وقوله- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا بيان لزعمهم الباطل الذي سوغ لهم التعامل بالربا، ورد عليه بما يهدمه.
واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذي نزل بهم. والمعنى: ذلك الأكل الذي استحلوه عن طريق الربا، أو ذلك العذاب الذي حل بهم والذي من مظاهره قيامهم المتخبط، سببه قولهم إن البيع الذي أحله الله يشابه الريا الذي نتعامل به في أن كلا منهما معاوضة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل الشيء الذي لا يساوى إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ قلت:
جيء به على طريق المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع» «١» .
وقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا جملة مستأنفة، وهي رد من الله- تعالى- عليهم، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع.
قال الآلوسى: وحاصل هذا الرد من الله- تعالى- عليهم: أن ما ذكرتم- من أن الربا مثل البيع- قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان، على أن بين البابين فرقا، وهو أن من باع ثوبا يساوى درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثواب. وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضا إذ الإمهال ليس بمال في مقابلة المال» «٢» .
وقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ. تفريع على الوعيد السابق في قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا.. إلخ» .
والمجيء بمعنى العلم والبلاغ، والموعظة: ما يعظ الله- تعالى- به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره.
أى: فمن بلغه نهى الله- تعالى- عن الربا، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه، فَلَهُ ما سَلَفَ أى فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم بقبضه.. لأن الله- تعالى- يقول بعد ذلك وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ...
стр. 632
وقوله: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أى أمر هذا المرابى الذي تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده، أمره مفوض إلى الله- تعالى- فهو الذي يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه.
قال ابن كثير: قوله فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ.. إلخ أى من بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ربا أضع ربا عمى العباس، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال- تعالى-: فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أى فله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم» «١» .
و «من» في قوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ شرطية وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون موصولة.
وعلى التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء، وقوله: فَلَهُ ما سَلَفَ هو الجزاء أو الخبر، ومَوْعِظَةٌ فاعل جاء، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهي في معنى المذكر وقوله: مِنْ رَبِّهِ جار ومجرور متعلق بجاءه، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وفي قوله: مِنْ رَبِّهِ تفخيم لشأن الموعظة، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله- تعالى- المربى لعباده.
وفي هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده، لأنه- سبحانه- لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهى، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل، إذ الإسلام يجب ما قبله. فما أكله المرابى قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم، وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا.
ولقد توعد الله- تعالى- من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله- تعالى- فقال وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
أى ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه.
وفي هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها:
التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله، والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار والتعبير، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة، وبكلمة
стр. 633
خالِدُونَ التي تدل على طول المكث.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة المرابين، وحسن عاقبة المتصدقين فقال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ والمحق: النقصان والإزالة للشيء حالا بعد حال، ومنه محاق القمر، أى انتقاصه في الرؤية شيئا فشيئا حتى لا يرى، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شيء.
أى: أن المال الذي يدخله الربا يمحقه الله، ويذهب بركته، أما المال الذي يبذل منه صاحبه في سبيل الله فإنه- سبحانه- يباركه وينميه ويزيده لصاحبه.
قال الإمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: اعلم أنه لما كان الداعي إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال، لما كان الأمر كذلك بين- سبحانه- أن الربا، وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى، واللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضى به الطبع والحس والدواعي والصوارف، بل يعول على ما أمر به الشرع.
ثم قال: واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة. أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه:
أحدها: أن الغالب في المرابى وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عنه، ففي الحديث: الربا وإن كثر فإلى قل.
وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة.
وثالثها: إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم ...
ورابعها: أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من الربا ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده.
وأما أن الربا مسبب للمحق في الآخرة فلوجوه منها أن الله- تعالى- لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا صلة رحم- كما قال ابن عباس-، ومنها أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل الباقي هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر.
وأما إرباء الصدقات في الدنيا فمن وجوه: منها: أن من كان لله كان الله له، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله، ومنها أن يزداد كل يوم في ذكره الجميل وميل القلوب إليه، ومنها أن الفقراء يدعون له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع.
стр. 634
وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى مسلّم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله- تعالى- يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم مهره، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» «١» .
ففي هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين، وتهديد شديد للمرابين ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
وكَفَّارٍ فعيل بمعنى فاعل فهي صيغة مبالغة من آثم، والأثيم هو المكثر من ارتكاب الآثام المبطئ عن فعل الخيرات.
أى: أن الله- تعالى- لا يرضى عن كل من كان شأنه الستر لنعمه والجحود لها، والتمادي في ارتكاب المنكرات، والابتعاد عن فعل الخيرات.
وقد جمع- سبحانه- بين الوصفين للإشارة إلى أن إيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه وهم كفار إن استحلوه، وهم في الحالتين آثمون معاقبون، يعيدون عن محبة الله ورضاه. وسيعاقب- سبحانه- الناقصين في إيمانهم، والكافرين به بما يستحقون من عقوبات.
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن استحلوا الربا، أو فعلوه مع عدم استحلالهم له.
وبعد هذا التهديد الشديد للمتعاملين بالربا، ساق- سبحانه- آية فيها أحسن البشارات للمؤمنين الصادقين فقال- تعالى-:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أى إيمانا كاملا بكل ما أمر الله به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أى الأعمال الصالحة التي تصلح بها نفوسهم والتي من جملتها الإحسان إلى المحتاجين، والابتعاد عن الربا والمرابين وَأَقامُوا الصَّلاةَ بالطريقة التي أمر الله بها، بأن يؤدوها في أوقاتها بخشوع واطمئنان وَآتَوُا الزَّكاةَ أى أعطوها لمستحقيها بإخلاص وطيب نفس.
هؤلاء الذين اتصفوا بكل هذه الصفات الفاضلة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أى لهم ثوابهم الكامل عند خالقهم ورازقهم ومربيهم.
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم الفزع الأكبر وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لأى سبب من الأسباب، لأن ما هم فيه من أمان واطمئنان ورضوان من الله- تعالى- يجعلهم في فرح دائم، وفي سرور مقيم.
ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أى اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال
стр. 635
والأقوال التي تفضى بكم إلى عقابه.
وقوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أى: اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب، فهذا مقابل لقوله- تعالى- قبل ذلك: فَلَهُ ما سَلَفَ أى ما سلف قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورون بتركه.
وقوله: مِنَ الرِّبا متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل بَقِيَ أى اتركوا الذي بقي حال كونه بعض الربا، ومن للتبعيض. أو متعلق ببقى.
وذَرُوا فعل أمر- بوزن علوا- مبنى على حذف النون والواو فاعل، وأصله «وذروا» فحذفت فاؤه، والماضي منه «وذر» .
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حض لهم على ترك الربا أى إن كنتم مؤمنين حق الإيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقي من الربا مما زاد على رءوس أموالكم.
قال ابن كثير: نزل هذا السياق في بنى عمرو بن عمير بن ثقيف، وبنى المغيرة من بنى مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا. وقالت بنو المغيرة: لا نؤدى في الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله- ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه. فقالوا نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لكل من استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار» «١» ثم هدد الله- تعالى كل من يتعامل بالربا تهديدا عنيفا فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
أى: فإن لم تتركوا الربا وأخذتم منه شيئا بعد نهيكم عن ذلك، فكونوا على علم ويقين بحرب كائنة من الله- تعالى- ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا.
وقوله: فَأْذَنُوا من أذن بالشيء يأذن إذا علمه. وقرئ فآذنوا من آذنه الأمر وآذنه به:
أعلمه إياه: أى أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله.
وتنكير «حرب» للتهويل والتعظيم أى فكونوا على علم ويقين من أن حربا عظيمة ستنزل عليكم من الله ورسوله.
قال بعضهم: والمراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب. وقال آخرون: المراد نفس الحرب بمعنى أن الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر عليه الإمام قبض عليه
стр. 636
وأجرى فيه حكم الله من الحبس والتعزير إلى أن تظهر منه التوبة. وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر الصديق ما نعى الزكاة.
وقال ابن عباس: من تعامل بالربا يستتاب فإن تاب فبها وإلا ضرب عنقه «١» .
ثم بين- سبحانه- ما يجب عليهم عند توبتهم عن التعامل بالربا فقال: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ.
أى: وإن تبتم عن التعامل بالربا الذي يوجب الحرب عليكم من الله ورسوله، فلكم رءوس أموالكم أى أصولها بأن تأخذوها ولا تأخذوا سواها، وبذلك لا تكونون ظالمين لغرمائكم، ولا يكونون ظالمين لكم، لأن من أخذ رأس ماله بدون زيادة كان مقسطا ومتفضلا، ومن دفع ما عليه بدون إنقاص منه كان صادقا في معاملته.
ثم أمر الله- تعالى- الدائنين أن يصبروا على المدينين الذين لا يجدون ما يؤدون منه ديونهم فقال- تعالى-: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ.
والعسرة: اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال يقال: أعسر الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال.
والنظرة: اسم من الإنظار بمعنى الإمهال. يقال: نظره وانتظره وتنظره، تأنى عليه وأمهله في الطلب.
والميسرة: مفعلة من اليسر الذي هو ضد الإعسار. يقال: أيسر الرجل فهو موسر إذا اغتنى وكثر ماله وحسنت حاله.
والمعنى: وإن وجد مدين معسر فأمهلوه في أداء دينه إلى الوقت الذي يتمكن فيه من سداد ما عليه من ديون، ولا تكونوا كأهل الجاهلية الذين كان الواحد منهم إذا كان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة وقال له: إما أن تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على أصل الدين.
وكانَ هنا الظاهر أنها تامة بمعنى وجد أو حدث، فتكتفى بفاعلها كسائر الأفعال. وقيل يجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود إلى المدين وإن لم يذكر وذلك على قراءة ذا عسرة بالنصب وقوله: فَنَظِرَةٌ الفاء جواب الشرط. ونظرة خبر لمبتدأ محذوف أى فالأمر أو فالواجب أو مبتدأ محذوف الخبر أى فعليكم نظرة.
ثم حبب- سبحانه- إلى عباده التصدق بكل أو ببعض ما لهم من ديون على المدينين
стр. 637
المعسرين فقال- تعالى-: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أى: وأن تتركوا للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ديون وتتصدقوا بها عليه، فإن فعلكم هذا يكون أكثر ثوابا لكم من الإنظار.
وجواب الشرط في قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ محذوف. أى إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فلا تتباطؤا في فعله، بل سارعوا إلى تنفيذه فإن التصدق بالدين على المعسر ثوابه جزيل عند الله- تعالى-.
وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث النبوية التي تحض على إمهال المعسر، والتجاوز عما عليه من ديون.
ومن ذلك ما أخرجه مسلّم في صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» .
وروى الطبراني عن أسعد بن زرارة أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظلله فلييسر على معسر أو ليضع عنه» .
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر» «١» .
ثم ساق- سبحانه- في ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من حساب فقال- تعالى-: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
أى: واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما في أهواله وشدائده، وهو يوم القيامة الذي تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم، ثم يجازى- سبحانه- كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله، ولا يظلم ربك أحدا.
فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات والأخذ والعطاء، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله- تعالى-.
قال الآلوسى: أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هي آخر ما نزل على رسول الله ﷺ من القرآن. واختلف في مدة بقائه بعدها. فقيل: تسع ليال. وقيل: سبعة أيام. وقيل:
واحدا وعشرين يوما. وروى أنه قال: اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين ... » «٢» .
стр. 638
هذا، والمتدبر في هذه الآيات التي وردت في موضع الربا، يراها قد نفرت منه تنفيرا شديدا، وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات، وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، وتشمئز منها القلوب، وحضت المؤمنين على أن يلتزموا في معاملاتهم ما شرعه الله لهم، وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به.
وقد تكلم الفقهاء «١» وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمة تحريمه كلاما مستفيضا، قال بعضهم: الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل.
فربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه في موعد معين، فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذر الأداء زادوا في الحق وفي الأجل.
وربا الفضل: أن يباع درهم بدرهمين، أو دينار بدينارين، أو رطل من العسل برطلين، أو كيلة من الشعير بكيلتين.
وكان ابن عباس في أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا الفضل اعتمادا على ما روى من أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة» ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي ﷺ قال: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد» رجع عن قوله. لأن قوله ﷺ : «إنما الربا في النسيئة» محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير. تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل.
ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين: أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما في قوله- تعالى-: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا.
وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذي رواه عبادة ابن الصامت أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر.
والملح بالملح. مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدا بيد» .
وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع. وجمهور العلماء على أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها في العلة.
وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر..» «٢» .
стр. 639
ومن الحكم التي ذكرت في أسباب تحريم الربا: أنه يقتضى أخذ مال الغير بدون عوض، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق في الكسب والتجارة والصناعة، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضى إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع- كما سبق أن أشرنا-.
ومن الأحاديث الشريفة التي وردت في التحذير من تعاطى الربا ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات- أى المهلكات- قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .
وأخرج مسلّم في صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» .
وبعد أن أمر- سبحانه- المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين، وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق في وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطى الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق، وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عند ما يعطى أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول:
стр. 640
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
قال ابن كثير: قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ هذا إرشاد منه- تعالى- لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ. الآية. وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله ﷺ «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» «١» .
ومعنى تَدايَنْتُمْ: تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين- كما يقول القرطبي- «عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا» «٢» .
стр. 641
والأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل. وأصله من التأخير، يقال:
أجل الشيء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين، لأن في هذه الكتابة حفظا له، وضبطا لمقداره، ومنعا للتنازع من أن يقع بينكم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى، وأى حاجة إلى ذكر الدين؟ قلت: ذكر- لفظ الدين- ليرجع الضمير إليه في قوله: فَاكْتُبُوهُ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت: ما فائدة قوله: مُسَمًّى قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال: إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية» «١» .
وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله «فاكتبوه» للندب، ولأن الله- تعالى- قد قال بعد ذلك فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ولأن النبي ﷺ لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم، ولا المدينين بأن يكتبوها.
وقال الظاهرية: إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آثما، لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب..
وقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أى: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقا لشريعة الإسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته، لأن الله- تعالى- يقول: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصا تتوفر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحرى الحق. ومفعول يَكْتُبَ محذوف ثقة بانفهامه أى وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين، لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها.
стр. 642
والجار والمجرور وهو بِالْعَدْلِ متعلق بمحذوف صفة لكاتب أى: وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أى:
وليكتب بالحق.
ثم نهى الله- تعالى- من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعى إليها فقال:
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ.
أى: ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله إياها أن يتحرى العدل والحق في كتابته، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية.
فالكاف في قوله- تعالى-: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ نعت لمصدر محذوف والتقدير: فليكتب كتابة مثل ما علمه الله- تعالى- بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها.
ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى: لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها، فهو كقوله- تعالى-: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وفي الحديث الشريف «إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق» وفي حديث آخر: «من كتم علما يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» «١» .
وقوله: فَلْيَكْتُبْ تفريع على قوله «ولا يأب كاتب» أى: فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ. ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ.
قال القرطبي: واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فقال الطبري: واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن: ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره» «٢» .
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين، وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال- تعالى-: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً.
والإملال معناه الإملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال- تعالى-: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
стр. 643
أى: وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله- تعالى- في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله- تعالى-.
وقد أمر الله- تعالى- بأن يكون الذي يملى على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين، أو يملى شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله- تعالى- حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين: تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين.
ثم بين- سبحانه- الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإملاء فقال- تعالى-:
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وهو المدين سَفِيهاً أى جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل، أو متلافا مبذرا لا يحسن تدبير أمره» .
أَوْ ضَعِيفاً بأن يكون صبيا أو شيخا تقدمت به الشيخوخة.
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ بأن يكون عييا أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات.
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ أى فعلى ولى أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به.
وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون، انتقل القرآن إلى الحديث عن الإشهاد فقال- تعالى-: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أى: اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجرى بينكم من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإشهاد يعطى الديون والكتابة توثيقا وتثبيتا. والسين والتاء في قوله: «واستشهدوا» للطلب.
قال الآلوسى: «وفي اختيار صيغة المبالغة في شَهِيدَيْنِ للإيماء إلى من تكررت منه الشهادة، فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك» «١» .
стр. 644
وقوله: مِنْ رِجالِكُمْ متعلق بقوله: وَاسْتَشْهِدُوا ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض، أى من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملتهم.
ثم بين- سبحانه- الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ.
وقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامرأتان. أى فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيون عندكم بعدالتهم.
وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا للتشديد في اعتباره، لأن اتصاف النساء به قد لا يتوفر كثيرا.
وقوله: مِنَ الشُّهَداءِ متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدر في تَرْضَوْنَ العائد إلى الموصول: أى فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم، وثقتكم بهم.
وقوله- تعالى-: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أدق في الدلالة على صدق الشهادة من العدالة، لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيا في دينه وخلقه ولكنه قد يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته في وقت الحاجة إليها، أو قد يكون ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه في الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض المعاصي، فجاء- سبحانه- بهذه الجملة الحكيمة لكي يقول للناس. اختاروا الشهداء من الذين يرتضى قولهم، ويقيمون الشهادة على وجهها الحق بدون التأثر بأى نوع من أنواع المؤثرات.
هذا، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص. وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة.
ثم بين- سبحانه- العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل في الشهادة فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.
قال القرطبي: معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا» «١» .
والمعنى: جعلنا المرأتين بدل رجل واحد في الشهادة، خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل
стр. 645
واحدة منهما الأخرى. إذ المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعالها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى في الشهادة بحيث يتذكران الحق فيما بينهما.
والعلة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير، نزل منزلة العلة.
وذلك كأن تقول: أعددت السلاح خشية أن يجيء العدو فأدفعه، فإن العلة هي الدفاع عن النفس، ولكن لما كان مجيء العدو سببا فيه نزل منزلته.
وكما أمر الله- تعالى- الكتاب في أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر الشهود أيضا بعدم الامتناع عن الشهادة فقال- تعالى-: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا أى: ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى دعوا إليها، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدى إلى ضياع الحقوق. والله- تعالى- قد شرع الشهادة لإحقاق الحق، ونشر العدل بين الناس، فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما أمرهم الله- تعالى-.
ثم أمر- سبحانه- بكتابة الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ.
السأم: الضجر والملل. يقال: سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة أى مللته وضجرته.
والمعنى: وعليكم أيها المؤمنون أن لا تملوا من كتابة الدين إلى الوقت المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيرا أم صغيرا، لأن الكتابة في الحالتين أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها، وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم بينكم، ولأن الدين قد يكون صغيرا في نظر الغنى المليء، إلا أنه كبير في نظر الفقير المعسر، ولأن التهاون في شأن الدين الصغير قد يؤدى إلى التهاون في شأن الدين الكبير، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما بينكم من ديون.
والضمير في قوله: أَنْ تَكْتُبُوهُ يعود إلى الدين أو إلى الحق، وقوله: صَغِيراً أَوْ كَبِيراً حالان من الضمير. أى لا تسأموا أن تكتبوه على كل حال قليلا أو كثيرا، وقدم الصغير على الكبير اهتماما به وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى.
ثم بين- سبحانه- ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم الله- تعالى- به، فقال: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ.
واسم الإشارة ذلِكُمْ يعود إلى كل ما سبق ذكره في الآية من الكتابة والإشهاد ومن عدم الامتناع عنهما، ومن تحرى الحق والعدل.
وأَقْسَطُ بمعنى أعدل. يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط.
стр. 646
قال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ويقال: هو قاسط إذا جار وظلم. قال- تعالى-: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً.
أى: ذلكم الذي شرعناه لكم في أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما أعدل في علم الله- تعالى-، وكل ما كان كذلك فهو الأعدل والأفضل والأحكم في ذاته، لأنه- سبحانه- هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له، وتلك هي الفائدة الأولى.
أما الفائدة الثانية فهي قوله- سبحانه-: وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ومعنى أَقْوَمُ أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج. أى: أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها.
وأما الفائدة الثالثة فهي قوله: وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أى: أقرب إلى زوال الشك والريبة.
أى أن الأوامر والنواهي السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل في علم الله- تعالى- وأعون على إقامة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ، وأقرب إلى عدم الشك في جنس الدين وقدره وأجله، وإذا توفرت هذه الفوائد الثلاث في المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس، أما إذا فقدت فإن الثقة تزول من بينهم، ويحل محلها النزاع والشقاق.
ثم أباح- سبحانه- في التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها.
والتجارة الحاضرة التي تدور بين التجار: هي التي يجرى فيها التقابض في المجلس أو التي يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا. وسميت حاضرة، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر.
والمعنى: أن الله- تعالى- يأمركم بكتابة الديون وبالإشهاد عليها إلا أنه- سبحانه- رحمة بكم أباح لكم عدم الكتابة في التجارة الحاضرة التي تكثرون إدارتها والتعامل فيها، لأنه لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم، وهو- سبحانه- ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
ولأن أمثال هذه التجارات التي يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها، لا يتوقع فيها التنازع أو النسيان.
والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب، وليست التجارة الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل: إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التي يجرى فيها التقابض لا جناح عليكم في عدم كتابتها.
وقيل: الاستثناء متصل والجملة المستثناة في موضع نصب لأنه استثناء من الجنس، لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة والتقدير: آمركم بالكتابة والإشهاد في كل معاملة إلا في حال حضور التجارة فلا بأس من ترك الكتابة. وتِجارَةً قرأها الجمهور بالرفع
стр. 647
على أنها اسم تكون، والخبر جملة تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ. أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة.
وقرأها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على التجارة.
أى. إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة.
وقوله- تعالى-: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر منه- سبحانه- بالإشهاد عند البيع، وهذا الأمر للإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء. ويرى الظاهرية أنه للوجوب.
قال صاحب الكشاف: هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا- أى مؤجلا- لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعنى التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة، وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل» «١» .
ثم نهى- سبحانه- عن المضارة فقال: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ.
والمضارة: إدخال الضرر. والفعل يُضَارَّ يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن أصله «لا يضارر- بكسر الراء- ويحتمل أن يكون مبنيا للمفعول. وأن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى.
والمعنى على الأول: نهى الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد المتعاقدين، بأن يبخس الكاتب أحدهما، أو يشهد بغير الحق.
والمعنى على الثاني: وهو الظاهر- نهى الدائن والمدين عن أن ينزل أحدهما ضررا بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق، فإنهما أمينان، والإضرار بهما قد يحملهما على الخيانة وفي ذلك ضياع للأمانة وذهاب للثقة. ولذا قال- تعالى- بعد ذلك وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ.
أى: وإن تفعلوا ما نهيتم عنه أو تخالفوا ما أمرتم به، فإنكم بذلك تكونون قد خرجتم عن طاعة الله، وتلبستم بمعصيته، وصرتم أهلا لعقوبته، فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة في دينكم ودنياكم.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالأمر بخشيته. وبتذكيرهم بنعمه فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أى: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فهو- سبحانه- الذي يعلمكم ما يصلح لكم
стр. 648
أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه واستجبتم له، وهو- سبحانه- بكل شيء عليم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وبعد: فهذه هي آية الدين التي هي أطول آية في القرآن، تقرؤها فتراها قد اشتملت على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأنجع الإرشادات التي تهدى إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل.
تقرؤها فترى الدقة العجيبة في الصياغة بأن وضع كل لفظ في مكانه المناسب، وترى الطلاوة في التعبير، والعذوبة في الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصياغة على جمال العرض.
وترى الوفاء الكامل، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل المؤثرات التي قد تؤثر على سلامة التعاقد، والإرشاد الجامع إلى كل ما يضمن وصول الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن.
وترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس في النفوس الخوف من الله- تعالى- والمراقبة له، والاستجابة لأوامره، لا كطريقة البشر في قوانينهم التي صاغوها في قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير في النفس، ولا باهتزاز في القلب.
ولو لم يكن في شريعة الله سوى هذا التأثير الذي تشعر به النفوس النقية الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى أنها من صنع الله- تعالى- ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها في سائر شئونهم لظفروا بالسعادتين: الدينية والدنيوية.
ثم بين- سبحانه- ما يحب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة ديونهم بأن كانوا مسافرين وليس معهم كاتب فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣]
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
الرهان: جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول وقرأ ابن كثير وأبو عمر فرهن مقبوضة وأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحبس قال- تعالى-:
стр. 649
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. ومعنى الرهن: أن يوضع شيء يناسب قيمة الدين من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه، ليستطيع أن يستوفى حقه من هذا الشيء المرهون عند تعذر الدفع.
والمعنى: وإن كنتم. أيها المؤمنون- مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى، ولم تجدوا كاتبا يكتب لكم ديونكم، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة لأى سبب من الأسباب، فإنه في هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة يقبضها صاحب الدين ضمانا لحقه عند تعذر أخذه من الغريم.
وفي التعبير بقوله: عَلى سَفَرٍ استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه. وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال، لأن حال المسافر يغلب عليها التنقل وعدم الاستقرار.
وجملة وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً معطوفة على فعل الشرط، أى: وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا، كاتبا فتكون في محل جزم تقديرا. ويجوز أن تكون الواو للحال والجملة بعدها في محل نصب على الحال.
وقوله: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالذي يستوثق به رهان مقبوضة.
أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: فعليكم رهان مقبوضة.
ومن الأحكام التي أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة: أن تعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطا في صحة الرهان، فإن التعامل بالرهان مشروع في حالتي السفر والحضر، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة تعسر الكتابة لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ توفى ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير رهنها قوتا لأهله» «١» .
ومن الواضح أن رسول الله ﷺ عند ما رهن درعه لليهودي كان مقيما ولم يكن مسافرا.
قال القرطبي: ولم يرو عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية، ولا حجة فيها لهم، لأن هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره» «٢» .
كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ أن الرهن لا يتم إلا بالقبض، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف
стр. 650
والشافعية، ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض، لأن القبض حكم من أحكامه، فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة، فالقبض حكم من أحكام العقد، وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه.
وقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ تفريع على أحكام الديون السابقة، وحض على أداء الأمانة وعلى حسن المعاملة.
أى: فإن أمن الدائن المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين بالكتابة والشهود والرهن، فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به بأن يؤدى ما عليه من ديون في الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة، وعليه كذلك أن يتقى الله ربه في رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر في أدائها لأن الله العليم بكل شيء سيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه.
وعبر- سبحانه- بقوله: فَإِنْ أَمِنَ دون أو أودع، للإشارة إلى الجانب الذي اعتمد عليه الدائن في المدين وهو خلق الأمانة، فهو لا يرى فيه إلا جانبا مأمونا لا يتوقع منه شرا أو خيانة، وللتنبيه إلى أن صفة الأمانة والوفاء من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون جميعا حتى ينالوا السعادة في دينهم ودنياهم، عبر بقوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ ولم يقل فليؤد المدين لحضه: على الأداء بأحسن أسلوب، لأنه ما دام الدائن قد ائتمنه على ما أعطاه من ديون، فعلى هذا الذي اؤتمن وهو المدين أن يكون عند حسن الظن به وأن يرد إليه حقه في موعده مع شكره على حسن ظنه به.
وقوله: أَمانَتَهُ أى دينه. والضمير يصح أن يعود إلى الدائن باعتباره مالك الدين، وإلى المدين باعتبار أن الدين عليه، وفي إضافتها- أى الأمانة- إلى المدين إشعار له بأنها عبء في ذمته يجب أن يؤديه حتى يتخلص من تكاليفه، إذ الأمانة عبء ثقيل عند العقلاء الذين يشعرون بالمسئولية نحو أنفسهم ونحو غيرهم.
وجمع- سبحانه- بين صفتي الألوهية والربوبية في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ للمبالغة في التحذير من الخيانة والمماطلة فإنهما يغضبان الله- تعالى- الذي خلق الإنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، ولإشعار هذا المدين بأن التقوى هي الوثيقة الكبرى التي لا تعدلها وثيقة أخرى من كتابة أو شهادة أو رهان.
وبذلك نرى لونا من ألوان التدرج الحكيم في شريعة الله- تعالى- فأنت ترى أن الله- تعالى- قد بين قبل ذلك أن الكتابة في الديون والإشهاد عليها مطلوبان، فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض.
стр. 651
فإن تعذر على المدين المحتاج أن يدفع للدائن رهنا يكون الاعتماد على الأمانة التي هي صفة من صفات الصادقين.
فيا له من تشريع حكيم، بين للناس ما يصلح شأنهم في دينهم وفي دنياهم.
ثم أمر الله تعالى- عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا يكتموها فقال- تعالى-:
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. أى: وعليكم- أيها المؤمنون- ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها وألا تخفوها فإن الذي يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقبا من الله- تعالى- بسبب ارتكابه لما نهى عنه.
وقد أسند- سبحانه- الإثم إلى القلب خاصة مع أن الإثم يسند إلى الشخص، لأن الإثم في كتمان الشهادة عمل القلب لا عمل الجوارح، ولأن القلب أساس كل خير وكل شر، ففي الحديث الشريف: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا اقتصر على قوله فَإِنَّهُ آثِمٌ وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ووعاه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء فكأنه قيل: ومن يكتمها فقد تمكن الإثم من أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه: ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام التي تتعلق باللسان فقط. وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تتشعب عنها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.
وقوله: آثِمٌ خبر إن وقَلْبُهُ رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدم. والجملة خبر إن والضمير للشأن» «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أى: والله- تعالى- عليم بكل أعمالكم وأقوالكم وسائر شئونكم وسيجازى المحسنين إحسانا، والمسيئين سوءا فعليكم أيها المؤمنون أن تستجيبوا لأوامر الله، وأن تجتنبوا ما نهاكم عنه حتى تكونوا من السعداء.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمؤمنين الصادقين، والوعيد الشديد للعصاة
стр. 652
المسيئين، حتى يزداد المؤمنون إيمانا، ويقلع العصاة عن عصيانهم وسيئاتهم.
وبعد هذا البيان الجامع الحكيم لطرق التعامل التي أباحها الله- تعالى- لعباده والتي حرمها عليهم، بين سبحانه- أن ما في السموات والأرض ملك له، وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه علمه الشامل، وإرادته النافذة فقال- تعالى-.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤]
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
وما دام الأمر كذلك فعليكم- أيها المؤمنون- أن تبذلوا نهاية جهدكم في العمل الصالح الذي بين أيديكم إنما هو عارية مستردة، وأن المالك الحقيقي له إنما هو الله رب العالمين، فأنفقوا من هذا المال- الذي هو أمانة بين أيديكم- في وجوه الخير واجمعوه من طريق حلال، وكونوا من القوم العقلاء الصالحين الذين لم تشغلهم دنياهم عن أخراهم، بل كانوا كما قالوا: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
وقوله- سبحانه-: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ بيان لشمول علم الله- تعالى- لما أظهره الإنسان أو أخفاه من أقوال وأعمال، وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر.
والجملة الكريمة صريحة في أن الله- تعالى- يحاسب العباد على نياتهم وما تكسبه قلوبهم سواء أأخفوه أم أظهروه.
وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة إنما تكون على ما يعزم عليه الإنسان وينويه ويصر على فعله، سواء أنفذ ما اعتزم عليه أم حالت دونه حوائل خارجة عن إرادته: كمن عزم على السرقة واتخذ الوسائل لذلك ولكن لم يستطع التنفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التي أصر عليها.
أما الخواطر النفسية التي تجول في النفس، وتعرض للإنسان دون أن يعزم على تنفيذها، فإنها ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها بعد مكافحتها يجعله أهلا للثواب.
стр. 653
ففي الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله- تعالى-: إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا «١» .
وروى الجماعة في كتبهم عن أبى هريرة قال، قال رسول الله ﷺ إن الله تجاوز لي عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم» «٢» .
قال الفخر الرازي: الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين: فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك، بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس.
فالقسم الأول يكون مؤاخذا به.
والثاني لا يكون مؤاخذا به، ألا ترى إلى قوله- تعالى-: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ «٣» .
وقال الآلوسى: المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات، وليس كذلك سائر ما يحدث في النفس- أى من خواطر لا تصميم ولا عزم معها- قال بعضهم:
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا «٤»
وقوله- تعالى-: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» بيان لنتيجة المحاسبة التي تكون من الخالق- لعباده.
أى: أنه- سبحانه- بمقتضى علمه الشامل، وإرادته النافذة، يحاسب عباده على ما أسروه وما أعلنوه من أقوال وأعمال، فيغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له، ويعذب بعدله من يشاء أن يعذبه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه.
وقوله: فَيَغْفِرُ ويعذب، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر برفع الراء والباء على
стр. 654
الاستئناف أى فهو يغفر. وقرأ الباقون بإسكانهما عطفا على جواب الشرط وهو قوله:
يُحاسِبْكُمْ.
وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته- سبحانه- على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما سبق ذكره من المحاسبة لعباده، وإثابة من يشاء إثابته وتعذيب من يشاء تعذيبه، فهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير.
ثم ختم- سبحانه- سورة البقرة بآيتين كريمتين في أولاهما أن رسالة النبي ﷺ امتداد للرسالات السماوية السابقة وخاتمة لها ومهيمنة عليها، وبين في الثانية أنه- سبحانه- لم يكلف الناس إلا بما في قدرتهم، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء. قال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)
وقوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ استئناف قصد به الإخبار عن الرسول ﷺ والمؤمنين بما يشرفهم ويعلى من أقدارهم ومنازلهم.
أى: صدق الرسول ﷺ بما أنزل إليه من ربه في هذه السورة وغيرها من العقائد والأحكام
стр. 655
والسنن والبينات والهدايات تصديق إذعان وإقرار وإطمئنان، وكذلك المؤمنون الذين صدقوه واتبعوه آمنوا بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق ﷺ .
وقد قرن- سبحانه- إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم ﷺ تشريفا لهم وللإشارة إلى أنهم متى صدقوا في إيمانهم كانت منزلتهم عند الله- تعالى- قريبة من منازل الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
وفي تأخيرهم في الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع، وإشارة إلى أن النبي ﷺ هو أول من آمن بما أوحى إليه من ربه، وهو أقوى الناس إيمانا، وأصدقهم يقينا. وأكثرهم استجابه لأوامر الله.
وقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ بيان للإيمان الكامل الذي اعتقدوه وصدقوا به.
أى: كل فريق من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيمانا تاما بوجود الله- تعالى- ووحدانيته، وكمال صفاته، ووجوب الخضوع والعبادة له، وبوجود الملائكة وأنهم عباد مكرمون لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ كما آمنوا بكتب الله التي أنزلها لسعادة البشر، وبرسله الذين أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ثم بين- سبحانه- أن من صفات هؤلاء الأخيار أنهم لا يفرقون بين رسل الله- تعالى فقال: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أى يقولون لا نفرق في الإيمان بين رسل الله- تعالى- وإنما نؤمن بهم جميعا، ونصدق برسالة كل رسول أرسله الله- تعالى- ولا نقول كما قال الضالون نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ.
ثم حكى- سبحانه- ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم، ونقاء نفوسهم وطهارة قلوبهم فقال: «وقالوا سمعنا وأطعنا» أى: وقالوا سمعنا قولك وفهمناه، وامتثلنا أمرك- يا الهنا- واستقمنا عليه، وصبرنا على تكاليفه بكل رضا واستسلام. «غفرانك ربنا» أى اغفر لنا غفرانك الذي هو من فضل رحمتك ونعمك فأنت ربنا وخالقنا والعليم بأحوالنا وبضعفنا.
فقوله: غُفْرانَكَ مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل فيه مقدر أى: اغفر غفرانك. وقوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أى: وإليك وحدك المرجع والمآب، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت الرسول ﷺ مدحا عظيما، ومدحت أتباعه المؤمنين الصادقين لاستجابتهم لأوامر الله ونواهيه، وتضرعهم إليه بخالص الدعاء أن يغفر لهم ما فرط منهم.
стр. 656
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر رحمته بعباده فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها والوسع- كما يقول الزمخشري-: ما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله. ورحمته كقوله- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلّى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويجمع أكثر من حجة «١» .
فالجملة الكريمة تحكى لنا بعض مظاهر فضل الله علينا ورحمته بنا، حيث كلفنا بما تسعه قدرتنا، وتستطيعه نفوسنا، وقد حكى القرآن هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-:
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً.
وإذا كانت بعض التكاليف التي كلفنا الله بها فيها مشقة، فإن هذه المشقة محتملة وفي وسع الإنسان وقدرته وطاقته، وسيثيبنا الله- تعالى- عليها ثوابا جزيلا، فهو القائل: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
ثم بين- سبحانه- أن كل نفس ستجازى بما عملت فقال: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أى لها وحدها ثواب ما كسبت من حسنات بسبب أعمالها الصالحة، وعليها وحدها عقاب ما اكتسبت من سيئات بسبب أعمالها القبيحة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت. في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال» «٢» .
وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: «لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في نفس الإنسان، والإنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته. ولا يحتاج إلى تكلف في فعل الخير، لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا من مقتضى فطرتها ومهما كان الإنسان شريرا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت عند الناس وصاحبه مهين عندهم.. وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه، ويجد
стр. 657
من أعماق سريرته هاتفا يقول له: لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر..» «١» .
وبعد بيان سنة الله- تعالى- في التكليف وفي الجزاء عليه، ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتلك الدعوات الجامعات للسعادة حتى يكثر المؤمنون من التضرع بها فقال- تعالى-:
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أى: ربنا يا واسع العفو والمغفرة لا تؤاخذنا أى لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا أمرك ونهيك أَوْ أَخْطَأْنا ففعلنا خلاف الصواب جهلا منا بوجهه الشرعي.
فأنت ترى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم، فصفت نفوسهم، وطهرت قلوبهم، وخشعت جوارحهم، يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم ما فرط منهم نسيانا أو خطأ، وذلك لأن المؤمن عند ما يصل إلى هذه الدرجة من التقوى والصفاء يشعر بأن الله- تعالى- يحاسبه على مالا حساب عليه، ويشعر بأن حسناته- مهما كثرت- فهي قليلة بجانب هفواته وسيئاته، فهو لشدة خشيته من الله يرجح جانب المؤاخذة على جانب العفو فيكثر من الضراعة والدعاء.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت: ... لأنهم كانوا متقين الله حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ. فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به. كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه» «٢» .
هذا هو الدعاء الأول الذي حكاه القرآن عن المؤمنين الصادقين.
أما الدعاء الثاني فهو قوله- سبحانه-: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.
والإصر في اللغة: الثقل والشدة. مأخوذ من أصر بمعنى حبس، فكأنه يحبس صاحبه في مكانه فيمنعه من الحركة.
والمعنى: أن أولئك يضرعون إلى الله- تعالى- ألا يلقى تكاليف وأعباء شديدة، يثقل عليهم حملها ويعجزون عن أدائها، كما كان الحال بالنسبة للذين سبقوهم فقد كلف الله- تعالى- بنى إسرائيل بتكاليف شاقة ثقيلة بسبب تعنتهم وفسوقهم عن أمره، ومن ذلك
стр. 658
تكليفهم بقتل أنفسهم إذا أرادوا أن يتوبوا توبة صادقة، وتحريم بعض الطيبات عليهم بسبب ظلمهم قال- تعالى-: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ....
قال الرازي: والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير. والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله- تعالى- فلا جرم التمسوا السهولة في التكاليف «١» .
أما الدعاء الثالث فهو قوله- تعالى-: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
الطاقة- كما يقول الراغب-: اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط، فقوله- تعالى-: لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا به» «٢» .
فالطاقة على هذا تكون فيما فعله بأقصى القدرة والقوة.
أى: ونسألك يا ربنا ألا تحملنا ما هو فوق طاقتنا وقدرتنا من المصائب والعقوبات وغير ذلك من الأمور التي لا نستطيعها.
وهذا الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق، فهم هنا يلتمسون منه- سبحانه- ألا ينزل بهم ما هو فوق قدرتهم وطاقتهم من بلايا ومحن، بعد أن التمسوا منه ألا يكلفهم بتكاليف شاقة ثقيلة كما كلف الذين من قبلهم.
ثم حكى القرآن دعاءهم الرابع والخامس والسادس فقال: وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنا، وَارْحَمْنا أى نسألك يا ربنا أن تعفو عنا بأن تمحو عنا ما ألممنا به من ذنوب وتتجاوز عنها، وأن تغفر لنا سيئاتنا بأن تسترها ولا تفضحنا بإظهارها فأنت وحدك الغفار الستار. وأن ترحمنا برحمتك السابقة التي شملت كل شيء، فإننا مع تقصيرنا في طاعتك تأمل ألا تحرمنا من رحمتك فأنت تراهم قد تضرعوا إلى ربهم أن يعفو عنهم بأن يسقط عنهم العقاب وأن يغفر لهم بأن يستر عليهم ذنوبهم فلا يفضحهم بها، وأن يشملهم بعطفه ورحمته.
وهي دعوات تدل على رقة إحساسهم، ونقاء نفوسهم، وشدة خشيتهم من ربهم، وشعورهم نحوه بالتقصير مهما قدموا من أعمال صالحة.
ثم ختموا دعاءهم بقوله- تعالى-: أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أى: أنت مولانا وناصرنا وحافظنا ومعيننا وممدنا بالخير والهدى فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين لكي تكون
стр. 659
كلمتك هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
وقولهم: أَنْتَ مَوْلانا يدل على نهاية خضوعهم وتذللهم وطاعتهم لله رب العالمين، لأنهم قد اعترفوا بأنه- سبحانه- هو المتولى لكل نعمة يصلون إليها.
قال ابن كثير: وقد ورد في صحيح مسلّم عن النبي: ﷺ أن الله- تعالى- قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت.
وروى البخاري والجماعة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله- ﷺ : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
وروى الإمام أحمد عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» .
وبعد فهذه هي سورة البقرة التي اشتملت على ما يشفى الصدور، ويهدى القلوب، ويصلح النفوس: من توجيهات سامية، وآداب حميدة، وعقائد سليمة، وتشريعات حكيمة، وأمثال هادية، وقصص من شأنه أن يغرس في النفوس الخلق القويم، وأن يغريها بالاتعاظ والاعتبار حتى تكون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.
ولقد سبق لنا أن تكلمنا قبل البدء في تفسيرها عن وقت نزولها، وعن فضلها وعن مقاصدها الإجمالية ...
والله نسأل أن ينفعنا بها وبكتابه الكريم، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا وبصائرنا، وجلاء همنا وحزننا، وأعنا على إتمام ما قصدناه بفضلك ورعايتك يا أكرم الأكرمين. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على طريقته إلى يوم الدين.
стр. 660
الفهرس
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة سورة الفاتحة ١١ ١ بسم الله الرحمن الرحيم ١٥ ٢ الحمد لله رب العالمين ١٧ ٣ الرحمن الرحيم ١٧ ٤ مالك يوم الدين ٢٠ ٥ إياك نعبد وإياك نستعين ٢١ ٦ اهدنا الصراط المستقيم ٢٢ ٧ صراط الذين أنعمت عليهم ٢٤ سورة البقرة ٢٧ ١ الم ٣٧ ٢ ذلك الكتاب لا ريب فيه ٣٩ ٣ الذين يؤمنون بالغيب ٤٢ ٤ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ٤٥ ٥ أولئك على هدى من ربهم ٤٦ ٦ إن الذين كفروا سواء عليهم ٤٨ ٧ ختم الله على قلوبهم ٥٠ ٨ ومن الناس من يقول آمنا ٥٣ ٩ يخادعون الله والذين آمنوا ٥٥ ١٠ في قلوبهم مرض فزادهم ٥٦ ١١ وإذا قيل لهم لا تفسدوا ٥٧ ١٢ ألا إنهم هم المفسدون ٥٨ ١٣ وإذا قيل لهم آمنوا ٥٩ ١٤ وإذا لقوا الذين آمنوا ٦٠ ١٥ الله يستهزئ بهم ٦١ ١٦ أولئك الذين اشتروا ٦٢ ١٧ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ٦٣ ١٨ صم بكم عمى فهم لا يرجعون ٦٥ ١٩ أو كصيب من السماء ٦٦ ٢٠ يكاد البرق يخطف أبصارهم ٦٧ ٢١ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ٧٠ ٢٢ الذي جعل لكم الأرض ٧٢ ٢٣ وإن كنتم في ريب مما نزلنا ٧٤ ٢٤ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ٧٧ ٢٥ وبشر الذين آمنوا ٨٠ ٢٦ إن الله لا يستحيى أن يضرب ٨٢ ٢٧ الذين ينقضون عهد الله ٨٦ ٢٨ كيف تكفرون بالله ٨٨ ٢٩ هو الذي خلق لكم ما في الأرض ٨٩ ٣٠ وإذ قال ربك للملائكة ٩٠ ٣١ وعلم آدم الأسماء كلها ٩٤ ٣٢ قالوا سبحانك لا علم لنا ٩٥
стр. 661
٣٣ قال يا آدم أنبئهم ٩٦ ٣٤ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ٩٧ ٣٥ وقلنا يا آدم اسكن أنت ٩٩ ٣٦ فأزلهما الشيطان عنها ١٠١ ٣٧ فتلقى آدم من ربه كلمات ١٠٢ ٣٨ قلنا اهبطوا منها جميعا ١٠٣ ٣٩ والذين كفروا وكذبوا ١٠٤ ٤٠ يا بنى إسرائيل اذكروا ١٠٥ ٤١ وآمنوا بما أنزلت مصدقا ١٠٧ ٤٢ ولا تلبسوا الحق بالباطل ١٠٩ ٤٣ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ١١٠ ٤٤ أتأمرون الناس بالبر ١١١ ٤٥ واستعينوا بالصبر والصلاة ١١٢ ٤٦ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ١١٣ ٤٧ يا بنى إسرائيل اذكروا ١١٥ ٤٨ اتقوا يوما لا تجزى ١١٨ ٤٩ وإذ نجيناكم من آل فرعون ١٢١ ٥٠ وإذ فرقنا بكم البحر ١٢٤ ٥١ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ١٢٧ ٥٢ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ١٢٨ ٥٣ وإذ آتينا موسى ١٢٩ ٥٤ وإذ قال موسى لقومه ١٣١ ٥٥ وإذ قلتم يا موسى ١٣٤ ٥٦ ثم بعثناكم من بعد موتكم ١٣٧ ٥٧ وظللنا عليكم الغمام ١٣٨ ٥٨ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ١٤٠ ٥٩ فبدل الذين ظلموا قولا ١٤٢ ٦٠ وإذ استسقى موسى ١٤٣ ٦١ وإذ قلتم يا موسى ١٤٦ ٦٢ إن الذين آمنوا والذين هادوا ١٥٦ ٦٣ وإذ أخذنا ميثاقكم ١٥٨ ٦٤ ثم توليتم بعد ذلك ١٦٠ ٦٥ ولقد علمتم الذين اعتدوا ١٦٠ ٦٦ فجعلناها نكالا ١٦٢ ٦٧ وإذ قال موسى لقومه ١٦٢ ٦٨ قالوا ادع لنا ربك ١٦٥ ٦٩ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ١٦٦ ٧٠ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ١٦٧ ٧١ قال إنه يقول إنها بقرة ١٦٨ ٧٢ وإذ قتلتم نفسا ١٦٩ ٧٣ فقلنا اضربوه ببعضها ١٧١ ٧٤ ثم قست قلوبكم ١٧٣ ٧٥ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ١٧٨
стр. 662
٧٦ وإذا لقوا الذين آمنوا ١٨٠ ٧٧ أولا يعلمون أن الله يعلم ١٨١ ٧٨ ومنهم أميون لا يعلمون ١٨٢ ٧٩ فويل للذين يكتبون ١٨٣ ٨٠ وقالوا لن تمسنا النار ١٨٤ ٨١ بلى من كسب سيئة ١٨٧ ٨٢ والذين آمنوا وعملوا ١٨٧ ٨٣ وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل ١٨٨ ٨٤ وإذ أخذنا ميثاقكم ١٩٠ ٨٥ ثم أنتم هؤلاء تقتلون ١٩٢ ٨٦ أولئك الذين اشتروا ١٩٤ ٨٧ ولقد آتينا موسى ١٩٤ ٨٨ وقالوا قلوبنا غلف ١٩٦ ٨٩ ولما جاءهم كتاب ١٩٧ ٩٠ بئسما اشتروا به ١٩٩ ٩١ وإذا قيل لهم آمنوا ٢٠١ ٩٢ ولقد جاءكم موسى ٢٠٤ ٩٣ وإذ أخذنا ميثاقكم ٢٠٥ ٩٤ قل إن كانت لكم الدار ٢١٠ ٩٥ ولن يتمنوه أبدا ٢١٣ ٩٦ ولتجدنهم أحرص الناس ٢١٤ ٩٧ قل من كان عدوا لجبريل ٢١٦ ٩٨ من كان عدوا لله وملائكته ٢١٩ ٩٩ ولقد أنزلنا إليك آيات ٢٢١ ١٠٠ أو كلما عاهدوا عهدا ٢٢١ ١٠١ ولما جاءهم رسول ٢٢٢ ١٠٢ واتبعوا ما تتلو الشياطين ٢٢٦ ١٠٣ ولو أنهم آمنوا واتقوا ٢٣١ ١٠٤ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ٢٣٦ ١٠٥ ما يود الذين كفروا ٢٣٩ ١٠٦ ما ننسخ من آية أو ننسها ٢٤١ ١٠٧ ألم تعلم أن الله له ملك ٢٤٢ ١٠٨ أم تريدون أن تسألوا ٢٤٣ ١٠٩ ود كثير من أهل الكتاب ٢٤٣ ١١٠ وأقيموا الصلاة ٢٤٦ ١١١ وقالوا لن يدخل الجنة ٢٤٧ ١١٢ بلى من أسلّم وجهه ٢٥٠ ١١٣ وقالت اليهود ليست النصارى ٢٥١ ١١٤ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ٢٥٣ ١١٥ ولله المشرق والمغرب ٢٥٥ ١١٦ وقالوا اتخذ الله ولدا ٢٥٥ ١١٧ بديع السموات والأرض ٢٥٧ ١١٨ وقال الذين لا يعلمون ٢٥٨
стр. 663
٩ إنا أرسلناك بالحق ٢٦١ ١٢٠ ولن ترضى عنك اليهود ٢٦٢ ١٢١ الذين آتيناهم الكتاب ٢٦٣ ١٢٢ يا بنى إسرائيل اذكروا ٢٦٤ ١٢٣ واتقوا يوما لا تجزى ٢٦٤ ١٢٤ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ٢٦٥ ١٢٥ وإذ جعلنا البيت ٢٦٧ ١٢٦ وإذ قال إبراهيم رب اجعل ٢٧٠ ١٢٧ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ٢٧٢ ١٢٨ ربنا واجعلنا مسلمين لك ٢٧٣ ١٢٩ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ٢٧٤ ١٣٠ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ٢٧٥ ١٣١ إذ قال له ربه أسلّم ٢٧٦ ١٣٢ ووصى بها إبراهيم بنيه ٢٧٦ ١٣٣ أم كنتم شهداء ٢٧٧ ١٣٤ تلك أمة قد خلت ٢٧٧ ١٣٥ وقالوا كونوا هودا ٢٨٠ ١٣٦ قولوا آمنا بالله ٢٨٣ ١٣٧ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم ٢٨٤ ١٣٨ صبغة الله ومن أحسن ٢٨٦ ١٣٩ قل أتحاجوننا في الله ٢٨٧ ١٤٠ أم تقولون إن إبراهيم ٢٨٨ ١٤١ تلك أمة قد خلت ٢٩٠ ١٤٢ سيقول السفهاء ٢٩٤ ١٤٣ وكذلك جعلناكم أمة وسطا
٢٩٦ ١٤٤ قد نرى تقلب وجهك ٢٩٨ ١٤٥ ولئن أتيت الذين ٣٠٠ ١٤٦ الذين آتيناهم الكتاب ٣٠٢ ١٤٧ الحق من ربك ٣٠٢ ١٤٨ ولكل وجهة هو موليها ٣٠٣ ١٤٩ ومن حيث خرجت ٣٠٣ ١٥٠ من حيث خرجت ٣٠٣ ١٥١ كما أرسلنا فيكم ٣٠٦ ١٥٢ فاذكروني أذكركم ٣٠٩ ١٥٣ يا أيها الذين آمنوا استعينوا ٣١١ ١٥٤ ولا تقولوا لمن يقتل ٣١٢ ١٥٥ ولنبلونكم بشيء من ٣١٤ ١٥٦ الذين إذا أصابتهم ٣١٦ ١٥٧ أولئك عليهم صلوات ٣١٧ ١٥٨ إن الصفا والمروة ٣١٩ ١٥٩ إن الذين يكتمون ٣٢٣ ١٦٠ إلا الذين تابوا ٣٢٦ ١٦١ إن الذين كفروا ٣٢٦
стр. 664
١٦٢ خالدين فيها لا يخفف ٣٢٧ ١٦٣ إلهكم إله واحد ٣٢٨ ١٦٤ إن في خلق السموات ٣٢٩ ١٦٥ ومن الناس من يتخذ ٣٣٦ ١٦٦ إذ تبرأ الذين اتبعوا ٣٣٨ ١٦٧ وقال الذين اتبعوا ٣٤٠ ١٦٨ يا أيها الناس كلوا مما ٣٤١ ١٦٩ إنما يأمركم بالسوء ٣٤٤ ١٧٠ وإذا قيل لهم اتبعوا ٣٤٦ ١٧١ ومثل الذين كفروا ٣٤٧ ١٧٢ يا أيها الذين آمنوا ٣٤٩ ١٧٣ إنما حرم عليكم الميتة ٣٥٠ ١٧٤ إن الذين يكتمون ما أنزل الله ٣٥٤ ١٧٥ أولئك الذين اشتروا ٣٥٧ ١٧٦ ذلك بأن الله نزل الكتاب ٣٥٨ ١٧٧ ليس البر أن تولوا ٣٥٩ ١٧٨ يا أيها الذين آمنوا كتب ٣٦٧ ١٧٩ ولكم في القصاص حياة ٣٧٢ ١٨٠ كتب عليكم إذا حضر ٣٧٤ ١٨١ فمن بدله بعد ما سمعه ٣٧٧ ١٨٢ فمن خاف من موص جنفا ٣٧٧ ١٨٣ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ٣٧٩ ١٨٤ أياما معدودات ٣٨١ ١٨٥ شهر رمضان ٣٨١ ١٨٦ وإذا سألك عبادي ٣٩٠ ١٨٧ أحل لكم ليلة الصيام ٣٩٢ ١٨٨ ولا تأكلوا أموالكم ٤٠٠ ١٨٩ يسألونك عن الأهلة ٤٠٣ ١٩٠ وقاتلوا في سبيل الله ٤٠٦ ١٩١ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ٤٠٩ ١٩٢ فإن انتهوا فإن الله ٤١١ ١٩٣ وقاتلوهم حتى لا تكون ٤١٢ ١٩٤ الشهر الحرام بالشهر الحرام ٤١٣ ١٩٥ وأنفقوا في سبيل الله ٤١٦ ١٩٦ وأتموا الحج والعمرة ٤١٧ ١٩٧ الحج أشهر معلومات ٤٢٥ ١٩٨ ليس عليكم جناح ٤٣٠ ١٩٩ ثم أفيضوا من حيث ٤٣٣ ٢٠٠ فإذا قضيتم ٤٣٤ ٢٠١ ومنهم من يقول ٤٣٥ ٢٠٢ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ٤٣٦ ٢٠٣ واذكروا الله في أيام ٤٣٧ ٢٠٤ ومن الناس من يعجبك ٤٣٩
стр. 665
٢٠٥ وإذا تولى سعى في الأرض ٤٤١ ٢٠٦ وإذا قيل له اتق الله ٤٤٢ ٢٠٧ ومن الناس من يشرى ٤٤٥ ٢٠٨ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا ٤٤٧ ٢٠٩ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ٤٤٩ ٢١٠ هل ينظرون إلا أن يأتيهم ٤٥٠ ٢١١ سل بنى إسرائيل ٤٥٢ ٢١٢ زين للذين كفروا ٤٥٣ ٢١٣ كان الناس أمة واحدة ٤٥٦ ٢١٤ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ٤٦٢ ٢١٥ يسألونك ماذا ينفقون ٤٦٦ ٢١٦ كتب عليكم القتال ٤٦٨ ٢١٧ يسألونك عن الشهر الحرام ٤٧١ ٢١٨ إن الذين آمنوا والذين هاجروا ٤٧٧ ٢١٩ يسألونك عن الخمر ٤٧٩ ٢٢٠ ويسألونك عن اليتامى ٤٨٥ ٢٢١ ولا تنكحوا المشركات ٤٨٨ ٢٢٢ ويسألونك عن المحيض ٤٩٣ ٢٢٣ نساؤكم حرث لكم ٤٩٧ ٢٢٤ ولا تجعلوا الله عرضة ٤٩٩ ٢٢٥ ولا يؤاخذكم الله باللغو ٥٠١ ٢٢٦ للذين يؤلون من نسائهم ٥٠٢ ٢٢٧ وإن عزموا الطلاق ٥٠٤ ٢٢٨ والمطلقات يتربصن ٥٠٥ ٢٢٩ الطلاق مرتان ٥١٣ ٢٣٠ فإن طلقها فلا تحل له ٥١٨ ٢٣١ وإذا طلقتم النساء ٥٢٠ ٢٣٢ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ٥٢٣ ٢٣٣ والوالدات يرضعن ٥٢٧ ٢٣٤ والذين يتوفون منكم ٥٣٢ ٢٣٥ ولا جناح عليكم فيما عرضتم ٥٣٦ ٢٣٦ لا جناح عليكم إن طلقتم ٥٤٠ ٢٣٧ وإن طلقتموهن من قبل أن ٥٤٣ ٢٣٨ حافظوا على الصلوات ٥٤٥ ٢٣٩ فإن خفتم فرجالا ٥٤٨ ٢٤٠ والذين يتوفون منكم ويذرون ٥٥٠ ٢٤١ وللمطلقات متاع ٥٥٣ ٢٤٢ كذلك يبين الله لكم آياته ٥٥٤ ٢٤٣ ألم تر إلى الذين خرجوا ٥٥٥ ٢٤٤ وقاتلوا في سبيل الله ٥٥٩ ٢٤٥ من ذا الذي يقرض الله ٥٦٠ ٢٤٦ ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل ٥٦٣ ٢٤٧ وقال لهم نبيهم إن الله قد ٥٦٥
стр. 666
٢٤٨ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ٥٦٧ ٢٤٩ فلما فصل طالوت ٥٦٨ ٢٥٠ ولما برزوا الجالوت ٥٧٢ ٢٥١ فهزموهم بإذن الله ٥٧٣ ٢٥٢ تلك آيات الله نتلوها ٥٧٥ ٢٥٣ تلك الرسل فضلنا ٥٧٧ ٢٥٤ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ٥٨١ ٢٥٥ الله لا إله إلا هو الحي ٥٨٣ ٢٥٦ لا إكراه في الدين ٥٨٨ ٢٥٧ الله ولى الذين آمنوا ٥٩١ ٢٥٨ ألم تر إلى الذي حاج ٥٩٢ ٢٥٩ أو كالذي مر على قرية ٥٩٥ ٢٦٠ وإذ قال إبراهيم رب ٥٩٩ ٢٦١ مثل الذين ينفقون ٦٠٢ ٢٦٢ الذين ينفقون أموالهم ٦٠٤ ٢٦٣ قول معروف ومغفرة ٦٠٥ ٢٦٤ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ٦٠٧ ٢٦٥ ومثل الذين ينفقون ٦١٠ ٢٦٦ أيود أحدكم أن تكون ٦١٢ ٢٦٧ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ٦١٤ ٢٦٨ الشيطان يعدكم الفقر ٦١٧ ٢٦٩ يؤتى الحكمة من يشاء ٦١٨ ٢٧٠ وما أنفقتم من نفقة ٦٢٠ ٢٧١ إن تبدوا الصدقات ٦٢١ ٢٧٢ ليس عليك هداهم ٦٢٢ ٢٧٣ للفقراء الذين أحصروا ٦٢٥ ٢٧٤ الذين ينفقون أموالهم ٦٢٩ ٢٧٥ الذين يأكلون الربا ٦٣١ ٢٧٦ يمحق الله الربا ٦٣٧ ٢٧٧ إن الذين آمنوا وعملوا ٦٣٨ ٢٧٨ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ٦٣٨ ٢٧٩ فإن لم تفعلوا ٦٣٩ ٢٨٠ وإن كان ذو عسرة ٦٤٠ ٢٨١ واتقوا يوما ترجعون ٦٤١ ٢٨٢ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ٦٤٣ ٢٨٣ وإن كنتم على سفر ٦٥٢ ٢٨٤ لله ما في السموات ٦٥٦ ٢٨٥ آمن الرسول بما أنزل إليه ٦٥٨ ٢٨٦ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ٦٦٠
стр. 667
[المجلد الثاني]
تفسير سورة آل عمران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فهذا تفسير مفصل لسورة آل عمران، حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات قويمة، وهدايات جامعة. وإرشادات حكيمة. ووصايا جليلة، وآداب عالية، وحجج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق.
وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها ومقاصدها الإجمالية، والموضوعات التي اهتمت بالحديث عنها.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه أكرم مسئول وأعظم مأمول.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
القاهرة- مصر الجديدة ٢٠ من رجب سنة ١٣٩٣ هـ ١٩ أغسطس سنة ١٩٧٣ م المؤلف د. محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر
стр. 668
تعريف بسورة آل عمران
سورة آل عمران هي السورة الثالثة في ترتيب المصحف إذ تسبقها في الترتيب سورتا الفاتحة والبقرة.
وتبلغ آياتها مائتي آية. وهي مدنية باتفاق العلماء.
وسميت بسورة آل عمران، لورود قصة آل عمران بها بصورة فيها شيء من التفصيل الذي لا يوجد في غيرها.
والمراد بآل عمران عيسى، ويحيى ومريم، وأمها. والمراد بعمران والد مريم أم عيسى- ﵇.
وقد ذكر العلماء أسماء أخرى لهذه السورة منها:
أنها تسمى بسورة الزهراء، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتاب من شأن عيسى- ﵇.
وتسمى بسورة الأمان، من تمسك بها أمن الغلط في شأنه.
وتسمى بسورة الكنز لتضمنها الأسرار التي تتعلق بعيسى ﵇.
وتسمى بسورة المجادلة، لنزول أكثر من ثمانين آية منها في شأن مجادلة الرسول ﷺ لوفدى نصارى نجران.
وتسمى بسورة طيبة، لجمعها الكثير من أصناف الطيبين في قوله- تعالى- الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ.
قال القرطبي ما ملخصه: وهذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وبأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران- وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق- أى ضوء، أو كأنهما فرقان- أى قطعتان من طير صواف- تحاجان عن صاحبهما» .
ثم قال: وصدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا قد وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 669
إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحبرات «١» .
فقال بعض الصحابة: ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة.
وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في المسجد إلى المشرق. فقال النبي ﷺ : دعوهم. ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله ﷺ في شأن عيسى ورسول الله ﷺ يرد عليهم بالبراهين الساطعة ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة «٢» .
أما النصف الثاني من سورة آل عمران فقد كان نزول ما يقرب من ستين آية منه «٣» في أعقاب غزوة أحد.
هذا ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة بالتفصيل أن نذكر على سبيل الإجمال ما اشتملت عليه من توجيهات سامية، وآداب عالية، وأحكام جليلة، وتشريعات قويمة.
إنك عند ما تفتح كتاب الله- تعالى- وتطالع سورة آل عمران تراها في مفتتحها تثبت أن المستحق للعبادة إنما هو الله وحده، وتقيم البراهين الساطعة على ذلك.
الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ.
ثم بعد أن مدحت أصحاب العقول السليمة لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم وكثرة تضرعهم إلى خالقهم- سبحانه- وبشرتهم بحسن العاقبة.. بعد أن فعلت ذلك ذمت الكافرين وتوعدتهم بسوء المصير فقالت: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ.
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ.
ثم تحدثت عن الشهوات التي زينت للناس، وبينت ما هو خير منها، وصرحت بأن الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده هو دين الإسلام، وأن أهل الكتاب ما تركوا الحق الذي جاءهم به محمد ﷺ إلا بسبب ما استولى على قلوبهم من بغى وجحود، وأنهم بسبب ما ارتكبوه من كفر
стр. 670
وجرائم في الدنيا، سيكون حالهم يوم القيامة أسوأ حال وسيكون مصيرهم أشنع مصير، فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
ثم نهت السورة الكريمة المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء يلقون إليهم بالمودة، وذكرتهم بأن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء، وأنه- سبحانه- سيحاسب كل نفس بما كسبت يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً.
فإذا ما طالعت- أيها القارئ الكريم- الربعين: الثالث والرابع منها، وجدت فيهما حديثا حكيما عن آل عمران.
قد تحدثت السورة الكريمة عما قالته امرأة عمران- أم مريم- عند ما أحست بالحمل في بطنها، وعما قالته عند ما وضعت حملها.
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ.
وتحدثت عن الدعوات الخاشعات التي تضرع بها زكريا إلى ربه، سائلا إياه الذرية الطيبة، وكيف أن الله- تعالى- أجاب له دعاءه فبشره بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
وتحدثت عن اصطفاء الله- تعالى- لمريم وتبشيرها بعيسى- ﵇ وتعجبها من أن يكون لها ولد دون أن يمسها بشر وكيف أن الله- تعالى- قد رد عليها بما يزيل عجبها.
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وتحدثت عن الصفات الكريمة، والمعجزات الباهرة التي منحها الله- تعالى- لعيسى- ﵇ وعن دعوته للناس إلى عبادة الله وحده وعن موقف أعدائه منه وعن صيانة الله له من مكرهم وعن تشابه عيسى وآدم في شأن خلقهما بدون أب.. وكيف أن الله- تعالى- أمر نبيه ﷺ أن يتحدى كل من يجادله بالباطل في شأن عيسى فقال:
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.