← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

ثم رد- سبحانه- على تطاولهم وجهلهم بما يدل على عظيم قدرته- وعلى جلال شأنه- تعالى- فقال: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجعل فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً. والبروج: جمع برج، وهي في اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل لذلك قوله- تعالى-: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «١» . والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة، وعددها اثنا عشر منزلا، هي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها. والسراج: الشمس، كما قال- تعالى-: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً «٢» . أى: جل شأن الله- تعالى- وتكاثرت آلاؤه ونعمه، فهو- سبحانه- الذي جعل في السماء «بروجا» أى: منازل للكواكب السيارة و «وجعل فيها» أى: في السماء «سراجا» وهو الشمس «وجعل فيها» - أيضا- «قمرا منيرا» أى: قمرا يسطع نوره على الأرض المظلمة، فيبعث فيها النور الهادي اللطيف. ثم تنتقل السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى فتقول: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً. والخلفة. كل شيء يجيء بعد شيء آخر غيره. ومنه خلفة النبات. أى: الورق الذي يخرج منه بعد أن تساقط الورق السابق عليه. أى: وهو- سبحانه- الذي جعل الليل والنهار متعاقبين. بحيث يخلف كل واحد منهما الآخر بنظام دقيق، ليكونا مناسبين «لمن أراد أن يذكر» . أى: يتعظ ويعتبر ويتذكر أن الله- تعالى- لم يجعلهما على هذه الهيئة عبثا فيتدارك ما فاته من تقصير وتفريط في حقوق الله- «أو أراد شكورا» . أى: وجعلهما كذلك لمن أراد أن يزداد من شكر الله على نعمه التي لا تحصى، والتي من

стр. 4447

أعظمها وجود الليل والنهار على هذه الهيئة الحكيمة، التي تدل على وحدانية الله تعالى- وعظيم قدرته، وسعة رحمته. وبعد هذا الحديث المتنوع عن شبهات المشركين والرد عليها، وعن مظاهر قدرة الله ونعمه على عباده، وعن الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ... بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد الرحمن، أصحاب المناقب الحميدة، والصفات الكريمة، والمزايا التي جعلتهم يتشرفون بالانتساب إلى خالقهم جاء قوله- تعالى-: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦٣ الى ٧٦] وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦)

стр. 4448

هؤلاء هم عباد الرحمن، وتلك هي صفاتهم التي ميزتهم عن سواهم. وقد افتتحت هذه الآيات بقوله- تعالى-: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً.... وهذه الجملة الكريمة مبتدأ. والخبر قوله- تعالى-: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا.... وما بينهما من الموصولات صفات لهم. وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف والتكريم والتفضيل. و «هونا» مصدر بمعنى اللين والرفق.. وهو صفة لموصوف محذوف. أى: وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم، من صفاتهم أنهم يمشون على الأرض مشيا لينا رقيقا، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه ولا ضعف، وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد، والوقار والسكينة. قال الإمام ابن كثير: أى: يمشون بسكينة ووقار.. كما قال- تعالى-: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا «١» . وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع، تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب- أى: من موضع منحدر- وكأنما الأرض تطوى له، وعند ما رأى عمر- رضى الله عنه- شابا يمشى رويدا قال له: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا فعلاه بالدرة، وأمره أن يسير بقوة.. «٢» .

стр. 4449

هذا هو شأنهم في مشيهم، أما شأنهم مع غيرهم، فقد وصفهم. سبحانه- بقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً. أى: إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب، لم يقابلوهم بالمثل، بل يقابلوهم بالقول الطيب، كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «١» . ثم وصف- سبحانه- حالهم مع خالقهم فقال: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً والبيتوتة أن يدركك الليل سواء كنت نائما أم غير نائم. أى: أن من صفاتهم أنهم يقضون جانبا من ليلهم، تارة ساجدين على جباههم لله- تعالى- وتارة قائمين على أقدامهم بين يديه- سبحانه-. وخص وقت الليل بالذكر. لأن العبادة فيه أخشع، وأبعد عن الرياء، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً.. «٢» . وقوله- سبحانه-: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ.. «٣» . ثم حكى- سبحانه- جانبا من دعائهم إياه. وخوفهم من عقابه، فقال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ أى: في عامة أحوالهم، يا رَبَّنَا بفضلك وإحسانك اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ بأن تبعده عنا وتبعدنا عنه. إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أى: إن عذابها كان لازما دائما غير مفارق، منه سمى الغريم غريما لملازمته لغريمه، ويقال: فلان مغرم بكذا، إذا كان ملازما لمحبته والتعلق به. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً وساءت بمعنى بئست، والمخصوص بالذم محذوف. أى: إن جهنم بئست مستقرا لمن استقر بها، وبئست مقاما لمن أقام بها. فالجملة الكريمة تعليل آخر، لدعائهم بأن يصرفها ربهم عنهم. ثم بين- سبحانه- حالهم في سلوكهم وفي معاشهم فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا.... أى: أن من صفاتهم أنهم ملتزمون في إنفاقهم التوسط، فلا هم مسرفون ومتجاوزون

стр. 4450

للحدود التي شرعها الله- تعالى- ولا هم بخلاء في نفقتهم إلى درجة التقتير والتضييق، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها. واسم الإشارة في قوله- تعالى-: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً يعود إلى المذكور من الإسراف والتقتير. والقوام: الشيء بين الشيئين. وقوام الرجل: قامته وحسن طوله وهيئته، وهو: خبر لكان، واسمها: مقدر فيها. أى: وكان إنفاقهم «قواما» أى وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل، فهم في حياتهم نموذج يقتدى به في القصد والاعتدال والتوازن. وذلك لأن الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم، لأن الإسراف تضييع للمال في غير محله. والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة، أما الوسط والاعتدال في انفاق المال، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على أكتافهم تنهض الأمم، وتسعد الأفراد والجماعات. وبعد أن بين- سبحانه- ما هم عليه من طاعات، أتبع ذلك ببيان اجتنابهم للمعاصي والسيئات فقال: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أى: لا يشركون مع الله- تعالى- إلها آخر لا في عبادتهم ولا في عقائدهم. وإنما يخلصون وجوههم لله- تعالى- وحده. وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أى: ولا يقتلون النفس التي حرم الله- تعالى- قتلها لأى سبب من الأسباب، إلا بسبب الحق المزيل والمهدر لعصمتها وحرمتها، ككفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير ذنب يوجب قتلها. وَلا يَزْنُونَ أى: ولا يرتكبون فاحشة الزنا، بأن يستحلوا فرجا حرمه الله- تعالى- عليهم. روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أى الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أى: قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أى؟ قال: أن تزانى حليلة جارك..» «١» . وقوله- تعالى-: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ... بيان لسوء عاقبة من يرتكب شيئا من تلك الفواحش السابقة. أى: ومن يفعل ذلك الذي نهينا عنه من الإشراك والقتل والزنا، يلق عقابا شديدا لا يقادر قدره.

стр. 4451

وقوله يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بدل من «يلق» بدل كل من كل. أى: يضاعف العذاب يوم القيامة لمن يرتكب شيئا من ذلك وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً أى: ويخلد في ذلك العذاب خلودا مصحوبا بالذلة والهوان والاحتقار. ثم استثنى- سبحانه- التائبين من هذا العذاب المهين فقال: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ... أى: يضاعف العذاب لمن يرتكب شيئا من تلك الكبائر. ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب عنها توبة صادقة نصوحا، وآمن بالله- تعالى- إيمانا حقا، وداوم على إتيان الأعمال الصالحة، فأولئك التائبون المؤمنون المواظبون على العمل الصالح «يبدل الله- تعالى- سيئاتهم حسنات» بأن يمحو- سبحانه- سوابق معاصيهم- بفضله وكرمه- ويثبت بدلها لواحق طاعاتهم، أو بأن يجب إليهم الإيمان، ويكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلهم من الراشدين. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقوله: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً في معناه قولان: أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الصالحات. قال ابن عباس: هم المؤمنون. كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.. والثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار.. روى الطبراني عن أبى فروة أنه أتى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال له ﷺ : «أأسلمت؟ قال: نعم. قال: فافعل الخيرات، واترك السيئات. فيجعلها الله لك خيرات كلها. قال: «وغدراتى وفجراتي؟ قال: نعم.» فما زال يكبر حتى توارى «١» . وقوله- تعالى-: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله. أى: وكان الله- تعالى- واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب.

стр. 4452

ثم أشار- سبحانه- إلى شروط التوبة الصادقة فقال: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً. أى: ومن تاب عن المعاصي تركا تاما، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما فاته منه، فإنه في هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى الله- تعالى- رجوعا صحيحا، مقبولا منه- سبحانه- بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب. وهكذا نجد رحمة الله- تعالى- تحيط بالعبد من كل جوانبه، لكي تحمله على ولوج باب التوبة والطاعة، وتوصد في وجهه باب الفسوق والعصيان. ثم واصلت السورة حديثها عن عباد الرحمن، فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. وأصل الزور: تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، ووضعه في غير موضعه، مأخوذ من الزّور بمعنى الميل والانحراف عن الطريق المستقيم إلى غيره. واللغو: هو ما لا خير فيه من الأقوال أو الأفعال. أى: إن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يرتكبون شهادة الزور، ولا يحضرون المجالس التي توجد فيها هذه الشهادة، لأنها من أمهات الكبائر التي حاربها الإسلام. وفضلا عن ذلك فإنهم «إذا مروا باللغو» أى: بالمجالس التي فيها لغو من القول أو الفعل «مروا كراما» أى: أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم، وصونا لكرامتهم، وحفاظا على دينهم ومروءتهم. والتعبير بقوله- تعالى-: وَإِذا مَرُّوا ... فيه إشعار بأن مرورهم على تلك المجالس كان من باب المصادفة والاتفاق، لأنهم أكبر من أن يقصدوا حضورها قصدا. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «١» . ثم بين- سبحانه- سرعة تأثرهم وتذكرهم، وقوة عاطفتهم نحو دينهم فقال: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً. والمراد بآيات ربهم، القرآن الكريم وما اشتمل عليه من عظات وهدايات.. أى: أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم، إذا ذكرهم مذكر بآيات الله- تعالى- المشتملة

стр. 4453

على المواعظ والثواب والعقاب، أكبوا عليها، وأقبلوا على المذكّر بها بآذان واعية، وبعيون مبصرة، وليس كأولئك الكفار أو المنافقين الذين ينكبون على عقائدهم الباطلة انكباب الصم العمى الذين لا يعقلون، وينكرون ما جاءهم به رسول ربهم بدون فهم أو وعى أو تدبر. فالآية الكريمة مدح للمؤمنين على حسن تذكرهم وتأثرهم ووعيهم، وتعريض بالكافرين والمنافقين الذين يسقطون على باطلهم سقوط الأنعام على ما يقدم لها من طعام وغيره. قال صاحب الكشاف: قوله: لَمْ يَخِرُّوا.. ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفى للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلّما هو نفى للسلام لا للقاء. والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها، سامعون بآذان واعية. مبصرون بعيون راعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها.. وهم كالصم العميان حيث لا يعونها كالمنافقين وأشباههم «١» . ثم ذكر- سبحانه- في نهاية الحديث عنهم أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة التي وهبهم الله إياها، وإنما هم يتضرعون إليه- سبحانه- أن يجعل منهم الذرية الصالحة، وأن يرزقهم الزوجات الصالحات. فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً. أى: يقولون في دعائهم وتضرعهم يا رَبَّنا هَبْ لَنا بفضلك وجودك مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ أى: ما يجعل عيوننا تسر بهم، ونفوسنا تنشرح برؤيتهم، وقلوبنا تسكن وتطمئن وجودهم، لأنهم أتقياء صالحون مهتدون.. وَاجْعَلْنا يا ربنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أى: اجعلنا قدوة وأسوة للمتقين. يقتدون بنا في أقوالنا الطيبة، وأعمالنا الصالحة، فأنت تعلم- يا مولانا- أننا نعمل على قدر ما نستطيع في سبيل إرضائك وفي السير على هدى رسولك ﷺ . هذه هي صفات عباد الرحمن ذكرها القرآن في هذه الآيات الكريمة، وهي تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم.. فماذا أعد الله- تعالى- لهم؟ لقد بين- سبحانه- ما أعده لهم فقال: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً. والغرفة في الأصل: كل بناء مرتفع، والجمع غرف وغرفات كما في قوله- تعالى-: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ «٢» .

стр. 4454

وقوله- سبحانه-: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «١» . والمراد بها هنا: أعلى منازل الجنة أو الجنة نفسها أو جنسها الصادق بغرف كثيرة. أى: أولئك المتقون المتصفون. بالصفات السابقة، يجازيهم الله- تعالى- بأعلى المنازل والدرجات في الجنة، بسبب صبرهم على طاعته، وبعدهم عن معصيته ويلقون في تلك المنازل الرفيعة تَحِيَّةً وَسَلاماً عن ربهم- ومن ملائكته الكرام، ومن بعضهم لبعض. خالِدِينَ فِيها أى: في تلك المنازل الرفيعة، والجنات العالية، خلودا أبديا. حَسُنَتْ تلك الغرفة والمنزلة مُسْتَقَرًّا يستقرون فيه وَمُقاماً يقيمون فيه وذلك في مقابل ما أعد للكافرين من نار ساءت مستقرا ومقاما. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٧٧] قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) قال القرطبي: يقال: ما عبأت بفلان، أى: ما باليت به. أى: ما كان له عندي وزن ولا قدر. وأصل يعبأ: من العبء وهو الثقل.. فالعبء: الحمل الثقيل، والجمع أعباء. و «ما» استفهامية، وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفى خرج مخرج الاستفهام، وحقيقة القول عندي أن موضع «ما» نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم ربي؟ أى: أى مبالاة يبالى بكم ربي لولا دعاؤكم.. «٢» . هذا، وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال منها: أن قوله- تعالى-: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ خطاب للمؤمنين أو للناس جميعا، وأن المصدر وهو. دعاؤكم مضاف لفاعله، وأن بقية الآية وهي قوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ.. خطاب للكافرين، والمعنى على هذا القول:

стр. 4455

قل- أيها الرسول الكريم- للمؤمنين أو للناس جميعا، أى اعتداد لكم عند ربكم لولا دعاؤكم، أى: لولا عبادتكم له- أى: لولا إخلاصكم العبادة له لما اعتد بكم. ثم أفرد الكافرين بالخطاب فقال: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أيها الكافرون فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً. أى: فسوف يكون جزاء التكذيب «لزاما» أى: عذابا دائما ملازما لكم. فلزاما مصدر لازم، كقاتل قتالا، والمراد به هنا اسم الفاعل. وقد وضح صاحب الكشاف هذا القول فقال: لما وصف الله- تعالى- عبادة العباد، وعدد صالحاتهم وحسناتهم.. أتبع ذلك ببيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم، لأجل عبادتهم فأمر رسوله ﷺ أن يصرح للناس، ويجزم لهم القول، بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر ... وقوله فَقَدْ كَذَّبْتُمْ يقول: إذا أعلمتكم أن حكمى، أنى لا أعتد بعبادي إلا من أجل عبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار. ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن عصاه: «إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني، ويتبع أمرى، فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك ... » «١» . ومن العلماء من يرى أن الخطاب في الآية للكافرين، وأن المصدر مضاف لمفعوله، فيكون المعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين، ما يعبأ بكم ربي، ولا يكترث لوجودكم، لولا دعاؤه إياكم على لساني، إلى توحيده وإخلاص العبادة له، وبما أنى قد دعوتكم فكذبتم دعوتي. فسوف يكون عاقبة ذلك ملازمة العذاب لكم. وهذا قول جيد ولا إشكال فيه وقد تركنا بعض الأقوال لضعفها، وغناء هذين القولين عنها. وبعد: فهذا تفسير لسورة «الفرقان» تلك السورة التي حكت شبهات المشركين وأبطلتها. وساقت ما ساقت من تسلية الرسول ﷺ وتثبيته، وبشرت عباد الرحمن بأرفع المنازل. ونسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم.

стр. 4456

وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة- مدينة نصر مساء الجمعة ٤ من جمادى الأولى سنة ١٤٠٥ هـ. الموافق ٢٥ من يناير سنة ١٩٨٥ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4457

تفسير سورة الشّعراء

стр. 4458

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة الشعراء هي السورة السادسة والعشرون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فكان نزولها بعد سورة الواقعة. كما يقول صاحب الإتقان، أى: هي السادسة والأربعون في ترتيب النزول. ٢- قال القرطبي: هي مكية في قول الجمهور. وقال مقاتل: منها مدني الآية التي يذكر فيها الشعراء، وقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ. وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله- تعالى-: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى آخر السورة. وهي مائتان وسبع وعشرون آية. وفي رواية: وست وعشرون «١» . ٣- وسورة الشعراء تسمى- أيضا- بسورة «الجامعة» ، ويغلب على هذه السورة الكريمة، الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم. فبعد أن تحدثت في مطلعها عن سمو منزلة القرآن الكريم، وعن موقف المشركين من الرسول ﷺ أتبعت ذلك بالحديث عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل، ثم عن قصة إبراهيم مع قومه ثم عن قصة نوح مع قومه، ثم عن قصة هود مع قومه، ثم عن قصة صالح مع قومه، ثم عن قصة لوط مع قومه، ثم عن قصة شعيب مع قومه.. ٤- ثم تحدثت في أواخرها عن نزول الروح الأمين بالقرآن الكريم على قلب النبي ﷺ ، وساقت ألوانا من التسلية والتعزية للرسول ﷺ بسبب تكذيب الكافرين له، وأرشدته إلى ما يجب عليه نحو عشيرته الأقربين، ونحو المؤمنين، وبشرت أتباعه بالنصر وأنذرت أعداءه بسوء المصير، فقد ختمت بقوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ٥- والسورة الكريمة بعد ذلك تمتاز بقصر آياتها، وبجمعها لموضوعات السور الملكية، من إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن البعث حق، وعلى صدق النبي ﷺ

стр. 4459

فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، كما نرى أسلوبها يمتاز بالترغيب والترهيب، الترغيب للمؤمنين في العمل الصالح، والترهيب للمشركين بسوء المصير إذا ما استمروا على شركهم. وقد ختمت كل قصة من قصص هذه السورة الكريمة بقوله- تعالى-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وقد تكرر ذلك فيها ثماني مرات ... وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،، د. محمد سيد طنطاوى القاهرة مدينة نصر، الأحد ٥ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ ٢٧/ ١/ ١٩٨٥ م

стр. 4460

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) سورة الشعراء من السور التي افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله- تعالى-: طسم. وقد ذكرنا آراء العلماء في الحروف المقطعة بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: «البقرة، آل عمران. والأعراف، ويونس..» إلخ. وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم القرآن. فكأن الله- تعالى- يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين في أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في شك في أنه من عند الله-

стр. 4461

تعالى- فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-. واسم الإشارة تِلْكَ يعود إلى الآيات القرآنية التي تضمنتها هذه السورة الكريمة أو إلى جميع آيات القرآن التي نزلت قبل ذلك. والمراد بالكتاب القرآن الكريم الذي تكفل- سبحانه- بإنزاله على نبيه ﷺ . والمبين: اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان، مبالغة في الوضوح والظهور. قال صاحب الصحاح: «يقال: بان الشيء يبين بيانا، أى: اتضح، فهو بين، وكذا أبان الشيء فهو مبين» «١» . أى: تلك الآيات القرآنية التي أنزلناها عليك- أيها الرسول الكريم- والتي سننزلها عليك تباعا حسب حكمتنا وإرادتنا، هي آيات الكتاب الواضح إعجازه، والظاهرة هداياته ودلالاته على أنه من عند الله- تعالى-، ولو كان من عند غيره- سبحانه- لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ثم خاطب- سبحانه- رسوله ﷺ بما يسليه عن تكذيب المشركين له، وبما يهون عليه أمرهم فقال- تعالى- لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن لفظة لعل تكون للترجى في المحبوب، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان في تفسيره، أن لعل هنا للاشفاق عليه ﷺ أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. وقال بعضهم: إن لعل هنا للنهى، أى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال- تعالى-: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ «٢» . والمعنى: لعلك- أيها الرسول الكريم- قاتل نفسك هما وغما. بسبب تكذيب الكافرين لك، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التي أرسلناك بها إليهم.. لا- أيها الرسول الكريم- لا تفعل ذلك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله- تعالى- يهدى من يشاء، وإننا إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. ومفعول المشيئة محذوف، والمراد بالآية هنا المعجزة القاهرة التي تجعلهم لا يملكون انصرافا

стр. 4462

معها عن الإيمان، والأعناق جمع عنق. وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم تقول: جاءني عنق من الناس: أى جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمين فيهم. والمعنى: لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك، فإننا إن نشأ إيمانهم، ننزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان. تجعلهم ينقادون له، ويدخلون فيه دخولا ملزما لهم، ولكنا لا نفعل ذلك، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس في الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة، وليس عن طريق الإلجاء والقسر. وصور- سبحانه- هذه الآية بتلك الصورة الحسية فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ، للإشعار بأن هذه الآية لو أراد- سبحانه- إنزالها لجعلتهم يخضعون خضوعا تاما لها، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق؟ قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين. فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل: خاضعين.. وقيل أعناق الناس: رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم: هم الرءوس والنواصي والصدور ... وقيل: جماعات الناس..» «١» . ثم بين- سبحانه- ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. أى: ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تنزيله على نبيهم ﷺ ومتجدد نزوله عليه ﷺ أعرضوا عنه إعراضا تاما. وعبر عن إعراضهم بصيغة النفي والاستثناء التي هي أقوى أدوات القصر، للإشارة إلى عتوهم في الكفر والضلال، وإصرارهم على العناد والتكذيب. وفي ذكر اسم الرحمن هنا: إشارة إلى عظيم رحمته- سبحانه- بإنزال هذا الذكر، وتسجيل لأقصى دركات الجهالة عليهم، لأنهم أعرضوا عن الهداية التي أنزلها الرحمن الرحيم لسعادتهم، وحرموا أنفسهم منها وهم أحوج الناس إليها. ومِنَ الأولى لتأكيد عموم إعراضهم، والثانية لابتداء الغاية، وجملة إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ حالية. ثم بين- سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.

стр. 4463

أى: فقد كذب هؤلاء الجاحدون بالذكر الذي أتيتهم به- أيها الرسول الكريم- دون أن يكتفوا بالإعراض عنه، فاصبر فسيأتيهم أنباء العذاب الذي كانوا يستهزئون به عند ما تحدثهم عنه، وهو واقع بهم لا محالة ولكن في الوقت الذي يشاؤه- سبحانه-. وفي التعبير عن وقوع العذاب بهم، بإتيان أنبائه وأخباره، تهويل من شأن هذا العذاب، وتحقيق لنزوله. أى: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به يستهزئون ويصيرون هم أحاديث الناس يتحدثون بها ويتناقلون أنباءها. ثم وبخهم- سبحانه- على غفلتهم وعلى عدم التفاتهم إلى ما في هذا الكون من عظات وعبر. فقال- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. أى: أعمى هؤلاء الجاحدون عن مظاهر قدرة الله- تعالى- ورحمته بهم، ولم يروا بأعينهم كيف أخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا تحصى من النباتات الكريمة الجميلة المشتملة على الذكر والأنثى. فالآية الكريمة توبيخ لهم على إعراضهم عن الآيات التكوينية، بعد توبيخهم على إعراضهم عن الآيات التنزيلية، وتحريض لهم على التأمل فيما فوق الأرض من نبات مختلف الأنواع والأشكال والثمار. لعل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد وذهنهم البليد وقلبهم المطموس. قال صاحب الكشاف: «وصف الزوج- وهو الصنف من النبات- بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه. يقال: وجه كريم إذا رضى في حسنه وجماله، وكتاب كريم. أى: مرضى في معانيه وفوائده ... والنبات الكريم: المرضى فيما يتعلق به من المنافع. فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل؟ قلت: قد دل كُلِّ على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. وكَمْ على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته..» «١» . ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات بآيتين تكررتا في السورة الكريمة ثماني مرات. ألا وهما قوله- تعالى- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. أى: إن في ذلك الذي ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم في الأرض لَآيَةً عظيمة الدلالة على كمال قدرتنا، وسعة رحمتنا، وما كان أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين، لإيثارهم العمى

стр. 4464

على الهدى، والغي على الرشد وَإِنَّ رَبَّكَ- أيها الرسول الكريم- لَهُوَ الْعَزِيزُ أى: صاحب العزة والغلبة والقهر الرَّحِيمُ أى: الواسع الرحمة بعباده، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم يتوبون أو يعقلون. ثم حكى- سبحانه- جانبا من قصة موسى- ﵇ بأسلوب يتناسب مع ما اشتملت عليه السورة الكريمة من إنذار وتخويف، وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ أن ذهب موسى- ﵇ لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلاكهم وإغراقهم. لقد بدأ- سبحانه- هذه القصة بقوله- تعالى-: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٠ الى ١٧] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) وموسى- ﵇ هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵈ ويرجح المؤرخون أن ولادته كانت في القرن الثالث عشر قبل ميلاد عيسى- ﵇ وأن بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. وقد وردت قصة موسى مع فرعون وقومه، ومع إسرائيل في كثير من سور القرآن الكريم تارة بصورة فيها شيء من التفصيل، وتارة بصورة فيها شيء من الاختصار والتركيز، تبعا لمقتضى الحال الذي وردت من أجله. وقد وردت هنا في سورة الأعراف وفي سورة طه. وفي سورة القصص بأسلوب فيه بسطة وتفصيل. لقد افتتحت هنا بقوله- تعالى-: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

стр. 4465

وهذا النداء كان بالوادي المقدس طوى، كما جاء في سورة طه «١» وفي سورة النازعات «٢» . أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- وقت أن نادى ربك نبيه موسى قائلا له: اذهب إلى القوم الظالمين لتبلغهم رسالتي، وتأمرهم بإخلاص العبادة لي. وقوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل أو عطف بيان، ووصفهم- سبحانه- بالظلم لعبادتهم لغيره، ولعدوانهم على بنى إسرائيل بقتل الذكور، واستبقاء النساء. وقوله: - تعالى- أَلا يَتَّقُونَ تعجيب من حالهم. أى: ائتهم يا موسى وقل لهم: ألا يتقون الله- تعالى- ويخشون عقابه. ويكفون عن كفرهم وظلمهم. ثم حكى- سبحانه- رد موسى فقال: قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. أى: قال موسى في الإجابة على ربه- : يا رب إنى أعرف هؤلاء القوم، وأعرف ما هم عليه من ظلم وطغيان، وإنى أخاف تكذيبهم لي عند ما أذهب إليهم لتبليغ وحيك وَيَضِيقُ صَدْرِي أى: وينتابنى الغم والهم بسبب تكذيبهم لي.. وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي أى: وليس عندي فصاحة اللسان التي تجعلني أظهر ما في نفسي من تفنيد لأباطيلهم، ومن إزهاق لشبهاتهم، خصوصا عند اشتداد غضبى عليهم. فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ أى: فأرسل وحيك الأمين إلى أخى هارون، ليكون معينا لي على تبليغ ما تكلفني بتبليغه. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ حيث إنى قتلت منهم نفسا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ عند ما أذهب إليهم، على سبيل القصاص منى. فأنت ترى أن موسى- ﵇ قد شكا إلى ربه خوفه من تكذيبهم وضيق صدره من طغيانهم، وعقدة في لسانه، وخشيته من قتلهم له عند ما يرونه. وليس هذا من باب الامتناع عن أداء الرسالة، أو الاعتذار عن تبليغها. وإنما هو من باب طلب العون من الله- تعالى- والاستعانة به- على تحمل هذا الأمر والتماس الإذن منه- في إرسال هارون معه. ليكون عونا له في مهمته، وليخلفه في تبليغ الرسالة في حال قتلهم له.. وشبيه بهذا الجواب ما حكاه عنه- سبحانه- في سورة طه في قوله- تعالى- اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي

стр. 4466

يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. وقد رد الله- تعالى- على نبيه موسى- ﵇ ردا حاسما لإزالة الخوف، ومزهقا لكل ما يحتمل أى يساور نفسه من عدوان عليه، فقال- تعالى-: قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ. أى: قال الله- تعالى- لموسى على سبيل الإرشاد والتعليم: كلا، لا تخف أن يكذبوك أو أن يضيق صدرك، أو أن لا ينطلق لسانك، أو أن يقتلوك. كلا لا تخف من شيء من ذلك، فأنا معكما برعايتي ومادام الأمر كذلك فاذهب أنت وأخوك بآياتنا الدالة على وحدانيتنا فإننا معكم سامعون لما تقولانه لهم ولما سيقولونه لكما. وعبر- سبحانه- بكلا المفيدة للزجر، لزيادة إدخال الطمأنينة على قلب موسى- ﵇. والمراد بالآيات هنا: المعجزات التي أعطاها- سبحانه- لموسى وعلى رأسها العصا.. وقال- سبحانه- إِنَّا مَعَكُمْ مع أنهما اثنان، تعظيما لشأنهما أو لكون الاثنين أقل الجمع. أو المراد هما ومن أرسلا إليه. والتعبير بقوله إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ بصيغة التأكيد والمعية والاستماع، فيه ما فيه من العناية بشأنهما، والرعاية لهما، والتأييد لأمرهما. والفاء في قوله: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد برعايتهما. و «أن» في قوله أَنْ أَرْسِلْ مفسرة. لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول. أى: اذهبا وأنتما متسلحان بآياتنا الدالة على صدقكما، فنحن معكم برعايتنا وقدرتنا. فأتيا فرعون بدون خوف أو وجل منه قُولا له بكل شجاعة وجراءةنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: رب جميع العوالم التي من بينها عالم الجن. وعالم الملائكة. وقد أرسلنا- سبحانه- إليك، لكي تطلق سراح بنى إسرائيل من ظلمك وبغيك، وتتركهم يذهبون معنا إلى أرض الله الواسعة لكي يعبدوا الله- تعالى- وحده. قال الآلوسى: «وإفراد الرسول في قوله نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه مصدر بحسب الأصل، وصف به كما يوصف بغيره من المصادر للمبالغة، كرجل عدل.. أو لوحدة المرسل أو

стр. 4467

المرسل به- أى: لأنهما ذهبا برسالة واحدة وفي مهمة واحدة» «١» . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا، ما أمر الله- تعالى- به نبيه موسى- ﵇ وما زوده به- سبحانه- من إرشاد وتعليم، بعد أن التمس منه- سبحانه- العون والتأييد. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات فقال- تعالى- [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٨ الى ٣٣] قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)

стр. 4468

أى: قال فرعون لموسى بعد أن عرفه، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه بنو إسرائيل. قال له يا موسى أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً أى: ألم يسبق لك أنك عشت في منزلنا، ورعيناك وأنت طفل صغير عند ما قالت امرأتى لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ... وَلَبِثْتَ فِينا أى: في كنفنا وتحت سقف بيتنا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ عددا. وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وهي قتلك لرجل من شيعتي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ. أى: وأنت من الجاحدين بعد ذلك لنعمتي التي أنعمتها عليك، في حال طفولتك، وفي حال صباك، وفي حال شبابك. لأنك جئتني أنت وأخوك بما يخالف ديننا، وطلبتما منا أن نرسل معكما بنى إسرائيل. فهل هذا جزاء إحسانى إليك؟. وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى- ﵇ تلك الأسئلة على سبيل الإنكار عليه لما جاء به، متوهما أنه قد قطع عليه طريق الإجابة. ولكن موسى- ﵇ وقد استجاب الله- تعالى- دعاءه، وأزال عقدة لسانه، رد عليه ردا حكيما، فقال- كما حكى القرآن عنه: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. أى قال موسى في جوابه على فرعون: أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التي تذكرني بها، ولكني فعلتها وأنا في ذلك الوقت من الضالين، أى: فعلت ذلك قبل أن يشرفنى الله بوحيه، ويكلفني بحمل رسالته، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة تؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك، لأنى ما قصدت قتله، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره. فالمراد بالضلال هنا: الجهل بالشيء، والذهاب عن معرفة حقيقيته. وقوله: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ بيان لما ترتب على فعلته التي فعلها. أى: وبعد هذه الفعلة التي فعلتها وأنا من الضالين، توقعت الشر منكم، ففررت من وجوهكم حين خشيت منكم على نفسي فكانت النتيجة أن وهبنى رَبِّي حُكْماً أى: علما نافعا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين اصطفاهم الله- تعالى- لحمل رسالته والتشرف بنبوته. ثم أضاف موسى- ﵇ إلى هذا الرد الملزم لفرعون. ردا آخر أشد إلزاما وتوبيخا فقال: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.

стр. 4469

واسم الإشارة تِلْكَ يعود إلى التربية المفهومة من قوله- تعالى- قبل ذلك: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ... إلخ. وقوله تَمُنُّها من المن بمعنى الإنعام يقال: منّ فلان على فلان منة إذا أنعم عليه بنعمة. وعبدت: أى: اتخذتهم عبيدا لك تسخرهم لخدمتك. قال الجمل: وتِلْكَ مبتدأ، ونِعْمَةٌ خبر. وتَمُنُّها صفة للخير وأَنْ عَبَّدْتَ عطف بيان للمبتدأ موضح له. وهذا الكلام من موسى- ﵇ يرى بعضهم أنه قاله على وجهة الاعتراف له بالنعمة، فكأنه يقول له: تلك التربية التي ربيتها لي نعمة منك على، ولكن ذلك لا يمنع من أن أكون رسولا من الله- تعالى- إليك، لكي تقلع عن كفرك، ولكي ترسل معنا بنى إسرائيل. ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون، إنما قاله على سبيل التهكم به، والإنكار عليه فيما امتن به عليه، فكأنه يقول له: إن ما تمنّ به على هو في الحقيقة نقمة، وإلا فأية منة لك علىّ في استعبادك لقومي وأنا واحد منهم، إن خوف أمى من قتلك لي هو الذي حملها على أن تلقى بي في البحر، وتربيتي في بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك ... ويبدو لنا أن هذا الرأى أقرب إلى الصواب، لأنه هو المناسب لسياق القصة، ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية: «ثم كر موسى على امتنان فرعون عليه بالتربية فأبطله من أصله، واستأصله من سنخه- أى: من أساسه-، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بنى إسرائيل، لأن تعبيدهم وقصدهم بالذبح لأبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه، وتذليلهم واتخاذهم خدما له ... » «١» . وبهذا الجواب التوبيخي أفحم موسى- ﵇ فرعون. وجعله يحول الحديث عن هذه المسألة التي تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شيء آخر حكاه القرآن في قوله: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ أى قال فرعون لموسى: أى شيء رب العالمين الذي أنت وأخوك جئتما لتبلغا رسالته لي، وما صفته؟ وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون- قبحه الله- وتجاوزه كل حد في الفجور، فإن هذا السؤال يحمل في طياته استنكار أن يكون هناك إله سواه، كما حكى عنه القرآن في آية أخرى

стр. 4470

قوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي.. «١» . فهو ينكر رسالة موسى- ﵇ من أساسها.. وهنا يرد موسى. بقوله: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. أى: قال موسى: ربنا- يا فرعون- هو رب السموات ورب الأرض، ورب ما بينهما من أجرام وهواء. وإن كنتم موقنين بشيء من الأشياء، فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل يقين سواه. وفي هذا الجواب استصغار لشأن فرعون. وتحقير لمزاعمه، فكأنه يقول له: إن ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم، أما ربوبيتك أنت- فمع بطلانها- هي ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم.. وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه التعجيب مما قاله موسى وليصرفهم عن التأثر بما سمعوه منه، فيقول لهم: أَلا تَسْتَمِعُونَ أى: ألا تستمعون إلى هذا القول الغريب الذي يقوله موسى. والذي لا عهد لنا به، ولا قبول عندنا له ولا صبر لنا عليه ... ولكن موسى- ﵇ لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية الله- تعالى- وهيمنته على هذا الكون قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. أى: ربنا الذي هو رب السموات والأرض وما بينهما، هو ربكم أنتم- أيضا- وهو رب آبائكم الأولين، فكيف تتركون عبادته، وتعبدون عبدا من عباده ومخلوقا من مخلوقاته هو فرعون؟ وهنا لم يملك فرعون إلا الرد الدال على إفلاسه وعجزه، فقال ملتفتا إلى من حوله: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. أى: قال فرعون- على سبيل السخرية بموسى- مخاطبا أشراف قومه: إن رسولكم الذي أرسل إليكم بما سمعتم لَمَجْنُونٌ لأنه يتكلم بكلام لا تقبله عقولنا، ولا تصدقه آذاننا وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء، وجعل رسالته إليهم لا إليه، لأنه- في زعم نفسه- أكبر من أن يرسل إليه رسول، ولكي يهيجهم حتى ينكروا على موسى قوله.. ولكن موسى- ﵇ لم يؤثر ما قاله فرعون في نفسه، بل رد عليه وعليهم بكل شجاعة وحزم فقال: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. أى: قال موسى: ربنا رب السموات والأرض وما بينهما. وربكم ورب آبائكم الأولين.

стр. 4471

ورب المشرق الذي هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار. ورب المغرب الذي هو غروب الشمس وغروب النهار. وخصهما بالذكر. لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرأ ولا يملك ادعاء تصريفهما أو التحكم فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة. والتي لا اختلال فيها ولا اضطراب.. كما قال إبراهيم للذي حاجه في ربه: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ... وجملة إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ حض لهم على التعقل والتدبر، وتحذير لهم من التمادي في الجحود والعناد. أى: ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها، فأخلصوا العبادة له، إن كانت لكم عقول تعقل ما قلته لكم، وتفهم ما أرشدتكم إليه. وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله وقدرته، ومن حجة إلى حجة، ومن أسلوب إلى أسلوب لكي لا يترك مجالا في عقولهم للتردد في قبول دعوته.. ولكن فرعون- وقد شعر بأن حجة موسى قد ألقمته حجرا انتقل من أسلوب المحاورة في شأن رسالة موسى إلى التهديد والوعيد- شأن الطغاة عند ما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة- فقال لموسى ﵇: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. أى: قال فرعون لموسى بثورة وغضب: لئن اتخذت إلها غيرى يا موسى ليكون معبودا لك من دوني، لأجعلنك واحدا من جملة المسجونين في سجنى فهذا شأنى مع كل من يتمرد على عبادتي، ويخالف أمرى.. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ألم يكن لأسجننك أخصر من لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ومؤديا مؤداه؟ قلت: أما كونه أخصر فنعم. وأما كونه مؤديا مؤداه فلا، لأن معناه: «لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجونى وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق. لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل» «١» ..

стр. 4472

ولكن موسى- ﵇ لم يخفه هذا التهديد والوعيد. بل رد عليه ردا حكيما فقال له: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. والاستفهام للإنكار، والواو للعطف على كلام مقدر يستدعيه المقام، والمعنى. أتفعل ذلك بي بأن تجعلني من المسجونين، ولو جئتك بشيء مبين، يدل دلالة واضحة على صدقى في رسالتي وعلى أنى رسول من رب العالمين؟ وعبر عن المعجزة التي أيده الله بها بأنها بِشَيْءٍ مُبِينٍ للتهويل من شأنها، والتفخيم من أمرها، ولعل مقصد موسى- ﵇ بهذا الكلام، أن يجر فرعون مرة أخرى إلى الحديث في شأن الرسالة التي جاءه من أجلها بعد أن رآه يريد أن يحول مجرى الحديث عنها إلى التهديد والوعيد، وأن يسد منافذ الهروب عليه أمام قومه. ولذا نجد فرعون لا يملك أمام موسى إلا أن يقول له: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. أى: فأت بهذا الشيء المبين، إن كنت- يا موسى- من الصادقين في كلامك السابق.. وهنا كشف موسى- ﵇ عما أيده الله- تعالى- به من معجزات حسية خارقة فَأَلْقى عَصاهُ على الأرض أمام فرعون وقومه فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. أى: فإذا هي حية عظيمة في غاية الجلاء والوضوح على أنها حية حقيقية، لا شائبة معها للتخييل أو التمويه كما يفعل السحرة.. ولم يكتف موسى بذلك في الدلالة على صدقه. وَنَزَعَ يَدَهُ أى: من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أى: فإذا هي بيضاء بياضا يخالف لون جسمه- ﵇، فهي تتلألأ كأنها قطعة من القمر، ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار، وليس فيها ما يشير إلى أن بها سوءا أو مرضا. وهنا أحس فرعون بالرعب يسرى في أوصاله، وبأن ألوهيته المزعومة قد أوشكت على الانكشاف. وبأن معجزة موسى توشك أن تجعل الناس يؤمنون به، فالتفت إليهم وكأنه يحاول جذبهم إليه، واستطلاع رأيهم فيما شاهدوه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٣٤ الى ٤٢] قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)

стр. 4473

أى: قال فرعون للملأ المحيطين به- بعد أن زلزلته معجزة موسى- إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. أى: لساحر بارع في فن السحر، فهو مع اعترافه بضخامة ما أتى به موسى، يسميه سحرا. ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ هذا الساحر مِنْ أَرْضِكُمْ التي نشأتم عليها فَماذا تَأْمُرُونَ أى: فبأى شيء تشيرون على وأنتم حاشيتى ومحل ثقتي؟ وفي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله.. إنه منذ قليل كان يرغى ويزبد. وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزته، يصاب بالذعر ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى فَماذا تَأْمُرُونَ. وهكذا الطغاة عند ما يضيق الخناق حول رقابهم يتذللون ويتباكون.. فإذا ما انفك الخناق من حول رقابهم، عادوا إلى طغيانهم وفجورهم. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: «ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدرى أى طرفيه أطول، حتى زل عنه ذكر دعوى الألوهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية. وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره- أى رئته- خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم: أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحس به من جهة موسى- ﵇» «١» . ورد الملأ من قوم فرعون عليه بقولهم: أَرْجِهْ وَأَخاهُ أى: أخر أمرهما، يقال:

стр. 4474

أرجأت هذا الأمر وأرجيته. إذا أخرته. ومنه أخذ لفظ المرجئة لتلك الفرقة التي تؤخر العمل وتقول: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أى: وابعث في مدن مملكتك رجالا من شرطتك يحشرون السحرة، أى: يجمعونهم عندك لتختار منهم من تشاء. وقوله: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ مجزوم في جواب الأمر. أى: إن تبعثهم يأتوك بكل سحار فائق في سحره، عليم بفنونه ومداخله. ولبى فرعون طلب مستشاريه، فأرسل في المدائن من يجمع له السحرة فَجُمِعَ السَّحَرَةُ أى المعروفون ببراعتهم فيه لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أى: جمعوا وطلب منهم الاستعداد لمنازلة موسى- ﵇ في وقت معين هو «يوم الزينة» أى: يوم العيد. كما قال- تعالى- في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. ثم حكى- سبحانه- ما فعله أعوان فرعون من حض الناس على حضور تلك المباراة فقال: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ أى: في ذلك اليوم المعلوم الذي ينازل فيه السحرة موسى فالمقصود بالاستفهام الحض على الحضور والحث على عدم التخلف. والترجي في قولهم لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ المقصود به- أيضا- حض السحرة على بذل أقصى جهدهم ليتغلبوا على موسى- ﵇، فكأنهم يقولون لهم: ابذلوا قصارى جهدكم في حسن إعداد سحركم فنحن نرجو أن تكون الغلبة لكم، فنكون معكم لا مع موسى- ﵇. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله السحرة لفرعون عند التقائهم به فيقول: فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ بعد أن التقى بهم ليشجعهم على الفوز، أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً مجزيا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى- ﵇. وهنا يرد عليهم فرعون، فيعدهم. ويمنيهم قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. أى: نعم لكم الأجر العظيم الذي يرضيكم، وفضلا عن ذلك فستكونون عندي من الرجال المقربين إلى نفسي، والذين سأخصهم برعايتي ومشورتي. وهكذا يعد فرعون السحرة ويمنيهم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله موسى للسحرة، وما قال فرعون لهم بعد أن أعلنوا إيمانهم، فقال- تعالى-:

стр. 4475

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٤٣ الى ٥١] قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) قالَ لَهُمْ مُوسى أى للسحرة بعد أن أعدوا عدتهم لمنازلته، ومن خلفهم فرعون وقومه يشجعونهم على الفوز قال لهم: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ من السحر، فسوف ترون عاقبة منازلتكم لي. وأسلوب الآية الكريمة يشعر بعدم مبالاة موسى- ﵇ بهم أو بتلك الحشود التي من ورائهم، فهو مطمئن إلى نصر الله- سبحانه- له. فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا أى: عند إلقائهم لتلك الحبال والعصى بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ أى: بقوته وجبروته وسطوته إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ لا موسى- ﵇ ولم تفصل السورة هنا ما فصلته سورة الأعراف من أنهم حين ألقوا حبالهم وعصيهم سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أو ما وضحته سورة طه من أنهم حين ألقوا حبالهم: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى.... ولعل السر في عدم التفصيل هنا، أن السورة الكريمة تسوق الأحداث متتابعة تتابعا سريعا، تربط معها قلب القارئ وعقله بما ستسفر عنه هذه الأحداث من ظهور الحق، ومن دحور الباطل.

стр. 4476

ولذا جاء التعقيب السريع بما فعله موسى- ﵇ فقال- تعالى-: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أى: تبتلع بسرعة، وتأخذ بقسوة ما يَأْفِكُونَ أى: ما فعلوه وما يفعلونه من السحر، الذي يقلبون به حقائق الأشياء عن طريق التمويه والتخييل. ورأى السحرة بأعينهم ومعهم الحشود من خلفهم، رأوا ما أجراه الله- تعالى- على يد موسى- ﵇ رأوا كل ذلك فذهلوا وبهروا وأيقنوا أن ما جاء به موسى ليس سحرا وإنما هو شيء آخر فوق طاقة البشر، ولو كان سحرا لعرفوه فهم رجاله، وأيضا لو كان سحرا لبقيت حبالهم وعصيهم على الأرض، ولكنها ابتلعتها عصا موسى- ﵇ عندئذ لم يتمالكوا أنفسهم، بل فعلوا ما حكاه القرآن عنهم في قوله- سبحانه-: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أى: فخروا ساجدين على وجوههم بدون تردد، وهم يقولون: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ. وهكذا بعد أن شاهد السحرة الحق يتلألأ أمام أبصارهم. لم يملكوا إلا أن ينطقوا به على رءوس الأشهاد، وتحولوا من قوم يلتمسون الأجر من فرعون قائلين: أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ إلى قوم آخرين هجروا الدنيا. ومغانمها، واستهانوا بالتهديد والوعيد، ونطقوا بكلمة الحق في وجه من كانوا يقسمون بعزته إنا لنحن الغالبون. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول في حديثه الذي رواه الشيخان: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه» . ثم يحكى- سبحانه- بعد ذلك موقف فرعون وقد رأى ما حطمه وزلزلة فقال- تعالى-: قالَ أى فرعون للسحرة آمَنْتُمْ لَهُ أى: لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ بالإيمان به.. إِنَّهُ أى: موسى- ﵇ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أى: فأنتم متواطئون معه على هذه اللعبة فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما أنزله بكم من عذاب. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أى: لأقطعن من كل واحد منكم يده اليمنى مع رجله اليسرى. وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أى: في جذوع النخل- كما جاء في آية أخرى- والمتأمل في قول فرعون- كما حكاه القرآن عنه يرى فيه الطغيان والكفر، فهو يستنكر على السحرة إيمانهم بدون إذن. ويرى فيه الكذب الباطل الذي قصد من ورائه تشكيك قومه في صدق موسى وفي نبوته فهو يقول لهم: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ. ويرى فيه بعد هذا التلبيس على قومه، التهديد الغليظ- شأن الطغاة في كل زمان

стр. 4477

ومكان- فهو يقول للسحرة الذين صاروا مؤمنين: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أى: بدون استثناء لواحد منهم. ولم يلتفت السحرة إلى هذا التهديد والوعيد بعد أن استقر الإيمان في قلوبهم، بل قالوا- كما حكى القرآن عنهم-: لا ضَيْرَ مصدر ضاره الأمر يضوره ويضيره ضيرا، أى: ضره وألحق به الأذى. أى: قالوا- بكل ثبات وعدم مبالاة بوعيده- لا ضرر علينا من عقابك فسنتحمله صابرين في سبيل الحق الذي آمنا به. إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أى: راجعون إليه، فيجازينا على صبرنا. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا التي وقعنا فيها قبل الإيمان، كعبادة فرعون وكتعاطى السحر أَنْ كُنَّا أى: لأن كنا أول المؤمنون بالحق بعد أن جاءنا. ثم ختم- سبحانه- هذه القصة ببيان ما أمر به نبيه موسى- ﵇ وما حل بفرعون وقومه من هلاك بسبب كفرهم وبغيهم، فقال- تعالى-: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٥٢ الى ٦٨] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)

стр. 4478

وقوله- سبحانه-: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي.. معطوف على كلام مقدر يفهم من سياق القصة. والتقدير: وبعد أن انتصر موسى على السحرة نصرا جعلهم يخرون ساجدين لله- تعالى- وبعد أن مكث موسى في مصر حينا من الدهر، يدعو فرعون وقومه إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- فلم يستجيبوا له.. بعد كل ذلك أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أى: سر ببني إسرائيل ليلا إلى جهة البحر وعبر- سبحانه- عنهم بعبادي. تلطفا بهم بعد أن ظلوا تحت ظلم فرعون مدة طويلة. وقوله: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ تعليل للأمر بالإسراء. أى: سر بهم ليلا إلى جهة البحر، لأن فرعون سيتبعكم بجنوده، وسأقضى قضائي فيه وفي جنده. والفاء في قوله- تعالى-: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ هي الفصيحة، والحاشرين جمع حاشر: والمراد بهم الذين يحشرون الناس ويجمعونهم في مكان معين، لأمر من الأمور الهامة. قالوا: جمعوا له جيشا كبيرا يتكون من مئات الآلاف من الجنود. أى: وعلم فرعون بخروج موسى ومعه بنو إسرائيل. فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة في مملكته. وبعد أن اكتمل عددهم، أخذ في التهوين من شأن موسى ومن معه فقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس- وخصها بعضهم بالأخساء والسفلة منهم. ومنه قولهم: هذا ثوب شرذام، وثياب شراذم، أى: رديئة متقطعة. أى: إن هؤلاء الذين خرجوا بدون إذنى وإذنكم، لطائفة قليلة من الناس الذين هم بمنزلة العبيد والخدم لي ولكم. وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أى: وإنهم بجانب قلتهم، وخروجهم بدون إذننا، يأتون بأقوال وأفعال تغيظنا وتغضبنا، على رأسها اقتراحهم علينا أن نترك ديننا

стр. 4479

وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أى: متيقظون لمكايدهم، ومحتاطون لمكرهم، وممسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم. يقال: حذر فلان حذرا- من باب تعب- بمعنى: استعد للأمر وتأهب له بيقظة.. وكلام فرعون هذا- الذي حكاه القرآن عنه- يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى- ﵇ إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم، وبالظهور بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم. قال صاحب الكشاف: والمعنى: أنهم- أى موسى ومن معه- لقلتهم لا يبالى بهم، ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه، وقرئ: حذرون.. والحذر: اليقظ. والحاذر: الذي يجدد حذره.. «١» . ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما اقتضته إرادته ومشيئته في فرعون وقومه فقال: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أى: فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من جَنَّاتٍ. أى: بساتين كانوا يعيشون فيها وَعُيُونٍ عذبة الماء كانوا يشربون منها. وَكُنُوزٍ أى: وأموال كانت تحت أيديهم وَمَقامٍ كَرِيمٍ أى: ومساكن حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها. أى: أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا، ليلقوا مصيرهم المحتوم وهو الغرق، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم. وقوله: كَذلِكَ خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمر كذلك. وقوله: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ أى: وأورثنا تلك الجنات والعيون والكنوز والمنازل الحسنة لبنى إسرائيل. قال الجمل: وقوله: وَأَوْرَثْناها أى: الجنات والعيون والكنوز لبنى إسرائيل، وذلك أن الله- رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة.. والظاهر أن هذه الجملة اعتراضية، وأن قوله- بعد ذلك- فَأَتْبَعُوهُمْ معطوف على

стр. 4480

قوله- تعالى-: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.. لأن إعطاء البساتين وما بعدها لبنى إسرائيل، كان بعد هلاك فرعون وقومه «١» . ومن العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون وقومه، وأن الضمير في قوله- تعالى-: وَأَوْرَثْناها لا يعود إلى الجنات والعيون التي أخرج الله- تعالى- منها فرعون وقومه. فيقول: ولا يعرف أن بنى إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة، وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه، لذلك يقول المفسرون إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون وملئه. فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم» «٢» . وقيل: المراد بالوراثة هنا: وراثة ما استعاره بنو إسرائيل من حلى آل فرعون عند خروجهم من مصر مع موسى- ﵇. ويبدو لنا أنه لا مانع من عودة الضمير في قوله- تعالى-: وَأَوْرَثْناها إلى الجنات والعيون والكنوز التي أخرج الله- تعالى- منها فرعون وقومه، بأن عاد موسى ومن معه إلى مصر- لفترة معينة- بعد هلاك فرعون وملئه، ثم خرجوا منها بعد ذلك مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة، التي أمرهم موسى- ﵇ بدخولها. ولعل مما يؤيد ما نرجحه قوله- تعالى-: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ «٣» . وقوله- سبحانه-: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ «٤» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما حدث من فرعون وقومه، وما قاله بنو إسرائيل عند ما شاهدوهم، فقال- تعالى- فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ. أى: أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم ومساكنهم.. فساروا مسرعين خلف موسى ومن معه، فَأَتْبَعُوهُمْ أى: فلحقوا بهم مُشْرِقِينَ أى: في وقت شروق الشمس يقال:

стр. 4481

أشرق فلان إذا دخل في وقت الشروق، كأصبح إذا دخل في وقت الصباح. فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أى: تقاربا بحيث يرى كل فريق خصمه. قالَ بنو إسرائيل لنبيهم موسى- ﵇ والخوف يملأ نفوسهم: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أى: سيدركنا بعد قليل فرعون وجنوده، ولا قدرة لنا.. على قتالهم.. وهنا رد عليهم موسى- ﵇ بثقة وثبات بقوله: كَلَّا أى: كلا لن يدركوكم، فاثبتوا ولا تجزعوا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. بهذا الجزم والتأكيد رد موسى على بنى إسرائيل، وهو رد يدل على قوة إيمانه، وثبات يقينه، وثقته التي لا حدود لها في نصر الله- تعالى- له، وفي هدايته إياه إلى طريق الفوز والفلاح. ولم يطل انتظار موسى لنصر الله- تعالى- بل جاءه سريعا متمثلا في قوله- سبحانه- فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ أى: البحر الأحمر- على أرجح الأقوال- وهو الذي كان يسمى ببحر القلزم.. فضربه فَانْفَلَقَ إلى اثنى عشر طريقا فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ أى: قسم منه كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ أى: كالجبل الشامخ الكبير. وسار موسى ومن معه في الطريق اليابس بين أمواج البحر- بقدرة الله- تعالى-، وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ أى: وقربنا- بقدرتنا وحكمتنا- هنالك القوم الآخرين وهم فرعون وجنوده. أى: قربناهم من موسى وقومه فدخلوا وراءهم في الطريق الذي سلكوه بين أمواج البحر، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن خرج موسى ومن معه سالمين، أما فرعون وجنوده فقد انطبق عليهم البحر فأغرقهم أجمعين. وصدق الله إذ يقول: وَأَنْجَيْنا- أى: بقدرتنا ورحمتنا- مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ من الغرق ومن لحاق فرعون بهم ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ وهم فرعون وجنوده. ثم ختم- سبحانه- هذه القصة- كما ختم غيرها- بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. أى: إن في ذلك الذي قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- من قصة موسى وفرعون، لَآيَةً عظيمة تدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لنا، ومع ذلك فلم يؤمن بما جاء به نبينا موسى، إلا عدد قليل، وَإِنَّ رَبَّكَ- أيها الرسول الكريم-

стр. 4482

لَهُوَ الْعَزِيزُ. أى: الغالب المنتقم من أعدائه الرَّحِيمُ أى: الواسع الرحمة بأوليائه، حيث جعل العاقبة لهم. وهكذا ساق لنا- سبحانه- هنا جانبا من قصة موسى- ﵇ بهذا الأسلوب البديع، لتكون عبرة وعظة لقوم يؤمنون. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة إبراهيم- ﵇ فقال- تعالى-: [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٦٩ الى ٨٩] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)

стр. 4483

وقصة إبراهيم- ﵇ قد وردت في القرآن في سور متعددة، وبأساليب متنوعة، وردت في سورة البقرة، وكان معظم الحديث فيها، يدور حول بنائه للبيت الحرام هو وابنه إسماعيل، وحكاية تلك الدعوات الخاشعات التي تضرع بها إلى ربه. ووردت في سورة الأنعام، وكان معظم الحديث فيها يدور حول إقامته الأدلة على وحدانية الله- تعالى- عن طريق التأمل في مشاهد هذا الكون. ووردت في سورة هود، وكان معظم الحديث فيها يدور حول تبشيره بإسحاق.. ووردت في سورة إبراهيم، وكان معظم الحديث فيها بدور حول ما توجه به إلى ربه من دعاء بعد أن ترك بعض ذريته في جوار بيت الله الحرام. ووردت في سورة الحجر. وكان معظم الحديث فيها يدور حول ما دار بينه وبين الملائكة من مناقشات.. ووردت في سورة مريم، وفيها حكى القرآن تلك النصائح الحكيمة التي وجهها لأبيه وهو يدعوه لعبادة الله- تعالى- وحده. ووردت في سورة الأنبياء. وفيها عرض القرآن لما دار بينه وبين قومه من مجادلات ومن تحطيم للأصنام، ومن إلقائهم إياه في النار فصارت بأمر الله- تعالى- بردا وسلاما عليه. أما هنا في سورة الشعراء، فيحكى لنا- سبحانه- ما دار بينه وبين قومه من مناقشات، وما توجه به إلى خالقه من دعوات. لقد افتتحت بقوله- تعالى-: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ أى: واقرأ- أيها الرسول الكريم- على قومك- أيضا- نبأ رسولنا إبراهيم- ﵇ الذي يزعم قومك أنهم ورثته، وأنهم يتبعونه في ديانته، مع أن إبراهيم برىء منهم ومن شركهم، لأنه ما أرسل إلا لنهى أمثالهم عن الإشراك بالله- تعالى-. وقوله: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ منصوب على الظرفية. أى: اقرأ عليهم نبأه وقت أن قال لأبيه وقومه على سيل التبكيت وإلزامهم الحجة: أى شيء هذا الذي تعبدونه من دون الله- ؟ فأجابوه بقولهم: نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ وكان يكفيهم في الجواب أن يقولوا: نعبد أصناما، ولكنهم لغبائهم وجهلهم قصدوا التباهي والتفاخر بهذه العبادة الباطلة أى: نعبد أصناما منحوتة من الحجر أو مما يشبهه، ونداوم على عبادتها ليلا ونهارا، ونعكف على التقرب لها كما يتقرب الحبيب إلى حبيبه

стр. 4484

وهكذا، عند ما تنحط الأفهام، تتباهى بما يجب البعد عنه، وتفتخر بالمرذول من القول والفعل.. وقد رد عليهم إبراهيم- ﵇ بما يوقظهم من جهلهم لو كانوا يعقلون، فقال لهم: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. أى: قال لهم إبراهيم على سبيل التنبيه والتبكيت: هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، هل تسمع دعاءكم إذا دعوتموها، وهل تحس بعبادتكم لها إذا عبدتموها، وهل تملك أن تنفعكم بشيء من النفع أو تضركم بشيء من الضر؟. ولم يستطع القوم أن يواجهوا إبراهيم بجواب. بعد أن ألقمهم حجرا بنصاعة حجته، فلجأوا إلى التمسح بآبائهم فقالوا: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ. أى: قالوا له: إن هذه الأصنام هي كما قلت يا إبراهيم لا تسمع دعاءنا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونها، فسرنا على طريقتهم في عبادتها، فهم قالوا ما قاله أمثالهم في الجهالة في كل زمان ومكان.. إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. وأمام هذا التقليد الأعمى، نرى إبراهيم- ﵇ يعلن عداوته لهم ولمعبوداتهم الباطلة، ويجاهرهم بأن عبادته إنما هي لله- تعالى- وحده فيقول: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. أى: قال لهم إبراهيم على سبيل الإنكار والتأنيب: أفرأيتم وشاهدتم هذه الأصنام التي عبدتموها أنتم وآباؤكم الأقدمون من دون الله- تعالى- إنها عدو لي لأن عبادتها باطلة لكن الله- تعالى- رب العالمين هو وليي وصاحب الفضل على في الدنيا والآخرة، فلذا أعبده وحده. فقوله إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ استثناء منقطع من ضمير فَإِنَّهُمْ. قال صاحب الكشاف: وإنما قال: عَدُوٌّ لِي تصويرا للمسألة في نفسه، على معنى: أنى فكرت في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت عبادة الذي الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا، وبنى عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، ليكون أدعى لهم إلى القبول. ولو قال: فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل في باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه يتأمل فيه، فربما قاده التأمل إلى التقبل ومنه ما يحكى عن

стр. 4485

الشافعى- ﵀: أن رجلا واجهه بشيء، فقال: لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى الأدب. وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو بيتي ولا بيتكم.. «١» . ثم حكى القرآن الكريم، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق بجلاله- سبحانه- فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أى: أخلص عبادتي لرب العالمين، الذي أوجدنى بقدرته، والذي يهديني وحده إلى ما يصلح شأنى في دنياى وفي آخرتي. قال الجمل وقوله: الَّذِي خَلَقَنِي يجوز فيه أوجه: النصب على النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان.. أو الرفع على الابتداء. وقوله فَهُوَ يَهْدِينِ جملة اسمية في محل رفع خبر له «٢» . وقوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ معطوف على ما قبله. أى: وهو- سبحانه- وحده الذي يطعمنى ويسقيني من فضله، ولو شاء لأمسك عنى ذلك. وأضاف المرض إلى نفسه في قوله وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وإن كان الكل من الله- تعالى- تأدبا مع خالقه- وشكرا له- سبحانه- على نعمة الخلق والهداية. والإطعام والإسقاء والشفاء.. والمراد بالإحياء في قوله: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ إعادة الحياة إلى الميت يوم القيامة أى: ومن صفات رب العالمين الذي أخلص له العبادة، أنه- سبحانه- الذي بقدرته وحده أن يميتني عند حضور أجلى، ثم يعيدني إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب. وجاء العطف ب ثُمَّ في قوله ثُمَّ يُحْيِينِ لاتساع الأمر بين الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة. ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ أى: وهو وحده الذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه- . وفي هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه- سبحانه-، لأنه يوجه طمعه في المغفرة إليه وحده، ويستعظم- ﵇ ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى، ويعتبرها خطايا، هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصي، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى الله- تعالى- وحده.
следующие страницы →