وبعد هذا الحديث عن انواع الناس، وعن اقوال المشركين الفاسدة، وعن سوء عاقبتهم، ساق- سبحانه- جانبا من قصة نوح وإبراهيم- ﵉ فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٧]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)
قال الآلوسى: قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ. شروع في بيان افتتان الأنبياء- ﵈ بأذية أممهم، إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيدا للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء، وحثا لهم على الصبر، فإن الأنبياء- ﵈ حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها، فلأن يصبر هؤلاء المؤمنون أولى وأحرى ... » «١» .
و «نوح» ﵇ ينتهى نسبه إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاث وأربعين موضعا، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها شيء من التفصيل، في سور: هود والأعراف، والمؤمنون، ونوح.
وقوم الرجل: أقر باؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة.
стр. 4692
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم نوحا، ليدلهم على طريق الحق والرشاد.
والمعنى: ولقد أرسلنا نبينا نوحا- ﵇ إلى قومه، لكي يأمرهم بإخلاص العبادة لنا، وينهاهم عن عبادة غيرنا فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى الدين الحق، ليلا ونهارا، وسرا وعلانية.
قالوا: بعث الله نوحا وهو في سن الأربعين من عمره، ولبث يدعو قومه إلى عبادة الله- تعالى- وحده، ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة، وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد، حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك» «١» .
والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التي قضاها نوح- ﵇ مع قومه، تسلية الرسول ﷺ وتثبيته، فكأن الله- تعالى- يقول له: يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، فعليك أن تقتدى به في صبره، وفي مطاولته لقومه.
وقوله- سبحانه- فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ بيان لسوء عاقبة المكذبين لنوح- ﵇ بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة.
والطوفان: قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء، وهو المراد هنا.
أى مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره.
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال: فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ: أى: فأنجينا نوحا ومن آمن معه، وهم الذين ركبوا معه في السفينة. قيل: كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى، وقيل كانوا أقل من ذلك.
стр. 4693
والضمير في قوله- سبحانه-: وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ للسفينة، أو للحادثة والقصة.
أى: فأنجينا نوحا ومن ركب معه في السفينة، وجعلناها أى هذه الحادثة عبرة وعظة للعالمين، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام.
قالوا: ومن مظاهر وجوه العبرة في قصة نجاة نوح ومن معه: أن السفينة التي حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة، وهي مستقرة على جبل الجودي، الذي يرى كثير من المؤرخين ان مكانه بشمال العراق، بالقرب من مدينة الموصل.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم- ﵇ مع قومه، فقال- تعالى-: وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ....
ولفظ إِبْراهِيمَ منصوب بفعل مضمر. أى: واذكر- أيها المخاطب- إبراهيم- ﵇ وقت أن قال لقومه: اعبدوا الله- تعالى- وحده، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ذلِكُمْ الذي أمرتكم به من العبادة والتقوى خَيْرٌ لَكُمْ من الشرك، ومن كل شيء في هذه الحياة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى: إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شر.
فأنت ترى أن إبراهيم- ﵇ قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة لله- تعالى-، وبالخوف من عقابه، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم، ببيان أن إيمانهم خير لهم، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع، الذي يتنافى مع الجهل..
ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل، فقال كما حكى القرآن عنه: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً....
والأوثان: جمع وثن. وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها، ثم يعبدونها من دون الله- تعالى-.
وقوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أى: وتكذبون كذبا واضحا، حيث سميتم هذه الأوثان آلهة، مع أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا.
أو يكون قوله وَتَخْلُقُونَ بمعنى وتصنعون وتنحتون. أى: وتصنعون بأيديكم هذه الأوثان صنعا، من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق إلى كل ما هو باطل.
ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من أوثان وأصنام لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً أى: لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية في القلة.
وما دام الأمر كذلك: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ- تعالى- وحده الرِّزْقَ الذي يكفيكم
стр. 4694
ويغنيكم وَاعْبُدُوهُ وحده- سبحانه- وَاشْكُرُوا لَهُ نعماءه ومننه وعطاياه.
فأنتم وجميع الخلق إِلَيْهِ وحده تُرْجَعُونَ لا إلى غيره، فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم- ﵇ قد سلك في دعوته قومه إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه، وبين لهم منافع ذلك، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل، ونفرهم من عبادة الأوثان، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها، وحضهم على طلب الرزق ممن يملكه وهو الله- الذي إليه المرجع والمآب.
ثم أخذ سيدنا إبراهيم- ﵇ يحذر قومه من الاستمرار في تكذيبه ويلفت أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعثا، وأن عليهم أن يتعظوا بمن قبلهم، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٨ الى ٢٣]
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية- وهي قوله- تعالى-: وَإِنْ تُكَذِّبُوا والآيات التي بعدها إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ.. محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم
стр. 4695
- صلوات الله عليه- لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها.
فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم، فما المراد بالأمم من قبله؟ قلت: المراد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جمة مكذبة ... » «١» .
وقال الإمام ابن كثير: والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات، من كلام إبراهيم الخليل- ﵇، يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَإِنْ تُكَذِّبُوا ... معطوف على محذوف، والتقدير: إن تطيعوني- أيها الناس- فقد فزتم ونجوتم، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به، فلستم بدعا في ذلك، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، فكانت عاقبة المكذبين خسرا.
ثم بين لهم إبراهيم- ﵇ وظيفته فقال: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أى: لقد بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، وتلك هي وظيفتي التي كلفنى بها ربي، وليس على سواها، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده.
ثم ساق- سبحانه- ما يدل على أن البعث حق، وأنه- تعالى- لا يعجزه شيء، فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
والاستفهام لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة، وعدم تعقلهم لما يدل عليها دلالة واضحة، والواو للعطف على مقدر.
والمعنى: ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث، ويعلموا كيف خلق الله- تعالى- الخلق ابتداء، ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة، وهي أهون عليه.
إنهم ليرون كيف يبدئ الله الخلق في النبتة النامية، وفي الشجرة الباسقة، وفي كل ما لم يكن، ثم بعد ذلك يكون، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى الحياة مرة أخرى، مع أنه من المسلم عند كل ذي عقل، أن الإعادة أيسر من الخلق ابتداء؟
فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على إمكانيته.
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعود إلى ما ذكر من الأمرين وهما:
بدء الخلق، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى.
стр. 4696
أى: إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء، ثم إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم، يسير وهين على الله، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر في أحوال هذا الكون، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ....
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المنكرين للبعث: سيحوا في الأرض، وتتبعوا أحوال الخلق، وتأملوا كيف خلقهم الله- تعالى- ابتداء على أطوار مختلفة، وطبائع متمايزة.
وأحوال شتى ... ثم قل لهم بعد كل ذلك، الله الذي خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة والمتكاثرة، هو وحده الذي يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أى: هو وحده الذي ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن أوجدهم في المرة الأولى.
فجملة ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ معطوفة على قوله: سِيرُوا ... وداخلة معها في حيز القول..
والكيفية في هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى، وصور متعددة ...
وفي الآية السابقة وهي قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها.
والمقصود بالأمر بالسير: التدبر والتأمل والاعتبار، لأن من شأن التنقل في جنبات الأرض، أنه يوقظ الحس، ويبعث على التفكير، ويفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين، ولم يتأملها القلب قبل ذلك.
وجاء الأمر بالسير عاما، لأن كل إنسان- في كل زمان ومكان- يأخذ من وجوه العبرة والعظة- عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله، وثقافته، وبيئته، وفكره، ومستواه المادي، والاجتماعى، والحضارى ...
وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما قبله. أى: هو- سبحانه- قادر على النشأة الأولى، وعلى النشأة الآخرة، لأن قدرته لا يعجزها شيء ولا يحول دون نفاذها حائل.
وهو- سبحانه- يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ويرحم من يشاء برحمته، وَإِلَيْهِ وحده لا إلى غيره تُقْلَبُونَ أى: ترجعون جميعا فيحاسبكم على أعمالكم.
стр. 4697
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أى: وما أنتم- أيها الناس- بقادرين على أن تفلتوا أو تهربوا من لقاء الله- تعالى- ومن حسابه، سواء كنتم في الأرض، أم كنتم في السماء، إذ ليست هناك قوة في هذا الوجود تحول بينكم وبين الانقلاب إليه- سبحانه- والوقوف بين يديه للحساب والجزاء.
قال الشوكانى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها ... والمعنى: أنه لا يعجزه- سبحانه- أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة. يعنى: ولا بالبصرة لو صار إليها ... » «١» .
وقوله- سبحانه-: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ مؤكد لما قبله. أى:
لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله- تعالى-. في الآخرة. وليس سواه من ناصر ينصركم، أو من قريب يدفع عنكم حكمه وقضاءه- سبحانه-.
ثم بين- سبحانه- مصير الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى ذاته وصفاته.. وكفروا- أيضا- بالأدلة الدالة على لِقائِهِ بأن أنكروا البعث والحساب والجزاء أُولئِكَ الذين كفروا بكل ذلك يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أى: انقطع أملهم في رحمتي إياهم انقطاعا تاما وعبر- سبحانه- بالماضي لدلالة علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين يديه للحساب، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم.
وأضاف- الرحمة إليه، للإشارة إلى سبقها لغضبه، وأنها تشمل عبادة المؤمنين.
وَأُولئِكَ أى: الذين كفروا بآيات الله وبلقائه لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو- سبحانه-.
ثم قص- سبحانه- بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له، وما رد به عليهم. فقال- تعالى-:
стр. 4698
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
فقوله- تعالى-: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ... بيان لما رد به الظالمون على نبيهم إبراهيم- ﵇ بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
ولفظ «جواب» بالنصب، خبر كان، واسمها قوله: إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه..
والمراد بقتله: إزهاق روحه بسيف ونحوه، لتظهر المقابلة بين الإحراق والقتل.
وجاء هنا الترديد بين الأمرين، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله، ومنهم من أشار بإحراقه، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق، كما جاء في قوله- تعالى-: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم له، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم، إلا أن قالوا فيما بينهم، اقتلوه بالسيف، أو أحرقوه بالنار، لتستريحوا منه، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها، وتحطيمه لها ...
стр. 4699
وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم، يدل على إسرافهم في الظلم والطغيان والجهالة ...
والفاء في قوله- تعالى- فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ فصيحة. أى: فاتفقوا على إحراقه بالنار، وألقوه فيها بعد اشتعالها، فأنجاه الله- تعالى- منها، بأن جعلها بردا وسلاما عليه ...
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.. أى: إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا مع إبراهيم- ﵇ حيث أخرجناه سليما من النار لَآياتٍ بينات على وحدانيتنا وقدرتنا، لقوم يؤمنون، بأن الله- تعالى- هو رب العالمين، وأنه له الخلق والأمر.
وجمع- سبحانه- الآيات لأن في نجاة إبراهيم، دلالات متعددة على قدرة الله- تعالى- لا دلالة واحدة، فنجاته من النار وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية، وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ضررا آية ثانية، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه، آية ثالثة على أن القلوب الجاحدة تبقى على جحودها حتى مع وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء بها من عند الله- تعالى-.
ولذا خص- سبحانه- هذه الآيات، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله إبراهيم- ﵇ لقومه بعد أن نجاه الله من شرورهم فقال: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً، مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
ولفظ «مودة» وردت فيه قراءات: فقد قرأه بعض القراء السبعة بالنصب، على أنه مفعول به لقوله: اتَّخَذْتُمْ أو على أنه مفعول لأجله، فيكون المعنى:
وقال إبراهيم لقومه: يا قوم إنكم لم تتخذوا هذه الأوثان معبودات لكم عن عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها. وإنما اتخذتموها معبودات من أجل المودة فيما بينكم، ومن أجل أن يجامل بعضكم بعضا في عبادتها، على حساب الحق والهدى.
وهذا شأنكم في الدنيا، أما في يوم القيامة، فهذه المودة ستزول لأنها مودة باطلة، وسيكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضا، حيث يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة.
وَمَأْواكُمُ النَّارُ أى: ومنزلكم الذي تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونكم من هذه النار، أو يخففون سعيرها عنكم.
وبعض القراء السبعة قرأ لفظ مَوَدَّةَ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أى: أن ما اتخذتموه من عبادة الأوثان، هو مودة بينكم في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فسيكفر بعضكم
стр. 4700
ببعض، ويلعن بعضكم بعضا.
والمقصود من الآية الكريمة، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا الأصنام آلهة، وهم يعتقدون صحة ذلك اعتقادا جازما، وإنما اتخذوها في الدنيا آلهة تارة على سبيل التواد فيما بينهم، وتارة على سبيل التقليد والمسايرة لغيرهم.. أما في الآخرة فستتحول تلك المودات والمسايرات والتقاليد إلى عداوات ومقاطعات وملاعنات ...
وقوله- تعالى-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... بيان للثمرة الطيبة التي ترتبت على دعوة إبراهيم لقومه، إلى عبادة الله- تعالى- وحده، بعد أن مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله، وبعد أن أقام لهم ألوانا من الأدلة على أن ما جاءهم به هو الحق، وما هم عليه هو الباطل.
والتعبير بقوله- سبحانه-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ يشعر بأن لوطا- ﵇ وحده، هو الذي لبى دعوة إبراهيم، وصدقه في كل ما أخبر به.
ولوط- ﵇ يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم- ﵇ فهو لوط بن هاران بن آزر.
والضمير في قوله- سبحانه-: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي ... يرى بعضهم أنه يعود إلى لوط، لأنه أقرب مذكور. أى: فآمن لوط لإبراهيم وصدقه في كل ما جاء به، وقال:
إنى مهاجر إلى الجهة التي أمرنى ربي بالهجرة إليها، لأبلغ دعوته، فهو لم يهاجر من أجل منفعة دنيوية، وإنما هاجر من أجل تبليغ أمر ربه، وإعلاء كلمته.
ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم- ﵇، لأن الحديث عنه.
قال الآلوسى ما ملخصه: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي أى: وقال إبراهيم: إنى مهاجر، أى: من قومي، إلى ربي.. أى إلى الجهة التي أمرنى بأن أهاجر إليها إِنَّهُ- هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره ... الْحَكِيمُ الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة..
وقيل: الضمير في وَقالَ للوط- ﵇، وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك» «١» .
ثم بين- سبحانه- بعض النعم التي أنعم بها على نبيه إبراهيم، بعد أن هاجر من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ....
стр. 4701
أى: ووهبنا لإبراهيم- بعد أن هاجر ومعه زوجه «سارة» وابن أخيه «لوط» - وهبنا له ابنه إسحاق، ووهبنا لإسحاق يعقوب، وجعلنا بفضلنا ورحمتنا، في ذرية إبراهيم النبوة، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده، كما جعلنا في ذريته- أيضا- الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعده، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن.
فالمراد بالكتاب هنا: الكتب السماوية التي أنزلها- سبحانه- على موسى وعيسى وداود ومحمد- صلوات الله عليه-، وهم جميعا من نسل إبراهيم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما بال إسماعيل لم يذكر، وذكر إسحاق ويعقوب؟
قلت: قد دل عليه في قوله: وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكفى الدليل لشهرة أمره، وعلو قدره.
فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: قصد به جنس الكتاب، حتى دخل تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة، التي هي: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن» «١» .
وقوله- سبحانه-: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا بيان لنعمة أخرى أنعم بها- سبحانه- على نبيه إبراهيم- ﵇.
أى: وهبنا له الذرية الصالحة، وجعلنا في ذريته النبوة والكتب السماوية، وآتيناه أجره على أعماله الصالحة في الدنيا، بأن رزقناه الزوجة الصالحة، والذكر الحسن بعد وفاته.
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الذين نعطيهم فيها أجزل العطاء وأوفاه.
وهكذا جمع الله- تعالى- بفضله وإحسانه، لنبيه إبراهيم، خيرى الدنيا والآخرة، جزاء إيمانه العميق، وعمله الصالح، ووفائه في تبليغ رسالة ربه.
وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه، جاء بعد ذلك الحديث عن جانب من قصة لوط مع قومه. لوط- ﵇ الذي آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى بلاد الشام..
قال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٨ الى ٣٥]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
стр. 4702
وقوله- سبحانه-: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ.. منصوب بالعطف على إبراهيم في قوله- تعالى-: وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ.. أو بفعل مضمر.
أى: واذكر- أيها العاقل لتعتبر وتتعظ- نبينا لوطا- ﵇ وقت أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لما هم عليه من فعل قبيح:
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أى: إنكم لتفعلون الفعلة
стр. 4703
البالغة أقصى دركات القبح والفحش، والتي ما فعلها أحد قبلكم، بل أنتم أول من ابتدعها، وهي إتيان الذكور دون الإناث.
قال عمر بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
وقال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله- تعالى- قد قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا.
وجاء قوله- ﵇ مؤكدا بجملة من المؤكدات، لتسجيل هذه الفاحشة عليهم بأقوى أسلوب، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها.
وقوله- سبحانه-: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ... بيان لتلك الفاحشة التي كانوا يقترفونها، والاستفهام للتأنيب والتقريع.
والسبيل: الطريق. والنادي: اسم جنس للمكان الذي يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور، أى: أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، وتقطعون الطريق على المارة، بأن تنتهبوا أموالهم، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحشة معهم، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصور، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات في مجالسكم الخاصة، وفي نواديكم التي تتلاقون فيها.
فأنت ترى أن نبيهم- ﵇ قد وصفهم بأوصاف، كل صفة أقبح من سابقتها، والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات، هو انتكاس فطرتهم، وفساد نفوسهم، وشذوذ شهواتهم.
فماذا كان جوابهم على نبيهم- ﵇؟ لقد كان جوابهم في غاية التبجح والسفاهة، وقد حكاه القرآن في قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
أى: فما كان جواب قوم لوط عليه، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره: ائتنا يا لوط بعذاب الله الذي تتوعدنا به، إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول، وفي دعواك أن عذابا سينزل علينا، بسبب أفعالنا هذه التي ألفناها وأحببناها.
وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخفاف والاستهزاء كما هنا، وتارة بالتهديد والوعيد، كما في قوله- تعالى-: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ «١» .
стр. 4704
ولذا لجأ لوط- ﵇ إلى ربه، يلتمس منه النصرة والعون فقال: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ، أى: انصرني بأن تنزل عذابك على هؤلاء القوم المفسدين، الذين مردوا على ارتكاب فواحش، لم يسبقهم بها من أحد من العالمين.
وأجاب الله- تعالى- دعاء نبيه لوط- ﵇، وأرسل- سبحانه- ملائكته لنبيه إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق. قبل أن ينفذوا عذاب الله في قوم لوط، قال- تعالى-:
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أى: وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق: قالوا له: يا إبراهيم، إنا مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهي قرية سدوم التي يسكنها قوم لوط، والسبب في ذلك إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ، حيث أتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد، وقطعوا الطريق على الناس، واقترفوا في مجالسهم المنكرات.
وهنا قال لهم إبراهيم- ﵇ بخشيته وشفقته: إِنَّ فِيها لُوطاً أى: إن في هذه القرية التي جئتم لإهلاكها لوطا، وهو نبي من أنبياء الله الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها؟ وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل خشيته فقالوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها من الأخيار ومن الأشرار، ومن المؤمنين ومن الكافرين.
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أى: اطمئن يا إبراهيم فإن الله- تعالى- قد أمرنا أن ننجي لوطا وأن ننجي معه من الهلاك أهله المؤمنين، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين، لأنها منهم، بسبب خيانتها للوط- ﵇ حيث كانت تقر جرائم قومها، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها، كما هو شأن الزوجات الصالحات.
والغابر: الباقي. يقال: غبر الشيء يغبر غبورا، أى: بقي، وقد يستعمل فيما مضى- أيضا- فيكون من الأضداد. ومنه قولهم: هذا الشيء حدث في الزمن الغابر. أى:
الماضي.
ثم بين- سبحانه- حال لوط- ﵇ بعد أن وصل إليه الملائكة لينفذوا قضاء الله- تعالى- في قومه، فقال- : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً.
و «أن» هنا مزيدة لتأكيد المجيء. و «سىء بهم» أى: اعترته المساءة والأحزان بسبب مجيئهم، لخوفه من اعتداء قومه عليهم.
стр. 4705
قال القرطبي: والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا، على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع ... وإنما ضاق ذرعه بهم، لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه..» «١» . أى: وحين جاءت الملائكة إلى لوط- ﵇ ورآهم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشي أن يعتدى قومه عليهم.
وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف.
والتعبير بقوله- سبحانه- وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً: تعبير بليغ، وتصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه، وعجزه عن وجود مخرج للمكروه الذي حل به. و «ذرعا» تمييز محول عن الفاعل، أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
ولاحظ الملائكة- ﵈ على لوط قلقه وخوفه، فقالوا له على سبيل التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه، يا لوط: لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ أى: لا تخف علينا من قومك، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة.
ثم أفصحوا له عن مهمتهم فقالوا: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ.
أى: إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذي ننزله بقومك، إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك، وستهلك مع الهالكين بسبب تواطئها معهم، ورضاها بأفعالهم القبيحة.
ثم أخبروه بالكيفية التي ينزل بها العذاب على قومه فقالوا: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.
والرجز: العذاب الذي يزعج المعذب به ويجعله في حالة اضطراب وهلع. يقال: ارتجز فلان، إذا اضطرب وانزعج.
أى: إنا منزلون بأمر الله- تعالى- وإرادته، على أهل هذه القرية- وهي قرية سدوم التي كان يسكنها قوم لوط- رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أى: عذابا شديدا كائنا من السماء، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، وخروجهم عن طاعته.
ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت. أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين باقية بعدهم، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
стр. 4706
أى: ولقد تركنا من هذه القرية بعد تدميرها، علامة بينة، وآية واضحة. تدل على هلاك أهلها، حتى تكون عبرة لقوم يستعملون عقولهم في التدبر والتفكر.
قال ابن كثير: وذلك أن جبريل- ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل مكانها. بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ولهذا قال: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ كما قال: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«١» .
ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة شعيب وهود وصالح- ﵈ مع أقوامهم، وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
стр. 4707
وقوله- سبحانه-: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً.. معطوف على مقدر محذوف، لدلالة ما قبله عليه. ومدين: اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم- ﵇. وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام.
وقد أرسل الله- تعالى- إليهم شعيبا- ﵇ ليأمرهم بعبادة الله- تعالى- وحده، ولينهاهم عن الرذائل التي كانت منتشرة فيهم، والتي من أبرزها التطفيف في المكيال والميزان.
والمعنى: وكما أرسلنا نوحا إلى قومه، وإبراهيم إلى قومه، أرسلنا إلى أهل مدين، رسولنا شعيبا- ﵇.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أى: فقال لهم ناصحا ومرشدا، الكلمة التي قالها كل نبي لأمته: يا قوم اعبدوا الله- تعالى- وحده، واتركوا ما أنتم عليه من شرك.
وقال لهم- أيضا: وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة، بأن تستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فإن الإفساد في الأرض ليس من شأن العقلاء، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله- تعالى-. يقال: عثى فلان في الأرض يعثو ويعثى- كقال وتعب-، إذا ارتكب أشد أنواع الفساد فيها.
فأنت ترى أن شعيبا- ﵇ وهو خطيب الأنبياء- كما جاء في الحديث الشريف، قد أمر قومه بإخلاص العبادة لله، وبالعمل الصالح الذي ينفعهم في أخراهم، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، فماذا كان موقفهم منه؟
كان موقفهم منه: التكذيب والإعراض، كما قال- سبحانه-: فَكَذَّبُوهُ أى: فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أى: فأهلكهم الله- تعالى- بسبب تكذيبهم لنبيهم بالرجفة، وهي الزلزلة الشديدة. يقال: رجفت الأرض، إذا اضطربت اضطرابا شديدا.
стр. 4708
ولا تعارض هنا بين قوله- تعالى-: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وبين قوله- سبحانه- في سورة هود: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ لأنه يجوز أن الله- تعالى- جعل لإهلاكهم سببين:
الأول: أن جبريل- ﵇ صاح بهم صيحة شديدة أذهلتهم، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم. وبعضهم قال: إن الرجفة والصيحة بمعنى واحد.
وقوله- تعالى-: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ بيان لما آل إليه أمرهم بعد هلاكهم.
والمراد بدارهم: مساكنهم التي يسكنونها، أو قريتهم التي يعيشون بها وقوله:
جاثِمِينَ من الجثوم، وهو للناس والطيور بمنزلة البروك للإبل. يقال: جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم- من باب ضرب-، إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه.
أى: فأصبحوا في مساكنهم هامدين ميتين لا تحس لهم حركة، ولا تسمع لهم ركزا.
ثم أشار- سبحانه- بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.
وعاد: هم قوم هود- ﵇ وكانوا يسكنون بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، بالقرب من حضرموت.
وثمود: هم قوم صالح- ﵇ وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح.
أى: وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم، كما أهلكنا غيرهم، والحال أنه قد تبين لكم- يا أهل مكة- وظهر لكم بعض مساكنهم، وأنتم تمرون عليهم في رحلتي الشتاء والصيف.
فقوله- سبحانه-: وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ المقصود منه غرس العبرة والعظة في نفوس مشركي مكة، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين، فإن مما يحمل العقلاء على الاعتبار، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير، بعد القوة والتمكين.
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة. بسبب وسوسته وتسويله، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الحق، وعن الطريق المستقيم.
وَكانُوا أى: عادا وثمود مُسْتَبْصِرِينَ أى: وكانت لهم عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، وإنما استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغي على الرشد، فأخذهم الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر.
стр. 4709
وقوله- تعالى-: مُسْتَبْصِرِينَ من الاستبصار، بمعنى التمكن من تعقل الأمور، وإدراك خيرها من شرها، وحقها من باطلها.
ثم أشار- سبحانه- إلى ما حل بقارون وفرعون وهامان فقال: وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ أى: وأهلكنا- أيضا- قارون، وهو الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم، كما أهلكنا فرعون الذي قال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وهامان الذي كان وزيرا لفرعون وعونا له في الكفر والظلم والطغيان.
قال الآلوسى: وتقديم قارون، لأن المقصود تسلية النبي ﷺ فيما لقى من قومه لحسدهم له، وقارون كان من قوم موسى- ﵇ وقد لقى منه ما لقى. أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود، فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا، كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئا.. «١» .
ثم بين- سبحانه- ما جاءهم به موسى- ﵇ وموقفهم منه فقال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ أى: جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه.
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أى: فاستكبر قارون وفرعون وهامان في الأرض. وأبوا أن يؤمنوا بموسى، بل وصفوه بالسحر وبما هو برىء منه.
وَما كانُوا سابِقِينَ أى: وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا، هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم، ومن إهلاكنا لهم.
فقوله: سابِقِينَ من السبق، بمعنى التقدم على الغير. يقال فلان سبق طالبه، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه.
والمراد أن قارون وفرعون وهامان، لم يستطيعوا- رغم قوتهم وغنائهم- أن يفلتوا من عقابنا، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم.
ثم ختم- سبحانه- الحديث عن هؤلاء المكذبين، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف، فقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ.
أى: فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح، وكقارون وفرعون وهامان وأمثالهم: كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه بسبب ذنوبه التي أصر عليها دون أن يرجع عنها.
стр. 4710
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً أى: فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه، بأن أرسلنا عليه ريحا شديدة رمته بالحصباء فأهلكته.
قال القرطبي: قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً يعنى قوم لوط. والحاصب ريح يأتى بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب «١» .
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب- ﵉.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وهو قارون.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه.
وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أى: وما كان الله- تعالى- مريدا لظلمهم، لأنه- سبحانه- اقتضت رحمته وحكمته، أن لا يعذب أحدا بدون ذنب ارتكبه.
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أى: ما ظلم الله- تعالى- هؤلاء المهلكين، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، وعرضوها للدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، واتباعهم للهوى والشيطان.
وبذلك نرى الآيات قد قصت على الناس مصارع الغابرين، الذين كذبوا الرسل، وحاربوا دعوة الحق، ليكون في هذا القصص عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتذكرين.
ثم ضرب الله مثلا، لمن يتخذ آلهة من دونه: وتوعد من يفعل ذلك بأشد أنواع العذاب، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)
стр. 4711
والمثل والمثل: النظير والشبيه، ثم أطلق المثل على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- لمورده- وهو الذي ورد فيه أولا- ولا يكون إلا فيما فيه غرابة- ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل هنا.
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب الشيء المعقول من الشيء المحسوس، وعرض الغائب في صورة الحاضر، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل، أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس.
والعنكبوت: حشرة معروفة، تنسج لنفسها في الهواء بيتا رقيقا ضعيفا، لا يغنى عنها شيئا، وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب في استعمالها التأنيث. والواو والتاء زائدتان، كما في لفظ طاغوت.
والمعنى: حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله- تعالى- أصناما يعبدونها، ويرجون نفعها وشفاعتها ... كحال العنكبوت في اتخاذها بيتا ضعيفا مهلهلا، لا ينفعها لا في الحر ولا في القر، ولا يدفع عنها شيئا من الأذى.
فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم، حيث عبدوا من دون الله- تعالى- آلهة، هي في ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت، وأنهم لو كانوا من ذوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة.
قال صاحب الكشاف: الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم، وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة. وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه، وهو قوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ.
فإن قلت: ما معنى قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟
قلت: معناه، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن ... » «١» .
وقال الآلوسى: قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أى: لو كانوا يعلمون شيئا من الأشياء، لعلموا أن هذا مثلهم، أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. و «لو» شرطية، وجوابها محذوف، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب لها، وهو غير ظاهر» «٢» .
стр. 4712
ثم بين- سبحانه- أن علمه شامل لكل شيء، وأنه سيجازى هؤلاء المشركين بما يستحقونه من عقاب فقال: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
و «ما» موصولة، وهي مفعول يعلم، والعائد محذوف، و «من شيء» بيان لما.
أى: إن الله- تعالى- يعلم علما تاما الذي يعبده هؤلاء المشركون من دونه، سواء أكان ما يعبدونه من الجن أم من الإنس أم من الجمادات أم من غير ذلك، وَهُوَ- سبحانه- الْعَزِيزُ أى: الغالب على كل شيء الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ التي سقناها في كتابنا العزيز، والتي من بينها المثال السابق.
نَضْرِبُها لِلنَّاسِ على سبيل الإرشاد والتنبيه والتوضيح.
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ أى: وما يعقل هذه الأمثال، ويفهم صحتها وحسنها، إلا الراسخون في العلم، المتدبرون في خلق الله- تعالى-، الفاقهون لما يتلى عليهم.
ثم ذكر- سبحانه- ما يدل على عظيم قدرته، وأمر نبيه ﷺ بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومن الصلاة، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
أى: خلق الله- تعالى- السموات والأرض بالحق الذي لا باطل معه، وبالحكمة التي لا يشوبها عبث أو لهو، حتى يكون هذا الخلق متفقا مع مصالح عبادنا ومنافعهم..
ومن مظاهر ذلك، أنك لا ترى- أيها العاقل- في خلق الرحمن من تفاوت أو تصادم، أو اضطراب.
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يعود إلى خلق السموات والأرض، وما اشتملتا عليه من بدائع وعجائب.
стр. 4713
أى: إن في ذلك الذي خلقناه بقدرتنا، من سماوات مرتفعة بغير عمد، ومن أرض مفروشة بنظام بديع، ومن عجائب لا يحصيها العد في هذا الكون، إن في كل ذلك لآية بينة، وعلامة واضحة، على قدرة الله- .
وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم المتدبرون في هذه الآيات والدلائل، وهم المنتفعون بها في التعرف على وحدانية الله وقدرته، وعلى حسن عبادته وطاعته.
والمقصود بالتلاوة في قوله- تعالى-: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ: القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ، وبتفهم المعاني. والخطاب للرسول ﷺ ويشمل كل من آمن به. أى: اقرأ- أيها الرسول الكريم- ما أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ، وداوم على ذلك، ومر أتباعك أن يقتدوا بك في المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ أى: وواظب على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع وإخلاص واطمئنان، وعلى المؤمنين أن يقتدوا بك في ذلك.
وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ تعليل للأمر بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على إقامة الصلاة بالطريقة التي يحبها الله- تعالى-، فإن من شأن الصلاة التي يؤديها المسلم في أوقاتها بخشوع وإخلاص، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء- وهي كل ما قبح قوله وفعله-، وعن المنكر- وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة-.
قال الجمل: «ومعنى نهيها عنهما، أنها سبب الانتهاء عنهما، لأنها مناجاة لله- تعالى-، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته، وإعراض كلى عن معاصيه.
قال ابن مسعود: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا..
وروى عن أنس- رضى الله عنه- أن فتى من الأنصار، كان يصلى مع النبي ﷺ ثم يأتى الفواحش، فذكر للنبي ﷺ فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله» «١» .
والخلاصة: أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام سننها وآدابها، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن وجدت إنسانا يؤدى الصلاة، ولكنه مع ذلك يرتكب
стр. 4714
بعض المعاصي، فأقول لك: إن الذنب ليس ذنب الصلاة، وإنما الذنب ذنب هذا المرتكب للمعاصي، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوبا بالخشوع والإخلاص ... وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه.. ولعلها تنهاه في يوم من الأيام ببركة مداومته عليها، كما جاء في الحديث الشريف:
«إن الصلاة ستنهاه» .
وقوله- سبحانه-: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أى: ولذكر الله- تعالى- بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر، أفضل وأكبر من كل شيء آخر، لأن هذا الذكر لله- تعالى- في كل الأحوال، دليل على صدق الإيمان، وحسن الصلة بالله- تعالى-.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر.. أى: ولذكر الله- تعالى- إياكم، أكبر من ذكركم إياه- سبحانه-..
وروى عن جماعة من السلف أن المعنى: ولذكر العبد لله- تعالى-، أكبر من سائر الأعمال.
أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله يوم القيامة، من ذكر الله- تعالى-..
وقيل: المراد بذكر الله: الصلاة. كما في قوله- تعالى-: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، أى: إلى الصلاة، فيكون المعنى: وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به، للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله- تعالى- هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات، ناهية عن السيئات» «١» .
ويبدو لنا أن المراد بذكر الله- تعالى- هنا: ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال..
وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله- تعالى-، كان ثوابه- سبحانه- له، وثناؤه عليه، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل.
وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ تذييل قصد به الترغيب في إخلاص العبادة لله، والتحذير من الرياء فيها.
стр. 4715
أى: داوموا- أيها المؤمنون. على تلاوة القرآن الكريم، بتدبر واعتبار، وأقيموا الصلاة في أوقاتها بخشوع وخضوع، وأكثروا من ذكر الله- تعالى- في كل أحوالكم، فإن الله- تعالى- يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير أو شر، وسيجازى- سبحانه- الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى..
ثم أمر الله- تعالى- رسوله والمؤمنين. أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ما داموا لم يرتكبوا ظلما، وأقام- سبحانه- الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده، فقال:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٩]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)
«١» والمجادلة: المخاصمة. يقال: جادل فلان فلانا، إذا خاصمه، وحرص كل واحد منهما على أن يغلب صاحبه بقوة حجته. أى: ولا تجادلوا- أيها المؤمنون- غيركم من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إلا بالطريقة التي هي أحسن، بأن ترشدوهم إلى طريق
стр. 4716
الحق بأسلوب لين كريم، كما قال- تعالى- في آية أخرى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. «١» .
وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الذين يجادلون بالتي هي أحسن.
أى: ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم. بأن أساءوا إليكم، ولم يستعملوا الأدب في جدالهم، فقابلوهم بما يليق بحالهم من الإغلاظ والتأديب.
وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة، دعوة المؤمنين إلى استعمال الطريقة الحسنى في مجادلتهم لأهل الكتاب عموما، ما عدا الظالمين منهم فعلى المؤمنين أن يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم.
وقيل: المراد بأهل الكتاب هنا: المؤمنون منهم، والمراد بالذين ظلموا: من بقي على الكفر منهم.
فيكون المعنى: ولا تجادلوا- أيها المؤمنون- من آمن من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من التأديب والإغلاظ عليهم.
ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر، لأن الآية مسوقة لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقي على دينه من أهل الكتاب، ولأن من ترك كفره منهم ودخل في الإسلام أصبح مسلما وليس من أهل الكتاب، وما دام الأمر كذلك فليس المسلمون في حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته، ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ... يرجح أن المراد بأهل الكتاب هنا من بقي على دينه منهم.
أى: جادلوهم بالطريقة الحسنى ماداموا لم يظلموكم، وقولوا لهم على سبيل التعليم والإرشاد «آمنا بالذي أنزل إلينا» وهو القرآن، وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل.
قال الشوكانى: أى: آمنا بأنهما منزلان من عند الله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه، «٢» .
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته وَنَحْنُ جميعا معاشر المؤمنين لَهُ مُسْلِمُونَ أى: مطيعون وعابدون له وحده، ولا نتخذ أربابا من دونه- .
стр. 4717
قال القرطبي ما ملخصه: اختلف العلماء في قوله- تعالى-: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ.. فقال مجاهد: هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، على معنى الدعاء لهم إلى الله- ، والتنبيه على حججه وآياته ... وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أى ظلموكم..
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال وهي قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...
وقول مجاهد: حسن، لأن أحكام الله- لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول ... » «١» .
ثم بين- سبحانه- موقف الناس من هذا الكتاب الذي أنزله على نبيه ﷺ فقال:
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ، فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ...
والكاف بمعنى مثل: واسم الإشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا. أى: ومثل ذلك الإنزال المعجز البديع، أنزلنا إليك الكتاب- أيها الرسول الكريم- ليكون هداية للناس، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل وعقلوه وفتحوا قلوبهم للحق، يؤمنون بهذا الكتاب الذي نزل عليك، وهو القرآن.
فالمراد بالذين أوتوا الكتاب: المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله. والمراد بالكتاب جنسه. والضمير في «به» يعود إلى القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله محمد ﷺ وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء الكتاب، على سبيل المدح لهم. لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا بمقتضاه، أما غيرهم ممن بقي على كفره، فلكونه لم ينتفع بما في الكتاب من هدايات، فكأنه لم يره أصلا.
وقوله: وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أى: ومن هؤلاء العرب الذين أرسلت إليهم- أيها الرسول الكريم- من يؤمن بهذا القرآن الذي أنزلناه إليك.
و «من» للتبعيض، لأنهم لم يؤمنوا جميعا، وإنما آمن منهم من هداه الله- تعالى- إلى الصراط المستقيم.
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدقك فيما تبلغه عنا، إِلَّا الْكافِرُونَ أى: إلا الموغلون في الكفر، المصرون عليه إصرارا تاما.
والجحود: إنكار الحق مع معرفة أنه حق.
стр. 4718
وعبر عن الكتاب بالآيات، للإشعار بأنها في غاية الظهور والدلالة على كونها من عند الله- تعالى-، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن تعمد وإصرار.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن بالتصديق والإذعان، ومنهم من قابله بالجحود والنكران.
ثم ساق- سبحانه- أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من عنده- تعالى-، فقال: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ.
أى: أنت- أيها الرسول الكريم- ما كنت في يوم من الأيام قبل أن ننزل عليك هذا القرآن- تاليا لكتاب من الكتب، ولا عارفا للكتابة، ولو كنت ممن يعرف القراءة والكتابة، لارتاب المبطلون في شأنك، ولقالوا إنك نقلت هذا القرآن بخطك من كتب السابقين.
ومِنْ في قوله مِنْ كِتابٍ لتأكيد نفى كونه ﷺ قارئا لأى كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه.
وقوله: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ لتأكيد نفى كونه ﷺ يعرف الكتابة أو الخط.
قال الإمام ابن كثير: وهكذا صفته ﷺ في الكتب المتقدمة، كما قال- تعالى-:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ.. وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه- إلى يوم القيامة، لا بحسن الكتابة، ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحى والرسائل إلى الأقاليم ... » «١» .
والمراد بالمبطلين، كل من شك في كون هذا القرآن من عند الله- تعالى-، سواء أكان من مشركي مكة أم من غيرهم.
وسماهم- سبحانه- مبطلين، لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه ومجانبته للحق، لأن الرسول ﷺ قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة، يعرفون حسبه ونسبه، ويعلمون حق العلم أنه أمى لا يعرف الكتابة والقراءة.
ثم بين- سبحانه- حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ....
стр. 4719
أى: هذا الكتاب ليس أساطير الأولين اكتتبها الرسول ﷺ كما زعم المبطلون-، بل هو آيات بينات واضحات راسخات، في صدور المؤمنين به، الذين حفظوه وتدبروه وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته، وعملوا بما فيه من حكم وأحكام وعقائد وآداب.
ووصف الله- تعالى- المؤمنين بهذا القرآن بالعلم على سبيل المدح لهم، والإعلاء من شأنهم، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم- سبحانه- من علم نافع، أن يوقنوا بأن هذا من عند الله، ولو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وقوله- سبحانه-: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ تذييل المقصود به ذم الذين تجاوزوا كل حق وصدق في أحكامهم وتصرفاتهم.
أى: وما يجحد آياتنا مع وضوحها وسطوعها، وينكر كونها من عند الله- تعالى-، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ما هو حق، ولكل ما هو صدق.
ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفا من أقوال المشركين الفاسدة وأمرت الرسول ﷺ أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم، كما قصت علينا لونا من ألوان جهالاتهم، حيث استعجلوا العذاب الذي لا يستعجله عاقل. فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٥]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
стр. 4720
ومرادهم بالآيات في قوله- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ الآيات الكونية، كعصا موسى، وناقة صالح. ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا.
أى: وقال المبطلون للنبي ﷺ على سبيل التعنت والعناد، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتي جاء بها بعض الأنبياء من قبلك، لكي نؤمن بك ونتبعك؟
وقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إلى ما يرد به عليهم.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- في ردك على هؤلاء الجاهلين، إنما الآيات التي تريدونها عند الله- تعالى- وحده، ينزلها حسب إرادته وحكمته، أما أنا فإن وظيفتي الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتي، وليس من وظيفتي أن أقترح على الله- تعالى- شيئا.
وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ.. كلام مستأنف من جهته- تعالى- لتوبيخهم على جهالاتهم، والاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدر.
والمعنى: أقالوا ما قالوا من باطل وجهل، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب الناطق بالحق، يتلى على مسامعهم صباح مساء، ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم، لو تدبروه وآمنوا به، واتبعوا أوامره ونواهيه؟
والتعبير بقوله- سبحانه-: يُتْلى عَلَيْهِمْ، يشير إلى أن هذه التلاوة متجددة عليهم، وغير منقطعة عنهم، وكان في إمكانهم أن ينتفعوا بها لو كانوا يعقلون.
ولذا ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
أى: إن في ذلك الكتاب الذي أنزلناه عليك- أيها الرسول الكريم-، والذي تتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة، لقوم يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم للرشد، لا للتعنت والجحود والعناد.
стр. 4721
ثم أرشده- سبحانه- إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين: يكفيني كفاية تامة أن يكون الله- تعالى- وحده، هو الشهيد بيني وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه، وعلى أن هذا القرآن من عنده.
وهو- سبحانه- يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ علما لا يعزب عنه شيء، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وأعرضوا عن الحق وَكَفَرُوا بِاللَّهِ- تعالى- مع وضوح الأدلة على أنه- سبحانه- هو المستحق للعبادة والطاعة.
الذين فعلوا ذلك: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسارة ليس بعدها خسارة، حيث آثروا الغي على الرشد، واستحبوا العمى على الهدى، وسيكون أمرهم فرطا في الدنيا والآخرة.
وقوله- : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ... بيان للون آخر من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم. أى: أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بتكذيبك- أيها الرسول الكريم- بل أضافوا إلى ذلك، التطاول عليك، لسوء أدبهم، وعدم فهمهم لوظيفتك. بدليل أنهم يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء، على سبيل التحدي لك. كما قالوا في موطن آخر: ... اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» .
ثم يبين الله- تعالى- حكمته في تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ.... أى: يستعجلك المشركون يا محمد في نزول العذاب بهم، والحق أنه لولا أجل مسمى، ووقت معين، حدده الله- تعالى- في علمه لنزول العذاب بهم، لجاءهم العذاب في الوقت الذي طلبوه، بدون إبطاء أو تأخير.
ومع ذلك فقل لهم- أيها الرسول الكريم- إن هذا العذاب آت لا ريب فيه في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى-، وإن هذا العذاب المدمر المهلك: لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. أى: ليحلن عليهم فجأة وبدون مقدمات، والحال أنهم لا يشعرون به، بل يأتيهم بغتة فيبهتهم، ويستأصل شأفتهم.
ثم كرر- سبحانه- أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم، والتسلية للرسول ﷺ عما لقيه منهم. فقال: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ.
стр. 4722
أى: يستعجلونك- أيها الرسول الكريم- بالعذاب، الذي لا يطلبه أحد في ذهنه مثقال ذرة من عقل، والحال أن ما استعجلوه سينزل بهم لا محالة، وستحيط بهم جهنم من كل جانب.
ثم بين- سبحانه- كيفية إحاطة جهنم بهم فقال: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ.
أى: ستحيط بهم جهنم من كل جانب. يوم يحل بهم العذاب مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أى: من جميع جهاتهم.
وَيَقُولُ- سبحانه- لهم، على سبيل التقريع والتأنيب ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: تذوقوا العذاب المهين الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا والذي أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة، وأقوالكم الباطلة.
وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة المكذبين، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم وعنادهم، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ ...
: هذا أمر من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم ...
روى الإمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ :
«البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم» .
стр. 4723
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة ... » «١» .
وفي ندائهم بقوله: يا عِبادِيَ
وفي وصفهم بالإيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم- سبحانه- إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.
وقوله: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
تحريض لهم على الهجرة من الأرض التي لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإقامة في تلك الأرض التي لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل اخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله- تعالى- من حيث لا يحتسب.
ومن المفسرين الذين أجادوا في شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف- ﵀ فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة ...
ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن ... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب ... » «٢» .
والفاء في قوله- تعالى- فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبهه. أى: فاعبدوا إياى فاعبدون.
والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.
ثم رغبهم بأسلوب آخر في الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم في كل مكان، فقال- تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
أى: كل نفس سواء أكانت في وطنها الذي عاشت فيه أم في غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ذلك ترجعون جميعا لنحاسبكم على أعمالكم.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً....
стр. 4724
أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ زيادة في إكرام أصحابها، وفضلا عن ذلك فقد جعلناهم خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا.
والمخصوص بالمدح في قوله: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ صفة لهؤلاء العاملين.
أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.
ثم رغبهم- سبحانه- في الهجرة لإعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شيئا من رزقهم الذي كتبه الله لهم، فقال- سبحانه-: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عند ما أمرهم النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة قالوا:
كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.
وكلمة «كأين» : مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهي مبتدأ. و «من دابة» تمييز لها.
وجملة: «لا تحمل رزقها» صفة لها، وجملة «الله يرزقها» هي الخبر.
والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى: وكثير من الدواب التي خلقها الله- تعالى- بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها ... ومع هذا فالله- تعالى- برحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا، ويرزقكم أنتم- أيضا، لأنه لا يوجد مخلوق- مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.
وَهُوَ- سبحانه- السَّمِيعُ لكل شيء الْعَلِيمُ بما تسرون وما تعلنون.
وقدم- سبحانه- رزق الدابة التي لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ لينفى من قلوب الناس القلق على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هي كل شيء، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحدا بدون رزق، ولإزالة ما قد يخطر في النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله قد تنقص الرزق..
стр. 4725
وهكذا يسوق- سبحانه- من المرغبات في الهجرة في سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض في أفكارهم وفي تصوراتهم، وببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التي أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين في سبيله من ثواب، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦١ الى ٦٩]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
стр. 4726
وقوله- سبحانه-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله- تعالى-.
أى: ولئن سألت- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المشركين، من الذي أوجد هذه السموات وهذه الأرض، ومن الذي ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله- تعالى- هو الذي فعل ذلك بقدرته.
وقوله- سبحانه-: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ تعجيب من تناقضهم في أفعالهم، ومن انحراف في تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.
أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسموات والأرض، والمسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه في العبادة آلهة أخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإقرار بوحدانيته- ؟
ثم بين- سبحانه- أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ...
والضمير في قوله: لَهُ يعود على مِنْ على حد قولك: عندي درهم ونصفه.
أى: ونصف درهم آخر.
أى: الله- تعالى- وحده هو الذي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذي يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه- سبحانه- لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شيء عنده بمقدار.
ويجوز أن يكون المعنى: الله- تعالى- وحده هو الذي بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.
فعلى المعنى الأول: يكون البسط في الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثاني يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن في أوقات مختلفة.
والله- تعالى- قادر على كل هذه الأحوال، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
стр. 4727
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له في رزقه، ومن يستحق التضييق عليه في رزقه.
ثم أكد- سبحانه- للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله- تعالى- فقال:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أى: ماء كثيرا فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.
لئن سألتهم من فعل ذلك لَيَقُولُنَّ اللَّهُ هو الذي فعل ذلك.
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أى: قل- أيها الرسول الكريم- على سبيل الثناء على الله- تعالى-: الحمد لله الذي أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.
وقوله- سبحانه-: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول ﷺ عما يعتريه بسببهم من حزن.
أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئا مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.
وفي التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين- سبحانه- هوان هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
واللهو: اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.
واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.
أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه في سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التي يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتا، ثم ينفضون عنها.
أما الدار الآخرة، فهي دار الحياة الدائمة الباقية، التي لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.
ولفظ «الحيوان» مصدر حي. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.
وقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما يحيط بهم البلاء فقال- تعالى-: فَإِذا رَكِبُوا فِي
стр. 4728
الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..
. أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا أن الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله- تعالى- مخلصين له العبادة والدعاء.
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ مع الله- تعالى- غيره في العبادة والطاعة.
وقد فعلوا ذلك: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.
وَلِيَتَمَتَّعُوا بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعملوا شيئا ينفعهم في أخراهم.
قال الآلوسى: قوله: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا: الظاهر أن اللام في الموضعين لام كي، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام. فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كي على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهي لام العاقبة في الحقيقة.
وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز في التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: «افعل ما شئت» «١» .
ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة الحرم الآمن، الذي يعيشون في جواره مطمئنين، فقال:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التي هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرما آمنا، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.
قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم» «٢» .
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله- تعالى-. أى: أفبعد هذه النعمة
стр. 4729
الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التي تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.
فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.
وقوله- تعالى-: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ.
أى: لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله- تعالى- شريكا، أو كذب بالحق الذي جاءه به الرسول ﷺ بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ للتقرير، والمثوى: المكان الذي يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.
أى: أليس في جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء الكافرون لنعم الله- تعالى-؟ بل إن فيها مكانا لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.
أى: هذا الذي ذكرناه سابقا من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل.
وبعد فهذا تفسير لسورة «العنكبوت» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى