Полный текст (6 210 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
بَيْتِكَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَانَ ضَعِيفًا فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا سَهْوٌ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْكَافُ لَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ بِالْمُضَارِعِ الْمُثْبَتِ جَاءَ بِغَيْرِ لَامٍ وَلَا نُونِ تَوْكِيدٍ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ مِنْ مُعَاقَبَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، أَمَّا خُلُوُّهُ عَنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى إِذْ وَمَا زَائِدَةٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إِذْ أَخْرَجَكَ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَافَ تَكُونُ بِمَعْنَى إِذْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا تُزَادُ بَعْدَ هَذَا غَيْرَ الشَّرْطِيَّةِ وَكَذَلِكَ لَا تُزَادُ مَا ادُّعِيَ أَنَّهُ بِمَعْنَاهَا، الْقَوْلُ الثَّالِثُ الْكَافُ بِمَعْنَى عَلَى وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي تَقْدِيرُهُ امْضِ عَلَى الَّذِي أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَافَ تَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الْمَوْصُولُ إِلَى عَائِدٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْذَفَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ قَالَ عِكْرِمَةُ: التَّقْدِيرُ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَمَا أَخْرَجَكَ فِي الطَّاعَةِ خَيْرٌ لَكُمْ كَمَا كَانَ إِخْرَاجُكَ خَيْرًا لَهُمُ، الْقَوْلُ الْخَامِسُ قَالَ الْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْ فَرِيقٍ مِنْهُمْ كَذَلِكَ يُجَادِلُونَكَ فِي قِتَالِ كُفَّارِ مَكَّةَ وَيَوَدُّونَ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَفْعَلُ مَا أُمِرْتَ بِهِ لَا مَا يُرِيدُونَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ مُجَادَلَةً لِكَرَاهَتِهِمْ إِخْرَاجَ رَبِّكَ إِيَّاكَ مِنْ بَيْتِكَ فَالْمُجَادَلَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَثَابَةِ الْكَرَاهَةِ وَكَذَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ في المعنى وقائل هذا الْمَقَالَةِ يَقُولُ إِنَّ الْمُجَادِلِينَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ قَالَ الْفَرَّاءُ: التَّقْدِيرُ امْضِ لِأَمْرِكَ فِي الْغَنَائِمِ وَنَفِّلْ مَنْ شِئْتَ إِنْ كَرِهُوا كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْعِبَارَةُ بِقَوْلِهِ امْضِ لِأَمْرِكَ وَنَفِّلْ مَنْ شِئْتَ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ وَتَحْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدِي أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْكَافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ الْقِصَّةَ الَّتِي هِيَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْتِهِ بِالْقِصَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هِيَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْأَنْفَالِ كَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنِ النَّفْلِ وَتَشَاجَرُوا فَأَخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَكَانَتْ هَذِهِ الْخِيَرَةُ كَمَا كَرِهُوا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ انْبِعَاثَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِخْرَاجِهِ اللَّهُ مِنْ بَيْتِهِ فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْخِيَرَةُ وَتَشَاجُرُهُمْ فِي النَّفْلِ بِمَثَابَةِ كَرَاهِيَتِهِمْ هَاهُنَا الْخُرُوجَ، وَحُكْمَ اللَّهِ فِي النَّفْلِ بِأَنَّهُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَهُوَ بِمَثَابَةِ إِخْرَاجِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ ثُمَّ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي الْقِصَّتَيْنِ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يُجادِلُونَكَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا يُرَادُ بِهِ الْكُفَّارُ أَيْ يُجَادِلُونَكَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ فِيهَا
стр. 3117
كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ يُجَادِلُونَكَ فِي الْكُفَّارِ مَنْصُوصٌ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذَانَ قَوْلَانِ مُطَّرِدَانِ يَتِمُّ بِهِمَا الْمَعْنَى وَيَحْسُنُ وَصْفُ اللَّفْظِ انْتَهَى. وَنَعْنِي بِالْقَوْلَيْنِ قَوْلَ الْفَرَّاءِ وَقَوْلَ الْكِسَائِيِّ وَقَدْ كَثُرَ الْكَلَامُ فِي هَاتَيْنِ الْمَقَالَتَيْنِ وَلَا يَظْهَرَانِ وَلَا يَلْتَئِمَانِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةِ الْعَاطِفِ.
الْقَوْلُ السَّابِعُ قَالَ الْأَخْفَشُ: الْكَافُ نَعْتٌ لِحَقًّا وَالتَّقْدِيرُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا كَمَا أَخْرَجَكَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَمَا زَادَ لَا يَتَنَاسَقُ.
الْقَوْلُ الثَّامِنُ أَنَّ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَالتَّقْدِيرُ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ فَاتَّقُوا اللَّهَ كَأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْمَعْنَى وَضَعَهُ هَذَا الْمُفَسِّرُ وَلَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْآيَةِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ.
الْقَوْلُ التَّاسِعُ قَالَ الزَّجَّاجُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالتَّقْدِيرُ الْأَنْفَالُ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ ثَبَاتًا كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ وَهَذَا الْفِعْلُ أَخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَحَسَّنَهُ. فَقَالَ يَنْتَصِبُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ لِلْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أَيِ الْأَنْفَالُ اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَثَبَتَتْ مَعَ كَرَاهَتِهِمْ ثَبَاتًا مِثْلَ ثَبَاتِ إِخْرَاجِ ربك إياك من بيتك وَهُمْ كَارِهُونَ انْتَهَى، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ مَعْنًى لِتَشْبِيهِ هَذَا بِهَذَا بَلْ لَوْ كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّشْبِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ.
الْقَوْلُ الْعَاشِرُ أَنَّ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَالتَّقْدِيرُ لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هَذَا وَعْدُ حَقٍّ كَما أَخْرَجَكَ وَهَذَا فِي حَذْفِ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْتَئِمِ التَّشْبِيهُ وَلَمْ يَحْسُنِ.
الْقَوْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْضًا وَالْمَعْنَى وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ كَما أَخْرَجَكَ فَالْكَافُ نَعْتٌ لِخَبَرِ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ حَذْفٌ وَطُولٌ فَصَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَأَصْلِحُوا وَبَيْنَ كَما أَخْرَجَكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي عَشَرَ أَنَّهُ شَبَّهَ كَرَاهِيَةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ تَحَقَّقُوا خُرُوجَ قُرَيْشٍ لِلدَّفْعِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَحِفْظِ غَيْرِهِ بِكَرَاهِيَتِهِمْ نَزْعَ الْغَنَائِمِ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَجَعْلَهَا لِلرَّسُولِ أَوِ التَّنْفِيلَ مِنْهَا وَهَذَا الْقَوْلُ أَخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَحَسَّنَهُ فَقَالَ: يَرْتَفِعُ مَحَلُّ الْكَافِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا الْحَالُ كَحَالِ إِخْرَاجِكَ يَعْنِي أَنَّ حَالَهُمْ فِي كَرَاهَةِ مَا رَأَيْتَ مِنْ تَنْفِيلِ الْقِرَاءَةِ مِثْلَ حَالِهِمْ فِي كَرَاهَةِ خُرُوجِهِمْ لِلْحَرْبِ وَهَذَا النَّهْيُ قَالَهُ
стр. 3118
هَذَا الْقَائِلُ وَحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُوَ مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ الْفَرَّاءِ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْكَافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ الْقِصَّةَ الَّتِي هِيَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْتِهِ بِالْقِصَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هِيَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْأَنْفَالِ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّ الْمَعْنَى قِسْمَتُكَ لِلْغَنَائِمِ حَقٌّ كَمَا كَانَ خُرُوجُكَ حَقًّا.
الْقَوْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ بَيْنَ إِخْرَاجَيْنِ أَيْ إِخْرَاجُكَ رَبُّكَ إِيَّاكَ مِنْ بَيْتِكَ وَهُوَ مَكَّةُ وَأَنْتَ كَارِهٌ لِخُرُوجِكَ وَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ الْخَيْرَ وَالنَّصْرَ وَالظَّفَرَ كَإِخْرَاجِ رَبِّكَ إِيَّاكَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ كَارِهٌ يَكُونُ عَقِيبُ ذَلِكَ الظَّفَرَ وَالنَّصْرَ.
الْقَوْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِعَبْدِهِ كَمَا وَجَّهْتُكَ إِلَى أَعْدَائِي فَاسْتَضْعَفُوكَ وَسَأَلْتَ مَدَدًا فَأَمْدَدْتُكَ وَقَوَّيْتُكَ وَأَزَحْتُ عِلَلَكَ فَخُذْهُمُ الْآنَ فَعَاقِبْهُمْ بكذا وكم كَسَوْتُكَ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ فَاعْمَلْ كَذَا وَكَمَا أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ مَا شَكَرْتَنِي عَلَيْهِ فَتَقْدِيرُ الْآيَةِ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَغَشَّاكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ يَعْنِي بِهِ إِيَّاهُ وَمَنْ مَعَهُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةً مُرْدِفِينَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَزَحْتُ عِلَلَكُمْ وَأَمْدَدْتُكُمْ بِالْمَلَائِكَةِ فَاضْرِبُوا مِنْهُمْ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ وَهُوَ الْقَتْلُ لِتَبْلُغُوا مُرَادَ اللَّهِ فِي إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَمُلَخَّصُ هَذَا الْقَوْلِ الطَّوِيلِ أَنَّ كَما أَخْرَجَكَ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَاضْرِبُوا وَفِيهِ مِنَ الْفَصْلِ وَالْبُعْدِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ وَقَدِ انْتَهَى ذِكْرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا.
وَمَنْ دَفَعَ إِلَى حَوْكِ الْكَلَامِ وَتَقَلَّبَ فِي إِنْشَاءِ أَفَانِينِهِ وَزَاوَلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ قَائِلِهَا لَهُ إِمَامَةٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ وَرُسُوخُ قَدَمٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَطْ بِلَفْظِ الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِي طَبْعِهِ صَوْغُهُ أَحْسَنَ صَوْغٍ وَلَا التَّصَرُّفُ فِي النَّظَرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْفَصَاحَةِ وَمَا بِهِ يَظْهَرُ الْإِعْجَازُ. وَقَبْلَ تَسْطِيرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هُنَا وَقَعْتُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا فَلَمْ يَلْقَ لِخَاطِرِي مِنْهَا شَيْءٌ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ أَنَّنِي أَمْشِي فِي رَصِيفٍ وَمَعِي رَجُلٌ أُبَاحِثُهُ فِي قَوْلِهِ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فَقُلْتُ لَهُ مَا مَرَّ بِي شَيْءٌ مُشْكِلٌ مِثْلُ هَذَا وَلَعَلَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى وَمَا وَقَفْتُ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى شَيْءٍ طَائِلٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ظَهَرَ لِيَ السَّاعَةَ تَخْرِيجُهُ وَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحْذُوفَ هُوَ نَصَرَكَ وَاسْتَحْسَنْتُ أَنَا وَذَلِكَ الرَّجُلُ هَذَا التَّخْرِيجَ ثُمَّ انْتَبَهْتُ مِنَ النَّوْمِ وَأَنَا أَذْكُرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ أَيْ بِسَبَبِ إِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْزَازِ شَرِيعَتِهِ وَقَدْ كَرِهُوا خُرُوجَكَ تَهَيُّبًا لِلْقِتَالِ وَخَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ إِذْ كَانَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِخُرُوجِهِمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْخُرُوجِ
стр. 3119
وَجَادَلُوكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وَأَمَدَّكَ بِمَلَائِكَتِهِ وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ الْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ الْآيَاتِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْكَافَ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ الْمَنَامِيِّ لَيْسَتْ لِمَحْضِ التَّشْبِيهِ بَلْ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُحْدِثُ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ وَخَرَّجُوا عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ «١» وَأَنْشَدُوا:
لَا تَشْتُمُ النَّاسَ كَمَا لَا تُشْتَمِ أَيْ لِانْتِفَاءِ أَنْ يَشْتُمَكَ النَّاسُ لَا تَشْتُمْهُمْ وَمِنَ الْكَلَامِ الشَّائِعِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَمَا تُطِيعُ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَيْ لِأَجْلِ طَاعَتِكَ اللَّهَ يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ فَكَانَ الْمَعْنَى إِنْ خَرَجْتَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَقَتْلِ أَعْدَائِهِ نَصَرَكَ اللَّهُ وَأَمَدَّكَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْوَاوُ فِي وَإِنَّ فَرِيقاً وَاوُ الْحَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ بَيْتِكَ هُوَ مَقَامُ سُكْنَاهُ وَقِيلَ الْمَدِينَةُ لِأَنَّهَا مُهَاجَرُهُ وَمُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَقِيلَ مَكَّةُ وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ خُرُوجِهِ إِلَى بَدْرٍ فَصَرْفُهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَمَفْعُولُ لَكارِهُونَ هُوَ الْخُرُوجُ أَيْ لَكَارِهُونَ الْخُرُوجَ مَعَكَ وَكَرَاهَتُهُمْ ذَلِكَ إِمَّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْتَنْفَرُوا أَوِ الْعُدُولُ مِنَ الْعِيرِ إِلَى النَّفِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَلِمَا فِي هَذَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، أَوْ لِتَرْكِ مَكَّةَ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ فِي يُجادِلُونَكَ عَائِدٌ عَلَى فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَارِهِينَ وَجِدَالُهُمْ قَوْلُهُمْ مَا كَانَ خُرُوجُنَا إِلَّا لِلْعِيرِ وَلَوْ عَرَفْنَا لَاسْتَعْدَدْنَا لِلْقِتَالِ وَالْحَقُّ هُنَا نُصْرَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَجِدَالُهُمْ فِي الْحَقِّ هُوَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بُعْدَ مَا بَيَّنَ بِضَمِّ الْبَاءِ مِنْ غَيْرِ تَاءٍ وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ إِنْكَارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مَنْ جَادَلَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَتَّضِحْ كَانَ أَخَفَّ عَتْبًا أَمَّا مَنْ نَازَعَ فِي أَمْرٍ وَاضِحٍ فَهُوَ جَدِيرٌ بِاللَّوْمِ وَالْإِنْكَارِ ثُمَّ شَبَّهَ حَالَهُمْ فِي فَرْطِ فَزَعِهِمْ وَهُمْ يُسَارُ بِهِمْ إِلَى الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ بِحَالِ مَنْ يُسَاقُ عَلَى الصَّفَا إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ مُشَاهِدٌ لِأَسْبَابِهِ نَاظِرٌ إِلَيْهَا لَا يَشُكُّ فِيهَا، وَقِيلَ كَانَ خَوْفُهُمْ لِقِلَّةِ الْعَدَدِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا رَجَّالَةً، وَرُوِيَ أَنَّهُ مَا كَانَ فِيهِمْ إِلَّا فَارِسَانِ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي نَحْوِ أَلْفِ رَجُلٍ وَقِصَّةُ بَدْرٍ هَذِهِ مُسْتَوْعَبَةٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَقَدْ لَخَّصَ مِنْهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كتابيهما.
стр. 3120
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وَالطَّائِفَتَانِ هُمَا كطائفة غير قُرَيْشٍ وَكَانَتْ فِيهِمَا تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ وَمَعَهَا أَرْبَعُونَ رَاكِبًا فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَمْرُو بْنُ هِشَامٍ وَطَائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَكَانُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وغَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ هِيَ الْعِيرُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ ذَاتَ قِتَالٍ وَإِنَّمَا هِيَ غَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ وَمَعْنَى إِثْبَاتِ الْحَقِّ تَثْبِيتُهُ وَإِعْلَاؤُهُ وبِكَلِماتِهِ بِآيَاتِهِ الْمُنَزَّلَةِ فِي مُحَارَبَةِ ذَاتِ الشَّوْكَةِ وَبِمَا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ وَبِمَا قَضَى مِنْ أَسْرِهِمْ وَقَتْلِهِمْ وَطَرْحِهِمْ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ وَبِمَا ظَهَرَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ وَقَطْعُ الدَّابِرِ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصَالِ وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ تَرْغَبُونَ فِي إِبْقَاءِ الْعَاجِلَةِ وَسَلَامَةِ الْأَحْوَالِ وَسَفْسَافِ الْأُمُورِ وَإِعْلَاءِ الْحَقِّ وَالْفَوْزِ فِي الدَّارَيْنِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمُرَادَيْنِ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ لَكُمْ ذَاتَ الشَّوْكَةِ وَأَرَاكَهُمْ عِيَانًا خَذَلَهُمْ وَنَصَرَكُمْ وَأَذَلَّهُمْ وَأَعَزَّكُمْ وَحَصَّلَ لَكُمْ مَا أَرْبَى عَلَى دَائِرَةِ الْعِيرِ وَمَا أَدْنَاهُ خَيْرٌ مِنْهُمَا، وَقَرَأَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ يَعِدُكُمُ بِسُكُونِ الدَّالِ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ اللَّهُ إِحْدَى بِإِسْقَاطِ هَمْزَةِ إِحْدَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَحَدَ عَلَى التَّذْكِيرِ إِذْ تَأْنِيثُ الطَّائِفَةِ مَجَازٌ، وَأَدْغَمَ أَبُو عَمْرٍو الشَّوْكَةِ تَكُونُ، وَقَرَأَ مُسْلِمُ بْنُ مُحَارِبٍ بِكَلِمَتِهِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَحَكَاهَا ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَنَافِعٍ بِخِلَافٍ عَنْهُمْ وَأَطْلَقَ الْمُفْرَدَ مُرَادًا بِهِ الْجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ أَوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ كُنْ قِيلَ وَكَلِمَاتُهُ هِيَ مَا وَعَدَ نَبِيَّهُ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ فَقَالَ: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ «١» أَيْ مِنْ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ، وَقِيلَ مَوَاعِيدُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقِيلَ كَلِمَاتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ فِي الْأَزَلِ.
وَمَعْنَى لِيُحِقَّ الْحَقَّ لِيُظْهِرَ مَا يَجِبُ إِظْهَارُهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ وَقِيلَ الْحَقَّ الْقُرْآنُ والْباطِلَ إِبْلِيسُ وَتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللَّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ أَيْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا لَهُمَا وَهُوَ إِثْبَاتُ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارُهُ وَإِبْطَالُ الْكُفْرِ وَمَحْوُهُ وَلَيْسَ هَذَا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلُ تَبْيِينٌ بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ وَالثَّانِي بَيَانٌ لِمَا فُعِلَ مِنِ اخْتِيَارِ ذَاتِ الشَّوْكَةِ عَلَى غَيْرِهَا لَهُمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ مَا نَصَرَهُمْ وَلَا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ إِلَّا لِهَذَا الْمَقْصِدِ الَّذِي هُوَ أَسْنَى الْمَقَاصِدِ وَتَقْدِيرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأَخِّرًا أَحْسَنُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَحْذُوفُ مُتَأَخِّرًا حَتَّى يُفِيدَ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ وينطبق عليه
стр. 3121
الْمَعْنَى انْتَهَى، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ وَالْمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ وَذَلِكَ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ وَالِاهْتِمَامِ بِمَا قُدِّمَ لَا عَلَى تَخْصِيصٍ وَلَا حَصْرٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَقِيلَ يَتَعَلَّقُ لِيُحِقَّ بِقَوْلِهِ وَيَقْطَعَ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَلَوْ كَرِهَ أَيْ وَكَرَاهَتُكُمْ وَاقِعَةٌ فَهِيَ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ انْتَهَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى مَحْذُوفٍ ذَلِكَ الْمَحْذُوفُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْحَالِ حَالٌ وَمَثَّلْنَا ذَلِكَ
بِقَوْلِهِ «اعْطُوَا السَّائِلَ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فرس
عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي تُنَافِي الصَّدَقَةَ عَلَى السَّائِلِ» ، وَأَنْ وَلَوْ هَذِهِ تَأْتِي لِاسْتِقْصَاءِ مَا بَطَنَ لِأَنَّهُ لَا يَنْدَرِجُ فِي عُمُومِ مَا قَبْلَهُ لِمُلَاقَاةِ الَّتِي بَيْنَ هَذِهِ الْحَالِ وَبَيْنَ الْمُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُمَا، وَقَالَ الْحَسَنُ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مُتَقَدِّمَتَانِ فِي النُّزُولِ عَلَى قَوْلِهِ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ وَفِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَهُمَا لِتَقَابُلِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَالْكَرَاهَةِ بِالْكَرَاهَةِ انْتَهَى، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا حَاجَةَ تَضْطَرُّنَا إِلَى تَصْحِيحِهَا.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
اسْتَغَاثَ طَلَبَ الْغَوْثَ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقِتَالِ شَرَعُوا فِي طَلَبِ الْغَوْثِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ وَإِذْ يَعِدُكُمُ وَتَوَدُّونَ وَأَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ كَما أَخْرَجَكَ ويُجادِلُونَكَ هُوَ خِطَابٌ لِلرَّسُولِ وَلِذَلِكَ أَفْرَدَ فَالْخِطَابَانِ مُخْتَلِفَانِ،
وَقِيلَ الْمُسْتَغِيثُ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ
،
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَإِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَمَدَّ يَدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْنِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العصابة لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَرَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كَفَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُنَاشَدَتَكَ اللَّهَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، قَالُوا فَيَكُونُ مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ الْمُعَظَّمِ خِطَابُ الْجَمِيعِ، وَرُوِيَ أن أبا جهل عند ما اصْطَفَّ الْقَوْمُ قَالَ:
اللَّهُمَّ أَوْلَانَا بِالْحَقِّ فَانْصُرْهُ
وَإِذْ بَدَلٌ مِنْ إِذْ يَعِدُكُمُ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَكَانَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْعَامِلَ فِي إِذْ يَعِدُكُمُ اذْكُرْ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحِقَّ ويُبْطِلَ وَأَجَازَ هُوَ وَالْحَوْفِيُّ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً بِيَعِدُكُمْ وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلَى إِضْمَارِ وَاذْكُرُوا وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ وَاسْتَغَاثَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ فِي الْآيَةِ وَيَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ كَمَا جَاءَ فِي لَفْظِ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِغَاثَةِ، وَفِي بَابِ ابْنِ مَالِكٍ فِي النَّحْوِ الْمُسْتَغَاثُ وَلَا يَقُولُ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ فِي الْقُرْآنِ تَعَدَّى بِنَفْسِهِ قَالَ الْمُسْتَغَاثُ
стр. 3122
وَلَمْ يُعَدِّهِ بِالْبَاءِ كَمَا عَدَّاهُ سِيبَوَيْهِ وَالنَّحْوِيُّونَ وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَكَلَامُهُ مَسْمُوعٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَا جَاءَ مُعَدًّى بِالْبَاءِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
حَتَّى اسْتَغَاثَ بِمَاءٍ لَا رِشَاءَ لَهُ ... مِنَ الْأَبَاطِحِ فِي حَاجَاتِهِ الْبُرَكُ
مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُهُ ... رِيحٌ حَرِيقٌ لِضَاحِي مَائِهِ حُبُكُ
كَمَا اسْتَغَاثَ بِشَيْءٍ قَبْرُ عَنْطَلَةٍ ... خَافَ الْعُيُونَ وَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الْحَشَكُ
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنِّي بِفَتْحٍ أَيْ بأني وعيسى بن عمرو رَوَاهَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَإِنِّي بِكَسْرِهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ عَلَى الْحِكَايَةِ بِاسْتَجَابَ لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْفِعْلِ إِذْ سَوَّى فِي مَعْنَاهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي شَرْحِ اسْتَجَابَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِأَلْفٍ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْجَحْدَرِيُّ بِآلُفٍ عَلَى وَزْنِ أَفْلُسٍ وَعَنْهُ وَعَنِ السدّي بالألف وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ أَنْ يُحْمَلَ الْإِفْرَادُ عَلَى مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى الْوُجُوهِ الَّذِينَ مَنْ سِوَاهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ بِكَسْرِهَا أَيْ مُتَابِعًا بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ وَرَاءَهُ. وَقَرَأَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ مُرْدِفِينَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً أَصْلُهُ مُرْتَدِفِينَ فَأُدْغِمَ وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ وَقَدْ يَجُوزُ فَتْحُ الرَّاءِ فِرَارًا إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ أَوْ لِثِقَلِ حَرَكَةِ التَّاءِ إِلَى الرَّاءِ عِنْدَ الْإِدْغَامِ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ أَثَرًا انْتَهَى وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ يُضَمُّ الرَّاءُ اتباعا لحركة الميم كقولهم مخضم وقرىء كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ إِتْبَاعًا لِحَرَكَةِ الدَّالِ أَوْ حُرِّكَتْ بِالْكَسْرِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ كَسْرُ الْمِيمِ وَلَا أَحْفَظُهُ قِرَاءَةً كَقَوْلِهِمْ مُخَضَّمٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ وَهَلْ قَاتَلَتْ أَمْ لَمْ تُقَاتِلْ فِي آلِ عِمْرَانَ وَلَمْ تَتَعَرَّضِ الْآيَةُ لِقِتَالِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ مُرْدِفِينَ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ بِأَلْفٍ أَيْ أَرْدَفَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قال ابن عطية: ويحتمل أَنْ يُرَادَ بِالْمُرْدَفِينَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ أُرْدِفُوا بِالْمَلَائِكَةِ فَمُرْدَفِينَ عَلَى هَذَا حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَرْدَفْتُهُ إِيَّاهُ إِذَا أَتْبَعْتَهُ وَيُقَالُ أَرْدَفْتُهُ كَقَوْلِكَ أَتْبَعْتُهُ إِذَا جِئْتَ بَعْدَهُ فَلَا يَخْلُو الْمَكْسُورُ الدَّالِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ أَوْ مُتَّبَعِينَ فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَوْ مُتْبِعِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَوْ بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ إِيَّاهُمُ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ يَتَقَدَّمُونَهُمْ فَيَتْبَعُونَهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَوْ مُتْبِعِينَ لَهُمْ يُشَيِّعُوهُمْ وَيُقَدِّمُونَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَهُمْ عَلَى سَاقَتِهِمْ لِيَكُونُوا عَلَى أَعْيُنِهِمْ وَحِفْظِهِمْ أَوْ
стр. 3123
بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ أَنْفُسَهُمْ مَلَائِكَةً آخَرِينَ أَوْ مُتْبِعِينَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَيُعَضِّدُ هَذَا الْوَجْهَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ «١» بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ «٢» انْتَهَى. وَهَذَا تَكْثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ اتَّبَعَ مُشَدَّدًا يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ وَأَتْبَعَ مُخَفَّفًا يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ وَأَرْدَفَ أَتَى بمعناهما والمفعول لا تبع محذوف والمفعولان لا تَبِعَ مَحْذُوفَانِ فَيُقَدَّرُ مَا يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ أَوْ مُتْبِعِينَ إِيَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ فَصْلِ الضَّمِيرِ بَلْ مِمَّا يُتَّصَلُ وَتُحْذَفُ لَهُ النُّونُ لَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ كَاسُّونَ إِيَّاكَ ثَوْبًا بَلْ يُقَالُ كَاسُوكَ فَتَصْحِيحُهُ أَنْ يَقُولَ أَوْ بِمَعْنَى مُتْبِعِيهِمُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يَقُولَ أَوْ بِمَعْنَى مُتْبِعِينَ أَنْفُسَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَأُثْبِتَ فِي آلِ عِمْرَانَ لِأَنَّ الْقِصَّةَ فِيهَا مُسْهِبَةٌ وَهُنَا مُوجَزَةٌ فَنَاسَبَ هُنَا الْحَذْفُ وَهُنَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ هُنَاكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ وَالِاتِّسَاعِ فِي الْكَلَامِ وَهُنَا جَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مُرَاعَاةً لِأَوَاخِرِ الْآيِ وَهُنَاكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ يَقْطَعَ بِمَا قَبْلَهُ فَنَاسَبَ أَنْ يَأْتِيَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٣» عَلَى سَبِيلِ الصِّفَةِ وَكِلَاهُمَا مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ كَمَا تَقُولُ أَكْرِمْ زَيْدًا الْعَالِمَ وَأَكْرِمْ زَيْدًا إِنَّهُ عَالِمٌ وَالضَّمِيرُ فِي وَما جَعَلَهُ عَائِدٌ عَلَى الْإِمْدَادِ الْمُنْسَبِكِ مِنْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ أَوْ عَلَى الْمَدَدِ أَوْ عَلَى الْوَعْدِ الدَّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ عَلَى الْأَلْفِ أَوْ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ أَوْ عَلَى الْإِرْدَافِ أَوْ عَلَى الْخَبَرِ بِالْإِمْدَادِ أَوْ عَلَى جِبْرِيلَ أَقْوَالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلٌ ثَانٍ مِنْ إِذْ يَعِدُكُمُ أَوْ مَنْصُوبٌ بِالنَّصْرِ أَوْ بِمَا فِي عِنْدِ اللَّهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ أَوْ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرِ انْتَهَى. أَمَّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثَانِيًا مِنْ إِذْ يَعِدُكُمُ فَوَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ فَإِنَّ الْعَامِلَ فِي إِذْ هُوَ الْعَامِلُ فِي قَوْلِهِ وَإِذْ يَعِدُكُمُ بِتَقْدِيرِ تَكْرَارِهِ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعَامِلِ الْأَوَّلِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحَرْفِ عَطْفٍ وَإِنَّمَا الْقَصْدُ أَنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ فَقَالَ وَاذْكُرُوا إِذْ فَعَلْنَا بِكُمْ كَذَا اذْكُرُوا إِذْ فَعَلْنَا كَذَا وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ أَلْ وَفِي إِعْمَالِهِ خِلَافٌ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إعماله،
стр. 3124
الثَّانِي أَنَّهُ مَوْصُولٌ وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَذَلِكَ إِعْمَالٌ لَا يَجُوزُ لَا يُقَالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثَّالِثُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِعْمَالُ مَا قَبْلَ إِلَّا فِي مَا بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أَوْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ أَوْ صِفَةً لَهُ وَإِذْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَجُوزُ مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْصُوبًا بِمَا فِي عِنْدِ اللَّهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرَارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا فِي وَقْتِ غَشْيِ النُّعَاسِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْصُوبًا بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْحَوْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا لِطُولِ الْفَصْلِ وَلِكَوْنِهِ مَعْمُولَ مَا قَبْلَ إِلَّا وَلَيْسَ أَحَدَ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ الْعَامِلَ فِي إِذْ قَوْلُهُ وَلِتَطْمَئِنَّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مَعَ احْتِمَالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ فَقَالَ: وَلَوْ جُعِلَ الْعَامِلُ فِي إِذْ شَيْئًا قَرَنَهَا بِمَا قَبْلَهَا لَكَانَ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْمَلَ فِي إِذْ حَكِيمٌ لِأَنَّ إِلْقَاءَ النُّعَاسِ عَلَيْهِمْ وَجَعْلَهُ أَمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ انْتَهَى، وَالْأَجْوَدُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ يَكُونَ بَدَلًا.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ مُضَارِعُ غَشِيَ والنُّعاسَ رُفِعَ بِهِ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَابْنُ نِصَاحٍ وَأَبُو حَفْصٍ وَنَافِعٌ يُغَشِّيكُمُ مُضَارِعُ أَغْشَى، وَقَرَأَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ يُغَشِّيكُمُ مُضَارِعُ غَشَّى والنُّعاسَ فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ مَنْصُوبٌ وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ وَنَاسَبَتْ قِرَاءَةُ نَافِعٍ قَوْلَهُ يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ «١» وَقِرَاءَةَ الْبَاقِينَ وَيُنَزِّلُ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الْفَاعِلُ وَمَعْنَى يُغَشِّيكُمْ يُعْطِيكُمْ بِهِ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ جَعَلَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّعَاسِ غَشَيَانًا لَهُمْ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ النُّعاسَ وأَمَنَةً فِي آلِ عِمْرَانَ وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ وَانْتَصَبَ أَمَنَةً، قِيلَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ فَأَمِنْتُمْ أَمَنَةً وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ انْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ فِي قِرَاءَةِ يُغَشِّيكُمُ لِاتِّحَادِ الْفَاعِلِ لِأَنَّ الْمُغَشِّيَ وَالْمُؤَمِّنَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا عَلَى قراءة يُغَشِّيكُمُ فَالْفَاعِلُ مُخْتَلِفٌ إِذْ فَاعِلُ يُغَشِّيكُمُ هُوَ النُّعاسَ وَالْمُؤَمِّنُ هُوَ اللَّهُ وَفِي جَوَازِ مَجِيءِ الْمَفْعُولِ لَهُ مَعَ اخْتِلَافِ الْفَاعِلِ خِلَافٌ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، (فَإِنْ قُلْتَ) : أَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ وَالْعِلَّةِ وَاحِدًا، قُلْتُ بَلَى وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ معنى يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ
تُتَغَشَّوْنَ انْتَصَبَ أَمَنَةً عَلَى أَنَّ النُّعَاسَ وَالْأَمَنَةَ لَهُمْ وَالْمَعْنَى إِذْ تُتَغَشَّوْنَ أَمَنَةً بِمَعْنَى أَمْنًا أَيْ لأمنكم
стр. 3125
ومِنْهُ صِفَةٌ لَهَا أَيْ أَمَنَةً حَاصِلَةً لَكُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، (فَإِنْ قُلْتَ) : هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى أَنَّ الْأَمَنَةَ لِلنُّعَاسِ الذي هو يُغَشِّيكُمُ أَيْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ لِأَمْنِهِ عَلَى أَنَّ إِسْنَادَ الْأَمْنِ إِلَى النُّعَاسِ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ وَهُوَ لِأَصْحَابِ النُّعَاسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ إمامكم فِي وَقْتِهِ كَانَ مِنْ حَقِّ النُّعَاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَخُوفِ أَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى غِشْيَانِكُمْ وَإِنَّمَا غَشَّاكُمْ أَمَنَةً حَاصِلَةً مِنَ الله تعالى لولا ها لم يغشاكم عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ، (قُلْتُ) : لَا تَتَعَدَّى فَصَاحَةُ الْقُرْآنِ عَنِ احْتِمَالِهِ وَلَهُ فِيهِ نَظَائِرُ وَلَقَدْ أَلَمَّ بِهِ مَنْ قَالَ:
يَهَابُ النَّوْمُ أَنْ يَغْشَى عُيُونًا ... تَهَابُكَ فَهْوَ نَفَّارٌ شُرُودُ
وقرىء أَمَنَةً بِسُكُونِ الْمِيمِ وَنَظِيرُ أَمِنَ أَمَنَةً حَيِيَ حَيَاةً وَنَحْوُ أَمِنَ أَمْنَةً رَحِمَ رَحْمَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا كَانَ بِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ كَانَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ النَّوْمِ فَلَمَّا طَامَنَ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَهُمْ أَمَّنَهُمْ وَأَقَرُّوا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الصَّلَاةِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ انْتَهَى، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهُ هَذَا الْكَلَامِ وَقَالَ النُّعَاسُ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ عَلَامَةُ أَمْنٍ مِنَ الْعَدُوِّ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا إِنَّمَا طَرِيقَةُ الْوَحْيِ فَهُوَ لَا محالة يسنده انْتَهَى، وَالَّذِي قَرَأَ أَمَنَةً بِسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَرُوِيَتْ عَنِ النَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ وَغِشْيَانُ النَّوْمِ إِيَّاهُمْ قِيلَ حَالَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَمَضَى مِثْلُ هَذَا فِي يَوْمِ أُحُدٍ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ الْقِتَالُ فِي غَدِهَا امْتُنَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ مَعَ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ فِي غَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَنْشَطُوا فِي غَدِهَا لِلْقِتَالِ وَيَزُولَ رُعْبُهُمْ، وَيُقَالُ: الْأَمْنُ مُنِيمٌ وَالْخَوْفُ مُسْهِرٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي الزَّمَانِ كَتَرْتِيبِهَا فِي التِّلَاوَةِ فَيَكُونَ إِنْزَالُ الْمَطَرِ تَأَخَّرَ عَنْ غِشْيَانِ النُّعَاسِ، وَعَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أَنَّ الْمَطَرَ كَانَ قَبْلَ النُّعَاسِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ وَنُزُولُ الْمَاءِ كَانَ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُّعَاسِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ كَذَلِكَ فِي الْآيَةِ إِذِ الْقَصْدُ مِنْهَا تَعْدِيدُ النِّعَمِ فَقَطْ.
وَقَرَأَ طَلْحَةُ وَيُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَاءً بِالْمَدِّ، وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ مَا بِغَيْرِ هَمْزٍ، حَكَاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، صَاحِبُ اللَّوَامِحِ فِي شَوَاذِّ الْقِرَاءَاتِ، وَخَرَّجَاهُ عَلَى أَنَّ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَصِلَتُهُ حَرْفُ الْجَرِّ الَّذِي هُوَ لِيُطَهِّرَكُمْ وَالْعَائِدُ عَلَيْهِ هُوَ وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ انْتَهَى، وَظَاهِرُ هَذَا التَّخْرِيجِ فَاسِدٌ لِأَنَّ لَامَ كَيْ لَا تَكُونُ صِلَةً وَمِنْ حَيْثُ جَعْلِ الضَّمَائِرِ هُوَ وَقَالَ مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلَا تَكُونُ لَامُ كَيْ هِيَ الصِّلَةُ بَلِ الصِّلَةُ هُوَ وَلَامُ الْجَرِّ وَالْمَجْرُورِ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ مَا مَوْصُولَةٌ وَصِلَتُهَا حَرْفُ الْجَرِّ بِمَا جَرَّهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا لِلطَّهُورِ انْتَهَى. وَهَذَا فِيهِ مَا قُلْنَا مِنْ مَجِيءِ لَامِ كَيْ صِلَةً وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى
стр. 3126
وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ مَا لَيْسَ مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي وَأَنَّهُ بِمَعْنَى مَاءً الْمَحْدُودِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَكَوْا أَنَّ الْعَرَبَ حَذَفَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةَ فَقَالُوا مًا يَا هَذَا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَتَنْوِينِ الْمِيمِ فَيُمْكِنُ أَنْ تُخَرَّجَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْرَوُا الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ فَحَذَفُوا التَّنْوِينَ لِأَنَّكَ إِذَا وَقَفْتَ عَلَى شَرِبْتُ مًا قُلْتَ شَرِبْتُ مَا بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وَإِبْقَاءِ الْأَلِفِ إِمَّا أَلِفُ الْوَصْلِ الَّذِي هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ وَهِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ وَإِمَّا الْأَلِفُ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ من التَّنْوِينِ حَالَةَ النَّصْبِ.
وَقَرَأَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لِيُطَهِّرَكُمْ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَمَعْنَى لِيُطْهِرَكُمْ مِنَ الْجَنَابَاتِ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَحِقَ أَكْثَرَهُمْ فِي سَفَرِهِمُ الْجَنَابَاتُ وَعَدِمُوا الْمَاءَ وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ رَمْلٍ دَهْسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الْأَرْجُلُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقُوهُمْ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَقِيلَ بَلِ الْمُؤْمِنُونَ سَبَقُوا إِلَى الْمَاءِ بِبَدْرٍ وَكَانَ نُزُولُ الْمَطَرِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ لَا مَاءَ لَهُمْ فَوَجَسَتْ نُفُوسُهُمْ وَعَطِشُوا وَأَجْنَبُوا وَصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ إِلَيْهِمْ نَزْعُمُ أَنَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ، وَحَالُنَا هَذِهِ، وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السَّابِعَةَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى سَالَتِ الْأَوْدِيَةُ فَشَرِبَ النَّاسُ وَتَطَهَّرُوا وَسَقَوُا الظَّهْرَ وَتَلَبَّدَتِ السَّبْخَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى ثَبَتَتْ فِيهَا أَقْدَامُ الْمُسْلِمِينَ وَقْتَ الْقِتَالِ وَكَانَتْ قَبْلَ الْمَطَرِ تَسُوخُ فِيهَا الْأَرْجُلُ فَلَمَّا نَزَلَ تَلَبَّدَتْ قَالُوا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أَيْ مِنَ الْجَنَابَاتِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أَيْ عَذَابَهُ لَكُمْ بِوَسْوَاسِهِ وَالرِّجْزُ الْعَذَابُ، وَقِيلَ رِجْزُهُ كَيْدُهُ وَوَسْوَسَتُهُ، وَقِيلَ الْجَنَابَةُ مِنَ الِاحْتِلَامِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَوَرَدَ مَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ إِنَّمَا الِاحْتِلَامُ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عَمْرٍو يُذْهِبَ بِجَزْمِ الْبَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ رِجْزَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَأَبُو الْعَالِيَةِ رِجْسَ بِالسِّينِ وَمَعْنَى الرَّبْطِ عَلَى الْقَلْبِ هُوَ اجْتِمَاعُ الرَّأْيِ وَالتَّشْجِيعُ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَالصَّبْرُ عَلَى مُكَافَحَةِ العدو والربط الشد وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ فَاسْتُعِيرَ مِنْهَا لِمَا حَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الرَّبْطِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الصَّبْرُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ الْإِيمَانُ، وَقِيلَ نُزُولُ الْمَطَرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَمَا بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَثْبِيتَ الْأَقْدَامِ هُوَ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ اللِّقَاءُ كَانَ رَمْلًا تَغُوصُ فِيهِ الْأَرْجُلُ فَلَبَّدَهُ الْمَطَرُ حَتَّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْأَقْدَامُ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَطَرِ، وَقِيلَ التَّثْبِيتُ لِلْأَقْدَامِ مَعْنَوِيٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ كَوْنُهُ لَا يَفِرُّ وَقْتَ الْقِتَالِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَلِيَرْبِطَ وَانْظُرْ إِلَى فَصَاحَةِ مَجِيءِ هَذِهِ
стр. 3127
التَّعْلِيلَاتِ بَدَأَ أَوَّلًا مِنْهَا بِالتَّعْلِيلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ تَطْهِيرُهُمْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ فِعْلٌ جُسْمَانِيٌّ أَعْنِي اغْتِسَالَهُمْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لَامِ الْعِلَّةِ مَا هُوَ مِنْ لَازِمِ التَّطْهِيرِ وَهُوَ إِذْهَابُ رِجْزِ الشَّيْطَانِ حَيْثُ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ عَطَفَ بِلَامِ الْعِلَّةِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ جُسْمَانِيٍّ، وَهُوَ فِعْلٌ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ التَّشْجِيعُ وَالِاطْمِئْنَانُ وَالصَّبْرُ عَلَى اللِّقَاءِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لَامِ الْعِلَّةِ مَا هُوَ مِنْ لَازِمِهِ وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يَفِرُّونَ وَقْتَ الْحَرْبِ فَحِينَ ذَكَرَ التَّعْلِيلَ الظَّاهِرَ الْجُسْمَانِيَّ وَالتَّعْلِيلَ الْبَاطِنَ الْقَلْبِيَّ ظَهَرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ وَحِينَ ذَكَرَ لَازِمَهَا لَمْ يُؤَكِّدْ بِلَامِ التَّعْلِيلِ وَبَدَأَ أَوَّلًا بِالتَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ الْآكَدُ وَالْأَسْبَقُ فِي الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ الَّذِي تُؤَدَّى بِهِ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ وَتَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ هَذَا أَيْضًا مِنْ تَعَدُّدِ النِّعَمِ إِذِ الْإِيحَاءُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَهُمْ أَيْ يَنْصُرُهُمْ وَيُعِينُهُمْ وَأَمْرُهُمْ بِتَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْإِخْبَارُ بِمَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ إِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمْ وَالْأَمْرُ بِالضَّرْبِ فَوْقَ أَعْنَاقِهِمْ وَكُلَّ بَنَانٍ مِنْهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، وَفِي ذَلِكَ إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْغَلَبَةَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِذْ يُوحِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ثَالِثًا مِنْ إِذْ يَعِدُكُمُ وَأَنْ يَنْتَصِبَ بِثَبِّتْ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْعَامِلُ فِي إِذِ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَهَا وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ قَرِيبًا لَكَانَ قَوْلُهُ وَيُثَبِّتَ عَلَى تَأْوِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الرَّبْطِ وَأَمَّا عَوْدُهُ عَلَى الْمَاءِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَعْمَلَ وَيُثَبِّتَ فِي إِذْ انْتَهَى وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِاخْتِلَافِ زَمَانِ التَّثْبِيتِ عِنْدَهُ وَزَمَانِ هَذَا الْوَحْيِ لِأَنَّ زَمَانَ إِنْزَالِ الْمَطَرِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ تَعَالِيلِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَغْشِيَةِ النُّعَاسِ وَالْإِيحَاءِ كَانَا وَقْتَ الْقِتَالِ وَهَذَا الْوَحْيُ إِمَّا بِإِلْهَامٍ وَإِمَّا بِإِعْلَامٍ، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِخِلَافٍ عَنْهُ إِذْ مَعَكُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ عَلَى إِجْرَاءِ يُوحِي مَجْرَى تَقُولُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةُ هُمُ الَّذِينَ أُمِدَّ الْمُؤْمِنُونَ بِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ الْخِطَابُ لَهُمْ بِيَغْشَاكُمْ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ وَيُطَهِّرَكُمْ وَيُذْهِبَ رِجْزَ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ إِذْ كَانَ فِي هَذِهِ أَشْيَاءُ لَا تُنَاسِبُ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ وَلَمَّا ذَكَرَ الْوَحْيَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَتَى بِخِطَابِ الرَّسُولِ وَحْدَهُ فَقَالَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ فَفِي ذَلِكَ تَشْرِيفٌ بِمُوَاجَهَتِهِ بِالْخِطَابِ وَحْدَهُ أَيْ مُرَبِّيكَ وَالنَّاظِرُ فِي مَصْلَحَتِكَ.
وَيُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا. قَالَ الْحَسَنُ بِالْقِتَالِ أَيْ فَقَاتِلُوا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ بَشِّرُوهُمْ بِالنَّصْرِ فَكَانَ الْمَلَكُ يَسِيرُ أَمَامَ الصَّفِّ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ
стр. 3128
أَنَّهُمْ يُثَبِّتُونَهُمْ بِأَشْيَاءَ يُلْقُونَهَا فِي قُلُوبِهِمْ تَقْوَى بِهَا، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَنَحْوُهُ قَالَ: صَحِّحُوا عَزَائِمَهُمْ وَنِيَّاتِهِمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَا يُلْقِيهِ الْمَلَكُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ تَوَهُّمِ الظَّفَرِ وَاحْتِقَارِ الْكُفَّارِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ خَوَاطِرِ تَشْجِيعِهِ وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ مُطَابَقَةُ قَوْلِهِ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وَإِنْ كَانَ إِلْقَاءُ الرُّعْبِ يُطَابِقُ التَّثْبِيتَ عَلَى أَيِّ صُورَةٍ كَانَ التَّثْبِيتُ وَلَكِنَّهُ أَشْبَهُ بِهَذَا إِذْ هِيَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِيءُ قوله سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ مُخَاطَبَةً لِلْمَلَائِكَةِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلِهِ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ صُورَةِ الْحَالِ كَمَا تَقُولُ إِذَا وَصَفْتَ لِمَنْ تُخَاطِبُهُ لَقِينَا الْقَوْمَ وَهَزَمْنَاهُمْ فَاضْرِبْ بِسَيْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ وَاقْتُلْ وَخُذْ أَسِيرَكَ، أَيْ هَذِهِ كَانَتْ صِفَةَ الْحَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأُلْقِي إِلَى آخِرِ الْآيَةِ خَبَرًا يُخَاطِبُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يَفْعَلُهُ بِالْكَفَّارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا فَعَلَهُ فِي الْمَاضِي ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَالْبَنَانِ تَشْجِيعًا لَهُمْ وَحَضًّا عَلَى نُصْرَةِ الدِّينِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْمَعْنَى أَنِّي مُعِينُكُمْ عَلَى التَّثَبُّتِ فَثَبِّتُوهُمْ فَقَوْلُهُ سَأُلْقِي فَاضْرِبُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا وَلَا مَعُونَةَ أَعْظَمُ مِنْ إِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْكَفَرَةِ وَلَا تَثْبِيتَ أَبْلَغُ مِنْ ضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ وَاجْتِمَاعُهُمَا غَايَةُ النُّصْرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ تَفْسِيرٍ وَأَنْ يُرَادَ بِالتَّثْبِيتِ أَنْ يُخْطِرُوا بِبَالِهِمْ مَا تَقْوَى بِهِ قُلُوبُهُمْ وَتَصِحُّ عَزَائِمُهُمْ وَنِيَّاتُهُمْ وَأَنْ يُظْهِرُوا مَا يَتَيَقَّنُونَ بِهِ أَنَّهُمْ مُمَدُّونَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ كَانَ الْمَلَكُ يَتَشَبَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُونَ وَجْهَهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ إِنِّي سَمِعْتُ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ وَاللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنَا لَنَنْكَشِفَنَّ وَيَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَيَقُولُ أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ لِأَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُ وَهَؤُلَاءِ لَا يَعْبُدُونَهُ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سَأُلْقِي- إِلَى قَوْلِهِ- كُلَّ بَنانٍ عَقِيبَ قَوْلِهِ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا تَلْقِينًا لِلْمَلَائِكَةِ وَمَا يُثَبِّتُونَهُمْ بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ قُولُوا لَهُمْ سَأُلْقِي وَالضَّارِبُونَ عَلَى هَذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا بَعْدَ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوحَى بِهِ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِتَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَكُلَّ بَنَانٍ، وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَسَارٍ: كُنَّا إِذَا سَأَلْنَا يَزِيدَ بن عامر السّواي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ كَيْفَ كَانَ يَأْخُذُ الْحَصَا ويرمي به الطست فيظن فَيَقُولُ: كُنَّا نَجِدُ فِي أَجْوَافِنَا مِثْلَ هَذَا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَعْرَجُ الرُّعْبَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَوْقَ قَالَ الْأَخْفَشُ: زَائِدَةٌ أَيْ فَاضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ وَهُوَ قَوْلُ عَطِيَّةَ وَالضَّحَّاكِ فَيَكُونُ الْأَعْنَاقُ هِيَ الْمَفْعُولُ بِاضْرِبُوا هَذَا
стр. 3129
لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ فَوْقَ اسْمُ ظَرْفٍ وَالْأَسْمَاءُ لَا تُزَادُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَوْقَ بِمَعْنَى عَلَى تَقُولُ ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ وَعَلَى الرَّأْسِ وَيَكُونُ مَفْعُولُ فَاضْرِبُوا عَلَى هَذَا مَحْذُوفًا أَيْ فَاضْرِبُوهُمْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لِإِبْقَاءِ فَوْقَ عَلَى مَعْنَاهَا مِنَ الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَوْقَ بِمَعْنَى دُونَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّبْسُ مِنْ قَوْلِهِ بَعُوضَةً فَما فَوْقَها «١» فِي الْقِلَّةِ وَالصِّغَرِ فَأَشْبَهَ الْمَعْنَى دُونَ انْتَهَى. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ يَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا أَيْ فَاضْرِبُوهُمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَوْقَ عَلَى بَابِهَا وَأَرَادَ الرُّؤُوسَ إِذْ هِيَ فَوْقَ الْأَعْناقِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ضَرْبَ الْهَامِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَضْرِبُ هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَالَ آخَرُ:
غَشِيتُهُ وَهْوَ فِي جَأْوَاءَ بَاسِلَةٍ ... عَضْبًا أَصَابَ سوء الرَّأْسِ فَانْفَلَقَا
انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَنْبَلُهَا وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَوْقَ الْأَعْناقِ وَصْفَ أَبْلَغِ ضَرَبَاتِ الْعُنُقِ وَأَحْكَمِهَا وَهِيَ الضَّرْبَةُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ عَظْمِ الْعُنُقِ وَدُونَ عَظْمِ الرَّأْسِ فِي الْمَفْصِلِ، وَيُنْظَرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الْجَشَمِيِّ لِابْنِ الدَّغِنَةِ السُّلَمِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ خُذْ سَيْفِي وَارْفَعْ عَنِ الْعَظْمِ وَاخْفِضْ عَنِ الدِّمَاغِ فَهَكَذَا كُنْتُ أَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْأَبْطَالِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
جعل السَّيْفَ بَيْنَ الْجِيدِ مِنْهُ ... وَبَيْنَ أَسِيلِ خَدَّيْهِ عِذَارًا
فَيَجِيءُ عَلَى هَذَا فَوْقَ الْأَعْناقِ مُتَمَكِّنًا انْتَهَى. فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ وَيَكُونُ مَفْعُولُ فَاضْرِبُوا مَحْذُوفًا وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ فَوْقَ هُوَ الْمَضْرُوبُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ فَوْقَ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا لَا تَكُونُ مُبْتَدَأَةً وَلَا مَفْعُولًا بِهَا وَلَا مُضَافًا إِلَيْهَا إِنَّمَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِحَرْفِ جَرٍّ كَقَوْلِهِ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ «٢» هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي فَوْقَ وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ فِي الْآيَةِ مَفْعُولًا بِهِ وَأَجَازَ فِيهَا التَّصَرُّفَ قَالَ:
تَقُولُ فَوْقُكَ رَأَسُكَ بِالرَّفْعِ وَفَوْقَكَ قَلَنْسُوَتُكَ بِالنَّصْبِ وَيَظْهَرُ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ قَالَ:
فَوْقَ الْأَعْناقِ أَرَادَ أَعَالِيَ الْأَعْنَاقِ الَّتِي هِيَ الْمَذَابِحُ لِأَنَّهَا مَفَاصِلُ فَكَانَ إِيقَاعُ الضَّرْبِ فِيهَا جَزًّا وَتَطْيِيرًا لِلرَّأْسِ انْتَهَى، وَالْبَنَانُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا فِي الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ الْبَنَانُ هِيَ الْمَفَاصِلُ حَيْثُ كَانَتْ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ الْبَنَانُ الْأَصَابِعُ من
стр. 3130
الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَقِيلَ الْأَصَابِعُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا الْأَصَابِعُ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ الْعَبْسِيُّ:
وَكَانَ فَتَى الْهَيْجَاءِ يَحْمِي ذِمَارَهَا ... وَيَضْرِبُ عِنْدَ الْكَرْبِ كُلَّ بَنَانِ
وَقَالَ أَيْضًا:
وَأَنَّ الْمَوْتَ طَرْحُ يَدِي إِذَا مَا ... وَصَلْتُ بَنَانَهَا بِالْهِنْدُوَانِي
وَضَرْبُ الْكُفَّارِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَبْلَغَ الْمَوَاضِعِ وَأَثْبَتَ مَا يَكُونُ الْمَقَاتِلُ لِأَنَّهُ إِذَا عُمِدَ إِلَى الرَّأْسِ أَوِ الْأَطْرَافِ كَانَ ثَابِتَ الْجَأْشِ مُتَبَصِّرًا فِيمَا يَضَعُ فِيهِ آلَةَ قِتَالِهِ مِنْ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَقَعُ بِهِ اللِّقَاءُ إِذْ ضَرْبُ الرَّأْسِ فِيهِ أَشْغَلُ شَاغِلٍ عَنِ الْقِتَالِ وَكَثِيرًا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَوْتِ وَضَرْبُ الْبَنَانِ فِيهِ تَعْطِيلُ الْقِتَالِ مِنَ الْمَضْرُوبِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلَّمَهُمْ مَوَاضِعَ الضرب فقال: اضربوا الرؤوس وَالْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاضْرِبُوا الْأَعَالِيَ إِنْ تَمَكَّنْتُمْ مِنَ الضَّرْبِ فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا فَاضْرِبُوهُمْ فِي أَوْسَاطِهِمْ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا فَاضْرِبُوهُمْ فِي أَسَافِلِهِمْ فَإِنَّ الضَّرْبَ فِي الْأَعَالِي يُسْرِعُ بِهِمْ إِلَى الْمَوْتِ وَالضَّرْبَ فِي الْأَوْسَاطِ يُسْرِعُ بِهِمْ إِلَى عَدَمِ الِامْتِنَاعِ وَالضَّرْبَ في الأسافل يمنعم مِنَ الْكَرِّ وَالْفَرِّ فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا إِهْلَاكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِمَّا الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِمُ انْتَهَى، وَفِي قَوْلِ الْفَرَّاءِ هَذَا تَحْمِيلُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْمَعْنَى فَاضْرِبُوا الْمَقَاتِلَ وَالشَّوَى لِأَنَّ الضَّرْبَ إِمَّا وَاقِعٌ عَلَى مَقْتَلٍ أَوْ غَيْرِ مَقْتَلٍ فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَجْمَعُوا عَلَيْهِمُ النَّوْعَيْنِ مَعًا انتهى.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٣ الى ١٤]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
ِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
الْإِشَارَةُ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ إِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَالْكَافُ لِخِطَابِ الرَّسُولِ أَوْ لِخِطَابِ كُلِّ سَامِعٍ أَوْ لِخِطَابِ الْكُفَّارِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ ولِكَ
مبتدأ وأَنَّهُمْ
هُوَ الْخَبَرُ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمُشَاقَّةِ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ «١» وَالْمُشَاقَّةُ هُنَا مُفَاعَلَةٌ فَكَأَنَّهُ
стр. 3131
تَعَالَى لَمَّا شَرَعَ شَرْعًا وَأَمَرَ بِأَوَامِرَ وَكَذَّبُوا بِهَا وَصَدُّوا تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمْ وَانْفَصَلَ وَانْشَقَّ وَعَبَّرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ شَاقُّوا اللَّهَ أَيْ صَارُوا فِي شَقٍّ غير شقّه.
مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
أَجْمَعُوا على الفكّ في شاقِقِ
اتِّبَاعًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ وَالْإِدْغَامُ لُغَةِ تَمِيمٍ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ «١» ، وَقِيلَ فِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ تَقْدِيرُهُ شَاقُّوا أَوْلِيَاءَ الله ونْ
شرطية والجواب إِنَ
وَمَا بَعْدَهَا وَالْعَائِدُ عَلَى نْ
محذوف أي دِيدُ الْعِقابِ
لَهُ وَتَضَمَّنَ وَعِيدًا وَتَهْدِيدًا وَبَدَأَهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِمْ.
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ جَمَعَ بَيْنَ الْعَذَابَيْنِ عَذَابِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْمُعَجَّلُ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُؤَجَّلُ وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكُمْ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْخِطَابُ لِلْمُشَاقِّينَ وَلَمَّا كَانَ عَذَابُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ يَسِيرًا سَمَّى مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ ذَوْقًا لِأَنَّ الذَّوْقَ يُعْرَفُ بِهِ الطَّعْمُ وَهُوَ يَسِيرٌ لِيُعْرَفَ بِهِ حَالُ الطَّعْمِ الْكَثِيرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ «٢» فَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا كَالذَّوْقِ الْقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ وذلِكُمْ مَرْفُوعٌ إِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ذَلِكُمُ الْعِقَابُ أَوْ عَلَى الْخَبَرِ وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْعِقَابُ ذَلِكُمْ وَهُمَا تَقْدِيرَانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
أَيْ ذَلِكُمُ الضَّرْبُ وَالْقَتْلُ وَمَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْأَمْرُ ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ انتهى. وهذا تقرير الزَّجَّاجِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى عَلَيْكُمْ ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ كَقَوْلِكَ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ انْتَهَى، وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّقْدِيرُ لِأَنَّ عَلَيْكُمْ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَأَسْمَاءُ الْأَفْعَالِ لَا تُضْمَرُ وَتَشْبِيهُهُ لَهُ بِقَوْلِكَ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّرُوهُ بِعَلَيْكَ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ وَإِنَّمَا هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى الِاشْتِغَالِ وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الِاشْتِغَالِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أَوْ فَذُوقُوهُ خَبَرًا لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ لَا يَكُونُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً نَحْوُ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وَكُلُّ رَجُلٍ فِي الدَّارِ فَمُكْرَمٌ انْتَهَى، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ وَمَسْأَلَةُ الِاشْتِغَالِ تَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ جواز أن يكون لِكَ
يَصِحُّ فِيهِ الِابْتِدَاءُ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ وَزَيْدٌ فَاضْرِبْهُ لَيْسَتِ الْفَاءُ هنا
стр. 3132
كَالْفَاءِ فِي الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْفَاءَ دَخَلَتْ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأُ مَعْنَى اسْمِ الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ فِي النَّحْوِ وَالْفَاءُ فِي زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ هِيَ جَوَابٌ لِأَمْرٍ مُقَدَّرٍ وَمُؤَخَّرَةٌ مِنْ تَقْدِيمٍ وَالتَّقْدِيرُ تنبه فزيدا ضربه وَقَالَتِ الْعَرَبُ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ وَقَدَّرَهُ النُّحَاةُ تَنَبَّهَ فَاضْرِبْ زَيْدًا وَابْتَنَى الِاشْتِغَالُ فِي زَيْدًا فَاضْرِبْهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَدْ بَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَاءَيْنِ وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ زَيْدًا فَاضْرِبْ بَلْ كَانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ زَيْدًا اضْرِبْ كَمَا هُوَ إِذَا لَمْ يُقَدَّرْ هُنَاكَ أَمْرٌ بِالتَّنْبِيهِ مَحْذُوفٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطَفَ عَلَى ذلِكُمْ فِي وَجْهَيْهِ أَوْ نُصِبَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ ذُوقُوا هَذَا الْعَذَابَ الْعَاجِلَ مَعَ الْآجِلِ الَّذِي لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ فَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أَيْ مَكَانَ وَإِنَّ لَكُمْ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَحَتْمٌ أَنَّ فَتَقْدِيرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ خَبَرَهُ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ التَّقْدِيرُ الْأَمْرُ ذلِكُمْ وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَاعْلَمُوا أَنَّ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَإِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْأَخْبَارِ.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ٣٨]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)
стр. 3133
قَالَ اللَّيْثُ: الْجَمَاعَةُ يَمْشُونَ إِلَى عَدُوِّهِمْ هُوَ الزَّحْفُ. قَالَ الْأَعْشَى:
لِمَنِ الظَّعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ... مِنْكَ السَّفِينُ إِذَا تَقَاعَسَ تَجْرُفُ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الزَّحْفُ الدُّنُوُّ قَلِيلًا يُقَالُ زَحَفَ إِلَيْهِ يَزْحَفُ زَحْفًا إِذَا مَشَى، وَأَزْحَفْتُ الْقَوْمَ دَنَوْتَ لِقِتَالِهِمْ وَكَذَلِكَ تَزَحَّفَ وَتَزَاحَفَ وَأَزْحِفْ لَنَا عَدُوَّنَا إِزْحَافًا صَارُوا يَزْحَفُونَ لِقِتَالِنَا فَازْدَحَفَ الْقَوْمُ ازْدِحَافًا مَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَمِنْهُ الزِّحَافُ فِي الشِّعْرِ وَهُوَ أَنْ يَسْقُطَ مِنَ الْحَرْفَيْنِ حَرْفٌ وَيَزْحَفَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَسُمِّيَ الْجَيْشُ الْعَرَمْرَمُ بِالزَّحْفِ لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ إِلَيَّ يَدِبُّ دَبِيبًا مِنْ زَحَفَ الصَّبِيُّ إِذَا دَبَّ عَلَى أَلْيَتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا وَأَصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ وَقَدْ جَمَعَ أَزْحَفُ عَلَى زُحُوفٍ. وَقَالَ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ مَنْهَلًا:
كَأَنَّ مَزَاحِفَ الْحَيَّاتِ فِيهِ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثَارُ السِّيَاطِ
الْمُتَحَيِّزُ الْمُنْضَمُّ إِلَى جَانِبٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ وَالتَّحَوُّزُ التَّنَحِّي، وَقَالَ اللَّيْثُ:
مَا لك متحوز إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَوْزِ وهو الجمع يقال خرته فِي الطَّرْسِ فَانْحَازَ وَتَحَيَّزَ انْضَمَّ وَاجْتَمَعَ وَتَحَوَّزَتِ الْحَيَّةُ انْطَوَتْ وَاجْتَمَعَتْ وَسَمَّى التَّنَحِّيَ تَحَيُّزًا لِأَنَّ الْمُتَنَحِّيَ عَنْ جَانِبٍ يَنْضَمُّ عَنْهُ وَيَجْتَمِعُ إِلَى غَيْرِهِ وَتَحَيَّزَ تَفَيْعَلَ أَصْلُهُ تَحَيْوَزَ اجْتَمَعَتْ يَاءٌ وَوَاوٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِيهَا الْيَاءُ وَتَحَوَّزَ تَفَعَّلَ ضُعِّفَتْ عَيْنُهُ.
الرَّمْيُ مَعْرُوفٌ وَيَكُونُ بِالسَّهْمِ وَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ. الْمُكَاءُ الصَّفِيرُ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ:
وَخَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا ... تمسكوا فَرِيصَتُهُ كَشَدْقِ الْأَعْلَمِ
أَيْ تُصَوِّتُ وَمِنْهُ مَكَّتِ اسْتُ الدَّابَّةِ إِذَا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُكَاءُ الصَّفِيرُ عَلَى لَحْنِ طَائِرٍ أَبْيَضَ بِالْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ الْمَكَّاءُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا غَرَّدَ الْمَكَّاءُ فِي غَيْرِ رَوْضَةٍ ... فَوَيْلٌ لِأَهْلِ السِّقَاءِ وَالْحَمِرَاتِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: مَكَا يَمْكُو مُكَاءً إِذَا صَفَّرَ وَالْكَثِيرُ فِي الْأَصْوَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى فِعَالٍ كَالصُّرَاخِ وَالْخُوَارِ وَالدُّعَاءِ وَالنُّبَاحِ. التَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ صَدَّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً صَفَّقَ وَهُوَ فِعْلٌ مِنَ الصَّدَى وَهُوَ الصَّوْتُ الرَّكْمُ. قَالَ اللَّيْثُ: جَمَعَكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتَّى تَجْعَلَهُ رُكَامًا مَرْكُومًا كَرُكَامِ الرَّمْلِ وَالسَّحَابِ. مَضَى تَقَدَّمَ وَالْمَصْدَرُ الْمُضِيُّ.
стр. 3134
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ وَأَمَرَ مَنْ آمَنَ بِضَرْبٍ فَوْقَ أَعْنَاقِهِمْ وَبَنَانَهُمْ حَرَّضَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ مُكَافَحَةِ الْعَدُوِّ وَنَهَاهُمْ عَنِ الِانْهِزَامِ وَانْتَصَبَ زَحْفاً عَلَى الْحَالِ، فَقِيلَ مِنَ الْمَفْعُولِ أَيْ لَقِيتُمُوهُمْ وَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ فَلَا تَفِرُّوا فَضْلًا عَنْ أَنْ تُدَانُوهُمْ فِي الْعَدَدِ أَوْ تُسَاوُوهُمْ، وَقِيلَ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ وَأَنْتُمْ زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ وَكَانَ ذَلِكَ إِشْعَارًا بِمَا سَيَكُونُ مِنْهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا بَعْدَ أَنْ نَهَاهُمْ عَنِ الْفِرَارِ يَوْمَئِذٍ، وَقِيلَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَيْ مُتَزَاحِفِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْهُمَا قَالَ زَحْفاً يُرَادُ بِهِ مُتَقَابِلِي الصُّفُوفِ وَالْأَشْخَاصِ أَيْ يَزْحَفُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ انْتَصَبَ زَحْفاً عَلَى الْمَصْدَرِ بِحَالٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ زَاحِفِينَ زَحْفًا وَهَذَا الَّذِي قِيلَ مُحْكَمٌ فَحَرُمَ الفرار عند اللقاء بِكُلِّ حَالٍ. وَقِيلَ كَانَ هذا في الابتداء الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ بِالْمُصَابَرَةِ أَنْ يُوَاقِفَ مُسْلِمٌ عَشَرَةَ كُفَّارٍ ثُمَّ خُفِّفَ فَجُعِلَ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَةِ اثْنَيْنِ وَيَأْتِي حُكْمُ الْمُؤْمِنَةِ الْفَارَّةِ مِنْ ضَعْفِهَا فِي آيَةِ التَّخْفِيفِ وَعَدَلَ عَنِ الظُّهُورِ إِلَى لَفْظِ الْأَدْبارَ تَقْبِيحًا لِفِعْلِ الْفَارِّ وَتَبْشِيعًا لِانْهِزَامِهِ وَتَضَمَّنَ هَذَا النَّهْيُ الْأَمْرَ بِالثَّبَاتِ وَالْمُصَابَرَةِ.
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ لَمَّا نَهَى تَعَالَى عَنْ تَوَلِّي الْأَدْبَارِ تَوَعَّدَ مَنْ وَلَّى دُبُرَهُ وَقْتَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَنَاسَبَ قَوْلَهُ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ كَأَنَّ الْمَعْنَى فَقَدْ وَلَّى مَصْحُوبًا بِغَضَبِ اللَّهِ وَعَدَلَ أَيْضًا عَنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ إِلَى الدُّبُرِ مُبَالَغَةً فِي التَّقْبِيحِ وَالذَّمِّ إِذْ تِلْكَ الْحَالَةُ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ الْمَذْمُومَةِ جِدًّا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَجْرِي كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
قَالَ فِي التَّحْرِيرِ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ يُسَمَّى بِالتَّعْرِيضِ عَرَّضَ بِسُوءِ حَالِهِمْ وَقُبْحِ فِعَالِهِمْ وَخَسَاسَةِ مَنْزِلَتِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الْإِيمَاءَ وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الْكِنَايَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْكِنَايَةَ أَنْ تُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ الْجَمِيلِ عَلَى الْمَعْنَى الْقَبِيحِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَحْذُوفَةَ بَعْدَ إِذْ وَعُوِّضَ مِنْهَا التَّنْوِينُ هِيَ قَوْلُهُ إِذْ لَقِيتُمُ الْكُفَّارَ تَعْقِيلُ الْمُرَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا وَلِيَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَعَ الْوَعِيدُ بِالْغَضَبِ عَلَى مَنْ فَرَّ وَنُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الْآيَةِ بِآيَةِ الضَّعْفِ وَبَقِيَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ لَيْسَ كَبِيرَةً وَقَدْ فَرَّ النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ اللَّهُ فِيهِمْ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ «١» وَلَمْ يَقَعْ عَلَى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ انْتَهَى، وَهَذَا الْقَوْلُ بأن
стр. 3135
الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَيَوْمُ بَدْرٍ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ لِقَاءِ الْكُفَّارِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ خَاصًّا بِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَلَا يَدْخُلُ يَوْمُ بَدْرٍ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ حُكْمٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى يَوْمِ اللِّقَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ إِذا لَقِيتُمُ وَحُكْمُ الْآيَةِ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَسْخٌ وَأَمَّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإِنَّمَا فَرَّ النَّاسُ مِنْ مَرَاكِزِهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ وَفِرَارُهُمْ عَنْهُ، وَأَمَّا يَوْمُ حُنَيْنَ فَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ إِنَّمَا انْكَشَفَ أَمَامَ الْكَرَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَنْ مَنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ عَفْوًا عَنْ كَثْرَةٍ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ دُبُرَهُ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَانْتَصَبَ مُتَحَرِّفاً ومُتَحَيِّزاً عَنِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ فِي قَوْلِهِمُ الْعَائِدِ عَلَى مَنْ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِلَّا لَغْوٌ أَوْ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُوَلِّينَ أَيْ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ إِلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ مُتَحَرِّفاً أَوْ مُتَحَيِّزاً انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ مِنَ الْمُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهُمْ مَنْ انْتَهَى وَلَا يُرِيدُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لَغْوٌ أَنَّهَا زَائِدَةٌ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّ الْعَامِلَ الَّذِي هُوَ يُوَلِّهِمْ وَصَلَ إِلَى الْعَمَلِ فِيمَا بَعْدَهَا كَمَا قَالُوا فِي لَا مِنْ قَوْلِهِمْ جِئْتُ بِلَا زَادٍ إِنَّهَا لَغْوٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ حَالَةٍ مَحْذُوفَةٍ وَالتَّقْدِيرُ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ مُلْتَبِسًا بِأَيَّةِ حَالَةٍ إِلَّا فِي حَالِ كَذَا وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ حَالُ غَايَةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ إِلَّا لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ وَحُكْمُ الْوَاجِبِ لَا تَدْخُلُ إِلَّا فِيهِ لَا فِي الْمَفْعُولِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الفصلات لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ لَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ لَوْ قُلْتَ ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا وَقُمْتُ إِلَّا ضَاحِكًا لَمْ يَصِحَّ وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ الْمُؤَوَّلِ بِهِمَا فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ قُدِّرَ عُمُومٌ قَبْلَ إِلَّا حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً غَيْرَ مُفَرَّغٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوَلِّي وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا تَحَرُّفًا أَوْ تَحَيُّزًا وَالتَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ هُوَ الْكَرُّ بَعْدَ الْفَرِّ يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَيْنُ بَابِ خِدَعِ الْحَرْبِ وَمَكَائِدِهَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ يُرَادُ بِهِ الَّذِي يَرَى أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أَنَكَى لِلْعَدُوِّ وَأَعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ، وَالْفِئَةُ هُنَا قَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ الْحَاضِرَةُ لِلْحَرْبِ فَاقْتَضَى هَذَا الْإِطْرَاقُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِئَةُ مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ لِكَوْنِهِ يَرَى أَنَّهُ يُنْكِي فِيهَا الْعَدُوَّ وَيُبْلِي أَكْثَرَ مِنْ إِبْلَائِهِ فِيمَا قَابَلَهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِمَّا لِعَدَمِ مُقَاوَمَتِهِ أَوْ لِكَوْنِ غَيْرِهِ يُعْنَى فِيمَنْ قاتله منهم فيتحيّز إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى مِنَ الْكُفَّارِ لِيُبْلِيَ فِيهَا وَاقْتَضَى أَيْضًا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْفِئَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ تَحَيَّزَ إِلَيْهَا لِيَنْصُرَهَا وَيُقَوِّيَهَا
стр. 3136
إِذَا رَأَى فِيهَا ضَعْفًا وَأَغْنَى غَيْرَهُ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنَ الْكُفَّارِ وَبِهَذَا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ إِلى فِئَةٍ جَمَاعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى الْفِئَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقِيلَ الْفِئَةُ هُنَا الْمَدِينَةُ وَالْإِمَامُ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا كَانُوا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ: انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ فَأَتَى الْمَدِينَةَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكْتُ فَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقَالَ عُمَرَ ﵁: أَنَا فِئَتُكَ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ وَأَنَا فِيهِمْ فَفَرُّوا فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَحْيَوْا فَدَخَلُوا الْبُيُوتَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ.
قَالَ ثَعْلَبٌ الْعَكَّارُونَ الْعَطَّافُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عَنِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ رَاجِعًا عَكَّرَ وَاعْتَكَرَ.
وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ اتَّقُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ وَعَدَّ فِيهَا الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ
وَفِي التَّحْرِيرِ التَّوَلِّي الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ هُوَ الْفِرَارُ مَعَ الْمُصَابَرَةِ عَلَى الثَّبَاتِ فَأَمَّا إِذَا جَاءَهُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الثَّبَاتَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفِرَارِ انْتَهَى. وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَعْذَرَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إِذْ فَرَّ فَقِيلَ فِيهِ:
تَرَكَ الْأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ ... وَنَجَا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ وَلِجَامِ
وَقَالَ الْحَارِثُ مِنْ أَبْيَاتٍ:
وَعَلِمْتُ أَنِّيَ إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلَمْ يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي
وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَى وَعِيدِ الْفُسَّاقِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنِ انْهَزَمَ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ. قَالَ: وَلَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى الْكُفَّارِ كَمَا فَعَلُوا فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفْتَتَحٌ بِأَهْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا انْتَهَى، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَيُّزُ سَوَاءٌ عَظُمَ الْعَسْكَرُ أَمْ لَا، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إِذَا عَظُمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ شُرُوطِهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ مَنْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ فَرَّ أَمَامَهُمْ وَمَنْ فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
فَفِي التِّرْمِذِيِّ: مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَمَّا رَجَعَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَدْرٍ ذَكَرُوا مَفَاخِرَهُمْ فَيَقُولُ الْقَائِلُ
стр. 3137
قَتَلْتُ وَأَسَرْتُ فَنَزَلَتْ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إِنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأَنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْمَلَائِكَةَ وَأَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ وَشَاءَ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَقَوَّى قُلُوبَكُمْ وَأَذْهَبَ عَنْهَا الْفَزَعَ وَالْجَزَعَ انْتَهَى، وَلَيْسَتِ الْفَاءُ جَوَابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَمَا زَعَمَ وَإِنَّمَا هِيَ لِلرَّبْطِ بَيْنَ الْجُمَلِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ كَانَ امْتِثَالِ مَا أُمِرُوا بِهِ بابا لِلْقَتْلِ فَقِيلَ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أَيْ لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ الْأَقْدَارَ عَلَيْهِ وَالْخَالِقَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ لَيْسَ لِلْقَاتِلِ فِيهَا شَيْءٌ لَكِنَّهُ أَجْرَى عَلَى يَدِهِ فَنُفِيَ عَنْهُمْ إِيجَادُ الْقَتْلِ وَأُثْبِتَ لِلَّهِ وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَلْقٌ لَهُمْ، وَمَجِيءُ لكِنَّ هُنَا أَحْسَنُ مَجِيءٍ لِكَوْنِهَا بَيْنَ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ فَالْمُثْبَتُ لِلَّهِ هُوَ الْمَنْفِيُّ عَنْهُمْ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْقَتْلِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ أَوَّلَ الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا لِقَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْمَلَائِكَةَ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَعَطَفَ الْجُمْلَةَ الْمَنْفِيَّةَ بِمَا عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَنْفِيَّةِ بِلَمْ لِأَنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلْمَاضِي وَإِنْ كَانَ بِصُورَةِ الْمُضَارِعِ لِأَنَّ لِنَفْيِ الْمَاضِي طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَدَخُلَ مَا عَلَى لَفْظِهِ وَالْأُخْرَى أَنْ تَنْفِيَهُ بِلَمْ فَتَأْتِيَ بِالْمُضَارِعِ وَالْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ النَّفْيَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْإِيجَابِ وَفِي الْجُمْلَةِ مُبَالَغَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ النَّفْيَ جَاءَ عَلَى حَسَبِ الْإِيجَابِ لَفْظًا. الثَّانِي أَنْ نَفَى مَا صَرَّحَ بِإِثْبَاتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي قَوْلِهِ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ بِقَوْلِهِ إِذْ قَتَلْتُمُوهُمْ وَإِنَّمَا بُولِغَ فِي هَذَا لِأَنَّ الرَّمْيَ كَانَ أَمْرًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ مُعْجِزًا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فُسِّرَ الرَّمْيُ لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ،
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبَضَ رسول الله ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»
أَيْ قُبِّحَتْ فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَفِيهِ وَمَنْخَرَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ،
وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَسَمِعْنَا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَصَاةٍ وَقَعَتْ فِي طَسْتٍ فَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرَّمْيَةَ فَانْهَزَمُوا
،
وَقَالَ أَنَسٌ: رَمَى ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَاحِدَةً فِي مَيْمَنَةِ الْقَوْمِ وَوَاحِدَةً فِي مَيْسَرَتِهِمْ وَثَالِثَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ» فَانْهَزَمُوا.
وَقِيلَ الرَّمْيُ هُنَا رَمْيُ رسول الله ﷺ بِحَرْبَةٍ عَلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أحد، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً مِمَّا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَذَلِكَ بِعِيدٌ، وَقِيلَ الْمُرَادُ السَّهْمُ الَّذِي رَمَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِصْنِ خَيْبَرَ فسار في الهوى حَتَّى أَصَابَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ وَهَذَا فَاسِدٌ وَالصَّحِيحُ فِي صُورَةِ قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ غَيْرُ هَذَا وَقَوْلُهُ وَما رَمَيْتَ نَفْيٌ وإِذْ رَمَيْتَ إِثْبَاتٌ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلٍ وَهُوَ أَنْ
стр. 3138
يُغَايِرَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ فَالْمَنْفِيُّ الْإِصَابَةُ وَالظَّفَرُ وَالْمُثْبَتُ الْإِرْسَالُ، وَقِيلَ الْمَنْفِيُّ إِزْهَاقُ الرُّوحِ وَالْمُثْبَتُ أَثَرُ الرَّمْيِ وَهُوَ الْجَرْحُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَقِيلَ مَا اسْتَبْدَدْتَ بِالرَّمْيِ إِذْ أَرْسَلْتَ التُّرَابَ لِأَنَّ الِاسْتِبْدَادَ بِهِ هُوَ فِعْلُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَإِرْسَالُ التُّرَابِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ كَسْبًا كَانَ الْمَعْنَى، وَما رَمَيْتَ الرَّمْيَ الْكَافِيَ إِذْ رَمَيْتَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأُ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أَمْنَعِ
أَيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا مَرْضِيًّا. وَقِيلَ مُتَعَلِّقُ الْمَنْفِيِّ الرُّعْبُ ومتعلق المنبت الْحَصَيَاتُ أَيْ وَمَا رَمَيْتَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ إِذْ رَمَيْتَ الْحَصَيَاتِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَعْنِي أَنَّ الرَّمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَهَا لَمْ تَرْمِهَا أَنْتَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّكَ لَوْ رَمَيْتَهَا لَمَا بَلَغَ أَثَرُهَا إِلَّا مَا يَبْلُغُهُ رَمْيُ الْبَشَرِ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أَثَّرَتْ ذَلِكَ الْأَثَرَ الْعَظِيمَ فَأَثْبَتَ الرَّمْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ صُورَةَ الرَّمْيِ وُجِدَتْ مِنْهُ وَنَفَاهَا عَنْهُ لِأَنَّ أَثَرَهَا الَّذِي لَا يُطِيقُهُ الْبَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ فَكَانَ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ فَاعِلُ الرَّمْيِ حَقِيقَةً وَكَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ مِنَ الرَّسُولِ أَصْلًا انْتَهَى، وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَعْنَى الْقَوْلَيْنِ أَوَّلًا وَتَقَدَّمَ خِلَافُ الْفَرَّاءِ فِي لكِنَّ وَمَا بَعْدَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً. قَالَ السُّدِّيُّ يَنْصُرُهُمْ وَيُنْعِمُ عَلَيْهِمْ يُقَالُ أَبْلَاهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَبَلَاهُ إِذَا امْتَحَنَهُ وَالْبَلَاءُ يُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَوَصْفُهُ بِحَسَنٍ يَدُلُّ عَلَى النَّصْرِ وَالْعِزَّةِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِيُعْطِيَهُمْ عَطَاءً جَمِيلًا كَمَا قَالَ، فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو. انْتَهَى، وَالْبَلَاءُ الْحَسَنُ قِيلَ بِالنَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَقِيلَ بِالشَّهَادَةِ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمِهْجَعٌ مولى عمر ومعاذ وعمر وابنا عَفْرَاءَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلَى حَمْلِ الْبَلَاءِ هُنَا عَلَى النِّعْمَةِ لَكَانَ يَحْتَمِلُ الْمِحْنَةَ لِلتَّكْلِيفِ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْجِهَادِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ السَّبَبَ فِي حُصُولِ تَكْلِيفٍ شَاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْغَزَوَاتِ انْتَهَى. وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَنْفِي أَنْ يُرَادَ بِالْبَلَاءِ الْمِحْنَةُ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً، فَعَلَ ذَلِكَ أَيْ قَتْلَ الْكُفَّارِ وَرَمْيِهِمْ وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وَجَعْلِهِمْ نُهْبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا لَيْسَ مِحْنَةً بَلْ مِنْحَةٌ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَمَّا كَانُوا قَدْ أَقْبَلُوا عَلَى الْمَفَاخِرِ بِقَتْلِ مَنْ قَتَلُوا وَأَسْرِ مَنْ أَسَرُوا وكان رُبَّمَا قَدْ لَا يَخْلُصُ الْعَمَلُ مِنْ بَعْضِ الْمُقَاتِلِينَ إِمَّا لِقِتَالِ حَمِيَّةٍ وَإِمَّا لِدَفْعٍ عَنْ نَفْسٍ أَوْ ما خُتِمَتُ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَقِيلَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لِكَلَامِكُمْ وَمَا تَفْخَرُونَ بِهِ عَلِيمٌ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ وَمَنْ يُقَاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ قَالَ: ذلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَلَاءِ الْحَسَنِ
стр. 3139
وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ مَعْطُوفٌ عَلَى وَلِيُبْلِيَ يَعْنِي أَنَّ الْغَرَضَ إِبْلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوْهِينُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ذلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَتْلِ اللَّهِ وَرَمْيِهِ إِيَّاهُمْ وَمَوْضِعُ ذَلِكَ مِنَ الْإِعْرَابِ رَفْعٌ قَالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ الْأَمْرُ ذلِكُمْ، وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَنَّ مَعْطُوفٌ عَلَى ذلِكُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ وَحَتْمٌ وَسَابِقٌ وَثَابِتٌ وَنَحْوُ هَذَا انْتَهَى، وَقَالَ الْحَوْفِيُّ ذلِكُمْ رفع بالابتداء والخبر محذوف وَالتَّقْدِيرُ ذَلِكُمُ الْأَمْرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكُمُ الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ الِابْتِدَاءُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نصب تَقْدِيرُهُ فَعَلْنَا ذَلِكُمْ وَالْإِشَارَةُ إلى القتل أو إلى إِبْلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بَلَاءً حَسَنًا وَفِي فَتْحِ أَنَّ وَجْهَانِ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى ذلِكُمْ عَلَى حَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ انْتَهَى، وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ وَأَبُو عَمْرٍو مُوهِنُ مِنْ وَهَّنَ وَالتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ فِيمَا عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ غَيْرُ الْهَمْزَةِ قَلِيلٌ نَحْوُ ضَعَّفْتُ وَوَهَّنْتُ وَبَابُهُ أَنْ يُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ نَحْوَ أَذْهَلْتُهُ وَأَوْهَنْتُهُ وَأَلْحَمْتُهُ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مِنْ أَوْهَنَ وَأَضَافَهُ حَفْصٌ.
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَسَبَقَ الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَبِقَوْلِهِ ذلِكُمْ فَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إِذْ لَا يَلِيقُ هَذَا الْخِطَابُ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى إِرَادَةِ النَّصْرِ بِالِاسْتِفْتَاحِ وَأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْبَيَانِ وَالْحُكْمِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَالْمَعْنَى إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ وَإِنْ تَنْتَهُوا عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلْتُمُوهُ فِي الْغَنَائِمِ وَالْأَسْرَى قَبْلَ الْإِذْنِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ نَعُدْ إِلَى تَوْبِيخِكُمْ كَمَا قَالَ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ «١» الْآيَةَ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْفِئَةَ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ لَا تُغْنِي وَإِنْ كَثُرَتْ إِلَّا بِنَصْرِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ ثُمَّ آنَسَهُمْ بِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ تَعَالَى مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هِيَ خِطَابٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَقْرَانَا لِلضَّيْفِ وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ وَأَفَكَّنَا لِلْعَانِي إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى حَقٍّ فَانْصُرْهُ وَإِنْ كُنَّا عَلَى حَقٍّ فَانْصُرْنَا، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ وَأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَكْرَمَ الْحِزْبَيْنِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ بدر:
стр. 3140
اللَّهُمَّ أَيُّنَا كَانَ أَهْجَرَ وَأَقْطَعَ لِلرَّحِمِ فَاحْنِهِ الْيَوْمَ أَيْ فَأَهْلِكْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ دعاء شِبْهَ هَذَا، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ قُرَيْشٍ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ لِنُصْرَةِ الْعِيرِ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «١» الْآيَةَ وَهُوَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَلَكِنَّهُ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَقَدْ جاءَكُمُ مَا بَانَ لَكُمْ بِهِ الْأَمْرُ وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْحُكْمُ وَانْكَشَفَ لَكُمُ الْحَقُّ بِهِ، وَيَكُونُ الِاسْتِفْتَاحُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ وَإِنِ انْتَهَوْا عَنِ الْكُفْرِ وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقِتَالِ مُحَمَّدٍ بَعْدُ نَعُدْ إِلَى نَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَخِذْلَانِكُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ تَنْتَهُوا خِطَابٌ لِلْكَافِرِينَ أَيْ وَإِنْ تَنْتَهُوا عَنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا لِمُحَارَبَتِهِ نَعُدْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَإِنْ تَنْتَهُوا عَنْ أَمْرِ الْأَنْفَالِ وَفِدَاءِ الْأَسْرَى بِبَدْرٍ وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ نَعُدْ إلى الإنكار وقرىء: وَلَنْ يُغْنِيَ بِالْيَاءِ لِأَنَّ التأنيث مجاز وحسنه الفصل، وَقَرَأَ الصَّاحِبَانِ وَحَفْصٌ: وَأَنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِهَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَاللَّهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لَمَّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ وَإِنْ تَنْتَهُوا وَكَانَ الضَّمِيرُ ظَاهِرُهُ الْعَوْدُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نَادَاهُمْ وَحَرَّكَهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نِدَاءٌ وَخِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْخُلَّصِ حَثَّهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَمَّا كَانَتِ الْآيَةُ قَبْلَهَا مَسُوقَةً فِي أَمْرِ الْجِهَادِ. قِيلَ مَعْنَى أَطِيعُوهُ فِيمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَقِيلَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَأَفْرَدَهُمْ بِالْأَمْرِ رَفْعًا لِأَقْدَارِهِمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مَأْمُورًا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ تَنْتَهُوا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ فَيَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّفْلِ وَمُجَادَلَتِهِمْ فِي الْحَقِّ وَتَفَاخُرِهِمْ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ وَالنِّكَايَةِ فِيهِمْ وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ نِدَاءٌ وَخِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ لِأَنَّ وَصْفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَلَيْسَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ فِي شَيْءٍ وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ نِدَاءٌ وَخِطَابٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُ أَيْضًا يَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْآيَاتِ وَأَصْلُ وَلا تَوَلَّوْا وَلَا تَتَوَلَّوْا، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي نَحْوِ هَذَا أَهِيَ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ أَمْ تَاءُ تَفْعَلُ وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ الْمَعْنَى وأطيعوا
стр. 3141
رَسُولَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «١» وَلِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَطَاعَةَ اللَّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فَكَانَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى أَحَدِهِمَا كَرُجُوعِهِ إِلَيْهِمَا كَقَوْلِكَ الْإِحْسَانُ وَالْإِجْمَالُ لَا يَنْفَعُ فِي فُلَانٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ وَلا تَوَلَّوْا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَامْتِثَالِهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ أَوْ وَلَا تَتَوَلَّوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا تُخَالِفُوهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أَيْ تُصَدِّقُونَ لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَالصُّمِّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْكَفَرَةِ انْتَهَى، وَإِنَّمَا عَادَ عَلَى الرَّسُولِ لِأَنَّ التَّوَلِّيَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الرَّسُولِ بِأَنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً وَإِذَا عَادَ عَلَى الْأَمْرِ كَانَ مَجَازًا، وَقِيلَ هُوَ عَائِدٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَقِيلَ هُوَ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُطْلَقْ لَفْظُ التَّثْنِيَةِ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرِهَا بِخِلَافِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى لَفْظِهِ تَعْظِيمًا فَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي ضَمِيرِهِ وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا إِذا دَعاكُمْ وَمِنْهَا أَنْ يُرْضُوهُ
فَفِي الْحَدِيثِ ذَمُّ مَنْ جَمَعَ فِي التَّثْنِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الضَّمِيرِ وَتَعْلِيمُهُ أَنْ يَقُولَ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ لَا يُنَاسِبُ سَمَاعُكُمُ التَّوَلِّيَ وَلَا يُجَامِعُهُ وَفِي مُتَعَلِّقِهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا وَعْظُ اللَّهِ لَكُمْ، الثَّانِي: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، الثَّالِثُ: التَّعْبِيرُ بِالسَّمَاعِ عَنِ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ، الرَّابِعُ: التَّعْبِيرُ عَنِ التَّصْدِيقِ وَهُوَ الْإِيمَانُ.
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ نَهَى عَنْ أَنْ يَكُونُوا كَالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّمَاعَ وَالْمُشَبَّهُ بِهِمُ الْيَهُودُ أَوِ الْمُنَافِقُونَ أَوِ الْمُشْرِكُونَ أَوِ الَّذِينَ قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا، أَوْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلَانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ أَوِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَمَنْ تَابَعَهُ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَلَمَّا لَمْ يُجْدِ سَمَاعُهُمْ وَلَا أَثَّرَ فِيهِمْ نَفَى عَنْهُمُ السَّمَاعَ لِانْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ إِذْ ثَمَرَةُ سَمَاعِ الْوَحْيِ تَصْدِيقُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ تُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ وَالنُّبُوَّةِ فَإِذَا صَدَرَ مِنْكُمْ تَوَلٍّ عَنِ الطَّاعَةِ كَانَ تَصْدِيقُكُمْ كَلَا تَصْدِيقٍ فَأَشْبَهَ سَمَاعُكُمْ سَمَاعَ مَنْ لَا يُصَدِّقُ، وَجَاءَتِ الْجُمْلَةُ النَّافِيَةُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْمُثْبَتَةِ إِذْ لَمْ تَأْتِ وَهُمْ مَا سَمِعُوا لِأَنَّ لَفْظَ الْمُضِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْحَالِ وَلَا دَيْمُومَتِهِ بِخِلَافِ نَفْيِ الْمُضَارِعِ فَكَمَا يَدُلُّ إِثْبَاتُهُ عَلَى الدَّيْمُومَةِ فِي قَوْلِهِمْ هُوَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ وَجَاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لَا لِأَنَّهَا أوسع في نفي الْمُضَارِعِ مِنْ مَا وَأَدَلُّ عَلَى انْتِفَاءِ السَّمَاعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ هُمْ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَسْمَعَ.
стр. 3142
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشَبَّهَ بِهِمْ لَا يَسْمَعُونَ أَخْبَرَ أَنَّ شَرَّ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ أَوْ أَنَّ شَرَّ الْبَهَائِمِ فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ جَمْعِ الدَّوَابِّ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شَرُّ الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا وَمَعْنَى الصُّمُّ عَنْ مَا يُلْقِي إِلَيْهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ الْبُكْمِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ وَمَا فِيهِ نَجَاتُهُمْ ثُمَّ جَاءَ بِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْمُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ وَالْبَكَمَ النَّاشِئَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ الْعَقْلُ وَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّمَمِ لِأَنَّهُ ناشىء عَنْهُ الْبَكَمُ إِذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَصَمَّ خَلَقَهُ أَبْكَمَ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يَتَلَقَّنُهُ وَيَتَعَلَّمُهُ مَنْ كَانَ سَالِمَ حَاسَّةِ السَّمْعِ وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ «١» إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي هَذَا وَصْفَ الْعَمَى وَكُلُّ هَذِهِ الْأَوْصَافِ كِنَايَةٌ عَنِ انْتِفَاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإِيمَانِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْعُمُومُ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لَا نَسْمَعُهُ وَلَا نُجِيبُهُ فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وَكَانُوا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِمْ وَهُدَاهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَسَبَقَ مِنْ قَضَائِهِ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةٍ بَلِيغَةٍ فِي ذَمِّهِمْ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَالْمُرَادُ لَأَسْمَعَهُمْ إِسْمَاعَ تَفَهُّمٍ وَهُدًى ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ خَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ فَقَالَ: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ أَيْ وَلَوْ فَهَّمَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ بِالْقَضَاءِ السَّابِقِ فِيهِمْ وَلَأَعْرَضُوا عَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِي هَؤُلَاءِ الصُّمِّ الْبُكْمِ خَيْرًا أَيِ انْتِفَاعًا بِاللُّطْفِ لَأَسْمَعَهُمُ اللُّطْفَ بِهِمْ حَتَّى سَمِعُوا سَمَاعَ الْمُصَدِّقِينَ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا يَعْنِي وَلَوْ لَطَفَ بِهِمْ لَمَا نَفَعَهُمُ اللُّطْفُ فَلِذَلِكَ مَنَعَهُمْ أَلْطَافَهُ أَيْ وَلَوْ لَطَفَ بِهِمْ فَصَدَّقُوا لَارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وَكَذَّبُوا وَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَأَسْمَعَهُمْ جواب كلما سَأَلُوا، وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَأَسْمَعَهُمْ كَلَامَ الْمَوْتَى الَّذِينَ طَلَبُوا إِحْيَاءَهُمْ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا إِحْيَاءَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ وَغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأَسْمَعَهُمْ اللَّهُ الْحُجَجَ وَالْمَوَاعِظَ سَمَاعَ تَعْلِيمٍ مُفْهِمٍ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا وَتَوَلَّوْا وَهُمْ معرضون، وقال أيضا:
стр. 3143
مَعْلُومَاتُ اللَّهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: جُمْلَةُ الْمَوْجُودَاتِ، الثَّانِي: جُمْلَةُ الْمَعْدُومَاتِ، الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ لَوْ كَانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ حَالُهُ، الرَّابِعُ: إِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فَكَيْفَ حَالُهُ فَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ عِلْمٌ بِالْوَاقِعِ وَالْقِسْمَانِ الثَّانِيَانِ عِلْمٌ بِالْمَقْدُورِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فَقَوْلُهُ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَقْدُورَاتِ وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ بِالْوَاقِعَاتِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْمُنَافِقِينَ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ... وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ «١» فَقَالَ تَعَالَى لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ «٢» فَعِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَعْدُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «٣» أَخْبَرَ عَنِ الْمَعْدُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ انْتَهَى. وَأَقُولُ: ظَاهِرُ هَاتَيْنِ الْمُلَازَمَتَيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ إِسْمَاعٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ خَيْرًا فِيهِمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ إِسْمَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ فَأَنْتَجَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ تَعَالَى خَيْرًا فِيهِمْ وَذَلِكَ بِحَرْفِ الْوَاسِطَةِ لِأَنَّ الْمُرَتَّبَ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَى مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَهَذَا لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّوَلِّي عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ فِيهِمْ خَيْرًا وَيَصِيرُ الْكَلَامُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ فِي تَقْدِيرِ كَلَامٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا فَأَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا مَا تَوَلَّوْا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اسْتَجَابَ فِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي دَعاكُمْ كَمَا أَفْرَدَهُ فِي وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وَالِاسْتِجَابَةُ هُنَا الِامْتِثَالُ وَالدُّعَاءُ بِمَعْنَى التَّحْرِيضِ وَالْبَعْثِ عَلَى مَا فِيهِ حَيَاتُهُمْ وَظَاهِرُ اسْتَجِيبُوا الْوُجُوبُ، وَلِذَلِكَ
قَالَ ﷺ : لِأُبَيٍّ حِينَ دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مُتَلَبِّثٌ: «مَا مَنَعَكَ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ أَلَمْ تُخْبَرْ فِيمَا أوحي إليّ استجيبوا الله وَلِلرَّسُولِ»
؟ وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقُ لِما بِقَوْلِهِ دَعاكُمْ وَدَعَا يَتَعَدَّى بِاللَّامِ. قَالَ:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا وَقَالَ آخَرُ:
وَإِنْ أُدْعَ لِلْجُلَّى أَكُنْ من حماتها
стр. 3144
وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى وَيَتَعَلَّقُ بِاسْتَجِيبُوا فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بِإِلَى حَتَّى يَتَغَايَرَ مَدْلُولُ اللَّامِ فَيَتَعَلَّقُ الْحَرْفَانِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْجُمْهُورُ: الْمَعْنَى اسْتَجِيبُوا لِلطَّاعَةِ وَمَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَامِرَ ونواهي فَفِيهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالنِّعْمَةُ السرمديّة، وقيل: لِما يُحْيِيكُمْ هُوَ مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهَا لَغَلَبُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ «١» ، وَقِيلَ:
الشَّهَادَةُ لِقَوْلِهِ: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «٢» قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: لِمَا يُحْيِيكُمْ مِنْ عُلُومِ الدِّيَانَاتِ وَالشَّرَائِعِ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةٌ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ مَوْتٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حِلْيَتُهُ ... فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ
وَهَذَا نَحْوٌ مَنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَمُجَاهِدٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: لِما يُحْيِيكُمْ هُوَ الْحَقُّ، وَقِيلَ: هُوَ إِحْيَاءُ أُمُورِهِمْ وَطِيبُ أَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتُهُمْ، يُقَالُ: حَيِيَتْ حَالُهُ إِذَا ارْتَفَعَتْ، وَقِيلَ: مَا يَحْصُلُ لَكُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ فِي الْجِهَادِ وَيَعِيشُونَ مِنْهَا، وَقِيلَ: الْجُثَّةُ وَالَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ فَالَّذِي يَحْيَا بِهِ مِنَ الْجَهْلِ هُوَ سَمَاعُ مَا يَنْفَعُ مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَيَمْتَثِلُ الْمَأْمُورَ بِهِ وَيَجْتَنِبُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فيؤول إِلَى الْحَيَاتَيْنِ الطَّيِّبَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ الْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَالْقَادِرُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهِيهِ قَلْبُهُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ إِذَا دَعَاهُ إِذْ بِيَدِهِ تَعَالَى مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَزِمَامُهُ وَفِي ذَلِكَ حَضٌّ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبِدَارِ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكُفْرِ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْإِيمَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَعَقْلِهِ فَلَا يَدْرِي مَا يَعْمَلُ عُقُوبَةً عَلَى عِنَادِهِ فَفِي التَّنْزِيلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «٣» أَيْ عَقْلٌ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ وَقَلْبِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِيمَانٍ وَلَا كُفْرٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَمَنَّاهُ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَوَاهُ وَهَذَانِ رَاجِعَانِ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: هُوَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَلِ قَلْبِهِ وَهَذَا حَثٌّ عَلَى انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ قَبْلَ الْوَفَاةِ الَّتِي هُوَ وَاجِدُهَا وَهِيَ التمكن من إخلاص سلب وَمُخَالَجَةِ أَدْوَائِهِ وَعِلَلِهِ وَرَدِّهِ سَلِيمًا كَمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ فاغتنموا هذه
стр. 3145
الْفُرْصَةَ وَأَخْلِصُوا قُلُوبَكُمْ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى هُوَ الرُّمَّانِيُّ وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيْضًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ يَمْلِكُ عَلَى العبد قلبه فيفسخ وَقِيلَ: يُبَدِّلُ الْجُبْنَ جَرَاءَةً وَهُوَ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ اسْتَجِيبُوا وَيَكْشِفُ حَقِيقَتَهُ
قَوْلُهُ ﷺ : «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ وَتَأْوِيلُهُ بَيْنَ أَثَرَيْنِ مِنْ آثَارِ رُبُوبِيَّتِهِ» .
وَقِيلَ: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي الَّتِي يَهُمُّ بِهَا قَلْبُهُ بِالْعِصْمَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى كُلِّ مَا يَخْطُرُ الْمَرْءَ بِبَالِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ضَمَائِرِهِ فَكَأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِنْ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمْلَكُ لِقُلُوبِ الْعِبَادِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا إِذَا شَاءَ حَتَّى لَا يُدْرِكَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى.
وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: بَيْنَ الْمَرْءِ بِكَسْرِ الْمِيمِ إِتْبَاعًا لِحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ إِذْ فِي الْمَرْءِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الْمِيمِ مُطْلَقًا وَإِتْبَاعُهَا حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ: بَيْنَ الْمَرِّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ غير همز وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى الرَّاءِ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ ثُمَّ شَدَّدَهَا كَمَا تُشَدَّدُ فِي الْوَقْفِ وَأَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ وَكَثِيرًا مَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ تُجْرِي الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَهَذَا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ وَحَيْلُولَتَهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَمَقَاصِدِ قَلْبِهِ أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَحْشُرُهُمْ فَيُثِيبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَكَانَ فِي ذَلِكَ تِذْكَارٌ لِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنَ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً هَذَا الْخِطَابُ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ بِاتِّقَاءِ الْفِتْنَةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِالظَّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُقِرُّوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ
فَفِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ
،
وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ:
«نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»
، وَقِيلَ الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ، وَقِيلَ لِأَهْلِ بَدْرٍ،
وَقِيلَ لِعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ
، وَقِيلَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُسَمِّهِمَا وَالْفِتْنَةُ هُنَا الْقِتَالُ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ أَوِ الضَّلَالَةُ أَوْ عَدَمُ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ أَوْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ أَوْ بِظُهُورِ الْبِدَعِ أَوِ الْعُقُوبَةُ أَقْوَالٌ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ يَوْمَ الْجَمَلِ: مَا عَلِمْتُ أَنَّا أُرِدْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْيَوْمَ وَمَا
стр. 3146
كُنْتُ أَظُنُّهَا إِلَّا فِيمَنْ خُوطِبَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ لَا تُصِيبَنَّ خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ فِتْنَةً أَيْ غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظَّالِمَ خَاصَّةً إِلَّا أَنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلَى الْمَنْفِيِّ بِلَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْجُمْهُورُ لَا يُجِيزُونَهُ وَيَحْمِلُونَ مَا جَاءَ مِنْهُ عَلَى الضَّرُورَةِ أَوِ النُّدُورِ وَالَّذِي نَخْتَارُهُ الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ وَإِذَا كَانَ قَدْ جَاءَ لَحَاقُهَا الْفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلَا مَعَ الْفَصْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
فَلَا ذَا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ ... وَإِنْ قَالَ قَرِّظْنِي وَخُذْ رِشْوَةً أَبَى
وَلَا ذَا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ... فَيَنْفَعُهُ شَكْوَى إِلَيْهِ إِنِ اشْتَكَى
فَلَأَنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الْفَصْلِ أَوْلَى نَحْوُ لَا تُصِيبَنَّ وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةٌ وَهِيَ نَهْيٌ قَالَ وَكَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلَى إِرَادَةِ الْقَوْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً مَقُولًا فِيهَا لَا تُصِيبَنَّ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ:
حَتَّى إِذَا جنّ الظلام واختلط ... جاؤوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
أَيْ بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الذِّئْبِ انْتَهَى. وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْجُمْلَةَ جَوَابٌ لِلْأَمْرِ نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحَنَّكَ أَيْ إِنْ تَنْزِلْ عَنْهَا لَا تطرحك، قَالَ: وَمِنْهُ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ «١» أَيْ إِنْ تَدْخُلُوا لَا يَحْطِمَنَّكُمْ فَدَخَلَتِ النُّونُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْجَزَاءِ انْتَهَى، وَهَذَا الْمِثَالُ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ لَيْسَ نَظِيرَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لِأَنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ الْمِثَالِ وَالْآيَةُ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ كَمَا قُدِّرَ وَلَا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُنَاكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ إِنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ إِذْ ذَاكَ عَلَى الشَّرْطِ مُقْتَضَاهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَأَخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الْفَرَّاءِ وَزَادَهُ فَسَادًا وَخَبَّطَ فِيهِ فَقَالَ وَقَوْلُهُ لَا تُصِيبَنَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ أَوْ نَهْيًا بَعْدَ أَمْرٍ أَوْ صِفَةً لفتنة فَإِذَا كَانَ جَوَابًا فَالْمَعْنَى إِنْ أَصَابَتْكُمْ لَا تُصِبِ الظَّالِمِينَ مِنْكُمْ خَاصَّةً وَلَكِنَّهَا تَعُمُّكُمُ انْتَهَى تَقْرِيرُ هَذَا الْقَوْلِ فَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ اتَّقُوا ثُمَّ قَدَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ دَاخِلَةً عَلَى غَيْرِ مُضَارِعِ اتَّقُوا فَقَالَ فَالْمَعْنَى إِنْ أَصَابَتْكُمْ يَعْنِي الْفِتْنَةَ وَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ الْفَرَّاءُ فِي انْزِلْ عَنِ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحَنَّكَ وَفِي قَوْلِهِ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ فَأَدْخَلَ أَدَاةَ الشَّرْطِ عَلَى مُضَارِعِ فِعْلِ الْأَمْرِ وَهَكَذَا يُقَدَّرُ مَا كَانَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُصِيبَنَّ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقيل لا
стр. 3147
نَافِيَةٌ وَشُبِّهَ النَّفْيُ بِالْمُوجَبِ فَدَخَلَتِ النُّونُ كَمَا دَخَلَتْ فِي لَتَضْرِبَنَّ التَّقْدِيرُ: وَاللَّهُ لَا تُصِيبَنَّ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا صِفَةٌ أَوْ جَوَابُ أَمْرٍ أَوْ جَوَابُ قَسَمٍ تَكُونُ النُّونُ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْمَنْفِيِّ بِلَا وَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ مُوجَبَةٌ فَدَخَلَتِ النُّونُ فِي مَحَلِّهَا وَمُطِلَتِ اللَّامُ فَصَارَتْ لَا وَالْمَعْنَى لَتُصِيبَنَّ وَيُؤَيِّدُ هَذَا قِرَاءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْبَاقِرِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةَ لَتُصِيبَنَّ وَفِي ذَلِكَ وَعِيدٌ لِلظَّالِمِينَ فَقَطْ وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي أَيْضًا قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ لَا تُصِيبَنَ
وَكَوْنُ اللَّامِ مُطِلَتْ فَحَدَثَتْ عَنْهَا الْأَلِفُ إِشْبَاعًا لِأَنَّ الْإِشْبَاعَ بَابُهُ الشِّعْرُ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ مَعَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا تُصِيبَنَّ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ تَخْفِيفًا وَاكْتِفَاءً بِالْحَرَكَةِ كَمَا قَالُوا أَمْ وَاللَّهِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ مَا وَهِيَ أُخْتُ لَا فِي قَوْلِهِ أَمْ وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ وَشِبْهِهِ انْتَهَى وَلَيْسَتْ لِلنَّفْيِ، وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِتْنَةً أَنْ تُصِيبَ، وَعَنِ الزُّبَيْرِ: لَتُصِيبَنَّ وَخَرَّجَ الْمُبَرِّدُ وَالْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ قِرَاءَةَ لَا تُصِيبَنَّ عَلَى أَنْ تَكُونَ نَاهِيَةً.
وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَاتَّقُوا فِتْنَةً وَهُوَ خِطَابٌ عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَهُ ثُمَّ ابْتُدِئَ نَهْيُ الظَّلَمَةِ خَاصَّةً عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الْفِتْنَةُ خَاصَّةً وَأُخْرِجَ النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ إِسْنَادِهِ لِلْفِتْنَةِ فَهُوَ نَهْيٌ مُحَوَّلٌ كَمَا قَالُوا لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا أَيْ لَا تَكُنْ هُنَا فَيَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ وَالْمُرَادُ هُنَا لَا يَتَعَرَّضُ الظَّالِمُ لِلْفِتْنَةِ فَتَقَعَ إِصَابَتُهَا لَهُ خَاصَّةً، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَقْدِيرِ هَذَا الْوَجْهِ وَإِذَا كَانَتْ نَهْيًا بَعْدَ أَمْرٍ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَاحْذَرُوا ذَنْبًا أَوْ عِقَابًا ثُمَّ قِيلَ لَا تَتَعَرَّضُوا لِلظُّلْمِ فَيُصِيبَ الْعِقَابُ أَوْ أَثَرُ الذَّنْبِ مَنْ ظَلَمَ مِنْكُمْ خَاصَّةً، وَقَالَ الْأَخْفَشُ لَا تُصِيبَنَّ هُوَ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ انْتَهَى وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ اسْتِبْعَادُ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ فِي الْمَنْفِيِّ بِلَا وَاعْتِيَاضُ تَقْرِيرِهِ نَهْيًا فَعَدَلَ إِلَى جَعْلِهِ دُعَاءً فَيَصِيرُ الْمَعْنَى لَا أَصَابَتِ الْفِتْنَةُ الظَّالِمِينَ خَاصَّةً وَاسْتَلْزَمَتِ الدُّعَاءَ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِينَ فَصَارَ التَّقْدِيرُ لَا أَصَابَتْ ظَالِمًا وَلَا غَيْرَ ظَالِمٍ فَكَأَنَّهُ وَاتَّقُوا فِتْنَةً، لَا أَوْقَعَهَا اللَّهُ بِأَحَدٍ، فَتُلَخَّصَ فِي تَخْرِيجِ قَوْلِهِ لَا تُصِيبَنَّ أَقْوَالُ الدُّعَاءِ وَالنَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ وَجَوَابُ أَمْرٍ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ وَصِفَةٌ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ جَازَ أَنْ تَدْخُلَ النُّونُ الْمُؤَكِّدَةُ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، (قُلْتُ) : لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمَنِّي إِذَا قُلْتَ انْزِلْ عَنِ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحْكَ فَلِذَلِكَ جَازَ لَا تَطْرَحَنَّكَ وَلَا تُصِيبَنَّ وَلَا يَحْطِمَنَّكُمُ انْتَهَى، وَإِذَا قُلْتَ لَا تَطْرَحْكَ وَجَعَلْتَهُ جَوَابًا لِقَوْلِكَ انْزِلْ وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ بَلْ نَفْيٌ مَحْضٌ جَوَابُ الْأَمْرِ نُفِيَ بِلَا وَجَزَمَهُ عَلَى الْجَوَابِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي فِي
стр. 3148
جَوَابِ الْأَمْرِ وَالسِّتَّةُ مَعَهُ هَلْ ثَمَّ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْفِيُّ بِلَا لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ النُّونُ لِلتَّوْكِيدِ لَمْ يَجُزِ انْزِلْ عَنِ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحَنَّكَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، (فَإِنْ قُلْتَ) : مَا مَعْنَى مَنْ فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، (قُلْتُ) : التَّبْعِيضُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالتَّبْيِينُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا تُصِيبُكُمْ خَاصَّةً عَلَى ظُلْمِكُمْ لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْكُمْ أَقْبَحُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ انْتَهَى، وَيَعْنِي بِالْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا بَعْدَ أَمْرٍ وَبِالثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ أَمْرٍ وَخَاصَّةً أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ محذوف أي إصابة خَاصَّةٌ وَهِيَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُسْتَكِنِّ فِي لَا تُصِيبَنَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْ مَخْصُوصِينَ بِهَا بَلْ تَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَيُحْتَمَلُ أن تكون خَاصَّةً حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ظَلَمُوا وَلَا أَتَعَقَّلُ هَذَا الْوَجْهَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى لُزُومِ الِاسْتِقَامَةِ خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ لَا يُقَالُ كَيْفَ يُوصِلُ الرَّحِيمُ الْكَرِيمُ الْفِتْنَةَ وَالْعَذَابَ لِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ، (قُلْتُ) : لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمَلِكِ كَمَا قَدْ يُنْزِلُ الْفَقْرَ وَالْمَرَضَ بِعَبْدِهِ ابْتِدَاءً فَيَحْسُنُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لِأَنَّهُ عَلِمَ اشْتِمَالَ ذَلِكَ عَلَى مَزِيدِ ثَوَابٍ لِمَنْ أُوقِعَ بِهِ ذَلِكَ.
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، فَقِيلَ خِطَابٌ لِلْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً كَانُوا بِمَكَّةَ قَلِيلِي الْعَدَدِ مَقْهُورِينَ فِيهَا يَخَافُونَ أَنْ يَسْلُبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَآوَاهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَأَيَّدَهُمْ بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ والطَّيِّباتِ الْغَنَائِمُ وَمَا فُتِحَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَهِيَ حَالُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ والطَّيِّباتِ الْغَنَائِمُ وَالنَّاسُ عَسْكَرُ مَكَّةَ وَسَائِرُ الْقَبَائِلِ الْمُجَاوِرَةِ وَالتَّأْيِيدُ هُوَ الْإِمْدَادُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالتَّغَلُّبُ عَلَى الْعَدَدِ، وَقَالَ وَهْبٌ وَقَتَادَةُ الْخِطَابُ لِلْعَرَبِ قَاطِبَةً فَإِنَّهَا كَانَتْ أَعْرَى النَّاسِ أَجْسَامًا وَأَجْوَعَهُمْ بُطُونًا وَأَقَلَّهُمْ حَالًا حَسَنَةً وَالنَّاسُ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالْمَأْوَى النُّبُوَّةُ وَالشَّرِيعَةُ وَالتَّأْيِيدُ بِالنَّصْرِ فَتْحُ الْبِلَادِ وَغَلَبَةُ الْمُلُوكِ والطَّيِّباتِ تَعُمُّ الْمَآكِلَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا التَّأْوِيلُ يَرُدُّهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي وَقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَافِرَةً إِلَّا الْقَلِيلَ وَلَمْ تَتَرَتَّبِ الْأَحْوَالُ الَّتِي ذَكَرَ هَذَا الْمُتَأَوِّلُ وَإِنَّمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُخَاطِبَ الْعَرَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي آخِرِ زَمَانِ عُمَرَ ﵁ فَإِنْ تَمَثَّلَ أَحَدٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِحَالِ الْعَرَبِ فَتَمْثِيلُهُ صَحِيحٌ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حَالَةُ الْعَرَبِ هِيَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ فَبَعِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَعْدِيلٌ لِنِعَمِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِذْ
стр. 3149
أَنْتُمْ
نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ذكروا ظَرْفٌ أَيِ اذْكُرُوا وَقْتَ كَوْنِكُمْ أَقِلَّةً أَذِلَّةً انْتَهَى، وَفِيهِ التَّصَرُّفُ فِي إِذْ بِنَصْبِهَا مُفْعُولَةً وَهِيَ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ إِلَّا بِأَنْ أُضِيفَ إِلَيْهَا الْأَزْمَانُ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإِذْ ظَرْفٌ لِمَعْمُولِ واذْكُرُوا تَقْدِيرُهُ وَاذْكُرُوا حَالَكُمُ الْكَائِنَةَ أَوِ الثَّابِتَةَ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِذْ ظرفا لا ذكر وَإِنَّمَا تُعْمَلُ اذْكُرْ فِي إِذْ لَوْ قَدَّرْنَاهَا مَفْعُولَةً انْتَهَى، وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ إِذْ أَنْتُمْ ظَرْفٌ الْعَامِلُ فِيهِ اذْكُرُوا انْتَهَى، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى أَصْلًا لِأَنَّ اذْكُرْ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَكُونُ ظَرْفُهُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا وَإِذْ ظَرْفٌ مَاضٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الْمُسْتَقْبَلُ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَآواكُمْ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ فَعَلَ هَذَا الْإِحْسَانَ لِإِرَادَةِ الشُّكْرِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ حِينَ اسْتَنْصَحَتْهُ قُرَيْظَةُ لَمَّا أَتَى الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذْرِعَاتٍ وَأَرِيحَا كَفِعْلِهِ بِبَنِي النَّضِيرِ فَأَشَارَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى حَلْقِهِ أَيْ لَيْسَ عِنْدَ الرَّسُولِ إِلَّا الذَّبْحُ فَكَانَتْ هَذِهِ خِيَانَتَهُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ
، وَقَالَ جَابِرٌ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَتَبَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ ، وقال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَيُشْبِهُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِالْآيَةِ فِي قَتْلِهِ فَقَدْ كَانَ قَتْلُهُ خِيَانَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْأَمَانَاتِ انْتَهَى، وَقِيلَ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهُمْ بِخُرُوجِ الرسول ﷺ إِلَيْهَا، وَقِيلَ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ فَيُفْشُونَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُشْرِكِينَ وَخِيَانَتُهُمُ اللَّهَ فِي عَدَمِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي سِرٍّ وَخِيَانَةُ الرَّسُولِ فِيمَا اسْتَحْفَظَ وَخِيَانَةُ الْأَمَانَاتِ إِسْقَاطُهَا وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِهَا، وَقِيلَ وتَخُونُوا ذَوِي أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَبِعَةَ ذَلِكَ وَوَبَالَهُ فَكَانَ ذَلِكَ أَبْعَدَ لَكُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْخِيَانَةِ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الذَّنْبِ يَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْهُ، وَقِيلَ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْخِيَانَةَ تُوجَدُ مِنْكُمْ عَنْ تَعَمُّدٍ لَا عَنْ سَهْوٍ، وَقِيلَ وَأَنْتُمْ عَالِمُونَ تَعْلَمُونَ قُبْحَ الْقَبِيحِ وَحُسْنَ الْحَسَنِ وَجَوَّزُوا فِي وَتَخُونُوا أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى لَا تَخُونُوا وَمَنْصُوبًا عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ وَكَوْنُهُ مَجْزُومًا هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّ النَّصْبَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الْجَمْعِ وَالْجَزْمُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ أَمَانَتَكُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو.
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
أَيْ سَبَبُ الْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ وَهِيَ الْإِثْمُ أَوِ الْعَذَابُ أَوْ مِحْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ لَكُمْ وَكَيْفَ تُحَافِظُونَ عَلَى حُدُودِهِ فِيهَا فَفِي
стр. 3150
كَوْنِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ عِنْدَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ لَا يُفْتَنَ الْمَرْءُ بِمَالِهِ وَوَلَدِهِ فَيُؤْثِرَ مَحَبَّتَهُ لَهُمَا عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ فَيَجْمَعَ الْمَالَ وَيُحِبَّ الْوَلَدَ حَتَّى يُؤْثِرَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ أَبُو لُبَابَةَ لِأَجْلِ كَوْنِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ كَانُوا عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فُرْقَانًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَمَالِكٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. مَخْرَجًا، وَقَرَأَ مَالِكٌ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «١» وَالْمَعْنَى مَخْرَجًا فِي الدِّينِ مِنَ الضَّلَالِ، وَقَالَ مِزْرَدُ بْنُ ضِرَارٍ:
بَادَرَ الْأُفْقَ أَنْ يَغِيبَ فَلَمَّا ... أَظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فرقانا
وقال الآخر:
مالك مِنْ طُولِ الْأَسَى فُرْقَانُ ... بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وَبَانُوا
وَقَالَ الْآخَرُ:
وَكَيْفَ أُرَجِّي الْخُلْدَ وَالْمَوْتُ طَالِبِي ... وَمَا لِيَ مِنْ كَأْسِ الْمَنِيَّةِ فُرْقَانُ
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: نَجَاةً، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فَتْحًا وَنَصْرًا وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ يُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ وَالْكُفَّارَ النَّارِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكُمْ وَبَاطِلِ مَنْ يُنَازِعُكُمْ أَيْ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ عَلَيْهِمْ وَالْفُرْقَانُ مَصْدَرٌ مِنْ فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ حَالَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْرًا لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ بِإِذْلَالِ حِزْبِهِ وَالْإِسْلَامِ بِإِعْزَازِ أَهْلِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى يَوْمَ الْفُرْقانِ «٢» أَوْ بَيَانًا وَظُهُورًا يَشْهَدُ أَمْرَكُمْ وَيُثَبِّتُ صِيتَكُمْ وَآثَارَكُمْ فِي أَقْطَارِ الأرض بِتُّ أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى سَطَعَ الْفُرْقَانُ أَيْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهَاتِ وَتَوْفِيقًا وَشَرْحًا لِلصُّدُورِ أَوْ تَفْرِقَةً بَيْنِكُمْ وَبَيْنَ غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ وَفَضْلًا وَمَزِيَّةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى، وَلَفْظُ فُرْقاناً مُطْلَقٌ فَيَصْلُحُ لِمَا يَقَعُ بِهِ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالتَّقْوَى هُنَا إِنْ كَانَتْ مِنِ اتِّقَاءِ الْكَبَائِرِ كَانَتِ السَّيِّئَاتُ الصَّغَائِرُ لِيَتَغَايَرَ الشَّرْطُ وَالْجَوَازُ وَتَكْفِيرُهَا فِي الدُّنْيَا وَمَغْفِرَتُهَا إِزَالَتُهَا فِي الْقِيَامَةِ وَتَغَايَرَ الظَّرْفَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فِي الْبَقَرَةِ.
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
стр. 3151
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
لَمَّا ذَكَّرَ الْمُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشَاوَرُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ بِمَا تَفْعَلُ بِهِ فَمِنْ قَائِلٍ: يُحْبَسُ وَيُقَيَّدُ وَيُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ الْمَنُونِ وَمِنْ قَائِلٍ: يُخْرَجُ مِنْ مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ وَتَصَوَّرَ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ وَقِيلَ هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ وَمِنْ قَائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ وَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِأَسْيَافِهِمْ فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ فَلَا تَقْدِرُ بَنُو هَاشِمٍ لِمُحَارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا فَيَرْضَوْنَ بِأَخْذِ الدِّيَةِ فَصَوَّبَ إِبْلِيسُ هَذَا الرَّأْيَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ وَأَذِنَ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ وَيَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ وَبَاتُوا رَاصِدِينَ فَبَادَرُوا إِلَى الْمَضْجَعِ فَأَبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا وَخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ وَدَائِعَ كَانَتْ عِنْدَهُ وَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ أَيْ يُقَيِّدُوكَ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالْجَرْحِ وَالضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِمْ ضَرَبُوهُ حَتَّى أَثْبَتُوهُ لَا حَرَاكَ بِهِ وَلَا بَرَاحَ وَرَمَى الطَّائِرَ فَأَثْبَتَهُ أَيْ أَثْخَنَهُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَاذَا فِي صَحِيفَتِكُمْ ... قَالَ الْخَلِيفَةُ أَمْسَى مُثْبَتًا وَجِعَا
أَيْ مُثْخَنًا. وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ الْبَيَاتِ وَهَذَا الْمَكْرُ هُنَا هُوَ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ وَهَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسَائِرِ السُّورَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفَايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَيُتَأَوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ عَلَى أَنَّهُمَا أَشَارَا إِلَى قِصَّةِ الْآيَةِ إِلَى وَقْتِ نُزُولِهَا وَتَكَرَّرَ وَيَمْكُرُونَ إِخْبَارًا بِاسْتِمْرَارِ مَكْرِهِمْ وَكَثْرَتِهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ بَاقِي الْآيَةِ فِي آلِ عِمْرَانَ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا. قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَاتَّبَعَهُ قَائِلُونَ كَثِيرُونَ وَكَانَ مِنْ مَرَدَةِ قُرَيْشٍ سَافَرَ إِلَى فَارِسَ وَالْحِيرَةِ وَسَمِعَ مِنْ قَصَصِ الرُّهْبَانِ وَالْأَنَاجِيلِ وَأَخْبَارِ رُسْتُمَ وَاسْفَنْدِيَارَ وَيَرَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْرَاءِ بِالْأَثِيلِ مِنْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْ بَدْرٍ، وَفِي هَذَا التَّرْكِيبِ جَوَازُ وُقُوعِ الْمُضَارِعِ بَعْدَ إِذَا وَجَوَابُهُ الْمَاضِي جَوَازًا فَصِيحًا بِخِلَافِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ نَحْوَ:
مَنْ يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنْهُ وَمَعْنَى قَدْ سَمِعْنا قَدْ سَمِعْنَا وَلَا نُطِيعُ أَوْ قَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ هَذَا وَقَوْلُهُمْ لَوْ نَشاءُ أَيْ لَوْ نَشَاءُ الْقَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا الَّذِي تَتْلُوهُ وَذُكِرَ عَلَى مَعْنَى الْمَتْلُوِّ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَهْتِ
стр. 3152
وَالْمُصَادَمَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنْهُ فَعَجَزُوا وَكَانَ أَصْعَبَ شَيْءٍ إِلَيْهِمُ الْغَلَبَةُ وَخُصُوصًا فِي بَابِ الْبَيَانِ فَقَدْ كَانُوا يَتَمَالَطُونَ وَيَتَعَارَضُونَ وَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى قَهْرِ رسول الله ﷺ فَكَيْفَ يُحِيلُونَ الْمُعَارَضَةَ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَيَتَعَلَّلُونَ بِأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا لَقَالُوا مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ.
إِنْ هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَنْعَامِ.
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قَائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ، وَقِيلَ أَبُو جَهْلٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ:
قَائِلُ ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ إِنْ كانَ هَذَا إِلَى الْقُرْآنِ أَوْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ من التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ أَوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ قُرَيْشٍ أَقْوَالٌ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اللَّهُمَّ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ هُوَ الْحَقَّ بِالنَّصْبِ جَعَلُوا هُوَ فَصْلًا، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هُوَ الَّتِي هِيَ فَصْلٌ فِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ:
وَكُنْتَ عَلَيْهَا بِالْمَلَا أَنْتَ أَقْدَرُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَصْلِ وَفَائِدَتِهِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ رَفْعُ الْحَقَّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَ بِهَذَا الْجَائِزِ، وَقِرَاءَةُ النَّاسِ إِنَّمَا هِيَ بِنَصْبِ الْحَقَّ انْتَهَى، وَقَدْ ذُكِرَ مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيهَا مُبَالَغَةٌ فِي إِنْكَارِ الْحَقِّ عَظِيمَةٌ أَيْ إِنْ كَانَ حَقًّا فَعَاقِبْنَا عَلَى إِنْكَارِهِ بِإِمْطَارِ الْحِجَارَةِ عَلَيْنَا أَمْ بِعَذَابٍ آخَرَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَمُرَادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا فَإِذَا انْتَفَى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذَابًا فَكَانَ تَعْلِيقُ الْعَذَابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالْمُحَالِ فِي قَوْلِهِ إِنْ كَانَ الْبَاطِلُ حَقًّا مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ وَقَوْلُهُ هُوَ الْحَقَّ تَهَكُّمٌ بِمَنْ يَقُولُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَيُقَالُ أَمْطَرَتْ كَأَنْجَمَتْ وَأَسْبَلَتْ وَمَطَرَتْ كَهَتَفَتْ وَكَثُرَ الْأَمْطَارُ فِي مَعْنَى الْعَذَابِ، (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ وَالْأَمْطَارُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْهَا، (قُلْتُ) : كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَالَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا السِّجِّيلَ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُسَوَّمَةُ لِلْعَذَابِ مَوْضِعُ حِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَمَا يُقَالُ صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِنْ حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا انْتَهَى، وَمَعْنَى جَوَابِهِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنَ السَّماءِ جَاءَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ حَدِيدٍ مَعْنَاهُ التَّأْكِيدُ لِأَنَّ الْمَسْرُودَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ حَدِيدٍ كَمَا أَنَّ الْأَمْطَارَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ السَّمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُمْ مِنَ السَّماءِ مُبَالَغَةٌ وَإِغْرَاقٌ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ
стр. 3153
حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هِيَ مُقَابَلَتُهُمْ مَجِيءَ الْأَمْطَارِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ جِهَتِهَا أَيْ إِنَّكَ تَذْكُرُ أَنَّهُ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ فَأْتِنَا بِعَذَابٍ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنْهَا الْوَحْيُ إِذْ كَانَ يَحْسُنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ إِرْسَالِ الْحِجَارَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ السَّمَاءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وَقَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ وَالِاعْتِقَادِ أن ما أتي به لَيْسَ بِحَقٍّ، وَقِيلَ عَلَى سَبِيلِ الْحَسَدِ وَالْعِنَادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ حَقٌّ وَاسْتَبْعَدَ هَذَا الثَّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ قَالَ: وَلَا يَقُولُ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ عَاقِلٌ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ «١» وَقِصَّةِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَأَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ «٢» ،
وَقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهُمْ: «وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»
أَوْ كَلَامٌ يُقَارِبُهُ وَاقْتِرَاحُهُمْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هُوَ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ اقْتِرَاحُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَسَأَلَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ أَنْتَ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الْآيَةَ، فَهَلَّا قَالُوا فَاهْدِنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَنْتَ يَا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أَرْجُلُهُمْ مِنْ بَلَلِ الْبَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَنَجَا مُوسَى وَقَوْمُهُ حَتَّى قَالُوا اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ «٣» فَأَطْرَقَ الْيَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنَ سَبَأٍ مَا أَجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأَةً فَقَالَ أَجْهَلُ مِنْ قَوْمِي قَوْمُكَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُولُوا: فَاهْدِنَا لَهُ.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ إِلَى يَعْلَمُونَ بِمَكَّةَ، وَقِيلَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ حِكَايَةً عَمَّا حَصَلَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبْزَى: الْجُمْلَةُ الْأُولَى بِمَكَّةَ إِثْرَ قَوْلِهِ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، وَالثَّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ وَلَمَّا عَلَّقُوا إِمْطَارَ الْحِجَارَةِ أَوِ الْإِتْيَانَ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ عَلَى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّو الْعَذَابِ لَكِنَّهُ لَا يُعَذِّبُهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ إِكْرَامًا لَهُ وَجَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ تَعَالَى مَعَ مُكَذِّبِي أَنْبِيَائِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ وَأَنْبِيَاؤُهُمْ مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذَابًا يَسْتَأْصِلُهُمْ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ وَنَبِيُّهَا فِيهَا وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُتَأَوِّلِينَ فَالْمَعْنَى فَمَا كَانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وَأَنْتَ فِيهِمْ بَلْ كَرَامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَعْظَمُ وَقَالَ تَعَالَى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٤» وَمِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أَنْ لَا يعذّبهم والرسول فيهما
стр. 3154
وَلَمَّا كَانَ الْإِمْطَارُ لِلْحِجَارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْعَذَابِ كَانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلَى الْعَذَابِ الَّذِي إِمْطَارُ الْحِجَارَةِ نَوْعٌ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ولم يجىء التَّرْكِيبُ، وَمَا كَانَ اللَّهُ ليمطر أوليائي بِعَذَابٍ وَتَقْيِيدُ نَفْيِ الْعَذَابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَفَارَقَهُمْ عَذَّبَهُمْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ إِكْرَامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَنْ يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٍ فِي الْقُرْآنِ انْتَهَى، وَبِفَتْحِ اللَّامِ فِي لِيُعَذِّبَهُمْ قَرَأَ أَبُو السَّمَالِ، وَقَرَأَ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالْفَتْحِ فِي لَامِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ «١» ، وَرَوَى ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَفْتَحُ كُلَّ لَامٍ إِلَّا فِي نَحْوِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ انْتَهَى، يَعْنِي لَامَ الْجَرِّ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الظَّاهِرِ أَوْ عَلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالظَّرْفِيَّةُ فِي فِيهِمْ مَجَازٌ وَالْمَعْنَى: وَأَنْتَ مُقِيمٌ بينهم غير راجل عَنْهُمْ.
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. انْظُرْ إِلَى حُسْنِ مَسَاقِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ لَمَّا كَانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ تَعْذِيبِهِمْ أَكَّدَ خَبَرَ كَانَ بِاللَّامِ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ أَوْ جَعَلَ خَبَرَ كَانَ الْإِرَادَةَ الْمَنْفِيَّةَ عَلَى رَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ وَانْتِفَاءُ الْإِرَادَةِ لِلْعَذَابِ أَبْلَغُ مِنِ انْتِفَاءِ الْعَذَابِ وَلَمَّا كَانَ اسْتِغْفَارُهُمْ دُونَ تِلْكَ الْكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللَّامِ بَلْ جَاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ مُعَذِّبَهُمْ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ اسْتِغْفَارِهِمْ وَكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا فِي الْجُمَلِ عَائِدَةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبْزَى وَأَبُو مَالِكٍ وَالضَّحَّاكُ مَا مُقْتَضَاهُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ مُعَذِّبَهُمْ عَائِدٌ عَلَى كُفَّارِ مَكَّةَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَهُمْ عَائِدٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ أَيْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الْكُفَّارَ وَالْمُؤْمِنُونَ بَيْنَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا مَا مُقْتَضَاهُ إِنَّ الضَّمِيرَيْنِ عَائِدَانِ عَلَى الْكُفَّارِ وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ غُفْرَانَكَ وَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ فَجَعَلَهُ اللَّهُ أَمَنَةً مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا عَلَى هَذَا تَرَكَّبَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا أَمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النَّاسِ وَالِاسْتِغْفَارَ فَارْتَفَعَتِ الْوَاحِدَةُ وَبَقِيَ الِاسْتِغْفَارُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يُسْلِمَ وَيَسْتَغْفِرَ فَالْمَعْنَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكفار ومنهم من
стр. 3155
يَسْتَغْفِرُ وَيُؤْمِنُ فِي ثَانِي حَالٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ وَذَرِّيَّتُهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَيُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إِلَيْهِمْ إِذْ ذُرِّيَّتُهُمْ مِنْهُمْ وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْغُفْرَانِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ:
مَعْنَى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: يُسْلِمُونَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَنَّهُمْ مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ أَيْ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يُعَذَّبُونَ كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلَا يُعَذَّبُونَ فَكِلَا الْحَالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ وَاسْتِغْفَارُهُمْ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفَارِ عَنْهُمْ أَيْ وَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ وَيَسْتَغْفِرُ مِنَ الْكُفْرِ لَمَا عَذَّبَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ «١» وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ وَلَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ منهم انتهى، وما قال تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَالَ: الْمَعْنَى وَهُمْ بِحَالِ تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ مِنْ كُفْرِهِمْ أَنْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ.
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. الظَّاهِرُ أَنَّ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ لَهُمْ فِي انْتِفَاءِ الْعَذَابِ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ أَيْ كَيْفَ لَا يُعَذَّبُونَ وَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعَذَابِ وَهِيَ صَدُّهُمُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَيْسُوا بِوُلَاةِ الْبَيْتِ وَلَا مُتَأَهِّلِينَ لِوِلَايَتِهِ وَمِنْ صَدِّهِمْ مَا فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِخْرَاجُهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلٌ فِي الصَّدِّ كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلَاةُ الْبَيْتِ نَصُدُّ مَنْ نَشَاءُ وَنُدْخِلُ مَنْ نَشَاءُ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ زَائِدَةٌ، قَالَ النَّحَّاسُ: لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ انْتَهَى، فَكَانَ يَكُونُ الْفِعْلَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ: وَما لَنا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ «٢» وَمَوْضِعُ أَنْ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى الخلاف إذ حذف منه وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ لَهُمْ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ كَائِنٍ أَوْ مُسْتَقِرٍّ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَالْمَعْنَى لَا حَظَّ لَهُمْ فِي انْتِفَاءِ الْعَذَابِ وَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ فَهُمْ مُعَذَّبُونَ وَلَا بُدَّ وَتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذَّبُوا هُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لَا تفسير إِعْرَابٍ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَوَّلَ كَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَمَا قُدْرَتُهُمْ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَفْعَالِ مُوجِبٌ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي أَوْلِياءَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وَصِحَّةِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ مَا لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أَيْ ليس ينتفي العذاب عنم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَقِيلَ الضَّمِيرُ فِي أَوْلِياءَهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ أَيْ وَمَا اسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا ولاة أمره
следующие страницы →