة تَغَشَّاها.
ثم تأتى المرحلة الثانية من مراحل الحمل فيعبر عنها القرآن بقوله: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
أى: فحين صارت ذات ثقل يسبب نمو الحمل في بطنها، فالهمزة للصيرورة كقولهم: أتمر فلان وألبن أى: صار ذا تمر ولبن.
أى: وحين صارت الأم كذلك وتبين الحمل، وتعلق به قلب الزوجين، توجها إلى ربهما يدعوانه بضراعة وطمع بقولهما: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً أى لئن أعطيتنا نسلا سويا تام الخلقة، يصلح للأعمال الإنسانية النافعة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك على نعمائك التي من أجلها هذه النعمة واستجاب الله للزوجين دعاءهما، فرزقهما الولد الصالح فماذا كانت النتيجة؟.
لقد كانت النتيجة عدم الوفاء لله فيما عاهداه عليه، ويحكى القرآن ذلك فيقول: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أى: فحين أعطاهما- سبحانه- الولد الصالح الذي كانا يتمنيانه، جعلا لله- تعالى- شركاء في هذا العطاء، وأخلا بالشكر في مقابلة هذه النعمة أسوأ إخلال، حيث نسبوا هذا العطاء إلى الأصنام والأوثان، أو إلى الطبيعة كما يزعم الطبعيون أو إلى غير ذلك مما يتنافى مع إفراد الله- تعالى- بالعبادة والشكر.
وقوله فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه فيه معنى التعجب من أحوالهم. أى: تنزه- سبحانه- وتقدس عن شرك هؤلاء الأغبياء الجاحدين الذين يقابلون نعم الله بالإشراك والكفران.
стр. 2273
والضمير في يُشْرِكُونَ يعود على أولئك الآباء الذين جعلوا لله شركاء: هذا والمحققون من العلماء يرون أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا للمشركين حيث إن الله- تعالى- أنعم عليهم بخلقهم من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن، وأعطاهم الذرية، وأخذ عليهم العهود بشكره على هذه النعم، ولكنهم جحدوا نعمه وأشركوا معه في العبادة والشكر آلهة أخرى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام أحمد- بسنده- عن النبي ﷺ قال: «لما طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره.
وقد أثبت ابن كثير في تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه، ثم قال: قال الحسن:
عنى الله- تعالى- بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده، وقال قتادة: كان الحسن يقول:
هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا. قال ابن كثير: وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ونحن على مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ «١» .
وقال صاحب الانتصاف: والأسلم والأقرب أن يكون المراد- والله أعلم- جنسى الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين. وكأن المعنى خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت. وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد قولهم: «بنو فلان قتلوا قتيلا» يعنى من نسبة البعض إلى الكل «٢» .
والذي نراه أن الآيتين واردتان في توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم لعهودهم مع الله- تعالى- لأن الأحاديث والآثار التي وردت في أنهما وردتا في شأن آدم وحواء لتسميتهما ابنهما بعبد الحارث اتباعا لوسوسة الشيطان لهما- ليست صحيحة، كما أثبت ذلك علماء الحديث.
ثم أخذت السورة بعد ذلك في توبيخ المشركين، وفي إبطال شركهم بأسلوب منطقي حكيم فقالت:
стр. 2274
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩١ الى ١٩٨]
أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
قوله- تعالى- أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أى: أيشركون به- تعالى- وهو الخالق لهم ولكل شيء، ما لا يخلق شيئا من الأشياء مهما يكن حقيرا، بل إن هذه الأصنام التي تعبد من دون الله مخلوقة ومصنوعة، فكيف يليق بسليم العقل أن يجعل المخلوق العاجز شريكا للخالق القادر.
والاستفهام للإنكار والتجهيل. والمراد بما في قوله ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً أصنامهم، ورجع الضمير إليها مفردا لرعاية لفظها، كما أن إرجاع ضمير الجمع إليها في قوله وَهُمْ يُخْلَقُونَ لرعاية معناها.
وجاء بضمير العقلاء في يُخْلَقُونَ مسايرة لهم في اعتقادهم أنها تضر وتنفع.
стр. 2275
ثم قال- تعالى-: وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أى: أن هذه الأصنام فضلا عن كونها مخلوقة، فإنها لا تستطيع أن تجلب لعابديها نصرا على أعدائهم، بل إنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شرا، ومن هذه صفته كيف يعبد من دون الله؟ قال- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.
ثم بين- سبحانه- عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب فقال: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ أى: وإن تدعو أيها المشركون هذه الأصنام إلى الهدى والرشاد لا يتبعوكم، أى أنهم لا ينفعوكم بشيء ولا ينتفعون منكم بشيء.
وقوله سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ استئناف مقرر لمضمون ما قبله.
أى: مستو عندكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم، فإنه لا يتغير حالكم في الحالين، كما لا يتغير حالهم بحكم أنهم جماد.
ثم مضى القرآن في دعوته إياهم إلى التدبر والتعقل فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ.
أى: إن هذه الأصناف التي تعبدونها من دون الله، أو تنادونها لدفع الضر أو جلب النفع عِبادٌ أَمْثالُكُمْ أى: مماثلة لكم في كونها مملوكة لله مسخرة مذللة لقدرته كما أنكم أنتم كذلك فكيف تعبدونها أو تنادونها؟.
وأطلق عليها لفظ عِبادٌ- مع أنها جماد- وفق اعتقادهم فيها تبكيتا لهم وتوبيخا.
وقوله فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزهم وتبكيتهم أى:
فادعوهم في رفع ما يصيبكم من ضر، أو في جلب ما أنتم في حاجة إليه من نفع إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم أن هذه الأصنام قادرة على ذلك.
ثم تابع القرآن تقريعه لهذه الأصنام وعابديها فقال: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها.
الاستفهام للإنكار، والمعنى: أن هذه الأصنام التي تزعمون أنها تقربكم إلى الله زلفى هي أقل منكم مستوى لفقدها الحواس التي هي مناط الكسب إنها ليس لها أرجل تسعى بها إلى دفع ضر أو جلب نفع وليس لها أيد: تبطش بها أى تأخذ بها ما تريد أخذه، وليس لها أعين تبصر بها شئونكم وأحوالكم وليس لها آذان تسمع بها أقوالكم، وتعرف بواسطتها مطالبكم، فأنتم
стр. 2276
أيها الناس تفضلون هذه الأصنام بما منحكم الله- تعالى- من حواس السمع والبصر وغيرها فكيف يعبد الفاضل المفضول، وكيف ينقاد الأقوى للأضعف؟.
ثم أمر الله- تعالى رسوله ﷺ أن يناصبهم الحجة وان يكرر عليهم التوبيخ فقال: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أى: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين هبطوا بعقولهم إلى أحط المستويات نادوا شركاءكم الذين زعمتموهم أولياء ثم تعاونوا أنتم وهم على كيدي وإلحاق الضر بي من غير انتظار أو إمهال، فإنى أنا معتز بالله، وملتجئ إلى حماه ومن كان كذلك فلن يخشى شيئا من المخلوقين جميعا.
وهذا نهاية التحدي من جانب الرسول ﷺ لهم والحط من شأنهم وشأن آلهتهم.
ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى تحديهم وتبكيتهم فقال إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
أى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين إننى ما تحديتكم وطلبت كيدكم وكيد أصنامكم- إن كنتم أنتم وهم تقدرون على ذلك على سبيل الفرض- إلا لأنى معتز بالله وحده، فهو ناصري ومتولى أمرى، وهو الذي نزل هذا القرآن لأخرجكم به من الظلمات إلى النور، وقد جرت سنته- سبحانه- أن يتولى الصالحين وأن يجعل العاقبة لهم.
قال الحسن البصري: إن المشركين كانوا يخوفون الرسول ﷺ بآلهتهم فقال- تعالى- قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الآية- ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلى بوجه من الوجوه.
وهذا كما قال هود- ﵇ لقومه ردا على قولهم. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ- قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ.
ثم قال- تعالى- وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أى: والذين تعبدونهم من دون الله أو تنادونهم لدفع الضر أو جلب النفع لا يستطيعون نصركم في أى أمر من الأمور، وفضلا عن ذلك فهم لا يستطيعون رفع الأذى عن أنفسهم إذا ما اعتدى عليهم معتد.
ثم قال- تعالى- وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى أى: إلى أن يرشدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم من النصر على الأعداء أو غير ذلك لا يَسْمَعُوا أى: لا يسمعوا شيئا مما تطلبونه منهم، ولو سمعوا- على سبيل الفرض- ما استجابوا لكم لعجزهم عن فعل أى شيء.
وقوله وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ بيان لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع، أى: وترى هذه الأصنام كأنها تنظر إليك بواسطة تلك العيون الصناعية
стр. 2277
التي ركبت فيها ولكنها في الواقع لا تبصر لخلوها من الحياة.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت المشركين وآلهتهم أعظم توبيخ، وأثبتت بالأدلة المنطقية الحكيمة، وبوسائل الحس والمشاهدة أن هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، وأن الذين قالوا في شأنها ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى هم قوم غافلون جاهلون، قد هبطوا بعقولهم إلى أحيط الدركات، لأنهم يتقربون إلى الله زلفى عن طريق ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنهم شيئا، بل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه.
وفي الوقت نفسه فالآيات دعوة قوية لكل عاقل إلى أن يجعل عبادته وخضوعه لله الواحد.
القهار.
ثم تتجه السورة الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول ﷺ فترسم له ولكل عاقل طريق معاملته للخلق على وجه يقيه شر الحرج والضيق فتقول.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٩]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
العفو: يطلق في اللغة على خالص الشيء وجيده، وعلى الفضل الزائد فيه، وعلى السهل الذي لا كلفة فيه.
أى: خذ ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس، وارض منهم بما تيسر من أعمالهم وتسهل من غير كلفة. ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم حتى لا ينفروا، وكن لينا رفيقا في معاملة أتباعك، فإنك لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أى: مر غيرك بالمعروف المستحسن من الأفعال، وهو كل ما عرف حسنه في الشرع، فإن ذلك أجدر بالقبول من غير نكير، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال، يسلس قيادها، ويسهل توجيهها.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير، ولا تنتهي إلى نتيجة. والسكوت عنهم احتزام للنفس، واحترام للقول، وقد يؤدى الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها.
وهذه الآية على قصرها تشتمل- كما قال العلماء- على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان، وهي طريق قويم لكل ما تطلبه الإنسانية الفاضلة لأبنائها الأبرار، وقد جاءت في أعقاب حديث طويل عن أدلة وحدانية الله- تعالى- وأبطال الشرك والشركاء، لكي
стр. 2278
تبين للناس في كل زمان ومكان أن التحلي بمكارم الأخلاق إنما هو نتيجة لإخلاص العبادة لله الواحد الأحد، الفرد الصمد.
قال القرطبي: هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات.
فقوله خُذِ الْعَفْوَ دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وفي قوله وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزّه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغنياء، وغير ذلك من الأخلاق المجيدة والأفعال الرشيدة» «١» .
ثم يرشد القرآن المسلمين في شخص الرسول الكريم ﷺ إلى ما يهدئ غضبهم ويطفئ ثورتهم فيقول:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٢]
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
النزغ والنخس والغرز بمعنى واحد، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا ونحوها في الجلد.
أى: وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك على خلاف ما أمرت به من أخذ العفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، فالتجئ إلى الله، واستعذ بحماه، فإنه- سبحانه- سميع لدعائك، عليم بكل أحوالك. وهو وحده الكفيل بصرف وسوسة الشياطين عنك، وصيانتك من همزاتهم ونزغاتهم.
стр. 2279
ثم بين- سبحانه- حالة المتقين فقال إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا.
طائف من الطواف والطواف بالشيء أى: الاستدارة به أو حوله. يقال: طاف بالشيء إذا دار حوله. والمراد به هنا وسوسة الشيطان وهمزاته.
أى: إن الذين اتقوا الله- تعالى- وصانوا أنفسهم عن كل ما يغضبه إذا مسهم شيء من وسوسة الشيطان ونزغاته التي تلهيهم عن طاعة الله ومراقبته تَذَكَّرُوا أى: تذكروا أن المس إنما هو من عدوهم الشيطان فعادوا سريعا إلى طاعة الله، وإلى خوف مقامه ونهوا أنفسهم عن اتباع همزات الشياطين.
والجملة الكريمة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين، وأن الإخلال بها من طبيعة الضالين.
وفي قوله إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ إشعار بعلو منزلتهم، وقوة إيمانهم، وسلامة يقينهم لأنهم بمجرد أن تطوف بهم وساوس الشيطان أو بمجرد أن يمسهم شيء منه فإنهم يتذكرون عداوته، فيرجعون سريعا إلى حمى ربهم يستجيرون به ويتوبون إليه.
وفي التعبير عن الوسوسة بالطائف إشعار بأنها وإن مست هؤلاء المتقين فإنها لا تؤثر فيهم، لأنها كأنها طافت حولهم دون أن تصل إليهم.
وقوله فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ أى: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ، وخطوات الشيطان، فينتهون عنها.
وفي هذه الآية الكريمة ما يهدى العقول، ويطب النفوس، إذ هي تبين لنا أن مس الشيطان قد يغلق بصيرة الإنسان عن كل خير، ولكن التقوى هي التي تفتح هذه البصيرة، وهي التي تجعل الإنسان دائما يقظا متذكرا لما أمره الله به أو نهاه عنه، فينتصر بذلك على وساوس الشيطان وهمزاته وتبقى لهم بصيرتهم على أحسن ما تكون صفاء ونقاء وكشفا.
أما الذين لم يتقوا الله، ولم يلجئوا إلى حماه، ولم يخالفوا الشيطان فقد عبر عنهم القرآن بقوله:
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ.
يمدونهم من المد، وهو الزيادة يقال: مده يمده أى: زاده. والغي: الضلال، مصدر غوى يغوى غيا وغواية.
أى: وإخوان الشياطين من المشركين والغافلين تزيدهم الشياطين من الضلال عن طريق الوسوسة والإغراء بارتكاب المعاصي والموبقات ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ أى: ثم لا يكف هؤلاء
стр. 2280
الشياطين عن إمداد أوليائهم من الإنس بألوان الشرور والآثام حتى يهلكوهم. ويجوز أن يعود الضمير لإخوانهم: أى ثم لا يكف هؤلاء الناس عن الغي والضلال مهما وعظهم الواعظون وأرشدهم المرشدون.
ويُقْصِرُونَ من أقصر عن الشيء إذا كف عنه ونزع مع القدرة عليه.
ثم بين- سبحانه- لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٣]
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)
الاجتباء: افتعال من الجباية بمعنى الجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أى جمعته، ومنه قيل للحوض جابية:
والمعنى: وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية من القرآن وتراخى الوحى بنزولها، أو بآية مما اقترحوه عليك من الآيات الكونية، إذا لم تفعل ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة لَوْلا اجْتَبَيْتَها أى: هلا جمعتها من عند نفسك واخترعتها اختراعا بعقلك، أو هلا ألححت في الطلب على ربك ليعطيك إياها ويجمعها لك.
قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت ردا على تهكمهم بك إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أى إنما أنا متبع لا مبتدع فما يوحيه الله إلى من الآيات أنا أبلغه إليكم بدون تغيير أو تبديل.
ثم أرشدهم- سبحانه- إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فقال: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
أى: هذا القرآن بمنزلة البصائر للقلوب، به تبصر الحق. وتدرك الصواب وهو هداية لكم من الضلالة، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به، ويعملون بإرشاداته ووصاياه.
وكما افتتحت السورة بالثناء على القرآن كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فقد اتجهت في أواخرها إلى أمر الناس بحسن الاستماع إلى هذا القرآن، وإلى تدبره والعمل به فقالت: