← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أى: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم أيها المؤمنون إلى تبوك ما زادوكم شيئا من الأشياء إلا اضطرابا في الرأى وفسادا في العمل، وضعفا في القتال، لأن هذا هو شأن النفوس المريضة التي تكره لكم الخير، وتحب لكم الشر. قال الآلوسى. والاستثناء مفرغ متصل، والمستثنى منه محذوف، ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء. وقال أبو حيان: إنه كان في تلك الغزوة منافقون لهم خبال فلو خرج هؤلاء أيضا واجتمعوا بهم زاد الخبال، فلا فساد في ذلك الاستلزام لو ترتب «١» . وقوله: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ معطوف على قوله: «ما زادوكم» . والإيضاع. كما يقول القرطبي. سرعة السير قال الراجز. يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع يقال: وضع البعير. إذا أسرع في السير، وأوضعته. حملته على العدو «٢» . والخلل الفرجة بين الشيئين. والجمع الخلال، أى: الفرج التي تكون بين الصفوف وهو هنا ظرف مكان بمعنى بين، ومفعول الإيضاع محذوف، أى. ولأسرعوا بينكم ركائبهم بالوشايات والنمائم والإفساد. ففي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير الراكب، ثم استعير لها الإيضاع وهو الإبل وأصل الكلام ولأوضعوا ركائبهم، ثم حذفت الركائب. وجملة يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ في محل نصب على الحال من فاعل (أوضعوا) . أى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا شرا وفسادا، ولأسرعوا بينكم بالإشاعات الكاذبة، والأقوال الخبيثة، حال كونهم باغين وطالبين لكم الافتتان في دينكم، والتشكيك في صحة عقائدكم، والتثبيط عن القتال، والتخويف من قوة أعدائكم، ونشر الفرقة في صفوفكم. فالمراد بالفتنة هنا: كل ما يؤدى إلى ضعف المسلمين في دينهم أو في دنياهم. وقوله: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ بيان لأحوال المؤمنين في ذلك الوقت. أى. وفيكم. في ذلك الوقت. يا معشر المؤمنين، أناس كثير والسماع لهؤلاء المنافقين، سريعو الطاعة لما يلقون إليهم من أباطيل. قال ابن كثير. قوله: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أى: مطيعون لهم، ومستحسنون

стр. 2592

لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدى إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير، (وفيكم سماعون لهم) أى: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جمع الأحوال. والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق. وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا، فيما بلغني، من ذوى الشرف، منهم عبد الله بن أبى بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فقال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ «١» . وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تذييل المقصود منه وعيد هؤلاء المنافقين وتهديدهم بسبب ما قدمت أيديهم من مفاسد. أى: والله- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أحوال هؤلاء الظالمين، وسيعاقبهم بالعقاب المناسب لجرائمهم ورذائلهم. وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وضحت أن هناك ثلاث مفاسد كانت ستترتب على خروج هؤلاء المنافقين مع المؤمنين إلى تبوك. أما المفسدة الأولى: فهي زيادة الاضطراب والفوضى في صفوف المجاهدين. وأما المفسدة الثانية: فهي الإسراع بينهم بالوشايات والنمائم والإشاعات الكاذبة. وأما المفسدة الثالثة: فهي الحرص على تفريق كلمتهم، وتشكيكهم في عقيدتهم. وهذه المفاسد الثلاث ما وجدت في جيش إلا وأدت إلى انهزامه وفشله. ومن هنا كان تثبيط الله- تعالى- لهؤلاء المنافقين، نعمة كبرى للمؤمنين. ومن هنا- أيضا- كانت الكثرة العددية في الجيوش لا تؤتى ثمارها المرجوة منها، إلا إذا كانت متحدة في عقيدتها، وأهدافها، واتجاهاتها.. أما إذا كانت هذه الكثرة مشتملة على عدد كبير من ضعاف الإيمان، فإنها في هذه الحالة يكون ضررها أكبر من نفعها. ثم ذكر الله تعالى- نبيه ﷺ بطرف من الماضي المظلم لهؤلاء المنافقين فقال:

стр. 2593

لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ. أى: لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين، من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك. ومن مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم في غزوة أحد، متبعين في ذلك زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سرا وجهرا حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها أحوالهم. فالمراد بقوله: مِنْ قَبْلُ أى: من قبل هذه الغزوة التي كانت آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ . أى أن ما صدر عن هؤلاء المنافقين من مسالك خبيثة خلال غزوة تبوك ليس هو الأول من نوعه، بل هم لهم في هذا المضمار تاريخ مظلم بدأ منذ أوائل عهد الدعوة الإسلامية بالمدينة. وقوله: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ بيان لتفننهم في وجوه الأذى للنبي ﷺ وتقليب الأمر: تصريفه، وترديده، وإجالة الرأى فيه، والنظر إليه من كل نواحيه: لمعرفة أى ناحية منه توصل إلى الهدف المنشود. والمراد أن هؤلاء المنافقين قد ابتغوا الأذى للدعوة الإسلامية من قبل هذه الغزوة، ودبروا لصاحبها ﷺ المكايد، واستعملوا قصارى جهدهم، ومنتهى اجتهادهم، وخلاصة مكرهم، من أجل صد الناس عن الحق الذي جاء به محمد ﷺ . وقوله: حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ.. غاية لمحذوف، والتقدير: أن هؤلاء المنافقين استمروا على حربهم للدعوة الإسلامية «حتى جاء الحق» أى: النصر الذي وعد الله عباده به «وظهر أمر الله» أى: دينه وشرعه «وهم» أى المنافقون وأشباههم «كارهون» لذلك لأنهم يكرهون انتصار دين الإسلام، ويحبون هزيمته وخذلانه، ولكن الله- تعالى- خيب آمالهم، وأحبط مكرهم. قال الإمام ابن كثير: عند ما قدم النبي ﷺ المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبى، وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم وساءهم، ولهذا قال- تعالى-: حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ «١» .

стр. 2594

ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين، فحكت جانبا من أعذارهم الكاذبة، ومن أقوالهم الخبيثة.. فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) روى محمد بن إسحاق ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبى بكر، وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه- أى لغزوة تبوك- للجد بن قيس أخى بنى سلمة: «هل لك يا جد في جلاد بنى الأصفر» ؟ - يعنى الروم- فقال الجد: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال قد أذنت لك» . ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي «١» . أى: ومن هؤلاء المنافقين الذين لم ينته الحديث عنهم بعد «من يقول» لك- يا محمد-

стр. 2595

«ائذن لي» في القعود بالمدينة، «ولا تفتني» أى ولا توقعني في المعصية والإثم بسبب خروجي معك إلى تبوك، ومشاهدتى لنساء بنى الأصفر. وعبر- سبحانه- عن قول هذا المنافق بالفعل المضارع، لاستحضار تلك الحال لغرابتها، فإن مثله في نفاقه وفجوره لا يخشى إثم الافتتان بالنساء إذ لا يجد من دينه مانعا من غشيان الشهوات الحرام. وقوله: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا رد عليه فيما قال، وذم له على ما تفوه به. أى: ألا إن هذا وأمثاله في ذات الفتنة قد سقطوا، لا في أى شيء آخر مغاير لها. وبدأ- سبحانه- الجملة الكريمة بأداة التنبيه «ألا» ، لتأكيد الخبر، وتوجيه الأسماع إلى ما اشتمل عليه من توبيخ لهؤلاء المنافقين. وقدم الجار والمجرور على عامله للدلالة على الحصر. أى فيها لا في غيرها قد سقطوا وهووا إلى قاع سحيق. قال الآلوسى: وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة، تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين «١» . وقال الفخرى الرازي ما ملخصه: «وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله- تعالى- بيّن أنهم في عين الفتنة واقعون، لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله، والتمرد على قبول التكاليف التي كلفنا الله بها..» «٢» . وقوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ وعيد وتهديد لهم على أقوالهم وأفعالهم. أى: وإن جهنم لمحيطة بهؤلاء الكافرين بما جاء من عند الله، دون أن يكون لهم منها مهرب أو مفر. وعبر عن إحاطتها بهم باسم الفاعل الدال على الحال، لإفادة تحقيق ذلك حتى لكأنه واقع مشاهد. قالوا: ويحتمل أنها محيطة بهم الآن، بأن يراد بجهنم الأسباب الموصلة إليها من الكفر والنفاق وغير ذلك من الرذائل التي سقطوا فيها. وقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ.. بيان لنوع آخر من خبث نواياهم، وسوء بواطنهم.

стр. 2596

أى: «إن تصبك» يا محمد حسنة من نصر أو نعمة أو غنيمة- كما حدث يوم بدر- «تسؤهم» تلك الحسنة، وتورثهم حزنا وغما، بسبب شدة عداوتهم لك ولأصحابك. «وإن تصبك مصيبة» من هزيمة أو شدة- كما حدث يوم أحد- «يقولوا» باختيال وعجب وشماتة «قد أخذنا أمرنا من قبل» . أى: قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحزم والتيقظ، من قبل وقوع المصيبة التي حلت بالمسلمين، ولم نلق بأيدينا إلى التهلكة كما فعل هؤلاء المسلمون. وقوله: وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ تصوير لحالهم، ولما جبلوا عليه من شماتة بالمسلمين. أى: عند ما تصيب المسلمين مصيبة أو مكروه، ينصرف هؤلاء المنافقون إلى أهليهم وشيعتهم- والفرح يملأ جوانحهم- ليبشروهم بما نزل بالمسلمين من مكروه. قال الجمل: فإن قلت: فلم قابل الله الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران: «وإن تصيبكم سيئة يفرحوا بها» ؟. قلت: لأن الخطاب هنا للنبي ﷺ وهي في حقه مصيبة يثاب عليها، لا سيئة يعاتب عليها، والتي في آل عمران خطاب للمؤمنين» «١» . وقوله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا.. إرشاد للرسول ﷺ إلى الجواب الذي يكبتهم ويزيل فرحتهم. أى: «قل» يا محمد- لهؤلاء المنافقين الذين يسرهم ما يصيبك من شر، ويحزنهم ما يصيبك من خير، والذين خلت قلوبهم من الإيمان بقضاء الله وقدره، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت. لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا وقدره علينا «هو مولانا» الذي يتولانا في كل أمورنا، ونلجأ إليه في كل أحوالنا. وعليه وحده- سبحانه نكل أمورنا وليس على أحد سواه. وقوله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ.. إرشاد آخر للرسول ﷺ إلى الجواب الذي يخرس ألسنة هؤلاء المنافقين ويزيل فرحتهم. وقوله: تَرَبَّصُونَ التربص بمعنى الانتظار في تمهل. يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر، إذا كان ينتظر وقوع مكروه به. والحسنيان: مثنى الحسنى. والمراد بهما: النصر أو الشهادة.

стр. 2597

أى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين- أيضا- إنكم ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما أحسن من جميع العواقب، وهما إما النصر على الأعداء، وفي ذلك الأجر والمغنم والسلامة، وإما أن نقتل بأيديهم وفي ذلك الشهادة والفوز بالجنة والنجاة من النار. قال الآلوسى: والحاصل أن ما تنتظرونه بنا- أيها المنافقون- لا يخلو من أحد هذين الأمرين، كل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزو سوء، ولذلك سررتم به. وصح من حديث أبى هريرة عن النبي- ﷺ قال: «تكفل الله- تعالى- لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته أن يدخله الجنة. أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة» «١» . وقوله: وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا بيان لما ينتظر المؤمنون وقوعه بالمنافقين. أى: ونحن معشر المؤمنين نتربص بكم أيها المنافقون إحدى السوءيين من العواقب: إما «أن يصيبكم الله بعذاب» كائن «من عنده» فيهلككم كما أهلك الذين من قبلكم، وإما أن يصيبكم بعذاب كائن «بأيدينا» بأن يأذن لنا في قتالكم وقتلكم. والفاء في قوله: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ للإفصاح. أى إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا، فإنا معكم متربصون ما هو عاقبتكم، وسترون أن عاقبتنا على كل حال هي الخير، وأن عاقبتكم هي الشر. وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد حكت طرفا من رذائل المنافقين ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، وردت عليهم بما يكبتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد. ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المنافقين نفقاتهم غير مقبولة، لأن قلوبهم خالية من الإيمان. ولأن عباداتهم ليست خالصة لوجه الله، وأن ما ينفقونه سيكون عليهم حسرة فقال- تعالى-:

стр. 2598

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) روى أن بعض المنافقين قال للنبي ﷺ عند ما دعاهم إلى الخروج معه إلى تبوك: ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به، فنزل قوله- تعالى-: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ... والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء أنفقوا ما شئتم من أموالكم في وجوه الخير حالة كونكم طائعين، أى: من غير إجبار أحد لكم، أو كارهين، أى بأن تجبروا على هذا الإنفاق إجبارا، فلن يقبل منكم ذلك الإنفاق. والكلام وإن كان قد جاء في صورة الأمر، إلا أن المراد به الخبر وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله. فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله- تعالى- قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله- تعالى-: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وقول الشاعر. أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت أى: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم.. أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك سواء أسأت إلينا أم أحسنت ... «١» .

стр. 2599

وجاء الكلام في صورة الأمر، للمبالغة في تساوى الأمرين، وعدم الاعتداد بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية. وقوله: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ بيان لثمرة إنفاقهم. أى: لن يتقبل منكم ما أنفقتموه، ولن تنالوا عليه ثوابا. وقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ تعليل لعدم قبول نفقاتهم. أى: لن تقبل منكم نفقاتكم بسبب عتوكم في الكفر، وتمردكم على تعاليم الإسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة. قال القرطبي ما ملخصه. وفي الآية دليل على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة، وجبر الكسير، وإغاثة الملهوف، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها في الدنيا. دليله ما رواه مسلم عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وروى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها» «١» . وقال الجمل: وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين، فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه «٢» . ثم بين- سبحانه- على سبيل التفصيل لمظاهر فسقهم- أن هناك ثلاثة أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم. أما السبب الأول فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ... أى: وما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بالله- تعالى- ورسوله ﷺ . فالاستثناء من أهم الأشياء. والضمير في «منعهم» هو المفعول الأول للفعل، وقوله:

стр. 2600

أَنْ تُقْبَلَ هو المفعول الثاني، لأن الفعل «منع» يتعدى لمفعولين تارة بنفسه كما هنا، وتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر وهو حرف «من» أو «عن» . والفاعل ما في حيز الاستثناء وهو قوله: إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا ... وأما السبب الثاني فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى. ولفظ «كسالى» . جمع كسلان، مأخوذ من الكسل بمعنى التثاقل عن الشيء، والفتور عن أدائه. وفعله بزنة فرح. أى: ولا يأتون الصلاة التي كتبها الله عليهم في حال من الأحوال، إلا في حال كونهم قوم خلت قلوبهم من الإيمان، فصاروا لا يرجون من وراء أدائها ثوابا ولا يخشون من وراء تركها عقابا، وإنما يؤدونها رياء أو تقية للمسلمين. وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله- تعالى- في سورة النساء: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى، يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. وأما، السبب الثالث فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ. أى. ولا ينفقون نفقة في سبيل الله إلا وهم كارهون لها لأنهم يعدونها مغرما، ويعتبرون تركها مغنما، وما حملهم على الإنفاق إلا الرياء أو المخادعة أو الخوف من انكشاف أمرهم، وافتضاح حالهم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله- تعالى- طائعين في قوله «طوعا» ثم وصفهم هنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون فكيف ذلك؟ قلت: المراد بطوعهم أنهم يبذلون نفقتهم من غير إلزام من رسول الله ﷺ أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار «١» . أى: أن نفقتهم في جميع الأحوال لا يقصد بها الاستجابة لشرع الله، وإنما يقصد بها الرياء أو المخادعة، أو خدمة مصالحهم الخاصة. ثم نهى الله- تعالى- المؤمنين في شخص نبيهم ﷺ عن التطلع إلى ما في أيدى هؤلاء المنافقين فقال. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ...

стр. 2601

والإعجاب بالشيء معناه: أن تسر به سرورا يجعلك راضيا به ومتمنيا له، والفاء في قوله: فَلا تُعْجِبْكَ للإفصاح. أى إذا كان هذا هو شأن المنافقين، فلا تستحسن. أيها العاقل. ما أعطيناهم إياه من أموال وأولاد، فإنه نوع من الاستدراج. وقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا تعليل للنهى عن الإعجاب بما أعطاهم الله من أموال وأولاد. أى: إنما يريد الله بعطائهم تلك الأموال والأولاد أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا، وقد بسط الإمام الرازي مظاهر تعذيب المنافقين في الدنيا بالأموال والأولاد فقال ما ملخصه: المنافقون يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا من وجوه: أحدها: أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر، علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا، وبهذا العلم يفتر حبه للدنيا، وأما المنافق فإنه لما اعتقد أنه لا سعادة له إلا في هذه الخيرات العاجلة، عظمت رغبته فيها، واشتد حبه لها، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه.. فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب الأموال والأولاد. وثانيا: أن النبي ﷺ كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه الخيرات، ويكلفهم. إرسال أولادهم إلى الجهاد والغزو، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل، وهم كانوا يعتقدون أن محمدا ليس صادقا في كونه رسول، وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة، ولا شك أن هذا كله تعذيب لهم. وثالثا: أنهم كانوا يبغضون محمدا ﷺ بقلوبهم، ثم إنهم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم في خدمته. ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة عليهم. ورابعا: أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهورا تاما، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار. وحينئذ يتعرض الرسول ﷺ لهم بالقتل وسبى الأولاد.. وكل ذلك يوجب ألمهم وقلقهم. وخامسا: أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبى عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبى.. وكانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق، ويقدحون فيهم. والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به، واستيحاشه منه، فصار حصول تلك الأولاد سببا لعذابهم.. «١» .

стр. 2602

وقوله: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ بيان لسوء مصيرهم في الآخرة بعد بيان عذابهم في الدنيا. وزهوق النفس: خروجها من الجسد بصعوبة ومشقة. يقال: زهقت نفسه تزهق إذا خرجت، وزهق الشيء إذا هلك واضمحل، ومنه قوله- تعالى-: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ.... والمعنى: لا تعجبك- أيها العاقل- أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، ويريد كذلك أن تخرج أرواحهم من أجسادهم وهم كافرون، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت المنافقين بسوء المصير في الآخرة ولن يحسد إنسان مصيره كهذا المصير. قال الإمام الرازي: ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه، فإنه- سبحانه- لما بين قبائح أفعالهم، وفضائح أعمالهم، بين ما لهم في الآخرة من العذاب الشديد، وما لهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة ألبتة ثم بين في هذه الآية أن ما يظنونه من منافع الدنيا، فهو في حقيقته سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدنيا والدين، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ... » «١» . وبعد أن بينت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التي على رأسها الجبن والكذب فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) أى: أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم- أيها المؤمنون- «إنهم لمنكم» أى: في الدين والملة، والحق أنهم ما هم منكم، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، فهم كما وصفهم- سبحانه- في قوله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

стр. 2603

وقوله: وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ استدراك للرد عليهم فيما قالوه وأقسموا عليه كذبا وزورا. وقوله: يَفْرَقُونَ من الفرق، بمعنى الفزع الشديد من أمر يتوقع حصوله. يقال: فرق فرقا إذا اشتد خوفه وهلعه. أى: أن هؤلاء المنافقين لشدة خوفهم وهلعهم- أيها المؤمنون- يحلفون لكم كذبا وزورا بأنهم منكم، والحق أنهم ما هم منكم، ولكنهم قوم جبناء. لا يستطيعون مصارحتكم بالعداوة، ولا يجرؤون على مجابهتكم بما تخفيه قلوبهم لكم من بغضاء. وقوله- سبحانه-: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ ... تأكيد لما كان عليه أولئك المنافقون من جبن خالع. والملجأ: اسم للمكان الذي يلجأ إليه الخائف ليحتمى به سواء أكان حصنا أو قلعة أو غيرهما. والمغارات: جمع مغارة وهي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل. قال بعضهم: والغور- بفتح الغين- من كل شيء قعره. يقال: غار الرجل غورا إذا أتى الغور وهو المنخفض من الأرض «١» . والمدخل- بتشديد الدال اسم للموضع الذي يدخلون فيه، بصعوبة ومشقة لضيقه، كالنفق في الأرض. وقوله: يَجْمَحُونَ أى: يسرعون أشد الإسراع مأخوذ من الجموح وهو أن يغلب الفرس صاحبه في سيره وجريه. يقال: جمح الفرس براكبه جموحا، إذا استعصى عليه حتى غلبه. والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لو يجدون حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يستخفون فيها. أو سردابا في الأرض ينجحرون فيه، لأقبلوا نحوه مسرعين أشد الإسراع دون أن يردهم شيء، كالفرس الجموح الذي عجز صاحبه عن منعه من النفور والعدو. فالآية الكريمة تصوير معجز لما كان عليه أولئك المنافقون من خوف شديد من المؤمنين،

стр. 2604

ومن بغض دفين لهم، حتى إنهم لو وجدوا شيئا من هذه الأمكنة- التي هي منفور منها- لأسرعوا نحوها إسراعا شديدا. ثم تمضى السورة بعد ذلك في الكشف عن الأقوال المنكرة، والأفعال القبيحة التي كانت تصدر عن المنافقين فتقول. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩) قال الإمام الرازي: اعلم أن المقصود من هذا، شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم، وهو طعنهم في الرسول ﷺ بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء، ويقولون إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل، «١» . هذا، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: ما أخرجه البخاري والنسائي عن أبى سعيد الخدري- رضى الله عنه- قال: بينما النبي ﷺ يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل» ؟، فقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية ... » . قال أبو سعيد، فنزلت فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ... وروى ابن مردويه عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «لما قسم النبي ﷺ غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي ﷺ

стр. 2605

فذكرت له ذلك فقال: «رحمة الله على موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر» . ونزل وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ «١» . وقوله: يَلْمِزُكَ أى: يعيبك ويطعن عليك في قسمة الصدقات وغيرها من الأموال، مأخوذ من اللمز وهو العيب. يقال لمزة وهمزة يلمزه ويهمزه إذا عابه وطعن عليه، ومنه قوله- تعالى-: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. وقيل: اللمز ما كان يحضره الملموز، والهمز ما كان في غيابه. والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين- يا محمد- من يعيبك ويطعن عليك في قسمة الصدقات والغنائم، زاعمين أنك لست عادلا في قسمتك. وقوله: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا ... بيان لفساد لمزهم وطعنهم، وأن الدافع إليه إنما هو الطمع والشره في حطام الدنيا، وليس الغضب من أجل إحقاق الحق: أو من أجل نشر العدالة بين الناس. أى: أن هؤلاء المنافقين إن أعطيتهم. يا محمد. من تلك الصدقات، رضوا عنك، وحكموا على هذا العطاء بأنه عدل حتى ولو كان ظلما، وإن لم تعطهم منها سخطوا عليك، واتهموك بأنك غير عادل، حتى ولو كان عدم عطائهم هو الحق بعينه، فهم لا يقولون ما يقولونه فيك غضبا للعدل، ولا حماسة للحق، ولا غيرة على الدين.. وإنما يقولون ما يقولون من أجل مطامعهم الشخصية، ومنافعهم الذاتية. قال الجمل. وقوله إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ إذا هنا فجائية، قائمة مقام فاء الجزاء في الربط على حد قوله: «وتخلف الفاء إذا المفاجأة» . والأصل. فهم يسخطون، وغاير. سبحانه. بين جوابي الجملتين، للاشارة إلى أن سخطهم ثابت لا يزول ولا يفنى بخلاف رضاهم «٢» . وقال صاحب المنار. وقد عبر- سبحانه- عن رضاهم بصيغة الماضي: للدلالة على أنه كان يكون لأجل العطاء في وقته وينقضي، فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام الإسلام لدوامها، وعبر عن سخطهم بإذا الفجائية وبالفعل المضارع، للدلالة على سرعته واستمراره. وهذا دأب المنافقين وخلقهم في كل زمان ومكان، كما نراه بالعيان حتى من مدعى كمال الإيمان، والعلم والعرفان «٣» .

стр. 2606

ثم وضح- سبحانه-: المنهج الذي يليق بأصحاب العقيدة السليمة فقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... أى. ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يلمزونك. يا محمد. في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء، وقالوا- على سبيل الشكر والقناعة- «حسبنا الله» أى: كفانا فضله وما قسمه لنا، «سيؤتينا الله من فضله ورسوله» أى: سيعطينا الله في المستقبل الكثير من فضله وإحسانه، وسيعطينا رسوله من الصدقات وغيرها «إنا إلى الله راغبون» أى: إنا إلى الله راغبون في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات وغيرها من أموال الناس ومن صلاتهم، لأنه- سبحانه- له خزائن السموات والأرض. وجواب «لو» محذوف. والتقدير: ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم. قال الإمام الرازي ما ملخصه: والآية تدل على أن من طلب الدنيا- بطمع وشراهة- آل أمره في الدين إلى النفاق، وأما من طلب الدنيا بتوسط وبغرض التوسل إلى مصالح الدين، فهذا هو الطريق الحق، والأصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء الله. ألا ترى أنه- سبحانه- ذكر هنا في هذه الآية مراتب أربعة: أولها: الرضا بما آتاهم الله ورسوله، لعلمه بأنه- تعالى- حكم منزه عن العبث، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولا اعتراض عليه. وثانيها: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم: «حسبنا الله» يعنى: أن غيرنا أخذ المال، ونحن قد رضينا بحكم الله وقضائه. وفزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية. وثالثها: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ تلك الدرجة العالية التي عندها يقول: «حسبنا الله» ، نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول: «سيؤتينا الله من فضله ورسوله» . ورابعها: أن يقول: «إنا إلى الله راغبون» فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال، وإنما نطلب اكتساب سعادات الآخرة.. «١» . وبعد أن بين- سبحانه- المنهج اللائق بأصحاب العقيدة السليمة في طلب الدنيا عقب ذلك ببيان المستحقين للصدقات فقال- تعالى-.

стр. 2607

[سورة التوبة (٩) : آية ٦٠] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) قال الإمام ابن كثير. لما ذكر الله- تعالى- اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات. بين- سبحانه- أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه أبو داود في سنته عن زياد بن الحارث الصدائى قال. أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتى رجل فقال. أعطنى من الصدقة فقال له. «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره. في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» «١» . والمراد بالصدقات هنا- عند كثير من العلماء- الزكاة المفروضة. ولفظ الصدقات. مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: إنما الصدقات مصروفة للفقراء والمساكين ... إلخ. والفقراء. جمع فقير، وهو من له أدنى شيء من المال. أو هو من لا يملك المال الذي يقوم بحاجاته الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. يقال فقر الرجل يفقر- من باب تعب- إذا قل ماله. قالوا: وأصل الفقير في اللغة: الشخص الذي كسر فقار ظهره، ثم استعمل فيمن قل ماله لانكساره بسبب احتياجه إلى غيره. أو هو من الفقرة بمعنى الحفرة، ثم استعمل فيما ذكر لكونه أدنى حالا من أكثر الناس، كما أن الحفرة أدنى من مستوى سطح الأرض المستوية. والمساكين: جمع مسكين، وهو من لا شيء له، فيحتاج إلى سؤال الناس لسد حاجاته ومطالب حياته.

стр. 2608

وهو مأخوذ من السكون الذي هو ضد الحركة، لأن احتياجه إلى غيره أسكنه وأذله. وقيل. المسكين هو الذي له مال أو كسب ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون قريب الشبه بالفقير. وقوله: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها بيان للصنف الثالث من الأصناف الذين تجب لهم الزكاة. والمراد بهم. من كلفهم الإمام بجمع الزكاة وتحصيلها ممن يملكون نصابها. ويدخل فيهم العريف، والحاسب، والكاتب، وحافظ المال، وكل من كلفه الإمام أو نائبه بعمل يتعلق بجمع الزكاة أو حفظها، أو توزيعها. وقوله. وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بيان للصنف الرابع. والمراد بهم الأشخاص الذين يرى الإمام دفع شيء من الزكاة إليهم تأليفا لقلوبهم، واستمالة لنفوسهم نحو الإسلام، لكف شرهم، أو لرجاء نفعهم، وهم أنواع: منهم قوم من الكفار، كصفوان بن أمية، فقد أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين، وكان صفوان يومئذ كافرا، ثم أسلم وقال: والله لقد أعطانى النبي ﷺ وكان أبغض الناس إلى، فما زال يعطيني. حتى أسلمت وإنه لأحب الناس إلى. ومنهم قوم كانوا حديثي عهد بالإسلام وكانوا من ذوى الشرف في أقوامهم فكان النبي ﷺ يعطيهم، ليثبت إيمانهم، وليدخل معهم في الإسلام أتباعهم. ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول ﷺ مع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، فقد أعطاهم ﷺ لمكانتهم في عشيرتهم، ولشرفهم في أقوامهم. وليدخل معهم في الإسلام غيرهم. ومنهم قوم كانوا ضعاف الإيمان، فكان ﷺ يعطيهم تأليفا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم. لكي لا يسرى ضعف إيمانهم إلى غيرهم. ومن أمثلة هذا الصنف العباس بن مرداس السلمى، فقد أعطاه النبي ﷺ تأليفا لقلبه، وتثبيتا لإيمانه. والخلاصة أن النبي ﷺ كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء، دفعا لشرهم، أو أملا في نفعهم، أو رجاء هدايتهم. وقوله: وَفِي الرِّقابِ بيان لنوع خامس من مصارف الزكاة. وفي الكلام مجاز بالحذف، والتقدير: وتصرف الصدقات أيضا في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها

стр. 2609

على أداء بدل الكتابة لكن يصيروا أحرارا. أو بأن يشترى بجزء منها عددا من العبيد لكي يعتقوا من الرق. وذلك لأن الإسلام يحبب أتباعه في عتق الرقاب، وفي مساعدة الأرقاء على أن يصيروا أحرارا. وقوله: «والغارمين» من الغرم بمعنى الملازمة للشيء ومنه قوله. تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أى: عذاب جهنم كان ملازما لأهلها من الكافرين. والمراد بالغارمين: من لزمتهم الديون في غير معصية لله، ولا يجدون المال الذي يدفعونه لدائنيهم، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على سداد ديونهم. وقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ بيان لنوع سابع من مصارف الزكاة. والسبيل: الطريق الذي فيه سهولة، وجمعه سبل. وأضيف إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه هو السبيل الحق الذي لا يحوم حوله باطل، وهو الذي يوصل السائر فيه إلى مرضاة الله ومثوبته. أى: وتصرف الصدقات في سبيل الله، يدفع جزء منها لمساعدة المجاهدين والغزاة والفقراء الذين خرجوا لإعلاء كلمة الله. قال بعض العلماء ما ملخصه: قال أبو حنيفة ومالك والشافعى. يصرف سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة..، لأن المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم كذلك. وقال الإمام أحمد: يجوز صرف سبيل الله إلى مريد الحج. وقال بعضهم. يجوز صرف سبيل الله إلى طلبة العلم. وفسره بعضهم بجميع القربات. فيدخل فيه جميع وجوه الخير، مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، وعمارة المساجد «وفي سبيل الله» عام في الكل.. «١» . وقوله: وَابْنِ السَّبِيلِ بيان للصنف الثامن والأخير من الأصناف الذين هم مصارف الزكاة. والمراد بابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله في سفره. ولو كان غنيا في بلده، فيعطى من الزكاة ما يساعده على بلوغ موطنه. وقد اشترط العلماء لابن السبيل الذي يعطى من الصدقة، أن يكون سفره في غير معصية

стр. 2610

الله. فإن كان في معصية لم يعط: لأن إعطاءه يعتبر إعانة له على المعصية، وهذا لا يجوز. وقد ألحقوا بابن السبيل، كل من غاب عن ماله، ولو كان في بلده. وقوله. فريضة من الله، منصوب بفعل مقدر أى: فرض الله لهم هذه الصدقات فريضة، فلا يصح لكم أن تبخلوا بها عنهم، أو تتكاسلوا في إعطائها لمستحقيها. فالجملة الكريمة زجر للمخاطبين عن مخالفة أحكامه. سبحانه. وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تذييل قصد به بيان الحكمة من فرضية الزكاة. أى: والله- تعالى- عليم بأحوال عباده، ولا تخفى عليه خافية من تصرفاتهم، حكيم في كل أوامره ونواهيه، فعليكم. أيها المؤمنون. أن تأتمروا بأوامره، وأن تنتهوا عن نواهيه لتنالوا رضاه. هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى: ١- أن المراد بالصدقات هنا ما يتناول الزكاة المفروضة وغيرها من الصدقات المندوبة، وذلك لأن اللفظ عام فيشمل كل صدقة سواء أكانت واجبة أم مندوبة، ولأن لفظ الصدقة في عرف الشرع وفي صدر الإسلام، كان يشمل الزكاة المفروضة، والصدقة المندوبة، ويؤيده قوله- تعالى-: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها. ومن العلماء من يرى أن المراد بالصدقات في الآية: الزكاة المفروضة، لأن (أل) في الصدقات للعهد الذكرى والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار إليها القرآن. بقوله قبيل هذه الآية. وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية كبناء المساجد والمدارس. ويبدو لنا أن لفظ الصدقات في الآية عام بحيث يتناول كل صدقة، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولا أوليا. ٢- قال بعض العلماء: ظاهر الآية يقضى بالقسمة بين الثمانية الأصناف، ويؤيد هذا وجهان. الأول. ما يقتضيه اللفظ اللغوي، إن قلنا. الواو للجمع والتشريك. والثاني. ما رواه أبو داود في سنته من قوله ﷺ «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء» . وقد ذهب إلى هذا الشافعى وعكرمة والزهري، إلا إن استغنى أحدهما فتدفع إلى الآخرين بلا خلاف.

стр. 2611

وذهبت طوائف إلى جواز الصرف في صنف واحد. منهم عمر وابن عباس وعطاء وابن جبير ومالك وأبو حنيفه. قال في التهذيب: وخرجوا عن الظاهر في دلالة الآية المذكورة والخبر بوجوه: الأول: أن الله- تعالى- قال في سورة البقرة: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١» فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها. الثاني: الخبر، وهو قوله ﷺ لمعاذ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. الثالث: حديث سلمة بن صخر. فإنه ﷺ جعل له صدقة بنى زريق. الرابع: أنه لم يظهر في ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه «٢» . ٣- يرى جمهور العلماء أن الفقراء والمساكين صنفان من مصارف الزكاة لأن الله. - تعالى- قد ذكر كل صنف منهما على حدة، إلا أنهم اختلفوا في أيهما أسوأ حالا من الآخر. فالشافعية يرون أن الفقير أسوأ حالا من المسكين. ومن أدلتهم على ذلك، أن الله. تعالى. بدأ في الآية بالفقراء، وهذا البدء. يشير إلى أنهم أشد حاجة من غيرهم، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم. ولأن لفظ الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره فلا يستطيع التكسب، ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال. ولأن الله. تعالى. وصف بالمسكنة من كانت له سفينة من سفن البحر فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ.. «٣» . أما الأحناف والمالكية فيرون أن المسكين أسوأ حالا من الفقير. ومن أدلتهم على ذلك: أن علماء اللغة عرفوا المسكين بأنه أسوأ حالا من الفقير، وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت، والقتبى، ويونس بن حبيب. ولأن الله- تعالى- وصف المسكين وصفا يدل على البؤس والفاقة فقال: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أى: مسكينا ذا حاجة شديدة، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفاقة، ولم يصف الفقير بذلك.. «٤» .

стр. 2612

قال بعض العلماء: وأنت إذا تأملت أدلة الطرفين وجدت أنها متعارضة ومحل نظر، وأياما كان فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان. وروى عن أبى يوسف ومحمد أنهما صنف واحد واختاره الجبائي، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به، ومن قال إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك «١» . ٤- ظاهر الآية يدل على أن الزكاة يجوز دفعها لكل من يشمله اسم الفقير والمسكين، إلا أن هذا الظاهر غير مراد لأن الأحاديث الصحيحة قد قيدت هذا الإطلاق. قال القرطبي: اعلم أن قوله- تعالى-: لِلْفُقَراءِ مطلق ليس فيه شرط وتقييد، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء، سواء أكانوا من بنى هاشم أم من غيرهم، إلا أن السنة وردت باعتبار شروط، منها: ألا يكونوا من بنى هاشم، وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته، وهذا لا خلاف فيه. وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب لأنه ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى» . ولا خلاف بين علماء المسلمين في أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي ﷺ ولا لبنى هاشم ولا لمواليهم.. «٢» . وكذلك لا يصح أن تعطى لغير المسلمين، ففي الصحيحين عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فاقتضى ذلك ان الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين. إلا أنه نقل عن أبى حنيفة جواز دفع صدقة الفطر إلى الذمي. ٥- أخذ بعض العلماء من قوله- تعالى- وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أنه يجب على الإمام أن يرسل من يراه أهلا لجمع الزكاة ممن تجب عليهم. وقد تأكد هذا الوجوب بفعل النبي ﷺ فقد ثبت في أحاديث متعددة أنه أرسل بعض الصحابة لجمع الزكاة.

стр. 2613

روى البخاري عن أبى حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه «١» . ٦- أخذ بعض العلماء- أيضا- من قوله- تعالى- وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أن حكمهم باق، لأنهم قد ذكروا من بين مصارف الزكاة، ولأن الرسول ﷺ قد أعطاهم، فيعطون عند الحاجة. قال الإمام القرطبي ما ملخصه: واختلف العلماء في بقاء المؤلفة قلوبهم. فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأى. قال بعض علماء الحنفية. لما أعز الله الإسلام وأهله، أجمع الصحابة في خلافة أبى بكر على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. وقال ابن العربي. الذي عندي أنه إن قوى الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله ﷺ يعطيهم، فإن في الصحيح «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» «٢» . والذي يبدو لنا أن ما قاله ابن العربي أقرب الأقوال إلى الصواب لأن مسألة إعطاء المؤلفة قلوبهم تختلف باختلاف الأحوال فإن كان الإمام يرى أن من مصلحة الإسلام إعطاءهم أعطاهم، وإن كانت المصلحة في غير ذلك لم يعطهم. ٧- دلت الآية الكريمة على أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، لقوله تعالى «فريضة من الله» . قال بعض العلماء ما ملخصه، تلك هي فريضة الزكاة. ليست أمر الرسول وإنما هي أمر الله وفريضته وقسمته وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. وهذه الزكاة تؤخذ من الأغنياء على أنها فريضة من الله، وترد على الفقراء على أنها فريضة من الله، وهي محصورة في طوائف من الناس عينهم القرآن وليست متروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول نفسه.

стр. 2614

وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله، ومكانها في النظام الإسلامى، لا تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم، فهي فريضة محتمة، ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدى بها خدمة اجتماعية محدودة. وهي. ليست إحسانا من المعطى، وليست شحاذة من الآخذ، كلا فما قام النظام الاجتماعى في الإسلام على التسول ولن يقوم. إن قوام الحياة في النظام الإسلامى هو العمل- بكل صنوفه وألوانه- على الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه. والزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع، متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح، منفذا شريعة الله لا يبتغى له شرعا ولا منهجا سواه. إن فريضة الزكاة تؤدى في صورة عبادة إسلامية، ليطهر الله بها القلوب من الشح، وليجعلها شرعة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة. إنها فريضة من الله، الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدير أمرها بالحكمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «١» . وبعد هذا الحديث عن الصدقات التي كان المنافقون يلمزون الرسول ﷺ فيها، أخذت السورة في مواصلة حديثها عن رذائل المنافقين، وعن سوء أدبهم.. فقال تعالى-: [سورة التوبة (٩) : آية ٦١] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن السدى أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر،

стр. 2615

ووديعة بن ثابت وغيرهم، قالوا مالا ينبغي في حقه ﷺ . فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولونه فيقع فينا. فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن «١» . فمرادهم بقولهم «هو أذن» أى: كثير الاستماع والتصديق لكل ما يقال له. قال صاحب الكشاف: الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة- أى الطليعة- عين» «٢» . وقال بعضهم: «الأذن» الرجل المستمع القابل لما يقال له. وصفوا به الذكر والأنثى والواحد والجمع. فيقال: رجل أذن، وامرأة أذن ورجال ونساء أذن، فلا يثنى ولا يجمع. إنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعا فهو مجاز مرسل أطلق فيه الجزء على الكل مبالغة بجعل جملته- لفرط استماعه- آلة السماع، كما سمى الجاسوس عينا لذلك» «٣» . والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبي ﷺ فيقولون عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل. وقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة في المدح كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية في الصدق والاستقامة. والمعنى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت: سلمنا. كما تزعمون. أنى كثير السماع والتصديق لما يقال، لكن هذه الكثرة ليست للشر والخير بدون تمييز وإنما هي للخير ولما وافق الشرع فحسب. ويجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى «في» ، أى هو أذن في الخير والحق، وليس بأذن في غير ذلك من وجوه الباطل والشر. وهذه الجملة الكريمة من أسمى الأساليب وأحكمها في الرد على المرجفين والفاسقين، لأنه- سبحانه- صدقهم في كونه ﷺ أذنا، وذلك بما هو مدح له، حيث وصفه بأنه أذن خير لا شر.

стр. 2616

قال صاحب الإنصاف: لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه، لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم في تنقصه باليأس، منه، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه «١» . وقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ تفسير وتوضيح لكونه ﷺ أذن خير لهم لا أذن شر عليهم. أى: أن من مظاهر كونه ﷺ أذن خير، أنه «يؤمن بالله» إيمانا حقا لا يحوم حوله شيء من الرياء، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء «ويؤمن للمؤمنين» أى: يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لأنهم أصحابه الذين أطاعوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهم أهل للتصديق والقبول. دون غيرهم من المنافقين والفاسقين. قال الفخر الرازي: فإن قيل لماذا عدى الإيمان إلى الله بالباء، وإلى المؤمنين باللام؟ قلنا: لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر فعدى بالباء. والإيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم، والتسليم لقولهم فعدى باللام، كما في قوله وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا. أى بمصدق لنا. وقوله: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وقوله: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ «٢» . وقوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ معطوف على قوله: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ. أى: أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا منكم- أيها المنافقون- إيمانا صحيحا، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير، واتباعهم لهذا الإرشاد يصلون إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا من المنافقين: أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا لله قلوبهم، وتركوا النفاق والرياء. أو أن المراد بالذين آمنوا منهم: أولئك الذين أظهروا الإيمان، فيكون المعنى: أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم- أيها المنافقون- حيث إنه ﷺ عاملهم بحسب الظاهر، دون أن يكشف أسرارهم، أو يهتك أستارهم لأن الحكمة تقتضي ذلك. وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال: وهو رحمة لمن آمن منكم، أى: أظهر

стр. 2617

الإيمان- أيها المنافقون-، حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم ... «١» . وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله ﷺ بأية إساءة. أى: والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى، لهم عذاب أليم في دنياهم وآخرتهم لأنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله رحمة للعالمين. ثم حكى القرآن بعد ذلك لونا من جبنهم وعجزهم عن مصارحة المؤمنين بالحقائق، فقال- سبحانه-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٢ الى ٦٣] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) قال القرطبي: روى أن قوما من المنافقين اجتمعوا، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه وتكلموا فقالوا: إن كان ما يقوله محمد حقا لنحن شر من الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقوله محمد ﷺ لحق، ولأنتم شر من الحمير. ثم أخبر النبي ﷺ بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب. فقال عامر: هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية «٢» . فقوله- سبحانه-: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء، ثم يأتون إليهم بعد ذلك معتذرين.

стр. 2618

أى: إن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله لكم- أيها المؤمنون- ليرضوكم، فتطمئنوا إليهم، وتقبلوا معاذيرهم. قال أبو السعود: وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول ﷺ للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه، وأنه- ﵊ إنما لم يكذبهم رفقا بهم، وسترا لعيوبهم، لا عن رضا بما فعلوا، وقبول قلبي لما قالوا.. «١» . وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ جملة حالية في محل نصب من ضمير «يحلفون» جيء بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله. أى: هم يحلفون لكم. والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاء منكم لأن الله- تعالى- هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم. ولأن رسوله ﷺ هو المبلغ لوحيه- قال صاحب المنار ما ملخصه: وكان الظاهر أن يقال: «يرضوهما» ونكتة العدول عنه إلى «يرضوه» : الإعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه ... وهذا من بلاغة القرآن في نفس الإيجاز. ولو قال «يرضوهما» لما أفاد هذا المعنى إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر، وهو خلاف المراد هنا، وكذلك لو قيل: «والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه» لا يفيد هذا المعنى أيضا وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل ... وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم ... وأقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه: إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف. فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربي، ولكن تفوت به النكتة التي ذكرناها ... «٢» . وقوله: إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ تذييل قصد به بيان أن الإيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما. أى: إن كانوا مؤمنين حقا، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله، بأن يطيعوا أوامرهما،

стр. 2619

ويجتنبوا نواهيهما، وإلا كانوا كاذبين في دعواهم الإيمان ثم توعدهم- سبحانه- بسوء المصير بسبب مخالفتهم لله ورسوله فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ... وقوله: يُحادِدِ من المحادة بمعنى المخالفة والمجانبة والمعاداة، مأخوذة من الحد بمعنى الجانب، كأن كل واحد من المتخاصمين في جانب غير جانب صاحبه. ويقال: حاد فلان فلانا، إذا صار في غير حده وجهته بأن خالفه وعاداه. والاستفهام في الآية الكريمة للتوبيخ والتأنيب وإقامة الحجة. والمعنى: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين مردوا على الفسوق والعصيان أنه من يخالف تعاليم الله ورسوله، فجزاؤه نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا فيها؟! إن كانوا لا يعلمون ذلك- على سبيل الفرض- فأعلمهم يا محمد بسوء مصيرهم إذا ما استمروا على نفاقهم ومعاداتهم لله ولرسوله. قال الجمل ما ملخصه: «من» شرطية مبتدأ. وقوله: فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ في موضع المبتدأ المحذوف الخبر، والتقدير. فحق أن له نار جهنم، أى: فكون نار جهنم له أمر حق ثابت. وهذه الجملة جواب من الشرطية، والجملة الشرطية، أى مجموع اسم الشرط وفعله والجزاء خبر أن الأولى، وهي أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وجملة أن الثانية واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي يعلم إن لم يكن بمعنى العرفان، ومسد مفعوله أى الواحد إن كان بمعنى العرفان «١» . واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ يعود على ما ذكر من العذاب أى: ذلك الذي ذكرناه من خلودهم في النار يوم القيامة هو الذل العظيم، الذي يتضاءل أمامه كل خزي وذل في الدنيا. فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من رذائل المنافقين وأكاذيبهم، وتوعدتا كل مخالف لأوامر الله ورسوله بسوء المصير. ثم واصلت السورة حملتها على المنافقين، فكشفت عن خباياهم، وهتكت أستارهم، وأبطلت معاذيرهم، وتوعدتهم بسوء المصير فقال- تعالى-:

стр. 2620

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٦] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) قال صاحب المنار: هذه الآيات في بيان شأن آخر من شئون المنافقين التي كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك. أخرج ابن أبى شيبة وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله- تعالى-: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ... قال: كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون: عسى أن لا يفشى علينا هذا. وعن قتادة قال: كانت هذه السورة تسمى الفاضحة. فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة. أنبأت بمثالبهم وعوراتهم «١» . والضمير في قوله: عَلَيْهِمْ وفي قوله: تُنَبِّئُهُمْ يعود على المنافقين. فيكون المعنى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ ويخافون من أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ أى: في شأنهم وحالهم «سورة من سور القرآن الكريم» ، تنبئهم بما في قلوبهم. أى: تخبرهم بما انطوت عليه قلوبهم من أسرار خفية، ومن أقوال كانوا يتناقلونها فيما بينهم، ويحرصون على إخفائها عن المؤمنين. وفي التعبير بقوله: تُنَبِّئُهُمْ مبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم، حتى أنها تعلم من أحوالهم الباطنة مالا يعلمونه هم عن أنفسهم، فتنبئهم بهذا الذي لا يعلمونه، وتنعى عليهم قبائحهم ورذائلهم. وتذيع على الناس ما كانوا يخشون ظهوره من أقوال ذميمة، وأفعال أثيمة.

стр. 2621

ومنهم من يرى أن الضمير في قوله عَلَيْهِمْ وقوله: تُنَبِّئُهُمْ يعود على المؤمنين، فيكون المعنى: يحذر المنافقون ويخشون من أن تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين من أضغان وأحقاد وفسوق عن أمر الله. وقد ذكر هذين الوجهين صاحب الكشاف فقال: والضمير في «عليهم» و «تنبئهم» للمؤمنين، و «في قلوبهم» للمنافقين. وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه. ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين: لأن السورة إذا نزلت في معناهم- أى في شأنهم وأحوالهم- فهي نازلة عليهم. ومعنى «تنبئهم بما في قلوبهم» كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت: يعنى أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة فكأنها تخبرهم بها» «١» . وقال الإمام الرازي. فإن قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحى على الرسول ﷺ ؟ قلنا فيه وجوه؟ قال أبو مسلم: هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول ﷺ يذكر كل شيء، ويدعى أنه عن الوحى، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره، وفي قوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا دلالة على ما قلناه. ٢- أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول ﷺ إلا أنهم شاهدوا أنه ﷺ كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. ٣- قال الأصم. إنهم كانوا يعرفون كون الرسول ﷺ صادقا، إلا أنهم كفروا به حسدا وعنادا ... ٤- معنى الحذر: الأمر بالحذر. أى: ليحذر المنافقون ذلك. ٥- أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته، وما كانوا قاطعين بفسادها، والشاك خائف، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم «٢» . والذي نراه أن الرأى الخامس أقرب الآراء إلى الصواب، لأن المنافقين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر: فهم كما وصفهم الله- تعالى- مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ.... ومن شأن هذا التذبذب أن يغرس الخوف والحذر في القلوب.

стр. 2622

أى أن هذا الحذر والإشفاق. كما يقول بعض العلماء. أثر طبيعي للشك والارتياب، لأنهم لو كانوا موقنين بتكذيب الرسول ﷺ لما خطر لهم هذا الخوف على بال، ولو كانوا موقنين بتصديقه، لما كان هناك محل لهذا الحذر «لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان» «١» . وقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ تهديد ووعيد لهم على نفاقهم وسوء أدبهم. أى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المذبذبين بين الحق والباطل، قل لهم، على سبيل التهديد والتبكيت: افعلوا ما شئتم من الاستخفاف بتعاليم الإسلام إن الله- تعالى- مظهر ما تحذرونه من إنزال الآيات القرآنية التي تفضحكم على رءوس الأشهاد، والتي تكشف عن أسراركم، وتهتك أستاركم، وتظهر للمؤمنين ما أردتم إخفاءه عنهم. وأسند الإخراج إلى الله- تعالى- للإشارة إلى أنه- سبحانه- يخرج ما يحذرونه إخراجا لا مزيد عليه من الكشف والوضوح، حتى يحترس منهم المؤمنون ولا يغتروا بأقوالهم المعسولة. وقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.. بيان للون آخر من معاذيرهم الكاذبة، وجبنهم عن مواجهة الحقائق. وأصل الخوض- كما يقول الآلوسى- الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى «٢» . أى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم الإسلام ليقولن لك على سبيل الاعتذار، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل الممازحة والمداعبة لا على سبيل الجد. وقوله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ إبطال لحجتهم، وقطع لمعاذيرهم، وتبكيت لهم على جهلهم وسوء أخلاقهم. أى: قل لهم يا محمد- على سبيل التوبيخ والتجهيل- ألم تجدوا ما تستهزءون به في مزاحكم ولعبكم- كما تزعمون- سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ، ودفع ما تذرعوا به من معاذير واهية. وقوله- سبحانه-: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ... تأكيد لإبطال ما أظهروه من معاذير.

стр. 2623

والاعتذار معناه محاولة محو أثر الذنب، مأخوذ من قولهم: اعتذرت المنازل إذا اندثرت وزالت، لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين المستهزئين بما يجب إجلاله واحترامه وتوقيره: قل لهم على سبيل التوبيخ والتجهيل أيضا- لا تشتغلوا بتلك المعاذير الكاذبة فإنها غير مقبولة، لأنكم بهذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أى: قد ظهر كفركم وثبت، بعد إظهاركم الإيمان على سبيل المخادعة، فإذا كنا قبل ذلك نعاملكم معاملة المسلمين بمقتضى نطقكم بالشهادتين فنحن الآن نعاملكم معاملة الكافرين بسبب استهزائكم بالله وآياته ورسوله ﷺ لأن الاستهزاء بالدين. كما يقول الإمام الرازي. يعد من باب الكفر، إذ أنه يدل على الاستخفاف، والأساس الأول في الإيمان تعظيم الله- تعالى- بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال «١» . وقوله- تعالى-: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ بيان لمظهر من مظاهر عدله- سبحانه- ورحمته. أى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ- أيها المنافقون- بسبب توبتهم وإقلاعهم عن النفاق، نُعَذِّبْ طائِفَةً أخرى منكم بسبب إصرارهم على النفاق، واستمرارهم في طريق الفسوق والعصيان. هذا، وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: ما جاء عن زيد بن أسلم: أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء!! فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه- أى إلى المنافق- متعلقا بحقب «٢» ناقة رسول الله ﷺ تنكبه «٣» الحجارة يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له الرسول ﷺ «أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون» «٤» .

стр. 2624

وعن قتادة قال: بينما رسول الله ﷺ يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها!! هيهات هيهات!. فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فقال نبي الله ﷺ : «احبسوا على الركب» فأتاهم فقال لهم. قلتم كذا، قلتم كذا. فقالوا: «يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب» فأنزل الله ﵎ فيهم ما تسمعون «١» . وقال ابن إسحاق: كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت.. ومنهم رجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له «مخشى بن حمير» يسيرون مع رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك- فقال بعضهم- أتحسبون جلاد بنى الأصفر- أى الروم- كقتال العرب بعضهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين. فقال مخشى بن حمير: والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأننا ننجو أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني- لعمار بن ياسر- أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت- ورسول الله ﷺ واقف على راحلته- يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشى بن حمير: يا رسول الله، قعد بن اسمى واسم أبى، فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشى بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا، لا يعلم مكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر «٢» . هذه بعض الآثار التي وردت في سبب نزول هذه الآيات، وهي توضح ما كان عليه المنافقون من كذب في المقال، وجبن عن مواجهة الحقائق. ثم مضت السورة الكريمة بعد ذلك في تقرير حقيقة المنافقين، وفي بيان جانب من صفاتهم، والمصير السيئ الذي ينتظرهم فقال :

стр. 2625

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٧ الى ٦٨] الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) قال الإمام الرازي: اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة فقال: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أى: في صفة النفاق، وذلك كما يقول إنسان لآخر: أنت منى وأنا منك. أى: أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة ... «١» . وقوله: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ تفصيل لجانب من رذائلهم، ومن مسالكهم الخبيثة. أى: يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع، وتستقبحه العقول، وينهونه عن كل أمر دعت إليه الأديان، وأحبته القلوب السليمة. وقوله: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ كناية عن بخلهم وشحهم، لأن الإنسان السخي يبسط يده بالعطاء، بخلاف الممسك القتور فإنه يقبض يده عن ذلك. أى: أن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال في وجوهه المشروعة. وقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ كناية عن رسوخهم في الكفر، وانغماسهم في كل ما يبعدهم عن الله- تعالى-. والمقصود بالنسيان هنا لازمه، وهو الترك والإهمال لأن حقيقة النسيان محالة على الله- تعالى-، كما أن النسيان الحقيقي لا يذم صاحبه عليه لعدم التكليف به.

стр. 2626

أى: تركوا طاعة الله وخشيته ومراقبته، فتركهم- سبحانه- وحرمهم من هدايته ورحمته وفضله. وقوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ تذييل قصد به المبالغة في ذمهم. أى: إن المنافقين هم الكاملون في الخروج عن طاعة الله، وفي الانسلاخ عن فضائل الإيمان، ومكارم الأخلاق. وقوله- سبحانه-: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ ... بيان لسوء مصيرهم، بعد بيان جانب من صفاتهم الذميمة. أى: وعد الله- تعالى- المنافقين والمنافقات والكفار المجاهرين بكفرهم «نار جهنم خالدين فيها» خلودا أبديا. وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ أى: إن تلك العقوبة الشديدة كافية لإهانتهم وإذلالهم بسبب فسوقهم عن أمر ربهم. وقوله: وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أى: طردهم وأبعدهم من رحمته ولطفه. وقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أى: ولهم عذاب دائم لا ينقطع فهم في الدنيا يعيشون في عذاب القلق والحذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم، وفي الآخرة يذوقون العذاب الذي هو أشد وأبقى، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان. وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا من قبائح المنافقين، ومن سوء مصيرهم في عاجلتهم وآجلتهم. ثم ساقت السورة الكريمة- لهؤلاء المنافقين- نماذج لمن حبطت أعمالهم بسبب غرورهم، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم لأنبيائهم، فقال- تعالى-:

стр. 2627

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦٩ الى ٧٠] كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وقوله- تعالى-: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً ... جاء على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين، وتحريك نفوسهم إلى الاعتبار والاتعاظ. والكاف في قوله: كَالَّذِينَ للتشبيه، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير: أنتم- أيها المنافقون- حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة في الانحراف عن الحق، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها، ولكن هؤلاء الطغاة المهلكين، يمتازون عنكم بأنهم «كانوا أشد منكم قوة» في أبدانهم، وكانوا «أكثر» منكم «أموالا وأولادا» . وقوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله- تعالى- والخلاق: مشتق من الخلق بمعنى التقدير. وأطلق على الحظ والنصيب لأنه مقدر لصاحبه. أى: كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، ولكنهم لم يشكروا الله على إحسانه، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم، واستمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الحياة الدنيا، استمتاع الجاحدين الفاسقين. والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب في قوله: فَاسْتَمْتَعُوا للإشعار بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم، قد استعملوها في غير ما خلقت له، وسخروها لإرضاء شهواتهم الخسيسة، وملذاتهم الدنيئة. وقوله: فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ذم للمخاطبين وللذين سبقوهم لانتهاجهم جميعا طريق الشر والبطر. أى: فأنتم- أيها المنافقون- قد استمتعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ الدنيا، وشهواتها الباطلة، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم في ذلك.

стр. 2628

وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا معطوف على ما قبله. أى: وخضتم- أيها المنافقون- في حمأة الباطل وفي طريق الغرور والهوى، كالخوض الذي خاضه السابقون من الأمم المهلكة. قال الآلوسى قوله: «وخضتم» أى: دخلتم في الباطل «كالذي خاضوا» . أى: كالذين فحذفت نونه تخفيفا، كما في قول الشاعر: إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد ويجوز أن يكون «الذي» صفة لمفرد اللفظ، مجموع المعنى، كالفوج والفريق، فلوحظ في الصفة اللفظ. وفي الضمير المعنى، أو هو صفة لمصدر محذوف، أى: كالخوض الذي خاضوه، ورجح بعدم التكلف فيه «١» . وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فائدة في قوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ وقوله: كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ مغن عنه كما أغنى قوله: كَالَّذِي خاضُوا عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع، ويهجن أمر الرضا به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون: كان يقتل بغير جرم، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله. وأما «وخضتم كالذي خاضوا» فمعطوف على ما قبله مستند إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة» «٢» . وقوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بيان لسوء مصيرهم في الدارين. واسما الإشارة يعودان على المتصفين بتلك الصفات القبيحة من السابقين واللاحقين. أى: أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم في الشهوات الخسيسة، والخائضون في الشرور والآثام «حبطت أعمالهم» أى: فسدت وبطلت أعمالهم التي كانوا يرجون منفعتها «في الدنيا والآخرة» لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان أو إخلاص، وإنما كان معها الرياء

стр. 2629

والنفاق، والفسوق والعصيان، والله- تعالى- لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أى: الكاملون في الخسران، الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك. ثم ساق لهم- سبحانه- من أخبار السابقين ما فيه الكفاية للعظة والاعتبار لو كانوا يعقلون، فقال- تعالى-: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ.... والاستفهام للتقرير والتحذير. والمراد بنبإ الذين من قبلهم: أخبارهم التي تتناول أقوالهم وأعمالهم، كما تتناول ما حل بهم من عقوبات، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم. والمعنى: ألم يصل إلى أسماع هؤلاء المنافقين، خبر أولئك المهلكين من الأقوام السابقين بسبب عصيانهم لرسلهم، ومن هؤلاء الأقوام «قوم نوح» الذين أغرقوا بالطوفان، وقوم «عاد» الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وقوم «ثمود» الذين أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، «وقوم إبراهيم» الذين سلب الله نعمه عنهم، وأذل غرور زعيمهم الذي حاج إبراهيم في ربه، «وأصحاب مدين» وهم قوم شعيب الذين أخذتهم الصيحة، «والمؤتفكات» وهم أصحاب قرى قوم لوط، التي جعل الله عاليها سافلها ... والائتفاك: معناه الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفله. يقال: أفكه يأفكه إذا قلبه رأسا على عقب. وذكر- سبحانه- هنا هذه الطوائف الست، لأن آثارهم باقية، ومواطنهم هي الشام والعراق واليمن، وهي مواطن قريبة من أرض العرب، فكانوا يمرون عليها في أسفارهم، كما كانوا يعرفون الكثير من أخبارهم. قال- تعالى-: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ «١» . وقوله: أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ كلام مستأنف لبيان أنبائهم وأخبارهم. أى: أن هؤلاء الأقوام المهلكين السابقين، قد أتتهم رسلهم بالحجج الواضحات الدالة على وحدانية الله وعلى وجوب إخلاص العبادة له.. والفاء في قوله: فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ للعطف على كلام مقدر يدل عليه المقام. أى: أتتهم رسلهم بالبينات، فكذبوا هؤلاء الرسل، فعاقبهم الله- تعالى- على هذا التكذيب. وما كان من سنته- سبحانه- ليظلمهم، لأنه لا يظلم الناس شيئا «ولكن كانوا

стр. 2630

أنفسهم يظلمون» بسبب كفرهم وجحودهم، واستحبابهم العمى على الهدى، وإيثارهم الغي على الرشد. هذا، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح، أن الغرور بالقوة، والافتتان بالأموال والأولاد، والانغماس في الشهوات والملذات الخسيسة. والخوض في طريق الباطل، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة.. كل ذلك يؤدى إلى الخسران في الدنيا والآخرة، وإلى التعرض لسخط الله وعقابه. كما نرى منهما أن من سنة الله في خلقه، أنه- سبحانه- لا يعاقب إلا بذنب، ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر، إلا بعد استمرارهم في طريق الغواية، وإعراضهم عن نصح الناصحين، وإرشاد المرشدين. وصدق الله إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين، وصفاتهم، وسوء عاقبتهم.. أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين، وعما أعده الله لهم من نعيم مقيم، فقال- سبحانه-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧١ الى ٧٢] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) قال الإمام ابن كثير: لما ذكر- سبحانه- صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
следующие страницы →