سوق الخيل وأعناقها بالسيف لأنها شغلته عن صلاة العصر.
قال الجمل: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أى: جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين «١» .
ولم يرتض الإمام الرازي- ﵀ هذا التفسير الذي عليه أكثر المفسرين، وإنما ارتضى أن الضمير في تَوارَتْ يعود إلى الصافنات الجياد وأن المقصود بقوله- تعالى-:
فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ الإعجاب بها والمسح عليها بيده حبّا لها..
فقد قال ما ملخصه: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم، كما أنه كذلك في دين الإسلام، ثم إن سليمان- ﵇ احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. ثم إنه- ﵇ أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أى: غابت عن بصره.
ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها.
والغرض من ذلك: التشريف لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو ... وإظهار أنه خبير بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.. «٢» .
وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة.. قد جمعت أفانين من القول لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل. ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها..
وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير، من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس أو تلك الصافنات بحجابها.
ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعناقها بيده، برابها، وإكراما لها، هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل الخيل، وتعطيل الصلاة.. «٣» .
стр. 5182
والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان- ﵇ شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر، وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها.. لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم..
وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازي والإمام ابن حزم، وما سبق أن ذكرناه من أن المقصود بقوله- تعالى-: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ إنما هو تكريمها..
وأن الضمير في قوله: حَتَّى تَوارَتْ يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور.
ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان- ﵇ فقال- تعالى-:
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ...
وقوله: فَتَنَّا من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: اختبرته لتعلم جودته..
قال الآلوسى: وأظهر ما قيل في فتنة سليمان- ﵇ أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله- تعالى- ولم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل.
وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا، وفيه: «فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا» .
ولكن الذي في صحيح البخاري أربعين بدل سبعين. وأن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل- أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان..
والمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولدته له. ومعنى إلقائه على كرسيه: وضع القابلة له عليه ليراه «١» .
وقد ذكروا أن سليمان: إنما قال: «تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله» على سبيل التمني للخير، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة في سبيل الله.
ومعنى «فلم يقل» أى: بلسانه على سبيل النسيان، والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان- ﵇ لسمو منزلته اعتبر ذلك ذنبا يستحق الاستغفار منه، فقال بعد ذلك «رب اغفر لي ... » .
стр. 5183
وقوله: «لأطوفن الليلة ... » كناية عن الجماع. قالوا: ولعل المقصود. طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال.
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هي تركه تعليق ما طلبه على مشيئة الله، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه.
وهذا الرأى في تقديرنا هو الرأى الصواب في تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث صحيح ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم، فإن النسيان الذي لا يترتب عليه ترك شيء من التكاليف التي كلفهم الله- تعالى- بها جائز عليهم.
وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله- تعالى-: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله ﷺ لأنه نسى أن يقول- عند ما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله، وقال سأجيبكم على ما سألتمونى عنه غدا. «١» .
ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التي اختبر الله- تعالى- بها سيدنا سليمان- ﵇، بتركه المشيئة، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق: وجائز أن تكون هذه الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال.
ثم قال: وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان- ﵇ في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان، كما يبتلى الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم. ويبعد خطاهم عن الزلل، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع. وطلب المغفرة، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء.. «٢» .
ونرى أنه رأى لا بأس به، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده في استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح.
هذا. وهناك أقوال أخرى ذكروها في المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان، وهي أقوال ساقطة، تتنافى مع عصمة الأنبياء- ﵈.
ومن هذه الأقوال قول بعضهم: إن الجسد الذي ألقى على كرسي سليمان، عبارة عن شيطان تمثل له في صورة إنسان، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذي كان يصرف به ملكه. وقعد
стр. 5184
ذلك الشيطان على كرسي سليمان، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه.
وقول بعضهم: إن سبب فتنة سليمان- ﵇ هو سجود إحدى زوجاته لتمثال أبيها الذي قتله سليمان في إحدى الحروب، وقد بقيت على هذه الحال هي وجواريها أربعين ليلة، دون أن تعلم سليمان بذلك.
وقول بعضهم: إن سبب فتنة سليمان أنه ولد له ولد فخاف عليه من الشياطين، فأمر السحاب بحفظه وتغذيته. ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرسي سليمان، فاستغفر سليمان ربه لأنه لم يعتمد عليه في حفظ ابنه. إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة، التي تتنافى مع عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. وتتنافى- أيضا- مع كل عقل سليم، ولا مستند لها إلا النقل عن الإسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطان «١» .
قال أبو حيان- ﵀: نقل المفسرون في هذه الفتنة وفي إلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وهي إما من أوضاع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله- تعالى- الفتنة ما هي، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان.
وأقرب ما قيل فيه، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال فيه: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.. والجسد الملقى هو المولود شق رجل.. «٢» .
وقوله- سبحانه-: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ...
بيان لما قاله سليمان- ﵇ بعد الابتلاء والاختبار من الله- تعالى- له.
أى: قال سليمان- ﵇ يا رب اغفر لي ما فرط منى من ذنوب وزلات..
وَهَبْ لِي مُلْكاً عظيما لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أى: لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدي إِنَّكَ أَنْتَ يا إلهى الْوَهَّابُ أى: الكثير العطاء لمن تريد عطاءه.
وقدم سليمان- ﵇ طلب المغفرة على طلب الملك، للإشارة إلى أنها هي الأهم عنده.
قال الإمام الرازي- ﵀: دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم بعدها طلب المملكة، وأيضا الآية تدل على أن
стр. 5185
طلب المغفرة من الله- تعالى- سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا، ثم توسل به إلى طلب المملكة «١» .
ولا يقال كيف طلب سليمان- ﵇ الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم لأن سليمان- ﵇ ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله في الأرض، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها، ونشر العدالة بين الناس، وإنصاف المظلوم، وإعانة المحتاج. وتنفيذ شرع الله- تعالى- على الوجه الأكمل.
فهو- ﵇ لم يطلب الملك للظلم أو البغي.. وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة الله- تعالى- في الأرض.
ولقد وضح الإمام القرطبي هذا المعنى فقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله- تعالى- ... ؟
فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله- تعالى- وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده. والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته ... وحوشي سليمان- ﵇ أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا. لأنه هو والأنبياء، أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله. كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك.
ومعنى قوله لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أى: أن يسأله. فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة.. «٢» .
والفاء في قوله- تعالى-: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.
والتسخير: التذليل والانقياد. أى: دعانا- سليمان- ﵇ والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فاستجبنا له دعاءه. وذللنا له الريح، وجعلناها منقادة لأمره بحيث تجرى بإذنه رخية لينة، إلى حيث يريدها أن تجرى.
وقوله: تَجْرِي حال من الريح. وقوله بِأَمْرِهِ من إضافة المصدر لفاعله. أى:
بأمره إياها. ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله- تعالى- في آية أخرى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ... «٣» لأن المقصود من الآيتين بيان أن
стр. 5186
الريح تجرى بأمر سليمان، فهي تارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة، وفي كلتا الحالتين هي تسير بأمره ورغبته.
وقوله: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ معطوف على الريح أي: سخرنا له الريح تجرى بأمره.. وسخرنا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته، فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التي يطلبها سليمان منهم. ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك من الكنوز التي اشتملت عليها البحار.
وقوله- سبحانه-: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ معطوف على كل بناء، داخل معه في حكم البدل من الشياطين.
أى: أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءون، وكان منهم الغواصون، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال، لتمردهم وكثرة شرورهم.
فمعنى «مقرنين» : مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد: جمع صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغلّ.
ثم بين- سبحانه- أنه أباح لسليمان- ﵇ أن يتصرف في هذا الملك الواسع كما يشاء فقال: هذا عَطاؤُنا أى: منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان- ﵇ وقلنا له: هذا عطاؤنا لك فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ أى: فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأنت غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع.
ثم بين- سبحانه- ما أعده لسليمان- ﵇ في الآخرة، فقال: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا أى في الآخرة لَزُلْفى لقربى وكرامة وَحُسْنَ مَآبٍ أى: وحسن مرجع إلينا يوم القيامة.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب- ﵇ فذكرت نداءه لربه، واستجابة الله- تعالى- له وما وهبه من نعم جزاء صبره، فقال- تعالى-:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
стр. 5187
قال الإمام الرازي: اعلم أن قصة أيوب هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار.
فكأن الله- تعالى- يقول لنبيه ﷺ : اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنظم لأحد، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره.. «١» .
وأيوب- ﵇ هو ابن أموص بن برزاح، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن ابراهيم- ﵉ وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف- ﵉.
وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد.. فابتلى في ماله وولده وجسده، وصبر على كل ذلك صبرا جميلا، فكافأه الله- تعالى- على صبره، بأن أجاب دعاءه، وآتاه أهله ومثلهم معهم..
وقوله- سبحانه-: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ... معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ....
و «النّصب» - بضم فسكون- وقرأ حفص ونافع- بضم النون والصاد: - التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب: الآلام الشديدة التي يحس بها الإنسان في بدنه. أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- حال أخيك أيوب- ﵇ حين دعا ربه- تعالى- فقال: يا رب أنت تعلم أنى مسنى الشيطان بالهموم الشديدة، وبالآلام المبرحة التي حلت بجسدي فجعلتني في نهاية التعب والمرض.
وجمع- سبحانه- في بيان ما أصابه بين لفظي النصب والعذاب، للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التي كانت بين يديه، وهو
стр. 5188
ما يشير إليه لفظ «النصب» والألم الكثير الذي حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام، والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ «العذاب» ..
ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه- حيث أبى أن ينسب الشر إليه- سبحانه-، وإن كان الكل من خلق الله- تعالى-.
وفي هذا النداء من أيوب لربه، أسمى ألوان الأدب والإجلال، إذ اكتفى في تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه- شيئا معينا، أو يطلب شيئا معينا.
قال صاحب الكشاف: ألطف أيوب- ﵇ في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة.. ولم يصرح بالمطلوب.
ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان- أي فئران- بيتي على العصا!! فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا «١» ..
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في سورة الأنبياء: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا في غاية السقوط والفساد، حيث ذكروا أن أيوب- ﵇ مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من جسده، وأن لحمه قد تمزق «٢» .
وهذه كلها أقوال باطلة، لأن الله- تعالى- عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة، التي تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية..
والذي يجب اعتقاده أن الله- تعالى- قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في الصبر، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله- تعالى- عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه.
وقوله- سبحانه-: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله نادى.
стр. 5189
وقوله: ارْكُضْ بمعنى الدفع والتحريك للشيء. يقال: ركض فلان الدابة برجله إذا دفعها وحركها بها.
والمغتسل: اسم للمكان الذي يغتسل فيه، والمراد به هنا: الماء الذي يغتسل به.
وقوله: هذا مُغْتَسَلٌ مقول لقول محذوف.
والمعنى: لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه، والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناه الى الدواء، بأن قلنا له:
«اركض برجلك» أى: اضرب بها الأرض، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء، فقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه، برئت من الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء.
ثم بين- سبحانه- أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال- تعالى-: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.
والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى: استجاب أيوب لتوجيهنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء، وعاد أيوب معافى، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله. ووهبنا له مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أى: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا.
وذلك كله رَحْمَةً مِنَّا أى من أجل رحمتنا به وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أى: ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجئوا إلى الله- تعالى- كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ الجمهور على أنه- تعالى- أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع له من تشتت منهم، وقيل- وإليه أميل- وهبه من كان حيا منهم، وعافاه من الأسقام، وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى، ومثلهم معهم، فكان له ضعف ما كان، والظاهر أن هذه الهبة كانت في الدنيا «١» .
ثم بين- سبحانه- منة أخرى من المنن التي من بها على عبده أيوب فقال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
стр. 5190
والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك: ارْكُضْ أو على وَهَبْنا بتقدير:
وقلنا له.
والضغث في اللغة: القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس. وقيل: هي قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد.
والحنث: يطلق على الإثم وعلى الخلف في اليمين.
والآية الكريمة تفيد أن أيوب- ﵇ قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه في يمينه، أى: إلى عدم وفائه فيما حلف عليه، فنهاه الله- تعالى- عن الحنث في يمينه، وأوجد له المخرج الذي يترتب عليه البر في يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه.
وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب، روايات لعل أقربها إلى الصواب، أن أيوب أرسل امرأته في حاجة له فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برىء من مرضه ليضربنها مائة ضربة، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة- وهي المعبر عنها بالضغث- وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التي كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام. والمعنى: وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة، وبذلك تكون غير حانث في يمينك.
هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة. أهي خاصة بأيوب، أم هي عامة للناس؟.
فقال بعضهم: إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة، أو أن يضربه ضربا غير شديد، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذي جاء في الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا.
وقال آخرون: هذه الرخصة خاصة بأيوب- ﵇ ولا تنسحب إلى غيره، لأن الخطاب إليه وحده. ولأن الله- تعالى- لم يبين لنا في الآية كيفية اليمين، ولا من يقع عليه الضرب «١» .
ثم بين- سبحانه- أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما يرضيه- تعالى- فقال: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
стр. 5191
أى: إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء، ونعم العبد هو. إنه كثير الرجوع إلينا في كل أحواله.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب- ﵇ ومن النعم التي أنعم الله- تعالى- بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه.
وبعد أن عرض- سبحانه- قصص داود وسليمان وأيوب بشيء من التفصيل. أتبع ذلك بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمال، فقال- تعالى-:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٨]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)
أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- حال عبادنا إبراهيم وإسحاق، ويعقوب. أصحاب القوة في الطاعة، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية في أمور الدين.
فالأيدى مجاز مرسل عن القوة، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على سبيل المجاز- أيضا- ويصح أن يكون المراد بقوله: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ أى: أصحاب الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة، فيكون ذكر الأيدى من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، والأبصار بمعنى البصائر، لأن عن طريقها تكون العلوم النافعة.
قال صاحب الكشاف: قوله: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ يريد: أولى الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات، ولا يستبصرون، كأن هؤلاء في حكم الزمنى- أى المرضى- الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم. والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل، مع كونهم متمكنين منهما «١» ..
стр. 5192
ثم بين- سبحانه- أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة، فقال- تعالى-: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ....
ومعنى: أَخْلَصْناهُمْ خالصين لطاعتنا وعبادتنا. والباء في قوله بِخالِصَةٍ للسببية. وخالصة اسم فاعل. والتنوين فيها للتفخيم، وهي صفة لمحذوف.
وذِكْرَى الدَّارِ بيان لها بعد إبهامها للتفخيم. أو محلها النصب بإضمار أعنى.. أو الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى: هي.
وذِكْرى مصدر مضاف لمفعوله، وتعريف الدار للعهد. أى: الدار الآخرة.
والمعنى: إنا جعلنا هؤلاء العباد- وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب- خالصين لطاعتنا وعبادتنا، متبعين لأوامرنا ونواهينا، لا تصافهم بخصلة خالصة من كل ما لا يرضينا، وهي تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب.
وقرأ نافع بِخالِصَةٍ بدون تنوين على الإضافة لذكرى. من إضافة الصفة إلى الموصوف. أو المصدر لفاعله إن جعلت خالصة مصدرا كالعاقبة.
أى: أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار.
ثم أثنى عليهم- سبحانه- بثناء آخر فقال: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ.
أى: وإن هؤلاء العباد، لهم عندنا ممن اصطفيناهم لحمل رسالتنا، واخترناهم لتبليغ دعوتنا. ومن العباد الأخيار. أى: الذين يفضلون على غيرهم في المناقب الحميدة، والصفات الكريمة. جمع خير- بإسكان الياء- أفعل تفضيل.
ثم أثنى- سبحانه- على عدد آخر من عباده الصالحين فقال: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ.
وإسماعيل هو ابن إبراهيم- ﵉، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه ومع أخيه إسحاق، ومع ابن أخيه يعقوب، اعتناء بشأنه، وللإشارة إلى عراقته في الصبر وفي تحمل الشدائد.
واليسع: هو ابن شافاط أو أخطوب: قيل استخلفه إلياس من بعده على بنى إسرائيل، ثم منحه الله- تعالى- النبوة. وكانت وفاته في حوالى سنة ٨٤٠ ق. م ودفن بالسامرة.
وذا الكفل: هو ابن أيوب. بعثه الله- تعالى- بعد أبيه، وكان مقيما بالشام. والأكثرون على أنه نبي لذكره معهم.
стр. 5193
وقيل هو رجل صالح من بنى إسرائيل. ولم يكن نبيا، وسمى بذلك لأنه تكفل لأحد أنبيائهم بالقيام بالطاعات فوفى بذلك.
والتنوين في قوله- تعالى-: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ عوض عن المضاف إليه. أى:
وكل هؤلاء العباد الذين ذكرناهم، من أهل الخير والفضل والصلاح والصبر على الأذى.
ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين الصادقين، وعاقبة الكافرين الجاحدين، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات.. فقال- تعالى-:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٩ الى ٦٤]
هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣)
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨)
هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣)
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
стр. 5194
قال الآلوسى: «هذا» إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم «ذكر» أى:
شرف لهم ... والمراد أن في ذكر قصصهم ... شرف عظيم لهم.
أو المعنى: هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر، كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر.
ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا، وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيرا، وعليه هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ.. «١» .
وقوله- تعالى-: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ بيان لما أعده لهم- سبحانه- في الآخرة من عطاء جزيل، وثواب عظيم.
والمآب: اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع، والمراد بالمتقين: كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله- تعالى- وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم الله- تعالى- واختارهم لتبليغ رسالته. أى: وإن للمتقين في الآخرة لمنزل كريم يرجعون إليه في الآخرة.
فيجدون فيه ما لا عين رأت. ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: هذا ذِكْرٌ يعود إلى ما ذكره- سبحانه- في الآيات السابقة، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم. والذكر: الشرف والفضل.
أى: هذا الذي ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم فصل- سبحانه- ما أعده لهم في الآخرة من تكريم فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ.
والعدن في اللغة: الإقامة الدائمة في المكان. يقال: عدن فلان بمكان كذا، إذا أقام به إقامة دائمة. وجنات: بدل اشتمال من قوله: لَحُسْنَ مَآبٍ.
أى: هؤلاء المتقون أكرمناهم في الدنيا بالذكر الحسن. ونكرمهم في الآخرة بأن ندخلهم جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم. والحفاوة بمقدمهم.
стр. 5195
مُتَّكِئِينَ فِيها.. أى: في تلك الجنات. وانتصب لفظ «متكئين» على الحال من ضمير «لهم» والعامل فيه قوله مُفَتَّحَةً.
وقوله: يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ استئناف لبيان حالهم في الجنات، أو حال- أيضا- من ضمير «لهم» .
أى: أن المتقين لهم جنات عظيمة. فاتحة لهم أبوابها على سبيل التكريم ويجلسون فيها جلسة الآمن المطمئن المنعم، حيث يتكئون ويستندون على الأرائك، ويطلبون أنواعا كثيرة من الفاكهة اللذيذة، ومن الشراب الطيب، فيلبي طلبهم في الحال.
ثم يضاف إلى هذه الفاكهة والشراب، ما بينه- سبحانه- في قوله: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ. أى: وعندهم فضلا عن كل ما تقدم نساء ذوات حياء، قد قصرن أعينهن على أرواحهن فلا يتطلعن إلى غيرهم. لشدة محبتهن لهم. وهن متساويات في السن والجمال والأخلاق الكريمة.
فمعنى أتراب: أنهن متساويات في السن والجمال والشباب. مأخوذ من التراب. لأن التراب يمسهن في وقت واحد لاتحاد مولدهن: أو من الترائب وهي عظام الصدر المتماثلة.
ثم بين- سبحانه- أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح في الدنيا فقال: هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ.
واللام في قوله لِيَوْمِ للتعليل. أى: هذا الذي ذكرناه لكم من نعيم الجنات. هو جزاء إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب.
ثم ختم- سبحانه- جزاءهم ببيان أنه جزاء خالد لا ينقطع ولا ينقص فقال: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ.
أى: إن هذا الذي ذكرناه لكم- أيها المتقون- من الجنات وما اشتملت عليه من نعيم، هو رزقنا الدائم لكم. وليس له من نفاذ أو انقطاع أو انتقاص. يقال نفد الشيء نفادا ونفدا، إذا فنى وهلك وذهب.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ «١» . أى غير مقطوع.
وبعد هذا الحديث الذي يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن عاقبتهم. جاء الحديث عن
стр. 5196
الكافرين وسوء مصيرهم- كما هي عادة القرآن الكريم في قرن الترغيب بالترهيب فقال- تعالى-: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ.
واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف. أى الأمر هذا، أو مبتدأ محذوف الخبر أى: هذا للمؤمنين.
وجملة «وإن للطاغين لشر مآب» معطوفة على جملة «هذا» على التقديرين.
أى: الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- بالنسبة للمتقين، أما الطاغون الذين تجاوزوا الحدود في الكفر والجحود والإعراض عن الحق، فإن مرجعهم إلينا سيكون شر مرجع، بسبب إصرارهم على كفرهم.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ أى: إذا كان المتقون يدخلون الجنات التي فتحت لهم أبوابها، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بسعيرها ولهيبها فيلقون فيها ويفترشون نارها، وبئست هي فراشا ومهادا.
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ واسم الإشارة هنا مرفوع على الابتداء، وخبره قوله حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وما بينهما اعتراض.
والحميم: الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة. والغساق: صديد يسيل من أجساد أهل النار.
مأخوذ من قولهم غسق الجرح- كضرب وسمع- غسقانا إذا سال منه الصديد وما يشبهه. أى: هذا هو عذابنا الذي أعددناه لهم، يتمثل في ماء بلغ الغاية في الحرارة، وفي قيح وصديد يسيلان من أجسادهم، فليذوقوا كل ذلك جزاء كفرهم وجحودهم.
وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ أى: ليس عذابهم مقصورا على الحميم والغساق بل لهم أنواع أخرى من العذاب، تشبه في شكلها وفي فظاعتها وفي شدتها، الحميم والغساق.
فقوله وَآخَرُ مبتدأ، وقوله مِنْ شَكْلِهِ صفته، وقوله: أَزْواجٌ خبره.
والآية الكريمة معطوفة على الآية التي قبلها.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل الندم والتحسر والتقريع. فقال: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ، لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ.
والفوج: الجمع الكثير من الناس، والاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها. يقال:
قحم فلان نفسه في الأمر، إذا رمى نفسه فيه من غير روية.
أى: قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم يلقى في النار معهم، أو قالت الملائكة لهم على سبيل التقريع والتأنيب: هذا فَوْجٌ أى جمع كثير من أتباعكم وإخوانكم في
стр. 5197
الضلال. مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ أى داخل معكم النار وعلى غير اختيار منه. وإنما يساق إليها سوقا في ذلة ومهانة.
وهنا يقول زعماء الكفر: لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أى: لا مرحبا ولا أهلا بهؤلاء الداخلين في النار معنا، لأنهم سيصلون سعيرها مثلنا، ولن يستطيعوا أن يدفعوا شيئا من حرها عنا ...
فقوله مَرْحَباً مفعول به لفعل محذوف وجوبا، والتقدير: أتوا معنا لا مرحبا بهم.
والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب أى: لا أتوا مكانا رحبا بل ضيقا، وهنا يحكى القرآن رد الفوج المقتحم للنار معهم فيقول: قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ ...
أى: قال الداخلون في النار وهم الأتباع لرؤسائهم: بل أنتم الذين لا مرحبا بكم، وإنما الضيق والهلاك لكم.
أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أى: لا مرحبا بكم لأنكم أنتم أيها الزعماء الذين تسببتم لنا دخول النار معكم، إذ دعوتمونا في الدنيا إلى الكفر فاتبعناكم، فبئس القرار والمنزل لنا ولكم جهنم.
فالجملة الكريمة تعليل لأحقية الرؤساء بدخول النار، ويقولها الأتباع على سبيل التشفي منهم. ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ.
أى: يا ربنا من كان سببا في نزول هذا العذاب بنا، فزده عذابا مضاعفا في النار، لأننا لولا هؤلاء الرؤساء وإضلالهم لنا، لما صرنا إلى هذا المصير الأليم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- حكاية عنهم: وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما يقوله أئمة الكفر، عند ما يدورون بأعينهم في النار، فلا يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا فقال: وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ... أى: وقال رؤساء الكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون في النار ما لنا لا نرى معنا في جهنم رجالا من فقراء المؤمنين، كنا نعدهم في الدنيا من الأراذل الأخساء، لسوء حالهم، وقلة ذات يدهم.
قال القرطبي: قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد ﷺ يقول أبو جهل: أين
стр. 5198
بلال؟ أين صهيب؟ أين عمار؟ أولئك في الفردوس، وا عجبا لأبى جهل! مسكين أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه. وكفر هو. قال:
ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم «١»
ثم حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عند ما تلفتوا في النار، فلم يجدوا أحدا من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا، أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ.
أى: إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا، فقالوا فيما بينهم: ما بالنا لا نرى الرجال الذين كنا نسخر منهم في الدنيا، ألم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها ولكن أبصارنا لا تراهم وزاغت عنهم؟.
فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم في النار، وليس معهم من كانوا يسخرون منهم في الدنيا وهم فقراء المؤمنين.
قال صاحب الكشاف: قوله: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لقوله رِجالًا مثل قوله كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ. وقرئ بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم.
وقوله: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ له وجهان من الاتصال: أحدهما: أن يتصل بقوله:
ما لَنا. أى: ما لنا لا نراهم في النار؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنهم خفى عليهم مكانهم.
الوجه الثاني: أن يتصل بقوله: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا ... على معنى أى الفعلين فعلنا بهم: الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم والتحقير، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم ... » «٢» .
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ يعود إلى التخاصم الذي حكى عنهم.
وقوله: لَحَقٌّ خبر إن. وقوله: تَخاصُمُ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لاسم الإشارة، وفي الإبهام أولا والتبيين ثانيا مزيد تقرير له.
стр. 5199
أى: إن ذلك الذي قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- من تخاصم أهل النار فيما بينهم وتلاعنهم.. حق لا شك فيه، وثابت ثبوتا لا يختلف عليه عاقلان.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت بأبلغ بيان ما أعده الله- تعالى- للمتقين من ثواب، وما أعده للطاغين من عقاب.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بتلقين رسوله ﷺ الرد الذي يرد به على المشركين المعترضين على دعوته، وببيان موقف إبليس من أمر الله- تعالى- له بالسجود لآدم، وببيان ما أعده- سبحانه- لإبليس وجنده من عذاب. فقال- تعالى-:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٥ الى ٨٨]
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
стр. 5200
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتي الإنذار والتخويف لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتي.
واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر- أيضا- لأنه المناسب لردهم عن شركهم، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر، وأخرى بأنه كاهن.. إلخ.
وقوله- سبحانه-: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ نفى لكل شريك مع الله- تعالى- في ذاته، أو صفاته، أو في خلقه لهذا الكون. أى: ليس هناك من إله سوى الله- تعالى- في هذا الكون، وهو- سبحانه- الواحد الأحد، القاهر فوق عباده، الموجد للسموات والأرض وما بينهما، الغالب لكل شيء، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده.
فأنت ترى أنه- سبحانه- قد وصف ذاته في هاتين الآيتين بخمس صفات تليق بذاته وببيان أن الشرك به- سبحانه- في العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح.
ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ.
أى: قل- يا محمد- لهؤلاء المشركين: إن ما جئتكم به من عند ربي من قرآن كريم، ومن هدايات بها تسعدون في دنياكم وآخرتكم، هو خبر عظيم، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله.. ولكنكم قابلتموه بالإعراض والصدود، لفرط غفلتكم، وشدة جهالتكم، وتماديكم في كفركم.
فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكي يقلعوا عن شركهم، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم، وعكفوا على ما يضرهم.
ثم نفى ﷺ عن نفسه أن يكون عنده علم بشيء من أخبار الملأ الأعلى، إلا عن طريق الوحى فقال- كما حكى القرآن عنه: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ
стр. 5201
يَخْتَصِمُونَ
. والمراد بالملإ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
قال القرطبي: الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدى. اختصموا في أمر آدم حين خلق، فقالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ.. وقال إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
وفي هذا بيان أن محمدا ﷺ أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهى ... » «١» .
وقال ابن كثير: وقوله: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ أى: لولا الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى. يعنى في شأن آدم، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه..؟» «٢» . فالآية تنفى عن الرسول ﷺ علم شيء من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى.
وجملة «إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين» معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل الإجمال، ثم إيراده في الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل.
و «إن» نافية. ونائب فاعل «يوحى» ضمير تقديره هو يعود على المفهوم مما سبق.
وهو شأن الملأ الأعلى، و «أنما» بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل.
أى: ليس لي من علم بما يدور في الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى، وهذا الوحى لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله- تعالى- أنذركم بما يكلفني به إنذارا واضحا بينا.
ثم فصل- سبحانه- هذا التخاصم الذي أشار إليه- سبحانه- قبل ذلك في قوله:
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، فقال: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ.
و «إذ» في قوله إِذْ قالَ رَبُّكَ ... بدل من قوله إِذْ يَخْتَصِمُونَ، لاشتمال ما في حيزها على تفصيل تلك الخصومة. وقيل: هي منصوبة بتقدير اذكر.
قالوا: والمراد بالملائكة هنا، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم كان للجميع، وأنهم جميعا امتثلوا لأمر الله- تعالى- ما عدا إبليس.
стр. 5202
والمراد بالبشر: آدم- ﵇ مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه ظاهر البشرة، أى الجلد والهيئة. أى: لم يكن لي من علم بالملإ الأعلى وقت اختصامهم، حين قال الله- تعالى- للملائكة ومعهم إبليس: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ هو آدم- ﵇. فإذا صورته على صورة البشر، وأفضت عليه ما به الحياة من الروح التي هي من أمرى- ولا علم لأحد بها سواي، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم.
ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين، وبين وصفه في آيات أخرى بأنه خلق من تراب، أو من صلصال من حمأ مسنون، فإن المادة التي خلق منها آدم وإن كانت واحدة، إلا أنها مرت بمراحل متعددة، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة.
وأضاف- سبحانه- الروح إلى ذاته، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو- تعالى-، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ، مما استأثر- سبحانه- به، ولا سبيل لأحد إلى معرفته، كما قال- تعالى-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «١» .
والفاء في قوله: فَقَعُوا لَهُ ... جواب إذا. والمراد بالوقوع: السقوط أى:
فاسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمرى وإذنى، على سبيل التحية له، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير الله- تعالى-.
ثم بين- سبحانه- ما كان بعد ذلك فقال: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ.
أى: امتثل الملائكة لأمر الله- تعالى- فسجدوا جميعا لآدم في وقت واحد، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه، واستكبر عن طاعته، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر الله- تعالى-.
قال صاحب الكشاف: ولفظ «كل» للإحاطة و «أجمعون» : للاجتماع، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد، غير متفرقين في أوقات.
فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت: الذي لا يسوغ هو السجود لغير الله على
стр. 5203
وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل، فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله تعالى فيه مفسدة فينهى عنه «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما قاله لإبليس حين عصى أمره فقال: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ....
ومذهب السلف في مثل هذا التعبير، أن اليد- مفردة أو غير مفردة- إذا وصف الله تعالى بها ذاته، فهي ثابتة له، على الوجه الذي يليق بكماله، مع تنزهه- سبحانه- عن مشابهته للحوادث.
ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو النعمة. والتثنية في يدي، للتأكيد الدال على مزيد القدرة في خلقه. أى: قال الله- تعالى- لإبليس على سبيل التأنيب والتقريع: يا إبليس ما الذي منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي؟
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ. أى: أمنعك من السجود لآدم تكبرك من غير موجب لهذا التكبر، أم كنت ممن علا على غيره بدون حق؟ والاستفهام للتوبيخ والإنكار.
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أى: قال إبليس في الجواب على ربه- تعالى-: أنا خير من آدم.
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فهو- لعنه الله- يرى أن النار أفضل من الطين، ولا يصح سجود الفاضل للمفضول.
ولا شك أن هذا التعليل من إبليس في نهاية سوء الأدب، لأنه بعدم سجوده قد عصى رب العالمين، وفضلا عن ذلك فإن هذه العلة لا تقتضي صحة المدعى، لأن النار ليست خيرا من الطين حتى يكون المخلوق منها أفضل، إذ النار يطفئها الطين..
وقد رد- سبحانه- على هذا التطاول من إبليس بقوله: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ.
والفاء في قوله فَاخْرُجْ لترتيب الأمر بالطرد على ما حدث منه. والضمير في «منها» يعود إلى السماء، أو إلى الجنة، لأنه كان فيهما.
أى: قال- تعالى- لإبليس على سبيل الزجر: مادمت يا إبليس قد عصيت أمرى، فاخرج من الجنة ومن كل مكان فيه تكريم لك، فإنك رجيم، أى: مطرود من رحمتي. وإن عليك لعنتي وغضبى إلى يوم القيامة، فإذا ما جاء هذا اليوم ازدادت لعنتي عليك.
стр. 5204
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أى: فأمهلنى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أى: فأخرنى ولا تمتنى إلى يوم البعث، لأتمكن من إغواء ذرية آدم.
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أى: قال- سبحانه- قد أجبت لك ما تقتضيه حكمتى، وهو أنى سأؤخر إهلاكك إلى الوقت الذي حددته لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى، لا إلى وقت البعث الذي طلبه إبليس.
قالَ أى: إبليس فَبِعِزَّتِكَ أى: فبحق سلطانك وقهرك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أى: لأغوين بنى آدم جميعا بالمعاصي، ولأضلنهم ولأمنينهم إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فلا يتأثرون بإغوائى، لأنى لا قدرة لي عليهم.
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وقوله فَالْحَقُّ مبتدأ محذوف الخبر أى: فالحق قسمي لأملأن.. وقوله: وَالْحَقَّ أَقُولُ لفظ الحق منصوب هنا على أنه مفعول لأقول، قدم عليه لإفادة الحصر.
والجملة من الفاعل والمفعول معترضة بين القسم والمقسم عليه لتقرير مضمون الجملة القسمية. أى: قال الله- تعالى- في رده على إبليس: فالحق قسمي ويميني- ولا أقول إلا الحق- لأملأن جهنم من جنسك يا إبليس، وممن تبعك من الناس جميعا، لأن هذا جزاء من عصاني.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بأمر رسوله ﷺ أن يبين للناس، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين وغيرهم: إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذي لا يحسنونه، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه.
وما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند ربي، إلا وعظ بليغ للثقلين، وشرف عظيم لهما في اتباع أوامره ونواهيه.
لتعلمن- أيها الناس- صدق ما أخبركم به من وعد ومن وعيد بعد وقت محدد في علم الله- تعالى-.
стр. 5205
وبعد: فهذا تفسير لسورة «ص» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟.
كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى القاهرة- مدينة نصر- صباح الثلاثاء ٤ من ذي الحجة سنة ١٤٠٥ هـ الموافق ٢٠/ ٨/ ١٩٨٥ م
стр. 5206
تفسير سورة الزّمر
стр. 5207
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١- سورة «الزمر» هي السورة التاسعة والثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول فهي السورة الثامنة والخمسون من السور المكية، وكان نزولها بعد سورة سبأ.
وقد ذكر صاحب الإتقان أنها تسمى- أيضا- سورة «الغرف» ، لقوله- تعالى-:
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ.
٢- ويرى المحققون أن السورة بكاملها مكية.
قال الآلوسى: عن ابن عباس أنها نزلت بمكة ولم يستثن، وأخرج النحاس عنه أنه قال: نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة، وهي قوله- تعالى: - قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
٣- وآياتها خمس وسبعون آية في المصحف الكوفي، وثلاث وسبعون في المصحف الشامي، واثنتان وسبعون في غيرهما «١» .
٤- وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله- تعالى- الذي أنزل القرآن بالحق على نبيه محمد ﷺ والذي خلق السموات والأرض بالحق والذي خلق الناس جميعا من نفس واحدة، قال- تعالى-: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ...
٥- ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن حالة الإنسان عند ما ينزل به الضر، وعن الجزاء الحسن الذي أعده- سبحانه- للصابرين، وعن العقاب الأليم الذي أعده للخاسرين.
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ
стр. 5208
أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي. فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ، قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.
٦- ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته في هذا الكون عن طريق إنزاله الماء من السماء، وعن طريق إنزاله أحسن الحديث. كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.
قال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.
٧- ثم دعا- سبحانه- الناس بعد ذلك إلى تدبر آيات القرآن، المشتمل على الهدايات والإرشادات والأمثال، وإلى اتباع الرسول ﷺ الذي جاءهم بالصدق، لأن هذا الاتباع يؤدى إلى تكفير سيئاتهم، ورفع درجاتهم عند ربهم.
قال- تعالى-: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
٨- وبعد أن عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله- تعالى- في قبضه للأرواح، وفي كشفه الضر عن خلقه.. أتبعت ذلك بمحاجة المشركين، وببيان ما هم عليه من ضلال، وبيان أحوالهم عند ما يذكر الله- تعالى- وحده، وببيان سوء عاقبتهم.
قال- تعالى-: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
٩- ثم ساق- سبحانه- لعباده ما يدل على سعة رحمته بهم، ودعاهم إلى الإنابة إليه، من قبل أن يأتى اليوم الذي لا ينفع فيه الندم.
قال- تعالى-: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.
١٠- ثم تحدثت السورة في أواخرها عن أحوال السعداء والأشقياء يوم القيامة، وعن أهوال هذا اليوم.
قال- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.
стр. 5209
وختمت ببيان ما أعده- سبحانه- للكافرين من شديد العقاب، وما أعده للمتقين من كريم الثواب.
قال- تعالى-: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً، حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
١١- هذا، والمتأمل في سورة «الزمر» بعد هذا العرض المجمل لها. يراها قد اشتملت على مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتى:
(أ) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية الله- تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له، تارة عن طريق خلق السموات والأرض، وتكوين الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ... وتارة عن طريق لجوء المشركين إليه وحده عند الشدائد، وتارة عن طريق توفى الأنفس حين موتها، وتارة عن طريق ضرب الأمثال، كما في قوله- تعالى-: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا. الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
(ب) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. وبعث ونشور، وفرح يعلو وجوه المتقين، وكآبة تجلل وجوه الكافرين.
نرى ذلك في مثل قوله- تعالى-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ. وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
وفي مثل قوله- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ.
(ج) تلقين الرسول ﷺ الحجج والإجابات التي يرد بها على شبهات المشركين، وعلى دعاواهم الباطلة، فقد تكرر لفظ «قل» في هذه السورة كثيرا، ومن ذلك قوله- تعالى-:
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ... ... قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ....
стр. 5210
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ. قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ.
قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
(د) الإكثار من المقارنة بين عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار، بأسلوب يغلب عليه طابع الاستفهام الإنكارى، الذي حذف فيه الخبر للعلم به من سياق الكلام.
ومن ذلك قوله- تعالى-: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.
وقوله- تعالى-: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ.
وقوله- سبحانه-: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وقوله- : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
هذه بعض المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة، وهناك مقاصد أخرى يدركها القارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتفكر.
نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه القاهرة- مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى صباح الجمعة ٢٨ من ذي الحجة سنة ١٤٠٥ هـ ١٣/ ٩/ ١٩٨٥ م
стр. 5211
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
افتتحت سورة «الزمر» بالثناء على القرآن الكريم، وببيان مصدره، قال- تعالى-:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
أى: هذا الكتاب وهو القرآن الكريم. قد نزل عليك- يا محمد- من لدن الله- تعالى- الْعَزِيزِ أى: الغالب على كل شيء الْحَكِيمِ في كل تصرفاته وأفعاله، وليس هذا القرآن قولا مفترى كما زعم الجاحدون الذين انطمست بصائرهم، واستحبوا العمى على الهدى.
والذي يتتبع آيات القرآن الكريم، يرى أن الله- تعالى- إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمنة لصفاته الجليلة.
ففي أول سورة غافر نجد قوله- تعالى-: حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
стр. 5212
وفي أول سورة الجاثية نجد قوله- تعالى-: حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
وفي أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح.
وفي أول سورة فصلت نجد قوله- تعالى-: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وفي صدر سورة «يس» نجد قوله- سبحانه-: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ...
ولا يخفى أن ذكره- سبحانه- لبعض أسمائه الحسنى، بعد ذكره لتنزيل هذا القرآن على قلب رسوله ﷺ فيه ما فيه من الثناء على القرآن الكريم، ومن بيان أنه قد نزل من عند الله- تعالى- وحده، الذي له الخلق والأمر. تبارك الله رب العالمين.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب، وإلى العمل بهداياته، فقال- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ....
أى: هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله- تعالى- الغالب على كل شيء. والحكيم في أقواله وأفعاله. وقد أنزله- سبحانه- عليك- يا محمد- تنزيلا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، أو ما يشبه الباطل، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ما فيه.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بيان لكونه نازلا بالحق، وتوطئة لما يذكر بعد ... أو شروع في بيان المنزل إليه، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل ... والباء متعلقة بالإنزال، وهي للسببية، أى: أنزلناه بسبب الحق. أى: إثباته وإظهاره. أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهي للملابسة. أى: أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب.
والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما «١» .
والفاء في قوله- تعالى-: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والعبادة: أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود- والإخلاص معناه: أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله- تعالى-.
أى: أنزلنا إليك- أيها الرسول الكريم- هذا الكتاب بالحق الذي لا يشوبه باطل، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما، لا يحوم حوله
стр. 5213
رياء أو تفاخر، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله- تعالى- وحده.
قال الشوكانى: وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها من الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية، كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وحديث: «لا قول ولا عمل إلا بنية» «١» .
وجملة أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة لله- تعالى-: وزادها تأكيدا وتقريرا لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح أَلا واشتمالها على أسلوب القصر.
أى: ألا إن لله- تعالى- وحده- وليس لأحد سواه- الدين الخالص من شوائب الشرك والرياء. والعبادة لوجهه وحده، والخضوع لقدرته التي لا يعجزها شيء.
ثم بين- سبحانه- ما عليه المشركون من ضلال فقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ...
فالمراد بالموصول المشركون، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله- تعالى- بعد ذلك: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وجملة ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى في محل نصب على الحال بتقدير القول، والاستثناء مفرغ من أعم العلل. والزلفى: اسم أقيم مقام المصدر الذي يتلاقى معه في المعنى، والمأخوذ من قوله لِيُقَرِّبُونا.
أى: لله- تعالى- وحده الدين الخالص، والمشركون الذين اتخذوا معبودات باطلة ليعبدوها من دون الله، كانوا يقولون في الرد على من ينهاهم عن ذلك: إننا ما نعبد هذه المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها، لكي تقربنا إلى الله قربى، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى يرفع عنا البلاء والمحن.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أى: بين هؤلاء المشركين وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر التوحيد والشرك، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب، ويجازى الكافرين بسوء العقاب.
إِنَّ اللَّهَ- تعالى- لا يَهْدِي أى: لا يوفق للاهتداء للحق مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ.
стр. 5214
أى: من كان دائم الكذب على دين الله، شديد الجحود لآيات الله وبراهينه الدالة على وحدانيته، وعلى أنه لا رب لهذا الكون سواه.
ثم أبطل- سبحانه- كل تصور للشرك والشركاء، بأن نزه- تعالى- ذاته عن اتخاذ الولد فقال: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.
أى: لو أراد الله- تعالى- على سبيل الفرض والتقدير- أن يتخذ ولدا، لاختار من خلقه ما يريده هو، لا ما يريده الضالون، لكنه- سبحانه- لم يختر أحدا ليكون ولدا له، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات الله، أو بأن عزيرا ابن الله، أو بأن المسيح ابن الله.
سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أى: تنزه- عن كل شيء من ذلك، فإنه هو الله الواحد في ذاته وفي صفاته، القهار لكل مخلوقاته.
قال الإمام ابن كثير: بيّن- تعالى- في هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزيز وعيسى فقال: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أى. لكان الأمر على خلاف ما يزعمون.
وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ وكما قال:
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ.
كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم «١» .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة، لأن الإرادة لا تتعلق إلا بالممكنات، واتخاذ الولد محال، كما ثبت بالبرهان القطعي فتستحيل إرادته. وجعلها في الآية شرطا وتعليق الجواب عليها، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها، وقد عرف في فصيح الكلام: تعليق المحال على المحال جوازا ووقوعا.
على أن الوالدية تقتضي التجانس بين الوالد والولد. إذ هو قطعة منه. وقد ثبت أن كل ما عداه- سبحانه- مخلوق له. فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق، وهو يستلزم حدوث الخالق، أو قدم المخلوق، وكلاهما محال «٢» .
стр. 5215
ثم أقام- سبحانه- المزيد من الأدلة على وحدانيته وقدرته، عن طريق التأمل في ملكوت السموات والأرض، وفي ظاهرة الليل والنهار، وفي تسخير الشمس والقمر، وفي خلق بنى آدم من نفس واحدة ... فقال- تعالى-:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥ الى ٧]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
فقوله- تعالى-: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تفصيل لبعض أفعاله الدالة على وحدانيته- سبحانه- وقدرته.
أى: الله وحده هو الذي أوجد هذه السموات وتلك الأرض، إيجادا ملتبسا بالحق والحكمة والمصلحة التي تعود عليكم- أيها الناس- بالخير والمنفعة ومن كان شأنه كذلك، استحال أن يكون له شريك أو ولد.
ثم ساق- سبحانه- دليلا ثانيا على وحدانيته فقال: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ، وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ.
стр. 5216
والتكوير في اللغة: طرح الشيء بعضه على بعض. يقال: كور فلان المتاع، إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه كور العمامة. أى: انضمام بعض أجزائها على بعض.
والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكر على الآخر فيذهبه ويحل محله، بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها ولا اضطراب.
قال صاحب الكشاف: «والتكوير: اللف واللى. يقال: كار العمامة على رأسه وكوّرها.
وفيه أوجه، منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى مكانه هذا، وإذا غشى مكانه، فكأنما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على اللابس.
ومنها: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار.
ومنها: أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض» «١» .
قال بعض العلماء ما ملخصه: «والتعبير بقوله «يكور..» تعبير عجيب، يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا. ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور. وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكور، فالنهار كان عليه مكورا، والليل يتبعه مكورا كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا في حركة دائبة «يكور- سبحانه- الليل على النهار ويكور النهار على الليل» .
واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها. وكروية الأرض ودورانها، يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أى تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية» «٢» .
ثم ذكر- سبحانه- دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى.
стр. 5217
والتسخير: التذليل والانقياد والطاعة التامة. أى: وجعل- سبحانه- الشمس والقمر منقادين لأمره انقيادا تاما وكلاهما يجرى في مداره إلى الوقت المحدد في علم الله- تعالى- لنهاية دورانه، وانقطاع حركته.
وهما في جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة، كما قال- تعالى-:
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ. وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ.
وفي تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح أَلا إشارة إلى كمال الاعتناء بمضمونها، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه.
أى: ألا إن الله- تعالى-: وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات، وهو وحده المتصرف فيها، والمهيمن عليها، وهو وحده الْعَزِيزُ الغالب على كل ما سواه، الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا.
ثم ساق- سبحانه- أدلة أخرى على وحدانيته فقال: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها.
أى خلقكم- سبحانه- من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم ثم خلق من هذه النفس الواحدة، زوجها وهي أمكم حواء.
قال الشوكانى: والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم. للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم، أدخل في كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة لأن خلق آدم هو على عادة الله المستمرة في خلقه، وخلق حواء على الصفة المذكورة لم تجربه عادة لكونه- تعالى- لم يخلق أنثى من ضلع رجل غيرها «١» .
وقال الجمل: فإن قلت كيف عطف بثم مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب بأن ثم هنا للترتيب في الإخبار لا في الإيجاد. أو المعطوف متعلق بمعنى واحدة، فثم عاطفة عليه لا على خلقكم، فمعناه: خلقكم من نفس واحدة أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوجة. أو هو معطوف على خلقكم، لكن المراد بخلقهم، خلقهم يوم أخذ الميثاق دفعة لا على هذا الخلق، الذي هم فيه الآن بالتوالد والتناسل «٢» .
وقوله- تعالى-: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بيان لبعض آخر من
стр. 5218
أفعاله- تعالى- الدالة على وحدانيته وقدرته. والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها وهي قوله: خَلَقَكُمْ.
أى: وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين: ذكرا وأنثى يتم بهما التناسل وبقاء النوع.
قالوا: وعبر- سبحانه- عن الخلق بالإنزال، لما يروى أنه- تعالى- خلق هذه الأنواع في الجنة ثم أنزلها. فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة.
أو أن الكلام على سبيل المجاز، لأن هذه الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما تأكله من نبات، والنبات لا يخرج إلا بالماء النازل من السماء فكأن الأنعام نازلة من السماء، لأن سبب سببها منزل منها.. أو أن «أنزل» هنا بمعنى أنشأ وأوجد. أو لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء.
وقوله- تعالى- يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ بيان لكيفية خلق ما خلقه الله من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة العجيبة.
أى أنه- تعالى- يخلقكم- أيها الناس- بقدرته في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى عظام مكسوة باللحم، ثم يحولكم بعد ذلك إلى خلق آخر، وهذه المراحل كلها تتم وأنتم في ظلمات بطون أمهاتكم، وظلمات الأرحام التي بداخل البطون وظلمات الغشاء الذي بداخل الأرحام والبطون، وذلك كله من أقوى الأدلة على قدرة الله- تعالى- ورعايته لخلقه.
وصدق الله إذ يقول: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ. إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ. فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ «١» .
واسم الإشارة في قوله- تعالى- ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يعود إليه- سبحانه- باعتبار أفعاله السابقة. وتصرفون: من الصرف بمعنى الابتعاد عن الشيء إلى غيره.
أى: ذلكم العظيم الشأن الذي ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته، هو الله ربكم الذي له ملك كل شيء، والذي لا معبود بحق سواه، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا ... مع توفر الأدلة على بطلان ذلك.
والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد ذكرتا ألوانا من البراهين على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، كخلق السموات والأرض بالحق، وتكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة، ورعايتهم بلطفه
стр. 5219
وإحسانه في مراحل حياتهم، وإيجاد الأنعام التي تنفعهم في شئونهم المختلفة.
ثم بين- سبحانه- أنه غنى عن خلقه، وأنهم هم الفقراء إليه فقال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ.
أى: إن تكفروا- أيها الناس- بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإيمان وفساد الكفر، فإن الله- تعالى- غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين.
ومع ذلك فإنه- سبحانه- لرحمته بكم، لا يرضى لعباده الكفر، أى: لا يحبه منهم ولا يحمده لهم، ولا يجازى الكافر المجازاة التي يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم، أما الكافر فله نار الجحيم.
وإن تشكروا الله على نعمه- أيها الناس- بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت له، يرض لكم هذا الشكر، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة. بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره.
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أى: ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى، وإنما كل نفس تجازى على حسب أعمالها في الدنيا.
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ أى: فيخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في دنياكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
إِنَّهُ- سبحانه- عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أى: عليم بما تخفيه الصدور من أسرار، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال ... لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
قال الجمل في حاشيته: قوله: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ معنى عدم الرضا به، لا يفعل فعل الراضي، بأن يأذن فيه ويقر عليه، ويثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه، ويذم عليه، ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته، إذ لا يخرج شيء عنها.
أو المعنى: ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله- تعالى- في شأنهم:
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فيكون الكلام عاما في اللفظ خاصا في المعنى، كقوله- تعالى-: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أى بعض العباد «١» .
стр. 5220
وبذلك ترى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة على وحدانية الله- تعالى- وعلى كمال قدرته، وعلى أن من شكر الله- تعالى- على نعمه، فإن عاقبة هذا الشكر تعود على الشاكر بالخير الجزيل، أما من جحد نعم الله- تعالى- وأشرك معه في العبادة غيره، فإن عاقبة هذا الجحود، تعود على الجاحد بالشر الوبيل، وبالشقاء في الدنيا والآخرة.
وبعد أن أقام- سبحانه- الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته، أتبع ذلك بالحديث عن طبيعة الإنسان في حالتي السراء والضراء، ونفى- سبحانه- المساواة بين المؤمنين والكافرين، والعلماء والجهلاء فقال- تعالى-:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)
والمراد بالإنسان هنا: الكافر، بدليل قوله- تعالى- وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
والمراد بالضر: ما يصيب الإنسان من مصائب في نفسه أو ماله أو أهله.
أى: وإذا نزل بالإنسان ضر من مرض أو غيره من المكاره دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أي:
أسرع إلى الله- تعالى- بالدعاء والإنابة والتضرع، وترك الآلهة التي كان يدعوها في حالة الرخاء.
كما قال- تعالى-: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ.
وقوله- تعالى-: ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.. بيان لحالة هذا الإنسان بعد أن كشف الله- تعالى- عنه الضر.