← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

أى: أن هذه الآية الكريمة، لا تتعارض مع عموم رسالته ﷺ للناس جميعا، لأن المقصود بها: البدء بإنذار عشيرته الأقربين، ليكونوا أسوة لغيرهم. وقوله- سبحانه-: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إرشاد منه- سبحانه- لنبيه ﷺ إلى كيفية معاملته لأتباعه. وخفض الجناح: كناية عن التواضع. واللين، والرفق، في صورة حسية مجسمة، إذ من شأن الطائر حين يهبط أو حين يضم صغاره إليه أن يخفض جناحه، كما أن رفع الجناح يطلق على التكبر والتعالي، ومنه قول الشاعر: وأنت الشهير بخفض الجنا ... ح فلا تك في رفعه أجدلا «١» أى: وكن- أيها الرسول الكريم- متواضعا لين الجانب، لمن اتبعك من المؤمنين، ولقد كان النبي ﷺ سيد المتواضعين مع أصحابه، إلا أن الآية الكريمة تعلم المسلمين في كل زمان ومكان- وخصوصا الرؤساء منهم- كيف يعامل بعضهم بعضا. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: المتبعون للرسول ﷺ هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول ﷺ فما معنى قوله: لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، وأن يراد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق الرسول واتبعه فيما جاء به: وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب. ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح.. «٢» . ويبدو لنا أنه لا داعي إلى هذه التقسيمات التي ذهب إليها صاحب الكشاف- ﵀، وأن المقصود بقوله: لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تأكيد الأمر بخفض الجناح، وللإشعار بأن جميع أتباعه من المؤمنين، ومثل هذا الأسلوب كثير في القرآن الكريم، ومنه قوله- تعالى-: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ.. ومن المعلوم أن الأقوال لا تكون إلا بالأفواه، وقوله- تعالى- وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ.. ومن المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه. ثم بين- سبحانه- لنبيه كيف يعامل العصاة فقال: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. قال الآلوسى: الظاهر أن الضمير المرفوع في عَصَوْكَ عائد على من أمر ﷺ

стр. 4517

بإنذارهم، وهم العشيرة. أى: فإن عصوك ولم يتبعوك بعد إنذارهم، فقل إنى برىء من عملكم، أو من دعائكم مع الله إلها آخر. وجوز أن يكون عائدا على الكفار المفهوم من السياق. وقيل: هو عائد على من اتبع من المؤمنين. أى: فإن عصوك يا محمد في الأحكام وفروع الإسلام، بعد تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم، فقل إنى برىء مما تعملون من المعاصي.. «١» . وكان هذا في مكة، قبل أن يؤمر ﷺ بقتال المشركين. ثم أمره- سبحانه- بالتوكل عليه وحده فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أى: اخفض جناحك لأتباعك المؤمنين، وقل لمن عصاك بعد إنذاره إنى برىء من أعمالكم، واجعل توكلك واعتمادك على ربك وحده، فهو- سبحانه- صاحب العزة والغلبة، والقهر، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء. وهو- الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ إلى عبادته وإلى صلاته دون أن يكون معك أحد. وهو- سبحانه- الذي يرى تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أى: يراك وأنت تصلى مع المصلين، فتؤمهم وتنتقل بهم من ركن إلى ركن، ومن سنة إلى سنة حال صلاتك، والتعبير بقوله تَقَلُّبَكَ يشعر بحرصه ﷺ على تعهد أصحابه، وعلى تنظيم صفوفهم في الصلاة، وعلى غير ذلك مما هم في حاجة إليه من إرشاد وتعليم. وعبر عن المصلين بالساجدين، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فهذا التعبير من باب التشريف والتكريم لهم. إِنَّهُ- سبحانه- هُوَ السَّمِيعُ لكل ما يصح تعلق السمع به الْعَلِيمُ بكل الظواهر والبواطن، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريم ببيان أن الشياطين من المحال أن تتنزل على الرسول ﷺ الصادق الأمين.. وإنما تتنزل على الكاذبين الخائنين، فقال- تعالى-:

стр. 4518

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٢١ الى ٢٢٧] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ... للتقرير، والخطاب للمشركين الذين اتهموا النبي ﷺ تارة بأنه كاهن، وتارة بأنه ساحر أو شاعر. أى: ألا تريدون أن تعرفوا- أيها المشركون- على من تتنزل الشياطين؟! إنهم لا يتنزلون على الرسول ﷺ ، لأن طبعه يتباين مع طبائعهم، ومنهجه يتعارض مع مسالكهم، فهو يدعو إلى الحق وهم يدعون إلى الباطل. إنما تتنزل الشياطين عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أى: كثير الإفك والكذب أَثِيمٍ أى: كثير الارتكاب للآثام والسيئات، كأولئك الكهنة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل. والضمير في قوله يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ يجوز أن يعود إلى كل أفاك أثيم، وهم الكهان وأشباههم، والجملة صفة لهم، أو مستأنفة. والمراد بإلقائهم السمع: شدة الإنصات، وقوة الإصغاء للتلقي. والمعنى: تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم. وهؤلاء الأفاكون الآثمون، منصتون إنصاتا شديدا إلى الشياطين ليسمعوا منهم، وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيا يقولونه للناس، وفيما يخبرون به عن الشياطين. روى البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: سأل الناس النبي ﷺ عن الكهان، فقال: إنهم ليسوا بشيء، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا؟ فقال النبي ﷺ «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرقرها- أى: فيرددها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة- فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة» «١» .

стр. 4519

ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين. وتكون الجملة حالية أو مستأنفة، ومعنى إلقائهم السمع: إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا من السماء. فيكون المعنى: تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم، حالة كون الشياطين ينصتون إلى الملأ الأعلى. ليسترقوا شيئا من السماء، وأكثر هؤلاء الشياطين كاذبون فيما ينقلونه إلى الأفاكين والآثمين من الكهان. ويصح أن يكون السمع بمعنى المسموع. أى: يلقى كل من الشياطين والكهنة ما يسمعونه إلى غيرهم. قال الجمل: قوله: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ الأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم، على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجنى. أو المعنى: وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم صادقا على الإطلاق.. فالكثرة في المسموع لا في ذوات القائلين. وقال بعضهم. المراد بالأكثر الكل ... «١» . والمقصود من هذه الآيات الكريمة إبطال ما زعمه المشركون من أن الرسول ﷺ قد تلقى هذا القرآن عن الشياطين أو عن غيرهم، وإثبات أن هذا القرآن ما نزل إلا من عند الله- تعالى- بواسطة الروح الأمين. وقوله- سبحانه-: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إبطال لشبهة أخرى من شبهاتهم وهي زعمهم أنه ﷺ شاعر. والشعراء: جمع شاعر كعالم وعلماء. والغاوون: جمع غاو وهو الضال عن طريق الحق. أى: ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر، هم الضالون عن الصراط المستقيم، وعن جادة الحق والصواب. وقوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ تأكيد لما قبله، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون. والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية والمعرفة. والوادي: هو المكان المتسع. والمراد به هنا: فنون القول وطرقه. ويهيمون: من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون أن يعرف له جهة معينة يقصدها. يقال: هام فلان على وجهه، إذا لم يكن له مكان معين يقصده. والهيام داء يستولى على

стр. 4520

الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف في مكان معين، ومنه قوله- تعالى-: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أى: الجمال العطاش الشاردة. والمعنى: ألم تر- أيها العاقل- أن هؤلاء الشعراء في كل فن من فنون الكذب في الأقوال يخوضون، وفي كل فج من فجاج الباطل والعبث والفحش يتكلمون، وأنهم فوق ذلك يقولون ما لا يفعلون، فهم يحضون غيرهم على الشيء ولا يفعلونه، وهم يقولون فعلنا كذا وفعلنا كذا- على سبيل التباهي والتفاخر- مع أنهم لم يفعلوا. قال صاحب الكشاف: ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البريء، ويفسقوا التقى «١» . وقوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ... استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون، والذين هم في كل واد يهيمون. أى: إلا الشعراء الذين آمنوا بالله- تعالى- وعملوا الأعمال الصالحات وذكروا الله كثيرا بحيث لم يشغلهم شعرهم عن طاعة الله، وانتصروا من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين، بأن ردوا على أباطيلهم، ودافعوا عن الدين الحق. إلا هؤلاء، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين، بل هم من الشعراء الممدوحين. قال ابن كثير: لما نزل قوله- تعالى-: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله ﷺ وهم يبكون وقالوا. قد علم الله- تعالى- أنا شعراء، فتلا عليهم النبي ﷺ : «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال: أنتم. وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً قال: أنتم وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا قال: أنتم» «٢» . فالشعراء: منهم المذمومون وهم الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون.. ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. والشعر في ذاته كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فخذ الحسن، واترك القبيح.

стр. 4521

وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا يتعلق بتفسير هذه الآيات التي تحدثت عن الشعراء فارجع إليه إن شئت «١» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى- وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. والمنقلب: المرجع والمصير، وهو مفعول مطلق. أى: ينقلبون أى انقلاب والجملة الكريمة مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين. قال القرطبي: ومعنى: أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ أى مصير يصيرون، وأى مرجع يرجعون، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع والفرق بين المنقلب والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها، إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا «٢» . وقال الإمام ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم.. وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: كتب أبى وصيته من سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى قحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر. وينتهى الفاجر، ويصدق الكاذب. إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم الغيب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. وبعد: فهذه سورة الشعراء، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة- مدينة نصر ظهر الأحد ١٩ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ الموافق ١٠/ ٢/ ١٩٨٥ م د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4522

تفسير سورة النّمل

стр. 4523

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة النمل، من السور المكية: وهي السورة السابعة والعشرون في ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة الشعراء. قال القرطبي: سورة النمل، مكية كلها في قول الجميع «١» . ٢- وسميت بسورة النمل، لقوله- تعالى-: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ. قال الآلوسى: «وتسمى أيضا- كما في الدر المنثور- سورة سليمان، وعدد آياتها خمس وتسعون آية- عند الحجازيين-، وأربع وتسعون- عند البصريين- وثلاث وتسعون- عند الكوفيين-» «٢» . ٣- وقد افتتحت سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم، وعلى المؤمنين الذين يحافظون على فرائض الله- تعالى-، ويوقنون بالآخرة وما فيها من ثواب أو عقاب ... أما الذين لا يؤمنون بالآخرة، فقد أنذرتهم بسوء المصير أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. ٤- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصة موسى- ﵇ فذكرت لنا ما قاله موسى لأهله عند ما آنس من جانب الطور نارا، وما قاله الله- تعالى- له عند ما جاءها، وما أمره- سبحانه- به، في قوله- تعالى-: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ. يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ. ٥- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عما منحه الله- تعالى- لداود وسليمان- ﵉ من علم واسع، ومن عطاء كبير، وحكت ما قالته نملة عند ما رأت سليمان وجنوده، كما حكت ما دار بين سليمان- ﵇ وبين الهدهد، وما دار بينه- ﵇

стр. 4524

وبين ملكة سبأ من كتب ومحاورات انتهت بإسلام ملكة سبأ، حيث قالت: بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ثم ساقت السورة جانبا من قصة صالح- ﵇ مع قومه، فتحدثت عن الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والذين بيتوا السوء لنبيهم صالح وللمؤمنين معه، فكانت نتيجة مكر هؤلاء المفسدين الخسار والهلاك. كما قال- تعالى-: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ، أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا ... ٧- وبعد أن ساقت السورة جانبا من قصة لوط- ﵇ مع قومه. أتبعت ذلك بالحديث عن وحدانية الله- تعالى- وقدرته، فذكرت ألوانا من الأدلة على ذلك، وقد قال- سبحانه- في أعقاب كل دليل أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، وكرر ذلك خمس مرات، في خمس آيات. ٨- وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر وحدانية الله وقدرته- سبحانه-، أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول ﷺ وفي تثبيت فؤاده، وفي بيان أن هذا القرآن هداية ورحمة. قال- تعالى-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. ٩- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالحديث عن علامات الساعة وأهوالها، وعن عاقبة المؤمنين، وعاقبة الكافرين، وعن المنهج الذي اتبعه الرسول ﷺ وأمر غيره باتباعه، فقال- تعالى-: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها، وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. ١٠- وبعد: فهذا عرض مجمل لسورة النمل. ومنه نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعن مظاهر فضله- تعالى- على عباده. وعن علمه- سبحانه- المحيط بكل شيء، وعن آياته الكونية التي يكشف منها للناس ما يشاء كشفه وبيانه. كما نرى أن السورة الكريمة قد اشتمل القصص على جانب كبير منها، خصوصا قصص

стр. 4525

بعض أنبياء بنى إسرائيل، فقد حدثتنا عن جانب من قصة موسى، وداود، وسليمان. ثم بينت أن على بنى إسرائيل المعاصرين للنبي ﷺ أن يعودوا إلى القرآن، ليعرفوا منه الأمر الحق في كل ما اختلفوا فيه، قال- تعالى-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. كما نراها تجمع في توجيهاتها وإرشاداتها بين الترغيب والترهيب، وبين التذكير بنعم الله التي نشاهدها في هذا الكون، وبين التحذير من أهوال يوم القيامة، وتختم بهذه الآية الجامعة: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة- مدينة نصر د/ محمد سيد طنطاوى ٢٦ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ الموافق: ١٦/ ٢/ ١٩٨٥ م

стр. 4526

التفسير قال الله تعالى: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) سورة النمل: من السور التي افتتحت ببعض الحروف المقطعة، وهو قوله- تعالى- طس. وقد ذكرنا آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف ... إلخ. وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة. قد وردت في افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم القرآن. فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من عنده- تعالى-: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية، التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في

стр. 4527

شك في أنه من عند الله- تعالى- فهاتوا مثله، أو هاتوا عشر سور من مثله، أو هاتوا سورة واحدة من مثله. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله- واسم الإشارة تِلْكَ يعود إلى الآيات القرآنية التي تضمنتها هذه السورة الكريمة. أو إلى جميع آيات القرآن التي نزلت قبل ذلك. وهو- أى لفظ تِلْكَ- مبتدأ وخبره قوله- سبحانه- آياتُ الْقُرْآنِ. أى: تلك الآيات الحكيمة التي أنزلناها إليك- أيها الرسول الكريم- هي آيات القرآن، الذي أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها، وسمو منزلتها. وقوله- تعالى-: وَكِتابٍ مُبِينٍ معطوف على القرآن من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى، كقولهم هذا فعل فلان السخي والجواد الكريم. قال الآلوسى: «والمبين: إما من أبان المتعدى، أى: مظهر ما في تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى ... وإما من أبان اللازم، بمعنى بان. أى: ظاهر الإعجاز ... وهو على الاحتمالين، صفة مادحة لكتاب، مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة ... » «١» . وقوله- تعالى-: هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ في حيز النصب على الحالية من قوله آياتُ ولفظ هُدىً مصدر هداه هدى وهداية، ومعناه: الدلالة الموصلة إلى البغية. وبُشْرى: الخبر السار. فهي أخص من مجرد الخبر، وسمى الخبر السار بشرى، لأن أثره يظهر على البشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان. أى: أنزلنا إليك- أيها الرسول الكريم- هذه الآيات القرآنية، حالة كونها هداية للمؤمنين إلى طريق السعادة والفلاح، وبشارة لهم بما يشرح صدورهم، ويدخل الفرح والسرور على نفوسهم. وخص- سبحانه- المؤمنين بذلك، لأنهم المنتفعون بهذه الهداية والبشارة، دون سواهم من الكافرين والمنافقين. قال- تعالى-: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٢» .

стр. 4528

وقال- سبحانه-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ «١» . ثم وصف- سبحانه- هؤلاء المؤمنين بثلاث صفات جامعة بين خيرى الدنيا والآخرة فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أى: يؤدونهما في أوقاتها المقدرة لها، مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها. وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ التي كلفهم الله- تعالى- بإيتائها، بإخلاص وطيب نفس. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ والآخرة تأنيث الآخر. والمراد بها الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الأولى. وقوله: يُوقِنُونَ من الإيقان. وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، أو تحوم حوله شبهة. يقال: يقن الماء، إذا سكن وظهر ما تحته. ويقال: يقنت من هذا الشيء يقنا، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت، اعتقدت اعتقادا جازما من وجوده أو صحته. أى: وهم بالدار الآخرة وما فيها من حساب وعقاب، يوقنون إيقانا قطعيّا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة. قال الجمل: ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما، أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه، أتى به جملة اسمية. وجعل خبرها مضارعا، للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد» «٢» . وبعد أن مدح- سبحانه- المؤمنين بتلك الصفات الطيبة، أتبع ذلك ببيان ما عليه غيرهم من ضلال وحيرة فقال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ. وقوله: زَيَّنَّا من التزيين، بمعنى التحسين والتجميل. ويَعْمَهُونَ من العمه بمعنى التحير والتردد. يقال: عمه فلان- كفرح ومنع- إذا تحير وتردد في أمره. والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أى: حسناها لهم، وحببناها إليهم، بسبب استحبابهم العمى على الهدى، والغي

стр. 4529

على الرشد فَهُمْ يَعْمَهُونَ أى: فهم يتحيرون ويتخبطون ويرتكبون ما يرتكبون من قبائح، ظنا منهم أنها محاسن. وصدق الله إذ يقول: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ... «١» . ثم بين- سبحانه- قبح عاقبتهم فقال: أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ. أى: أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة، لهم أشد أنواع العذاب الذي يذلهم ويؤلمهم في الدنيا وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أى: وهم في الآخرة أشد خسارة منهم في الدنيا إذ عذاب الدنيا له نهاية. أما عذاب الآخرة فلا نهاية له. وقوله- تعالى-: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ كلام مستأنف سيق بعد بيان بعض صفات القرآن الكريم، تمهيدا لما سيأتى بعد ذلك من قصص وآداب وأحكام وهدايات. وقوله لَتُلَقَّى من التلقي بمعنى الأخذ عن الغير، والمراد به جبريل- ﵇. أى: وإنك- أيها الرسول الكريم- لتتلقى القرآن الكريم بواسطة جبريل- ﵇ من لدن ربك الذي يفعل كل شيء بحكمة ليس بعدها حكمة، ويدبر كل أمر بعلم شامل لكل شيء. وصدرت هذه الآية الكريمة بحرفى التأكيد- وهما إن ولام القسم- للدلالة على كمال العناية بمضمونه. والتعبير بقوله لَتُلَقَّى يشعر بمباشرة الأخذ عن جبريل- ﵇ بأمر الله- تعالى- الحكيم العليم، كما يشعر بقوته وشدته، كما في قوله- سبحانه-: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. وجاء الأسلوب بالبناء للمفعول في قوله: «تلقى» وحذف الفاعل وهو جبريل للتصريح به في آيات أخرى منها قوله- تعالى- نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «٢» . وجمع- سبحانه- في وصفه لذاته بين الحكمة والعلم، للدلالة على أن هذا القرآن تتجلى فيه كل صفات الإتقان والإحكام، لأنه كلام الحكيم في أفعاله، العليم بكل شيء.

стр. 4530

وبعد أن بين- سبحانه- أن هذا القرآن، قد تلقاه الرسول ﷺ من لدن حكيم عليم أتبع ذلك بجانب من قصة موسى- ﵇ لتكون بمثابة التسلية للرسول ﷺ عن موقف كفار مكة منه- ﵊، فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧ الى ١٤] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) هذا جانب من قصّة موسى- ﵇ كما جاءت في هذه السورة، وقد جاءت في سور أخرى بصورة أوسع، كسور: البقرة، والأعراف، ويونس، والشعراء، والقصص ... وقد افتتحت هنا بقوله- تعالى-: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً. والظرف «إذ» متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. و «موسى» ﵇ هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم- ﵇، وكانت بعثته- على الراجح- في القرن الحادي عشر أو الثاني عشر قبل الميلاد.

стр. 4531

والمراد بأهله: زوجته. وهي ابنة الشيخ الكبير الذي قال له- بعد أن سقى لابنتيه غنمهما-: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ... «١» . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذي بينه وبين صهره، في رعاية الغنم، وسار بأهله، قيل: قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال ... فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا ... » «٢» . وقوله: آنَسْتُ من الإيناس، بمعنى الإبصار الواضح الجلى يقال: آنس فلان الشيء إذا أبصره وعلمه وأحس به. أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- وذكر أتباعك ليعتبروا ويتعظوا، وقت أن قال موسى لأهله، وهو في طريقه من جهة مدين إلى مصر. إنى أبصرت- إبصارا لا شبهة فيه- نارا. فامكثوا في مكانكم، فإنى سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أى: سآتيكم من جهتها بخبر ينفعنا في رحلتنا هذه، ونسترشد به في الوصول إلى أهدى الطرق التي توصلنا إلى المكان الذي نريده. وأَوْ في قوله- سبحانه-: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ مانعة خلو. قال القرطبي: ما ملخصه: «قرأ عاصم وحمزة والكسائي: بِشِهابٍ قَبَسٍ بتنوين بِشِهابٍ وقرأ الباقون بدون تنوين على الإضافة، أى: بشعلة نار، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة. والشهاب: كل ذي نور، نحو الكواكب، والعود الموقد. والقبس: اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، فالمعنى بشهاب من قبس ... ومن قرأ بِشِهابٍ قَبَسٍ، بالتنوين جعله بدلا منه، أو صفة له. على تأويله بمعنى المقبوس ... » «٣» . وقوله: تَصْطَلُونَ أى: تستدفئون، والاصطلاء: الدنو من النار لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد. قال الشاعر. النار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتيا فليصطل والمعنى: قال موسى- ﵇ لأهله عند ما شاهد النار: امكثوا في مكانكم، فإنى

стр. 4532

ذاهب إليها، لكي آتيكم من جهتها بخبر في رحلتنا فإن لم يكن ذلك، فإنى آتيكم بشعلة مقتطعة منها ومقتبسة من أصلها، لعلكم تستدفئون بها في تلك الليلة الشديدة البرودة. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: - قوله- تعالى-: هنا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ مع قوله- تعالى- في سورة القصص «١» لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ كالمتدافعين. لأن أحدهما ترج، والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجي إذا قوى رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة. فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف- هنا-؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ... » «٢» . ثم بين- سبحانه- ما حدث لموسى عند ما اقترب من النار فقال: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها ... وأَنْ هنا مفسرة، لما في النداء من معنى القول. وقوله: بُورِكَ من البركة، بمعنى ثبوت الخير وكثرته. والخير هنا يتمثل في تكليم الله- تعالى- لنبيه موسى. وفي ندائه له. وتشريفه برسالته، وتأييده بالمعجزات. والمراد بمن في النار: من هو قريب منها، وهو موسى- ﵇. والمراد بمن حولها: الملائكة الحاضرون لهذا النداء، أو الأماكن المجاورة لها. أى: فلما وصل موسى- ﵇ إلى القرب من مكان النار، نودي موسى من قبل الله- على سبيل التكريم والتحية: أن قدس وطهر واختير للرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى- ﵇ ومن حولها من الملائكة، أو الأماكن القريبة منها. قال الآلوسى: «قوله: مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها ذهب جماعة إلى أن في الكلام مضافا مقدرا في موضعين. أى: من في مكان النار، ومن حول مكانها قالوا: ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة، المذكورة في قوله- تعالى-: فَلَمَّا أَتاها أى النار- نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ... «٣» .

стр. 4533

وقيل: من في النار: موسى- ﵇، ومن حولها: الملائكة الحاضرون ... وقيل الأول الملائكة، والثاني موسى، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازا عن القرب التام ... وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى- ﵇» «١» . وقال الشوكانى: «ومذهب المفسرين أن المراد بالنار- هنا- النور» «٢» . وقوله- تعالى-: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ من تتمة النداء، وخبر منه- تعالى- لموسى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع كلامه- تعالى- التشبيه بما للبشر من كلام. أى: وتنزه الله- وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص ومماثلة للحوادث. وقوله- سبحانه-: يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إعلام منه- لعبده موسى بأن المخاطب له، إنما هو الله- تعالى- الذي عز كل شيء وقهره وغلبه. والذي أحكم كل شيء خلقه. والضمير في قوله إِنَّهُ للشأن. وجملة أَنَا اللَّهُ مبتدأ وخبر والعزيز الحكيم صفتان لذاته- . أى: يا موسى إن الحال والشأن إنى أنا الله العزيز الحكيم، الذي أخاطبك وأناجيك. فتنبه لما سآمرك به. ونفذ ما سأكلفك بفعله. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك بعض ما أمر به موسى- ﵇ فقال: وَأَلْقِ عَصاكَ. والجملة الكريمة معطوفة على ما تضمنه النداء. أى: نودي أن بورك من في النار ومن حولها ... ونودي أن ألق عصاك التي بيدك. وقوله: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ.. معطوف على كلام مقدر. أى: فاستجاب موسى- ﵇ لأمر ربه فألقى عصاه فصارت حية، فلما رآها تهتز. أى: تضطرب وتتحرك بسرعة شديدة حتى لكأنها جَانٌّ في شدة حركتها وسرعة تقلبها وَلَّى مُدْبِراً عنها من الخوف وَلَمْ يُعَقِّبْ أى: ولم يرجع على عقبه. بل استمر في إدباره عنها دون أن يفكر في الرجوع إليها. يقال: عقب المقاتل. إذا كر على عدوه بعد الفرار منه. والجان: الحية الصغيرة السريعة الحركة. أو الحية الكبيرة، والمراد هنا: التشبيه بها في

стр. 4534

شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها. وإنما ولى موسى مدبرا عنها، لأنه لم يخطر بباله أن عصاه التي بيده، يحصل منها ما رآه بعينه، من تحولها إلى حية تسعى وتضطرب وتتحرك بسرعة كأنها جان، ومن طبيعة الإنسان أنه إذا رأى أمرا غريبا اعتراه الخوف منه، فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى. ثم بين- سبحانه- ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة على قلبه، فقال: يا مُوسى لا تَخَفْ. أى: فلما ولى موسى ولم يعقب عند ما ألقى عصاه فانقلبت حية، ناداه ربه- تعالى- بقوله: يا مُوسى لا تَخَفْ مما رأيت أو من شيء غيرى ما دمت في حضرتى. وجملة إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ تعليل للنهى عن الخوف، أى إنى لا يخاف عندي من اخترته لحمل رسالتي، وتبليغ دعوتي. وقوله- سبحانه-: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استثناء منقطع مما قبله. أى: إنى يا موسى لا يخاف لدى المرسلون، لكن من ظلم وارتكب فعلا سيئا من عبادي، ثم تاب إلى توبة صادقة، بأن ترك الظلم إلى العدل والشر إلى الخير. والمعصية إلى الطاعة، فإنى أغفر له ما فرط منه، لأنى أنا وحدي الواسع المغفرة والرحمة. قال ابن كثير: هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على شيء ثم أقلع عنه وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال- تعالى- وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى وقال- تعالى- وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً «١» وقيل: إن الاستثناء متصل، فيكون المعنى: لا يخاف لدى المرسلون، إلا من ظلم منهم بأن وقع في الصغائر التي لا يسلم منها أحد، ثم تاب منها وأقلع عنها، فإنى غفور رحيم. قال الآلوسى: «والظاهر- هنا- انقطاع الاستثناء، والأوفق بشأن المرسلين، أن يراد بمن ظلم: من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا من غيرهم. وثُمَّ يحتمل أن تكون للتراخي الزمانى فتفيد الآية المغفرة لمن بدل على الفور من باب أولى. ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبى، وهو ظاهر بين الظلم والتبديل ... » «٢» .

стр. 4535

وعبر- سبحانه- عن ترك الظلم بالتبديل، للإشارة إلى الإقلاع التام عن هذا الظلم، وإلى أن هذا الظلم قد حل محله العدل والطاعة والانقياد لأمره- تعالى-. ثم أرشد- سبحانه- موسى- ﵇ إلى معجزة أخرى. لتكون دليلا على صدقه في رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. والمراد بجيبه: فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه، أو عند جانبه الأيمن، وأصل الجيب: القطع. يقال: جاب الشيء إذا قطعه. والمعنى: وأدخل يا موسى يدك اليمنى في فتحة ثوبك، ثم أخرجها تراها تخرج بيضاء من غير سوء. أى: تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يكون بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما، وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا مصحوبا بالسلامة بقدرة الله- تعالى- وإرادته. قال الحسن البصري: أخرجها- والله- كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقى ربه. وقوله: تَخْرُجْ جواب الأمر في قوله: وَأَدْخِلْ، وبَيْضاءَ حال من فاعل تخرج، ومِنْ غَيْرِ سُوءٍ يجوز أن يكون حالا أخرى. أو صفة لبيضاء. والمراد باليد هنا: كف يده اليمنى. والسوء: الرديء والقبيح من كل شيء، وهو هنا كناية عن البرص لشدة قبحه. وقوله- تعالى-: فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ يصح أن يكون حالا ثالثة من فاعل تَخْرُجْ فيكون المعنى: وأدخل يا موسى يدك في جيبك تخرج حالة كونها بيضاء. وحالة كونها من غير سوء، وحالة كونها مندرجة أو معدودة في ضمن تسع آيات زودناك بها، لتكون معجزات لك أمام فرعون وقومه، على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك. قال الجمل «وقوله: فِي تِسْعِ آياتٍ فيه وجوه: أحدها: أنه حال ثالثة يعنى من فاعل تخرج، أى: آية في تسع آيات. الثاني: أنه متعلق بمحذوف أى: اذهب في تسع آيات ... » «١» . والمراد بالآيات التسع التي أعطاها الله- تعالى- لموسى- ﵇: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.

стр. 4536

وقد جاء الحديث عن هذه الآيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم منها قوله- تعالى-: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ «١» . وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ «٢» . وقوله- : فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ «٣» . وقال- تعالى-: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ، وَالْجَرادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفادِعَ، وَالدَّمَ.. «٤» . وتحديد الآيات بالتسع، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى، أعطاها الله- تعالى- لموسى- ﵇ إذ من المعروف عند علماء الأصول أن تحديد العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه. قال ابن كثير: «ولقد أوتى موسى- ﵇ آيات أخرى كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه.. وغير ذلك. مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر. ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التي شاهدها فرعون وقومه، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا» «٥» . وقوله- تعالى-: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ استئناف مسوق لبيان سبب إرسال موسى إلى فرعون وقومه. أى: هذه الآيات التسع أرسلناك بها يا موسى إلى فرعون وقومه، لأنهم كانوا قوما فاسقين عن أمرنا، وخارجين على شرعنا، وعابدين لغيرنا من مخلوقاتنا. ثم بين- سبحانه- موقف فرعون وقومه من هذه المعجزات الدالة على صدق موسى فقال: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. وقوله مُبْصِرَةً من الإبصار والظهور. وهو اسم فاعل بمعنى اسم المفعول، للإشعار

стр. 4537

بشدة وضوحها وإنارتها، حتى لكأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، كما يقال: ماء دافق بمعنى مدفوق. وقوله: وَجَحَدُوا بِها من الجحود. وهو إنكار الحق مع العلم بأنه حق، يقال: جحد فلان حق غيره، إذا أنكره مع علمه به. وقوله: وَاسْتَيْقَنَتْها من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم الذي لا يطرأ عليه شك وجيء بالسين لزيادة التأكيد. والمعنى: وذهب موسى- ﵇ ومعه المعجزات الدالة على صدقه، إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، فلما جاءهم موسى بتلك المعجزات المضيئة الواضحة للدلالة على صدقه، قالوا على سبيل العناد والغرور، هذا الذي نراه منك يا موسى، سحر بين وظاهر في كونه سحرا. وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التي جاء بها موسى من عند ربه- تعالى-، مع أن أنفسهم قد علمت علما لا شك معه أنها معجزات وليست سحرا، ولكنهم خالفوا علمهم ويقينهم ظُلْماً للآيات حيث أنزلوها عن منزلتها الرفيعة وسموها سحرا وَعُلُوًّا أى: ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها. فَانْظُرْ أيها العاقل كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ؟ لقد كانت عاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا، بسبب كفرهم وظلمهم وجحودهم وفسادهم في الأرض. وفي التعبير بقوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا.. إشعار بأن هذه الآيات الدالة على صدق موسى- ﵇ قد وصلت إليهم بدون أن يتعبوا أنفسهم في الذهاب إليها، فهي جاءتهم إلى بيوتهم لكي تهديهم إلى الصراط المستقيم، ولكنهم قابلوا ذلك بالكفر والجحود. وأسند- سبحانه- المجيء إلى الآيات وأضافها إلى ذاته- تعالى- للإشارة إلى أنها خارجة عن أن تكون من صنع موسى، وإنما هي من صنع الله- تعالى- ومن فعله، وموسى ما هو إلا منفذ لما أمره ربه، ومؤيد بما منحه إياه من معجزات دالة على صدقه فيما يبلغه عنه. وقوله: ظُلْماً وَعُلُوًّا منصوبان على أنهما مفعولان لأجله، أو على أنهما حالان من فاعل جحدوا. أى: جحدوا الآيات مع تيقنهم أنها من عند الله، من أجل الظلم لها والتعالي على من جاء بها، أو: جحدوا بها حالة كونهم ظالمين لها، ومستكبرين عنها. وفي قوله- سبحانه-: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ تسلية عظمى للرسول

стр. 4538

صلّى الله عليه وسلّم عما أصابه من الكافرين. فهم كانوا كفرعون وقومه في جحود الحق الذي جاءهم به الرسول ﷺ مع يقينهم بأنه حق، ولكن حال بينهم وبين الدخول أسباب متعددة، على رأسها العناد، والحسد، والعكوف على ما كان عليه الآباء، والكراهية لتغيير الأوضاع التي تهواها نفوسهم، وزينتها لهم شهواتهم ... وبعد أن ساق- سبحانه- هذا الجانب من قصة موسى- ﵇، أتبع ذلك بالحديث عن جانب من النعم التي أنعم بها على نبيين كريمين من أنبيائه، وهما داود وسليمان- ﵉ فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٥ الى ١٩] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً كلام مستأنف مسوق لتقرير قوله- تعالى-: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ إذ القرآن الكريم هو الذي قص

стр. 4539

الله- تعالى- فيه أخبار السابقين، بالصدق والحق. وداود هو ابن يسى، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولادته في بيت لحم سنة ١٠٨٥ ق. م- تقريبا-، وهو الذي قتل جالوت، كما قال- تعالى-: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ... «١» . وكانت وفاته سنة ١٠٠٠ ق م تقريبا. وسليمان هو ابن داود- ﵉ ولد بأورشليم حوالى سنة ١٠٤٣ ق م وتوفى سنة ٩٧٥ ق م. وقد جاء ذكرهما في سورتي الأنبياء وسبأ وغيرهما. ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله- تعالى- نعما جليلة. والمعنى: والله لقد أعطينا داود وابنه سليمان علما واسعا من عندنا، ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا. أما داود فقد أعطاه- سبحانه- علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل، كما علمه صناعة الدروع.. قال- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا، يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ «٢» . وأما سليمان فقد آتاه- سبحانه- ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، ورزق الحكم السديد بين الناس. قال- تعالى-: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً «٣» . وقوله- سبحانه- وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بيان لموقفهما من نعم الله- تعالى- عليهما، وهو موقف يدل على حسن شكرهما لخالقهما. والواو في قوله وَقالا للعطف على محذوف، أى: آتيناهما علما غزيرا فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا بسبب ما آتانا من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيره وبره- سبحانه-. قال صاحب الكشاف: «وفي الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله. وتقدم حملته

стр. 4540

وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله..» «١» . وفي التعبير بقوله- تعالى- فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ ... دلالة على حسن أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده. والمراد بالوراثة في قوله- تعالى-: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ... وراثة العلم والنبوة والملك. أى: وورث سليمان داود في نبوته وعلمه وملكه. قال ابن كثير: «وقوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ. أى: في الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود.. ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» «٢» . ثم حكى- سبحانه- ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه، فقال- تعالى-: وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ... أى: وقال سليمان- ﵇ على سبيل الشكر لله- تعالى-: يا أيها الناس: علمنا الله- تعالى- بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح، وأعطانا- سبحانه- من كل شيء نحتاجه وننتفع به في ديننا أو دنيانا. وقدم نعمة تعليمه منطق الطير، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره، وتعتبر من معجزاته- ﵇. وقيل: إنه علم منطق جميع الحيوانات. وإنما ذكر الطير لأنه أظهر في النعمة، ولأن الطير كان جندا من جنده، يسير معه لتظليله من الشمس. قال الآلوسى: «والجملتان- علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء- كالشرح للميراث. وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح. وعن ابن عباس: هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة» «٣» . وعبر عن نعم الله- تعالى- عليه بنون العظمة فقال أُوتِينا ولم يقل أوتيت،

стр. 4541

للإشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين، الذين سخر لهم جنودا من الجن والإنس والطير، ليكونوا في خدمته، وليستعملهم في وجوه الخير لا في وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهي والتعالي، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمة الله. واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ يعود إلى ما أعطاه الله- تعالى- إياه من العلم والملك وغيرهما. أى: إن هذا الذي أعطانا إياه من العلم والملك، وكل شيء تدعو إليه الحاجة، لهو الفضل الواضح، والإحسان الظاهر منه- ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان- ﵇ فتقول: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. والحشر: الجمع. يقال: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التي تهمه. وقوله: يُوزَعُونَ من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال: وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه. ومنه قول عثمان بن عفان- رضى الله عنه-: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» . ومنه قول الشاعر: ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس، إلا وافر العقل كامله والمعنى: وجمع لسليمان- ﵇ عساكره وجنوده من الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب، بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها. فالتعبير بقوله يُوزَعُونَ يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع في الحرب، هو من يدير أمور الجيش، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى جادة الصواب. ولقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالا في عدد جيش سليمان، رأينا أن نضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم أن الله- تعالى- قد سخر لسليمان جندا من الجن والإنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله- تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا. ثم حكى- سبحانه- ما قاتله نملة عند ما رأت هذا الجيش العظيم المنظم، فقال

стр. 4542

- تعالى-: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ، قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ، لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. وحَتَّى هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله قالَتْ نَمْلَةٌ جواب إذا. وقوله: لا يَحْطِمَنَّكُمْ من الحطم، وأصله: كسر الشيء.. يقال: حطم فلان الشيء إذا كسره، والمراد به هنا: الإهلاك والقتل. والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود في قوة ونظام، حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ أى: على مكان يعيش فيه النمل في مملكة سليمان قالَتْ نَمْلَةٌ على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كي لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى أَتَوْا بعلى؟ قلت: يتوجه على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء ... والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره.. فإن قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر. والذي جوز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لا أرينك هاهنا» «١» . أى: لا تحضر ها هنا بحيث أراك. ثم بين- سبحانه- ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفراد جنسها، فقال- تعالى-: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها أى: فسمع قولها السابق فاهتزت نفسه، وتبسم ضاحكا من قولها، لفطنتها إلى تحذير أبناء جنسها، ولسروره بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إهلاك النمل، إلا بسبب عدم شعورهم بهم. وقوله ضاحِكاً حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل: هو حال مقدرة لأن التبسم أول الضحك. ثم حكى- سبحانه- ما نطق به سليمان بعد ذلك فقال: وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ....

стр. 4543

أى: وقال سليمان: يا رب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جحود نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفران مننك التي أفضتها على وعلى والدي. ووفقني كذلك لأن أَعْمَلَ عملا صالِحاً تَرْضاهُ عنى وتقبله منى وَأَدْخِلْنِي يا إلهى بِرَحْمَتِكَ وإحسانك فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ الذين رضيت عنهم ورضوا عنك. وهكذا جمع سليمان- ﵇ في هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى ألوان الخشية من الله- تعالى- والشكر له- سبحانه- على نعمه، والرجاء في رضاه وعطائه الجزيل. ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك ما دار بين سليمان- ﵇ وبين جندي من جنود مملكته وهو الهدهد، فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٦] وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) والتفقد: تطلب الشيء ومعرفة أحواله، ومنه قولهم: تفقد القائد جنوده، أى: تطلب أحوالهم ليعرف حاضرهم من غائبهم.

стр. 4544

والطير: اسم جنس لكل ما يطير، ومفردة طائر، والمراد بالهدهد هنا: طائر معين وليس الجنس. وأَمْ منقطعة بمعنى بل. أى: وأشرف سليمان- ﵇ على أفراد مملكته ليعرف أحوالها، فقال بعد أن نظر في أحوال الطير: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أى: ما الذي حال بيني وبين رؤية الهدهد ثم تأكد من غيابه فقال بل هو من الغائبين. قال الآلوسى: «والظاهر أن قوله- ﵇ ذلك، مبنى على أنه ظن حضوره ومنع مانع له من رؤيته، أى: عدم رؤيتي إياه مع حضوره، لأى سبب؟ الساتر أم لغيره. ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. فأم هي المنقطعة، كما في قولهم: إنها لإبل أم شاء ... «١» . وقوله- تعالى-: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بيان للحكم الذي أصدره سليمان- ﵇ على الهدهد بسبب غيابه بدون إذن. أى: لأعذبن الهدهد عذابا شديدا يؤلمه، أو لأذبحنه، أو ليأتينى بحجة قوية توضح سبب غيابه. وتقنعنى بالصفح عنه، وبترك تعذيبه، أو ذبحه. فأنت ترى أن سليمان- ﵇ وهو النبي الملك الحكيم العادل- يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه. بعدم إتيانه بالعذر المقبول عن سبب غيابه، أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه، ويترك عقابه. فكأنه- ﵇ يقول: هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذابا شديدا وإما أن أذبحه بعد حضوره، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه، وفي هذه الحالة فأنا سأعفو عنه. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من الهدهد، فقال: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أى فمكث الهدهد زمانا غير بعيد من تهديد سليمان له، ثم أتاه فقال له: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أى: علمت أشياء أنت لم تعلمها. وابتدأ كلامه بهذه الجملة التي فيها ما فيها من المفاجآت لترغيبه في الإصغاء إليه، ولاستمالة قلبه لقبول عذره بعد ذلك. قال صاحب الكشاف: «ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام، على ما أوتى من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه،

стр. 4545

وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحافر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء ... » «١» . وقوله: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ تفسير وتوضيح لقوله قبل ذلك: أحطت بما لم تحط به، وسبأ في الأصل: اسم لسبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم صار بعد ذلك اسما لحى من الناس سموا باسم أبيهم، أو صار اسما للقبيلة، أو لمدينة تعرف بمأرب باليمن. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. وقد قرأ بعضهم هذا اللفظ بالتنوين باعتباره اسم رجل، وقرأه آخرون بغير تنوين لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. أى: قال الهدهد لسليمان بادئا حديثه بما يشير إلى قبول عذره: علمت شيئا أنت لم تعلمه، وجئتك من جهة قبيلة سبأ بنبإ عظيم خطير، أنا متيقن من صدقه. ثم قص عليه ما رآه فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ والمراد بهذه المرأة: بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان ... ورثت الملك عن أبيها. أى: إنى وجدت قبيلة سبأ تحكمها امرأة، وتتصرف في أمورهم دون أن يعترض عليها معترض، أو ينافسها منافس. وقوله وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معطوف على ما قبله. أى: وبين يديها جميع الأشياء التي تحتاجها لتصريف شئون مملكتها، والمحافظة على قوتها واستقرارها ... وفضلا عن كل ذلك لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أى: لها سرير ملك فخم ضخم يدل على غناها وترفها، ورقى مملكتها في الصناعة وغيرها. والمراد أن لها عرشا عظيما بالنسبة إلى أمثالها من الدنيا. ثم أضاف إلى ذلك قوله: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.... أى: والأهم من كل ذلك أنى وجدت هذه المرأة ومعها قومها يتركون عبادة الله- تعالى-، ويعبدون الشمس التي هي من مخلوقاته- . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي هي عبادتهم للشمس، وما يشبهها من ألوان الكفر والفسوق عن أمر الله- تعالى-. فَصَدَّهُمْ أى فمنعهم الشيطان عَنِ السَّبِيلِ الحق فَهُمْ بسبب ذلك

стр. 4546

لا يَهْتَدُونَ إلى عبادة الله- تعالى- الذي لا معبود بحق سواه. وقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بيان لما ترتب على إغواء الشيطان لهم. وقد قرأ عامة القراء أَلَّا- بتشديد اللام- ويَسْجُدُوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظه لا، وهو مع ناصبه في تأويل مصدر، في محل نصب على أنه مفعول لأجله. والمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجود لله- تعالى- الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ أى: الذي يظهر الشيء المخبوء في السموات والأرض، كائنا ما كان هذا الشيء، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء فيهما. قال الآلوسى: وقوله- تعالى-: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ أى: لئلا يسجدوا لله واللام للتعليل، وهو متعلق بصدهم أو بزين. والفاء في فَصَدَّهُمْ لا يلزم أن تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية، أى: فصدهم عن ذلك لأجل أن لا يسجدوا لله- . أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا له- تعالى-. ثم قال: وقرأ الكسائي: أَلَّا- بتخفيف اللام- على أنها حرف استفتاح وتنبيه «١» . وقوله- تعالى-: وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ معطوف على ما قبله. والمعنى: زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذي يعلم المخبوء والمستور في السموات والأرض، ويعلم ما تخفون من أسرار، وما تعلنون من أقوال. قال بعض العلماء: «واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه، محل سجدة على كلتا القراءتين، لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود وتوبيخه» «٢» . وقوله- تعالى- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ في معنى التعليل لحقيقة السجود لله- تعالى- وحده. أى: اجعلوا سجودكم لله- تعالى- وحده، واتركوا السجود لغيره، لأنه- سبحانه- لا إله بحق سواه، وهو- سبحانه- صاحب العرش العظيم، الذي لا يدانيه ولا يشبهه شيء مما يطلق عليه هذا اللفظ.

стр. 4547

ثم تحكى السور بعد ذلك ما كان من سليمان- ﵇ وما كان من ملكة سبأ بعد أن وصلها كتابه، فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٧ الى ٣٥] قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) وقوله- سبحانه-: قالَ سَنَنْظُرُ ... حكاية لما قاله سليمان- ﵇ في رده على الهدهد، الذي قال له في تبرير عذره: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ.. إلخ. والفعل «ننظر» من النظر بمعنى التأمل في الأمور، والتدبر في أحوالها، والسين للتأكيد. أى: قال سليمان للهدهد بعد أن استمع إلى حجته: سننظر- أيها الهدهد- في أقوالك، ونرى أكنت صادقا فيها، أم أنت من الكاذبين. وهكذا نرى نبي الله سليمان- وهو العاقل الحكيم- لا يتسرع في تصديق الهدهد أو تكذيبه، ولا يخرجه النبأ العظيم الذي جاءه به الهدهد، عن اتزانه ووقاره، وإنما يبنى أحكامه على ما سيسفر عنه تحققه من صدق خبره أو كذبه.

стр. 4548

وهذا هو اللائق بشأن النبي الكريم سليمان، الذي آتاه الله- تعالى- النبوة والملك والحكمة. قال القرطبي «وقوله: سَنَنْظُرُ من النظر الذي هو التأمل والتصفح. أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ أى: في مقالتك. وكُنْتَ بمعنى أنت وقال: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ ولم يقل سننظر في أمرك، لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ صرح له سليمان بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك كفاء لما قاله» «١» . وقوله- تعالى-: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ بيان لما أمر به سليمان- ﵇ الهدهد، بعد أن قال له: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. أى: خذ- أيها الهدهد- كتابي هذا. فاذهب به إلى هؤلاء القوم من أهل سبأ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أى: ثم انصرف عنهم إلى مكان قريب منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ أى: فتأمل ماذا يقول بعضهم لبعض، وبماذا يراجع بعضهم بعضا، ثم أخبرنى بذلك. قال ابن كثير: وذلك أن سليمان- ﵇ كتب كتابا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه لذلك الهدهد فحمله ... وذهب به إلى بلادهم، فجاء في قصر بلقيس. إلى الخلوة التي كانت تختلى فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها. ثم تولى ناحية أدبا، فتحيرت مما رأت. وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته ... » «٢» . وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قال: فألقه إليهم. على لفظ الجمع؟ قلت: لأنه قال: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فقال: فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره. وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك» «٣» . ثم بين- سبحانه- ما فعلته ملكة سبأ، بعد أن جاءها كتاب سليمان- ﵇، فقال- تعالى-: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. أى: قالت لحاشيتها بعد أن قرأت الكتاب وفهمت ما فيه: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ- أى: يا أيها الأشراف من قومي إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.

стр. 4549

وصفته بالكرم لاشتماله على الكلام الحكيم، والأسلوب البديع، والتوجيه الحسن، ولجمال هيئته، وعجيب أمره. ثم أفصحت عن مصدره فقالت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وعن مضمونه فقالت: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وفي ذلك إشارة إلى وصفه بالكرم، حيث اشتمل على اسم الله- تعالى- وعلى بعض صفاته، وعلى ترك التكبر، وعلى الدخول وعلى الدخول في الدين الحق، كما يدل عليه قوله- تعالى-: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ أى: ألا تتكبروا على كما يفعل الملوك الجبابرة وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ منقادين طائعين لشريعة الله- وحده، التي توجب عليكم إخلاص العبادة له، دون أحد سواه، إذ هو- سبحانه- الخالق لكل شيء، وكل معبود سواه فهو باطل. فالكتاب- مع إيجازه- متضمن لفنون البلاغة. ولمظاهر القوة الحكيمة العادلة، التي اتبعها سليمان في رسالته إلى ملكة سبأ وقومها. وبعد أن بلغت حاشيتها بمصدر الكتاب ومضمونه، استأنفت حديثها فقالت: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي والفتوى: الجواب على المستفتى فيما سأل عنه، والمراد بها هنا: المشورة وإبداء الرأى. أى: قالت يا أيها الأشراف والقادة من قومي، أشيروا على ماذا سأفعل في أمر هذا الكتاب الذي جاءني من سليمان، والذي يطلب منا فيه ما سمعتم؟ ثم أضافت إلى ذلك قولها: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ أى: أنتم تعلمون أنى لا أقطع أمرا يتعلق بشئون المملكة إلا بعد استشارتكم، وأخذ رأيكم. وفي قولها هذا دليل على حسن سياستها، ورجاحة عقلها، حيث جمعت رءوس مملكتها، واستشارتهم في أمرها، وأعلمتهم أن هذه عادة مطردة عندها. وبذلك طابت نفوسهم، وزادت ثقتهم فيها. فقد قالوا لها: نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ أى: أصحاب قوة في الأجساد، وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أى: وأصحاب بلاء شديد في القتال. وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أى: موكول إلى رأيك، وإلى ما تطمئن إليه نفسك من قرار. فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ فتأملى وتفكري فيما تأمريننا به بالنسبة لهذا الكتاب، فنحن سنطيعك في كل ما تطلبينه منا. وهنا يحكى لنا القرآن الكريم ما كانت عليه تلك المرأة من دهاء وكياسة، وإيثار للسلم على الحرب، واللين على الشدة، فقال- تعالى-: قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ من شأنهم أنهم إِذا

стр. 4550

دَخَلُوا قَرْيَةً من القرى. أو مدينة من المدن، بعد تغلبهم على أهلها عن طريق الحرب والقتال.. أَفْسَدُوها أى: أشاعوا فيها الفساد والخراب والدمار. وفوق كل ذلك: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أى: أهانوا أشرافها ورؤساءها، وجعلوهم أذلة بعد أن كانوا أعزة. ليكونوا عبرة لغيرهم. وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ أى: وهذه هي عادتهم التي يفعلونها عند دخولهم قرية من القرى، عن طريق القهر والقسر والقتال. والمقصود من قولها هذا: التلويح لقومها بأن السلم أجدى من الحرب، وأن الملاينة مع سليمان- ﵇ أفضل من المجابهة والمواجهة بالقوة. ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ. وقوله: فَناظِرَةٌ معطوف على مُرْسِلَةٌ وهو من الانتظار بمعنى الترقب. أى: وإنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق بالملوك أصحاب الجاه والقوة والسلطان، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان لرسلي عند ما يرى تلك الهدية. وماذا سيفعل معهم. قال ابن عباس: قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. وقال قتادة: رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! لقد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس «١» . ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما كان من سليمان عند ما رأى الهدية، فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)

стр. 4551

وفي الكلام حذف يفهم من السياق، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير: وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان- ﵇. وأرسلتها مع من اختارتهم من قومها لهذه المهمة، فلما جاء سليمان، أى: فلما وصل الرسل إلى سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه. فلما رآها قال- على سبيل الإنكار والاستخفاف بتلك الهدية-: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ أى: أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل في تلك الهدية لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم مخلصون العبادة لله- تعالى- وحده. وتاركون لعبادة غيره؟ كلا لن ألتفت إلى هديتكم فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك الواسع خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من أموال من جملتها تلك الهدية. فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم، ولاستخفافه بها، وسخريته منها. وقوله- سبحانه-: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ إضراب عما ذكره من إنكاره لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار، إلى بيان ما هم عليه من ضيق في التفكير، حيث أوهموا أن هذه الهدية، قد تفيد في صرف سليمان عن دعوتهم إلى وحدانية الله- تعالى-، وقد تحمله على تركهم وشأنهم. أى: افهموا- أيها الرسل- وقولوا لمن أرسلكم بتلك الهدية: إن سليمان ما آتاه الله من خير، أفضل مما آتاكم، وإنه يقول لكم جميعا: انتفعوا أنتم بهديتكم وافرحوا بها، لأنكم لا تفكرون إلا في متع الحياة الدنيا، أما أنا ففي غنى عن هداياكم ولا يهمني إلا إيمانكم. ثم أتبع سليمان- ﵇ هذا الاستنكار بالتهديد فقال: - كما حكى القرآن عنه-: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. أى: قال سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية: عد من حيث أتيت ومعك هديتك. فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها أى: فو الله لنأتينهم بجنود لا قدرة لهم على مقاومتهم، ولا طاقة لهم على قتالهم. وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ أى: وو اللَّه لنخرجن هذه الملكة وقومها من بلاد سبأ، حالة كونهم أذلة، وحالة كونهم مهزومين مقهورين، بعد أن كانوا في عزة وقوة. وعاد الرسل بهديتهم إلى الملكة، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد ذلك، لأن القرآن لا يهتم إلا بالجوهر واللباب فيما يقصه من أحداث. ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان- ﵇ من جنوده فيقول:

стр. 4552

[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قال ابن كثير ما ملخصه: فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان، قالت: قد- والله- عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة.. وبعثت اليه: إنى قادمة إليك بملوك قومي، لأنظر في أمرك وما تدعونا إليه من دينك.. ثم شخصت إليه في اثنى عشر ألف رجل من أشراف قومها- بعد أن أقفلت الأبواب على عرشها- فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الإنس والجن ممن تحت يده فقال: يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. أى: قال سليمان لجنوده: أى واحد منكم يستطيع أن يحضر لي عرش هذه الملكة قبل أن تحضر إلى هي وقومها مسلمين، أى: منقادين طائعين مستسلمين لما أمرتهم به. ولعل سليمان- ﵇ قد طلب إحضار عرشها- من بلاد اليمن إلى بيت المقدس حيث مقر مملكته، ليطلعها على عظيم قدرة الله- تعالى-، وعلى ما أعطاه- سبحانه- له من ملك عريض، ومن نعم جليلة، ومن قوة خارقة، حيث سخر له من يحضر له عرشها من مكان بعيد في زمن يسير. ولعل كل ذلك يقودها هي وقومها إلى الإيمان بالله رب العالمين.. وبعد أن قال سليمان لجنده أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين، رد عليه عفريت من الجن بقوله: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ. والعفريت: هو المارد القوى من الشياطين، الذين سخرهم الله- تعالى- لخدمة سليمان،

стр. 4553

وللقيام بأداء ما يكلفهم به. ويقال له: عفريت، وعفريتة- بكسر العين وسكون الفاء-. أى: قال عفريت من الجن لسليمان: أنا آتيك بعرش هذه الملكة، قبل أن تقوم من مقامك، أى: قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي تجلس فيه للقضاء بين الناس. أو قبل أن تقف من جلوسك. وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ أى: وإنى على حمله وإحضاره من تلك الأماكن البعيدة إليك، لقوى على ذلك، بحيث لا يثقل على حمله، ولأمين على إحضاره دون أن يضيع منه شيء. وكأن سليمان قد استبطأ إحضاره عرش تلك المملكة في هذه الفترة التي حددها ذلك العفريت القوى، فنهض جندي آخر من جنوده، ذكره القرآن بقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ، أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قالوا: والمراد بهذا الذي عنده علم من الكتاب: آصف بن برخيا، وهو رجل من صلحاء بنى إسرائيل، آتاه الله- تعالى- من لدنه علما، وكان وزيرا لسليمان. قالوا: وكان يعلم اسم الله الأعظم، الذي إذا دعى به- سبحانه- أجاب الداعي، وإذا سئل به- تعالى- أجاب السائل. قيل: المراد به سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا العفريت، فكأنه استبطأ ما قاله العفريت فقال له: - على سبيل التحقير- أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. وقيل: المراد به جبريل. والأول هو المشهور عند المفسرين. أى: قال الرجل الذي عنده علم من كتاب الله- تعالى- يا سليمان أنا آتيك بعرش بلقيس، قبل أن تغمض عينك وتفتحها، وهو كناية عن السرعة الفائقة في إحضاره. وفي ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله وشرف حامليه وفضلهم وأن هذه الكرامة التي وهبها الله- تعالى- لهذا الرجل، كانت بسبب ما آتاه- سبحانه- من علم. وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى بلاد الشام، بتلك السرعة الفائقة فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أى: فلما رأى سليمان العرش المذكور حاضرا لديه، وكائنا بين يديه ... لم يغتر ولم يتكبر، ولم يأخذه الزهو والعجب. بل قال- كما حكى القرآن عنه-: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ. أى: قال سليمان: هذا الذي أراه من إحضار العرش بتلك السرعة من فضل ربي وعطائه، لكي يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم.

стр. 4554

وَمَنْ شَكَرَ الله- تعالى- على نعمه فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ حيث يزيده- سبحانه- منها. وَمَنْ كَفَرَ نعم الله- تعالى- وجحدها فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن خلقه كَرِيمٌ في معاملته لهم، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، بل يعفو ويصفح عن كثير من ذنوبهم. ثم ختم- سبحانه- هذه القصة البديعة، ببيان ما فعله سليمان بالعرش، وبما قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت إليه، وبما انتهى إليه أمرها، فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤١ الى ٤٤] قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) وقوله: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها من التنكير الذي هو ضد التعريف، وهو جعل الشيء على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف. أى: قال سليمان لجنوده، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس: غيروا لهذه الملكة عرشها، كأن تجعلوا مؤخرته في مقدمته، وأعلاه أسفله.. وافعلوا ذلك لكي نَنْظُرْ ونعرف أَتَهْتَدِي إليه بعد هذا التغيير، أو إلى الجواب اللائق بالمقام عند ما تسأل أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى معرفة الشيء بعد تغيير معالمه المميزة له. أو إلى الجواب الصحيح عند ما تسأل عنه. فالمقصود بتغيير هيئة عرشها: اختبار ذكائها وفطنتها، وحسن تصرفها، عند مفاجأتها

стр. 4555

باطلاعها على عرشها الذي خلفته وراءها في بلادها. وإيقافها على مظاهر قدرة الله- تعالى- وعلى ما وهبه لسليمان- ﵇ من معجزات. وقوله- تعالى-: فَلَمَّا جاءَتْ ... شروع في بيان ما قالته عند ما عرض عليها سليمان عرشها. أى: فلما وصلت بلقيس إلى سليمان- ﵇ عرض عليها عرشها بعد تغيير معالمه. ثم قيل لها من جهته- ﵇: أَهكَذا عَرْشُكِ أى: أمثل هذا العرش الذي ترينه الآن، عرشك الذي خلفته وراءك في بلادك. فالهمزة للاستفهام والهاء للتنبيه- والكاف حرف جر، وذا اسم إشارة مجرور بها، والجار والمجرور خبر مقدم، وعرشك مبتدأ مؤخر. ولم يقل لها: أهذا عرشك، لئلا يكون إرشادا لها إلى الجواب، فيفوت المقصود من اختبار ذكائها وحسن تصرفها. ولا شك أن هذا القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن في حسبانها، وإلا فأين هي من عرشها الذي تركته خلفها على مسافة بعيدة، بينها وبين مملكة سليمان عشرات الآلاف من الأميال. ولكن الملكة الأريبة العاقلة، هداها تفكيرها إلى جواب ذكى، فقالت- كما حكى القرآن عنها-: كَأَنَّهُ هُوَ أى: هذا العرش- الذي غيرت هيئته- كأنه عرشي الذي تركته في بلادي، فهي لم تثبت أنه هو، ولم تنف أنه غيره، وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن والتشبيه، لكي يناسب الجواب السؤال. وقوله- سبحانه-: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام بلقيس، وكأنها عند ما استشعرت مما شاهدته اختبار عقلها قالت: وأوتينا العلم من قبلها، أى: من قبل تلك الحالة التي شاهدناها، بصحة نبوة سليمان وكنا مسلمين، طائعين لأمره. ومنهم من يرى أنه من سليمان، وتكون الجملة معطوفة على كلام مقدر وجيء بها من قبيل التحدث بنعمة الله- تعالى-. والمعنى: قال سليمان: لقد أصابت بلقيس في الجواب، وعرفت الحق، ولكننا نحن الذين أوتينا العلم من قبلها- أى من قبل حضور ملكة سبأ- وكنا مسلمين لله- تعالى- وجوهنا. ويبدو لنا أن كون هذه الجملة، حكاها القرآن على أنها من تتمة كلامها أقرب إلى
следующие страницы →