ومحيط بخبايا النفوس وخلجاتها.
ثم وجه- سبحانه- بعد ذلك خطابه إلى حفصة وعائشة، فأمرهما بالتوبة عما صدر منهما.
فقال: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.
ولفظ صَغَتْ بمعنى مالت وانحرفت عن الواجب عليهما. يقال صغا فلان يصغو ويصغى صغوا، إذا مال نحو شيء معين. ويقال: صغت: الشمس، إذا مالت نحو الغروب، ومنه قوله- تعالى-: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.
وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن تتوبا إلى الله، فلتوبتكما موجب أو سبب، فقد مالت قلوبكما عن الحق، وانحرفت عما يجب عليكما نحو الرسول ﷺ من كتمان لسره، ومن حرص على راحته، ومن احترام لكل تصرف من تصرفاته.. وجاء الخطاب لهما على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، مبالغة في المعاتبة، فإن المبالغ في ذلك يوجه الخطاب إلى من يريد معاتبته مباشرة.
وقال- سبحانه- فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما بصيغة الجمع للقلوب، ولم يقل قلبا كما بالتثنية، لكراهة اجتماع تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، مع ظهور المراد، وأمن اللبس.
ثم ساق- سبحانه- ما هو أشد في التحذير والتأديب فقال: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.
وقوله تَظاهَرا أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمراد بالتظاهر:
التعاون والتآزر، يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على ما يريده، وأصله من الظهر، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره، ويقوى أمره.
قال- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ «١» .
وجواب الشرط- أيضا- محذوف- أى: وإن تتعاونا عليه بما يزعجه، ويغضبه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سره. فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذي ينصره عليكما، فإن الله- تعالى- هُوَ مَوْلاهُ أى: ناصره ومعينه وَجِبْرِيلُ كذلك ناصره ومعينه عليكما.
وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أى: وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه.
стр. 6162
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ أى: والملائكة بعد نصر الله- تعالى- له، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون في صفه ضدكما.
وفي هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول ﷺ وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم الله- تعالى- لنبيه ﷺ ومن غيرته- عليه، ومن دفاعه عنه ﷺ .
وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول ﷺ فإنه لا يكون من صالح المؤمنين.
وقوله: وَجِبْرِيلُ مبتدأ، وقوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ معطوف عليه.
وقوله: بَعْدَ ذلِكَ متعلق بقوله ظَهِيرٌ الذي هو خبر عن الجميع.
وقد جاء بلفظ المفرد، لأن صيغة فعيل يستوي فيها الواحد وغيره. فكأنه- تعالى- قال: والجميع بعد ذلك مظاهرون له، واختير الإفراد للإشعار بأنهم جميعا كالشىء الواحد في تأييده ونصرته، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: بَعْدَ ذلِكَ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله- تعالى- أعظم وأعظم؟
قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته- تعالى- بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته، لفضلهم ... » «١» .
وخص جبريل بالذكر مع أنه من الملائكة، للتنويه بمزيد فضله، فهو أمين الوحى، والمبلغ عن الله- تعالى- إلى رسله.
هذا، ومما يدل على أن الخطاب في قوله- تعالى-: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ، لحفصة وعائشة، ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول الله ﷺ اللتين قال الله- تعالى- فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.
فلما كان ببعض الطريق ... قلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى- فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.
فقال عمر: وا عجبا لك يا ابن عباس.. هما حفصة وعائشة «٢» .
стр. 6163
ثم أضاف- سبحانه- إلى تكريمه لنبيه تكريما آخر، وإلى تهديده لمن تسيء إليه من أزواجه تهديدا آخر فقال- تعالى-: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ.
قال الجمل ما ملخصه: سبب نزولها أنه ﷺ لما أشاعت حفصة ما أسرها به، اغتم ﷺ وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة لهن.
ولما بلغ عمر- رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قد اعتزل نساءه.. قال له يا رسول الله: لا يشق عليك أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك.
قال عمر: وقلما تكلمت بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقوله فنزلت هذه الآية.
فاستأذن عمر النبي ﷺ أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له فقام على باب المسجد، ونادى بأعلى صوته: لم يطلق النبي ﷺ نساءه «١» .
وعَسى كلمة تستعمل في الرجاء، والمراد بها هنا التحقيق، لأنها صادرة عن الله- .
قال الآلوسى: عَسى في كلامه- تعالى- للوجوب، وأن الوجوب هنا إنما هو بعد تحقق الشرط وقيل: هي كذلك إلا هنا، والشرط معترض بين اسم عَسى وخبرها.
والجواب محذوف. أى: إن طلقكن فعسى ... وأَزْواجاً مفعول ثان ليبدل وخَيْراً صفته «٢» .
أى: عسى إن طلقكن رسولنا محمد ﷺ بإذن ربه ومشيئته، أن يبدله- سبحانه- أزواجا خيرا منكن.
ثم وصف- سبحانه- هؤلاء الأزواج بقوله مُسْلِماتٍ منقادات ومطيعات لله ولرسوله، ومتصفات بكل الصفات التي أمر بها الإسلام.
مُؤْمِناتٍ أى: مذعنات ومصدقات بقلوبهن لكل ما جاء به النبي ﷺ من عند ربه.
قانِتاتٍ أى: قائمات بالطاعة لله ولرسوله على أكمل وجه.
стр. 6164
تائِباتٍ أى: مقلعات عن الذنوب والمعاصي، وإذا مسهن شيء منها ندمن وتبن إليه- تعالى- توبة صادقة نصوحا.
عابِداتٍ أى: مقبلات على عبادته- تعالى- إقبالا عظيما.
سائِحاتٍ أى: ذاهبات في طاعة الله أى مذهب، من ساح الماء: إذا سال في أنحاء متعددة، وقيل معناه: مهاجرات. وقيل: صائمات. تشبيها لهن بالسائح الذي لا يصحب معه الزاد غالبا فلا يزال ممسكا عن الطعام حتى يجده.
ثَيِّباتٍ جمع ثيب- بوزن سيد- وهي المرأة التي سبق لها الزواج، من ثاب يثوب ثوبا، إذا رجع، وسميت المرأة التي سبق لها الزواج بذلك. لأنها ثابت إلى بيت أبويها بعد زواجها، أو رجعت إلى زوج آخر غير زوجها الأول.
وَأَبْكاراً جمع بكر، وهي الفتاة العذراء التي لم يسبق لها الزواج، وسميت بذلك لأنها لا تزال على أول حالتها التي خلقت عليها.
وهذه الصفات جاءت منصوبة على أنها نعت لقوله أَزْواجاً أو حال.
ولم يعطف بعضها على بعض بالواو، لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن.
وعطف- سبحانه- وَأَبْكاراً على ما قبله لتنافى الوصفين، إذ الثيبات لا يوصفن بالأبكار، وكذلك الأبكار لا يوصفن بالثيبات، ولا يجتمع الوصفان في ذات واحدة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟
قلت: إذا طلقهن رسول الله ﷺ لعصيانهن له، وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله ﷺ والنزول على هداه ورضاه خيرا منهن.
فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها من العاطف، ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت:
لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن، فلم يكن بد من الواو «١» .
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول ﷺ مع
стр. 6165
أزواجه، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التي من أبرزها تكريم الله- تعالى لنبيه ﷺ وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه ﷺ في معاملته لأهله، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أى تصرف لا يرغب فيه، ولا يميل إليه: وتعليم المؤمنين والمؤمنات- في كل زمان ومكان- كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء.
ثم وجه- سبحانه- بعد ذلك نداءين إلى المؤمنين، أمرهم في أولهما أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم، حتى ينجو من عذاب النار، وأمرهم في ثانيهما بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح، ووجه نداء إلى الكافرين بين لهم فيه سوء عاقبة كفرهم، ثم وجه- سبحانه- نداء إلى النبي ﷺ أمره فيه بأن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا مصحوبا بالغلظة والخشونة.. فقال- تعالى-:
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٦ الى ٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)
стр. 6166
وقوله- تعالى-: قُوا أمر من الوقاية، يقال: وقى يقي، كضرب يضرب.
والمعنى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان، أبعدوا أنفسكم عن النار عن طريق فعل الحسنات. واجتناب السيئات، وأبعدوا أهليكم- أيضا- عنها، عن طريق نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف. ونهيهم عن المنكر.
قال القرطبي، قال قتادة ومجاهد: قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم.
ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم» .
وقال ﷺ : «ما نحل والد ولدا، أفضل من أدب حسن» .
وقال ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» .
وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ كان إذا أوتر يقول: قومي فأوترى يا عائشة.
وذكر القشيري أن عمر- رضى الله عنه- لما نزلت هذه الآية قال يا رسول الله: نقى أنفسنا فكيف بأهلينا؟
فقال: «تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به» «١» .
وجاء لفظ النار منكرا، للتهويل. أى: نارا عظيمة لا يعلم مقدار حرها إلا الله- تعالى-.
وقوله: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أى: هذه النار لا توقد كما يوقد غيرها بالحطب وما يشبهها، وإنما مادة اشتعالها تتكون من الناس الذين كانوا في الدنيا يشركون مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة، ومن الحجارة التي كانت تعبد من دونه- تعالى-.
ثم أضاف- سبحانه- إلى تهويلها أمرا آخر وصفة أخرى فقال: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.
والغلاظ: جمع غليظ وهو المتصف بالضخامة والغلظة التي هي ضد الرقة.
وهذا اللفظ صفة مشبهة، وفعله غلظ ككرم.
стр. 6167
وشداد: جمع شديد، وهو المتصف بالقوة والشدة، يقال: فلان شديد على فلان، أى:
قوى عليه، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب.
أى: هذه النار من صفاتها- أيضا- أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها، ملائكة قساة في أخذهم أهل النار، أقوياء عليهم، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم، أو أن يعصوا لهم أمرا.
وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون لله- تعالى- أمرا. وإنما ينفذون ما يكلفهم- سبحانه- به تنفيذا تاما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت أليس الجملتان- لا يعصون.. ويفعلون في معنى واحد؟
قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.
ثم بين- سبحانه- ما تقوله الملائكة لأهل النار عند ما يعرضون عليها فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ والمراد باليوم، يوم القيامة فأل فيه للعهد.
أى: تقول الملائكة لهم في هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ- لا تعتذروا- أيها الكافرون عن كفركم، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا، أو بأننا ما كنا مشركين ... فإن هذه الأعذار لن تنفعكم، وأنتم في هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم في الدنيا، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت.
فالآية الكريمة توبيخ للكافرين، وتيئيس لهم من قبول أعذارهم الكاذبة.
ثم يرشد- سبحانه- المؤمنين، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً....
والتوبة: العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها في الماضي، والنصوح صيغة مبالغة من النصح، وصفت بها التوبة على سبيل الإسناد المجازى، والمقصود وصف التائبين بها، من نصح فلان التوب إذا خاطه، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية. أو من قولهم: عسل ناصح.
وقد ذكروا في معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجها.
قال القرطبي ما ملخصه: اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة.. الخالصة.
стр. 6168
وقال القرطبي: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيئ الإخوان.
وقال الفقهاء: التوبة التي لا تعلق لها بحق آدمي لها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله، وثالثها: أن يعزم على أن لا يعود إليها.
فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا.
وإن كانت تتعلق بحق آدمي، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها.
وهي واجبة من كل معصية على الفور، ولا يجوز تأخيرها.. «١» .
وقوله- سبحانه- عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
والرجاء المستفاد من فعل عَسى مستعمل هنا في الوعد الصادق منه- تعالى- على سبيل الكرم والفضل، فقد قالوا إن كل ترج في القرآن واقع منه- تعالى- فضلا منه وكرما.
أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، توبوا إلى الله- تعالى- «توبة صادقة» بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب، وتعزمون على عدم العودة إليها، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم.. فإنكم متى فعلتم ذلك غفر الله- تعالى- لكم ذنوبكم: وكفر عنكم سيئاتكم، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.
قال صاحب الكشاف: قوله: عَسى رَبُّكُمْ: إطماع من الله لعباده. وفيه وجهان:
أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجيء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء.. «٢» .
والظرف في قوله- سبحانه-: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ منصوب بقوله- تعالى- قبل ذلك: يُدْخِلَكُمْ، أو بفعل مضمر تقديره: اذكر.
стр. 6169
وقوله: لا يُخْزِي من الخزي بمعنى الافتضاح: يقال أخزى الله فلانا إذا فضحه، والمراد به هنا: عذاب النار.
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ معطوف على النبي، وجملة نُورُهُمْ يَسْعى مستأنفة.
أى: يدخلكم الله- بفضله وكرمه- جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يوم القيامة، يوم ينجى- سبحانه- النبي ﷺ وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار، ومن خزي هذا اليوم العصيب.
وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول ﷺ نورهم وهم على الصراط، يسعى ويمتد وينتشر بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.
أى أمامهم وَبِأَيْمانِهِمْ أى: وعن أيمانهم.
ويقولون- على سبيل الحمد والشكر لله- تعالى- يا ربنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك.
وَاغْفِرْ لَنا يا ربنا ذنوبنا إِنَّكَ يا ربنا، عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وفي عطف الذين آمنوا على النبي ﷺ إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم، هو إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وصحبتهم الكريمة للنبي ﷺ .
والضمير في قوله نُورُهُمْ يعود إلى النبي ﷺ والذين آمنوا معه.
وخص- سبحانه- الأمام واليمين بالذكر، لفضل هذين المكانين، إذ النور عند ما يكون من الأمام يستمتع الإنسان بمشاهدته، وعند ما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به.
والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم، وهو نور حقيقى يكرم الله- تعالى- به عباده الصالحين.
وختموا دعاءهم بقولهم- كما حكى القرآن عنهم-: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ للإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم، لأنهم يسألون ويدعون الله- تعالى- الذي لا يقف أمام قدرته شيء.
ثم أمر- سبحانه- نبيه ﷺ أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ.
وخص النبي ﷺ بالأمر بالجهاد، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه، لأنه ﷺ هو قائدهم ورائدهم.
стр. 6170
وجهاده ﷺ للكفار يكون بدعوتهم إلى الحق حتى يسلموا، فإذا لم يستجيبوا جاهدهم بالسيف والسلاح حتى يزهق باطلهم.
وجهاده للمنافقين يكون بتأديبهم وزجرهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، حتى يأمن المؤمنون شرهم، وحتى يشعروا بأن النبي والمؤمنين لهم بالمرصاد.
والغلظة في الأصل: تطلق على الشيء الصلب الغليظ، والمراد بها هنا: معاملتهم بالشدة والخشونة والقسوة.. حتى يأمن المؤمنون جانبهم، ويتقوا شرهم.
أى: يا أيها النبي الكريم جاهد أنت ومن معك من المؤمنين، الكفار والمنافقين. وعاملهم جميعا بالخشونة والغلظة.. حتى يهابوك أنت ومن معك، وحتى تكونوا في مأمن منهم ومن أذاهم إذ الحق لا بد له من قوة تحميه وتدفع عنه كيد أعدائه.
وقوله- تعالى-: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ بيان لسوء مصيرهم في الآخرة.
أى: أن هؤلاء الكافرين والمنافقين، حالهم في الدنيا المجاهدة والمعاملة التي لا تسامح معها ولا تساهل، حتى تكون كلمتهم السفلى، وكلمة الله- تعالى- هي العليا.
أما حالهم في الآخرة، فالإلقاء بهم في جهنم، وبئس المأوى والمسكن جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم، أو المأوى.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أرشدت النبي ﷺ والمؤمنين، إلى ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم.
وبعد هذه النداءات، للمؤمنين، وللكافرين وللنبي ﷺ ضرب- سبحانه- مثلين لنساء كافرات في بيوت أنبياء، ولنساء مؤمنات في بيوت كفار، لتزداد الموعظة وضوحا، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وليشعر الجميع- ولا سيما أزواج النبي ﷺ أنهم مسئولون أمام الله- تعالى- عن أعمالهم.. فقال- تعالى-:
[سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١٠ الى ١٢]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
стр. 6171
والمراد بضرب المثل. إيراد حالة غريبة، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة لها في الغرابة.
وقوله مَثَلًا مفعول ثان لضرب، والمفعول الأول امْرَأَتَ نُوحٍ....
والمتدبر للقرآن الكريم، يراه قد أكثر من ضرب الأمثال، لأن فيها تقريبا للبعيد، وتوضيحا للغريب وتشبيه الأمر المعقول بالأمر المحسوس، حتى يرسخ في الأذهان ...
أى: جعل الله- تعالى- مثلا لحال الكافرين، وأنه لا يغنى أحد عن أحد امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ﵉.
وعدى الفعل ضَرَبَ باللام، للإشعار بأن هذا المثل إنما سيق من أجل أن يعتبر به الذين كفروا، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التي جعلتهم يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة.
وقوله- تعالى-: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما ... بيان لحال هاتين المرأتين، ولما قامتا به من أفعال شائنة، تتنافى مع صلتهما بهذين النبيين الكريمين ...
والمراد بالتحتية هنا: كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين، وتحت عصمتهما وصيانتهما، وأشد الناس التصاقا بهما.
وقال- سبحانه- كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ ... للتعظيم، أى: كانتا في عصمة نبيين لهما من سمو المنزلة ما لهما عند الله- تعالى-.
ووصفهما- سبحانه- بالصلاح، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من الله لعبد من عباده- للتنويه بشأن الصالحين من الناس، حتى يحرصوا على هذه الصفة، ويتمسكوا بها، فقد مدح الله- تعالى- من هذه صفته في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
стр. 6172
وخيانة امرأة نوح له، كانت عن طريق إفشاء أسراره، وقولها لقومه: إنه مجنون.
وخيانة امرأة لوط له، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفه.. مع استمرار هاتين المرأتين على كفرهما ...
قال الإمام ابن كثير: قوله: فَخانَتاهُما أى: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة..
وليس المراد بقوله: فَخانَتاهُما في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة ...
وعن ابن عباس: قال: ما زنتا، أما امرأة نوح، فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط، فكانت تدل على قومها على أضيافه.
وفي رواية عنه قال: كانت خيانتهما أن امرأة نوح، كانت تفشى سره، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط، فكانت إذا أضاف لوط أحدا، أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.. «١» .
وقوله- تعالى-: فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ بيان لما أصابهما من سوء العاقبة بسبب خيانتهما.
أى: أن نوحا ولوطا- ﵉ مع جلالة قدرهما، لم يستطيعا أن يدفعا شيئا من العذاب عن زوجتيهما الخائنتين لهما، وإنما قيل لهاتين المرأتين عند موتهما. أو يوم القيامة، ادخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الفجرة..
وقوله شَيْئاً منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: يُغْنِيا، وجاء منكرا للتقليل والتحقير، أى: فلم يغنيا عنهما شيئا من الإغناء حتى ولو كان قليلا ...
وقوله: مَعَ الدَّاخِلِينَ بعد قوله: ادْخُلَا النَّارَ لزيادة تبكيتهما، ولتأكيد مساواتهما في العذاب مع غيرهما من الكافرين الخائنين الذين لا صلة لهما بالأنبياء من حيث القرابة أو ما يشبهها.
ثم ضرب- سبحانه- مثلا للمؤمنين فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ وهي آسية ابنة مزاحم، التي لم يمنعها ظلام الكفر الذي كانت تعيش فيه في بيت فرعون، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها.. عن أن تطلب الحق، وتعرض عن الباطل، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان.
стр. 6173
قال الجمل: آمنت بموسى- ﵇ لما غلب السحرة، وتبين لها أنه على الحق.
ولم تضرها الوصلة بالكافر، وهي الزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها، لأن كل امرئ بما كسب رهين..
وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أنه قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون.
قيل: إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى. وقيل إنها ابنة عم فرعون.. ومن فضائلها أنها اختارت القتل على الملك، وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه- بعد أن خالط الإيمان قلبها «١» .
أى: وجعل الله- تعالى- حال امرأة فرعون، مثلا للمؤمنين، حيث آمنت بالحق بعد أن تبين لها، دون أن يصرفها عن ذلك أى صارف، فكان ما فعلته في أسمى درجات الإخلاص وصدق اليقين..
والظرف في قوله: إِذْ قالَتْ ... متعلق بمحذوف، أو بقوله: مَثَلًا.
أى: وضرب الله- تعالى- مثلا للذين آمنوا، حال امرأة فرعون وقت أن قالت رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أى: ابن لي بيتا في مستقر رحمتك، أو في جنتك التي لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك.
وقوله: فِي الْجَنَّةِ بدل أو عطف بيان لقوله- تعالى- عِنْدَكَ وقدم عندك، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته- تعالى- أهم من أى شيء آخر.
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ أى: ونجنى من طغيان فرعون، ومن عمله الذي بلغ النهاية في السوء والقبح..
وَنَجِّنِي- أيضا- من القوم الظالمين، وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه، وشيعته..
وفي هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، فهي تسأل الله- تعالى- أن يعوضها عن دار فرعون، دارا في أعلى درجات الجنة ...
стр. 6174
وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه، قد صدوها عن الإيمان، وهددوها بأنها إن آمنت..
حرموها من قصر فرعون، وزينته وفخامته.
كما أنها سألت ربها- أن ينجيها من ذات فرعون، ومن عمله السيئ، ومن كل من حام حول فرعون، واتبعه في طغيانه وكفره.
وقوله- سبحانه-: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ.. معطوف على امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ....
أى: وضرب الله- تعالى- مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران ...
الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أى حفظته وصانته، إذ الإحصان جعل الشيء حصينا، بحيث لا يتوصل إليه، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة..
وقوله فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا مفرع على ما قبله.
قال الآلوسى: قوله: فَنَفَخْنا فِيهِ النافخ رسوله جبريل- ﵇ فالإسناد مجازى. وقيل الكلام على حذف مضاف، أى: فنفخ رسولنا، وضمير فِيهِ للفرج.
واشتهر أن جبريل- ﵇ نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج.
وقال الفراء: ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها، وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة، كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها، لأنها إذا منعت جيب درعها، فهي للنفس أمنع.. «١» .
أى: فنفخ رسولنا جبريل في فرجها أو في جيب درعها، روحا من أرواحنا هي روح عبدنا ونبينا عيسى- ﵇.
وإضافة الروح إلى ذاته- تعالى- لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق الحي في رحمها، كان على غير الأسباب المعتادة.
وقوله- تعالى-: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ زيادة في مدحها، وفي الثناء عليها..
أى: وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا بِكَلِماتِ رَبِّها أى:
بشرائعه التي شرعها لعباده، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه.
وَكُتُبِهِ أى: وصدقت بكتبه التي أنزلها على أنبيائه. وقرأ الجمهور وكتابه
стр. 6175
بالإفراد، على أن المراد به جنس الكتب، أو الإنجيل الذي أنزله- سبحانه- على ابنها عيسى.
ومِنْ في قوله- تعالى-: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ للابتداء، أى: وكانت من نسل الرجال القانتين، الذين بذلوا أقصى جهدهم في طاعة الله- تعالى-، وفي إخلاص العبادة له.
ويصح أن تكون مِنْ للتبعيض. أى: وكانت من عداد المواظبين على الطاعة، وجيء بجمع الذكور على سبيل التغليب، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال، الذين بلغوا الغاية في المواظبة على طاعة الله- تعالى-.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد اشتملت على ثلاثة أمثال: مثل للكافرين، ومثلين للمؤمنين.
وقد تضمن مثل الكفار، أن الكافر يعاقب على كفره، دون أن ينفعه ما بينه وبين المؤمنين من قرابة أو نسب.. كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط..
وأما المثلان اللذان للمؤمنين، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر، لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله ...
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال: ما ملخصه مثّل الله- تعالى- حال الكفار، في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين.. دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو قرابة- بحال امرأة نوح وامرأة لوط: فإنهما لما نافقتا وخانتا الرسولين. لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج شيئا..
ومثل حال المؤمنين- في أن وصلة الكافرين لا تضرهم. ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله- بحال امرأة فرعون، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء الله، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده..
وبحال مريم ابنة عمران، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة.. مع أن قومها كانوا كافرين ...
وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ...
وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه، كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله ﷺ فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين..
стр. 6176
وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب، بالغة من اللطف والخفاء، حدا يدق عن تفطن العالم، ويزل عن تبصره «١» .
وبعد: فهذا تفسير لسورة «التحريم» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الاسكندرية- العجمي: مساء ٣٦ من شوال ١٤٠٦ هـ ٤ من يوليو ١٩٨٦ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 6177
فهرس المجلد الرابع عشر من سورة الذاريات إلى سورة التحريم
السورة/ الصفحة ١- تفسير سورة «الذاريات» ٥ ٢- تفسير سورة «الطور» ٣٣ ٣- تفسير سورة «النجم» ٥٣ ٤- تفسير سورة «القمر» ٩١ ٥- تفسير سورة «الرحمن» ١٢٣ ٦- تفسير سورة «الواقعة» ١٥٣ ٧- تفسير سورة «الحديد» ١٩١ ٨- تفسير سورة «المجادلة» ٢٣٩ ٩- تفسير سورة «الحشر» ٢٧٧ ١٠- تفسير سورة «الممتحنة» ٣١٥ ١١- تفسير سورة «الصف» ٣٤٩ ١٢- تفسير سورة «الجمعة» ٣٧١ ١٣- تفسير سورة «المنافقون» ٣٩٥ ١٤- تفسير سورة «التغابن» ٤١٧ ١٥- تفسير سورة «الطلاق» ٤٣٧ ١٦- تفسير سورة «التحريم» ٤٦٣
стр. 6178
[المجلد الخامس عشر]
بسم الله الرّحمن الرّحيم رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) صدق الله العظيم
стр. 6179
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الملك
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الملك» من السور المكية الخالصة، ومن السور ذات الأسماء المتعددة، قال الآلوسى: وتسمى «تبارك» و «المانعة» و «المنجية» و «المجادلة» .
فقد أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: كنا نسميها على عهد رسول الله ﷺ «المانعة» .
وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال ﷺ : هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر.
وفي رواية عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال:
اقرأ سورة «تبارك الذي بيده الملك» وعلمها أهلك، وجميع ولدك ... فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها..
وقد جاء في فضلها أخبار كثيرة، منها- سوى ما تقدم- ما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إن سورة من كتاب الله، ما هي إلا ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ... «١» .
وكان نزولها بعد سورة «المؤمنون» وقبل سورة «الحاقة» .. وعدد آياتها إحدى وثلاثون آية في المصحف المكي.. وثلاثون آية في غيره.
стр. 6180
٢- والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله- تعالى- وقدرته وعن مظاهر فضله ورحمته بعباده، وعن بديع خلقه في هذا الكون، وعن أحوال الكافرين، وأحوال المؤمنين يوم القيامة، وعن وجوب التأمل والتدبر في ملكوت السموات والأرض.. وعن الحجج الباهرة التي لقنها- سبحانه- لنبيه ﷺ لكي يقذف بها في وجوه المبطلين، والتي تبدأ في بضع آيات بقوله- تعالى- قُلْ.
ومن ذلك قوله- سبحانه-: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 6181
التفسير افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
ولفظ تَبارَكَ فعل ماض لا ينصرف. وهو مأخوذ من البركة، بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة أى: كثر خيره وإحسانه، وتزايدت بركاته.
أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال: برك البعير، إذا أناخ في موضعه فلزمه وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى: ثبت ودام خيره على خلقه.
والملك- بضم الميم وسكون اللام-: السلطان والقدرة ونفاذ الأمر.
أى: جل شأن الله- تعالى- وكثر خيره وإحسانه، وثبت فضله على جميع خلقه، فهو- سبحانه- الذي بيده وقدرته التمكن والتصرف في كل شيء على حسب ما يريد ويرضى، وهو- الذي لا يعجزه أمر في الأرض أو في السماء.
واختار- سبحانه- الفعل «تبارك» للدلالة على المبالغة في وفرة العظمة والعطاء، فإن هذه الصيغة ترد للكناية عن قوة الفعل وشدته.. كما في قولهم: تواصل الخير، إذا تتابع بكثرة مع دوامه..
والتعريف في لفظ «الملك» للجنس. وتقديم المسند وهو «بيده» على المسند إليه،
стр. 6182
لإفادة الاختصاص. أى: بيده وحده لا بيد أحد سواه جميع أنواع السلطان والقدرة، والأمر والنهى..
قال الإمام الرازي: وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه- تعالى- ملكا ومالكا، تقول:
بيد فلان الأمر والنهى، والحل والعقد. وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام قدرته، لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة.. «١» .
وجملة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معطوفة على قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ الذي هو صلة الموصول، وذلك لإفادة التعميم بعد التخصيص، لأن الجملة الأولى وهي الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أفادت عموم تصرفه في سائر الموجودات، وهذه أفادت عموم تصرفه- سبحانه- في سائر الموجودات والمعدومات، إذ بيده- سبحانه- إعدام الموجود، وإيجاد المعدوم.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على شمول قدرته، وسمو حكمته، فقال:
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ...
والموت: صفة وجودية تضاد الحياة. والمراد بخلقه: إيجاده. أو هو عدم الحياة عما هي من شأنه. والمراد بخلقه على هذا المعنى: تقديره أزلا.
واللام في قوله: لِيَبْلُوَكُمْ ... متعلقة بقوله: خَلَقَ. وقوله: لِيَبْلُوَكُمْ بمعنى يختبركم ويمتحنكم ...
وقوله أَيُّكُمْ مبتدأ، وأَحْسَنُ خبره، وعَمَلًا تمييز، والجملة في محل نصب مفعول ثان لقوله لِيَبْلُوَكُمْ.
والمعنى: ومن مظاهر قدرته- سبحانه- التي لا يعجزها شيء، أنه خلق الموت لمن يشاء إماتته، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه، ليعاملكم معاملة من يختبركم ويمتحنكم، أيكم أحسن عملا في الحياة، لكي يجازيكم بما تستحقونه من ثواب..
أو المعنى: خلق الموت والحياة، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت، وأسرع إلى طاعة ربه- .
قال القرطبي ما ملخصه: قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ.. قيل: الذي خلقكم للموت والحياة، يعنى: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة.
وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب.. وقيل: لأنه أقدم، لأن الأشياء في
стр. 6183
الابتداء كانت في حكم الموت.. وقيل: لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل، من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع على الغرض الذي سيقت له الآية أهم.
قال قتادة: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله- تعالى- أذل ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء..»
وعن أبى الدرداء أن النبي ﷺ قال: «لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه: الفقر والمرض والموت، وإنه مع ذلك لوثّاب..»
وقال العلماء: الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك.. «١» .
وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة، لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان، الذي هو أعجب موجود على ظهر الأرض، والذي الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة، إذ هو الذي رضى بحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض..
والتعريف في الموت والحياة للجنس. و «أحسن» أفعل تفضيل، لأن الأعمال التي يقوم بها الناس في هذه الحياة متفاوتة في الحسن من الأدنى إلى الأعلى.
وجملة «وهو العزيز الغفور» تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت قدرته وتصرفه.
أى: وهو- سبحانه- الغالب الذي لا يعجزه شيء الواسع المغفرة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده، كما قال- تعالى-: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى.
ثم بين- سبحانه- مظهرا آخر من مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً....
والجملة الكريمة صفة للعزيز الغفور، أو عطف بيان أو بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف.
وطباقا صفة لسبع سموات. وهي مصدر طابق مطابقة وطباقا، من قولك: طابق فلان النعل، إذا جعله طبقة فوق أخرى، وهو جمع طبق، كجبل وجبال، أو جمع طبقة كرحبة ورحاب.. أى: هو- سبحانه- لا غيره الذي أوجد وخلق على غير مثال سابق سبع
стр. 6184
سموات متطابقة، أى: بعضها فوق بعض، بطريقة متقنة محكمة.. لا يقدر على خلقها بتلك الطريقة إلا هو، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها.. أحد سواه- .
وقوله- سبحانه- ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ مؤكد لما قبله، والتفاوت مأخوذ من الفوت، وأصله الفرجة بين الإصبعين. تقول: تفاوت الشيئان تفاوتا، إذا حدث تباعد بينهما، والجملة صفة ثانية لسبع سماوات، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها.. والخطاب لكل من يصلح له.
أى: هو- سبحانه- الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى- أيها العاقل- في خلق السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع.
وقال- سبحانه-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ ... ولم يقل: ما ترى في السموات السبع من تفاوت، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو ما اقتضته رحمته- تعالى- بعباده، لكي تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم.. وللتنبيه- أيضا- على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع في صنعها وإيجادها، كما قال- تعالى-: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ «١» . وكما قال- سبحانه-: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... «٢» .
قال صاحب الكشاف: قوله: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أى: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية ومستقيمة، وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم: خلق متفاوت، وفي نقيضه متناصف.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت: هي صفة مشايعة لقوله طِباقاً وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: خَلْقِ الرَّحْمنِ تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.. «٣» .
ثم ساق- سبحانه- بأسلوب فيه ما فيه من التحدي، ما يدل على أن خلقه خال من التفاوت والخلل فقال: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ، يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ.
стр. 6185
والفطور جمع فطر، وهو الشق والصدع، يقال: فطر فلان الشيء فانفطر، إذا شقه، وبابه نصر.
وقوله كَرَّتَيْنِ مثنى كرّة، وهي المرة من الكرّ، وهو الرجوع إلى الشيء مرة أخرى، يقال كر المقاتل على عدوه، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه.
والمراد بالكرتين هنا: معاودة النظر وتكريره كثيرا، بدون الاقتصار على المرتين، فالتثنية هنا: كناية عن مطلق التكرير، كما في قولهم: لبيك وسعديك.
وقوله: خاسِئاً أى صاغرا خائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ويتمناه.
وقوله: حَسِيرٌ بمعنى كليل ومتعب، من حسر بصر فلان يحسر حسورا إذا كلّ وتعب من طول النظر والتأمل والفحص، وفعله من باب قعد.
والمعنى: ما ترى- أيها الناظر- في خلق الرحمن من تفاوت أو خلل.. فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهه..
والاستفهام في قوله: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ للتقرير. أى: إنك مهما نظرت في خلق الرحمن. وشددت في التفحص والتأمل.. فلن ترى فيه من شقوق أو خلل أو تفاوت..
وقوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ تعجيز إثر تعجيز، وتحد في أعقاب تحد.. أى: ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية.. بل أعد النظر مرات ومرات.. فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك- بعد طول النظر والتأمل- ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب.. لأنه- بعد هذا النظر الكثير- لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ أى: إن رجعت البصر، وكررت النظر، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل، وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور.. أى: بالبعد عن إصابة الملتمس.
فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين؟
قلت: معنى التثنية هنا التكرير بكثرة كقولك لبيك وسعديك..
فإن قلت: فما معنى «ثم ارجع البصر» ؟ قلت: أمره برجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع
стр. 6186
بالرجعة الأولى، وبالنظرة الحمقاء وأن يتوقف بعدها، ويجم بصره ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور.. «١» .
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد ساقت ما يدل على وحدانية الله- تعالى- وقدرته بأبلغ أسلوب، ودعت الغافلين الذين فسقوا عن أمر ربهم، إلى التدبر في هذا الكون الذي أوجده- سبحانه- في أبدع صورة وأتقنها، فإن هذا التدبر من شأنه أن يهدى إلى الحق، ويرشد إلى الصواب..
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته، وبين ما أعده للكافرين من عذاب، بسبب إصرارهم على كفرهم.. فقال- تعالى-:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٥ الى ١١]
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
قال الإمام الرازي: اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه- تعالى- قادرا عالما، وذلك لأن هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار معين، وموضع خاص، وسير معين، تدل على أن صانعها قادر.
ونظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد، ومن كونها زينة لأهل الدنيا، وسببا لانتفاعهم بها، تدل على أن صانعها عالم.
стр. 6187
ونظير هذه الآية قوله- تعالى- في سورة الصافات: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ «١» .
وقوله: زَيَّنَّا من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. والدُّنْيا صيغة تفضيل من الدنو بمعنى القرب.
والمصابيح: جمع مصباح وهو السراج المضيء. والمراد بها النجوم. وسميت بالمصابيح على التشبيه بها في حسن المنظر، وفي الإضاءة ليلا..
والرجوم: جمع رجم، وهو في الأصل مصدر رجمه رجما- من باب نصر- إذا رماه بالرّجام أى: بالحجارة، فهو اسم لما يرجم به، أى: ما يرمى به الرامي غيره من حجر ونحوه، تسمية للمفعول بالمصدر، مثل الخلق بمعنى المخلوق.
وصدرت الآية الكريمة بالقسم، لإبراز كمال العناية بمضمونها.
والمعنى: وبالله لقد زينا وجملنا السماء القريبة منكم بكواكب مضيئة كإضاءة السّرج، وجعلنا- بقدرتنا- من هذه الكواكب، ما يرجم الشياطين ويحرقها، إذا ما حاولوا أن يسترقوا السمع، كما قال- تعالى-: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «٢» .
قال الإمام ابن كثير: قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ عاد الضمير في قوله وَجَعَلْناها على جنس المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها- والله أعلم-.
قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.. «٣» .
فالضمير في قوله: وَجَعَلْناها يعود إلى المصابيح، ومنهم من أعاده إلى السماء الدنيا، على تقدير: وجعلنا منها رجوما للشياطين الذين يسترقون السمع.
وقوله- تعالى-: وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ بيان لسوء مصيرهم في الآخرة، بعد بيان سوء مصيرهم في الدنيا عن طريق إحراقهم بالشهب.
стр. 6188
أى: وهيأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة- بعد إحراقهم في الدنيا بالشهب- عذاب النار المشتعلة المستعرة.
فالسعير- بزنة فعيل- اسم لأشد النار اشتعالا. يقال: سعر فلان النار- كمنع- إذا أوقدها بشدة.
وكان السعير عذابا للشياطين- مع أنهم مخلوقون من النار، لأن نار جهنم أشد من النار التي خلقوا منها، فإذا ألقوا فيها صارت عذابا لهم، إذ السعير أشد أنواع النار التهابا واشتعالا وإحراقا..
وقوله: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ معطوف على ما قبله.
أى: هيأنا للشياطين عذاب السعير، وهيأنا- أيضا- للذين كفروا بربهم من الإنس عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم.
ثم بين- سبحانه- أحوالهم الأليمة حينما يلقون جميعا في النار فقال: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ...
والظرف «إذا» متعلق بقوله سَمِعُوا والشهيق: تردد النفس في الصدر بصعوبة وعناء..
أى: أن هؤلاء الكافرين بربهم، عند ما يلقون في النار، يسمعون لها صوتا فظيعا منكرا، وَهِيَ تَفُورُ أى: وحالها أنها تغلى بهم غليان المرجل بما فيه، إذ الفور: شدة الغليان، ويقال ذلك في النار إذا هاجت، وفي القدر إذا غلت..
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أى تكاد النار تتقطع وينفصل بعضها عن بعض، لشدة غضبها عليهم، والتهامها لهم، وتميز أصله تتميز فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
والغيظ أشد الغضب، والجملة في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف. أى: هي تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم..
وقوله: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها ... كلام مستأنف لبيان حال أهلها.
والفوج: الجماعة من الناس ولفظ كُلَّما مركب من كل الدال على الشمول، ومن ما المصدرية الظرفية.
أى: في كل وقت وآن، يلقى بجماعة من الكافرين في النار، يسألهم خزنتها من الملائكة، سؤال تبكيت وتقريع، بقولهم:
стр. 6189
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ أى: ألم يأتكم يا معشر الكافرين نذير في الدنيا، ينذركم ويخوفكم من أهوال هذا اليوم، ويدعوكم إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده.
ثم حكى- سبحانه- ما رد به الكافرون على خزنة جهنم فقال: قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ...
أى: قال الكافرون- على سبيل التحسر والتفجع- في ردهم على خزنة جهنم: بلى لقد جاءنا المنذر الذي أنذرنا وحذرنا من سوء عاقبة الكفر.. ولكننا كذبناه، وأعرضنا عن دعوته، بل وتجاوزنا ذلك بأن قلنا له على سبيل العناد والجحود والغرور: ما نزل الله على أحد من شيء من الأشياء التي تتلوها علينا، وتأمرنا بها، أو تنهانا عن مخالفتها.
وقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتمل أنه من كلام الكافرين لرسلهم الذين أنذروهم وحذروهم من الإصرار على الكفر.
أى: جاءنا الرسل الذين أنذرونا.. فكذبناهم، وقلنا لهم: ما نزل الله من شيء من الأشياء على ألسنتكم.. وقلنا لهم- أيضا- ما أنتم إلا في ضلال كبير، أى: في ذهاب واضح عن الحق، وبعد شديد عن الصواب.
ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة، أى: قال لهم الملائكة على سبيل التجهيل والتوبيخ:
ما أنتم- أيها الكافرون- إلا في ضلال كبير، بسبب تكذيبكم لرسلكم، وإعراضكم عمن حذركم وأنذركم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من المخاطبون به؟
قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أن النذير بمعنى الإنذار. والمعنى:
ألم يأتكم أهل نذير: أو وصف به منذروهم لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا..
ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول: أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا، أو أرادوا بالضلال: الهلاك.. «١» .
وجمع- سبحانه- الضمير في قوله إِنْ أَنْتُمْ.. مع أن الملائكة قد سألوهم أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ بالإفراد، للإشعار بأن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بتكذيب النذير الذي أنذرهم، بل كذبوه وأتباعه الذين آمنوا به.
فكأن كل فوج منهم كان يقول للرسول الذي جاء لهدايته: أنت وأتباعك في ضلال كبير.
стр. 6190
ثم بين- سبحانه- جانبا آخر من حسراتهم في هذا اليوم فقال: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ، ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ...
أى: وقال الكافرون بربهم- على سبيل الحسرة والندامة- لو كنا في الدنيا نسمع ما يقال لنا على لسان رسولنا، سماع طاعة وتفكر واستجابة، أو نعقل ما يوجه إلينا من هدايات وإرشادات..
لو كنا كذلك، ما صرنا في هذا اليوم من جملة أصحاب النار المسعرة، الذين هم خالدون فيها أبدا.
وقدم- سبحانه- السماع على التعقل، مراعاة للترتيب الطبيعي، لأن السماع يكون أولا، ثم يعقبه التعقل والتدبر لما يسمع.
والفاء الأولى في قوله- تعالى-: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ للإفصاح، والثانية للسببية، والسّحق: البعد، يقال: سحق- ككرم وعلم- سحقا، أى:
بعد بعدا، وفلان أسحقه الله، أى: أبعده عن رحمته، وهو مصدر ناب عن فعله في الدعاء، ونصبه على أنه مفعول به لفعل مقدر، أى: ألزمهم الله سحقا، أو منصوب على المصدرية، أى: فسحقهم الله سحقا.
أى: إذا كان الأمر كما أخبروا عن أنفسهم، فقد أقروا واعترفوا بذنوبهم، وأن الله- تعالى- ما ظلمهم، وأن ندمهم لن ينفعهم في هذا اليوم.. بل هم جديرون بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله- تعالى- وبخلودهم في نار السعير.
واللام في قوله لِأَصْحابِ للتبيين، كما في قولهم: سقيا لك.
فالآية الكريمة توضح أن ما أصابهم من عذاب كان بسبب إقرارهم بكفرهم، وإصرارهم عليه حتى الممات، وفي الحديث الشريف: «لن يدخل أحد النار، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة» . وفي حديث آخر: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم» «١» .
وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس، أخذت السورة في بيان حسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين، وفي لفت أنظار الناس إلى نعم الله- تعالى- عليهم، لكي يشكروه ويخلصوا له العبادة.. قال- تعالى:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٨]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨)
стр. 6191
وقوله: يَخْشَوْنَ من الخشية، وهي أشد الخوف وأعظمه، والغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو ما لا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل.
أى: إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه، ويعبدونه كأنهم يرونه، مع أنهم لا يرونه بأعينهم.. هؤلاء الذين تلك صفاتهم، لهم من خالقهم- مغفرة عظيمة، وأجر بالغ الغاية في الكبر والضخامة.
وقوله بِالْغَيْبِ حال من الفاعل، أى: غائبا عنهم، أو من المفعول. أى: غائبين عنه. أى. يخشون عذابه دون أن يروه- سبحانه-.
ويجوز أن يكون المعنى: يخشون عذابه حال كونهم غائبين عن أعين الناس، فهم يراقبونه- سبحانه- في السر، كما يراقبونه في العلانية كما قال الشاعر:
يتجنب الهفوات في خلواته ... عف السريرة، غيبه كالمشهد
والحق أن هذه الصفة، وهي خوف الله- تعالى- بالغيب، على رأس الصفات التي تدل على قوة الإيمان، وعلى طهارة القلب، وصفاء النفس..
ثم بين- سبحانه- بأبلغ أسلوب، ان السر يتساوى مع العلانية بالنسبة لعلمه- تعالى- فقال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ....
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية، أن المشركين كانوا ينالون من النبي ﷺ فلما
стр. 6192
أطلعه الله- تعالى- على أمرهم، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد.. «١» .
وصيغة الأمر في قوله: وَأَسِرُّوا واجْهَرُوا مستعملة في التسوية بين الأمرين، كما في قوله- تعالى- فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا....
أى: إن إسراركم- أيها الكافرون- بالإساءة إلى نبينا محمد ﷺ أو جهركم بهذه الإساءة، يستويان في علمنا، لأننا لا يخفى علينا شيء من أحوالكم، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به.
وجملة إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر أى: سواء في علمه- تعالى- إسراركم وجهركم، لأنه- سبحانه- عليم علما تاما بما يختلج في صدوركم، وما يدور في نياتكم التي هي بداخل قلوبكم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
ثم أكد- سبحانه- شمول علمه لكل شيء بقوله: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
واللطيف من اللطف، وهو العالم بخبايا الأمور، والمدبر لها برفق وحكمة ويسر..
والخبير: من الخبر، وهو العلم بجزئيات الأشياء الخفية، التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها، لأنها كانت خافية عليهم.
ولفظ مَنْ في قوله مَنْ خَلَقَ يصح أن يكون مفعولا لقوله يَعْلَمُ، والعائد محذوف أى: ألا يعلم الله- تعالى- شأن الذين خلقهم، والحال أنه- سبحانه- هو الذي لطف علمه ودق، إذ هو المدبر لأمور خلقه برفق وحكمة، العليم علما تاما بأسرار النفوس وخبايا ما توسوس به..
ويجوز أن يكون مَنْ فاعلا لقوله يَعْلَمُ على أن المقصود به ذاته- تعالى-، ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به، والمعنى: ألا يعلم السر ومضمرات القلوب الله الذي خلق كل شيء وأوجده، وهو- سبحانه- الموصوف بأنه لطيف خبير.
والاستفهام على الوجهين لإنكار ما زعمه المشركون من انتفاء علمه- تعالى- بما يسرونه فيما بينهم، حيث قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد.
стр. 6193
ثم ذكر- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.
والذلول: السهلة المذللة المسخرة لما يراد منها من مشى عليها، أو غرس فيها، أو بناء فوقها.. من الذّل وهو سهولة الانقياد للغير، ومنه قوله- تعالى-: قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ.. أى: غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض..
والأمر في قوله فَامْشُوا فِي مَناكِبِها للإباحة، والمناكب جمع منكب وهو ملتقى الكتف مع العضد والمراد به هنا: جوانبها أو طرقها وفجاجها أو أطرافها..
وهو مثل لفرط التذليل، وشدة التسخير..
أى: هو- سبحانه- الذي جعل لكم- بفضله ورحمته- الأرض المتسعة الأرجاء.
مذللة مسخرة لكم، لتتمكنوا من الانتفاع بها عن طريق المشي عليها، أو البناء فوقها. أو غرس النبات فيها..
ومادام الأمر كذلك فامشوا في جوانبها وأطرافها وفجاجها.. ملتمسين رزق ربكم فيها، وداوموا على ذلك، ففي الحديث الشريف: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» .
والمراد بقوله: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ الانتفاع بما فيها من وجوه النعم، وعبر عنه بالأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع.
فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين لكي ينتفعوا بما في الأرض من كنوز، حتى يستغنوا عن غيرهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم وسائر أمور معاشهم.. فإنه بقدر تقصيرهم في استخراج كنوزها، تكون حاجتهم لغيرهم.
قال بعض العلماء: قال الإمام النووي في مقدمة المجموع: إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجاتها حتى الإبرة، لتستغنى عن غيرها، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج..
وقد أعطى الله- تعالى- العالم الإسلامى الأولوية في هذا كله. فعليهم أن يحتلوا مكانهم، ويحافظوا على مكانتهم، ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا.. «١» .
وقد أفاض بعض العلماء في بيان معنى قوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ... فقال ما ملخصه: والناس لطول إلفهم لحياتهم على هذه الأرض وسهولة
стр. 6194
استقرارهم عليها.. ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة، ويبصرهم بها، في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد، وكل جيل، ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول..
والله- تعالى- جعل الأرض ذلولا للبشر من حيث جاذبيتها.. ومن حيث سطحها..
ومن حيث تكوينها، ومن حيث إحاطة الهواء بها.. ومن حيث حجمها.. «١» .
وقوله: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ معطوف على ما قبله، لبيان أن مصيرهم إليه- تعالى- بعد قضائهم في الأرض المذللة لهم، مدة حياتهم..
أى: وإليه وحده مرجعكم، وبعثكم من قبوركم، بعد أن قضيتم على هذه الأرض، الأجل الذي قدره- سبحانه- لكم.
ثم حذر- سبحانه- من بطشه وعقابه فقال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ..
والخسف: انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض فيصير باطنا، والباطن ظاهرا..
والمور: شدة الاضطراب والتحرك. يقال: مار الشيء مورا، إذا ارتج واضطرب، والمراد بمن في السماء: الله- بدون تحيز أو تشبيه أو حلول في مكان.
قال الإمام الآلوسى: قوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ وهو الله- كما ذهب إليه غير واحد، فقيل على تأويل: من في السماء أمره وقضاؤه، يعنى أنه من التجوز في الإسناد، أو أن فيه مضافا مقدرا، وأصله: من في السماء أمره، فلما حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر، وقيل على تقدير: خالق من في السماء..
وقيل في بمعنى على، ويراد العلو بالقهر والقدرة..
وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره- تعالى- والآية عندهم من المتشابه وقد قال ﷺ آمنوا بمتشابهه ولم يقل أولوه. فهم مؤمنون بأنه- في السماء: على المعنى الذي أراده- سبحانه- مع كمال التنزيه. وحديث الجارية- التي قال لها الرسول ﷺ أين الله؟ فأشارت إلى السماء- من أقوى الأدلة في هذا الباب. وتأويله بما أول به الخلف، خروج عن دائرة الإنصاف عند ذوى الألباب.. «٢» .
стр. 6195
والمعنى: أأمنتم- أيها الناس- من في السماء وهو الله- أن يذهب الأرض بكم، فيجعل أعلاها أسفلها.. فإذا هي تمور بكم وتضطرب، وترتج ارتجاجا شديدا تزول معه حياتكم.
فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره، بهذا العذاب الشديد، وتحذيرهم من نسيان بطشه وعقابه.
والباء في قوله بِكُمُ للمصاحبة. أى: يخسفها وأنتم مصاحبون لها بذواتكم، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم..
ثم انتقل- سبحانه- من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب آخر فقال: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ.
أى: بل أأمنتم- أيها الناس- من السماء، وهو الله- بسلطانه وقدرته..
أن يرسل عليكم حاصِباً أى: ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التي تهلك، فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب، كيف كان إنذارى لكم متحققا وواقعا وحقا..
فالاستفهام في الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم عذاب الله- تعالى- عند مخالفتهم لأمره، وخروجهم عن طاعته.
وقدم- سبحانه- التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحاصب، لأن الخسف من أحوال الأرض، التي سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم، وفيها ما فيها من منافعهم، فهذه المنافع ليس عسيرا على الله- تعالى- أن يحولها إلى عذاب لهم..
ثم ذكرهم- سبحانه- بما جرى للكافرين السابقين فقال: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ..
أى: وو الله لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وثمود.. فكان إنكارى عليهم، وعقابي لهم، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما.
فالنكير بمعنى الإنكار، والاستفهام في قوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للتهويل.
أى: إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما، لأنه ترتب عليه، أن أخذتهم أخذ عزيز مقتدر.
كما قال- تعالى-: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ،
стр. 6196
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» .
ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإنذار، إلى دعوتهم إلى التأمل والتفكر، في مشهد الطير صافات في الجو.. وفي أحوال أنفسهم عند اليأس والفقر، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق.. فيقول- سبحانه-:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
قال بعض العلماء: قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ.. عطف على جملة هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا.. استرسالا في الدلائل على انفراد الله- تعالى- بالتصرف في الموجودات، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات، وهي أحوال الطير في نظام حركاتها في حال طيرانها، إذ لا تمشى على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به.. «٢» .
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا.. للتعجيب من حال المشركين، لعدم تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار..
والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والطير: جمع طائر كصحب وصاحب..
والمعنى: أغفل هؤلاء المشركون، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم، وهن صافَّاتٍ أى: باسطات أجنحتهن في الهواء عند الطيران في الجو، وَيَقْبِضْنَ أى:
стр. 6197
ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك في الهواء..
ما يُمْسِكُهُنَّ في حالتي البسط والقبض إِلَّا الرَّحْمنُ الذي وسعت رحمته وقدرته كل شيء، والذي أحسن كل شيء خلقه..
إِنَّهُ- سبحانه- بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أى: إنه- سبحانه- مطلع على أحوال كل شيء، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها..
قال صاحب الكشاف: صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا وَيَقْبِضْنَ أى: ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل وَيَقْبِضْنَ ولم يقل: وقابضات؟
قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارئ على البسط.
للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح.. «١» .
والمراد بإمساكهن: عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته- تعالى- حيث أودع فيها من الخصائص ما جعلها تطير في الجو، كالسابح في الماء.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ.. «٢» .
ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه، ونفاذ إرادته، وعدم وجود من يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقابه فقال: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ.
والاستفهام للتحدى والتعجيز، وأم منقطعة بمعنى بل، فهي للإضراب الانتقالى من غرض إلى آخر، ومن حجة إلى أخرى.
ومن اسم استفهام مبتدأ، وخبره اسم الإشارة، وما بعده صفته.
والمراد بالجند: الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم. ولفظ دُونِ أصله ظرف للمكان الأسفل.. ويطلق على الشيء المغاير، فيكون بمعنى غير كما هنا، والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند، والتهوين من شأنهم.
стр. 6198
والمعنى: بل أخبرونى- أيها المشركون- بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم تفكيرا ينفعكم، من هذا الحقير الذي تستعينون به في نصركم ودفع الضر عنكم، متجاوزين في ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره. أو من هذا الذي ينصركم نصرا كائنا غير نصر الرحمن، أو من ينصركم من عذاب كائن من عنده- تعالى-.
والجواب الذي لا تستطيعون جوابا سواه: هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ينصركم من دون الله- تعالى-، كما قال- سبحانه- وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ..
وكما قال- : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ.
وقوله- سبحانه-: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ كلام معترض بين ما قبله وما بعده، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر.
والغرور: صفة في النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا وعنادا وجهلا. أى ليس الكافرون إلا في غرور عظيم، وفي جهل تام، عن تدبر الحق، لأنهم زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فرأوها حسنة.
ثم انتقل- سبحانه- إلى إلزامهم بنوع آخر من الحجج فقال: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ..
أى: بل أخبرونى من هذا الذي يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم الرزق والخير، إذا أمسك الله- تعالى- عنكم ذلك، أو منع عنكم الأسباب التي تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام حياتكم، كمنع نزول المطر إليكم، وكإهلاك الزروع والثمار التي تنبتها الأرض..
إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى الله- تعالى-.
وقوله: بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ جملة مستأنفة جواب لسؤال تقديره: فهل انتفع المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا، بل لَجُّوا أى تمادوا في اللجاج والجدال بالباطل وفِي عُتُوٍّ أى: وفي استكبار وطغيان، وفي نُفُورٍ أى: شرود وتباعد عن الطريق المستقيم.
أى: أنهم ساروا في طريق أهوائهم حتى النهاية، دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ أو مرشد.
ثم ضرب- سبحانه- مثلا لأهل الإيمان وأهل الكفر، وأهل الحق وأهل الباطل، فقال
стр. 6199
- سبحانه-: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
والمكب: هو الإنسان الساقط على وجهه، يقال: كبّ فلان فلانا وأكبه، إذا صرعه وقلبه بأن جعل وجهه على الأرض.. فهو اسم فاعل من أكب.
وقوله: أَهْدى مشتق من الهدى، وهو معرفة طريق الحق والسير فيها، والمفاضلة هنا ليست مقصودة، لأن الذي يمشى مكبا على وجهه، لا شيء عنده من الهداية أو الرشد إطلاقا حتى يفاضل مع غيره، وفيه لون من التهكم بهذا المكب على وجهه.
و «السوى» هو الإنسان الشديد الاستواء والاستقامة، فهو فعيل بمعنى فاعل.
ومنه قوله- تعالى- حكاية عما قاله إبراهيم- ﵇ لأبيه: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا أى: مستويا.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى ... :
هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه، كمثل من يمشى مكبا على وجهه، أى: يمشى منحنيا لا مستويا على وجهه، أى: لا يدرى أين يسلك، ولا كيف يذهب، بل هو تائه حائر ضال، أهذا أهدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أى: منتصب القامة عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أى على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة.
هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشى سويا على صراط مستقيم.. وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى النار..
وروى الإمام أحمد عن أنس قال: قيل يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟
فقال: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم» «١» ؟.
وقال الجمل: هذا مثل للمؤمن والكافر، حيث شبه- سبحانه- المؤمن في تمسكه بالدين الحق، ومشيه على منهاجه، بمن يمشى في الطريق المعتدل، الذي ليس فيه ما يتعثر به..
وشبه الكافر في ركوبه ومشيه على الدين الباطل، بمن يمشى في الطريق الذي فيه حفر وارتفاع وانخفاض، فيتعثر ويسقط على وجهه، وكلما تخلص من عثرة وقع في أخرى.
فالمذكور في الآية هو المشبه به، والمشبه محذوف، لدلالة السياق عليه.. «٢» .
стр. 6200
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار، ووبخت المشركين على جهالاتهم وطغيانهم، وساقت مثالا واضحا للمؤمن والكافر، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ في بعض آيات أن يذكر الكافرين بنعم الله- تعالى- عليهم، وأن يرد على شبهاتهم وأكاذيبهم بما يدحضها، وأن يكل أمره وأمرهم إليه وحده- تعالى- فقال:
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٣ الى ٣٠]
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين- على سبيل تبصيرهم بالحجج والدلائل الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا، وعلى سبيل التنويع في الإرشاد والتوجيه.. قل لهم:
الرحمن- هو الذي أنشأكم وأوجدكم في كل طور من أطوار حياتكم، وهو سبحانه- الذي أوجد لكم السمع الذي تسمعون به، والأبصار التي تبصرون بها الكائنات، والأفئدة أى والقلوب التي تدركونها بها..
ولكنكم- مع كل هذه النعم- قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ خالقكم- .