← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المشهود له بالرسوخ في علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع» «١» . ثم أبطل القرآن الكريم مدعاهم بطريق آخر وهو إيراد قاعدة كلية رتبت دخول الجنة على الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو لجنس أو لطائفة فقال تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. بَلى حرف يذكر في الجواب لإثبات المنفي في كلام سابق، وقد صدرت الآية التي معنا بحرف «بلى» لإثبات ما نفوه وهو دخول غيرهم الجنة ممن لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى، مادام قد أسلّم وجهه لله وهو محسن. وقوله تعالى: أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره، وأخلص له العبادة، وأصل معناه الاستسلام والخضوع. وخص الله- تعالى- الوجه دون سائر الجوارح بذلك، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعا. وقوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ من الإحسان، وهو أداء العمل على وجه حسن أى: مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف. والمعنى: ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة، كما قال تعالى: فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتى: (أ) إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة. (ب) بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة، إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة، لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة. (ج) بيان أن العمل المقبول عند الله- تعالى- يجب أن يتوفر فيه أمران: أولهما: أن يكون خالصا لله وحده. ثانيهما: أن يكون مطابقا للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام.

стр. 247

قال الإمام ابن كثير: «فمتى كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول ﷺ المبعوث فيهم وإلى الناس كافة، وفي أمثالهم قال الله- تعالى- وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «١» . وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبطلتا دعوى اليهود أن الجنة لهم دون غيرهم، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هي إلا من قبيل الأمانى والأوهام وكذبتهم في أن يكون عندهم أى برهان أو دليل على ما يدعون ثم أصدرتا حكما عاما وهو أن الجنة ليست خاصة لطائفة دون أخرى، وإنما هي لكل من أسلّم وجهه لله وهو محسن. ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل بعضهم البعض، وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال: [سورة البقرة (٢) : آية ١١٣] وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) فالآية الكريمة معطوفة على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى.. إلخ، لزيادة بيان طبيعة أهل الكتاب، المعوجة، وأن رمى المخالف لهم بأنه ضال شنشنة فيهم. والشيء: يطلق على الموجود، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وقد ينفى مبالغة في عدم الاعتداد به واليهود كفرت عيسى- ﵇ وما زالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت، وسيأتى بعد، فهم يعتقدون أن النصارى باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقى من

стр. 248

التدين، والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء لإتمام شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق منهم يطعن في دين الآخر، وينفى عنه أن يكون له أصل من الحق. وجملة وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ حالية، والكتاب للجنس. أى: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، إذ اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإنجيل، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله وآمن به ألا يكفر بالباقي، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها البعض. وقوله: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ معناه: كما أن أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شيء من الدين الحق. فكذلك قال الذين لا يعلمون، وهم مشركو العرب، في شأن المسلمين: إنهم ليسوا على شيء من الدين الحق، فتشابهت قلوب هؤلاء وقلوب أولئك في الزيغ والضلال. والهدف الذي ترمى إليه هذه الجملة، هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة محمد ﷺ لا ينبغي أن يثير شبهة على عدم صحتها، حيث يسبق إلى أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها. فكأن القرآن يقول: إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغي أن تكون شبهه. ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شيء حقيقى من التدين، فسبيلهم في إنكار دين الإسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه عن جهالة به. وفي هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم- مع علمهم- في سلك من لا يعلم. وقوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. صدر بالفاء، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال، متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد. والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث، وما كانوا فيه يختلفون يعم ما ذكر وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى. والاختلاف: تقابل رأيين فيما ينبغي انفراد الرأى فيه.

стр. 249

ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم، لأنه من المعلوم أن من مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق، وعقاب من كان على باطل. وبذلك تكون الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب، حيث بينت كيف أن كل فريق منهم قد رمى صاحبه بالضلال، وفي هذا تثبيت للمؤمنين ونهى لهم عن أن ينهجوا نهجهم. ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى في خراب بيوت الله، فقال: [سورة البقرة (٢) : آية ١١٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن الرومانيين الذين غزوا بيت المقدس وخربوه. ويرى آخرون أنها نزلت في كفار قريش حين منعوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وكيفما كان سبب النزول، فالآية تشمل بذمها ووعيدها، كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. ومن اسم استفهام يراد منه النفي، أى: لا أظلم. والمساجد: جمع مسجد، وهو المكان الخاص للعبادة، مأخوذ من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض خضوعا لله وتعظيما. والظلم: الاعتداء على حق الغير، بالتصرف فيه بما لا يرضى به، ويطلق على وضع الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه، والمعنيان واضحان هنا. وذكر اسم الله كناية عما يؤدى فيها من العبادات، إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه- تعالى-: والسعى في الأصل: المشي بسرعة في معنى الطلب والعمل. والخراب: ضد التعمير، ويستعمل لمعنى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له. قال القرطبي: «وخراب المساجد قد يكون حقيقيا، كتخريب بختنصر والرومان لبيت

стр. 250

المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه. ويكون مجازا كمنع المشركين حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها» «١» . والمعنى: لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله، وعمل في خرابها بالهدم كما فعل الرومان وغيرهم ببيت المقدس. أو بتعطيلها عن العبادة كما فعل كفار قريش، فهو مفرط في الظلم بالغ فيه أقصى غاية. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: فكيف قيل مساجد الله، وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن يجيء الحكم عاما، وإن كان السبب خاصا، كما تقول لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين، كما قال- : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ والمنزول فيه هو الأخنس بن شريق» «٢» . وقوله- تعالى-: أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ معناه: ما ينبغي لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون في خرابها أن يدخلوها إلا خائفين من الله- تعالى- لمكانها من الشرف والكرامة بإضافتها إليه- تعالى- أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا عن أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. قال ابن كثير: «وفي هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ويذل لهم المشركين حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يسلّم، وقد أنجز الله هذا الوعد فمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، وذلك أنه بعد أن تم فتح مكة للمسلمين أمر النبي ﷺ من العام القابل مناديا ينادى برحاب منى «ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته» . وعند ما حج النبي ﷺ عام حجة الوداع لم يجترئ. أحد من المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزي في الدنيا لهم، المشار إليه بقوله- تعالى-: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ لأن الجزاء من جنس العمل «٣» . ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبة هؤلاء الساعين في خراب مساجد الله فقال- تعالى-: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. أى: لهم في الدنيا هوان وذلة بسبب ظلمهم وبغيهم، ولهم في الآخرة عذاب عظيم يخلدون معه في النار. وليس هناك أشقى ممن

стр. 251

يعيش دنياه في هوان وذلة، ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب الأليم الذي لا يموت فيه ولا يحيا. ثم أخذ القرآن في تسلية المسلمين الذين أخرجوا من مكة وفارقوا المسجد الحرام، مبينا لهم أن الجهات كلها لله- تعالى- فقال: [سورة البقرة (٢) : آية ١١٥] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) المشرق والمغرب: مكان شروق الشمس وغروبها، والمراد بهما هنا جميع جهات الأرض. واللام في قوله: «ولله» تفيد معنى الملك. والتولية: التوجه من جهة إلى أخرى. و (ثم) اسم إشارة للمكان. والوجه: الجهة، فوجه الله الجهة التي ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهي القبلة. والمعنى: أن جميع الأرض ملك لله وحده، ففي أى مكان من المشرق والمغرب توليتم شطر القبلة التي أمركم الله بها ورضيها لكم، فهناك جهته- سبحانه- التي أمرتم بها، والتي تبرأ ذممكم باستقبالها. ومعنى هذا: الإذن بإقامة الصلاة في أى مكان من الأرض دون أن تختص بها المساجد، ففي الحديث الشريف: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» . وكأن الآية تومي، إلى أن سعى أولئك الظالمين في منع المساجد من ذكره- تعالى- وتخريبها، لا يمنع من أداء العبادة لله- تعالى-: لأن له المشرق والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها. وذيلت الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ لإفادة سعة ملكه أو سعة تيسيره على عباده في أمر الدين. أى: إن الله يسع خلقه جميعا برحمته وتيسيره وجوده وهو عليم بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أينما كان وكيفما كان. ثم حكى القرآن بعض الأقاويل الباطلة التي افتراها أصحاب القلوب المريضة فقال-- تعالى-: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)

стр. 252

قوله- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك وقالت اليهود ليست النصارى على شيء إلخ» . واتخذ: من الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل. والولد: يطلق على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولدا هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وحكى عن النصارى أنهم قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وحكى عن المشركين أنهم قالوا «الملائكة بنات الله» فيصح أن يكون الضمير في قالوا عائدا على الفرق الثلاث أو على بعضهم. فمن المعروف أن القرآن يجرى على الأسلوب المعروف في المخاطبات حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم فحين قال: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ أصبح من السائغ في صحة المعنى أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم: وقوله: سُبْحانَهُ تنزيه له عما هو نقص في حقه ومحال عليه من اتخاذ الولد، لاقتضاء الوالدية: النوعية والجنسية والتناسل والافتقار، والتشبيه والحدوث وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» . وسبحان: مصدر لسبح بمعنى نزه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريح به معه، والأصل: أسبحه سبحانه، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه. وقوله: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إضراب عن مقالاتهم التي نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وشروع في الاستدلال على بطلانها. واللام في قوله: لَهُ للاختصاص الكامل وهو الملك الحقيقي، و (ما) اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل وما لا يعقل ومن جملة هذه الكائنات من ادعوا أنه ولد لله. والمقصود إثبات أن قولهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً زعم باطل، فإن جميع ما احتوت عليه السموات والأرض مملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة إلى اتخاذ الولد، إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه ليعتز به أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة. والله- تعالى- منزه عن أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفا كالإنسان ثم إن الحكمة من التوالد بقاء النوع محفوظا بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما الخالق- تعالى- فهو الواحد في ذاته وصفاته، الباقي على الدوام، كما قال تعالى:

стр. 253

كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ. وقوله- تعالى-: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ. معناه: كل له مطيعون طاعة تسخير وانقياد، خاضعون لا يستعصى منهم شيء على مشيئته وإرادته: شاهدون بلسان الحال والمقال على وحدانيته من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، وإنما جاء قانِتُونَ بجمع المذكر المختص بالعقلاء، مع أن الخضوع لله يكون من العقلاء وغيرهم تغليبا للعقلاء على غيرهم، لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة، ولأن ظهوره فيهم أكمل من ظهوره في غيرهم. وفصلت جملة كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ عن سابقتها، لقصد استقلالها بالاستدلال على نفى أن يكون لله ولد، حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له قوله- تعالى-: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر قدرته فقال: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء. وبلا آلة ولا مادة، وبديع صفة مشبهة من أبدع، والذي ابتدعهما من غير أصل ولا مثال هو الله- تعالى-. وخص السموات والأرض بالإبداع، لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات. قال القرطبي: «قوله- تعالى-: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فعيل للمبالغة. وارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر. أبدعت الشيء لا عن مثال، فالله- تعالى- بديع السموات والأرض، أى منشئهما وموجدهما، ومخترعهما، على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ... » «١» . وقوله: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ معناه: وإذا أراد- سبحانه- إحداث أمر من الأمور حدث فورا. «وكن فيكون، فعلان من الكون بمعنى الحدوث. ويرى كثير من أهل السنة أن الجملة واردة على وجه التمثيل، لحدوث ما تتعلق به إرادته- سبحانه- بلا مهلة وبلا توقف. وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون، ففي الكلام استعارة تمثيلية. ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته، وأنه- تعالى- أجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا. وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا بعض الشبهات الباطلة التي أوردها الضالون

стр. 254

حول وحدانية الله وردت عليها بما يدحضها ويثبت كذبها. ثم أورد القرآن بعد ذلك الشبهات التي أثاروها حول نبوة محمد ﷺ وأجاب عنها بما يبطلها فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١١٨] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة اليهودي لرسول الله ﷺ يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله هذه الآية «١» . فالآية الكريمة معطوفة على قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ... ومعنى الآية الكريمة. وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ علما نافعا أمثال هؤلاء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة- يا محمد- لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ إما مشافهة، أو بواسطة الوحى إلينا لا إليك، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك، قالوا هذا على وجه العناد والجحود أن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقا. وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ أى: مثل هذا القول المتعنت، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفي هذه الجملة تسلية للرسول ﷺ بأن ما لاقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله. تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أى تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك في العناد والضلال. قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أى: جعلناها بينة واضحة في ذاتها لمن شأنهم الإخلاص في طلب الحق أينما كان، فيتجهون إليه عن طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة.

стр. 255

قال الإمام الرازي: وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء، اختار أقرب الطرق إليه، وبما أن الله قد كلم موسى وكلمك يا محمد فلم لا يكلمنا مشافهة، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك، وهذا منهم طعن في أن القرآن معجزة، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال أن يقولوا ما قالوه. فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وحاصل هذا الجواب: أنا قد أيدنا قول محمد بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت. وعليه فلن تجاب مطالبكم لوجوه منها: ١- لو كان في معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجا. ٢- أن حصول الدلالة الواحدة تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فإذا لم يكتف بها، كان طلبه من باب المعاندة. ٣- ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح في كونها معجزة لأن الخوارق متى توالت كان انخراق العادة عادة. فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة «١» . هذا، وبعض المفسرين يرى أن المراد «بالذين لا يعلمون» اليهود، وبعضهم يرى أن المراد بهم مشركو العرب وبعضهم يرى أن المراد بهم النصارى، ونحن نرى أن اللفظ صالح لأن يندرج تحته جميع هذه الطوائف قضاء لحق الموصول المفيد للتعميم، ولكنا نختار أن اليهود هم المقصودون قصدا أوليا من هذه الآية للأسباب الآتية: ١- الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لها، وكلها تتحدث عن بنى إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم. ٢- جملة كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قرينة على أن المقصود بالذين لا يعلمون هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي، حيث كان أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب، لقد قالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وطلبوا منه كثيرا من المطالب المتعنتة. ٣- الآية مدنية ومن سورة البقرة التي هي من أوائل ما نزل على الرسول ﷺ بالمدينة، ومن المعروف أن حديث القرآن المدني عن أهل الكتاب بصفة عامة، وعن اليهود بصفة خاصة، أكثر من حديثه عن مشركي العرب، لأن البيئة المدنية صلتها بأهل الكتاب أشد وألصق.

стр. 256

٤- سبب نزول الآية الذي ذكرناه يؤيد أن اليهود مقصودون قصدا أوليا في هذه الآية. ٥- القائلون بأن المراد بالذين لا يعلمون مشركو العرب، دعموا قولهم بأن آيات القرآن التي تحكى عنهم أمثال هذه المقترحات مستفيضة. وكأنهم يستبعدون أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن اليهود. وردنا عليهم أن القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه الأسئلة بدليل قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً «١» . ٦- الإمام ابن جرير رجح أن المراد ب الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ النصارى، مستدلا بأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، فالآية السابقة على هذه الآية تقول. وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ، بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ والنصارى هم الذين قالوا ذلك. وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتى: (أ) لأن الآية ليست في سياق خبر الله عن النصارى، وإنما هي في سياق خبر الله عن اليهود، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم وحجاجهم وأخلاقهم في أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة. (ب) ليس النصارى وحدهم هم الذين قالوا اتخذ الله ولدا وإنما اليهود أيضا قالوا ذلك، قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ «٢» . (ج) لم يأت الإمام ابن جرير بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن المراد بالذين لا يعلمون اليهود، ولم يتعرض للنص الذي أورده ابن عباس في سبب نزول الآية بالتضعيف أو الإعلال، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن المراد بهم مشركو العرب (بأنه قول لا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب) . هذا وبعد تلك الأدلة على ما ذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى: إننا لا نمانع في أن يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة ولكنا نرجح أن اليهود هم المقصودون قصدا أوليا مهما دخل غيرهم معهم في السياق، وإن الآية قد نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحاتهم التي لا خير من ورائها، ومحاولاتهم الطعن في نبوة النبي ﷺ .

стр. 257

ثم ساق القرآن للنبي ﷺ ما يسلبه ويثبته فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٩ الى ١٢١] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) وقوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً معناه: إنا أرسلناك يا محمد بالدين الصحيح المشتمل على الأحكام الصادقة، لتبشر بالثواب من آمن وعمل صالحا، وتنذر بالعقاب من كفر وعصى. وصدرت الآية الكريمة بحرف التأكيد، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر، وللتنويه بشأن الرسول ﷺ . وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة، تشريفا للنبي ﷺ فكأن الله- تعالى- يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة، ولذا لم يقل له إن الله أرسلك. وقوله: بِالْحَقِّ متعلق بأرسلناك. والحق: مأخوذ من حق الشيء، أى: وجب وثبت، ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق للواقع، ويسمى الدين الصحيح حقا لاشتماله على الأحكام الصادقة. وقوله: بَشِيراً وَنَذِيراً حالان، والبشير: المبشر، وهو المخبر بالأمر السار للمخبر به الذي لم يسبق له علم به. والنذير: المنذر، وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه. وجملة وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ معطوف على جملة إِنَّا أَرْسَلْناكَ. والجحيم: المتأجج من النار. وأصحابها: الملازمون لها. والسؤال: كناية عن المؤاخذة واللوم.

стр. 258

والمعنى: لا تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد، فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ولست بعد ذلك مؤاخذا ببقاء الكافرين على كفرهم، ولست مسئولا عن عدم اهتدائهم فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ. وفي وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم، فصاروا لا يرجى منها الرجوع عن الكفر. وفي هذه الجملة مع قوله: «بشيرا ونذيرا» تسلية للرسول ﷺ حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون. ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية فقال: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسما لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس حقا من الأديان المنحرفة أو الباطلة، كما حكى القرآن عن يوسف ﵇ أنه قال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ. وأفرد القرآن الملة فقال- تعالى- ملتهم- «مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة، لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة واحدة، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به. ومعنى الغاية في قوله: «حتى تتبع ملتهم الكناية عن اليأس من اتباع أهل الكتاب لشريعة الإسلام، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا باتباعه ﷺ ملتهم وكان اتباع النبي ﷺ لملتهم مستحيلا، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا، فالجملة الكريمة مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه. ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الجواب فقال: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى. وهدى الله: دينه والهدى، بمعنى الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. أى: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء من الأهواء. وإيراد الهدى معرفا بأل مع اقترانه بضمير الفصل «هو» يفيد قصر الهداية على دين الله، وينفى أن يكون في دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذي جاء به محمد ﷺ فكيف يطمع أهل الكتاب في أن يتبع ملتهم؟

стр. 259

ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. اللام في قوله: وَلَئِنِ تشعر بأن في الجملة قسما مقدرا روعي في صدرها ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله وليا ولا نصيرا. والأهواء: جمع هوى، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة من شهوات في أنفسهم. والعلم: الدين: وسمى علما لأنه يعلم بالأدلة القاطعة. والولي: القريب والحليف. والنصير: كل من يعين غيره على من يناوئه ويبسط إليه يده بسوء. والمعنى: ولئن اتبعت- يا محمد- آراءهم الزائفة، بعد الذي جاءك من العلم بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة، مالك من الله من ولى يلي أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه. وإنما أوثر خطابه ﷺ بذلك ليدخل دخولا أوليا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، وطمعا في نصرتهم. وبعد أن ذكر القرآن في الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل الكتاب أخذ في بيان حال المؤمنين، فقال: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ. أى: يقرءونه قراءة حقة، مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه، ولا شك أن ضبط لفظه يقتضى عدم تحريف ما لا يوافق أهواء أهل الكتاب، كالجمل الواردة في نعت رسول الله ﷺ وأن تدبره يستدعى اتباعه والعمل به. وجملة: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ حال من الضمير (هم) أو من الكتاب وهذه الحال من قبيل الأحوال التي تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه. وهي التي تسمى بالحال المقدرة أى: مقدرا وقوعها بعد وقوع عاملها. والمراد بالذين أوتوا الكتاب، مؤمنو أهل الكتاب. والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل. أو هم أصحاب النبي ﷺ والكتاب: القرآن. وأجاز بعضهم أن تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن، فيكون الضمير في يتلونه القرآن. وقوله: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبر عن قوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ.

стр. 260

وفي ذكر الإشارة ووضعه في صدر الجملة المخبر بها، زيادة تأكيد لإثبات إيمانهم. وفي هذه الجملة تعريض بأولئك المعاندين الذين كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، فكأن الآية التي معنا تقول: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وكان من حالهم أن قرءوه حق قراءته، يؤمنون به إيمانا لا ريبة فيه، بخلاف المعاندين المحرفين للكلم عن مواضعه. ثم بين- سبحانه- عاقبة الكافرين بكتبه فقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. والكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه وانكار بعض ما جاء فيه، أى ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون في الدنيا حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين وهم الخاسرون في الآخرة، إذ سيفوتهم ما أعده الله لعباده من نعيم دائم، ومقام كريم. وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم، فقد اختتمه- أيضا- بهذا النداء فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ففي هاتين الآيتين تكرير لتذكير بنى إسرائيل بما سبق أن ذكروا به في صدر الحديث معهم في هذه السورة، وذلك لأهمّيّة ما ناداهم من أجله وأهمية الشيء تقتضي تكرار الأمر به إبلاغا في الحجة وتأكيدا للتذكرة. قال القاضي: ولما صدر القرآن قصة بنى إسرائيل بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغا في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية، والمقصود من القصة. هذا وبعد أن ذكر الله- تعالى- في الآيات السابقة نعمه على بنى إسرائيل، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد، ويأتون منكرات في الأقوال والأعمال، وختم الحديث معهم بإنذار بالغ. وتذكير بيوم لا يغنى فيه أحد عن أحد شيئا، بعد كل ذلك واصل القرآن حديثه عن

стр. 261

قصة إبراهيم- ﵇ لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه ويقرون بفضله، فقال- تعالى-: [سورة البقرة (٢) : آية ١٢٤] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) والابتلاء: الاختبار. أى. اختبره ربه- تعالى- بما كلفه به من الأوامر والنواهي، ومعنى اختبار الله- تعالى- لعبده، أن يعامله معاملة المختبر مجازا، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه- تعالى- لعلمه المحيط بالأشياء والله- تعالى- تارة يختبر عباده بالضراء ليصبروا. وتارة بالسراء ليشكروا وفي كلتا الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها. وفي إسناد الابتلاء إلى الرب إشعار للتالي أو للسامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به تربية له، وتقوية لعزمه، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور. وقد اختلف المفسرون في تعيين المراد بالكلمات التي اختبر الله بها نبيه إبراهيم- ﵇ على أقوال كثيرة. قال ابن جرير: «ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له، ولعل أرجح الآراء في المراد بهذه الكلمات، أنها الأوامر التي كلفه الله بها، فأتى بها على أتم وجه» . وقوله: فَأَتَمَّهُنَّ أى أتى بهن على الوجه الأكمل، وأداهن أداء تاما يليق- به- ﵇ ولذا مدحه الله بقوله: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى. وجيء بالفاء في فَأَتَمَّهُنَّ للدلالة على الفور والامتثال. وذلك من شدة العزم، وقوة اليقين. وفي إجمال القرآن لتلك الكلمات التي امتحن الله بها إبراهيم، وفي وصفه له بأنه أتمهن، إشعار بأنها من الأعمال التي لا ينهض بها الا ذو عزم قوى يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة وسرعة الامتثال. وقدم المفعول وهو لفظ إبراهيم لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم الرب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله ابراهيم.

стр. 262

وجملة قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً مستأنفة لبيان ما من الله به على إبراهيم من الكرامة ورفعة المقام، بعد أن ذكر- سبحانه- أنه عامله معاملة المختبر له، إذ كلفه بأمور شاقة فأحسن القيام بها. جاعلك: من جعل بمعنى صير. والإمام: القدوة الذي يؤتم به في أقواله وأفعاله. والمراد بالإمامة هنا: الرسالة والنبوة، فإنهما أكمل أنواع الإمامة، والرسول أكمل أفراد هذا النوع، وقد كان إبراهيم- ﵇ رسولا يقتدى به الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق. وقال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ولم يقل: «إنى جاعلك للناس رسولا، ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء، فان إبراهيم- ﵇ قد رحل إلى آفاق كثيرة، فانتقل من بلاد الكلدان إلى العراق، وإلى الشام، وإلى الحجاز، وإلى مصر وكان في جميع منازله أسوة حسنة لغيره. وقد مدح القرآن إبراهيم في كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً. وجملة قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن يخطر في نفس السامع، فكأنه قال: وماذا كان من إبراهيم عند ما تلقى من ربه تلك البشارة العظمى؟ فكان الجواب أن إبراهيم قد التمس الإمامة لبعض ذريته أيضا. أى: قال إبراهيم: واجعل يا رب من ذريتي أئمة يقتدى بهم. وقد رد الله- تعالى- على قول إبراهيم بقوله: قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وإنما قال إبراهيم ومن ذريتي ولم يقل وذريتي، لأنه يعلم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدى بهم فلم يسأل ما هو غير مألوف عادة، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء. أى: قال الله لإبراهيم: قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا يصيب عهدي الذي عهدته إليك بالإمامة الذين ظلموا منهم، فالعهد هنا بمعنى الإمامة المشار إليها في قوله: جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. وفي هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم من الإنعام على بعض ذريته بالإمامة كما قال- تعالى-: وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا

стр. 263

أهلا لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، وتشير إلى أن غير الظالمين منهم قد تنالهم النبوة، وقد نالت من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء. قال- تعالى-: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ. ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام، وعن قصة بنائه، وعن الدعوات الخاشعات التي كان إبراهيم يتضرع بها إلى الله عند رفعه البيت فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٩] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وقوله- تعالى-: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً معطوف على قوله- تعالى-: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ.

стр. 264

وجعلنا: بمعنى صيرنا. والبيت: المقصود به الكعبة، إذ غلب استعمال البيت فيها حتى صار اسما لها. ومثابة للناس: مرجعا للناس يرجعون إليه من كل جانب، وهو مصدر ميمى من ثاب القوم إلى المكان رجعوا إليه. فهم يثوبون إليه ثوبا وثوبانا، أو معاذا لهم يلجئون إليه أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره. والأمن: السلامة من الخوف، وأمن المكان: اطمئنان أهله به، وعدم خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه فالبيت مأمن، أى موضع أمن. وأخبر- سبحانه- بأنه جعله أمنا ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن حتى صار كأنه نفس الأمن. وكذلك صار البيت الحرام محفوظا بالأمن من كل ناحية، فقد كان الناس في الجاهلية يقتتلون ويعتدى بعضهم على بعض من حوله، أما أهله فكانوا في أمان واطمئنان. قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وقال- تعالى-: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقا ولا يعطل حدا، وزادت في تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل قادر عليها. قال الإمام ابن كثير: «ومضمون ما فسر به العلماء هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس. أى: جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضى منه وطرا ولو ترددت إليه في كل عام استجابة من الله- تعالى- لدعاء خليله إبراهيم في قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ويصفه- تعالى- بأنه جعله أمنا من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلّم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى الاتخاذ: الجعل، تقول اتخذت فلانا صديقا أى: جعلته صديقا. والمقام في اللغة: موضع القدمين من قام يقوم، ومقام إبراهيم: هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء الكعبة لما ارتفع الجدار، وهو- على المشهور- تحت المصلّى المعروف الآن بهذا الاسم. ومعنى اتخاذ مصلّى منه: القصد إلى الصلاة عنده. فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلّم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعا وصلّى خلف المقام ركعتين» .

стр. 265

ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، ومنهم من أطلقه على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى. قال الإمام ابن كثير: «وقد كان هذا المقام- أى الحجر الذي يسمى مقام إبراهيم- ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر على يمين الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل- ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة.. ثم قال: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر- ﵁ ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة «١» : ثم قال- تعالى-: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. عهدنا: أمرنا وأوحينا، وأَنْ مفسرة المأمور به أو الموصى به المشار إليه بقوله: عَهِدْنا أى: أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي. وأضاف- سبحانه- البيت إليه للتشريف والتكريم ومعنى تطهيره: صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسى ومعنوي. والطائفين: جمع طائف من طاف يطوف طوفا وطوافا إذا دار حول الشيء والمراد بهم: المتقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة. والعاكفين: جمع عاكف، من عكف على الشيء عكوفا إذا أقام عليه ملازما له، والمراد بهم: المقيمون في الحرم بقصد العبادة، ويدخل في العبادة مدارسة العلوم الدينية وما يساعد على فهمها. والركع السجود: الركع جمع راكع، والسجود: جمع ساجد. والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها، فمعنى «والركع السجود» المصلون. فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: وهم الطائفون وإن لم يكونوا مقيمين، كمن يأتون لحج أو عمرة ثم ينصرفون. والعاكفون الذين يقيمون في الحرم بقصد الإكثار من العبادة في المسجد الحرام. والمصلون يتقربون إلى الله بالصلوات سواء أكانت فرائض أم نوافل.

стр. 266

ولم يعطف السجود على الركع، لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان. ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً أى: أضرع إليك يا إلهى أن تجعل الموضع الذي فيه بيتك مكانا يأنس إليه الناس، ويأمنون فيه من الخوف، ويجدون فيه كل ما يرجون من أمان واطمئنان. والمشار إليه بقوله: هذا مكة المكرمة. والبلد كل قطعة من الأرض عامرة أو غامرة. والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد، وإنما يلحقان أهل البلد. قال الإمام الرازي: وإنما قال هنا بَلَداً آمِناً على التنكير، وقال في سورة إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً على التعريف لوجهين: الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة. الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدا، فقوله: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً تقديره: أجعل هذا البلد بلدا آمنا كقولك: كان اليوم يوما حارا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة فقوله: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن. وأما قوله: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة «١» . أما الدعوة الثانية التي توجه بها إبراهيم إلى ربه من أجل أهل مكة فقد حكاها القرآن في قوله: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أى: كما أسألك يا إلهى أن تجعل هذا لبلد بلدا آمنا. أسألك كذلك أن ترزق المؤمنين من أهله من الثمرات ما يسد حاجاتهم، ويغنيهم من الاحتياج إلى غيرك. وقوله: «ارزق» مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره.

стр. 267

والثمرات: جمع ثمرة، وهي ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. وإنما طلب ابراهيم- ﵇ من الله أن يجعل مكة بلدا آمنا، وأن يرزق أهلها من الثمرات بما يغنيهم لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال الأمن، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على طاعة الله بقلوب مطمئنة وتفرغوا لذلك بنفوس مستقرة. وقال في دعائه: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأن أهل مكة قد يكون من بينهم كافرون، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه، لذا أتبع قوله: وَارْزُقْ أَهْلَهُ بقوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ على وجه البدل فصار المعنى وارزق المؤمنين من أهله على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل وهو هنا مَنْ آمَنَ هو المقصود بطلب الرزق. وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصا على شيوع الإيمان بين سكان مكة، لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هي خاصة بالمؤمنين تجنبوا ما يبعدهم عن الإيمان، أو أنه خص المؤمنين بذلك تأدبا مع الله- تعالى- إذ سأله سؤالا أقرب إلى الإجابة، ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فقال: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أن غير المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم. واقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في التعبير عن المؤمنين لأن الإيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان بكتب الله ورسله وملائكته. ثم بين- سبحانه- مصير الكافرين فقال: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. الضمير في قالَ يعود إلى الله- تعالى- ومن في قوله وَمَنْ كَفَرَ منصوب بفعل مقدر دل عليه «فأمتعه» . والمعنى: قال الله وأرزق من كفر وإيراد المتكلم قولا من عنده معطوفا على قول متكلم آخر مألوف في اللغة العربية، ويحسن موقعه عند ما يقتضى المقام إيجازا في القول، ولولا هذا العطف لكان المعنى متطلبا لأن يقال: قال الله أرزق من آمن ومن كفر. وفَأُمَتِّعُهُ: من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به. وقَلِيلًا: وصف لمصدر محذوف في النظم، والمعنى: أمتعه تمتيعا قليلا. ووصف التمتع في الدنيا بالقلة، لأنه صائر إلى نفاد وانقطاع. وأَضْطَرُّهُ أى ألجئه وأسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الانفكاك عنه وجملة «ثم أضطره إلى عذاب النار» احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضا الله فلذلك ذكر العذاب هنا.

стр. 268

وَبِئْسَ فعل يستعمل لذم المرفوع بعده، وهو ما يسميه النحاة بالمخصوص بالذم، ووردت هنا لذم النار المقدرة في الجملة، والمعنى: بئس المصير النار. أى أنها مصير سىء كما قال تعالى في آية أخرى. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً. وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فإمتاع الكافر بالرزق له حكم منها استدراجه المشار إليه بقوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة في الرزق وحرم منها الكافرين لكان هذا التخصيص سائقا للكافرين إلى الإيمان على وجه يشبه الإلجاء. وقد قضت حكمته- تعالى- أن يكون الإيمان اختياريا حتى ينساق الإنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام ولا يبصر بها آخرون. ثم حكى القرآن دعوة ثالثة تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. القواعد: جمع قاعدة، وهي أساس البناء الموالي للأرض، وبها يكون ثبات البناء. ورفعها: إبرازها عن الأرض بالبناء عليها. والمراد بالبيت الكعبة. والتقبل: القبول، وقبول الله للعمل أن يرضاه أو يثيب عليه. والمعنى: واذكر يا محمد ما صدر من الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل فقد كانا وهما يقومان يرفع قواعد الكعبة يتضرعان إلى ويقولان: يا ربنا تقبل منا أقوالنا وأعمالنا، إنك أنت السميع العليم. وتصدير الدعاء بندائه- سبحانه- باسم الرب المضاف إلى ضميرهما مظهر من مظاهر خضوعهما، وإجلالهما لمقامه، والخضوع له- سبحانه-، وإجلال مقامه من أسنى الآداب التي تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة. وعبر بالمضارع فقال: وَإِذْ يَرْفَعُ مع أن رفع القواعد كان قبل نزول الآية، وذلك ليخرجه في صورة الحاضر في الواقع لأهمّيّته. وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليؤكدا أن رجاءهما في استجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول. لأن من كان سميعا عليما بنيات الداعين وصدق ضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء المخلصين في طاعته غير بعيد.

стр. 269

ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات، التي توجه بها إبراهيم وإسماعيل إلى الله- تعالى- فقال: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ. مسلمين من الإسلام، وهو الخضوع والإذعان، وقد كانا خاضعين لله مذعنين في كل حال، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك، والإسلام الذي هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد، وتحرى ما رسمه الشارع في العبادات والمعاملات، والإخلاص في أداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ معناه: واجعل يا ربنا من ذريتنا أمة مخلصة وجهها إليك، مذعنة لأوامرك ونواهيك. ومن (من) للتبعيض، أو للتعيين كقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ. وإنما خص الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ولأن صلاح الذرية مرغوب فيه طبعا، والدعاء لهم بالصلاح مرغب فيه شرعا، وقد حكى القرآن من دعاء الصالحين قوله- تعالى-: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً وَأَرِنا مَناسِكَنا أى: علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا، كالطواف والسعى والوقوف. أو متعبداتنا التي تقام فيها شرائعنا، كمنى، وعرفات، ونحوهما. والمناسك: جمع منسك- بفتح السين وكسرها- بمعنى الفعل وبمعنى الموضع من النسك- مثلثة النون وبضمها وضم السين- وهو غاية العبادة والطاعة، وشاعت تسمية أعمال الحج بالمناسك كالطواف والسعى وغيرهما. وَتُبْ عَلَيْنا تسند التوبة إلى العبد فيقال: تاب فلان إلى الله ومعناها الندم على ما لابس من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن لم يستطع وتسند إلى الله فيقال: تاب الله على فلان، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة، أو قبولها منه. فمعنى وَتُبْ عَلَيْنا وفقنا للتوبة أو تقبلها منا. والتوبة تكون من الكبائر والصغائر، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير يؤدى إلى خطأ في الاجتهاد، وعلى أحد هذين الوجهين، تحمل التوبة التي يسأل الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها. إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ التواب: كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول توبتهم يقتضى عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات، ثم بعد تخلصهم من عقوبة الخطيئة أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان.

стр. 270

وإبراهيم وإسماعيل- ﵉ قد طلبا قبول توبتهما صراحة في قولهما وَتُبْ عَلَيْنا ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم، إذ الرحمة صفة من أثرها الإحسان، فكأنهما قالا: تب علينا وارحمنا، وهذا من أكمل آداب الدعاء وأرجاها للقبول عند الله تعالى. ثم ختم إبراهيم وإسماعيل دعواتهما بتلك الدعوة التي فيها خيرهم في الدنيا والآخرة، فقالا- كما حكى القرآن عنهما: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. الضمير في قوله: مِنْهُمْ يعود إلى الذرية أو الأمة المسلمة في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ. والرسول: من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه: وتلاوة الشيء: قراءته والمراد بقوله تعالى: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ يقرؤها عليهم قراءة تذكير وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع. والآيات: جمع آية، والمراد بها ما يشهد بوحدانية الله، وبصدق رسوله ﷺ فيما يبلغه عنه، أو المراد بها آيات القرآن الكريم فهو يتلوها عليهم ليحفظوها بألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا بتلاوتها، وليعرفوا من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجها مشرقا من وجوه إعجازها. والكتاب: القرآن، وتعلمه يكون ببيان معانيه وحقائقه، ليعرفوا ما أقامه لهم من دلائل التوحيد وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب. والحكمة: العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به. ووضعها بجانب الكتاب يرجح أن المراد بها السنة النبوية المطهرة التي تنتظم أقوال النبي ﷺ وأفعاله، إذ بالكتاب وبالسنة يعرف الناس أصلح الأعمال، وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، وتنفتح لهم طرق التفقه في أسرار الدين ومقاصده. ويزكيهم: أى يطهرهم من أرجاس الشرك ومن كل ما لا يليق التلبس به ظاهرا أو باطنا. يقال: زكاه الله، أى طهره وأصلحه، ومنه زكاة المال لتطهره بها، وأصل الزكاة- بالمد- النماء والزيادة، يقال. زكا الزرع زكاء وزكوا، أى نما. والمعنى: ونسألك يا ربنا أن تبعث في الأمة المسلمة، أو في ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم آياتك الدالة على وحدانيتك، ويعلمهم كتابك بأن يبين لهم معانيه، ويرشدهم إلى ما فيه من حكم ومواعظ وآداب، كما يهديهم إلى الحكمة التي تتمثل في اتباع سنة نبيك- والتي بها يتم التفقه في الدين ومعرفة أسراره وحكمه ومقاصده، والتي يكمل بها العلم بالكتاب إنك يا مولانا أنت العزيز الحكيم.

стр. 271

أى القادر الذي لا يغلب على أمره، العالم الذي يدبر الأمور على وفق المصلحة، ومن كان قادرا على كل ما يريد، عليما بوجوه المصالح، كانت استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال. وقد جاء ترتيب هذه الجمل في أسمى درجات البلاغة والحكمة لأن أول تبليغ الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه، ثم بتعليم العلم النافع الذي تحصل به التزكية والتطهير من كل ما لا يليق التلبس به في الظاهر، أو الباطن. وقد سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما أن تكون بعثة الرسول في ذريتهما فيكون أمر الإيمان قريبا منهم، فإن نشأته بينهم، ومعرفة سيرته قبل الرسالة وشهادتهم له بالصدق والأمانة، وكل ذلك يحمل العقلاء على المبادرة إلى تصديقه فيما يبلغه عن ربه. ولقد حقق الله تعالى دعوة هذين النبيين الكريمين، فأرسل في ذريتهما رسولا منهم، وهو محمد ﷺ أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا. وقد أخبر ﷺ أنه دعوة إبراهيم، فقال: (أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمى التي رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين) . ثم عرض القرآن بعد ذلك بالجاحدين والمعاندين الذين تركوا الحق الواضع الذي هو ملة إبراهيم فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٤] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)

стр. 272

قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ معناه: لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله، إلا من امتهن نفسه، واستخف بها وظلمها بسوء رأيه حيث ترك طريق الحق إلى طريق الضلالة. يقال رغب لي كذا إذا أراده، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه والملة في الأصل الطريقة، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار السلام وسفه نفسه امتهنها واستخف بها. ثم بين الله- تعالى- منزلة نبيه إبراهيم- ﵇ وخطأ من يرغب عن طريقته المثلى فقال تعالى: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أى: ولقد اخترناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى. فمن يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد في سفهه وسوء رأيه. ثم بين الله تعالى كمال استقامة إبراهيم التي رفعته إلى المنازل العليا فقال تعالى إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أى: اصطفى الله- تعالى- إبراهيم لأنه أمره بطاعته وإسلام وجهه إليه في كل حال فبادر إلى الامتثال وقال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أى: أخلصت ديني لله الذي فطر الخلق جميعا. كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول في قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وبعد أن بين الله- تعالى- أن إبراهيم- ﵇ كان كاملا في نفسه، أتبع ذلك ببيان أنه كان- أيضا- يعمل على تكميل غيره، ودعوته إلى توحيد الله تعالى. فقال- سبحانه-: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. الضمير في «بها» يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك في قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ والمعنى: ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب كذلك أوصى بنيه باتباعها، فقال

стр. 273

كل منهما لأبنائه: يا بنى إن الله اصطفى لكم دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا سواه فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أى: فاثبتوا على الإسلام. واستقيموا على أمره حتى يدرككم الموت وأنتم مقيمون على هذا الدين الحنيف. ثم أنكر القرآن الكريم على اليهود افتراءهم على يعقوب وزعمهم أنه كان على اليهودية التي أقاموا عليها تاركين دين الإسلام فقال تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي. روى أن اليهود قالوا للنبي ﷺ ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية، فنزلت هذه الآية الكريمة «١» . والمعنى: ما كنتم- يا معشر اليهود- حاضرين وقت أن أشرف يعقوب على الموت، ووقت أن قال لبنيه حينئذ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي فكيف تدعون أنه كان على اليهودية التي أنتم عليها وأنه أوصى بها بنيه؟ ومراد يعقوب- ﵇ من هذا السؤال أخذ الميثاق عليهم بالثبات على ملة أبيهم إبراهيم من بعده، لكي يسعدوا في دنياهم وأخراهم، وقد أجابوه بما يدل على رسوخ إيمانهم إذ قالوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وهذا الجواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم- ﵇ وهي ملة لا تثليث فيها ولا تشبيه بمخلوق، وإنما هي إفراد لله- تعالى- بالعبودية والاستسلام له بالخضوع والانقياد. ثم حذر الله- تعالى- أهل الكتاب من ترك طاعته اتكالا على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين فقال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ. الإشارة (بتلك) إلى إبراهيم وبنيه، أى أن إبراهيم وذريته، أمة قد مضت وانقرضت، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر، ولا تسألون يوم القيامة عن أعمالهم في الدنيا فلا يقال لكم على وجه المحاسبة لم عملوا كذا وإنما ستسألون عن أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها، وآمنوا بمحمد ﷺ الذي هو دعوة إبراهيم- ﵇ وعلى دينه وملته. فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة في خلقه وهي أن لكل نفس وحدها ثواب ما كسبت من خير وعليها وحدها يقع عقاب ما اكتسبت من شر. وبذلك تكون الآيات

стр. 274

الكريمة قد بينت بوضوح لبنى إسرائيل وغيرهم أن ملة إبراهيم الإسلام وأنه هو ويعقوب- ﵉ قد أوصيا أبناءهما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى الموت، وأن أبناء يعقوب قد عاهدوه عند موته أن يستمروا على ملته وملة إبراهيم ﵉. وهذا الذي بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم إليه محمد ﷺ وهو الإيمان بالله- تعالى- وتصديق رسوله واتباع تعاليم الإسلام. وفي القرآن الكريم آيات أخرى صرحت بأن الإسلام اسم للدين الذي دعا اليه كل الأنبياء، وانتسب إليه أتباعهم، فنوح قال لقومه: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ «١» . وموسى قال لقومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ «٢» والحواريون قالوا لعيسى- ﵇: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٣» . بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا: آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ «٤» . وإلى هنا نكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التي أرشدت إلى أن ما جاء به محمد ﷺ يطابق ما جاء به الأنبياء السابقون، فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوا، لأن كفرهم به كفر بجميع الرسل السابقين. وقبل أن نختم هذا الموضوع ننبه إلى مسألة مهمة. وهي أن ما جاء به النبي ﷺ يطابق- كما قلنا- ما جاء به الأنبياء قبله في أصول الدين وكلياته كتوحيد الله- تعالى- واختصاصه بالعبادة، وتصديق الأنبياء السابقين فيما أتوا به عن الله- تعالى- والإيمان بالبعث وما يكون فيه من نعيم وعذاب والحض على مكارم الأخلاق، أما ما عدا ذلك مما يتعلق بتفاصيل العبادات وأحكام المعاملات فإن الشرائع تختلف فيه بوجه عام حسب ما يتناسب وحالة الأمة التي بعث الله لها رسولا من لدنه كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً. ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بما لم يكن موجودا في الشرائع السابقة، ومن مظاهر ذلك أن القرآن الكريم أعلن للناس، أن محمدا ﷺ من مميزات شريعته أنها أحلت للناس كل الطيبات وحرمت عليهم كل الخبائث ووضعت عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وشرعت لهم أمورا تتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف.

стр. 275

ويعجبني في هذا المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز: (يجب أن يفهم- أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة- ليس نقضا لها، وإنما وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر. مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته، فقصر غذاءه على اللبن، وجاء الثاني من مرحلته التالية فقرر له طعاما لينا، وطعاما نشويا خفيفا، وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر له بغذاء قوى كامل. لا ريب أن هاهنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوفيق في علاج الحالة التي عرضت عليه، نعم إن هناك قواعد صحية عامة في النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها، لا تختلف باختلاف الأسنان فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين. هكذا الشرائع السماوية، كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق بعضها بعضا من ألفها إلى يائها، ولكن هذا التصديق على ضربين. تصديق للقديم مع الإذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه في حدود ظروفه الماضية، ذلك أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات. (تشريعات خالدة) لا تتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع (كالوصايا التسع ونحوها) . و (تشريعات موقوتة) بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهي بانتهاء وقتها. وتجيء الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة. فشريعة التوراة- مثلا- عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك (لا تقتل) . (لا تسرق) فطابعها البارز تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة. وشريعة الإنجيل تجيء بعدها فتقرر هذه الأمور، ثم تترقى فتزيد آدابا مكملة (أحسن إلى من أساء إليك) . وأخيرا تجيء شريعة القرآن فتراها تقرر كلا المبدأين في نسق واحد إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ. هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة، ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع. وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أن أكملت البنيان وملأت ما بقي فيه من فراغ وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء. وصدق رسول الله ﷺ حين صور الرسالات السماوية في جملتها أحسن تصوير فقال: «مثلي

стр. 276

ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» «١» . وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة إنما هي في الأصول والكليات، لا في الفروع والجزئيات. ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما يبطلها فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٥ الى ١٤١] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)

стр. 277

عن ابن عباس- ﵄ قال: «قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا- يا محمد- تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله- وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١» . ومعنى الآية الكريمة: وقالت اليهود للنبي ﷺ وللمسلمين اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق. وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم- يا محمد- ليس الهدى في اتباع ملتكم، بل الحق في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، فاتبعوا أنتم- يا معشر أهل الكتاب- ما اتبعناه لتكونوا حقا سالكين ملة إبراهيم الذي لا تنازعون في هداه. وقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا حكاية لما زعمه كل من فريقى اليهود والنصارى من أن الهدى في اتباع ملتهم. و (أو) للتنويع، أى قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يقبل الله سواها، فاتبعوها تهتدوا. وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا، إلا أن القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر، ويعد ديانته باطلة، كما حكى القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ. ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الرد الملزم لهم، فقال تعالى: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الملة: الدين، والحنيف في الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ووصف به

стр. 278

إبراهيم- ﵇ لميله عن الأديان الباطلة التي كانت موجودة في عهده إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه. وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفا من الحنف وهو الاستقامة. قال الإمام الرازي: «لأهل اللغة في الحنيف قولان: الأول: أن الحنيف هو المستقيم، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ سليم وللمهلكة مفازة، قالوا فكل من أسلّم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف، وهو مروى عن محمد بن كعب القرظي. الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها. وتحنف إذا مال، فالمعنى: إن إبراهيم- ﵇ حنف إلى دين الله، أى مال إليه، فقوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أى: مخالفا لليهود والنصارى. والمعنى: قل يا محمد لليهود ليس الهدى في أن نتبع ملتكم، بل الهدى في أن نتبع ملة إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، والذي ما كان من المشركين بأى صورة من صور الشرك» «١» . وقوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أى: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاه كل من اليهود والنصارى، لأن حرف (بل) يؤتى به في صدر الكلام لينفى ما تضمنته الجملة السابقة، والجملة السابقة هنا هي قول أهل الكتاب وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا فجاءت بل بعد ذلك لتنفى هذا القول، ولتثبت أن الهداية إنما هي في اتباع ما كان عليه إبراهيم- ﵇ وفي اتباع من سار على نهجه وهو محمد ﷺ . وفي هاتين الجملتين وهما قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دعوة لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها، ولبعدها عن الشرك، وفي ذلك تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة، بل هي معوجة، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة لأنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به. قال الإمام الرازي- ما ملخصه: في الآية الكريمة جواب إلزام لهم وهو قوله تعالى بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وتقرير هذا الجواب: أنه إن كان طريق الدين التقليد، فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه، أولى من الأخذ بالمختلف فيه.

стр. 279

وإن كان طريقه الاستدلال والنظر. فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما جاء به محمد ﷺ هو الموافق لما جاء به إبراهيم- ﵇ في أصول الدين «١» . ثم أرشد الله- تعالى- المؤمنين إلى جواب جامع وكلمة سواء تفيد نبذ التعصب جانبا وتدعو إلى اتباع الوحى الإلهى الذي أرسل الله به الرسل مبشرين ومنذرين بدون تفرقة بين أحد منهم، وهو يتضمن دعوة أهل الكتاب إلى الطريق الحق فقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أى: قولوا أيها المؤمنون لأولئك اليهود الذين يزعمون أن الهداية في اتباع ملتهم، قولوا لهم: ليست الهداية في اتباع ملتكم فقد دخلها الشرك والتحريف، وإنما الهداية في أن نصدق بالله، وبالقرآن الكريم الذي أنزله الله إلينا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى وبالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، ونحن في تصديقنا بالأنبياء لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعضهم ونكفر بالبعض الآخر كما فعلتم أنتم يا معشر اليهود وإنما نؤمن بهم جميعا بدون تفرقة بينهم، ونحن لربنا مسلمون خاضعون بالطاعة. مذعنون له بالعبودية. قال الإمام الرازي: «فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقا في زمانه، فلا يلزم من المناقصة، أما اليهود فإنهم لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز على يديه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ مع قيام المعجز على يديه، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق «٢» . وقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ خطاب للمؤمنين. والأسباط: جمع سبط، وهو الحفيد، وهم أبناء يعقوب- ﵇ سموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق- ﵉ وكانوا اثنى عشر سبطا كما قال تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً، والمراد: الإيمان بما أنزل الله من الوحى على الأنبياء منهم. قال الإمام القرطبي: والأسباط: ولد يعقوب، وهم اثنا عشر ولدا، ولكل واحد منهم أمة من الناس، واحدهم سبط، والسبط في بنى إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، وسموا

стр. 280

الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط «بالتحريك» وهو الشجر، أى هم في الكثرة بمنزلة الشجر: الواحد سبطة، ويبين لك هذا ما روى عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من إسرائيل إلا عشرة: نوحا وشعيبا، وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا- صلوات الله وسلامه عليهم جميعا» «١» . وقوله تعالى: وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وآمنا- أيضا- بالتوراة التي أعطاها الله- تعالى- لموسى، وبالإنجيل الذي أعطاه لعيسى، وبكل ما آتاه الله لأنبيائه تصديقا لهم في نبوتهم. وعطف- سبحانه- عيسى على موسى بدون إعادة الفعل لأن عيسى جاء مصدقا للتوراة، وما نسخ منها إلا أحكاما يسيرة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله حكاية عنه وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. وقدم- سبحانه- الإيمان بالله على غيره لأن الإيمان بالأنبياء. وما أنزل إليهم متوقف على الإيمان بالله. وقدم الإيمان بما أنزل إلينا- نحن معشر المسلمين- وهو القرآن الكريم لأن الإيمان به يجب أن يكون على وجهى الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل، فيكفى الإيمان به على وجه الإجمال. وقوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ معناه: لا نفرق بين جماعة النبيين، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلتم يا معشر اليهود، إذ كفرتم بعيسى ومحمد ﷺ وفعلكم هذا في حقيقته كفر بالأنبياء جميعا لأن من كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل، ولذلك فنحن معشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بدون تفرقة أو استثناء. ثم بين- سبحانه- أن أهل الكتاب إن آمنوا بما دعوتموهم إليه معشر المسلمين، فقد أصابوا الهدى، وإن نأوا وأعرضوا فهم معاندون مستكبرون فقال تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. والفاء التي صدرت بها الآية الكريمة لترتيب ما بعدها على ما قبلها. لأن قول المؤمنين «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلخ. من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة، ويستميل النفوس الشاردة، لبعده عن التعصب

стр. 281

والعناد، لأنه الحق الذي تؤيده العقول السليمة، وإذا لم يؤمنوا به فمرد ذلك إلى شدة عنادهم والتواء أفكارهم. وقوله تعالى: فَقَدِ اهْتَدَوْا ترغيب لهم في اتباع الحق الذي اتبعه المؤمنون، أى: فإن آمنوا مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا. وكلمة: (مثل) في الآية الكريمة معناها، نفس الشيء وحقيقته. المراد فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به فقد اهتدوا، ومنه قول العرب: «مثلك لا يبخل» والمراد أنت لا تبخل. ويرى بعض المفسرين أن كلمة «مثل» هنا على حقيقتها وهي الشبيه والنظير، وأن المماثلة وقعت بين الإيمانيين، وأنها لا تقتضي تعدد ما أمرنا الله أن نؤمن به. قال الإمام القرطبي: «المعنى: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا» «١» . وقال ابن جرير: فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من كتب الله وأنبيائه، فقد اهتدوا فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والاقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء، كقول القائل: (مر عمرو بأخيك مثل ما مررت به) يعنى ذلك (مر عمرو بأخيك مثل مرورى به) والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم، فكذلك قوله: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن به» «٢» . وقوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بيان لحالهم عند إعراضهم عن دعوة الحق، ووعد من الله- تعالى- للنبي ﷺ والمؤمنين بالنصر عليهم، والعصمة من شرورهم. والشقاق: المنازعة والمخالفة والتعادي وأصله من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه. وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. والمعنى: وإن أعرض هؤلاء الذين زعموا أن الهداية ميلهم عن الإيمان الذي تدعوهم إليه- يا محمد- فاعلم أن إعراضهم سببه المخالفة والمعاندة والمعاداة إذ لا حجة أوضح من حجتك، وما داموا هم كذلك فسيقيك الله شرهم، وينصرك عليهم، فهو سميع لما يقولونه

стр. 282

فيك، عليم بما يبيتونه لك ولأتباعك من مكر وكيد، وهو الكفيل بكف بأسهم، وقطع دابرهم. وعبر- سبحانه- عن شدة مخالفتهم بقوله: «فإنما هم في شقاق» مبالغة في وصفهم بالشقاق حيث جعله مستوليا عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه. ورتب قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ على قوله فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ تثبيتا للنبي ﷺ والمؤمنين لأن إعلامهم أن أهل الكتاب في مخالفة ومعاداة لهم قد يحملهم على الخوف منهم بسبب كثرتهم وقوتهم، فبشر الله- تعالى- نبيه ﷺ بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا أن يصلوا إليك بأذى. وأنه- سبحانه- سيكفيك شرهم. وقد أوفى الله- تعالى- بوعده، فنصر نبيه ﷺ عليهم وعصمه من كيدهم بإلقاء العداوة بينهم وطرد من يستحق الطرد منهم، وقتل من لا بد من قتله بسبب خيانته وغدره. فالآية الكريمة قد تضمنت وعدا للمؤمنين بالنصر، ووعيدا لليهود ومن على شاكلتهم بالهزيمة والخيبة. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك- أن دين الله وهو الإسلام أولى بالاتباع فقال تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ. الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي في أصل اللغة. الحالة التي يقع عليها الصبغ وهو تلوين الأشياء- كالثياب وغيرها- بألوان معينة واستعملت الصيغة في الآية بمعنى الإيمان بما فصلته الآية الكريمة وهي قوله تعالى قبل ذلك قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى. إلخ الآية. وإنما أطلقت الصبغة على الإيمان بما ذكرته الآية مفصلا، لأن الإيمان يمتزج بالقلوب امتزاج الصبغ بالمصبوغ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما تبدو آثار الصبغ على المصبوغ. ويقال: تصبغ فلان في الدين إذا أحسن دينه وتقيد بتعاليمه تقيدا تاما. وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر المؤكد لقولهم (آمنا) فإنه في معنى صبغنا الله بالإيمان، وكأنهم قالوا صبغنا الله بالإيمان صبغته. وإيراد المصدر تأكيدا لفعل يوافقه في المعنى ويخالفه في اللفظ معهود في الكلام البليغ. قال القاضي: قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ متعلق بقوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صيغة الله، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله وبين الدين الذي اختاره المبطلون ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم» «١» .

стр. 283

والاستفهام في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً للإنكار والنفي والمعنى: لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو الذي يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم من أدران الكفر والضلال، فهي صبغة ثابتة لا تزول لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد سخطة له. بخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو من الصيغة البشرية، التي تجعل من الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب متنافرة. وهذا التركيب «ومن أحسن من الله صبغة» يدل بحسب أصل الوضع اللغوي على نفى أن يكون دينا أفضل من دين الله، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوبا يفهم منه بمعونة مقام المدح نفى مساواة دين لدين الله في الحسن، كما يفهم منه نفى أن يكون هناك دين أحسن منه. وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق الكريمة، والآداب السمحة والعادات الصحيحة، والسياسة الرشيدة والمعاملات القائمة على رعاية المصالح. وقوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عطف على آمنا بالله في قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ والمعنى: قل لهم يا محمد إننا نحن معاشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هي صبغتنا ولا نعبد غيره فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا يزيدون في ديننا وينقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من النفوس صبغة التوحيد، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر. ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يزيد في تذكيرهم ودحض حجتهم فقال تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ. أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ. أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ. ومعنى الآية الكريمة: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين قالوا لك ولأصحابك كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله دون دينك، قل لهم: أتجادلوننا في دين الله وهو ملة الإسلام التي بعثني بها للعالمين هدى ورحمة، وتزعمون أن الهداية فيما أنتم عليه من اليهودية والنصرانية، وتستبعدون عليه- تعالى- أن ينزل وحيه على من ليس منكم، بدعوى أنكم أقرب إلى الله منا، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، والحال أنه- سبحانه- هو رَبُّنا وَرَبُّكُمْ أى خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم ومحاسبنا ومحاسبكم على ما يصدر منا ومنكم من أعمال. وقوله تعالى: وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ معناه: لكل منا ومنكم أعمال يترتب عليها الثواب والعقاب، فكما أننا نتساوى معكم في أن الله ربنا وربكم فكذلك نتساوى معكم في

стр. 284

استحقاق الجزاء على الأعمال التي نعملها، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم تجدوا أعمالنا خيرا من أعمالكم، لأننا نزيد عليكم الإخلاص لله في تلك الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه بإكرامهم بالنبوة. فقوله تعالى: وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ حجتان مبطلتان لدعوى أهل الكتاب أنهم أحق لأن تكون النبوة فيهم لأن نسبة العباد إلى الله- تعالى- واحدة هو ربهم وهم عباده، والتفاضل في المنازل لديه إنما يكون بالأعمال الصالحة والإخلاص لله فيها، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك، وقد شاء- سبحانه- أن ينزل وحيه على محمد ﷺ النبي الأمى العربي، بدين عام خالد فيه الهداية والنور والفلاح في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ بيان لسبب أحقية المسلمين بالهداية والكرامة، والمعنى، ونحن- يا معشر المسلمين- لربنا موحدون، نخلص لله العبادة والعمل، ولا نشرك معه آلهة أخرى، أما أنتم فقد أشركتم وضللتم فقال بعضكم: «عزير ابن الله» وقال بعضكم الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فنحن أهدى منكم سبيلا، وأقوم قيلا. ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن، ولا أعمال المخاطبين بالسوء تجنبا لنفور المخاطبين من سماع خطابهم، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ كما أنهم لم يقولوا: ونحن مخلصون وأنتم مخطئون، بل اقتصروا على نسبة الإخلاص لأنفسهم، وفي ذلك تعريض لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله، فإن إخبار الإنسان باشتراكه مع جماعة في أمر أو أمور، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر، يومئ إلى أن هذا الأمر الذي أثبته لنفسه خاصة معدوم في أولئك الجماعة. فمعنى الجملة: ونحن مخلصون في أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشيء من الشرك كما فعل غيرنا. وبعد أن أبطل القرآن الكريم محاجة أهل الكتاب في دين الله بغير حق وأنكر عليهم ذلك، عقبه بإبطال دعواهم أن أسلافهم من الأنبياء كانوا هودا أو نصارى فقال تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ حرف «أم» فيه معادل للهمزة في قوله تعالى في الآية السابقة أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ على أحد الوجوه بمعنى أى الأمرين تأتون؟ المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين في

стр. 285

هذه الآية والمراد من الاستفهام عنهما إنكارهما معا، إنكار حجاجهم في دين الله، وإنكار قولهم إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى. فكأنه- سبحانه- يقول لنبيه ﷺ قل لهم: لا تجادلوننا في دين الله بغير حق، ولا تقولوا إن الأنبياء كانوا على دينكم، فإن مجادلتكم وأقوالكم من قبيل المزاعم الباطلة التي لا سند لها من عقل أو نقل. وقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ معناه قل لهم يا محمد إن زعموا أن الأنبياء المذكورين في الآية كانوا هودا أو نصارى: إن ما زعمتموه من أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا هودا أو نصارى هو على خلاف ما يعلمه الله، لأنه- سبحانه- قد أخبرنا بأنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية، وأن يعقوب- ﵇ عند ما حضرته الوفاة أوصى بنيه بأن يموتوا على الإسلام، وأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد أولئك الأنبياء جميعا، هكذا أخبرنا الله «١» فهل أنتم أعلم بديانتهم أم الله ولا شك أنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم، وإنما سيقولون الله اعلم، فإذا لزمهم هذا القول: قلنا لهم إذا فدعواكم لا أساس لها من الصحة وبذلك تكون الجملة الكريمة قد قطعت حجتهم بأجمع بيان وأحكمه. وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ معناه لا أحد أشد ظلما ممن يكتم شهادة ثبتت عنده عن الله، تخبر بأن هؤلاء الأنبياء كانوا على الإسلام ولم يكونوا هودا أو نصارى. قال فضيلة أستاذنا السيد محمد الخضر حسين- ﵀ ما ملخصه: ولما أنزل قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ: مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ.. إلى آخر الآية الكريمة، كان من أهل الكتاب من آمن به وأخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، وكان منهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين. ولكنه يكابر ويقول: المقصود نبي لم يأت بعد وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم في القديم والحديث، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي ﷺ بحيث لا تأخذ الناظر الطالب للحق ريبة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته، ومن هذه البشائر ما جاء في سفر
следующие страницы →