قال ابن كثير ما ملخصه: قال ابن عباس وغيره: المراد بالبر هاهنا، الفيافي. وبالبحر:
الأمصار والقرى، ما كان منها على جانب نهر.
وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف. وبالبحر: البحر المعروف.
والقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق في السيرة: أن رسول الله ﷺ صالح ملك أيلة، وكتب له ببحره- يعنى ببلده- «١» .
والمعنى: ظهر الفساد في البر والبحر، ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك والظلم، والقتل وسفك الدماء، والأحقاد والعدوان، ونقص البركة في الزروع والثمار والمطاعم والمشارب، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة..
قال ابن كثير- ﵀: وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد فيها، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: «الحد يقام في الأرض، أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا» .
والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس، أو أكثرهم، أو كثير منهم، عن تعاطى المحرمات. وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محق البركات.. وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات. وقد ثبت في الحديث الصحيح: «إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» «٢» .
وقوله- تعالى-: بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ.. بيان لسبب ظهور الفساد. أى: عم الفساد وطم في البر والبحر، بسبب اقتراف الناس للمعاصي. وانهماكهم في الشهوات، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله- تعالى- به، أو نهاهم عنه. كما قال- تعالى-:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.
فظهور الفساد وانتشاره، لا يتم عبثا أو اعتباطا، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة الله- تعالى-، وارتكابهم للمعاصي ...
ثم بين- سبحانه- ما ترتب على الوقوع في المعاصي من بلاء واختبار، فقال:
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
واللام في «ليذيقهم» للتعليل وهي متعلقة بظهر. أى: ظهر الفساد ... ليذيق- سبحانه- الناس نتائج بعض أعمالهم السيئة، كي يرجعوا عن غيهم وفسقهم، ويعودوا إلى الطاعة والتوبة.
стр. 4762
ويجوز ان تكون متعلقة بمحذوف، اى: عاقبهم بانتشار الفساد بينهم، ليجعلهم يحسون بسوء عاقبة الولوغ في المعاصي، ولعلهم يرجعون عنها، إلى الطاعة والعمل الصالح.
ثم يلفت- سبحانه- أنظار الناس إلى سوء عاقبة من ارتكس في الشرك والظلم، فيقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: سيروا في الأرض سير المتأملين المعتبرين، لتروا بأعينكم، كيف كانت عاقبة الظالمين من قبلكم ...
لقد كانت عاقبتهم الدمار والهلاك، بسبب إصرار أكثرهم على الشرك والكفر، وانغماس فريق منهم في المعاصي والفواحش.
فالمراد بالسير، ما يترتب عليه من عظات وعبر، حتى لا تكون عاقبة اللاحقين، كعاقبة السابقين، في الهلاك والنكال.
ثم أكد- سبحانه- ما سبق أن أمر به رسوله ﷺ من ثبات على الحق فقال:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ.. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لك- أيها الرسول الكريم- من سوء عاقبة الأشرار، وحسن عاقبة الأخيار. فاثبت على هذا الدين القويم، الذي أوحيناه إليك، ولا تتحول عنه إلى جهة ما.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أى: اثبت على هذا الدين القيم، من قبل أن يأتى يوم القيامة، الذي لا يقدر أحد على ردّه أو دفع عذابه إلا الله- تعالى- وحده.
ثم بين- سبحانه- أحوال الناس في هذا اليوم فقال: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ.
أى: يتفرقون. وأصله يتصدعون، فقلبت تاؤه صادا وأدغمت. والتصدع التفرق:
يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر:
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
أى: لن يتفرقا.
والمعنى: اثبت على هذا الدين، من قبل أن يأتي يوم القيامة، الذي يتفرق فيه الناس إلى فريقين ثم بين- سبحانه- الفريق الأول فقال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أى: من كفر من الناس، فعاقبة كفره واقعة عليه لا على غيره، وسيتحمل وحده ما يترتب على ذلك من عذاب مهين.
قال صاحب الكشاف: قوله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضار،
стр. 4763
لأن من كان ضاره كفره، فقد أحاطت به كل مضرة» «١» .
ثم بين- سبحانه- الفريق الثاني فقال: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أى:
ومن عمل في دنياه عملا صالحا، فإنه بسبب هذا العمل يكون قد مهد وسوى لنفسه مكانا مريحا يستقر فيه في الآخرة.
والمهاد: الفراش. ومنه مهاد الصبى أى فراشه. ويقال مهدت الفراش مهدا، أى:
بسطته ووطأته. ومهدت الأمور. أى: سويتها وأصلحتها.
فالجملة الكريمة تصوير بديع للثمار الطيبة التي تترتب على العمل الصالح في الدنيا، حتى لكأن من يعمل هذا العمل، يعد لنفسه في الآخرة مكانا معبدا، ومضجعا هنيئا، ينزل فيه وهو في أعلى درجات الراحة والنعيم:
قال ابن جرير: قوله- تعالى- فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أى: فلأنفسهم يستعدون، ويسوون المضجع، ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر:
أمهد لنفسك، حان السقم والتلف ... ولا تضيعن نفسا مالها خلف «٢»
ثم بين- سبحانه- ما اقتضته حكمته وعدالته فقال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
أى: فعل ما فعل- سبحانه- من تقسيم الناس إلى فريقين، ليجزي الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، الجزاء الحسن الذي يستحقونه، وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله، لأنه بحبهم، أما الكافرون، فإنه- سبحانه- لا يحبهم ولا يرضى عنهم.
ثم تعود السورة الكريمة إلى الحديث عن آيات الله- تعالى- الدالة على قدرته، وعن مظاهر فضله على الناس ورحمته بهم، وعن الموقف الجحودى الذي وقفه بعضهم من هذه النعم.. قال- تعالى-:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٦ الى ٥٣]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)
стр. 4764
وقوله- سبحانه-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ... بيان لأنواع أخرى من الظواهر الكونية الدالة على قدرته- .
أى: ومن الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله- تعالى- ونفاذ قدرته، أنه- سبحانه- يرسل بمشيئته وإرادته الرياح، لتكون بشارة بأن من ورائها أمطارا، فيها الخير الكثير للناس.
قال الآلوسى: قوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ أى: الجنوب، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا: ومهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. والشمال: ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، فإنها رياح الرحمة. أما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل، فريح العذاب ... » «١» .
стр. 4765
وقوله: وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.. بيان للفوائد التي تعود على الناس من إرسال الرياح التي تعقبها الأمطار، وهو متعلق بقوله يُرْسِلَ.
أى: يرسل الرياح مبشرات بالأمطار ويرسلها ليمنحكم من رحمته الخصب والنماء لزرعكم، ولتجرى الفلك عند هبوبها في البحر بإذنه- تعالى- ولتبتغوا أرزاقكم من فضله- سبحانه- عن طريق الأسفار، والانتقال من مكان إلى آخر، ولكي تشكروا الله- تعالى- على هذه النعم: فإنكم إذا شكرتموه- سبحانه- على نعمه زادكم منها.
وقوله- تعالى-: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...
كلام معترض بين الحديث عن نعمة الرياح، لتسلية الرسول ﷺ عما لحقه من قومه من أذى.
أى ولقد أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم- رسلا كثيرين، إلى قومهم ليهدوهم إلى الرشد، وجاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات التي تدل على صدقه.
وقوله انْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
معطوف على كلام محذوف. أى: أرسلناهم بالحجج الواضحات، فمن أقوامهم من آمن بهم، ومنهم من كذبهم، فانتقمنا من المكذبين لرسلهم.
كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
أى: وكان نصر المؤمنين حقا أوجبناه على ذاتنا، فضلا منا وكرما، وتكريما وإنصافا لمن آمن بوحدانيتنا، وأخلص العبادة لنا.
«وحقا» خبر كان، و «نصر المؤمنين» اسمها و «علينا متعلق بقوله حقا.
قال ابن كثير: قوله كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرما وتفضلا، كقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
وعن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة: ثم تلا ﷺ هذه الآية» «١» .
ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن الرياح وما يترتب عليها من منافع فتقول:
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بقدرته ومشيئته.
فَتُثِيرُ سَحاباً أى: هذه الرياح التي يرسلها الله- تعالى- تتحرك في الجو وفق
стр. 4766
إرادته- سبحانه- وتحرك السحاب وتنشره من مكان إلى آخر.
فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ: أى فيبسط الله- تعالى- هذا السحاب في طبقات الجو، بالكيفية التي يختارها- سبحانه- ويريدها، بأن يجعله تارة متكاثفا، وتارة متناثرا، وتارة من جهة الشمال، وتارة من جهات غيرها.
وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً أى: ويجعله قطعا بعضها فوق بعض تارة أخرى. والكسف: جمع كسفه، وهي القطعة من السحاب.
فَتَرَى الْوَدْقَ أى: المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أى يخرج ويتساقط من خلال هذا السحاب، ومن بين ذراته. فَإِذا أَصابَ بِهِ، أى: بهذا المطر مَنْ يَشاءُ إصابته به مِنْ عِبادِهِ بأن ينزله على أراضيهم وعلى بلادهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أى: يفرحون بذلك، لأنه يكون سببا في حياتهم وحياة دوابهم وزروعهم..
وأعرف الناس بنعمة المطر، أولئك الذين يعيشون في الأماكن البعيدة عن الأنهار. كأهل مكة ومن يشبهونهم ممن تقوم حياتهم على مياه الأمطار.
ثم بين- سبحانه- حالهم قبل نزول تلك الأمطار عليهم فقال: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ.
وإن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، والضمير في يُنَزَّلَ يعود للمطر، وفي قوله مِنْ قَبْلِهِ يعود لنزول المطر- أيضا- على سبيل التأكيد. وقوله:
لَمُبْلِسِينَ خبر كان. والإبلاس: اليأس من الخير، والسكوت، والانكسار غما وحزنا.
يقال: أبلس الرجل، إذا سكت على سبيل اليأس والذل والانكسار.
أى: هم عند نزول الأمطار يستبشرون ويفرحون، ولو رأيت حالهم قبل نزول الأمطار لرأيتهم في غاية الحيرة والقنوط والإبلاس، لشدة حاجتهم إلى الغيث الذي طال انتظارهم له وتطلعهم إليه دون أن ينزل.
قال صاحب الكشاف: وقوله مِنْ قَبْلِهِ من باب التكرير والتوكيد، كقوله- تعالى-: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها «١» «ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك» «٢» .
стр. 4767
ثم لفت- سبحانه- أنظار الناس إلى ما يترتب على نعمة المطر من آثار عظيمة فقال:
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ.. والفاء للدلالة على سرعة الانتقال من حالة اليأس إلى الاستبشار. أى: فانظر- أيها العاقل- نظرة تعقل واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة.
وقوله- تعالى-: كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها في محل نصب على تقدير الخافض.
أى: فانظر إلى آثار رحمة الله بعد نزول المطر، وانظر وتأمل كيف يحيى الله- تعالى- بقدرته، الأرض بعد موتها بأن يجعلها خضراء ويانعة، بعد أن كانت جدباء قاحلة.
واسم الإشارة في قوله- تعالى- إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى يعود على الله- تعالى-.
أى: إن ذلك الإله العظيم الذي أحيا الأرض بعد موتها، لقادر على إحياء الموتى، إذ لا فرق بينهما بالنسبة لقدرة الله التي لا يعجزها شيء. وَهُوَ- سبحانه- عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ومن جملة الأشياء المقدور عليها، إحياء الموتى.
وهكذا يسوق القرآن الكريم الأدلة على البعث، بأسلوب منطقي، منتزع من واقع الناس، ومن المشاهد التي يرونها في حياتهم.
وبعد أن صور- سبحانه- أحوال الناس عند رؤيتهم للرياح التي تثير السحب المحملة بالأمطار، وأنهم عند رؤيتها يفرحون ويستبشرون. بعد أن صور ذلك بأسلوب بديع، أتبع ذلك بتصوير حالهم عند ما يرون ريحا تحمل لهم الرمال والأتربة، وتضر بمزروعاتهم فقال- تعالى- وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ.
والضمير في «رأوه» يعود إلى النبات المفهوم من السياق. أى: هذا حال الناس عند ما يرون الرياح التي تحمل لهم الأمطار، أما إذا أرسلنا عليهم ريحا معها الأتربة والرمال، فرأوا نباتهم وزروعهم قد اصفرت واضمحلت وأصابها ما يضرها أو يتلفها.. فإنهم يظلون من بعد إرسال تلك الريح عليهم، يكفرون بنعم الله، ويجحدون آلاءه السابقة، ويقابلون ما أرسلناه عليهم بالسخط والضيق، لا بالاستسلام لقضائنا، وملازمة طاعتنا.
قال الآلوسى ما ملخصه: واللام في قوله: وَلَئِنْ موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاء في «فرأوه» فصيحة، واللام في قوله «لظلوا» لام جواب القسم الساد مسد الجوابين، والماضي بمعنى المستقبل.. وفيما ذكر- سبحانه- من ذمهم على عدم تثبتهم ما لا يخفى، حيث كان من الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله- تعالى- في كل حال، ويلجئوا إليه بالاستغفار، إذا احتبس منهم المطر، ولا ييأسوا من روح الله- تعالى-
стр. 4768
ويبادروا إلى الشكر بالطاعة، إذا أصابهم برحمته، وأن يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة، فعكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا بما يؤذيهم ... » «١» .
ثم سلى- سبحانه- نبيه عما لحقه منهم من أذى، بعد أن ذكر له جانبا من تقلب أحوالهم، فقال- تعالى-: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. أى: فاصبر- أيها الرسول- لحكم ربك، واثبت على ما أنت عليه من حق فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى إذا ناديتهم وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ما دعوتهم أو وعظتهم.
وقوله إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ بيان لإعراضهم عن الحق، بعد بيان كونهم كالأموات وكالصم.
ثم وصفهم بالعمى فقال: وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ بسبب فقدهم الانتفاع بأبصارهم، كما فقدوا الانتفاع ببصائرهم.
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أى: ما تستطيع أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ أى: منقادون للحق ومتبعون له.
فالآيتان الكريمتان تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من هؤلاء المشركين، وعن إخفاق جهوده مع كثير منهم، لانطماس بصائرهم، حيث شبههم- سبحانه- بالموتى وبالصم وبالعمى، في عدم انتفاعهم بالوعظ والإرشاد..
وبعد هذا التطواف في أعماق الأنفس والآفاق. أخذت السورة الكريمة في أواخرها، تذكر الناس بمراحل حياتهم، وبأحوالهم يوم القيامة، وبفضائل القرآن الكريم، وبأمر النبي ﷺ بالصبر والثبات.. قال- تعالى-:
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٤ الى ٦٠]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
стр. 4769
قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ..
استدلال آخر على قدرته- تعالى- ومعنى مِنْ ضَعْفٍ من نطفة ضعيفة، أو في حال ضعف، وهو ما كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر.. وقرأ الجمهور بضم الضاد، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها، والضعف- بالضم والفتح- خلاف القوة، وقيل بالفتح في الرأى، وبالضم في الجسد ... » «١» .
وقال- سبحانه-: خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ولم يقل خلقكم ضعافا.. للإشعار بأن الضعف هو مادتهم الأولى التي تركب منها كيانهم، فهو شامل لتكوينهم الجسدى، والعقلي، والعاطفى، والنفسي ... إلخ. أى: الله- تعالى- بقدرته، هو الذي خلقكم من ضعف ترون جانبا من مظاهره في حالة طفولتكم وحداثة سنكم ...
ثُمَّ جَعَلَ- سبحانه- مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً أى: ثم جعل لكم من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكل صورها الجسدية والعقلية والنفسية..
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً أى: ثم جعل من بعد مرحلة القوة، مرحلة ضعف
стр. 4770
آخر، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه في الضعف، وهي مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التي هي أرذل العمر، وفيها يصير الإنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير في كثير من أحواله..
يَخْلُقُ- سبحانه- ما يَشاءُ خلقه وَهُوَ الْعَلِيمُ بكل شيء الْقَدِيرُ على كل شيء.
فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة.
ثم بين- سبحانه- ما يقوله المجرمون عند ما يبعثون من قبورهم للحساب فقال:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ.
والمراد بالساعة: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من عمر الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، والمراد بقيامها: حصولها ووجودها، وقيام الخلائق في ذلك الوقت للحساب أى: وحين تقوم الساعة ويرى المجرمون أنفسهم وقد خرجوا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة، يقسمون بأنهم ما لبثوا في قبورهم أو في دنياهم، غير وقت قليل من الزمان.
قال ابن كثير: يخبر الله- تعالى- عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم- أيضا- فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة. ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم «١» .
وقوله: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه من كذب.
ويؤفكون من الإفك بمعنى الكذب. يقال: أفك الرجل، إذا صرف عن الخير والصدق أى: مثل هذا الكذب الذي تفوهوا به في الآخرة كانوا يفعلون في الدنيا، فهم في الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله أهل العلم والإيمان في الرد عليهم، فقال: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ.
أى: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين في الرد على هؤلاء المجرمين: لقد لبثتم في علم الله وقضائه بعد مفارقتكم الدنيا إلى يوم البعث، أى: إلى الوقت الذي حدده- سبحانه- لبعثكم، والفاء في قوله- تعالى-: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ هي
стр. 4771
الفصيحة. اى: إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم. ولا تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم تنكرونه في الدنيا.
فالجملة الكريمة، المقصود بها توبيخهم وتأنيبهم على إنكارهم ليوم الحساب.
وقوله وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ زيادة في تقريعهم. أى: فهذا يوم البعث ماثل أمامكم. ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون أنه حق وصدق. بل كنتم بسبب كفركم وعنادكم تستخفون به وبمن يحدثكم عنه، فاليوم تذوقون سوء عاقبة إنكاركم له، واستهزائكم به.
ولذا قال- سبحانه- بعد ذلك: فَيَوْمَئِذٍ أى: فيوم أن تقوم الساعة ويقف الناس للحساب. لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ أى لا ينفعهم الاعتذار، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أى: ولا هم يقبل منهم الرجوع إلى الله- تعالى- بالتوبة والعمل الصالح.
قال الآلوسى: والاستعتاب: طلب العتبى، وهي الاسم من الإعتاب، بمعنى إزالة العتب. أى: لا يطلب منهم إزالة عتب الله- تعالى- وغضبه عليهم، لأنهم قد حق عليهم العذاب..» «١» .
ثم بين- سبحانه- موقفهم من القرآن الكريم، وأنهم لو اتبعوا توجيهاته لنجوا من العذاب المهين، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ...
أى: وبالله لقد ضربنا للناس في هذا القرآن العظيم، كل مثل حكيم، من شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها ...
وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ أى ولئن جئت- أيها الرسول- هؤلاء المشركين بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك.
لَيَقُولَنَّ على سبيل التطاول والتبجح إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ أى: ما أنتم إلا متبعون للباطل أيها المؤمنون بما يدعوكم إليه الرسول ﷺ .
ثم يعقب- سبحانه- على هذا التطاول والغرور بقوله: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. والطبع: الختم على الشيء حتى لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه.
أى: مثل هذا الطبع العجيب، يطبع الله- تعالى- على قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون،
стр. 4772
ولا يعملون على إزالة جهلهم، لتوهمهم أنهم ليسوا بجهلاء، وهذا أسوأ أنواع الجهل، لأنه جهل مركب، إذ صاحبه يجهل أنه جاهل. فهو كما قال الشاعر:
قال حمار الحكيم يوما ... لو أنصفونى لكنت أركب
لأننى جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بأمر النبي ﷺ بالصبر على هؤلاء الجاهلين، فقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.
أى: إذا كان الأمر كما وصفنا لك من أحوال هؤلاء المشركين، فاصبر على أذاهم، وعلى جهالاتهم، فإن وعد الله- تعالى- بنصرك عليهم حق لا شك في ذلك.
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ أى: ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر، الذين لا يوقنون بصحة ما تتلو عليهم من آيات، ولا بما تدعوهم إليه من رشد وخير.
وهكذا ختمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر، كما افتتحت بالوعد به، للمؤمنين الصادقين وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
وبعد: فهذه هي سورة الروم، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 4773
تفسير سورة لقمان
стр. 4774
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١- سورة لقمان هي السورة الحادية والثلاثون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فهي السورة السادسة والخمسون من بين السور المكية، وكان نزولها بعد سورة الصافات «١» .
وعدد آياتها: أربع وثلاثون آية. وقد ذكر الإمام ابن كثير وغيره أنها مكية، دون أن يستثنى شيئا منها.
وقال الآلوسى ما ملخصه: أخرج ابن الضريس، وابن مردويه، عن ابن عباس أنه قال: أنزلت سورة لقمان بمكة ... وفي رواية عنه: أنها مكية إلا ثلاث آيات تبدأ بقوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ «٢» .
٢- وتبدأ السورة الكريمة، بالثناء على القرآن الكريم، وعلى المؤمنين الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون.
ثم تنتقل إلى الحديث عن جانب من صفات المشركين، الذين يستهزئون بآيات الله- تعالى-، ويعرضون عنها، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ثم ساقت أدلة متعددة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، قال- تعالى-: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
٣- ثم قص علينا- سبحانه- تلك الوصايا الحكيمة، التي أوصى بها لقمان ابنه، والتي اشتملت على ما يهدى إلى العقيدة السليمة، وإلى الأخلاق الكريمة، وإلى مراقبة الخالق- وإلى أداء العبادات التي كلفنا- سبحانه- بها.
ومن هذه الوصايا قوله- سبحانه-: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ
стр. 4775
الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.
٤- ثم بين- سبحانه- ألوانا من نعمه على عباده، منها ما يتعلق بخلق السموات، ومنها ما يتعلق بخلق الأرض، كما بين- أن علمه محيط بكل شيء، وأنه لا نهاية له.. قال- تعالى-: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
٥- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بدعوة الناس جميعا إلى تقواه- وإلى بيان الأمور الخمسة التي لا يعلمها إلا هو- سبحانه- فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
٦- هذا، والمتأمل في هذه السورة الكريمة، يراها قد خاطبت النفس البشرية، بما من شأنه أن يسعدها ويحييها حياة طيبة.
إنها قد بينت أوصاف المؤمنين الصادقين، وأوصاف أعدائهم: وبينت عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار، ووضحت تلك الوصايا الحكيمة التي أوصى بها لقمان ابنه وأحب الناس إليه، وساقت أنواعا من النعم التي أنعم بها- سبحانه- على عباده، وبينت أن هناك أمورا لا يعلمها إلا الله- تعالى- وحده.
وقد ساقت السورة ما ساقت من هدايات، بأسلوب بليغ مؤثر، يرضى العواطف، ويقنع العقول..
نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4776
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
سورة لقمان من السور التي بدئت ببعض حروف التهجي ...
وقد فصلنا القول في معانيها، عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران وغيرهما.
وقلنا في نهاية سردنا لأقوال العلماء في ذلك: ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال:
إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها. فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة..
واسم الإشارة في قوله- سبحانه-: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يعود إلى آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات السورة التي معنا.
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم على الصحيح. لأنه هو المتحدث عنه.
قال الآلوسى: وأما حمله على الكتب التي خلت قبل القرآن.. فهو في غاية البعد «١» ، والحكيم- بزنة فعيل- مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع، تقول: حكمت الفرس، إذا وضعت الحكمة في فمها لمنعها من الجموح والشرود.
стр. 4777
والمقصود، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه، منها: أن الحكيم هو ذو الحكمة، بمعنى اشتماله على الحكمة، فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر. ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل قوله- تعالى-: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم.. «أى المبرأ من الكذب والتناقض» «١» .
والمعنى: تلك الآيات السامية، المنزلة عليك يا محمد، هي آيات الكتاب، المشتمل على الحكمة والصواب، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت كلها لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإنزال، ولأن الله- تعالى- قد وعد رسوله ﷺ بنزول القرآن عليه، كما في قوله- تعالى-: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ووعد الله- تعالى- لا يتخلف.
وقوله هُدىً وَرَحْمَةً منصوبان على الحالية من آياتُ.
أى: هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته، لتكون هداية ورحمة للمحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم، وفي كل أحوالهم.
ثم وصف- سبحانه- هؤلاء المحسنين، بصفات كريمة فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أى: يؤدونها في أوقاتها المحددة لها، مستوفية لواجباتها، وسننها، وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة التامة هي تلك التي يصحبها الإخلاص، والخشوع، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبي ﷺ .
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أى: ويعطون الزكاة التي أوجبها الله- تعالى- في أموالهم لمستحقيها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ والمراد بالآخرة: الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الدنيا.
وقوله يُوقِنُونَ من الإيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم حوله شبهة..
стр. 4778
أى: أن من صفات هؤلاء المحسنين، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص، ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب، يوقنون إيقانا قطعيا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة.
وفي إيراد «هم» قبل لفظ الآخرة. وقبل لفظ يوقنون: تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة، أو غير بالغ مرتبة اليقين.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الثمار الطيبة التي ترتبت على تلك الصفات الكريمة، فقال- تعالى-: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
والمفلحون: من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية. وأصله من الفلح- بسكون اللام- وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث، واستعمل منه الفلاح في الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه، للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت.
والمعنى: أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على هداية عظيمة من ربهم توصلهم إلى المطلوب، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب.
والتنكير في قوله عَلى هُدىً للتعظيم، وأتى بلفظ «على» للاشارة إلى التمكن والرسوخ، ووصفه بأنه مِنْ رَبِّهِمْ لأنه- سبحانه- هو الذي وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه.
ثم بين- سبحانه- حال طائفة أخرى من الناس، كانوا على النقيض من سابقيهم، فقال:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٦ الى ٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها، أنهما نزلتا في النضر بن الحارث. اشترى قينة- أى مغنية-، وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى
стр. 4779
قينته، فيقول لها: أطعميه واسقيه وغنيه، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد ﷺ من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه. «١» .
ولَهْوَ الْحَدِيثِ: باطله، ويطلق على كل كلام يلهى القلب، ويشغله عن طاعة الله- تعالى-، كالغناء، والملاهي، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله- تعالى-:
وقد فسره كثير من العلماء بالغناء، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا.
ومِنَ في قوله وَمِنَ النَّاسِ للتبعيض، أى: ومن الناس من يترك القول الذي ينفعه، ويشترى الأحاديث الباطلة، والخرافات الفاسدة.
قال القرطبي ما ملخصه: هذه إحدى الآيات التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. ولا يختلف في تحريم الغناء الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الغزل والمجون.. فأما ما سلّم من ذلك، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق.. «٢» .
وقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً.. تعليل لاشتراء لهو الحديث. والمراد بسبيل الله- تعالى-: دينه وطريقه الذي اختاره لعباده.
وقد قرأ الجمهور: لِيُضِلَّ بضم الياء- أى: يشترى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله، ولكي يتخذ آيات الله- تعالى- مادة لسخريته واستهزائه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لِيُضِلَّ- بفتح الياء- فيكون المعنى: يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا في ضلاله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو، أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن، ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟.
قلت: فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمده، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه. والثاني: أن
стр. 4780
يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف.. «١» .
وقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية.
أى: أولئك الذين يشترون لهو الحديث، ليصرفوا الناس عن دين الله- تعالى-، وليستهزئوا بآياته، لهم عذاب يهينهم ويذلهم، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان.
ثم فصل- سبحانه- حال هذا الفريق الشقي فقال: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ أى: على النضر وأمثاله آياتُنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق نبينا ﷺ .
وَلَّى مُسْتَكْبِراً أى: أعرض عنها بغرور واستعلاء. كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها أى: كأن حاله في استكباره عن سماع الآيات، كحال الذي لم يسمعها إطلاقا.
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أى: كأن في أذنيه صمما وثقلا ومرضا يحول بينه وبين السماع.
والجملتان الكريمتان حال من قوله مُسْتَكْبِراً والمقصود بهما توبيخ هذا الشقي وأمثاله، وذمهم ذما موجعا لإعراضهم عن الحق.
وقوله- تعالى-: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ تهكم به، واستخفاف بتصرفاته.
أى: فبشر هذا الشقي الذي اشترى لهو الحديث، وأعرض عن آياتنا بالعذاب الأليم، الذي يناسب غروره واستكباره.
ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذي أعده الله- تعالى- للمؤمنين، وذكرت جانبا من مظاهر قدرته- سبحانه-، ورحمته بعباده، فقال- تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٨ الى ١١]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)
стр. 4781
أى: إن الذين آمنوا بالله- تعالى- إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات لَهُمْ في مقابلة ذلك جَنَّاتُ النَّعِيمِ أى: لهم جنات عالية يتنعمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أى: هم خالدون في تلك الجنات خلودا أبدا، فقد وعدهم- سبحانه- بذلك، ووعده حق وصدق، ولن يخلفه- سبحانه- تفضلا منه وكرما.
قال الجمل. وقوله وَعْدَ مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله: لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في معنى وعدهم الله ذلك. وقوله حَقًّا مصدر مؤكد لغيره. أى: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى: وعد الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية، وحقه حقا. «١» .
وقوله- تعالى-: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أى: وهو- سبحانه- العزيز الذي لا يغلبه غالب. الحكيم في كل أفعاله وتصرفاته.
ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ...
والعمد: جمع عماد. وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. وجملة «ترونها» في محل نصب حال من السموات.
أى هو: - سبحانه- وحده، الذي رفع هذه السموات الهائلة في صنعها وفي ضخامتها، بغير مستند يسندها. وبغير أعمدة تعتمد عليها. وأنتم ترون ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء. ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما، هو المستحق للعبادة والطاعة.
وقوله- تعالى-: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بيان لنعمة ثانية مما أنعم به- سبحانه- على عباده.
والرواسي: جمع راسية. والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة.
стр. 4782
أى: ومن رحمته بكم، وفضله عليكم، أن ألقى- سبحانه- في الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم، وأنتم عليها.
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ أى: وأوجد ونشر في الأرض التي تعيشون فوقها، من كل دابة من الدواب التي لا غنى لكم عنها والتي فيها منفعتكم ومصلحتكم.
والبث: معناه: النشر والتفريق. يقال: بث القائد خيله إذا نشرها وفرقها.
ثم بين- سبحانه- نعمة ثالثة فقال: وَأَنْزَلْنا أى: بقدرتنا مِنَ السَّماءِ ماءً أى: ماء كثيرا هو المطر، فَأَنْبَتْنا فِيها أى: فأنبتنا في الأرض بسبب نزول المطر عليها. مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أى: صنف كَرِيمٍ أى حسن جميل كثير المنافع.
والإشارة في قوله: هذا خَلْقُ اللَّهِ.. تعود إلى ما ذكره- سبحانه- من مخلوقات قبل ذلك. والخلق بمعنى المخلوق.
هذا الذي ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض والجبال ... هو من مخلوقنا وحدنا، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك.
والفاء في قوله- تعالى-: فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ واقعة في جواب شرط مقدر، أى: إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه- سبحانه- إنهم لم يخلقوا شيئا ما، بل هم مخلوقون لله- تعالى-.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين، وإثبات أنهم في عبادتهم لغير الله، قد تجاوزوا كل حد في الجهالة والضلالة.
وقوله- سبحانه-: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم.
أى: بل الظالمون في ضلال بين واضح، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ويتركون عبادة الله- تعالى- الخلاق العليم.
ثم ساق- سبحانه- على لسان عبد صالح من عباده، جملة من الوصايا الحكيمة، لتكون عظة وعبرة للناس، فقال- تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ١٩]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)
стр. 4783
قال ابن كثير- ﵀: اختلف السلف في لقمان، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا.
وعن ابن عباس وغيره: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا..
قال له مولاه: اذبح لنا شاة وجئني بأخبث ما فيها؟ فذبحها وجاءه بلسانها وقلبها. ثم قال له مرة ثانية: اذبح لنا شاة وجئني بأحسن ما فيها؟ فذبحها وجاءه- أيضا- بقلبها ولسانها، فقال له مولاه ما هذا؟ فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، وليس من شيء أخبث منهما إذا خبثا.
стр. 4784
وقال له رجل: ألست عبد فلان؟ فما الذي بلغ بك ما أرى من الحكمة؟ فقال لقمان: قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني «١» .
ومن أقواله لابنه: يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة.
يا بنى، لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك.
يا بنى، اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.
يا بنى، عليك بمجالس العلماء، وبسماع كلام الحكماء، فإن الله- تعالى- يحيى القلب الميت بنور الحكمة.
يا بنى، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، ودار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترتحل.. «٢» .
وقال الآلوسى ما ملخصه: ولقمان: اسم أعجمى لا عربي وهو ابن باعوراء. قيل: كان في زمان داود- ﵇ وقيل: كان زمانه بين عيسى وبين محمد- عليهما الصلاة والسلام-.
ثم قال الآلوسى: وإنى أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيا «٣» .
وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ... كلام مستأنف مسوق لإبطال الإشراك بالله- تعالى- عن طريق النقل، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل، في قوله- سبحانه- قبل ذلك: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ....
والحكمة: اكتساب العلم النافع والعمل به. أو هي: العقل والفهم. أو هي الإصابة في القول والعمل.
والمعنى: والله لقد أعطينا- بفضلنا وإحساننا- عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به.
وقوله- سبحانه- أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة. أى: آتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكي يزيدك منها.
قال الشوكانى: قوله: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ أن هي المفسرة: لأن في إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير: قلنا له أن اشكر لي.. وقيل: بأن اشكر لي فشكر، فكان حكيما بشكره.
стр. 4785
والشكر لله: الثناء عليه في مقابلة النعمة- واستعمالها فيما خلقت له-، وطاعته فيما أمر به «١» .
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
أى: ومن يشكر الله- تعالى- على نعمه، فإن نفع شكره إنما يعود إليه، ومن جحد نعم الله- تعالى- واستحب الكفر على الإيمان، فالله- تعالى- غنى عنه وعن غيره، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإنعامه عليهم بالنعم التي لا تعد ولا تحصى: فحميد بمعنى محمود.
فالجملة الكريمة المقصود بها، بيان غنى الله- تعالى- عن خلقه، وعدم انتفاعه بطاعتهم، لأن منفعتها راجعة إليهم، وعدم تضرره بمعصيتهم. وإنما ضرر ذلك يعود عليهم.
وعبر- سبحانه- في جانب الشكر بالفعل المضارع، للإشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله- تعالى-، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت، عادوا إلى طاعته- سبحانه- وشكره.
وعبر في جانب الكفر بالفعل الماضي، للإشعار بأنه لا يصح ولا ينبغي من أى عاقل، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما، وأن يجعله في خبر كان.
وجواب الشرط محذوف، وقد قام مقامه قوله- تعالى-: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ والتقدير: ومن كفر فضرر كفره راجع إليه. لأن الله- تعالى- غنى حميد.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإرشاد فقال- تعالى-:
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ، يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
وقوله يَعِظُهُ من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب.
قالوا: واسم ابنه «ثاران» أو «ماثان» أى: واذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة: يا بنى لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ- تعالى- لا في عبادتك، ولا في قولك، ولا في عملك، بل أخلص كل ذلك لخالقك- .
стр. 4786
وفي ندائه بلفظ يا بُنَيَّ إشفاق عليه. ومحبة له، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته.
قيل: وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم. وقيل: بل كان مسلما، والنهى عن الشرك المقصود به، المداومة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين.
وجملة إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تعليل للنهى. أى: يا بنى حذار أن تشرك بالله في قولك أو فعلك، إن الشرك بالله- تعالى- لظلم عظيم، لأنه وضع للأمور في غير موضعها الصحيح، وتسوية في العبادة بين الخالق والمخلوق.
وقوله- تعالى-: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ.. كلام مستأنف، جيء به على سبيل الاعتراض في أثناء وصية لقمان لابنه، لبيان سمو منزلة الوالدين، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله- تعالى-، والأمر بالإحسان إلى الوالدين.
ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.. «١» .
وقوله- : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.. «٢» . أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما، وأن يطيع أمرهما في المعروف.
ثم بين- سبحانه- ما بذلته الأم من جهد يوجب الإحسان إليها فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ أى: حملته أمه في بطنها وهي تزداد في كل يوم ضعفا على ضعف، بسب زيادة وزنه، وكبر حجمه، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه.
والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا. إذا ضعف. ولفظ «وهنا» حال من أمه بتقدير مضاف. أى: حملته أمه ذات وهن، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أى: تهن وهنا.
وقوله: عَلى وَهْنٍ متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن.
وقوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع.
أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته، كما قال- تعالى-:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ... «٣» .
стр. 4787
وهاتان الجملتان حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما، تأكيدا لحق الأم، وبيانا لما تبذله من جهد شاق في سبيل أولادها، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟
قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم قال رسول الله ﷺ لمن قال له: من أبر؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: «ثم أباك» «١» .
وقوله- سبحانه-: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى: وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقلنا له: اشكر لخالقك فضله عليك، بأن تخلص له العبادة والطاعة، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب، بأن تحسن إليهما، واعلم أن مصيرك إلى خالقك- وسيحاسبك على أعمالك، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب.
ثم بين- سبحانه- حدود الطاعة للوالدين فقال: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما..
والجملة الكريمة معطوفة على قوله وَوَصَّيْنَا ... بإضمار القول. أى: ووصينا الإنسان بوالديه. وقلنا له: وَإِنْ جاهَداكَ أى: وإن حملاك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي في العبادة أو الطاعة، ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما في ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وجملة ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ لبيان الواقع، فلا مفهوم لها، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله- .
ثم أمر- سبحانه- بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً.
أى: إن حملاك على الشرك. فلا تطعهما، ومع ذلك فصاحبهما في الأمور الدنيوية التي لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة، يرتضيها الشرع، وتقتضيها مكارم الأخلاق.
стр. 4788
وقوله مَعْرُوفاً صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض. أى: بالمعروف.
ثم أرشد- سبحانه- إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ... أى: واتبع- أيها العاقل طريق الصالحين من عبادي، الذين رجعوا إلى بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ جميعا يوم القيامة- أيها الناس- فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
قال القرطبي ما ملخصه: وهاتان الآيتان نزلتا في شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت.. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين.. وقد قالت أسماء بنت أبى بكر الصديق، للنبي ﷺ وقد قدمت عليها خالتها وقيل: أمها من الرضاعة: يا رسول الله، إن أمى قدمت على وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم» وراغبة قيل معناه: عن الإسلام، أو راغبة في الصلة «١» .
ثم ذكر- سبحانه- بقية الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أَوْ فِي السَّماواتِ، أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ..
والضمير في قوله: إِنَّها يعود إلى الفعلة التي يفعلها من خير أو شر. وتَكُ مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: «يأت بها الله» والمثقال: أقل ما يوزن به الشيء. والخردل: في غاية الصغر والدقة.
والمعنى: يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة، سواء أكان في نهاية القلة والصغر، كمثال حبة من خردل، أم كان هذا الشيء القليل مخبوءا في صخرة من الصخور الملقاة في فجاج الأرض، أم كان في السموات أم في الأرض، فإن الله- تعالى- يعلمه ويحضره ويجازى عليه إِنَّ اللَّهَ- تعالى- لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها.
فالمقصود من الآية الكريمة، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله- تعالى: لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء في هذا الكون، مهما دق وقل وتخفى في أعماق الأرض أو السماء.
стр. 4789
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «١» .
ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى، فقال: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ أى: واظب على أدائها في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين.
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله.
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هي في الجنة فقط.
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعود إلى الطاعات المذكورة قبله.
وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها. أو المراد بها ما أوجبه الله- تعالى- على الإنسان.
قال صاحب الكشاف: إِنَّ ذلِكَ مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام.. ومنه الحديث: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه» ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده، عزمت عليك إلا فعلت كذا. فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة في تركه.
وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها «٢» .
ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالي على الناس فقال: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ...
والصعر في الأصل: مرض يصيب البعير فيجعله معوج العنق، والمراد به هنا، التكبر واحتقار الناس، ومنه قول الشاعر:
وكنا إذا الجبّار صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
أى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون، بل كن هينا لينا متواضعا، كما هو شأن العقلاء..
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أى: ولا تمش في الأرض مشية المختالين المعجبين
стр. 4790
بأنفسهم. ومَرَحاً مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. أى: تمرح مرحا. والجملة في موضع الحال. أو مفعول لأجله. أى: من أجل المرح.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ تعليل للنهى. والمختال: المتكبر الذي يختال في مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء. أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه.
والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهه أو منصبه.. يقال فخر فلان- كمنع- فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس، على سبيل التطاول عليهم، والتنقيص من شأنهم.
أى: إن الله- تعالى- لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه.
ثم أمر بالقصد والاعتدال في كل أموره فقال: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أى وكن معتدلا في مشيك، بحيث لا تبطئ ولا تسرع. من القصد وهو التوسط في الأمور.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته.
وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه، فنهى المؤمنون عن ذلك، ومدح- سبحانه- الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول الله ﷺ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
وقوله- تعالى- إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ تعليل للأمر بخفض الصوت، وللنهى عن رفعه بدون موجب.
أى: إن أقبح الأصوات وأبشعها لهو صوت الحمير، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده، حيث شبه- سبحانه- الرافعين لأصواتهم في غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التي هي مثار السخرية مع النفور منها.
وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة، فقد أمره- أولا- بإخلاص العبادة لله- تعالى- ثم غرس في قلبه الخوف من الله- ، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك.
وبتنفيذ هذه الوصايا، يسعد الأفراد، وترقى المجتمعات.
стр. 4791
ثم ذكر- سبحانه- بعض النعم التي أنعم بها على الناس، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل، وإلى مخالفة الشيطان، فقال- تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)
والخطاب في قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.. لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق.
وسخر: من التسخير، بمعنى التذليل والتكليف، يقال: سخر فلان فلانا تسخيرا، إذا كلفه عملا بلا أجرة، والمراد به هنا: الإعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به.
والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده. أى: لقد رأيتم- أيها الناس- وشاهدتم أن الله- تعالى- سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما في السموات من شمس وقمر ونجوم.. وما في الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال.. وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله- تعالى- على هذا التسخير، وأخلصوا له العبادة والطاعة.
وقوله- تعالى-: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً معطوف على ما قبله.
وقوله: وَأَسْبَغَ بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه: وهي ما ينتفع به الإنسان ويستلذه من الحلال.
والنعمة الظاهرة: هي النعمة المشاهدة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال، والجاه، وما يشبه ذلك مما يراه الإنسان ويشاهده.
والنعمة الباطنة: هي النعمة الخفية التي يجد الإنسان أثرها في نفسه دون أن يراها. كنعمة الإيمان بالله- تعالى- وإسلام الوجه له- ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق، والبعد عن رذائلها وسفسافها.
стр. 4792
وفي تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها «١» .
ثم بين- سبحانه- ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلا هُدىً، وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ.
وقوله: يُجادِلُ من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة.
مأخوذ من جدلت الحبل، إذا أحكمت فتله، فكأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه، ويضعف رأى صاحبه.
والمراد من المجادلة في الله: المجادلة في ذاته وصفاته وتشريعاته..
وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من الفاعل في يُجادِلُ، وهي حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد. أى: ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد، لأنهم يجادلون وينازعون في ذات الله، وفي صفاته، وفي وحيه، وفي تشريعاته.. بغير مستند من علم عقلي أو نقلي، وبغير «هدى» يهديه ويرشده إلى الحق، وبغير كِتابٍ مُنِيرٍ أى: وبغير وحى ينير عقله وقلبه، ويوضح له سبيل الرشاد.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل، من أى مستند يستند إليه في جداله، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات.
ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المجادلين بالباطل، لم يكتفوا بذلك، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى، فقال وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ ... أى: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله- تعالى- على نبيه ﷺ من قرآن كريم، ومن وحى حكيم.
قالُوا على سبيل العناد والتقليد الأعمى بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام والأوثان، والسير على طريقتهم التي كانوا يسيرون عليها.
وقوله- سبحانه-: أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد في العقيدة على مجرد تقليد الآباء.
والهمزة للاستفهام الإنكارى، والواو للحال. أى: أيتبعون ما كان عليه آباؤهم، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذي يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير.
قال الآلوسى: وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر. وأما اتباع الغير
стр. 4793
في الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق، فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله- تعالى- وليس من التقليد المذموم في شيء، وقد قال- سبحانه-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «١» .
ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا يحسنون التدبر في أنفسهم، أو فيما حولهم، فقال تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٢ الى ٢٦]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)
وقوله- تعالى-: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أى: ومن يتجه إلى الله- تعالى- ويذعن لأمره، ويخلص له العبادة، وهو محسن في أقواله وأفعاله.
من يفعل ذلك فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى والعروة في أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه، أى من الجهة التي يجب تعليقه منها. وتجمع على عرا.
والعروة من الدلو مقبضه، ومن الثوب: مدخل زره.
والوثقى: تأنيث الأوثق، وهو الشيء المحكم الموثق. يقال: وثق- بالضم- وثاقه، أى: قوى وثبت فهو وثيق، أى: ثابت محكم.
والمعنى: ومن يستسلم لأمر الله- تعالى- ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن، فقد
стр. 4794
ثبت أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وأمسك من الدين بأقوى سبب، وأحكم رباط.
فقد شبه- سبحانه- المتوكل عليه في جميع أموره، المحسن في أفعاله، بمن ترقى في حبل شاهق، وتدلى منه، فاستمسك بأوثق عروة، من حبل متين مأمون انقطاعه.
وخص- سبحانه- الوجه بالذكر، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم الأعضاء، فغيره أكثر خضوعا.
وقوله: وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أى: وإلى الله- تعالى- وحده تصير الأمور، وترجع إليه، وتخضع لحكمه وإرادته.
وقوله- تعالى-: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... تسلية للرسول ﷺ ، عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.
أى: ومن استمر- أيها الرسول- على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدى من يشاء.
وقوله- سبحانه-: إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ... بيان لسوء مصيرهم.
أى: إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين، فنخبرهم بما عملوه في الدنيا من أعمال سيئة، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب.
إِنَّ اللَّهَ- تعالى- عَلِيمٌ علما تاما بِذاتِ الصُّدُورِ أى: بمكنونات الصدور وخفاياها..
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا في هذه الحياة الدنيا. أى نمتعهم تمتيعا قليلا في دنياهم، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج.
ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ أى نعطيهم في حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة ... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع، لضخامة ثقله، وشدة وقعه.
والمراد بالاضطرار: الإلجاء والقسر والإلزام، أى: أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذي أعد لهم.
ووصف- سبحانه- العذاب بالغلظ، لزيادة تهويله وشدته. فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التي تهوى على رأس الإنسان، فتشل حركته وتهلكه.
ثم بين- سبحانه- ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال:
стр. 4795
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أيها الرسول الكريم- مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأوجدهما على هذا النظام البديع.. لَيَقُولُنَّ في الجواب اللَّهُ أى: الله- تعالى- هو الذي خلقهما، وهو الذي أوجدهما.
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قل- أيها الرسول الكريم- الحمد لله- تعالى- وحده، حيث اعترفتم بأن خالقهما هو الله، وما دام الأمر كذلك، فكيف أشركتم معه في العبادة غيره؟ إن قولكم هذا الذي تؤيده الفطرة، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال.
وقوله- سبحانه- بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم، أى: بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما، وإنما هم يقولون بألسنتهم، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم، وهذا شأن الجاهلين، الذين انطمست بصائرهم..
ثم بين- سبحانه- ما يدل على عظيم قدرته، وشمول ملكه فقال: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أى: لله- تعالى- وحده، ما في السموات وما في الأرض، خلقا، وملكا، وتصرفا..
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن كل ما سواه الْحَمِيدُ أى: المحمود من أهل الأرض والسماء، لأنه هو الخالق لكل شيء، والرازق لكل شيء.
ثم ساق- تعالى- بعد ذلك ما يدل على شمول علمه، ونفاذ قدرته، فقال- سبحانه-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)
قال ابن كثير: قال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال- تعالى- وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ...
وعن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا للنبي ﷺ أرأيت قولك: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال ﷺ : «كلا عنيت» فقالوا: ألست
стр. 4796
تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال ﷺ : «إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم» وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ «١» .
و «لو» شرطية، وجوابها «ما نفدت كلمات الله..» و «من» في قوله مِنْ شَجَرَةٍ للبيان، وفي الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق.
والمعنى: ولو أن ما في الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام، ولو أن البحر- أيضا- تحول إلى مداد لتلك الأقلام، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى. وكتبت بتلك الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله التي يحيط بها علمه- تعالى-..
لنفدت الأقلام، ولنفد ماء البحر، لتناهى كل ذلك، وما نفدت كلمات الله- تعالى- ولا معلوماته، لعدم تناهيها.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء، ولا يغلبه غالب حَكِيمٌ في كل أقواله وأفعاله.
فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله- تعالى- لا نهاية له، وأن مشيئته لا يقف أمامها شيء، وكلماته لا أول لها ولا آخر.
وقال- سبحانه- مِنْ شَجَرَةٍ بالإفراد، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام.
وجمع- سبحانه- الأقلام، للتكثير، أى: أقلام كثيرة يصعب عدها.
والمراد بالبحر: البحر المحيط بالأرض، لأنه المتبادر من التعريف، إذ هو الفرد الكامل.
وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله.
قال صاحب الكشاف فإن قلت: مقتضى الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام، والبحر مداد؟ قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله يَمُدُّهُ لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع.
فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل: كلم الله؟.
قلت: معناه أن كلماته لا تفي بكتابتها البحار فكيف بكلمة؟ «٢» .
стр. 4797
وقال الآلوسى: والمراد بكلماته- تعالى- كلمات علمه- سبحانه- وحكمته. وقيل:
المراد بها: مقدوراته وعجائب خلقه، والتي إذا أراد- سبحانه- شيئا منها قال له: كُنْ فَيَكُونُ «١» .
ثم أتبع- سبحانه- ذلك بيان نفاذ قدرته فقال: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.... أى: ما خلقكم- أيها الناس- جميعا، ولا بعثكم يوم القيامة، إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها، لأن قدرته- يتساوى معها القليل والكثير، والصغير والكبير، قال- تعالى- إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقال- سبحانه-: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.
إِنَّ اللَّهَ- تعالى-: سَمِيعٌ لكل شيء بَصِيرٌ بأحوال خلقه لا يخفى عليه شيء منهم.
ثم ذكر- سبحانه- الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم، لكي يخلصوا له العبادة والطاعة، فقال- تعالى-:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)
стр. 4798
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ... للتقرير.
والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ، ويخلص العبادة لله- تعالى-.
وقوله يُولِجُ من الإيلاج بمعنى الإدخال. يقال: ولج فلان منزله، إذا دخله ...
ثم استعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه، بحسب المطالع.
أى: لقد رأيت وشاهدت- أيها العاقل- أن الله- تعالى-، يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر، على حسب مشيئته وحكمته..
وأنه- سبحانه- سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.. أى: ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار، بنظام بديع لا يتخلف.
وقوله: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى كل من الشمس والقمر يجريان في مدارهما بنظام ثابت محكم، إلى الوقت الذي حدده- سبحانه- لنهاية سيرهما، وهو يوم القيامة. قال ابن كثير: قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قيل: إلى غاية محدودة.
وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح. ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر الذي في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر، أتدرى أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت» «١» .
وقال الجمل: قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قاله هنا بلفظ إِلى، وفي سورتي فاطر والزمر، بلفظ «لأجل» ، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق، وهما قوله: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ ... الآية. وقوله اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً..
الآية، فناسب هنا ذكر إلى الدالة على الانتهاء، وما في فاطر والزمر خال عن ذلك. إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه، وما في الزمر ذكر مع ابتدائه، فناسب ذكر اللام، والمعنى يجرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى «٢» .
وجملة وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ معطوفة على قوله: أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ.. أى: لقد علمت أن الله- تعالى- قد فعل ذلك، وأنه- سبحانه- خبير ومطلع على كل عمل تعملونه- أيها الناس- دون أن يخفى عليه شيء منها.
стр. 4799
واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ.. يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل في النهار، وتسخير الشمس والقمر. وهو مبتدأ. وقوله بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ خبره.
والباء للسببية. أى: ذلك الذي فعلناه سببه، أن الله- تعالى- هو الإله الحق، الذي لا إله سواه، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو الْباطِلُ الذي لا يصح أن يسمى بهذا الاسم، لأنه مخلوق زائل متغير، لا يضر ولا ينفع.
ثم ذكر- سبحانه- الناس بنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ ...
أى: ولقد علمت- أيضا- وشاهدت- أيها العاقل- حال السفن، وهي تجرى في البحر، بمشيئة الله وقدرته، وبلطفه ورحمته وإحسانه. ليطلعكم على بعض آياته الدالة على باهر قدرته، وسمو حكمته وسابغ نعمته.
إِنَّ فِي ذلِكَ الذي شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها لَآياتٍ واضحات على قدرة الله- تعالى- ورحمته لعباده لِكُلِّ صَبَّارٍ أى: لكل إنسان كثير الصبر شَكُورٍ. أى: كثير الشكر لله- تعالى- على نعمه ورحمته.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أحوال الناس عند ما تحيط بهم المصائب وهم في وسط البحر فقال: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
وقوله غَشِيَهُمْ من الغشاء بمعنى: الغطاء. فيقال: غشى الظلام المكان، إذا حل به وأصل «الموج» الحركة والازدحام. ومنه قولهم: ماج البحر إذا اضطرب وارتفع ماؤه.
والظلل: جمع ظلة- كغرفة وغرف-، وهي ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما.
أى: وإذا ما ركب الناس في السفن، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب، وأوشكت أن تعلوهم وتغطيهم ... في تلك الحالة لجئوا إلى الله- تعالى- وحده، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء..
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ- سبحانه- بفضله وإحسانه، وأوصلهم إِلَى الْبَرِّ انقسموا إلى قسمين، أما القسم الأول، فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ أى:
فمنهم من هو مقتصد، أى: متوسط في عبادته وطاعته، يعيش حياته بين الخوف والرجاء.
قال ابن كثير: قال ابن زيد: هو المتوسط في العمل، ثم قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله- تعالى-: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ فالمقتصد هاهنا هو المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون مرادا هنا- أيضا- ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك
стр. 4800
الأهوال، والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا، والحالة هذه «١» .
وأما القسم الثاني فقد عبر عنه- سبحانه- بقوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ.
والختار: من الختر، وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة. يقال: فلان خاتر وختار وختير، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده، ومنه قول الشاعر:
وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر
والكفور: هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله- تعالى-.
أى: وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا، إلا من كان كثير النقض لعهودنا، شديد النكران لنعمنا.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعداد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله- تعالى- في كل أحوالهم، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء منها. فقال:
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
والمعنى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بأن تطيعوه ولا تعصوه، وبأن تشكروه ولا تكفروه، واخشوا يوما، أى: وخافوا أهوال يوم عظيم.