← Тафсир

Тафсир · id 23591

البحر المحيط في التفسير - ط الفكر

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (6 210 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

حَتَّى أَبْلُغَ هُوَ الْخَبَرُ، فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ أُقِيمَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَهُوَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ، فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ عَنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ إِلَى لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ وَجْهٌ لِطَيْفٌ انْتَهَى. وَهُمَا وَجْهَانِ خَلَطَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَجَعَلَ الْفِعْلَ مُسْنَدًا إِلَى الْمُتَكَلِّمِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا وَجَعَلَ الْخَبَرَ مَحْذُوفًا كَمَا قَدَّرَهُ ابن عطية وحَتَّى أَبْلُغَ فَضْلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ وَغَايَةٌ لَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي جَعَلَ لَا أَبْرَحُ مُسْنَدًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ الْمَحْذُوفِ وَجَعَلَهُ لَا أَبْرَحُ هُوَ حَتَّى أَبْلُغَ فَهُوَ عُمْدَةٌ إِذْ أَصْلُهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ لِأَنَّهُ خَبَرُ أَبْرَحُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. أَيْضًا: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا أَبْرَحُ مَا أَنَا عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَلْزَمُ الْمَسِيرَ وَالطَّلَبَ وَلَا أَتْرُكُهُ وَلَا أُفَارِقُهُ حَتَّى أَبْلُغَ كَمَا تَقُولُ لَا أَبْرَحُ الْمَكَانَ انْتَهَى. يَعْنِي إِنَّ بَرِحَ يَكُونُ بِمَعْنَى فَارَقَ فَيَتَعَدَّى إِذْ ذَاكَ إِلَى مَفْعُولٍ وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى صِحَّةِ نَقْلٍ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى وَقَوْمُهُ عَلَى مِصْرَ أَنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْحَالُ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَّرَ بِآلَاءِ اللَّهِ وَأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا يُرَى قَطُّ أَنَّ مُوسَى ﵇ أَنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ إِلَّا فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَمَا أَرَاهُ يَصِحُّ بَلِ الْمُتَظَاهِرُ أَنَّ مُوسَى مَاتَ بِفَحْصِ التِّيهِ قَبْلَ فَتْحِ دِيَارِ الْجَبَّارِينَ، وَهَذَا الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقَالَ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى مِصْرَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتَقَرُّوا بَعْدَ هَلَاكِ الْقِبْطِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُذَكِّرَ قَوْمَهُ النِّعْمَةَ فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَذَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى نَبِيَّكُمْ وَكَلَّمَهُ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ عَلِمْنَا هَذَا فَأَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بَلْ أَعْلَمُ مِنْكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ الْخَضِرُ، كَانَ الْخَضِرُ فِي أَيَّامِ أَفْرِيدُونَ قَبْلَ مُوسَى وَكَانَ عَلَى مَقْدُمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَكْبَرِ وَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ مُوسَى، وَذَكَرَ أَيْضًا فِي أَسْئِلَةِ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي عِبَادِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي فَادْلُلْنِي عَلَيْهِ، قَالَ: أَعْلَمُ مِنْكَ الْخَضِرُ انْتَهَى. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ هَلْ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: لا. ومَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ مُجْتَمَعُ بَحْرِ فَارِسَ وَبَحْرِ الرُّومِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ ذِرَاعٌ يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ مِنْ شَمَالٍ إِلَى جَنُوبٍ فِي أَرْضِ فَارِسَ مِنْ وَرَاءِ أَذْرَبِيجَانَ، فَالرُّكْنُ الَّذِي لِاجْتِمَاعِ الْبَحْرَيْنِ مِمَّا يَلِي بَرَّ الشَّامِ هُوَ مُجْتَمَعُ الْبَحْرَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: هُوَ عِنْدَ طَنْجَةَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْبَحْرُ

стр. 4167

الْمُحِيطُ وَالْبَحْرُ الْخَارِجُ مِنْهُ مِنْ دَبُورٍ إِلَى صِبَا. وَعَنْ أُبَيٍّ بِإِفْرِيقِيَّةَ. وَقِيلَ: هُوَ بَحْرُ الْأَنْدَلُسِ وَالْقَرْيَةُ الَّتِي أَبَتْ أَنْ تُضِيفَهُمَا هِيَ الْجَزِيرَةُ الْخَضْرَاءُ. وَقِيلَ: مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ بَحْرٌ مِلْحٌ وَبَحْرٌ عَذْبٌ فَيَكُونُ الْخَضِرُ عَلَى هَذَا عِنْدَ مَوْقِعِ نَهْرٍ عَظِيمٍ فِي الْبَحْرِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْبَحْرَانِ كِنَايَةٌ عَنْ مُوسَى وَالْخَضِرُ لِأَنَّهُمَا بَحْرَا عِلْمٍ. وَهَذَا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ وَغُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بَحْرَا مَاءٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْبَحْرَيْنِ مُوسَى وَالْخَضِرُ لِأَنَّهُمَا كَانَا بَحْرَيْنِ فِي الْعِلْمِ انْتَهَى. وَقِيلَ: بَحْرُ الْقُلْزُمِ. وَقِيلَ: بَحْرُ الْأَزْرَقِ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ مَجْمَعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ وَالنَّضْرُ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ فِي كِلَا الْحَرْفَيْنِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقِيَاسُهُ مِنْ يَفْعَلُ فَتْحُ الْمِيمِ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ هُوَ اسْمُ مَكَانِ جَمْعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ: مَصْدَرٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحُقُبُ الدَّهْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرو وَأَبُو هُرَيْرَةَ: ثَمَانُونَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: سَبْعُونَ. وَقِيلَ: سَنَةٌ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ. وَقِيلَ: وَقْتٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ أَمْضِيَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَبْلُغَ فَغَيَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا بِبُلُوغِهِ الْمَجْمَعِ وَإِمَّا بِمُضِيِّهِ حُقُباً. وَقِيلَ: هِيَ تَغْيِيَةٌ لِقَوْلِهِ لَا أَبْرَحُ كَقَوْلِكَ لَا أُفَارِقُكَ أَوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي، فَالْمَعْنَى لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى أَنْ أَمْضِيَ زَمَانًا أَتَيَقَّنُ مَعَهُ فَوَاتَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ حُقُباً بِإِسْكَانِ الْقَافِ وَالْجُمْهُورُ بِضَمِّهَا. فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ التَّقْدِيرُ فسار فَلَمَّا بَلَغا أَيْ مُوسَى وَفَتَاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهِما أَيْ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ نَسِيا حُوتَهُما وَكَانَ مِنْ أَمْرِ الْحُوتِ وَقِصَّتِهِ أَنَّ مُوسَى ﵇ حِينَ أُوحِيَ إِلَيْهِ إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رؤوسهما فَنَامَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ سَرَباً وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ. قِيلَ: وَكَانَ الْحُوتُ مَالِحًا. وَقِيلَ: مَشْوِيًّا. وَقِيلَ: طَرِيًّا. وَقِيلَ: جَمَعَ يُوشَعُ الْحُوتَ وَالْخُبْزَ فِي مِكْتَلٍ فَنَزَلَا لَيْلَةً عَلَى شَاطِئِ عَيْنٍ تُسَمَّى عَيْنَ الْحَيَاةِ وَنَامَ مُوسَى، فَلَمَّا أَصَابَ السَّمَكَةَ رَوْحُ الْمَاءِ وَبَرْدُهُ عَاشَتْ. وَرُوِيَ أَنَّهُمَا أَكَلَا مِنْهَا. وَقِيلَ: تَوَضَّأَ يُوشَعُ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ فَانْتَضَحَ الْمَاءُ عَلَى الْحُوتِ فَعَاشَ وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ ، وَالظَّاهِرُ نِسْبَةُ النِّسْيَانِ إِلَى مُوسَى وَفَتَاهُ.

стр. 4168

وَقِيلَ: كَانَ النِّسْيَانُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ فَتَى مُوسَى نَسِيَ أَنْ يُعْلِمَ مُوسَى أَمْرَ الْحُوتِ إِذْ كَانَ نَائِمًا، وَقَدْ أَحَسَّ يُوشَعُ بِخُرُوجِهِ مِنَ الْمِكْتَلِ إِلَى الْبَحْرِ وَرَآهُ قَدِ اتَّخَذَ السَّرَبَ فَأَشْفَقَ أَنْ يُوقِظَ مُوسَى. وَقَالَ أُؤَخِّرُ إِلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ ثُمَّ نَسِيَ أَنْ يُعْلِمَهُ حَتَّى ارْتَحَلَا وجاوَزا وَقَدْ يُسْنَدُ الشَّيْءُ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ نَسِيَ أَحَدُهُمَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ نَسِيا تَفَقُّدَ أَمْرِهِ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ مِمَّا جُعِلَ أَمَارَةً عَلَى الظَّفَرِ بِالطِّلْبَةِ. وَقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ أَنْ يُقَدِّمَهُ، وَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِشَيْءٍ انْتَهَى. وَشُبِّهَ بِالسَّرَبِ مَسْلَكُ الْحُوتِ فِي الْمَاءِ حِينَ لَمْ يَنْطَبِقِ الْمَاءُ بَعْدَهُ بَلْ بَقِيَ كَالطَّاقِ، هَذَا الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَقِيَ مَوْضِعُ سُلُوكِهِ فَارِغًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَاءً جَامِدًا وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَجَرًا صَلْدًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّمَا اتَّخَذَ سَبِيلَهُ سَرَبًا فِي الْبَرِّ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ ثُمَّ عَامَ عَلَى الْعَادَةِ كَأَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ سَرَباً تَصَرُّفًا وَجَوَلَانًا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَحْلٌ سَارِبٌ أَيْ مُهْمَلٌ يَرْعَى حَيْثُ شَاءَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَسارِبٌ بِالنَّهارِ «١» أَيْ مُتَصَرِّفٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: اتَّخَذَ سَرَباً فِي التراب من المكتمل، وَصَادَفَ فِي طَرِيقِهِ حَجَرًا فَنَقَبَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّرَبَ كَانَ فِي الْمَاءِ وَلَا يُفَسَّرُ إِلَّا بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَاءَ صَارَ عَلَيْهِ كَالطَّاقِ وَهُوَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسَى ﵇ أَوِ الْخَضِرِ إِنْ قُلْنَا أَنَّهُ نَبِيٌّ وَإِلَّا تَكُنْ كَرَامَةً. وَقِيلَ: عَادَ مَوْضِعَ سُلُوكِ الْحُوتِ حَجَرًا طَرِيقًا وَأَنَّ مُوسَى مَشَى عَلَيْهِ مُتَّبِعًا لِلْحُوتِ حَتَّى أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ وَفِيهَا وَجَدَ الْخَضِرَ فَلَمَّا جاوَزا أَيْ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمَوْعِدَ وَهُوَ الصَّخْرَةُ. قِيلَ: سَارَا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصَّخْرَةِ اللَّيْلَةَ وَالْغَدَ إِلَى الظُّهْرِ وَأُلْقِيَ عَلَى مُوسَى النَّصَبُ وَالْجُوعُ حِينَ جَاوَزَ الْمَوْعِدَ وَلَمْ يَنْصَبْ وَلَا جَاعَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَذَكَّرَ الْحُوتَ وَطَلَبَهُ. وَقَوْلُهُ مِنْ سَفَرِنا هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَسِيرِهِمَا وَرَاءَ الصَّخْرَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَصَباً بِفَتْحَتَيْنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِضَمَّتَيْنِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ وَهِيَ إِحْدَى اللُّغَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي فِيهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كيف نَسِيَ يُوشَعُ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ لَا يُنْسَى لِكَوْنِهِ أَمَارَةً لَهُمَا عَلَى الطِّلْبَةِ الَّتِي تَنَاهَضَا مِنْ أَجْلِهَا وَلِكَوْنِهِ مُعْجِزَتَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ وَهُمَا حَيَاةُ السَّمَكَةِ الْمَمْلُوحَةِ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَقِيلَ: مَا كَانَتْ إِلَّا شِقَّ سَمَكَةٍ وَقِيَامُ الْمَاءِ وَانْتِصَابُهُ مِثْلُ الطَّاقِ وَنُفُوذُهَا فِي مِثْلِ السَّرَبِ، ثُمَّ كَيْفَ اسْتَمَرَّ بِهِ النِّسْيَانُ حَتَّى خَلَّفَا الْمَوْعِدَ وَسَارَا مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَى ظُهْرِ الْغَدِ، وَحَتَّى طَلَبَ مُوسَى ﵇ الْحُوتَ قُلْتُ: قَدْ شَغَلَهُ الشَّيْطَانُ بِوَسَاوِسِهِ فذهب بفكره كل

стр. 4169

مَذْهَبٍ حَتَّى اعْتَرَاهُ النِّسْيَانُ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ضَرِيَ بِمُشَاهَدَةِ أَمْثَالِهِ عِنْدَ مُوسَى مِنَ الْعَجَائِبِ، وَاسْتَأْنَسَ بِأَخَوَاتِهِ فَأَعَانَ الْإِلْفَ عَلَى قِلَّةِ الِاهْتِمَامِ انْتَهَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ غَالِبُ بْنُ عَطِيَّةَ وَالدَّانِيُّ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُفَسِّرُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيَّ يَقُولُ فِي وَعْظِهِ: مَشَى مُوسَى إِلَى الْمُنَاجَاةِ فَبَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَعَامٍ، وَلَمَّا مَشَى إِلَى بَشَرٍ لَحِقَهُ الْجُوعُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا وَجْهُ الْتِئَامِ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَرَأَيْتَ وإِذْ أَوَيْنا وفَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ؟ قُلْتُ: لَمَّا طَلَبَ مُوسَى الْحُوتَ ذَكَرَ يُوشَعُ مَا رَأَى مِنْهُ وَمَا اعْتَرَاهُ مِنْ نِسْيَانِهِ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ فَدُهِشَ فَطَفِقَ يَسْأَلُ مُوسَى عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ مَا دَهَانِي إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ فَحُذِفَ ذَلِكَ انْتَهَى. وَكَوْنُ أَرَأَيْتُكَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ أَمْعَنَّا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَفِي شَرْحِنَا لِكِتَابِ التَّسْهِيلِ. وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِأَرَأَيْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: إِنَّ الْعَرَبَ أَخْرَجَتْهَا عَنْ مَعْنَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَقَالُوا: أَرَأَيْتُكَ وَأَرَيْتُكَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي، وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهَا قَالَ: وَشَذَّتْ أَيْضًا فَأَلْزَمَتْهَا الْخِطَابَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا تَقُولُ فِيهَا أَبَدًا أَرَانِي زَيْدٌ عَمْرًا مَا صَنَعَ، وَتَقُولُ هَذَا عَلَى مَعْنَى أَعْلَمُ. وَشَذَّتْ أَيْضًا فَأَخْرَجَتْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ دُخُولِ الْفَاءِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ فَمَا دَخَلَتِ الْفَاءُ إِلَّا وَقَدْ أُخْرِجَتْ لِمَعْنَى أَمَّا أَوْ تَنَبَّهْ، وَالْمَعْنَى أَمَّا إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَالْأَمْرُ كَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَتْهَا أَيْضًا إِلَى مَعْنَى أَخْبِرْنِي كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي فَلَا بُدَّ بَعْدَهَا مِنَ الِاسْمِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهُ وَتَلْزَمُ الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهَا الِاسْتِفْهَامَ، وَقَدْ يَخْرُجُ لِمَعْنَى أَمَّا وَيَكُونُ أَبَدًا بَعْدَهَا الشَّرْطُ وَظَرْفُ الزَّمَانِ فَقَوْلُهُ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ مَعْنَاهُ أَمَّا إِذْ أَوَيْنا فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أَوْ تَنَبَّهْ إِذْ أَوَيْنا وَلَيْسَتِ الْفَاءُ إِلَّا جَوَابًا لِأَرَأَيْتَ، لِأَنَّ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجَازَى بِهَا إِلَّا مَقْرُونَةً بِمَا بَلَا خِلَافٍ انْتَهَى كَلَامُ الْأَخْفَشِ. وَفِيهِ إِنَّ أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي فَلَا بُدَّ بَعْدَهَا مِنَ الِاسْمِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وَتَلْزَمُ الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهَا الِاسْتِفْهَامَ وَهَذَانِ مَفْقُودَانِ فِي تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَرَأَيْتَ هُنَا بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي، وَمَعْنَى نَسِيتُ الْحُوتَ نَسِيتُ ذِكْرَ مَا جَرَى فِيهِ لَكَ. وَفِي قَوْلِهِ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ حُسْنُ أَدَبٍ سَبَّبَ النِّسْيَانَ إِلَى المتسبب فيه بوسوسته وأَنْ أَذْكُرَهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الْحُوتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ

стр. 4170

فِي وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً عَائِدٌ عَلَى الْحُوتِ كَمَا عَادَ فِي قَوْلِهِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً وَهُوَ مِنْ كَلَامِ يُوشَعَ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مُوسَى أَيْ اتَّخَذَ مُوسَى. وَمَعْنَى عَجَباً أَيْ تَعَجُّبٌ مِنْ ذَلِكَ أَوِ اتِّخَاذًا عَجَباً وَهُوَ أَنَّ أَثَرَهُ بَقِيَ إِلَى حَيْثُ سَارَ. وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ سَبِيلَهُ عَجَباً وَهُوَ كَوْنُهُ شَبِيهَ السَّرَبِ قَالَ: أَوْ قَالَ عَجَباً فِي آخِرِ كَلَامٍ تَعَجُّبًا مِنْ حَالِهِ فِي رُؤْيَةِ تِلْكَ الْعَجِيبَةِ وَنِسْيَانِهِ لَهَا، أَوْ مِمَّا رَأَى مِنَ الْمُعْجِزَتَيْنِ وَقَوْلُهُ: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَجَباً حِكَايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسَى وَلَيْسَ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ يُوشَعَ لِمُوسَى أَيِ اتَّخَذَ الْحُوتُ سَبِيلًا عَجَبًا لِلنَّاسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ تَمَامَ الْخَبَرِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّعَجُّبَ فَقَالَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ عَجَباً لِهَذَا الْأَمْرِ، وَمَوْضِعُ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ حُوتٌ قَدْ مَاتَ وَأَكَلَ شِقَّهُ ثُمَّ حَيَى بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو شُجَاعٍ فِي كِتَابِ الطَّبَرِيِّ رَأَيْتُهُ أَتَيْتُ بِهِ فَإِذَا هُوَ شَقُّ حُوتٍ وَعَيْنٌ وَاحِدَةٌ وَشَقٌّ آخَرُ لَيْسَ فِيهِ شيّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَنَا رَأَيْتُهُ وَالشِّقُّ الَّذِي فِيهِ شَيٌّ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ لَيْسَتْ تَحْتَهَا شَوْكَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ الْآيَةَ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَ الْحُوتِ مِنَ الْبَحْرِ عَجَباً أَيْ تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْحُوتِ أَنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَباً لِلنَّاسِ انْتَهَى. وَقَرَأَ حَفْصٌ: وَما أَنْسانِيهُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفِي الْفَتْحِ عَلَيْهِ اللَّهُ وَذَلِكَ فِي الْوَصْلِ وَأَمَالَ الْكِسَائِيُّ فَتْحَةَ السِّينِ، وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وَقِرَاءَتِهِ أَنْ أَذْكُرَهُ إِلَّا الشَّيْطانُ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: وَاتِّخَاذُ سَبِيلِهِ عَطْفٌ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي أَذْكُرَهُ وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى أَمْرِ الْحُوتِ وَفَقْدِهِ وَاتِّخَاذِهِ سَبِيلًا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الظَّفَرِ بِالطِّلْبَةِ مِنْ لِقَاءِ ذَلِكَ الْعَبْدِ الصالح وَمَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ نَبْغِيهِ. وَقُرِئَ نَبْغِ بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَإِثْبَاتُهَا أَحْسَنُ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَنَافِعٍ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَالْأَكْثَرُ فِيهِ طَرْحُ الْيَاءِ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ، وَأَثْبَتَهَا فِي الْحَالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ. فَارْتَدَّا رَجَعَا عَلَى أَدْرَاجِهِمَا مِنْ حَيْثُ جَاءَا. قَصَصاً أَيْ يَقُصَّانِ الْأَثَرَ قَصَصاً فَانْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِإِضْمَارِ يَقُصَّانِ، أَوْ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُقْتَصِّينَ فَيُنْصَبُ بِقَوْلِهِ فَارْتَدَّا فَوَجَدا أَيْ مُوسَى وَالْفَتَى عَبْداً مِنْ عِبادِنا هَذِهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَاخْتِصَاصٍ، وَجَدَاهُ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي فَقَدَ الْحُوتَ عِنْدَهَا وَهُوَ مُسَجَّى فِي

стр. 4171

ثَوْبِهِ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ فَرَفَعَ رَأَسَهُ، وَقَالَ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَ لَهُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: أَلَمْ يَكُنْ لَكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا يَشْغَلُكَ عَنِ السَّفَرِ إِلَى هُنَا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ وَأَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكَ، قَالَ لَهُ: إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ أَنَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ الْخَضِرُ وَخَالَفَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ عَالِمٌ آخَرُ. وَقِيلَ: الْيَسَعُ. وَقِيلَ: إِلْيَاسُ. وَقِيلَ: خَضِرُونُ بْنُ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ ﵇. قِيلَ: وَاسْمُ الْخَضِرِ بَلْيَا بْنُ مَلْكَانَ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيٌّ وَكَانَ عِلْمُهُ مَعْرِفَةَ بَوَاطِنَ قَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، وَعِلْمُ مُوسَى الْأَحْكَامَ وَالْفُتْيَا بِالظَّاهِرِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ وُجِدَ قَاعِدًا عَلَى ثَبَجِ الْبَحْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ سُمِّيَ خَضِرًا لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَالِيَةٍ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ. وَقِيلَ: كَانَ إِذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. وَقِيلَ: جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُرْتَفِعَةُ. وَقِيلَ: الصَّلْبَةُ وَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ. وَقِيلَ: كَانَتْ أُمُّهُ رُومِيَّةً وَأَبُوهُ فَارِسِيٌّ. وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ أَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَلَحِقَ بِجَزَائِرَ الْبَحْرِ فَطَلَبَهُ أَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ. وَقَالَ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمَرْسِيُّ: أَمَّا خَضِرُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَلَيْسَ بِحَيٍّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَلَزِمَهُ الْمَجِيءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّيْنِ لَمْ يَسَعْهُمَا إِلَّا اتِّبَاعِي» . انْتَهَى هكذا أوراد لحديث وَمَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عِيسَى حَيٌّ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . وَالرَّحْمَةُ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا هِيَ الْوَحْيُ وَالنُّبُوَّةُ. وَقِيلَ: الرِّزْقُ. وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أَيْ مِنْ عِنْدِنَا أَيْ مِمَّا يَخْتَصُّ بِنَا مِنَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ. وَقَرَأَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ لَدُنَّا بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ فِي لَدُنْ وَهِيَ الْأَصْلُ. قِيلَ: وَقَدْ أُولِعَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الصَّلَاحِ بِادِّعَاءِ هَذَا الْعِلْمِ وَيُسَمُّونَهُ الْعِلْمَ اللَّدُنِّيَّ، وَأَنَّهُ يُلْقَى فِي رَوْعِ الصَّالِحِ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَ بِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى الْخَضِرَ. وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ الْقُشَيْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يُخْبِرُ عَنْ شَيْخٍ لَهُ أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ وَحَدَّثَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ الْخَضِرُ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَرِفَ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ. وَبَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَضِرِيَّةَ رُتْبَةٌ يَتَوَلَّاهَا بَعْضُ الصَّالِحِينَ عَلَى قَدَمِ الْخَضِرِ، وَسَمِعْنَا الْحَدِيثَ عَنْ

стр. 4172

شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْعَبَّاسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ وَكَانَ أَصْحَابُهُ الْحَنَابِلَةُ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ بِالْخَضِرِ. قالَ لَهُ مُوسى فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمَّا الْتَقَيَا وَتَرَاجَعَا الْكَلَامَ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْعَالِمِ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الرِّحْلَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَعَلَى حُسْنِ التَّلَطُّفِ وَالِاسْتِنْزَالِ وَالْأَدَبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. بِقَوْلِهِ هَلْ أَتَّبِعُكَ وَفِيهِ الْمُسَافَرَةُ مَعَ الْعَالِمِ لِاقْتِبَاسِ فَوَائِدِهِ، وَالْمَعْنَى هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ وَيَتَّفِقُ لَكَ وَانْتَصَبَ رُشْداً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ تُعَلِّمَنِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي أَتَّبِعُكَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عِلْماً ذَا رُشْدٍ أُرْشَدُ بِهِ فِي دِينِي، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: أَمَا دَلَّتْ حَاجَتُهُ إِلَى التَّعَلُّمِ مِنْ آخَرَ فِي عَهْدِهِ أَنَّهُ كَمَا قِيلَ مُوسَى بْنُ مِيشَا لَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَإِمَامَهُمُ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الدِّينِ؟ قُلْتُ: لَا غَضَاضَةَ بِالنَّبِيِّ فِي أَخْذِ الْعِلْمِ مِنْ نَبِيٍّ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَغُضُّ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ دُونَهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نُوفًا ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ بِصَاحِبِ مُوسَى، وَأَنَّ مُوسَى هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو بَحْرِيَّةَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ مُنَاذِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْيَزِيدِيُّ رُشْداً بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ، وَنَفَى الْخَضِرُ اسْتِطَاعَةَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَأَنَّهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى أُمُورًا هِيَ فِي ظَاهِرِهَا يُنْكِرُهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَكَيْفَ النَّبِيُّ فَلَا يَتَمَالَكُ أَنْ يَشْمَئِزَّ لِذَلِكَ، وَيُبَادِرَ بِالْإِنْكَارِ وَكَيْفَ تَصْبِرُ أَيْ إِنَّ صَبْرَكَ عَلَى مَا لَا خِبْرَةَ لَكَ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ، وَفِيهِ إِبْدَاءُ عُذْرٍ لَهُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ لِمَا يَرَى مِنْ مُنَافَاةِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ شَرِيعَتِهِ. وَانْتَصَبَ خُبْراً عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ مِمَّا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرُكَ فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ لِأَنَّ مَعْنَى بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ لَمْ تُخْبَرْهُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ هُرْمُزَ خُبْراً بِضَمِّ الْبَاءِ. قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَعَدَهُ بِوِجْدَانِهِ صابِراً وَقَرَنَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عِلْمًا مِنْهُ بِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَصُعُوبَتِهِ، إِذْ لَا يَصْبِرُ إِلَّا عَلَى مَا يُنَافِي ما هو عليه إذ رَآهُ وَلا أَعْصِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى صابِراً أَيْ صابِراً وَغَيْرَ عَاصٍ فَيَكُونُ فِي

стр. 4173

مَوْضِعِ نَصْبِ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ صَافَّاتٍ ويَقْبِضُ «١» أَيْ وَقَابِضَاتٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى سَتَجِدُنِي فَلَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْمَشِيئَةِ لَفْظًا. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَعَدَ مُوسَى مِنْ نَفْسِهِ بِشَيْئَيْنِ: بِالصَّبْرِ وَقَرَنَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فَصَبَرَ حِينَ وَجَدَ عَلَى يَدَيِ الْخَضِرِ فِيمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْفِعْلِ، وَبِأَنْ لَا يَعْصِيَهُ فَأَطْلَقَ وَلَمْ يُقْرِنْهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَعَصَاهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ فَلا تَسْئَلْنِي فَكَانَ يَسْأَلُهُ فَمَا قَرَنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ وَمَا أَطْلَقَهُ وَقَعَ فِيهِ الْخُلْفُ انْتَهَى. وَهَذَا مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وَلا أَعْصِي مَعْطُوفًا عَلَى سَتَجِدُنِي فَلَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي أَيْ إِذَا رَأَيْتَ مِنِّي شَيْئًا خَفِيَ عَلَيْكَ وَجْهُ صِحَّتِهِ فَأَنْكَرْتَ فِي نَفْسِكَ فَلَا تُفَاتِحْنِي بِالسُّؤَالِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الْفَاتِحَ عَلَيْكَ، وَهَذَا مِنْ أَدَبِ الْمُتَعَلِّمِ مع العالم المتبوع. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ فَلا تَسْئَلْنِي وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ مُشَدِّدَةَ النُّونِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْهَمْزِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ. كُلُّهُمْ بِيَاءٍ فِي الْحَالَيْنِ انْتَهَى. وَعَنِ ابْنِ عَامِرٍ فِي حَذْفِ الْيَاءِ خِلَافٌ غَرِيبٌ. فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لَا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قالَ هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. فَانْطَلَقا أَيْ مُوسَى وَالْخَضِرُ وَكَانَ مَعَهُمْ يُوشَعُ وَلَمْ يُضْمَرْ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ. وَقِيلَ: كَانَ مُوسَى قَدْ صَرَفَهُ وَرَدَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي السَّفِينَةِ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ فِي سَفِينَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَرُوِيَ فِي كَيْفِيَّةِ رُكُوبِهِمَا السَّفِينَةَ وَخَرْقِهَا وَسَدِّهَا أَقْوَالٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا قَالَا: «فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ

стр. 4174

مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَها إِلَى قَوْلِهِ عُسْراً» قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَكَانَ الْأَوَّلُ مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ» . وَاللَّامُ فِي لِتُغْرِقَ أَهْلَها. قِيلَ: لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ الْعِلَّةِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ سَعْدَانَ وَابْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ لِيَغْرَقَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ أَهْلَها بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ تَاءِ الْخِطَابِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَنَصْبِ لَامِ أَهْلَها. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمَا فَتَحَا الْغَيْنَ وَشَدَّدَا الرَّاءَ. ثُمَّ ذَكَّرَهُ الْخَضِرُ بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ نَفْيِ اسْتِطَاعَتِهِ الصَّبْرَ لِمَا يَرَى فَقَالَ لَا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَالظَّاهِرُ حَمْلُ النِّسْيَانِ عَلَى وَضْعِهِ. وَقَدْ قَالَ ﵇: «كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا» وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَسِيَ الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَمِ سُؤَالِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُخْبِرَ لَهُ أَوَّلًا وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ أُبَيِّ ابن كَعْبٍ أَنَّهُ مَا نَسِيَ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ هَذَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُ نَسِيَ وَصِيَّتَهُ وَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى النَّاسِي، أَوْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ النَّهْيِ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْيَانِ تَوَهَّمَهُ أَنَّهُ نَسِيَ لِيَبْسُطَ عُذْرَهُ فِي الْإِنْكَارِ وَهُوَ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ الَّتِي يُنْفَى بِهَا الْكَذِبُ مَعَ التَّوَصُّلِ إِلَى الْغَرَضِ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. هَذِهِ أُخْتِي وَإِنِّي سَقِيمٌ: أَوْ أَرَادَ بِالنِّسْيَانِ التَّرْكَ أَيْ لَا تُؤاخِذْنِي بِمَا تَرَكْتُ مِنْ وَصِيَّتِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ انْتَهَى. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَلَامَ أُبَيٍّ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ إِلَّا قَوْلُ الرَّسُولِ: «كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا» . وَلا تُرْهِقْنِي لَا تُغْشِنِي وَتُكَلِّفْنِي مِنْ أَمْرِي وَهُوَ اتِّبَاعُكَ عُسْراً أَيْ شَيْئًا صَعْبًا، بَلْ سَهِّلْ عَلَيَّ فِي مُتَابَعَتِكَ بِتَرْكِ الْمُنَاقَشَةِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ عُسْراً بِضَمِّ السِّينِ حَيْثُ وَقَعَ فَانْطَلَقَا فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَخَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ وَلَمْ يَقَعْ غَرَقٌ بِأَهْلِهَا، فَانْطَلَقَا فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ على الساحل إذا بصر الْخَضِرُ غُلاماً يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَمَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى غُلَامٍ حَسَنِ الْهَيْئَةِ وَضِيءِ الْوَجْهِ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ. وَقِيلَ: رَضَّهُ بِحَجَرٍ. وَقِيلَ: ذَبَحَهُ. وَقِيلَ: فَتَلَ عُنُقَهُ. وَقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ الْحَائِطَ.

стр. 4175

قِيلَ: وَكَانَ هَذَا الْغُلَامُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ وَلِهَذَا قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً. وَقِيلَ: كَانَ الْغُلَامُ بَالِغًا شَابًّا، وَالْعَرَبُ تُبْقِي عَلَى الشَّابِّ اسْمَ الْغُلَامِ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ فِي الْحَجَّاجِ: شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الَّذِي قَدْ أَصَابَهَا ... غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا وَقَالَ آخَرُ: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... غُلَامٌ إذا هو جيت لَسْتُ بِشَاعِرِ وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلَامِ وَهُوَ شِدَّةُ الشَّبَقِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الشَّبَابِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا الْحُلُمَ وَيَتَنَاوَلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ تَجَوُّزًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يؤول إِلَيْهِ. (وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الْغُلَامِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ أُمِّهِ) وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَانَ يُفْسِدُ وَيُقْسِمُ لِأَبَوَيْهِ أَنَّهُ مَا فَعَلَ فَيُقْسِمَانِ عَلَى قَسَمِهِ وَيَحْمِيَانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعُرْسِ وَالْعَرَائِسِ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا قَالَ لِلْخَضِرِ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً غَضِبَ الْخَضِرُ وَاقْتَلَعَ كَتِفَ الصَّبِيِّ الْأَيْسَرَ وَقَشَّرَ اللَّحْمَ عَنْهُ، وَإِذَا فِي عَظْمِ كَتِفِهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أَبَدًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ خَرَقَها بغير فاء وفَقَتَلَهُ بِالْفَاءِ؟ قُلْتُ: جُعِلَ خَرَقَهَا جَزَاءً لِلشَّرْطِ، وَجُعِلَ قَتَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَالْجَزَاءُ قَالَ أَقَتَلْتَ: فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ خُولِفَ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: لِأَنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ لَمْ يَتَعَقَّبِ الرُّكُوبَ وَقَدْ تَعَقَّبَ الْقَتْلُ لِقَاءَ الْغُلَامِ انْتَهَى. وَمَعْنَى زَكِيَّةً طَاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وَوَصَفَهَا بِهَذَا الْوَصْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا أَذْنَبَتْ، قِيلَ أَوْ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغِ الْحِنْثَ. وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ نَفْسٍ يَرُدُّهُ وَيَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الْغُلَامِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ وَلَا بِغَيْرِ نَفْسٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ وَالْيَزِيدِيُّ وَابْنُ مُسْلِمٍ وَزَيْدٌ وَابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ يَعْقُوبَ وَالتَّمَّارِ عَنْ رُوَيْسٍ عَنْهُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو زَاكِيَةً بِالْأَلِفِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنُ وَالْجَحْدَرِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ زَكِيَّةً بِغَيْرِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ زَاكِيَةٍ لِأَنَّ فَعِيلًا الْمُحَوَّلَ مِنْ فَاعِلٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نُكْراً بِإِسْكَانِ الْكَافِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَطَلْحَةُ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو حَاتِمٍ بِرَفْعِ الْكَافِ حَيْثُ كَانَ مَنْصُوبًا. وَالنُّكْرُ قِيلَ: أَقَلُّ مِنَ الْإِمْرِ لِأَنَّ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَهْوَنُ مِنْ إِغْرَاقِ أَهْلِ السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ شَيْئًا أَنْكَرَ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ

стр. 4176

الْخَرْقَ يُمْكِنُ سَدُّهُ وَالْقَتْلُ لَا سَبِيلَ إِلَى تَدَارُكِ الْحَيَاةِ مَعَهُ. وَفِي قَوْلِهِ لَكَ زَجْرٌ وَإِغْلَاظٌ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَوْقِعَهُ التَّسَاؤُلُ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إِلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَاسْتِعْذَارِ مُوسَى بِالنِّسْيَانِ أَفْظَعُ وَأَفْظَعُ فِي الْمُخَالَفَةِ لِمَا كَانَ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَانْتِفَاءِ الْعِصْيَانِ. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلا تُصاحِبْنِي أَيْ فَأَوْقِعِ الْفِرَاقَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَلا تُصاحِبْنِي مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ. وَقَرَأَ عِيسَى وَيَعْقُوبُ فَلَا تَصْحَبْنِي مُضَارِعُ صَحِبَ وَعِيسَى أَيْضًا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مُضَارِعُ أَصْحَبَ، وَرَوَاهَا سَهْلٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَيْ فَلَا تُصْحِبْنِي عِلْمَكَ وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ فَلَا تُصْحِبْنِي إِيَّاكَ وَبَعْضُهُمْ نَفْسَكَ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَشَدِّ النُّونِ. وَمَعْنَى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أَيْ قَدِ اعْتَذَرْتَ إِلَيَّ وَبَلَغْتَ إِلَى الْعُذْرِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِنْ لَدُنِّي بِإِدْغَامِ نُونِ لَدُنْ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ لَدُنِ اتَّصَلَتْ بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ أَصْلَ الْأَسْمَاءِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لَمْ تَلْحَقْ نُونُ الْوِقَايَةِ نَحْوُ غُلَامِي وَفَرَسِي، وَأَشَمَّ شُعْبَةُ الضَّمَّ فِي الدَّالِ، وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ سُكُونُ الدَّالِ. قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ غَلَطٌ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَلَيْسَتْ بِغَلَطٍ لِأَنَّ مِنْ لُغَاتِهَا لَدْ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الدَّالِ. وَقَرَأَ عِيسَى عُذْراً بِضَمِّ الذَّالِ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَعَنْ أُبَيٍّ عُذْرِي بِكَسْرِ الرَّاءِ مُضَافًا إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَعَا لِأَحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْ صَبَرَ عَلَى صَاحِبِهِ لَرَأَى الْعَجَبَ» وَلَكِنَّهُ قَالَ فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً. وَالْقَرْيَةُ الَّتِي أَتَيَا أَهْلَهَا إِنْطَاكِيَةُ أَوِ الْأُبُلَّةُ أَوْ بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ وَهِيَ الْجَزِيرَةُ الْخَضْرَاءُ، أَوْ بُرْقَةُ أَوْ أَبُو حَوْرَانَ بِنَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، أَوْ نَاصِرَةُ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ أَوْ قَرْيَةٌ بِأَرْمِينِيَّةَ أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ كَانَتْ قصة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ يَسْتَطْعِمَانِهِمْ وَهَذِهِ عِبْرَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَتَكَرَّرَ لَفْظُ أَهْلَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ عَنِ التَّوْكِيدِ وَهُوَ أَنَّهُمَا حين أتيا أهل القرية لَمْ يَأْتِيَا جَمِيعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إِنَّمَا أَتَيَا بَعْضَهُمْ، فَلَمَّا قَالَ اسْتَطْعَما احْتَمَلَ أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَطْعِمَا إِلَّا ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي أَتَيَاهُ فَجِيءَ بِلَفْظِ أَهْلِهَا لِيَعُمَّ جَمِيعَهُمْ وَأَنَّهُمْ يُتْبِعُونَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا بِالِاسْتِطْعَامِ، وَلَوْ كَانَ التركيب استطعماهم لَكَانَ عَائِدًا عَلَى الْبَعْضِ الْمَأْتِيِّ.

стр. 4177

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُضَيِّفُوهُما بِالتَّشْدِيدِ مِنْ ضَيَّفَ. وَقَرَأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو رَزِينٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ وَأَبَانَ بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ مِنْ أَضَافَ، كَمَا تَقُولُ مَيَّلَ وَأَمَالَ، وَإِسْنَادُ الْإِرَادَةِ إِلَى الْجِدَارِ مِنَ الْمَجَازِ الْبَلِيغِ وَالِاسْتِعَارَةِ الْبَارِعَةِ وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِسْنَادُ أَشْيَاءَ تَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ إِلَى مَا لَا يَعْقِلُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَإِلَى الْجَمَادِ، أَوِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَكَانَ الْعَاقِلِ لَكَانَ صَادِرًا مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ. وَقَدْ أَكْثَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ إِيرَادِ الشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ لَهُ أَدْنَى مُطَالَعَةٍ لِكَلَامِ الْعَرَبِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ فِي ذَلِكَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُحَرِّفِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ كَانَ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْخَضِرِ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ آفَةِ الْجَهْلِ وَسُقْمِ الْفَهْمِ أَرَاهُ أَعْلَى الْكَلَامَ طَبَقَةً أَدْنَاهُ مَنْزِلَةً، فَتَمَحَّلَ لِيَرُدَّهُ إِلَى مَا هُوَ عِنْدَهُ أَصَحُّ وَأَفْصَحُ، وَعِنْدَهُ أَنَّ مَا كَانَ أَبْعَدَ مِنَ الْمَجَازِ أَدْخَلُ فِي الْإِعْجَازِ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُنْكِرُ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ الْأُدَبَاءِ الشُّعَرَاءِ الْفُحُولِ الْمُجِيدِينَ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَنْقَضَّ أَيْ يَسْقُطُ مِنِ انْقِضَاضِ الطَّائِرِ، وَوَزْنُهُ انْفَعَلَ نَحْوُ انْجَرَّ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: مِنَ الْقَضَّةِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ، وَمِنْهُ طَعَامٌ قَضَضٌ إِذَا كَانَ فِيهِ حَصًى، فَعَلَى هَذَا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أَيْ يَتَفَتَّتُ فَيَصِيرُ حَصَاةً انْتَهَى. وَقِيلَ: وَزْنُهُ افْعَلَّ مِنَ النَّقْضِ كَاحْمَرَّ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ يَنْقَضَّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالضَّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنْ نَقَضْتُهُ وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِأَنِ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ اللَّامِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو شَيْخٍ خَيْوَانُ بْنُ خَالِدٍ الْهُنَائِيٌّ وَخُلَيْدُ بْنُ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ يَنْقَاصُ بِالصَّادِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ مَعَ الْأَلِفِ ، وَوَزْنُهُ يَنْفَعِلُ اللَّازِمُ مِنْ قَاصَ يَقِيصُ إِذَا كَسَرْتَهُ تَقُولُ: قَصَيْتُهُ فَانْقَاصَ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَتَقُولُ الْعَرَبُ انْقَاصَتِ السِّنُّ إِذَا انْشَقَّتْ طُولًا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: مُنْقَاصٌ وَمُنْكَثِبُ. وَقِيلَ: إِذَا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كَانَ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ: فراق كقص السَّنِّ فَالصَّبْرَ إِنَّهُ ... لِكُلِّ أناس عشرة وحبور وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: يَنْقَاضُ بِأَلِفٍ وضاد معجمة وهو مِنْ قَوْلِهِمْ: قُضْتُهُ مُعْجَمَةً فَانْقَاضَ أَيْ هَدَمْتُهُ فَانْهَدَمَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَالْمَشْهُورُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِصَادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

стр. 4178

فَأَقامَهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَهْدِمْهُ وَبَنَاهُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ هَدَمَهُ وَقَعَدَ يَبْنِيهِ. وَوَقَعَ هَذَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأيد بقوله لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً لِأَنَّ بِنَاءَهُ بَعْدَ هَدْمِهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَجْرًا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ وَأَقَامَهُ فَقَامَ. وَقِيلَ: أَقَامَهُ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَوَّاهُ بِالشِّيدِ أَيْ لَبَّسَهُ بِهِ وَهُوَ الْجَيَّارُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ وَهَذَا أَلْيَقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانَتِ الْحَالُ حَالَ اضْطِرَارٍ وَافْتِقَارٍ إِلَى المطعم وقد لزتهما الْحَاجَةُ إِلَى آخَرِ كَسْبِ الْمَرْءِ وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ فَلَمْ يَجِدَا مُوَاسِيًا، فَلَمَّا أَقَامَ الْجِدَارَ لَمْ يَتَمَالَكْ مُوسَى لِمَا رَأَى مِنَ الْحِرْمَانِ وَمِسَاسِ الْحَاجَةِ أَنْ قالَ: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وَطَلَبْتَ عَلَى عَمَلِكَ جُعْلًا حَتَّى تَنْتَعِشَ بِهِ وَتَسْتَدْفِعَ الضَّرُورَةَ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلِهِ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُؤَالًا فَفِي ضِمْنِهِ الْإِنْكَارُ لِفِعْلِهِ، وَالْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ أَخْذِ الْأَجْرِ وَفِي ذَلِكَ تَخْطِئَةُ تَرْكِ الْأَجْرِ انْتَهَى. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ بحرية ولتخذت بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ، يُقَالُ تَخِذَ وَاتَّخَذَ نَحْوُ تَبِعَ وَاتَّبَعَ، افْتَعَلَ مِنْ تَخِذَ وَأُدْغِمَ التَّاءُ فِي التَّاءِ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاةِ الْمُطَرَّقِ وَالتَّاءُ أَصْلٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَلَيْسَ مِنَ الْأَخْذِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الِاتِّخَاذُ افْتِعَالٌ مِنَ الْأَخْذِ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا التَّاءَ أَصْلِيَّةً فَقَالُوا فِي الثُّلَاثِيِّ تَخِذَ كَمَا قَالُوا تَقِيَ مِنِ اتَّقَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ لَوْ شِئْتَ أَيْ هَذَا الْإِعْرَاضُ سَبَبُ الْفِرَاقِ بَيْنِي وَبَيْنِكَ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ مِنْ مِيعَادِهِ. أَنَّهُ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُؤَالًا فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُهُ، إِذِ الْمَعْنَى أَلَمْ تَكُنْ تَتَّخِذُ عَلَيْهِ أَجْرًا لِاحْتِيَاجِنَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تُصُوِّرَ فِرَاقٌ بَيْنَهُمَا عِنْدَ حُلُولِ مِيعَادِهِ عَلَى مَا قَالَ مُوسَى ﵇ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي فَأَشَارَ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُ مُبْتَدَأً وَأَخْبَرَ عَنْهُ كَمَا تَقُولُ: هَذَا أَخُوكَ فَلَا يَكُونُ هَذَا إِشَارَةً إِلَى غَيْرِ الْأَخِ انْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ فِراقُ بَيْنِي بِالتَّنْوِينِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِضَافَةِ. وَالْبَيْنُ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّلَاحُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُصْطَحِبَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ مُسْتَعَارٌ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ وَمُسْتَعْمَلٌ اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ، وَتَكْرِيرُهُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ وَعُدُولُهُ عَنْ بَيْنِنَا لِمَعْنَى التَّأْكِيدِ. سَأُنَبِّئُكَ أَيْ سَأُخْبِرُكَ بِتَأْوِيلِ مَا رَأَيْتَ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ، أَيْ بِمَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ فِيمَا كَانَ ظَاهِرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ سَأُنْبِيكَ بِإِخْلَاصِ الْيَاءِ مِنْ

стр. 4179

غَيْرِ هَمْزٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْلُ مُوسَى فِي السَّفِينَةِ وَفِي الْغُلَامِ لِلَّهِ، وَكَانَ قَوْلُهُ فِي الْجِدَارِ لِنَفْسِهِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَكَانَ سَبَبَ الْفِرَاقِ. وَقَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي: هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوسَى مَعَ الْخَضِرِ حُجَّةٌ عَلَى مُوسَى وَإِعْجَالِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ خَرْقَ السَّفِينَةِ نُودِيَ: يَا مُوسَى أَيْنَ كَانَ تَدْبِيرُكَ هَذَا وَأَنْتَ فِي التَّابُوتِ مَطْرُوحًا فِي الْيَمِّ؟ فَلَمَّا أَنْكَرَ قَتْلَ الْغُلَامِ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ إِنْكَارُكَ هَذَا مِنْ وَكْزِ الْقِبْطِيِّ وَقَضَائِكَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا أَنْكَرَ إِقَامَةَ الْجِدَارِ نُودِيَ أَيْنَ هَذَا مِنْ رَفْعِكَ الْحَجَرَ لِبَنَاتِ شُعَيْبٍ دُونَ أُجْرَةٍ؟ سَأُنَبِّئُكَ فِي مَعَانِي هَذَا مَعَكَ وَلَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أُوَضِّحَ لَكَ ما استبهم عليك. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا عَزَمَ الْخَضِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ أَخَذَ بِثِيَابِهِ، وَقَالَ: لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي بم أَبَاحَ لَكَ فِعْلَ مَا فَعَلْتَ، فَلَمَّا الْتَمَسَ ذَلِكَ مِنْهُ أَخَذَ فِي الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ، فَقَالَ: أَمَّا السَّفِينَةُ فَبَدَأَ بِقِصَّةِ مَا وَقَعَ لَهُ أَوَّلًا. قِيلَ: كَانَتْ لِعَشَرَةِ إِخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنَى وَخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ. وَقِيلَ: كَانُوا أُجَرَاءَ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ لِلِاخْتِصَاصِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مَسَاكِينَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ جَمْعُ مِسْكِينٍ. وَقَرَأَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِتَشْدِيدِ السِّينِ جَمْعُ مَسَّاكٍ جَمْعُ تَصْحِيحٍ. فَقِيلَ: الْمَعْنَى مَلَّاحِينَ، وَالْمَسَّاكُ الَّذِي يُمْسِكُ رَجُلَ السَّفِينَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: الْمَسَّاكُونَ دَبَغَةُ الْمُسُوكِ وَهِيَ الْجُلُودُ وَاحِدُهَا مَسْكٌ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّفِينَةَ كَانَتْ لِقَوْمٍ ضُعَفَاءَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَاحْتُجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ الْعَيْشِ كَالسَّفِينَةِ لِهَؤُلَاءِ، وَأَنَّهُ أَصْلَحُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ. وَقَوْلُهُ فَأَرَدْتُ فِيهِ إِسْنَادُ إِرَادَةِ الْعَيْبِ إِلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا لِمَا فِي ذِكْرِ الْعَيْبِ مَا فِيهِ فَلَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى اللَّهِ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مَنْ فَعَلَ الْخَيْرِ أَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 4180

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها مُسَبَّبٌ عَنْ خَوْفِ الْغَصْبِ عَلَيْهَا فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ السَّبَبِ فَلِمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: النِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِلْعِنَايَةِ وَلِأَنَّ خَوْفَ الْغَصْبِ لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ مَعَ كَوْنِهَا لِمَساكِينَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ ظَنِّي مُقِيمٌ. وَقِيلَ فِي قراءة أبي وعبد الله كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ انْتَهَى. وَمَعْنَى أَنْ أَعِيبَها بِخَرْقِهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَراءَهُمْ وَهُوَ لَفْظٌ يُطْلَقُ عَلَى الْخَلْفِ وَعَلَى الْأَمَامِ، وَمَعْنَاهُ هُنَا أَمَامَهُمْ. وَكَذَا قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ. وَكَوْنُ وَراءَهُمْ بِمَعْنَى أَمَامَهُمْ قَوْلُ قَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَالزَّجَّاجِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ وَرَاءَ يَجُوزُ بِمَعْنَى قُدَّامَ، وَجَاءَ فِي التَّنْزِيلِ وَالشِّعْرِ قَالَ تَعَالَى مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ «١» وَقَالَ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ «٢» وَقَالَ وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ «٣» . وَقَالَ لَبِيدٌ: أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... لُزُومُ الْعَصَا يُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ وَقَالَ سَوَّارُ بْنُ الْمُضَرِّبِ السَّعْدِيُّ: أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا وَقَالَ آخَرُ: أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ أَدُبَّ عَلَى الْعَصَا ... فَتَأْمَنَ أَعْدَاءٌ وَتَسْأَمُنِي أَهْلِي وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ وَراءَهُمْ عِنْدِي هُوَ عَلَى بَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِنَّمَا تَجِيءُ يُرَاعَى بِهَا الزَّمَنُ، وَالَّذِي يَأْتِي بَعْدُ هُوَ الْوَرَاءُ وَهُوَ مَا خُلِّفَ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ بَادِيَ الرَّأْيِ، وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَوَاضِعِهَا حَيْثُ وَرَدَتْ تَجِدُهَا تَطَّرِدُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَاهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ وَعَمَلَهُمْ وَسَعْيَهُمْ يَأْتِي بَعْدَهُ فِي الزَّمَنِ غَصْبُ هَذَا الْمَلِكِ، وَمَنْ قَرَأَ أَمَامَهُمْ أَرَادَ فِي الْمَكَانِ أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ إِلَى بَلَدِهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. إِنَّهَا بَيْنَ يَدَيِ الْقُرْآنِ، مُطَّرِدٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي الزَّمَنِ. وَقَوْلُهُ مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ «٤» مُطَّرِدٌ كَمَا قُلْنَا مِنْ مُرَاعَاةِ الزَّمَنِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» يُرِيدُ فِي الْمَكَانِ، وَإِلَّا فَكَوْنُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ أَمَامَ الصَّلَاةِ فِي الزَّمَنِ. وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَإِنَّهَا مُرِيحَةٌ من شغب هذه الْأَلْفَاظِ وَوَقَعَ لِقَتَادَةَ فِي كُتُبِ الطَّبَرِيِّ وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ. قَالَ قَتَادَةُ: أَمَامَهُمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ

стр. 4181

مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَهِيَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَهَذِهِ هي العجة الَّتِي كَانَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ يَضِجُّ مِنْهَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَيَجُوزُ إِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ عَلَى الْغَاصِبِ فَكَانَ وَرَاءَهُمْ حَقِيقَةً انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْكَ هُوَ وَرَاءَكَ، إِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَالدَّهْرِ تَقُولُ: وَرَاءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ جَازَ الْوَجْهَانِ لِأَنَّ الْبَرْدَ إِذَا لَحِقَكَ صَارَ مِنْ وَرَائِكَ، وَكَأَنَّكَ إِذَا بَلَغْتَهُ صَارَ بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: إِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي اللُّغَةِ لِأَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ وَمَا قُدَّامَكَ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ فَقَدْ صَارَ وَرَاءَكَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ عَلَى الِاتِّسَاعِ لِأَنَّهَا جِهَةٌ مُقَابِلَةٌ لِجِهَةٍ فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَرَاءَ الْأُخْرَى إِذَا لَمْ يَرِدْ مَعْنَى الْمُوَاجَهَةِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْأَجْرَامِ الَّتِي لَا وَجْهَ لَهَا مِثْلُ حَجَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَاءَ الْآخَرِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ وَرَاءَ مِنَ الْأَضْدَادِ انْتَهَى. قِيلَ: وَاسْمُ هَذَا الْمَلِكِ هُدَدُ بْنُ بُدَدَ وَكَانَ كَافِرًا. وَقِيلَ: الْجُلَنْدَى مَلِكُ غَسَّانَ، وَقَوْلُهُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فِي هَذَا حَذْفٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى وَكَانَ كَافِرًا وَكَذَا وُجِدَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ وَنَصَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا مَطْبُوعًا عَلَى الْكُفْرِ ، وَيُرَادُ بِأَبَوَيْهِ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ثُنِّيَ تَغْلِيبًا مِنْ بَابِ الْقَمَرَيْنِ فِي الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، وَهِيَ تَثْنِيَةٌ لَا تَنْقَاسُ. وَقَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَالْجَحْدَرِيُّ: فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ، فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ عَلِيٍّ إِنَّ فِي كَانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ لِكَانَ، وَأَجَازَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ عَلِيٍّ إِنَّ فِي كَانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ لِكَانَ، وَأَجَازَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنَانِ عَلَى لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَيَكُونَ مَنْصُوبًا، وَأَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي كَانَ ضَمِيرُ الْغُلَامِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ. فَخَشِينا أَيْ خِفْنَا أَنْ يُغْشِي الْوَالِدَيْنِ الْمُؤْمِنَيْنِ طُغْياناً عَلَيْهِمَا وَكُفْراً لِنِعْمَتِهِمَا بِعُقُوقِهِ وَسُوءِ صَنِيعِهِ، وَيُلْحِقَ بِهِمَا شَرًّا وَبَلَاءً، أَوْ يُقْرَنَ بِإِيمَانِهِمَا طُغْيَانُهُ وَكُفْرُهُ، فَيَجْتَمِعَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُؤْمِنَانِ، وَطَاغٍ كَافِرٌ أَوْ يُعْدِيَهُمَا بِدَائِهِ وَيَضِلَّهُمَا بِضَلَالِهِ فَيَرْتَدَّا بِسَبَبِهِ وَيَطْغَيَا وَيَكْفُرَا بَعْدَ الْإِيمَانِ. وَإِنَّمَا خَشِيَ الْخَضِرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَعَلَا أَعْلَمَهُ بِحَالِهِ وَأَطْلَعَهُ عَلَى سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ كَاخْتِرَامِهِ لِمَفْسَدَةٍ عَرَفَهَا فِي حَيَاتِهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ فَخَافَ رَبُّكَ، وَالْمَعْنَى فَكَرِهَ رَبُّكَ كَرَاهَةَ مَنْ خَافَ سُوءَ عَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَغَيَّرَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ

стр. 4182

فَخَشِينا حِكَايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ بِمَعْنَى فَكَرِهْنَا كَقَوْلِهِ لِأَهَبَ لَكِ «١» قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَفِي قَوْلِهِ كَاخْتِرَامِهِ لِمَفْسَدَةٍ عَرَفَهَا فِي حَيَاتِهِ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَجَلَيْنِ، وَالظَّاهِرُ إِسْنَادُ فِعْلِ الْخَشْيَةِ فِي خَشِينَا إِلَى ضَمِيرِ الْخَضِرِ وَأَصْحَابِهِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ أَهَمَّهُمُ الْأَمْرُ وَتَكَلَّمُوا. وَقِيلَ: هُوَ فِي جِهَةِ اللَّهِ وَعَنْهُ عَبَّرَ الْخَضِرُ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. قَالَ الطبري: ومعناه وقال: معناه فكر هُنَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي تَوْجِيهِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يُدَافِعُهُ أَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ أَيْ عَلَى ظَنِّ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُخَاطَبُ لَوْ عَلِمُوا حَالَهُ لَوَقَعَتْ مِنْهُمْ خَشْيَةُ الرَّهَقِ لِلْوَالِدَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَخَافَ رَبُّكَ، وَهَذَا بَيِّنُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ لَعَلَّ وَعَسَى فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ تَرَجٍّ وَتَوَقُّعٍ وَخَوْفٍ وَخَشْيَةٍ إِنَّمَا هُوَ بِحَسْبِكُمْ أَيُّهَا المخاطبون. ويُرْهِقَهُما مَعْنَاهُ يُجَشِّمُهُمَا وَيُكَلِّفُهُمَا بِشِدَّةٍ، وَالْمَعْنَى أَنْ يُلْقِيَهُمَا حُبُّهُ فِي اتِّبَاعِهِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَحُمَيْدٌ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ جَرِيرٍ أَنْ يُبْدِلَهُما بِالتَّشْدِيدِ هُنَا وَفِي التَّحْرِيمِ وَالْقَلَمِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ، وَالزَّكَاةُ هُنَا الطَّهَارَةُ وَالنَّقَاءُ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ شَرَفِ الْخُلُقِ وَالسَّكِينَةِ، وَالرُّحْمُ وَالرَّحْمَةُ الْعَطْفُ مَصْدَرَانِ كَالْكُثْرِ وَالْكَثْرَةِ، وَأَفْعَلُ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغُلَامَ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَا رَحْمَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَقْرَبَ رُحْماً أَيْ رَحْمَةَ وَالِدَيْهِ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَرْحَمَانِهِ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ عَلَى إِدْرِيسَا ... وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيسَا وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ فِي رِوَايَةٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو حَاتِمٍ رُحْماً بِضَمِّ الْحَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُحْماً بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ. وَقِيلَ الرُّحْمُ مِنَ الرَّحِمِ والقرابة أي أو صل لِلرَّحِمِ. قِيلَ: وَلَدَتْ غُلَامًا مُسْلِمًا. وَقِيلَ: جَارِيَةً تَزَوَّجَهَا نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ. وَقِيلَ: وَلَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا بَعِيدٌ وَلَا تُعْرَفُ كَثْرَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمُ انْتَهَى. وَوَصْفُ الْغُلَامَيْنِ بِالْيُتْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ» أَيْ كَانَا يَتِيمَيْنِ عَلَى مَعْنَى الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا. قِيلَ: وَاسْمُهُمَا أَصْرَمُ وَصُرَيْمٌ، وَاسْمُ أَبِيهِمَا كَاشِحٌ وَاسْمُ أُمِّهِمَا دَهْنَا، وَالظَّاهِرُ فِي الْكَنْزِ أَنَّهُ مَالٌ مَدْفُونٌ جَسِيمٌ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ عِلْمًا في مصحف مَدْفُونَةٍ: وَقِيلَ: لَوْحٌ مِنْ ذهب

стр. 4183

فِيهِ كَلِمَاتُ حِكْمَةٍ وَذِكْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُفَسِّرُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَاهُمَا هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِمَا الَّذِي وَلَدَهُمَا دَنِيَّةً. وَقِيلَ: السَّابِعُ. وَقِيلَ: الْعَاشِرُ وَحِفْظُ هَذَانِ الْغُلَامَانِ بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنِ اللَّهَ يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ فِي ذُرِّيَّتِهِ» . وَانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يُنْصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِأَرَادَ قَالَ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى رَحِمَهُمَا، وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْحَالِ وَكِلَاهُمَا مُتَكَلَّفٌ. وَما فَعَلْتُهُ أَيْ وَمَا فَعَلْتُ مَا رَأَيْتَ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنِّي وَرَأْيٍ، وَإِنَّمَا فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ أوحي إليه. وتَسْطِعْ مُضَارِعُ اسْطَاعَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ مَا أَسْتَطِيعُ وَمَا أَسْطِيعُ وَمَا أَسْتَتِيعُ وَأَسْتِيعُ أَرْبَعُ لُغَاتٍ، وَأَصْلُ اسْطَاعَ اسْتَطَاعَ عَلَى وَزْنِ اسْتَفْعَلَ، فَالْمَحْذُوفُ فِي اسْطَاعَ تَاءُ الِافْتِعَالِ لِوُجُودِ الطَّاءِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ هِيَ الطَّاءُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ طَاءً، وَأَمَّا أَسْتَتِيعُ فَفِيهِ أَنَّهُمْ أَبْدَلُوا مِنَ الطَّاءِ تَاءً، وَيَنْبَغِي فِي تَسْتِيعُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ تَاءَ الِافْتِعَالِ كَمَا فِي تَسْطِيعُ. وَفِي كِتَابِ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ مَا نَصُّهُ: تَعَلَّقَ بَعْضُ الْجُهَّالِ بِمَا جَرَى لِمُوسَى مَعَ الْخَضِرِ ﵉ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى وَطَرَدُوا الْحُكْمَ، وَقَالُوا: قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَ مِنْ آحَادِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ أَبِي يَزِيدَ خُضْتُ بَحْرًا وَقَفَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى سَاحِلِهِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ثَمَرَاتِ الرُّعُونَةِ وَالظِّنَّةِ بِالنَّفْسِ انْتَهَى. وَهَكَذَا سَمِعْنَا مَنْ يَحْكِي هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَنْ بَعْضِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ وَهُوَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الطَّائِيُّ الْحَاتِمِيُّ صَاحِبُ الْفُتُوحِ الْمَكِّيَّةِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِالْقُبُوحِ الْهَلَكِيَّةِ وَأَنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَلِيَّ خَيْرٌ مِنَ النَّبِيِّ قَالَ: لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَالنَّبِيُّ يَأْخُذُ بِوَاسِطَةٍ عَنِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ قَاعِدٌ فِي الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالنَّبِيُّ مُرْسَلٌ إِلَى قَوْمٍ، وَمَنْ كَانَ فِي الْحَضْرَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ يُرْسِلُهُ صَاحِبُ الْحَضْرَةِ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْكُفْرِيَّاتِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَقَدْ كَثُرَ مُعَظِّمُو هَذَا الرَّجُلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ غُلَاةِ الزَّنَادِقَةِ الْقَائِلَةِ بِالْوَحْدَةِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَ في أدياننا وأبداننا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ١١٠] وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لَا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)

стр. 4184

السَّدُّ الْحَاجِزُ وَالْحَائِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَيُقَالُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ. الرَّدْمُ: السَّدُّ. وَقِيلَ: الرَّدْمُ أَكْبَرُ مِنَ السَّدِّ لِأَنَّ الرَّدْمَ مَا جُعِلَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، يُقَالُ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ إِذَا كَانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ. وَقِيلَ: سَدَّ الْخَلَلَ، قَالَ عَنْتَرَةُ: هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَيْ خَلَلٌ فِي الْمَعَانِي فَيَسُدُّ رَدْمًا. الزُّبْرَةُ: الْقِطْعَةُ وَأَصْلُهُ الِاجْتِمَاعُ، وَمِنْهُ زُبْرَةُ الْأَسَدِ لِمَا اجْتَمَعَ عَلَى كَاهِلِهِ مِنَ الشَّعْرِ، وَزَبَرْتُ الْكِتَابَ جَمَعْتُ حُرُوفَهُ. الصَّدَفَانِ جَانِبَا الْجَبَلِ إِذَا تَحَاذَيَا لِتَقَارُبِهِمَا أَوْ لِتَلَاقِيهِمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَيُقَالُ: صُدُفٌ بِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِهِمَا وَبِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَعَكْسِهِ. قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: وَفَتْحُهُمَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَضَمُّهُمَا لُغَةُ حِمْيَرَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفُ كُلُّ بِنَاءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. الْقِطْرُ النُّحَاسُ الْمُذَابُ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: الْحَدِيدُ الْمُذَابُ. وَقِيلَ: الرَّصَاصُ الْمُذَابُ. النَّقْبُ مَصْدَرُ نَقَبَ أَيْ حَفَرَ وَقَطَعَ. الْغِطَاءُ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ أَغْطِيَةٌ، وَهُوَ مِنْ غَطَّى إِذَا سَتَرَ. الْفِرْدَوْسُ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ الْكَرْمُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ بُسْتَانٍ يُحَوَّطُ عليه فهو فردوس. وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً. الضَّمِيرُ فِي وَيَسْئَلُونَكَ عَائِدٌ عَلَى قُرَيْشٍ أَوْ عَلَى الْيَهُودِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ السَّائِلِينَ قُرَيْشٌ حِينَ دَسَّتْهَا الْيَهُودُ عَلَى سُؤَالِهِ عَنِ الرُّوحِ، وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَفِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ لِيَقَعَ امْتِحَانُهُ بِذَلِكَ. وَذُو الْقَرْنَيْنِ هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ الْيُونَانِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ رُومِيٌّ وَهَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ صَالِحٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَوْلَانِ. وَقِيلَ: كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا غَرِيبٌ. قِيلَ: مَلَكَ الدُّنْيَا مُؤْمِنَانِ سُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَكَافِرَانِ نُمْرُوذُ وَبُخْتُ نَصَّرَ، وَكَانَ بَعْدَ نُمْرُوذَ. وَعَنْ عَلِيٍّ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا لَيْسَ بِمَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ ضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الْأَيْمَنِ فَمَاتَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الْأَيْسَرِ فَمَاتَ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ. وَقِيلَ: طَافَ قَرْنَيِ الدُّنْيَا يَعْنِي جَانِبَيْهَا شَرْقَهَا وَغَرْبَهَا. وَقِيلَ: كَانَ لَهُ قَرْنَانِ أَيْ ضَفِيرَتَانِ.

стр. 4185

وَقِيلَ: انْقَرَضَ فِي وَقْتِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ. وَعَنْ وَهْبٍ لِأَنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ وَفَارِسَ وَرُوِيَ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَعَنْهُ كَانَتْ صَفِيحَتَا رَأْسِهِ مِنْ نُحَاسٍ. وَقِيلَ: كَانَ لِتَاجِهِ قَرْنَانِ. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى رَأْسِهِ مَا يُشْبِهُ الْقَرْنَيْنِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ لِشَجَاعَتِهِ كَمَا يُسَمَّى الشُّجَاعُ كَبْشًا كَأَنَّهُ يَنْطَحُ أَقْرَانَهُ، وَكَانَ مِنَ الرُّومِ وَلَدٌ عَجُوزٌ لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ غَيْرُهُ انْتَهَى. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَسْمِيَتِهِ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ. وَقَالَ أبو الريحان البيروتي الْمُنَجِّمُ صَاحِبُ كِتَابِ الْآثَارِ الْبَاقِيَةِ عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ: هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سُمَيِّ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ إِفْرِيقِسَ الْحِمْيَرِيُّ، بَلَغَ مُلْكُهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وَهُوَ الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ مِنْ حِمْيَرَ حَيْثُ قَالَ: قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَبْلِيَ مُسْلِمًا ... مَلِكًا عَلَا فِي الْأَرْضِ غَيْرَ مُبَعَّدِ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي ... أَسْبَابَ مُلْكٍ مِنْ كَرِيمٍ سَيِّدِ قَالَ أَبُو الرَّيْحَانِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبَ لِأَنَّ الْأَذْوَاءَ كَانُوا مِنَ الْيَمَنِ وَهُمُ الَّذِينَ لَا تَخْلُو أَسْمَاؤُهُمْ مِنْ ذِي كَذِي الْمَنَارِ، وَذِي يَوَاسَ انْتَهَى. وَالشِّعْرُ الَّذِي أَنْشَدَهُ نُسِبَ أَيْضًا إِلَى تُبَّعٍ الْحِمْيَرِيِّ وَهُوَ: قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ. وَعَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَيَّاشٌ. وَعَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ هُوَ الصَّعْبُ بْنُ جَابِرِ بْنِ الْقَلَمَّسِ. وَقِيلَ: مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْزَبَةَ الْيُونَانِيُّ مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ. وَعَنْ عَلِيٍّ هُوَ مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ: كَانَ بَعْدَ ثَمُودٍ وَكَانَ عُمْرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ وَسِتَّمِائَةٍ. وَعَنْ وَهْبٍ: كَانَ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ. وَالْخِطَابُ فِي عَلَيْكُمْ لِلسَّائِلِينَ إِمَّا الْيَهُودُ وَإِمَّا قُرَيْشٌ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَبَقَ فِي السَّائِلِينَ. وَقَوْلُهُ ذِكْراً يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قُرْآنًا وَأَنْ يُرِيدَ حَدِيثًا وَخَيْرًا، وَالتَّمْكِينُ الَّذِي لَهُ فِي الْأَرْضِ كَوْنُهُ مَلَكَ الدُّنْيَا وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ كُلُّهَا. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسَمَّى بِذِي الْقَرْنَيْنِ بَلَغَ مُلْكُهُ إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ وَإِلَى أَقْصَى الْمَشْرِقِ وَإِلَى أَقْصَى الشَّمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قَوْمٌ مِنَ التُّرْكِ يَسْكُنُونَ فِي أَقْصَى الشَّمَالِ، وَهَذَا الَّذِي بَلَغَهُ مُلْكُ هَذَا الرَّجُلِ هُوَ نِهَايَةُ الْمَعْمُورِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمِثْلُ هَذَا الْمَلِكِ الْبَسِيطِ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَاتِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ

стр. 4186

يَبْقَى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَفِيًا، وَالْمَلِكُ الَّذِي اسْمُهُ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ أَنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَيْسَ إِلَّا الْإِسْكَنْدَرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ جَمَعَ مُلْكَ الرُّومِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعَ طَوَائِفَ ثُمَّ قَصَدَ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَقَهَرَهُمْ وَأَمْعَنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَبَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَسَمَّاهَا بِاسْمِ نَفْسِهِ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ وَقَصَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَوَرَدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَذَبَّحَ فِي مَذْبَحِهِ ثُمَّ عَطَفَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ وَدَانَ لَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقِبْطُ وَالْبَرْبَرُ، ثُمَّ نَحْوِ دَارِ ابْنِ دَارَا وَهَزَمَهُ مَرَّاتٍ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ صَاحِبُ حَرْبِهِ، وَاسْتَوْلَى الْإِسْكَنْدَرُ عَلَى مَمَالِكِ الْفُرْسِ وَقَصَدَ الْهِنْدَ وَالصِّينَ وَغَزَا الْأُمَمَ الْبَعِيدَةَ وَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ وَبَنَى الْمُدُنَ الْكَثِيرَةَ وَرَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ وَمَرِضَ بشهر زور وَمَاتَ بِهَا. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الَّذِينَ مَلَكُوا الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ مُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَثَبَتَ فِي عِلْمِ التَّوَارِيخِ أَنَّ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ مَا كَانَ إِلَّا الْإِسْكَنْدَرَ فَوَجَبَ الْقَطْعُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلَفُوسَ الْيُونَانِيُّ. وَقِيلَ تَمْكِينُهُ فِي الْأَرْضِ بِالنُّبُوَّةِ وَإِجْرَاءِ الْمُعْجِزَاتِ. وَقِيلَ: تَمْكِينُهُ بِأَنْ سَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ وَحَمَلَهُ عَلَيْهَا وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءً. وَقِيلَ: بِكَثْرَةِ أَعْوَانِهِ وَجُنُودِهِ وَالْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ وَقَذْفِ الرُّعْبِ فِي أَعْدَائِهِ وَتَسْهِيلِ السَّيْرِ عَلَيْهِ وَتَعْرِيفِهِ فِجَاجَ الْأَرْضِ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى بَرِّهَا وَبَحْرِهَا. وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْوُصُولِ إِلَى أَغْرَاضِهِ سَبَباً أَيْ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَيْهِ، وَالسَّبَبُ مَا يتوصل به إني الْمَقْصُودِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ آلَةٍ، فَأَرَادَ بُلُوغَ الْمَغْرِبِ فَأَتْبَعَ سَبَباً يُوَصِّلُهُ إِلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ الْمَشْرِقَ فَأَتْبَعَ سَبَباً وَأَرَادَ بُلُوغَ السَّدَّيْنِ فَأَتْبَعَ سَبَباً وَأَصْلُ السَّبَبِ الْحَبْلُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتَّى صَارَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْكُوفِيُّونَ وَابْنُ عَامِرٍ فَأَتْبَعَ ثَلَاثَتُهَا بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَعَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ وَأَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُجِدِّ الْمُسْرِعِ الْحَثِيثِ الطَّلَبِ، وَبِوَصْلِهَا إِنَّمَا يَتَضَمَّنُ الِاقْتِفَاءَ دُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَطَلْحَةُ بن عبيد الله وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِي وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةُ وَالْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ حَامِيَةٍ بِالْيَاءِ أَيْ حَارَّةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَبَاقِي السَّبْعَةِ وَشَيْبَةُ وَحُمَيْدٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَيَعْقُوبُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيُّ حَمِئَةٍ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَالزُّهْرِيُّ يُلَيِّنُهَا، يُقَالُ حَمِئَتِ الْبِئْرُ تَحْمَأُ حَمَأً فَهِيَ حَمِئَةٌ، وَحَمَأْتُهَا

стр. 4187

نَزَعْتُ حَمْأَتَهَا وَأَحْمَأْتُهَا أَبْقَيْتُ فِيهَا الْحَمْأَةَ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْحَامِيَةِ وَالْحَمِئَةِ إِذْ تَكُونُ الْعَيْنُ جَامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَقَدْ تُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَامِيَةٌ مَهْمُوزَةً بِمَعْنَى ذَاتِ حَمْأَةٍ فَتَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ يَعْنِي أَنَّهُ سُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ بِإِبْدَالِهَا يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، وَفِي التَّوْرَاةِ تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. وَقَالَ تُبَّعٌ: فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ... فِي عَيْنِ ذِي خِلْبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ أَيْ فِي عَيْنِ مَاءٍ ذِي طِينٍ وَحُمٍّ أَسْوَدَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَقَالَ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ يَا أَبَا ذَرٍّ؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «إِنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَظَاهِرُ النَّصِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي عَيْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَغْرُبُ لَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ فِيهَا أَيْ هِيَ آخِرُ الْأَرْضِ، وَمَعْنَى تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ أَيْ فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ لَا أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ كَمَا نُشَاهِدُهَا فِي الْأَرْضِ الْمَلْسَاءِ كَأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعَيْنُ مِنَ الْبَحْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ تَغِيبُ وَرَاءَهَا، وَزَعَمَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ فِي بِمَعْنَى عِنْدَ أَيْ تَغْرُبُ عِنْدَ عَيْنٍ. وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً أَيْ عِنْدَ تِلْكَ الْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ السَّائِبِ: مُؤْمِنِينَ وَكَافِرِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَفَرَةٌ لِبَاسُهُمْ جُلُودُ السِّبَاعِ وَطَعَامُهُمْ مَا أَحْرَقَتْهُ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوَابِّ، وَمَا لَفِظَتْهُ الْعَيْنُ مِنَ الْحُوتِ إِذَا غَرَبَتْ. وَقَالَ وَهْبٌ: انْطَلَقَ يَؤُمُّ الْمَغْرِبَ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى بَاسَكَ فَوَجَدَ جَمْعًا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، فَضَرَبَ حَوْلَهُمْ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ حَتَّى جَمَعَهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي النُّورِ وَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: هُمْ أَهْلُ حَابُوسَ وَيُقَالُ لَهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ جِرْجِيسَا يَسْكُنُهَا قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ ثَمُودَ. بَقِيَّتُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِصَالِحٍ ﵇. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ قُلْنا أَنَّهُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ مَلِكٍ. وَقِيلَ: كَلَّمَهُ كِفَاحًا مِنْ غَيْرِ رَسُولٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ نَبِيًّا وَيَبْعُدُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَوِّلِينَ أَنَّهُ إِلْهَامٌ وَإِلْقَاءٌ فِي رَوْعِهِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّخْيِيرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوَحْيٍ إِذِ التَّكَالِيفُ وَإِزْهَاقُ النُّفُوسِ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْإِلْهَامِ إِلَّا بِالْإِعْلَامِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: الْمَعْنَى قُلْنا يَا محمد قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ثُمَّ حُذِفَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَيُخَاطِبَهُ اللَّهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ الَّذِي فِي قَالُوا. الْمَحْذُوفَةِ يَعُودُ عَلَى جُنْدِهِ وَعَسْكَرِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ.

стр. 4188

وَقَوْلُهُ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْكُفْرِ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً أَيْ بِالْحَمْلِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْهُدَى، إِمَّا أَنْ تَكْفُرَ فَتُعَذَّبَ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنَ فَعُبِّرَ فِي التَّخْيِيرِ بِالْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اتِّخَاذُ الْحُسْنِ هُوَ أَسْرُهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ يَعْنِي أَنَّهُ خُيِّرَ مَعَ كُفْرِهِمْ بَيْنَ قَتْلِهِمْ وَبَيْنَ أَسْرِهِمْ، وَتَفْصِيلُ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ وأَمَّا مَنْ آمَنَ يَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ وَلَمَّا خَيَّرَهُ تَعَالَى بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ اخْتَارَ الدَّعْوَةَ وَالِاجْتِهَادَ فِي اسْتِمَالَتِهِمْ. فَقَالَ: أَمَّا مَنْ دَعْوَتَهُ فَأَبَى إِلَّا الْبَقَاءَ عَلَى الظُّلْمِ وَهُوَ الْكُفْرُ هُنَا بِلَا خِلَافٍ فَذَلِكَ هُوَ الْمُعَذَّبُ فِي الدَّارَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى. وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ فِي فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ لِمَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ إِظْهَارِهِ كُفْرَهُ وَبَيْنَ تَعْذِيبِهِ مِنْ دُعَائِهِ إِلَى الْإِيمَانِ وَتَأَبِّيهِ عَنْهُ، فَهُوَ لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْقَتْلِ عَلَى ظُلْمِهِمْ بَلْ يَدْعُوهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ فَإِنْ رَجَعُوا وَإِلَّا فَالْقَتْلُ. وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَتَى بِنُونِ الْعَظَمَةِ فِي نُعَذِّبُهُ عَلَى عَادَةِ الْمُلُوكِ فِي قَوْلِهِمْ نَحْنُ فَعَلْنَا. وَقَوْلُهُ إِلى رَبِّهِ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّرْكِيبُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَيْكَ فَتُعَذِّبُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ التَّخْيِيرُ مِنَ اللَّهِ وَيَكُونُ قَدْ أَعْلَمَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِذَلِكَ أَتْبَاعَهُ ثُمَّ فَصَّلَ مُخَاطِبًا لِأَتْبَاعِهِ لَا لِرَبِّهِ تَعَالَى، وَمَا أَحْسَنَ مَجِيءُ هَذِهِ الْجُمَلِ لَمَّا ذَكَرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ظُلْمٍ بَدَأَ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ لَهُمْ وَمَحْسُوسٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا يَلْحَقُهُ آخِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ تَعْذِيبُ اللَّهِ إِيَّاهُ الْعَذَابَ النُّكُرَ وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ الْوَاقِعَ هُوَ كَذَا وَلَمَّا ذكر ما يستحقه مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ذَكَرَ جَزَاءَ اللَّهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحُسْنى أَيِ الْجَنَّةُ لِأَنَّ طَمَعَ الْمُؤْمِنِ فِي الْآخِرَةِ وَرَجَاءَهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى أَنْ آمَنَ لِأَجْلِ جَزَائِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ عَظِيمٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِحْسَانِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِإِحْسَانِهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أَيْ لَا نَقُولُ لَهُ مَا يَتَكَلَّفُهُ مِمَّا هُوَ شَاقٌّ عَلَيْهِ أَيْ قَوْلًا ذَا يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ كَمَا قَالَ قَوْلًا مَيْسُورًا. وَلَمَّا ذَكَرَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْحُسْنَى جَزَاءً لَمْ يُنَاسِبْ أَنْ يَذْكُرَ جَزَاءَهُ بِالْفِعْلِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهِ فِعْلًا وَقَوْلًا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَأَبُو بَحْرِيَّةَ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَابْنُ مُنَاذِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ سَعْدَانَ وَابْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فَلَهُ جَزاءً بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ وَانْتَصَبَ جَزاءً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُجَازًى كَقَوْلِكَ فِي الدَّارِ قَائِمًا زَيْدٌ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا لَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَكَلَّمُ بِهِ

стр. 4189

مُقَدَّمًا إِلَّا فِي الشِّعْرِ. وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ يَجْزِي جَزاءً. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَمَنْصُوبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْحُسْنَى عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ الْجَنَّةُ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ جَزاءً الْحُسْنى بِرَفْعِ جَزاءً مُضَافًا إِلَى الْحُسْنى. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ جَزَاءُ الْخِلَالِ الْحَسَنَةِ الَّتِي أَتَاهَا وَعَمِلَهَا أَوْ يُرَادُ بِالْحُسْنَى الْحَسَنَةُ وَالْجَنَّةُ هِيَ الْجَزَاءُ، وَأَضَافَ كَمَا قَالَ دَارَ الآخرة وجَزاءً مُبْتَدَأٌ وَلَهُ خَبَرُهُ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي إِسْحَاقَ فَلَهُ جَزاءً مَرْفُوعٌ وهو مبتدأ وخبر والْحُسْنى بَدَلٌ مِنْ جَزاءً. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ جَزاءً نُصِبَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ الْحُسْنى بِالْإِضَافَةِ، وَيُخَرَّجُ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأُ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ فَلَهُ الْجَزَاءُ جَزاءً الْحُسْنى وَخَرَّجَهُ الْمَهْدَوِيُّ عَلَى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ يُسْراً بِضَمِّ السِّينِ حَيْثُ وَقَعَ. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أَيْ طَرِيقًا إِلَى مَقْصِدِهِ الَّذِي يُسِّرَ لَهُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَطْلِعَ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَهْلِ مكة وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا وَهُوَ سَمَاعٌ فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ، وَقِيَاسُ كَسْرِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هَذِهِ لُغَةٌ مَاتَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، يَعْنِي ذَهَبَ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْعَرَبِ تَطْلِعُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَبَقِيَ مَطْلِعَ بِكَسْرِهَا فِي اسْمِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ، وَالْقَوْمُ هُنَا الزِّنْجُ. وَقَالَ قَتَادَةُ هُمُ الْهُنُودُ وَمَا وَرَاءَهُمْ. وَالسِّتْرُ الْبُنْيَانُ أَوِ الثِّيَابُ أَوِ الشَّجَرُ وَالْجِبَالُ أَقْوَالٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا شَيْءَ لَهُمْ يَسْتُرُهُمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ. وَقِيلَ: تَنْفُذُ الشَّمْسُ سُقُوفَهُمْ وَثِيَابَهُمْ فَتَصِلُ إِلَى أَجْسَامِهِمْ. فَقِيلَ: إِذَا طَلَعَتْ نَزَلُوا الْمَاءَ حَتَّى يَنْكَسِرَ حَرُّهَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَقِيلَ: يَدْخُلُونَ أَسْرَابًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: السُّودَانُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ بَلِيغَةٌ عَنْ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْهُمْ، وَفِعْلُهَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ فِيهِمْ وَنَيْلُهَا مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ أَسْرَابٌ لَكَانَ سِتْرًا كَثِيفًا انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ: بِالزِّنْجِ حَرٌّ غَيَّرَ الْأَجْسَادَا ... حَتَّى كسى جُلُودَهَا سَوَادَا وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قُوَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ عِنْدَهُمْ وَاسْتِمْرَارِهَا. كَذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْبُلُوغِ أَيْ كَمَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلَعَهَا. وَقِيلَ أَتْبَعَ سَبَباً كَمَا أَتْبَعَ سَبَباً. وَقِيلَ: كَمَا وَجَدَ أُولَئِكَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وَحَكَمَ فِيهِمْ كَذَلِكَ وَجَدَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَحَكَمَ فِيهِمْ. وَقِيلَ: كَذَلِكَ أَمَرَهُمْ كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: تَطْلُعُ طُلُوعُهَا مِثْلُ غُرُوبِهَا. وَقِيلَ:

стр. 4190

لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً كَذلِكَ أَيْ مِثْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَجَدَهُمْ فِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ كَفَرَةٌ مِثْلُهُمْ، وَحُكْمُهُمْ مِثْلُ حُكْمِهِمْ فِي التَّعْذِيبِ لِمَنْ بَقِيَ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِحْسَانِ لِمَنْ آمَنَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذلِكَ أَيْ أَمْرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا وَصَفْنَاهُ تَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ. وَقِيلَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً مِثْلَ ذَلِكَ السِّتْرِ الَّذِي جَعَلْنَا لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ وَالْحُصُونِ وَالْأَبْنِيَةِ وَالْأَكْنَانِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَالثِّيَابِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذلِكَ مَعْنَاهُ فَعَلَ مَعَهُمْ كَفِعْلِهِ مَعَ الْأَوَّلِينَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَأَخْبَرَ بِقَوْلِهِ كَذلِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ إِحَاطَتِهِ بِجَمِيعِ مَا لَدَى ذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذلِكَ اسْتِئْنَافَ قَوْلٍ وَلَا يَكُونُ رَاجِعًا عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَتَأَمَّلْهُ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ انتهى. وَإِذَا كَانَ مُسْتَأْنَفًا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ يُتِمُّ بِهِ كَلَامًا. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. سَبَباً أَيْ طَرِيقًا أَوْ مَسِيرًا مُوَصِّلًا إِلَى الشَّمَالِ فَإِنَّ السَّدَّيْنِ هُنَاكَ. قَالَ وَهْبٌ: السَّدَّانِ جَبَلَانِ مَنِيفَانِ فِي السَّمَاءِ مِنْ وَرَائِهِمَا وَمِنْ أَمَامِهِمَا الْبُلْدَانُ، وَهُمَا بِمُنْقَطَعِ أَرْضِ التُّرْكِ مِمَّا يَلِي أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ. وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُمَا جَبَلَانِ مِنْ وَرَاءِ بِلَادِ التُّرْكِ. وَقِيلَ: هُمَا جَبَلَانِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ لَيِّنَانِ أَمْلَسَانِ، يُزْلَقُ عَلَيْهِمَا كُلُّ شَيْءٍ، وَسُمِّيَ الْجَبَلَانِ سَدَّيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَدَّ فِجَاجَ الْأَرْضِ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا فَجْوَةٌ كَانَ يَدْخُلُ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَحَفْصٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بَيْنَ السَّدَّيْنِ بِفَتْحِ السِّينِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّهَا. قَالَ الْكِسَائِيُّ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: بِالضَّمِّ الِاسْمُ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كَانَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يُشَارِكْ فِيهِ أَحَدٌ فَهُوَ بِالضَّمِّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ فَبِالْفَتْحِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي

стр. 4191

إِسْحَاقَ مَا رَأَتْ عَيْنَاكَ فَبِالضَّمِّ، وَمَا لَا يُرَى فَبِالْفَتْحِ. وَانْتَصَبَ بَيْنَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ يبلغ كَمَا ارْتَفَعَ فِي لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «١» وَانْجَرَّ بِالْإِضَافَةِ فِي هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ «٢» وبين مِنَ الظُّرُوفِ الْمُتَصَرِّفَةِ مَا لَمْ تُرَكَّبْ مَعَ أُخْرَى مِثْلِهَا، نَحْوُ قَوْلِهِمْ هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ. مِنْ دُونِهِما من دون السدين وقَوْماً يَعْنِي مِنَ الْبَشَرِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمُ التُّرْكُ انْتَهَى. وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ جَانٌّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا الْمَكَانُ فِي مُنْقَطَعِ أَرْضِ التُّرْكِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ، وَنَفَى مُقَارَنَةَ فِقْهِهِمْ قَوْلًا وَتَضَمَّنَ نَفْيَ فِقْهِهِمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا يَكَادُونَ يَفْهَمُونَهُ إِلَّا بِجُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ كَأَنَّهُ فَهْمٌ مِنْ نَفْيٍ يَكَادُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُمُ الْفَهْمُ بَعْدَ عُسْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ إِنَّ نَفْيَهَا إِثْبَاتٌ وَإِثْبَاتَهَا نَفْيٌ، وَلَيْسَ بِالْمُخْتَارِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَخَلَفٌ وَابْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَفْقَهُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ يُفْهِمُونَ السَّامِعَ كَلَامَهُمْ، وَلَا يُبَيِّنُونَهُ لِأَنَّ لُغَتَهُمْ غَرِيبَةٌ مَجْهُولَةٌ. وَالضَّمِيرُ فِي قالُوا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ شَكَوْا مَا يَلْقَوْنَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ إِذْ رَجَوْا عِنْدَهُ مَا يَنْفَعُهُمْ لِكَوْنِهِ مَلَكَ الْأَرْضَ وَدَوَّخَ الْمُلُوكَ وَبَلَغَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَمْ يَبْلُغْ أَرْضَهُمْ ملك قبله، ويَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبِيلَتَانِ. وَقِيلَ: هُمَا مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. وَقِيلَ: يَأْجُوجَ مِنَ التُّرْكِ وَمَأْجُوجَ مِنَ الْجِيلِ وَالدَّيْلَمِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: التُّرْكُ شر ذمة مِنْهُمْ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ فَبَقِيَتْ فِي هَذَا الْجَانِبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: بُنِيَ السد على أحد وَعِشْرِينَ قَبِيلَةً، وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ قَبِيلَةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ السَّدِّ فَهُمُ التُّرْكُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَهُمَا مَمْنُوعَا الصَّرْفِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا أَعْجَمِيَّانِ فَلِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ فَلِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ لِأَنَّهُمَا اسْمَا قَبِيلَتَيْنِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنْ جَعَلْنَا أَلِفَهُمَا أَصْلِيَّةً فَيَأْجُوجُ يَفْعُولُ وَمَأْجُوجُ مَفْعُولُ، كَأَنَّهُ مِنْ أَجِيجِ النَّارِ وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْهُمَا جَعَلَهَا زَائِدَةً فَيَأْجُوجُ مِنْ يَجَجَتْ، وَمَأْجُوجُ مِنْ مَجَجَتْ. وَقَالَ قُطْرُبٌ فِي غَيْرِ الْهَمْزِ مَأْجُوجُ فَاعُولُ مِنَ الْمَجِّ، وَيَأْجُوجُ فَاعُولُ مِنْ يَجَّ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ السَّخَاوِيُّ أَحَدُ شُيُوخِنَا: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ، وَتَرْكُ الْهَمْزِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَهُوَ إِمَّا مِنَ الْأَجَّةِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ

стр. 4192

فِي بَعْضٍ «١» أَوْ مِنَ الْأَجِّ وَهُوَ سُرْعَةُ الْعَدْوِ، قَالَ تَعَالَى وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ «٢» وَقَالَ الشَّاعِرُ: يَؤُجُّ كَمَا أَجَّ الظَّلِيمُ الْمُنَفِّرُ أَوْ مِنَ الْأَجَّةِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ، أَوْ مِنْ أَجَّ الْمَاءُ يَئِجُّ أُجُوجًا إِذَا كَانَ مِلْحًا مُرًّا انْتَهَى. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَيَعْقُوبُ فِي رِوَايَةٍ بِالْهَمْزِ وَفِي يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَكَذَا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَفِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ. قِيلَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا اللُّغَةُ الغربية الْمَحْكِيَّةُ عَنِ الْعَجَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَهْمِزُ الْعَأْلَمَ وَالْخَأْتَمَ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِأَلِفٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ وَهِيَ لُغَةُ كُلِّ الْعَرَبِ غَيْرَ بَنِي أَسَدٍ. وَقَرَأَ الْعَجَّاجُ وَرُؤْبَةُ ابْنُهُ: آجُوجُ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْيَاءِ. وَإِفْسَادُهُمُ الظَّاهِرُ تَحَقُّقُ الْإِفْسَادِ مِنْهُمْ لَا تَوَقُّعُهُ لأنها شكت من ضررنا لها. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِفْسَادُهُمْ أَكْلُ بَنِي آدَمَ. وَقِيلَ: هُوَ الظُّلْمُ وَالْقَتْلُ وَوُجُوهُ الْإِفْسَادِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْبَشَرِ. وَقِيلَ: كَانُوا يَخْرُجُونَ أَيَّامَ الرَّبِيعِ فَلَا يَتْرُكُونَ شَيْئًا أَخْضَرَ إِلَّا أَكَلُوهُ، وَلَا يَابِسًا إِلَّا احْتَمَلُوهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلَاحَ. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً اسْتِدْعَاءٌ مِنْهُمْ قَبُولَ مَا يَبْذُلُونَهُ مِمَّا يُعِينُهُ عَلَى مَا طَلَبُوا عَلَى جِهَةِ حُسْنِ الْأَدَبِ إِذْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ كَقَوْلِ مُوسَى لِلْخَضِرِ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ «٣» . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وخلف وابن سعدان وابن عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيُّ وَمِنَ السَّبْعَةِ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ خَرَاجًا بِأَلِفٍ هُنَا، وَفِي حَرْفَيْ قَدْ أَفْلَحَ وَسَكَّنَ ابْنُ عَامِرٍ الرَّاءَ فِيهَا. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ خَرْجاً فِيهِمَا بِسُكُونِ الرَّاءِ فَخَرَاجٌ بِالْأَلِفِ وَالْخَرْجُ وَالْخَرَاجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالنَّوْلِ وَالنَّوَالِ، وَالْمَعْنَى جُعْلًا نُخْرِجُهُ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَكُلُّ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ ضَرِيبَةٍ وَجِزْيَةٍ وَغَلَّةٍ فَهُوَ خَرَاجٌ وَخَرْجٌ. وَقِيلَ: الْخَرْجُ الْمَصْدَرُ أُطْلِقَ عَلَى الْخَرَاجِ، وَالْخَرَاجُ الِاسْمُ لِمَا يُخْرَجُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الخرج على الرؤوس يُقَالُ: أَدِّ خَرْجَ رَأْسِكَ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْخَرْجُ أَخَصُّ وَالْخَرَاجُ أَعَمُّ. وَقِيلَ: الْخَرْجُ الْمَالُ يُخْرَجُ مَرَّةً وَالْخَرَاجُ الْمُجْبَى الْمُتَكَرِّرُ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ أَمْوَالًا يُقِيمُ بِهَا أَمْرَ السَّدِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ خَرَاجًا أَجْرًا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ سَدًّا بِضَمِّ السِّينِ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَيَعْقُوبُ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَبَاقِي السبعة بفتحها

стр. 4193

قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أَيْ مَا بَسَطَ اللَّهُ لِي مِنَ الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ خَيْرٌ مِنْ خَرْجِكُمْ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَيْ بِمَا أَتَقَوَّى بِهِ مِنْ فَعَلَةٍ وَصُنَّاعٍ يُحْسِنُونَ الْعَمَلَ وَالْبِنَاءَ قَالَهُ مُقَاتِلٌ، وَبِالْآلَاتِ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ رَدْماً حَاجِزًا حَصِينًا مُوَثَّقًا. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحُمَيْدٌ: مَا مَكَّنَنِي بِنُونَيْنِ مُتَحَرِّكَتَيْنِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِإِدْغَامِ نُونِ مَكَّنَ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ. ثُمَّ فُسِّرَ الْإِعَانَةُ بِالْقُوَّةِ فَقَالَ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ أَيْ أَعْطُونِي. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْعَاءُ مُنَاوَلَةٍ لَا اسْتِدْعَاءُ عَطِيَّةٍ وَهِبَةٍ لِأَنَّهُ قَدِ ارْتَبَطَ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اسْتِدْعَاءُ الْمُنَاوَلَةِ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ آتُونِي. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ ائْتُونِي أَيْ جِيئُونِي. وَانْتَصَبَ زُبَرَ بائتوني عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ جِيئُونِي بِزُبَرِ الْحَدِيدِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ زُبَرَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْحَسَنُ بِضَمِّهَا، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَتَوْهُ أَوْ فَآتَوْهُ بِهَا فَأَمَرَ بِرَصِّ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ حَتَّى إِذا سَاوَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَاوَى وَقَتَادَةُ سَوَّى، وَابْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ سُووِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَحُكِيَ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَاسَ مَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِنْ حَفْرِ الْأَسَاسِ حَتَّى بَلَغَ الْمَاءَ ثُمَّ جَعَلَ حَشْوَهُ الصَّخْرَ وَطِينَهُ النحاس مذاب، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ وَالْبُنْيَانُ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ بَيْنَهُمَا الْحَطَبُ وَالْفَحْمُ حَتَّى سَدَّ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى أَعْلَاهُمَا، ثُمَّ وَضَعَ الْمَنَافِخَ حَتَّى إِذَا صَارَتْ كَالنَّارِ صَبَّ النُّحَاسَ الْمُذَابَ عَلَى الْحَدِيدِ الْمُحْمَى فَاخْتَلَطَ وَالْتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَصَارَ جَبَلًا صَلْدًا. وَقِيلَ: طُولُ مَا بَيْنَ السَّدَّيْنِ مِائَةُ فَرْسَخٍ وَعَرْضُهُ خَمْسُونَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهِ فَقَالَ: «كَيْفَ رَأَيْتَهُ» ؟ فَقَالَ: كَالْبَرْدِ الْمُحَبَّرِ طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ، قَالَ: «قَدْ رَأَيْتَهُ» . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ الصَّدَفَيْنِ بِضَمِّ الصَّادِ وَالدَّالِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو رَجَاءٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ سَكَّنَ الدَّالَ وَبَاقِي السَّبْعَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَحُمَيْدٌ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَخَلَفٌ فِي اخْتِيَارِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ سَعْدَانَ بِفَتْحِهِمَا، وَابْنُ جُنْدُبٍ بِالْفَتْحِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ، وَرُوِيَتْ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَرَأَ الْمَاجُشُونُ بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الدَّالِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَأَبَانُ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الدَّالِ حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَنَفَخُوا حَتَّى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ قَالَ آتُونِي أَيْ أَعْطُونِي. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ بِخِلَافٍ عَنْهُ قَالَ: ائْتُونِي أي جيئوني وقِطْراً مَنْصُوبٌ بِأُفْرِغَ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي، وَمَفْعُولُ آتُونِي مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ.

стр. 4194

فَمَا اسْطاعُوا أَيْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ أَنْ يَظْهَرُوهُ أَيْ يَصِلُوا عَلَيْهِ لِبُعْدِهِ وَارْتِفَاعِهِ وَامِّلَاسِهِ، وَلَا أَنْ يَنْقُبُوهُ لِصَلَابَتِهِ وَثَخَانَتِهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى مُجَاوَزَتِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ: إِمَّا ارْتِقَاءٍ وَإِمَّا نَقْبٍ وَقَدْ سَلَبَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَمَا اسْطاعُوا بِحَذْفِ التَّاءِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِهَا مِنَ الطَّاءِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَطَلْحَةُ بِإِدْغَامِهَا فِي الطَّاءِ وَهُوَ إِدْغَامٌ عَلَى غَيْرِ حَدِّهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ هِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَقَرَأَ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ: فَمَا اصْطَاعُوا بِالْإِبْدَالِ مِنَ السِّينِ صَادًا لِأَجْلِ الطَّاءِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: فَمَا اسْتَطَاعُوا بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ حَذْفٍ. قالَ: هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أَيْ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى الرَّدْمِ وَالْقُوَّةِ عَلَيْهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى السَّدِّ أَيْ هَذَا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ الله ورَحْمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ أَوْ هَذَا الْإِقْدَارُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ تَسْوِيَتِهِ. قِيلَ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَتَقْدِيرُهُ فَلَمَّا أَكْمَلَ بِنَاءَ السَّدِّ وَاسْتَوَى وَاسْتَحْكَمَ قالَ: هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ هَذِهِ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي بِتَأْنِيثِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَالْوَعْدُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ وَقْتُ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِذَا دَنَا مَجِيءُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشَارَفَ أَنْ يَأْتِيَ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا أَيْ مَدْكُوكًا مُنْبَسِطًا مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا انْبَسَطَ بَعْدَ ارْتِفَاعٍ فَقَدِ انْدَكَّ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: دَكَّاءَ بِالْمَدِّ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ دَكًّا مُنَوَّنَةً مَصْدَرُ دَكَكْتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَعَلَهُ بِمَعْنَى صَيَّرَهُ فدك مَفْعُولٌ ثَانٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ وَيُنْصَبُ فدكا عَلَى الْحَالِ انْتَهَى. وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ السَّدَّ إِذْ ذَاكَ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ وَلَا يُخْلَقُ الْمَخْلُوقُ لَكِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ بَعْضِ هَيْئَاتِهِ إِلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى، وَوَعْدٌ بِمَعْنَى مَوْعُودٍ لَا مَصْدَرٍ. وَالْمَعْنَى فَإِذا جاءَ مَوْعُودُ رَبِّي لَا يُرِيدُ الْمَصْدَرَ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ سَبَقَ وتَرَكْنا هَذَا الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرُ فِي بَعْضَهُمْ عَائِدٌ عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالْجُمْلَةُ الْمَحْذُوفَةُ بَعْدُ إِذِ الْمُعَوِّضِ مِنْهَا التَّنْوِينُ مُقَدَّرَةٌ بِإِذْ جَاءَ الْوَعْدُ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ وَانْتِشَارُهُمْ فِي الْأَرْضِ أَوْ مُقَدَّرَةٌ بِإِذْ حَجَزَ السَّدُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يُفْسِدُونَ عِنْدَهُمْ وَهُمْ مُتَعَجِّبُونَ مِنَ السَّدِّ فَمَاجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. وَقِيلَ: الضَّمِيرَ فِي بَعْضَهُمْ يَعُودُ عَلَى الْخَلْقِ أَيْ يَوْمَ إِذْ جَاءَ وَعْدُ اللَّهِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْجَمْعِ وَعَرْضِ جَهَنَّمَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى النَّفْخِ فِي الصُّورِ فِي سُورَةِ الأنعام. وجَمْعاً

стр. 4195

مَصْدَرٌ كَمَوْعِدٍ وَعَرَضْنا أَيْ أَبْرَزْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ أَيْ يَوْمَ إِذْ جَمَعْنَاهُمْ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ مَقْلُوبٌ. وَالتَّقْدِيرُ وَعَرَضْنَا الْكَافِرِينَ عَلَى جَهَنَّمَ عَرْضاً وَتَخْصِيصُهُ بِالْكَافِرِينَ بِشَارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ صِفَةُ ذَمٍّ فِي غِطاءٍ اسْتَعَارَ الْغِطَاءَ لِأَعْيُنِهِمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ آيَاتِي الَّتِي يُنْظَرُ إِلَيْهَا فَيُعْتَبَرُ بِهَا، وَاذْكُرْ بِالتَّعْظِيمِ وَهَذَا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عن آيَاتِ ذِكْرِي. وَقِيلَ عَنْ ذِكْرِي عَنِ الْقُرْآنِ وَتَأَمُّلِ مَعَانِيهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَعْيُنِ هُنَا الْبَصَائِرَ لَا الْجَوَارِحَ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ لَا نِسْبَةَ بَيْنِهَا وَبَيْنَ الذِّكْرِ وَكانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً مُبَالَغَةً فِي انْتِفَاءِ السَّمْعِ إِذْ نُفِيَتِ الِاسْتِطَاعَةُ، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا صُمًّا لِأَنَّ الْأَصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إِذَا صِيحَ بِهِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ أُصِمَّتْ أَسْمَاعُهُمْ فَلَا اسْتِطَاعَةَ بِهِمْ لِلسَّمْعِ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ مَنْ عَبَدَ الملائكة وعزيزا وَالْمَسِيحَ وَاتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُمْ بَعْضُ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ وَلَايَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهُمْ شَيْءٌ، وَلَا يَجِدُونَ عِنْدَهُمْ مُنْتَفَعًا وَيَظْهَرُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ فَيُجْدِي ذَلِكَ وَيَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ الِاتِّخَاذِ. وَقِيلَ: الْعِبَادُ هُنَا الشَّيَاطِينُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْأَصْنَامُ لِأَنَّهَا خَلْقُهُ وَمِلْكُهُ، وَالْأَظْهَرُ تَفْسِيرُ الْعِبَادِ بِمَا قُلْنَاهُ لِإِضَافَتِهِمْ إِلَيْهِ وَالْأَكْثَرُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ فِي مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ. وَحَسِبَ هُنَا بِمَعْنَى ظَنَّ وَبِهِ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَظَنَّ. وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب وزيد بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَنُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِخِلَافٍ عَنْهُمَا وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو حَيْوَةَ والشافعي ومسعود بن صاح أَفَحَسِبَ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَضَمِّ الْبَاءِ مُضَافًا إِلَى الَّذِينَ أَيْ أَفَكَافِيهِمْ وَمَحْسِبُهُمْ وَمُنْتَهَى عَرَضِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا حَسِبُوا. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ قَالَ سَهْلٌ: يَعْنِي أَبَا حَاتِمٍ مَعْنَاهُ: أَفَحَسْبُهُمْ وَحَظُّهُمْ إِلَّا أَنَّ أَفَحَسِبَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ غَايَةَ مُرَادِهِمُ انْتَهَى. وَارْتَفَعَ حَسْبُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ أَنْ يَتَّخِذُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَى الْهَمْزَةِ سَاوَى الْفِعْلَ فِي الْعَمَلِ كَقَوْلِكَ: أَقَائِمٌ الزَّيْدَانِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ مُحْكَمَةٌ جَيِّدَةٌ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْإِعْرَابَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ حَسْبًا لَيْسَ بَاسِمِ فَاعِلٍ فَتَعْمَلَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْسِيرِ شَيْءٍ

стр. 4196

بِشَيْءٍ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أَشْيَاءَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَأَنَّ الْوَجْهَ فِيهَا الرَّفْعُ. ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٌ مِنْهُ أَبَوْهُ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٌ عَلَيْهِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ أَبٌ لَهُ صَاحِبُهُ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبِكَ مِنْ رَجُلٍ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ أَيُّمَا رَجُلٍ هُوَ انْتَهَى. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرْفَعَ بِهِ الظَّاهِرُ فَقَدْ أَجَازُوا فِي مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أَبِي عَشَرَةٍ أَبُوهُ ارْتِفَاعُ أَبُوهُ بِأَبِي عَشَرَةٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَالِدِ عَشَرَةٍ. إِنَّا أَعْتَدْنا أَيْ أَعْدَدْنَا وَيَسَّرْنَا وَالنُّزُلُ مَوْضِعُ النُّزُولِ وَالنُّزُلُ أَيْضًا مَا يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلِلْقَادِمِ مِنَ الطَّعَامِ، وَالنُّزُلُ هُنَا يَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَيْنِ وَكَوْنُهُ مَوْضِعَ النُّزُولِ قَالَهُ الزَّجَّاجُ هنا، وما هيىء مِنَ الطَّعَامِ لِلنَّزِيلِ قَوْلُ الْقُتَبِيِّ. وَقِيلَ: جَمْعُ نَازِلٍ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ نَحْوُ شَارِفٍ وَشَرَفٍ، فَإِنْ كَانَ مَا تُقَدِّمُ لِلضَّيْفِ وَلِلْقَادِمِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» . وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَأَبُو عَمْرٍو بِخِلَافٍ عَنْهُ نُزُلًا بِسُكُونِ الزَّايِ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً. أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكَافِرِينَ هَلْ نُخْبِرُكُمُ الْآيَةَ فَإِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ فَقُلْ لَهُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا عَنْ عَلِيٍّ هُمُ الرُّهْبَانُ كَقَوْلِهِ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ «٢» . وَعَنْ مُجَاهِدٍ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: هُمُ الصَّابِئُونَ. وَسَأَلَ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيًّا عَنْهُمْ فَقَالَ: مِنْهُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ. وَيَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى التَّمْثِيلِ عَلَى الْحَصْرِ إِذِ الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا هُمْ كُلُّ مَنْ دَانَ بِدِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، أَوْ رَاءَى بِعَمَلِهِ، أَوْ أقام على بدعة تؤول بِهِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْأَخْسَرُ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فَأَدَّى تَعَبُهُ بِهِ إِلَى النَّارِ. وَانْتَصَبَ أَعْمالًا عَلَى التَّمْيِيزِ وَجُمِعَ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ فِي الضَّلَالِ مُخْتَلِفَةٌ وَلَيْسُوا مُشْتَرِكِينَ في عمل واحد والَّذِينَ يَصِحُّ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الذَّمِّ وَخَبَرُهُ عَلَى الْوَصْفِ أَوِ الْبَدَلِ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أَيْ هَلَكَ وَبَطَلَ وذهب ويَحْسَبُونَ

стр. 4197

ويُحْسِنُونَ مِنْ تَجْنِيسِ التَّصْحِيفِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّقْطُ فَرْقًا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ: وَلَمْ يَكُنِ الْمُغْتَرُّ بِاللَّهِ إِذْ سَرَى ... لِيُعْجِزَ وَالْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ طَالِبُهْ وَمِنْ غَرِيبِ هَذَا النوع من التجنيس. قول الشَّاعِرُ: سَقَيْنَنِي رَبِّي وَغَنَيْنَنِي ... بُحْتُ بِحُبِّي حِينَ بِنَّ الْخُرَّدُ صُحِّفَ بِقَوْلِهِ سَقَيْتَنِي رَبِّي وَغَنَيْتَنِي بِحُبِّ يَحْيَى بْنِ الْجُرَّدِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو السَّمَّالِ فَحَبِطَتْ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَلا نُقِيمُ بِالنُّونِ وَزْناً بِالنَّصْبِ وَمُجَاهِدٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ فَلَا يُقِيمُ بِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَنْ عُبَيْدٍ أَيْضًا يَقُومُ بِفَتْحِ الْيَاءِ كَأَنَّهُ جَعَلَ قَامَ مُتَعَدِّيًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ وَيَعْقُوبَ بِخِلَافٍ عَنْهُمْ: فَلَا يَقُومُ مُضَارِعُ قَامَ وَزْنٌ مَرْفُوعٌ بِهِ. وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ فَلا نُقِيمُ إِلَّا بِهِ أَنَّهُمْ لَا حَسَنَةَ لَهُمْ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ الْمَجَازَ كَأَنَّهُ قَالَ: فَلَا قَدْرَ لَهُمْ عِنْدَنَا يَوْمَئِذٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: «يُؤْتَى بِالْأَكُولِ الشَّرُوبِ الطَّوِيلِ فَلَا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» ثُمَّ قَرَأَ فَلا نُقِيمُ الْآيَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «يَأْتِي نَاسٌ بِأَعْمَالٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هِيَ عِنْدَهُمْ فِي الْعِظَمِ كَجِبَالِ تِهَامَةَ فَإِذَا وَزَنُوهَا لَمْ تَزِنْ شَيْئًا» . ذلِكَ جَزاؤُهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وجَهَنَّمُ بدل وذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِقَامَةِ الْوَزْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا إِلَى الْجَمْعِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى أُولَئِكَ وَيَكُونُ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: ذلِكَ أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مُبْتَدَأً وجَزاؤُهُمْ مبتدأ ثان وجَهَنَّمُ خَبَرُهُ. وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ جَزَاؤُهُ انْتَهَى. وَيَحْتَاجُ هَذَا التَّوْجِيهُ إِلَى نَظَرٍ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مُبْتَدَأً وجَزاؤُهُمْ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وجَهَنَّمُ الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ بَدَلًا مِنْ جَزَاءٍ أَوْ خَبَرٌ لِابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، أي هو جهنم وبِما كَفَرُوا خَبَرُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بجزاؤهم للفصل بينهما واتَّخَذُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كَفَرُوا وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا انْتَهَى. وَالْآيَاتُ هِيَ الْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصُّحُفُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.

стр. 4198

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لَا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً. لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ ذكر ما أعد للمؤمنين وَفِي الصَّحِيحِ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ حِلْيَتُهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا. وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الْفِرْدَوْسِ أَعْلَاهَا يعني أعلا الْجَنَّةِ. قَالَ قَتَادَةُ وَرَبْوَتُهَا وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَبَلٌ تَتَفَجَّرُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْفِرْدَوْسِ سُرَّةُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْفِرْدَوْسِ الْبُسْتَانُ بِالرُّومِيَّةِ. وَقَالَ كَعْبٌ وَالضَّحَّاكُ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْنَابُ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ إِنَّهُ جَنَّاتُ الْكُرُومِ وَالْأَعْنَابِ خَاصَّةً مِنَ الثِّمَارِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْفِرْدَوْسِ فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ وَالْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الْعِنَبُ. وَحَكَى الزَّجَّاجُ أَنَّهُ الأدوية الَّتِي تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النبت، وَهَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ أَوْ أَعْجَمِيٌّ قَوْلَانِ؟ وَإِذَا قُلْنَا أَعْجَمِيٌّ فَهَلْ هُوَ فَارِسِيٌّ أَوْ رُومِيٌّ أَوْ سُرْيَانِيٌّ؟ أَقْوَالٌ. وَقَالَ حَسَّانُ: وَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ... جِنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِيهَا يُخَلَّدُ قِيلَ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِالْفِرْدَوْسِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْتِ بَيْتِ حَسَّانَ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَقَدْ قَالَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرَةً ... فيها الفردوس ثُمَّ الْفُومُ وَالْبَصَلُ الْفَرَادِيسُ جَمْعُ فِرْدَوْسٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ بَسَاتِينُ حَوْلَ الْفِرْدَوْسِ وَلِذَلِكَ أَضَافَ الْجَنَّاتِ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ: كَرْمٌ مُفَرْدَسٌ أَيْ مُعَرَّشٌ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتِ الرَّوْضَةُ الَّتِي دُونَ الْيَمَامَةِ فِرْدَوْسًا لِاجْتِمَاعِ نَخْلِهَا وَتَعْرِيشِهَا عَلَى أَرْضِهَا. وَفِي دِمَشْقَ بَابُ الْفَرَادِيسِ يُخْرَجُ منه إلى البساتين. ونُزُلًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ نُزُلًا الْمُتَقَدِّمُ. وَمَعْنَى حِوَلًا أَيْ مُحَوَّلًا إِلَى غَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ عِيسَى: هُوَ مَصْدَرٌ كَالْعِوَجِ وَالصِّغَرِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقَالُ حَالَ عَنْ مَكَانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ: عَادَنِي حُبُّهَا عِوَدًا يَعْنِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا حَتَّى تُنَازِعَهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى أَجْمَعَ لِأَغْرَاضِهِمْ وَأَمَانِيهِمْ، وَهَذِهِ غَايَةُ

стр. 4199

الْوَصْفِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الدُّنْيَا فِي أَيِّ نَعِيمٍ كَانَ فَهُوَ طَامِحُ الطَّرْفِ إِلَى أَرْفَعَ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ نَفْيُ التَّحَوُّلِ وَتَأْكِيدُ الْخُلُودِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْحِوَلُ بِمَعْنَى التَّحَوُّلِ. قَالَ مُجَاهِدٌ مُتَحَوَّلًا. وَقَالَ الشَّاعِرُ: لِكُلِّ دَوْلَةٍ أَجَلْ ... ثُمَّ يُتَاحُ لَهَا حِوَلْ وَكَأَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وَكَانَ وَاحِدُهُ حِوَالَةُ وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ عَنْ قَوْمٍ: هِيَ بِمَعْنَى الْحِيلَةِ فِي التَّنَقُّلِ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ. قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ. قِيلَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ : كَيْفَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيُّ الْأُمَمِ كُلِّهَا وَمَبْعُوثٌ إِلَيْهَا، وَأَنَّكَ أُعْطِيتَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ وَأَنْتَ مُقَصِّرٌ قَدْ سُئِلْتَ عَنِ الرُّوحِ فَلَمْ تُجِبْ فِيهِ؟ فَنَزَلَتْ مُعْلِمَةً بِاتِّسَاعِ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ وَأَنَّ الْوُقُوفَ دُونَهَا لَيْسَ بِبِدْعٍ وَلَا نُكْرٍ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا بِتَمْثِيلِ مَا يَسْتَكْثِرُونَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ. وَقِيلَ قَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِي كِتَابِكُمْ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «١» ثُمَّ تَقْرَءُونَ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٢» فَنَزَلَتْ يَعْنِي إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَلَكِنَّهُ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِ كَلِمَاتِ اللَّهِ قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أَيْ مَاءُ الْبَحْرِ مِداداً وَهُوَ مَا يُمَدُّ بِهِ الدَّوَاةُ مِنَ الْحِبْرِ، وَمَا يُمَدُّ بِهِ السِّرَاجُ مِنَ السَّلِيطِ. وَيُقَالُ: السَّمَاءُ مِدَادُ الْأَرْضِ لِكَلِماتِ رَبِّي أَيْ مَعَدُّ الْكُتُبِ كَلِمَاتُ رَبِّي وَهُوَ عِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ، وَكُتِبَ بِذَلِكَ الْمِدَادِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ أَيْ فَنِيَ مَاؤُهُ الَّذِي هُوَ الْمِدَادُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ الْكَلِمَاتُ لِأَنَّ كَلِمَاتِهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ نَفَادُهَا لِأَنَّهَا لَا تَتَنَاهَى وَالْبَحْرُ يَنْفَدُ لِأَنَّهُ مُتَنَاهٍ ضَرُورَةً، وَلَيْسَ بِبِدْعٍ أَنْ أَجْهَلَ شَيْئًا مِنْ مَعْلُومَاتِهِ وإِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لَمْ أَعْلَمْ إِلَّا مَا أُوحِيَ إِلَيَّ بِهِ وَأُعْلِمْتُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَعْمَشُ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَعْرَجُ وَالْحَسَنُ وَالْمِنْقَرِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَدَدا لِكَلِمَاتِ رَبِّي. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَنْفَدَ بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ أَنْ تَنْفَدَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى تَفَعَّلَ عَلَى الْمُضِيِّ، وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبِي عَمْرٍو فَهُوَ مُطَاوِعٌ مِنْ نَفَّدَ مُشَدَّدًا نَحْوَ كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ. وَفِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُطَاوِعٌ لَأَنْفَدَ وجواب لو

стр. 4200

مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ لَنَفِدَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِمِثْلِهِ مَدَدًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالْأَعْرَجُ بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَانْتَصَبَ مَدَداً عَلَى التَّمْيِيزِ عَنْ مِثْلِ كَقَوْلِهِ: فَإِنَّ الْهَوَى يَكْفِيكَهُ مِثْلُهُ صَبْرًا وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ بِخِلَافٍ وَالتَّيْمِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ، وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ وَحَفْصٌ فِي رِوَايَةٍ بِمِثْلِهِ مِدَادًا بِأَلِفٍ بَيْنِ الدَّالَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ. قَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى وَلَوْ أَمْدَدْنَاهُ بِمِثْلِهِ إِمْدَادًا ثُمَّ نَابَ الْمَدَدُ مَنَابَ الْإِمْدَادِ مِثْلُ أَنْبَتَكُمْ نَبَاتًا. وَفِي قَوْلِهِ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إِعْلَامٌ بِالْبَشَرِيَّةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي ذَلِكَ لَا أَدَّعِي أَنِّي مَلَكٌ يُوحى إِلَيَّ أَيْ عَلَيَّ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَنَدٌ إِلَى وَحْيِ رَبِّي، وَنَبَّهَ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ثُمَّ حَضَّ عَلَى ما فيه النجاة ويَرْجُوا بمعنى يطمع ولِقاءَ رَبِّهِ عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أَيْ حُسْنَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وقيل يَرْجُوا أَيْ يَخَافُ سُوءَ لِقاءَ رَبِّهِ أَيْ لِقَاءَ جَزَاءِ رَبِّهِ، وَحَمْلُ الرَّجَاءِ عَلَى بَابِهِ أَجْوَدُ لِبَسْطِ النَّفْسِ إِلَى إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَهَى عَنِ الْإِشْرَاكِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَا يُرَائِي فِي عَمَلِهِ فَلَا يَبْتَغِي إِلَّا وَجْهَ رَبِّهِ خَالِصًا لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيْرَهُ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «لَكَ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» وَذَلِكَ إِذَا قَصَدَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَلا يُشْرِكْ بِيَاءِ الْغَائِبِ كَالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فَلْيَعْمَلْ «١» . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ الْجُعْفَيِّ عَنْهُ: وَلَا تُشْرِكُ بِالتَّاءِ خِطَابًا لِلسَّامِعِ وَالْتِفَاتًا مِنْ ضَمِيرِ الْغَائِبِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ بِرَبِّهِ، وَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِرَبِّكَ إِيذَانًا بِأَنَّ الضَّمِيرَيْنِ لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَنْ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا.

стр. 4201

سورة مريم ترتيبها ١٩ سورة مريم آياتها ٩٨ [سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٣٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)

стр. 4202

اشتغال النَّارِ تَفَرُّقُهَا فِي الْتِهَابِهَا فَصَارَتْ شُعَلًا. وَقِيلَ: شُعَاعُ النَّارِ. الشَّيْبُ مَعْرُوفٌ، شَابَ شعره ابيضّ بعد ما كَانَ بِلَوْنٍ غَيْرِهِ. الْمَخَاضُ اشْتِدَادُ وَجَعِ الْوِلَادَةِ وَالطَّلْقِ. الْجِذْعُ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الشَّجَرَةُ مِنْهَا وَبَيْنَ مُتَشَعَّبِ الْأَغْصَانِ، وَيُقَالُ للغضن أَيْضًا جِذْعٌ وَجَمْعُهُ أَجْذَاعٌ فِي الْقِلَّةِ، وَجُذُوعٌ فِي الْكَثْرَةِ. السَّرِيُّ الْمُرْتَفِعُ الْقَدْرِ، يُقَالُ سَرُوَ يَسْرُوُ، وَيُجْمَعُ عَلَى سَرَاةٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُرَوَاءَ وَهُمَا شَاذَّانِ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ أَفْعِلَاءُ. وَالسَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْرِي فِيهِ وَلَامُهُ يَاءٌ كَمَا أَنَّ لَامَ ذَلِكَ وَاوٌ. وَقَالَ لَبِيدٌ: فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السرى فصدّعا ... مسجورة متحاورا قُلَّامُهَا أَيْ جَدْوَلًا. الْهَزُّ التَّحْرِيكُ. الرُّطَبُ مَعْرُوفٌ وَاحِدُهُ رُطْبَةٌ، وَجُمِعَ شَاذًّا عَلَى أَرْطَابٍ كَرُبْعٍ وَأَرْبَاعٍ وَهُوَ مَا قُطِعَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ وَيَيْبَسَ. الْجَنِيُّ مَا طَابَ وَصَلُحَ لِلِاجْتِنَاءِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: لَمْ يَجِفَّ وَلَمْ يَيْبَسْ. وَقِيلَ: الْجَنِيُّ مَا تَرَطَّبَ مِنَ الْبُسْرِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ:

стр. 4203

الْجَنِيُّ وَالْمَجْنِيُّ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ الْجَنِيُّ الْمَقْطُوعُ. قُرَّةُ الْعَيْنِ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُرِّ، يُقَالُ: دمع الفرح اللَّمْسِ وَدَمْعُ الْحُزْنِ سُخْنُ اللَّمْسِ. وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ: فَأَمَّا عُيُونُ الْعَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتِ وقريش يقول: قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا، وَقَرَرْتُ بِالْمَكَانِ أَقَرُّ وَأَهْلُ نَجْدٍ قَرِرْتُ بِهِ عَيْنًا بِالْكَسْرِ. الْفَرِيُّ الْعَظِيمُ مِنَ الْأَمْرِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَفِي الشَّرِّ، وَمِنْهُ فِي وَصْفِ عُمَرَ: فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ، وَالْفَرِيُّ الْقَطْعُ وَفِي الْمَثَلِ: جَاءَ يَفْرِي الْفَرِيَّ أَيْ يَعْمَلُ عَظِيمًا مِنَ الْعَمَلِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْفَرِيُّ الْبَدِيعُ وَهُوَ مِنْ فَرْيِ الْجِلْدِ. الْإِشَارَةُ مَعْرُوفَةٌ تَكُونُ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالثَّوْبِ وَالرَّأْسِ وَالْفَمِ، وَأَشَارَ أَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ يُقَالُ: تَشَايَرْنَا الْهِلَالَ لِلْمُفَاعَلَةِ. وَقَالَ كَثِيرٌ: فَقُلْتُ وَفِي الْأَحْشَاءِ دَاءٌ مُخَامِرٌ ... أَلَا حَبَّذَا يَا عِزَّ ذَاكَ التَّشَايُرُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا يَا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كَالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا آيَةَ السَّجْدَةِ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ مُهَاجَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى ضَمَّنَ السُّورَةَ قَبْلَهَا قَصَصًا عَجَبًا كَقِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ، وَقِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ، وَقِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ تَضَمَّنَتْ قَصَصًا عَجَبًا مِنْ وِلَادَةِ يَحْيَى بَيْنَ شَيْخٍ فَانٍ وَعَجُوزٍ عَاقِرٍ، وَوِلَادَةِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا فِي هَذَا الشَّيْءِ الْمُسْتَغْرَبِ نَاسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ تِلْكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ عَلَى هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ بِمَا يوقف عليه هناك وذِكْرُ خبر مبتدأ محذوف أي هَذَا الْمَتْلُوُّ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ ذِكْرُ. وَقِيلَ ذِكْرُ خَبَرٌ

стр. 4204

لِقَوْلِهِ كهيعص وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ. قِيلَ: وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْمُبْتَدَأُ فِي الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ، وَلَا فِي ذِكْرِ الرَّحْمَةِ مَعْنَاهَا. وَقِيلَ: ذِكْرُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فِيمَا يُتْلَى ذِكْرُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ كَافْ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ضَمُّهَا، وَأَمَالَ نَافِعٌ هَاءً وَيَاءً بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَأَظْهَرَ دَالَ صَادٍ عِنْدَ ذَاكَ. ذِكْرُ وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَعَنْهُ أَيْضًا ضَمُّ الْيَاءِ وَكَسْرُ الْهَاءِ، وَعَنْ عَاصِمٍ ضَمُّ الْيَاءِ وَعَنْهُ كَسْرُهُمَا وَعَنْ حَمْزَةَ فَتْحُ الْهَاءِ وَكَسْرُ الْيَاءِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: مَعْنَى الضَّمِّ فِي الْهَاءِ وَالْيَاءِ إِشْبَاعُ التَّفْخِيمِ وَلَيْسَ بِالضَّمِّ الْخَالِصِ الَّذِي يُوجِبُ الْقَلْبَ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمُقْرِي الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ فِي شَوَاذِّ الْقِرَاءَاتِ خَارِجَةُ عَنِ الْحَسَنِ: كَافْ بِضَمِّ الْكَافِ، وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْهُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهَارُونُ بْنُ مُوسَى الْعَتَكِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ بِالضَّمِّ، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ مُتَرْجَمٌ عَلَيْهَا بِالضَّمِّ وَلَسْنَ مَضْمُومَاتِ الْمَحَالِّ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ كَذَلِكَ لَوَجَبَ قَلْبُ مَا بَعْدَهُنَّ مِنَ الْأَلِفَاتِ وَاوَاتٍ بَلْ نُحِّيَتْ هَذِهِ الْأَلِفَاتُ نَحْوَ الْوَاوِ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى أَلِفَ التَّفْخِيمِ بِضِدِّ الْأَلِفِ الْمُمَالَةِ فَأَشْبَهَتِ الْفَتَحَاتِ الَّتِي تَوَلَّدَتْ مِنْهُنَّ الضَّمَّاتُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ كَمَا تَرْجَمُوا عَنِ الْفَتْحَةِ الْمُمَالَةِ الْمُقَرَّبَةِ مِنَ الْكَسْرَةِ بِكَسْرَةٍ لِتَقْرِيبِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا مِنَ الْيَاءِ انْتَهَى. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَقْطِيعِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَتَخْلِيصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا ائْتَلَفَ مِنَ الْحُرُوفِ، فَيَصِيرُ أَجْزَاءَ الْكَلِمِ فَاقْتَضَيْنَ إِسْكَانَ آخِرِهِنَّ، وَأَظْهَرَ الْأَكْثَرُونَ دَالَ صَادٍ عِنْدَ ذَالِ ذِكْرُ وَأَدْغَمَهَا أَبُو عَمْرٍو. وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَفِرْقَةٌ بِإِظْهَارِ النُّونِ مِنْ عَيْنٍ وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِخْفَائِهَا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ يَعْمُرَ ذِكْرُ فعلا ماضيا رَحْمَتِ بِالنَّصْبِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْفَتْحِ وَذَكَرُهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أي هذا المتلو من القرآن ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ وَذَكَرَ الدَّانِيُّ عَنِ ابْنِ يَعْمُرَ ذِكْرُ فِعْلُ أمر من التذكير رَحْمَتِ بالنصب وعَبْدَهُ نُصِبَ بِالرَّحْمَةِ أَيْ ذِكْرُ أن رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ أَنَّ ذِكْرُ بِالتَّشْدِيدِ مَاضِيًا عَنِ الْحَسَنِ بِاخْتِلَافٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ يَعْمُرَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَتْلُوَّ أَيِ الْقُرْآنَ ذَكَّرَ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ فَلَمَّا نُزِعَ الْبَاءُ انْتَصَبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقُرْآنَ ذَكَّرَ النَّاسَ تَذْكِيرًا أَنْ رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَهُ فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ عَامِلًا فِي عَبْدَهُ زَكَرِيَّا لِأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ بِمَا نَسُوهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَتَجَدَّدَ

стр. 4205

عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ وَنُزُولِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ عَلَى الْمُضِيِّ مُسْنَدًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَقَرَأَ الْكَلْبِيُّ ذِكْرُ عَلَى الْمُضِيِّ خَفِيفًا مِنَ الذِّكْرِ رَحْمَةِ رَبِّكَ بِنَصْبِ التَّاءِ عَبْدَهُ بِالرَّفْعِ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ يَحْيَى بْنُ يعمر وذِكْرُ عَلَى الْأَمْرِ عَنْهُ أَيْضًا انتهى. وإِذْ ظَرْفٌ الْعَامِلُ فِيهِ قَالَ الْحَوْفَيُّ: ذِكْرُ وَقَالَ أَبُو البقاء: وإِذْ ظرف لرحمة أو لذكر انْتَهَى. وَوَصْفُ نِدَاءٍ بِالْخَفِيِّ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِئَلَّا يُخَالِطَهُ رِيَاءٌ. مُقَاتِلٌ: لِئَلَّا يُعَابَ بِطَلَبِ الْوَلَدِ فِي الْكِبَرِ. قَتَادَةُ: لِأَنَّ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ عِنْدَهُ تَعَالَى سَوَاءٌ. وَقِيلَ: أَسَرَّهُ مِنْ مَوَالِيهِ الَّذِينَ خَافَهُمْ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ دُنْيَاوِيٌّ فَأَخْفَاهُ لِأَنَّهُ إِنْ أُجِيبَ فَذَاكَ بُغْيَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَحَدٌ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: لِإِخْلَاصِهِ فِيهِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: لِضَعْفِ صَوْتِهِ بِسَبَبِ كِبَرِهِ، كَمَا قِيلَ: الشَّيْخُ صَوْتُهُ خُفَاتٌ وَسَمْعُهُ تَارَاتٌ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْإِخْفَاءَ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْجَهْرُ بِهِ يُعَدُّ مِنَ الِاعْتِدَاءِ. وَفِي التَّنْزِيلِ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «١» . وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» . قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي هَذِهِ كَيْفِيَّةُ دُعَائِهِ وَتَفْسِيرُ نِدَائِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَهَنَ بِفَتْحِ الْهَاءِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بكسرها. وقرىء بِضَمِّهَا لُغَاتٌ ثَلَاثٌ، وَمَعْنَاهُ ضَعْفٌ وَأُسْنِدَ الْوَهَنُ إِلَى الْعَظْمِ لِأَنَّهُ عَمُودُ الْبَدَنِ وَبِهِ قِوَامُهُ وَهُوَ أَصْلُ بِنَائِهِ، فَإِذَا وَهَنَ تَدَاعَى مَا وَرَاءَهُ وَتَسَاقَطَتْ قُوَّتُهُ، وَلِأَنَّهُ أَشَدُّ مَا فِيهِ وَأَصْلَبُهُ فَإِذَا وَهَنَ كَانَ مَا وَرَاءَهُ أَوْهَنَ وَوَحَّدَ الْعَظْمُ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ، وَقَصَدَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ الْعَمُودُ وَالْقِوَامُ، وَأَشَدُّ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُ الْجَسَدُ قَدْ أَصَابَهُ الْوَهَنُ وَلَوْ جُمِعَ لَكَانَ قَصْدًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَهِنْ مِنْهُ بَعْضُ عِظَامِهِ وَلَكِنْ كُلُّهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: اشْتَكَى سُقُوطَ الْأَضْرَاسِ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَكَانَ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسَبْعُونَ. وَقِيلَ: خَمْسٌ وَثَمَانُونَ. وَقِيلَ: سِتُّونَ. وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسِتُّونَ. وَشُبِّهَ الشَّيْبُ بِشُوَاظِ النَّارِ فِي بَيَاضِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي الشَّعْرِ وَفُشُوِّهِ فِيهِ وَأَخْذِهِ مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ بِاشْتِعَالِ النَّارِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعَارَةِ، ثُمَّ أَسْنَدَ الِاشْتِعَالَ إِلَى مَكَانِ الشَّعْرِ وَمَنْبَتِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ، وَأَخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا وَلَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفَاءً بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ رَأَسُ زَكَرِيَّاءَ فَمِنْ ثَمَّ فَصَحَّتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَشُهِدَ لَهَا بِالْبَلَاغَةِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَإِلَى هَذَا نَظَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ. فَقَالَ:
следующие страницы →