Полный текст (6 210 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
سَلَّطَهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَهَزَمُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ آخَرَ فَهَزَمُوهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ فَهَزَمَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا أَخَذَ الْقَتْلُ فِيهِمْ رَكَضُوا هَارِبِينَ.
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أَيْ بَاشَرُوهُ بِالْإِحْسَاسِ وَالضَّمِيرُ فِي أَحَسُّوا عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْمَحْذُوفِ مِنْ قَوْلِهِ وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ وَلَا يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ قَوْماً آخَرِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُمْ ذَنْبٌ يَرْكُضُونَ مِنْ أَجْلِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْها عَائِدٌ عَلَى الْقَرْيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى بَأْسَنا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّدَّةِ، فَأُنِّثَ عَلَى الْمَعْنَى وَمِنْ عَلَى هَذَا السَّبَبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمَّا أَدْرَكَتْهُمْ مُقَدِّمَةُ الْعَذَابِ رَكِبُوا دَوَابَّهُمْ يَرْكُضُونَهَا هَارِبِينَ مُنْهَزِمِينَ. قِيلَ:
وَيَجُوزُ أَنْ شُبِّهُوا فِي سُرْعَةِ عَدْوِهِمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ بِالرَّاكِبِينَ الرَّاكِضِينَ لِدَوَابِّهِمْ فَهُمْ يَرْكُضُونَ الْأَرْضَ بِأَرْجُلِهِمْ، كَمَا قَالَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ «١» وَجَوَابُ لَمَّا إِذا الْفُجَائِيَّةُ وَمَا بَعْدَهَا، وَهَذَا أَحَدُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ لَمَّا فِي هَذَا التَّرْكِيبِ حَرْفٌ لَا ظَرْفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: لَا تَرْكُضُوا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ رِجَالِ بُخْتُ نَصَّرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أنهم خدعوهم واستهزؤا بِهِمْ بِأَنْ قَالُوا لِلْهَارِبِينَ مِنْهُمْ: لَا تَفِرُّوا وَارْجِعُوا إلى منازلكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ صُلْحًا أَوْ جِزْيَةً أَوْ أَمْرًا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَمَرَ بُخْتُ نَصَّرَ أَنْ يُنَادَى فِيهِمْ يَا لَثَارَّاتِ النَّبِيِّ الْمَقْتُولِ فَقُتِلُوا بِالسَّيْفِ عَنْ آخِرِهِمْ، هَذَا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا تَرْكُضُوا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، وَصَفَ قِصَّةَ كُلِّ قَرْيَةٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ حَضُورَاءَ وَلَا غَيْرَهَا، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْقُرَى كَانُوا بِاغْتِرَارِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَأَنَّهُ لَوْ جَاءَهُمْ عَذَابٌ أَوْ أَمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ حَتَّى يَتَخَاصَمُوا وَيُسْأَلُوا عَنْ وَجْهِ تَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ فَيَحْتَجُّونَ هُمْ عِنْدَ ذَلِكَ بِحُجَجٍ تَنْفَعُهُمْ فِي ظَنِّهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَ الْعَذَابُ دُونَ هَذَا الَّذِي أَمِلُوهُ وَرَكَضُوا فَارِّينَ نَادَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وَجْهِ الْهُزْءِ بِهِمْ.
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ كَمَا كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ لِسَفَهِ آرَائِكُمْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَعْنِي الْقَائِلُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ ثَمَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ يُجْعَلُونَ خُلَقَاءَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقَلْ، أَوْ يَقُولَهُ رَبُّ الْعِزَّةِ وَيُسْمِعَهُ مَلَائِكَتَهُ لِيَنْفَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ يُلْهِمَهُمْ ذَلِكَ فَيُحَدِّثُوا بِهِ نُفُوسَهُمْ.
стр. 4377
وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّافِهِ وَالْحَالِ النَّاعِمَةِ، وَالْإِتْرَافُ إِبْطَارُ النِّعْمَةِ وَهِيَ التَّرَفُّهُ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ غَدًا عَمَّا جَرَى عَلَيْكُمْ وَنَزَلَ بِأَمْوَالِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ فَتُجِيبُوا السَّائِلَ عَنْ عِلْمٍ وَمُشَاهَدَةٍ، أَوِ ارْجِعُوا وَاجْلِسُوا كَمَا كُنْتُمْ فِي مَجَالِسِكُمْ وَتَرَتَّبُوا فِي مَرَاتِبِكُمْ حَتَّى يَسْأَلَكُمْ عَبِيدُكُمْ وَحَشَمُكُمْ وَمَنْ تَمْلِكُونَ أَمْرَهُ وَيَنْفُذَ فِيهِ أَمْرُكُمْ وَنَهْيُكُمْ، وَيَقُولُوا لَكُمْ: بِمَ تَأْمُرُونَ وَمَاذَا تَرْسُمُونَ، وَكَيْفَ نَأْتِي وَنَذَرُ كَعَادَةِ الْمُنَعَّمِينَ الْمُخَدَّمِينَ، أَوْ يَسْأَلُكُمُ النَّاسُ فِي أَنْدِيَتِكُمُ الْمُعَاوِنَ فِي نَوَازِلِ الْخُطُوبِ وَيَسْتَشِيرُونَكُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْعَوَارِضِ وَيَسْتَشِفُّونَ بِتَدَابِيرِكُمْ وَيَسْتَضِيئُونَ بِآرَائِكُمْ أَوْ يَسْأَلُكُمُ الْوَافِدُونَ عَلَيْكُمْ وَالطُّمَّاعُ، وَيَسْتَمْطِرُونَ سَحَائِبَ أَكُفِّكُمْ وَيَمِيرُونَ إِخْلَافَ مَعْرُوفِكُمْ وَأَيَادِيكُمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَسْخِيَاءَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِيَاءَ النَّاسِ وَطَلَبَ الثَّنَاءِ، أَوْ كَانُوا بُخَلَاءَ فَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ تَهَكُّمًا إِلَى تَهَكُّمٍ وَتَوْبِيخًا إِلَى تَوْبِيخٍ انْتَهَى.
وَنِدَاءُ الْوَيْلِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا وَيْلُ هَذَا زَمَانُكَ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَيْلِ فِي الْبَقَرَةِ. وَالظُّلْمُ هُنَا الْإِشْرَاكُ وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ وَإِيقَاعُ أَنْفُسِهِمْ فِي الْهَلَاكِ، وَاسْمُ زالَتْ هُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَهُوَ تِلْكَ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَقُولَةِ أَيْ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الدَّعْوَى دَعْواهُمْ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَمَا زَالُوا يُكَرِّرُونَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ كَقَوْلِهِ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «١» وَالدَّعْوَى مَصْدَرُ دَعَا يُقَالُ: دَعَا دَعْوَى وَدَعْوَةً كَقَوْلِهِ وَآخِرُ دَعْواهُمْ «٢» لِأَنَّ الْمُوَيَّلَ كَأَنَّهُ يَدْعُو الْوَيْلَ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ: تِلْكَ اسم زالَتْ ودَعْواهُمْ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَعْواهُمْ اسم زالَتْ وتِلْكَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ قَالَهُ الزَّجَّاجُ قَبْلَهُمْ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فَاسْمُ كَانَ وَخَبَرُهَا مُشَبَّهٌ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ فِي بَابِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ إِذَا أُلْبِسَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ الْخَبَرَ وَالْمُتَأَخِّرُ الِاسْمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي بَابِ كَانَ، فَإِذَا قُلْتَ: كَانَ مُوسَى صَدِيقِي لَمْ يَجُزْ فِي مُوسَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْمَ كَانَ وَصَدِيقِي الْخَبَرَ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى، فَمُوسَى الْفَاعِلُ وَعِيسَى الْمَفْعُولُ، وَلَمْ يُنَازِعْ فِي هَذَا مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إِلَّا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ عُرِفَ بَابْنِ الْحَاجِّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الْأُسْتَاذِ أَبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ وَنُبَهَائِهِمْ، فَأَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْمَفْعُولَ وَالْمُتَأَخِّرُ هُوَ الْفَاعِلَ وَإِنْ أُلْبِسَ فَعَلَى مَا قَرَّرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ اسْمَ زالَتْ ودَعْواهُمْ الخبر.
стр. 4378
وَقَوْلُهُ: حَصِيداً أَيْ بِالْعَذَابِ تُرِكُوا كَالْحَصِيدِ خامِدِينَ أَيْ مَوْتَى دُونَ أَرْوَاحٍ مُشَبَّهِينَ بالنار إذا طفئت وحَصِيداً مَفْعُولٌ ثَانٍ. قَالَ الْحَوْفِيُّ: وخامِدِينَ نعت لحصيدا عَلَى أَنْ يَكُونَ حَصِيداً بِمَعْنَى مَحْصُودِينَ يَعْنِي وَضْعَ الْمُفْرَدِ وَيُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ خامِدِينَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْناهُمْ مِثْلَ الْحَصِيدِ شَبَّهَهُمْ فِي اسْتِئْصَالِهِمْ وَاصْطِلَامِهِمْ كَمَا تَقُولُ: جَعَلْنَاهُمْ رَمَادًا أَيْ مِثْلَ الرَّمَادِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ هُوَ الَّذِي كَانَ مُبْتَدَأً وَالْمَنْصُوبَانِ بَعْدَهُ كَانَا خَبَرَينِ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمَا جَعَلَ نَصْبَهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَنْصِبُ جَعَلَ ثَلَاثَةَ مَفَاعِيلَ؟
قُلْتُ: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدِ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِكَ: جَعَلْتُهُ حُلْوًا حَامِضًا جَعَلْتُهُ لِلطَّعْمَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى ذَلِكَ جَعَلْناهُمْ جَامِعِينَ لِمُمَاثَلَةِ الْحَصِيدِ وَالْخُمُودِ، وَالْخُمُودُ عُطِفَ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ لَا عَلَى الْحَصِيدِ انْتَهَى.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قَصْمَ تِلْكَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْهُ وَمُجَازَاةً عَلَى مَا فَعَلُوا وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْشَأَ هَذَا الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ الْمُحْتَوِيَ عَلَى عَجَائِبَ مِنْ صُنْعِهِ وَغَرَائِبَ مِنْ فِعْلِهِ، وَهَذَا الْعَالَمَ السُّفْلِيَّ وَمَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنْ عَجَائِبِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْهَوَاءِ وَالسَّحَابِ وَالرِّيَاحِ عَلَى سَبِيلِ اللَّعِبِ بَلْ لِفَوَائِدَ دِينِيَّةٍ تَقْضِي بِسَعَادَةِ الْأَبَدِ أَوْ بِشَقَاوَتِهِ، وَدُنْيَاوِيَّةٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى كَقَوْلِهِ وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا «١» وَقَوْلِهِ مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ «٢» .
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اللَّعِبُ فِعْلٌ يَدْعُو إِلَيْهِ الْجَهْلُ يَرُوقُ أَوَّلُهُ وَلَا ثَبَاتَ لَهُ، وَإِنَّمَا خَلَقْنَاهُمَا لِنُجِازِيَ الْمُحْسِنَ وَالْمُسِيءَ، وَلِيُسْتَدَلَّ بِهِمَا عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ انتهى. ولَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أَصْلُ اللَّهْوِ مَا تُسْرِعُ إِلَيْهِ الشَّهْوَةُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ الْهَوَى، وَقَدْ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا هُنَا فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيِّ هُوَ الْوَلَدُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هو الولد بلغة حضر موت. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً «٣» وَعَنْهُ أَنَّ اللَّهْوَ هُنَا اللَّعِبُ. وَقِيلَ:
اللَّهْوُ هُنَا الْمَرْأَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا فِي لُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَتَكُونُ رَدًّا عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ لِلَّهِ زَوْجَةً وَمَعْنَى مِنْ لَدُنَّا مِنْ عِنْدِنَا بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فَسَتْرُهُ أَوْلَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنَ السَّمَاءِ لَا مِنَ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِنَا.
وَقِيلَ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا مِنَ الْإِنْسِ رَدًّا لولادة المسيح وعزيز. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ
стр. 4379
السَّبَبَ فِي تَرْكِ اتِّخَاذِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ أَفْعَالِي أَنَّ الْحِكْمَةَ صَارِفَةٌ عَنْهُ، وَإِلَّا فَأَنَا قَادِرٌ عَلَى اتِّخَاذِهِ إِنْ كُنْتُ فَاعِلًا لِأَنِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ انْتَهَى. وَلَا يَجِيءُ هَذَا إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: اللَّهْوُ هُوَ اللَّعِبُ، وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِالْوَلَدِ وَالْمَرْأَةِ فَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَنْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ لَوْ أَيْ إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ اتَّخَذْنَاهُ إِنْ كُنَّا مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَسْنَا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَقَتَادَةُ وَجُرَيْجٌ أَنْ نَافِيَةٌ أَيْ مَا كُنَّا فَاعِلِينَ.
بَلْ نَقْذِفُ أَيْ نَرْمِي بِسُرْعَةٍ بِالْحَقِّ وَهُوَ الْقُرْآنُ عَلَى الْباطِلِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ كُلُّ ما في القرآن من الْبَاطِلِ فَهُوَ الشَّيْطَانُ. وَقِيلَ: بِالْحَقِّ بِالْحُجَّةِ عَلَى الْبَاطِلِ وَهُوَ شُبَهُهُمْ وَوَصْفَهُمُ اللَّهَ بِغَيْرِ صِفَاتِهِ مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْحَقُّ عَامٌّ فِي الْقُرْآنِ وَالرِّسَالَةِ وَالشَّرْعِ، وَالْبَاطِلُ أَيْضًا عَامٌّ كَذَلِكَ وبَلْ إِضْرَابٌ عَنِ اتِّخَاذِ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَدْحَضُ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ وَاسْتَعَارَ لِذَلِكَ الْقَذْفَ وَالدَّمْغَ تَصْوِيرًا لِإِبْطَالِهِ وَإِهْدَارِهِ وَمَحْقِهِ، فَجَعَلَهُ كَأَنَّهُ جُرْمٌ صُلْبٌ كَالصَّخْرَةِ مَثَلًا قَذَفَ بِهِ عَلَى جُرْمٍ رَخْوٍ أَجْوَفَ فَدَمَغَهُ أَيْ أَصَابَ دِمَاغَهُ، وَذَلِكَ مُهْلِكٌ فِي الْبَشَرِ فَكَذَلِكَ الْحَقُّ يُهْلِكُ الْبَاطِلَ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ فَيَدْمَغُهُ بِنَصْبِ الْغَيْنِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ فِي ضَعْفِ قَوْلِهِ:
سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ... وَأَلْحَقُ بالحجاز فأستريحا
وقرىء فَيَدْمَغُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ انْتَهَى. ولَكُمُ الْوَيْلُ خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ أَيِ الْخِزْيُ وَالْهَمُّ مِمَّا تَصِفُونَ أَيْ تَصِفُونَهُ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى مِنَ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَنِسْبَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ إِلَيْهِ. وَقِيلَ لَكُمُ خِطَابٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَنَسَبَ الْقُرْآنَ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ وَأَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ مِمَّا تَصِفُونَ وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ الْتِفَاتٌ مِنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ فِي فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ إِلَى ضَمِيرِ الْخِطَابِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ في السموات وَالْأَرْضِ مِلْكٌ لَهُ فَانْدَرَجَ فِيهِ مَنْ سَمَّوْهُ بِالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَمَنْ عِنْدَهُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْ فَيَكُونُونَ قدر انْدَرَجُوا فِي الْمَلَائِكَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لِدُخُولِهِمْ فِي مَنْ وَبِطَرِيقِ الْخُصُوصِ بِالنَّصِّ عَلَى أَنَّهُمْ مَنْ عِنْدَهُ، وَيَكُونُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً مِنْهُمْ أَوِ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ وَمَنْ عِنْدَهُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وعند هُنَا لَا يُرَادُ بِهَا ظَرْفُ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ، بَلِ الْمَعْنَى شَرَفُ الْمَكَانَةِ وَعُلُوُّ الْمَنْزِلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ بِأَنَّ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِلْكُهُ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِقَوْلِهِ وَلَكُمُ الْوَيْلُ
стр. 4380
مِمَّا تَصِفُونَ كَأَنَّهُ يُقْسِمُ الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ أَيْ للمتخلفين هَذِهِ الْمَقَالَةَ الْوَيْلُ، وَلِلَّهِ تعالى من في السموات وَالْأَرْضِ انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُكَرَّمُونَ مُنَزَّلُونَ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ مَنْزِلَةَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ الْمُلُوكِ عَلَى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ وَالْبَيَانِ لِشَرَفِهِمْ وَفَضْلِهِمْ، وَيُقَالُ: حَسَرَ الْبَعِيرُ وَاسْتَحْسَرَ كَلَّ وَتَعِبَ وَحَسَرْتُهُ أَنَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ، وَأَحْسَرْتُهُ أَيْضًا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الِاسْتِحْسَارُ مُبَالَغَةٌ فِي الْحُسُورِ، وَكَانَ الْأَبْلَغُ فِي وَصْفِهِمْ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمْ أَدْنَى الْحُسُورِ قُلْتُ: فِي الِاسْتِحْسَارِ بَيَانُ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ يُوجِبُ غَايَةَ الْحُسُورِ وأقصاه، وأنهم أخفاء لِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ الْبَاهِظَةِ بِأَنْ يَسْتَحْسِرُوا فِيمَا يَفْعَلُونَ انْتَهَى.
يُسَبِّحُونَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَصَفَهُمْ بِتَسْبِيحٍ دَائِمٍ. وَعَنْ كَعْبٍ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ التَّسْبِيحَ كَالنَّفَسِ وَطَرْفِ الْعَيْنِ لِلْبَشَرِ يَقَعُ مِنْهُمْ دَائِمًا دُونَ أَنْ يَلْحَقَهُمْ فِيهِ سَآمَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ رَاحَةٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ.
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الدَّلَائِلَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَأَنَّ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ كُلَّهُمْ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُكَرَّمِينَ هُمْ فِي خِدْمَتِهِ لَا يَفْتُرُونَ عَنْ تَسْبِيحِهِ وَعِبَادَتِهِ، عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَوْبِيخِ الْمُشْرِكِينَ وَذَمِّهِمْ وتسفيه أحلامهم وأَمِ هنا منقطعة تتقدر ببل والهمزة فَفِيهَا إِضْرَابٌ وَانْتِقَالٌ مِنْ خَبَرٍ إِلَى خَبَرٍ، وَاسْتِفْهَامٌ معناه التعجب والإنكار أي اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ يَتَّصِفُونَ بِالْإِحْيَاءِ وَيَقْدِرُونَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْإِمَاتَةِ، أَيْ لَمْ يَتَّخِذُوا آلِهَةً بِهَذَا الْوَصْفِ بَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً جَمَادًا لَا يَتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى شَيْءٍ فَهِيَ غَيْرُ آلِهَةٍ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْإِلَهِ الْقُدْرَةَ
стр. 4381
عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كيف أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّخَاذَ آلِهَةٍ تُنْشِرُ وَمَا كَانُوا يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِآلِهَتِهِمْ، وَهُمْ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّهُمْ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الله خالق السموات وَالْأَرْضِ وَبِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ كُلِّهَا وَعَلَى النَّشْأَةِ الْأُولَى مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالِ الْخَارِجِ عَنْ قُدْرَةِ الْقَادِرِ فَكَيْفَ يَدَّعُونَهُ لِلْجَمَادِ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالْقُدْرَةِ؟ قُلْتُ: الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ وَلَكِنَّهُمْ بِادِّعَائِهِمُ الْإِلَهِيَّةَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا لَهَا الْإِنْشَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ إِلَّا الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، وَالْإِنْشَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْدُورَاتِ وَفِيهِ بَابٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّجْهِيلِ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ مَا اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ اللَّهِ لَا يَصِحُّ اسْتِبْعَادُهُ لِأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ لَمَّا صَحَّتْ صَحَّ مَعَهَا الِاقْتِدَارُ عَلَى الْإِبْدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَنَحْوُ قَوْلِهِ مِنَ الْأَرْضِ قَوْلُكَ: فُلَانٌ مِنْ مَكَّةَ أَوْ من المدينة، تريد مكي أو مدني، وَمَعْنَى نِسْبَتِهَا إِلَى الْأَرْضِ الْإِيذَانُ بِأَنَّهَا الْأَصْنَامُ الَّتِي تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ لَا أَنَّ الْآلِهَةَ أَرْضِيَّةٌ وَسَمَاوِيَّةٌ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْأَمَةِ الَّتِي
قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيْنَ رَبُّكِ؟» فَأَشَارَتْ إلى السماء فقال: «إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»
لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّ مُرَادَهَا نَفْيُ الْآلِهَةِ الْأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْنَامُ لَا إِثْبَاتُ السَّمَاءِ مَكَانًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ آلِهَةٌ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تُنْحَتَ مِنْ بَعْضِ الْحِجَارَةِ أَوْ تُعْمَلَ مِنْ بَعْضِ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ فِي قَوْلِهِ هُمْ قُلْتُ: النُّكْتَةُ فِيهِ إِفَادَةُ مَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ كَأَنَّهُ قِيلَ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِنْشَاءِ إِلَّا هم وحدهم انتهى.
واتَّخَذُوا هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهَا صَنَعُوا وَصَوَّرُوا، ومِنَ الْأَرْضِ متعلق باتخذوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَعَلُوا الْآلِهَةَ أَصْنَامًا مِنَ الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً «١» وَقَوْلِهِ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا «٢» وَفِيهِ مَعْنَى الْاصْطِفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُنْشِرُونَ مُضَارِعُ أَنْشَرَ وَمَعْنَاهُ يُحْيُونَ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: مَعْنَاهُ يَخْلُقُونَ كَقَوْلِهِ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ «٣» . وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ يُنْشِرُونَ مُضَارِعُ نَشَرَ، وَهُمَا لُغَتَانِ نَشَرَ وَأَنْشَرَ مُتَعَدِّيَانِ، وَنَشَرَ يَأْتِي لَازِمًا تَقُولُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَوْتَى فَنَشَرُوا أَيْ فَحَيُوا، وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِما عَائِدٌ عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمَا كناية عن العالم. وإِلَّا صفة لآلهة أَيْ آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهُ وَكَوْنُ إِلَّا يُوصَفُ بِهَا مَعْهُودٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ ﵀:
стр. 4382
وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ لَوْ بِمَنْزِلَةِ إِنَّ فِي أَنَّ الْكَلَامَ مَعَهُ مُوجَبٌ وَالْبَدَلُ لَا يَسُوغُ إِلَّا فِي الْكَلَامِ غَيْرِ الْمُوجَبِ، كَقَوْلِهِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ «١» وَذَلِكَ لِأَنَّ أَعَمَّ الْعَامِّ يَصِحُّ نَفْيُهُ وَلَا يَصِحُّ إِيجَابُهُ، وَالْمَعْنَى لَوْ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا وَيُدَبِّرُ أَمْرَهُمَا آلِهَةٌ شَتَّى غَيْرُ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ فَاطِرُهُمَا لَفَسَدَتا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُدَبِّرُهُمَا إِلَّا وَاحِدًا، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ إِلَّا إِيَّاهُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ وجب الأمر ان قُلْتُ: لِعِلْمِنَا أَنَّ الرَّعِيَّةَ تَفْسُدُ بِتَدْبِيرِ الْمَلِكَيْنِ لِمَا يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّغَالُبِ وَالتَّنَاكُرِ وَالِاخْتِلَافِ.
وَعَنْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِينَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ كَانَ وَاللَّهِ أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ دَمِ نَاظِرَيَّ وَلَكِنْ لَا يَجْتَمِعُ فَحْلَانِ فِي شَوْلٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَأَمَّا طَرِيقَةُ التَّمَانُعِ فَلِلْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا تَجَادُلٌ وَطِرَادٌ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى تِلْكَ الذَّاتِ الْمُتَمَيِّزَةِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ حَتَّى تَثْبُتَ وَتَسْتَقِرَّ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَذْهَبُ بِمَا خَلَقَ، وَاقْتِضَابُ الْقَوْلِ فِي هَذَا أَنَّ إِلَهَيْنِ لَوْ فَرَضْنَا بَيْنَهُمَا الِاخْتِلَافَ فِي تَحْرِيكِ جِسْمٍ وَلَا تَحْرِيكِهِ فَمُحَالٌ أَنْ تَتِمَّ الْإِرَادَتَانِ، وَمُحَالٌ أَنْ لَا تَتِمَّ جَمِيعًا، وَإِذَا تَمَّتِ الْوَاحِدَةُ كَانَ صَاحِبُ الْأُخْرَى عَاجِزًا وَهَذَا لَيْسَ بِإِلَهٍ، وَجَوَازُ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِمَا بِمَنْزِلَةِ وُقُوعِهِ مِنْهُمَا، وَنَظَرٌ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَمُحَالٌ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتَانِ، فَإِذَا كَانَتْ قُدْرَةُ أَحَدِهِمَا تُوجِدُهُ فَفِي الْآخَرِ فَضْلًا لَا مَعْنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ ثُمَّ يتمادى النظر هكذا جزأ جزأ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: لَوْ فَرَضْنَا مَوْجُودَيْنِ وَاجِبَيِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْوُجُودِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَازَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِمَعِيَّتِهِ وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيْرُ مَا بِهِ الْمُمَايَزَةُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُشَارِكًا لِلْآخَرِ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى آخَرَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَإِذًا وَاجِبُ الْوُجُودِ لَيْسَ إِلَّا وَاحِدًا فَكُلُّ مَا عَدَا هَذَا فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّا لَمَّا دَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ مَوْجُودَيْنِ وَاجِبَيْنِ أَنْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا وَاجِبًا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الْوَاجِبُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمُمْكِنَاتِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْفَسَادُ فِي كُلِّ الْعَالَمِ.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ إِلَى قَوْلِكَ لَوْ كانَ فِيهِما
стр. 4383
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: مَا جَاءَنِي قَوْمُكَ إِلَّا زَيْدٌ عَلَى الْبَدَلِ لَكَانَ الْمَعْنَى جَاءَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ الْبَدَلُ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ إِيجَابٌ وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْاسْتِثْنَاءِ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: لَوْ جَاءَنِي الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا لَقَتَلْتُهُمْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَتْلَ امْتَنَعَ لِكَوْنِ زَيْدٍ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَوْ نُصِبَ فِي الْآيَةِ لكان المعنى فساد السموات وَالْأَرْضِ امْتَنَعَ لِوُجُودِ اللَّهِ مَعَ الْآلِهَةِ، وَفِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِ مَعَ اللَّهِ، وَإِذَا رُفِعَتْ عَلَى الْوَصْفِ لَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَوْ كانَ فِيهِما غَيْرُ اللَّهُ لَفَسَدَتا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ آلِهَةٌ هُنَا نَكِرَةٌ، وَالْجَمْعُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى. وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي إِلَّا اللَّهُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا لِأَنَّ مَا بَعْدَ لَوْ غَيْرُ مُوجَبٍ فِي الْمَعْنَى، وَالْبَدَلُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ أَحْسَنُ مِنَ الْوَصْفِ. وَقَدْ أَمْعَنَّا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ فِي مَسْأَلَةِ سِيبَوَيْهِ: لَوْ كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ إلّا زيد لَغَلَبْنَا أَنَّ الْمَعْنَى لَوْ كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مَكَانَ زَيْدٍ لَغَلَبْنَا فَإِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ الَّتِي بِمَعْنَى مَكَانٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّائِغِ: لَا يَصِحُّ الْمَعْنَى عِنْدِي إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِلَّا فِي مَعْنَى غَيْرِ الَّذِي يُرَادُ بِهَا الْبَدَلُ أَيْ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ عِوَضٌ وَاحِدٌ أَيْ بَدَلُ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ لَفَسَدَتا وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ سِيبَوَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا تَوْطِئَةً انْتَهَى.
وَلَمَّا أَقَامَ الْبُرْهَانَ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ بِقَوْلِهِ فَسُبْحانَ اللَّهِ ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مَالِكُ هَذَا الْمَخْلُوقِ الْعَظِيمِ الَّذِي جَمِيعُ الْعَالَمِ هُوَ مُتَضَمِّنُهُمْ ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَنِهَايَةِ الْحُكْمِ فقال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ إِذْ لَهُ أَنْ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَشَاءُ، وَفِعْلُهُ عَلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الْحِكْمَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ وَلَا تَعَقُّبَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ أَنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مَعَ إِمْكَانِ الْخَطَأِ فِيهَا، كَانَ مَلِكُ الْمُلُوكِ أَحَقَّ بِأَنْ لَا يُسْأَلَ هَذَا مَعَ عِلْمِنَا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْعَارِيَةُ عَنِ الْخَلَلِ وَالتَّعَقُّبِ، وَجَاءَ عَمَّا يَفْعَلُ إِذِ الْفِعْلُ جَامِعٌ لِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَهُ كُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ خَلْقٍ وَرِزْقٍ وَنَفْعٍ وَضُرٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ فِي قوله لا يُسْئَلُ الْعُمُومُ فِي الْأَزْمَانِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فِي الْقِيَامَةِ لا يُسْئَلُ عَنْ حُكْمِهِ فِي عِبَادِهِ وَهُمْ يُسْئَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: لَا يُحَاسَبُ وَهُمْ يُحَاسَبُونَ. وَقِيلَ: لَا يُؤَاخَذُ وَهُمْ يُؤَاخَذُونَ انْتَهَى. وَهُمْ يُسْئَلُونَ لِأَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ مُسْتَعْبَدُونَ وَاقِعٌ مِنْهُمُ الْخَطَأُ كَثِيرًا فَهُمْ جَدِيرُونَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ لِمَ فَعَلْتُمْ كَذَا.
стр. 4384
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: لَا يُسَلُ وَيُسَلُونَ بِفَتْحِ السِّينِ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى السِّينِ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ.
ثُمَّ كَرَّرَ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْإِنْكَارَ وَالتَّوْبِيخَ فَقَالَ: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً اسْتِفْظَاعًا لِشَأْنِهِمْ وَاسْتِعْظَامًا لِكُفْرِهِمْ، وَزَادَ فِي هَذَا التَّوْبِيخِ قَوْلُهُ مِنْ دُونِهِ فَكَأَنَّهُ وَبَّخَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْحُجَّةِ عَلَى مَا اتَّخَذُوا وَلَا حُجَّةَ تَقُومُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرِيكًا لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، بَلْ كُتُبُ اللَّهِ السَّابِقَةُ شَاهِدَةٌ بِتَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ كَمَا فِي الْوَحْيِ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أَيْ عِظَةٌ لِلَّذِينَ مَعِي وَهُمْ أُمَّتُهُ وَذِكْرُ لِلَّذِينَ مَنْ قَبْلِي وَهُمْ أُمَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَالذِّكْرُ هُنَا مُرَادٌ بِهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ ذِكْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَذِكْرُ الْآخِرِينَ بِالدَّعْوَةِ وَبَيَانِ الشَّرْعِ لَهُمْ، وَذِكْرُ الْأَوَّلِينَ بِقَصِّ أَخْبَارِهِمْ وَذِكْرِ الْغُيُوبِ فِي أُمُورِهِمْ. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا عَرْضُ الْقُرْآنِ فِي مَعْرِضِ الْبُرْهَانِ أَيْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَهَذَا بُرْهَانِي فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِإِضَافَةِ ذِكْرُ إِلَى مِنْ فِيهِمَا عَلَى إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ «١» .
وقرىء بتنوين ذِكْرُ فيهما ومِنْ مَفْعُولٌ مَنْصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً «٢» وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ وَطَلْحَةُ بِتَنْوِينٍ ذِكْرُ فِيهِمَا وَكَسْرِ مِيمِ مِنْ فِيهِمَا، وَمَعْنَى مَعِيَ هُنَا عِنْدِي، وَالْمَعْنَى هَذَا ذِكْرُ مَنْ عِنْدِي ومَنْ قَبْلِي أَيْ أُذَكِّرُكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي عِنْدِي كَمَا ذَكَّرَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي أُمَمَهُمْ، وَدُخُولُ مِنْ عَلَى مَعَ نَادِرٌ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى الصُّحْبَةِ وَالِاجْتِمَاعِ أُجْرِيَ مَجْرَى الظَّرْفِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَمَا دَخَلَتْ عَلَى قَبْلُ وَبَعْدُ وَعِنْدَ، وَضَعَّفَ أَبُو حَاتِمٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِدُخُولِ مِنْ عَلَى مَعَ وَلَمْ يَرَ لَهَا وَجْهًا. وَعَنْ طَلْحَةَ ذِكْرُ مُنَوَّنًا مَعِيَ دُونَ مِنْ وَذِكْرُ مُنَوَّنًا قَبْلِي دُونَ مِنْ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ وَذِكْرُ مَنْ بِالْإِضَافَةِ وَذِكْرُ مُنَوَّنًا مَنْ قَبْلِي بِكَسْرِ مِيمِ مِنْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الْحَقَّ بِالنَّصْبِ وَالظَّاهِرُ نَصْبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فَلَا يَعْلَمُونَ أَيْ أَصْلَ شَرِّهِمْ وَفَسَادِهِمْ هُوَ الْجَهْلُ وَعَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى التَّوْكِيدِ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ كَمَا تَقُولُ: هَذَا عَبْدُ الله الحق لا الْبَاطِلُ، فَأَكَّدَ نِسْبَةَ انْتِفَاءِ العلم عنهم،
стр. 4385
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِعْرَاضَ مُتَسَبِّبٌ عَنِ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ لَمَّا فَقَدُوا التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ تَعَالَى بِأَنَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَلَيْسَ الْمَعْنَى فَهُمْ مُعْرِضُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بَلِ الْمَعْنَى فَهُمْ مُعْرِضُونَ وَلِذَلِكَ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَحُمَيدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ الْحَقَّ بِالرَّفْعِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: ابْتِدَاءٌ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، أَوْ خَبَرٌ وَالْمُبْتَدَأُ قَبْلَهُ مُضْمَرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقَّ وَالْوَقْفُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى لَا يَعْلَمُونَ.
وقال الزمخشري: وقرىء الْحَقَّ بِالرَّفْعِ عَلَى تَوْسِيطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ بِسَبَبِ الْجَهْلِ هُوَ الْحَقُّ لَا الْبَاطِلُ انْتَهَى.
وَلَمَّا ذَكَرَ انْتِفَاءَ عِلْمِهِمُ الْحَقَّ وَإِعْرَاضَهُمْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا أَرْسَلَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا جَاءَ مُقَرِّرًا لِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ رَسُولٍ عَامًّا لَفْظًا وَمَعْنًى، أُفِرَدَ عَلَى اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ ثُمَّ جُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ فَاعْبُدُونِ وَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ فَاعْبُدْنِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، وَهَذِهِ الْعَقِيدَةُ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهَا النُّبُوَّاتُ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَشْيَاءَ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَقَرَأَ الْأَخَوَانِ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْقُطَعِيُّ وَابْنُ غَزْوَانَ عَنْ أَيُّوبَ وَخَلَفٍ وابن سعدان وابن عيسى وَابْنِ جَرِيرٍ نُوحِي بِالنُّونِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ عَاصِمٍ.
ثُمَّ نَزَّهَ تَعَالَى نَفْسَهُ عَمَّا نَسَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْوَلَدِ. قِيلَ: وَنَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ حَيْثُ قَالُوا:
الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى نَحْوَ هَذَا فِي عِيسَى واليهود في عزيز ثُمَّ أَضْرَبَ تَعَالَى عَنْ نِسْبَةِ الْوَلَدِ إِلَيْهِ فَقَالَ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ وَيَشْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ الْمَلَائِكَةَ وَعُزَيْرًا وَالْمَسِيحَ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ نَزَّهَ ذَاتَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ عِبادٌ وَالْعُبُودِيَّةُ تُنَافِي الْوِلَادَةَ إِلَّا أَنَّهُمْ مُكْرَمُونَ مُقَرَّبُونَ عِنْدِي مُفَضَّلُونَ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ أَحْوَالٍ وَصِفَاتٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ، فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي غَرَّ مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ أَوْلَادِي تَعَالَيْتُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا انْتَهَى. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ مُكْرَمُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ. وقرىء بِضَمِّهَا مِنْ سَابَقَنِي فَسَبَقْتُهُ أَسْبِقُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ قَوْلَهُ وَلَا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتَّى يَقُولَهُ: فَلَا يَسْبِقُ قولهم قوله. وأل فِي بِالْقَوْلِ نَابَتْ مَنَابَ الضَّمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ أَيْ بِقَوْلِهِمْ وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ فَأُنِيبَتِ اللَّامُ مَنَابَ الْإِضَافَةِ أَوِ الضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ أَيْ بِالْقَوْلِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ.
стр. 4386
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ تَابِعٌ لِقَوْلِهِ كَذَلِكَ فِعْلُهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرِهِ لَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَغُّلِهِمْ فِي طَاعَتِهِ وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِهِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَالْحَوَادِثُ الَّتِي لَهَا إِلَيْهِمْ تَسَبُّبٌ وَمَا تَأَخَّرَ وَعَلِمُهُ بِذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى السَّبَبِ لِطَاعَتِهِمْ لِمَا عَلِمُوهُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى نِهَايَةِ الْخُضُوعِ وَالدَّؤُوبِ عَلَى الْعِبَادَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ مَا قَدَّمُوا وَمَا أَخَّرُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ نَحْوَهُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: مَا عَمِلُوا وَمَا لَمْ يَعْمَلُوا بَعْدُ، وَقِيلَ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الْآخِرَةُ وَما خَلْفَهُمْ الدُّنْيَا. وَقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ. وَقِيلَ يَعْلَمُ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَهُمْ وَمَا كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِمْ.
وَلَمَّا كَانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَمْرِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِهِمْ لَمْ يَجْسُرُوا عَلَى أَنْ يَشْفَعُوا إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ وَأَهَّلَهُ لِلشَّفَاعَةِ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ وَالتَّعْظِيمِ، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ مُتَوَقِّعُونَ حَذِرُونِ لَا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَنِ ارْتَضى هُوَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَشَفَاعَتُهُمُ: الِاسْتِغْفَارُ. وَقَالَ مُجَاهِد: لِمَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ أَنْ يَشْفَعَ.
وَقِيلَ: شَفَاعَتُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَبَعْدَ أَنْ وَصَفَ كَرَامَتَهُمْ عَلَيْهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَأَضَافَ إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَفْعَالَ السنية فجاء بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَأَنْذَرَ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ أَنَّهُ إِلَهٌ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعَرْضِ وَالتَّمْثِيلِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَقَوْلِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ «١» قَصَدَ بِذَلِكَ تَفْظِيعَ أَمْرِ الشِّرْكِ وَتَعْظِيمَ شَأْنِ التَّوْحِيدِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَجْزِيهِ بِفَتْحِ النُّونِ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي بِضَمِّهَا أَرَادَ نجزئه بالهمز من أجزائي كَذَا كَفَانِي، ثُمَّ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ فَانْقَلَبَتْ يَاءً كَذَلِكَ أَيْ مِثْلِ هَذَا الْجَزَاءِ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وَهُمُ الْكَافِرُونَ وَالْوَاضِعُونَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَأَدَاةُ الشَّرْطِ تَدْخُلُ عَلَى الْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ نَحْوَ قَوْلِهِ لَئِنْ أَشْرَكْتَ «٢» .
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ
стр. 4387
وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
هَذَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ لِمَنِ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، وَدَلَالَةٌ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ، وَتَوْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وَرَدٌّ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِلَهَ الْقَادِرَ عَلَى هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُتَصَرِّفَ فِيهَا التَّصَرُّفَ الْعَجِيبَ، كَيْفَ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبَادَتِهِ إِلَى عِبَادَةِ حَجَرٍ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَالرُّؤْيَةُ هُنَا مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ. وَقِيلَ: مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ وَذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الرَّتْقِ وَالْفَتْقِ. وقرأ ابن كثير وحميد وَابْنُ مُحَيْصِنٍ أَلَمْ يَرَ بِغَيْرِ وَاوِ الْعَطْفِ وَالْجُمْهُورُ أَوَلَمْ بِالْوَاوِ. كانَتا قَالَ الزجاج: السموات جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدُ، وَلِهَذَا قَالَ كانَتا رَتْقاً لِأَنَّهُ أَرَادَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَمِنْهُ أَنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السموات وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا جَعَلَ السموات نَوْعًا وَالْأَرَضِينَ نَوْعًا، فَأَخْبَرَ عَنِ النَّوْعَيْنِ كَمَا أَخْبَرَ عَنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقُولُ:
أَصْلَحْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَمَرَّ بِنَا غَنَمَانِ أَسْوَدَانِ لِقَطِيعَيْ غَنَمٍ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: قَالَ كانَتا رَتْقاً والسموات جَمْعٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الصِّنْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:
إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلَاهُمَا ... يُوَفِّي الْمَحَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي
لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّوْعَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجِنْسَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ كانَتا دُونَ كُنَّ لِأَنَّ الْمُرَادَ جَمَاعَةُ السَّماواتِ وَجَمَاعَةُ الْأَرْضَ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ:
لَقَاحَانِ سَوْدَاوَانِ إِنْ أَرَادَ جَمَاعَتَانِ فَعَلَ فِي الْمُضْمَرِ مَا فُعِلَ فِي الْمُظْهَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَقَالَ كانَتا مِنْ حَيْثُ هُمَا نَوْعَانِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُيَيْمٍ:
أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ جِبَالَ قَيْسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتِ انْقِطَاعًا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: كَانَتَا شَيْئًا وَاحِدًا فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا بِالْهَوَاءِ. وَقَالَ كعب: خلق الله السموات وَالْأَرْضَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا بِوَسَطِهَا ففتحها بها وجعل السموات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا. وَقَالَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيُّ وَأَبُو صَالِحٍ: كانت السموات وَالْأَرْضُ مُؤْتَلِفَةً طَبَقَةً وَاحِدَةً ففتقها فجعلها سبع سموات، وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ كَانَتْ مُرْتَتِقَةً طَبَقَةً وَاحِدَةً فَفَتَقَهَا وَجَعَلَهَا سبعا. وقالت فرقة: السموات وَالْأَرْضُ رَتْقٌ بِالظُّلْمَةِ وَفَتَقَهَا اللَّهُ بِالضَّوْءِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: السَّمَاءُ قَبْلَ الْمَطَرِ رَتْقٌ، وَالْأَرْضُ قَبْلَ النَّبَاتِ رَتْقٌ فَفَتَقْناهُما بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ كَمَا قَالَ وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ «١» قَالَ
стр. 4388
ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ الْعِبْرَةَ وَتَعْدِيدَ النِّعْمَةِ وَالْحُجَّةَ لِلْمَحْسُوسِ بَيِّنٌ، وَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَيْ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أَوْجَدَهُ الْفَتْقُ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ مِنَ الْبَصَرِ وَعَلَى مَا قَبْلَهُمَا مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، وَجَاءَ تَقْرِيرُهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مُعْجِزَةٌ فِي نَفْسِهِ فَقَامَ مَقَامَ الْمَرْئِيِّ الْمُشَاهَدِ، وَلِأَنَّ تَلَاصُقَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَتَبَايُنَهُمَا كِلَاهُمَا جَائِزٌ فِي الْعَقْلِ فَلَا بُدَّ لِلتَّبَايُنِ دُونَ التَّلَاصُقِ مِنْ مُخَصِّصٍ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ رَتْقاً بِسُكُونِ التَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ كَزَوْرٍ وَعَدْلٍ فَوَقَعَ خَبَرًا لِلْمُثَنَّى. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَيْوَةَ وَعِيسَى رَتْقاً بِفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ اسْمُ الْمَرْتُوقِ كَالْقَبْضِ وَالنَّفْضِ، فَكَانَ قِيَاسُهُ أَنْ يُبْنَى لِيُطَابِقَ الْخَبَرُ الِاسْمَ. فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أَيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقاً. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ:
الْأَكْثَرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَرِّكُ مِنْهُ اسْمًا بِمَعْنَى المفعول والساكن مصدر، أَوْ قَدْ يَكُونَانِ مَصْدَرَيْنِ لَكِنَّ الْمُتَحَرِّكَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ لَكِنَّ هُنَا الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ فَأُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْمَفْعُولَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ كانَتا رَتْقاً فَلَوْ جَعَلْتَ أَحَدَهُمَا اسْمًا لَوَجَبَ أَنْ تُثَنِّيَهُ فَلَمَّا قَالَ رَتْقاً كَانَ فِي الْوَجْهَيْنِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ وَرَجُلَيْنِ عَدْلٍ وَقَوْمٍ عَدْلٍ انْتَهَى.
وَجَعَلْنا إِنْ تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ كَانَتْ بِمَعْنَى وَخَلَقْنَا مِنَ الْماءِ كُلَّ حَيَوَانٍ أَيْ مَادَّتُهُ النُّطْفَةُ قَالَهُ قُطْرُبٌ وَجَمَاعَةٌ أَوْ لَمَّا كَانَ قِوَامُهُ الْمَاءَ الْمَشْرُوبَ وَكَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ جُعِلَ مَخْلُوقًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ «١» قال الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَكُونُ الْحَيَاةُ عَلَى هَذَا حَقِيقَةً وَيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ عَامًّا مَخْصُوصًا إِذْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَلَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنْ نُطْفَةٍ وَلَا مُحْتَاجِينَ لِلْمَاءِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ خَلَقْنَا كُلَّ نَامٍ مِنَ الْمَاءِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّبَاتُ وَالْمَعْدِنُ، وَتَكُونُ الْحَيَاةُ فِيهِمَا مَجَازًا أَوْ عَبَّرَ بِالْحَيَاةِ عَنِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ وَهُوَ النُّمُوُّ وَيَكُونُ أَيْضًا عَلَى هَذَا عَامًّا مَخْصُوصًا، وَإِنْ تَعَدَّتْ جَعَلْنا لِاثْنَيْنِ فَالْمَعْنَى صَيَّرْنَا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِسَبَبٍ مِنَ الْمَاءِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ حَيٍّ بِالْخَفْضِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ. وَقَرَأَ حُمَيْدٌ حَيًّا بِالنَّصْبِ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِجَعَلْنَا، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ لَغْوٌ أَيْ لَيْسَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لَجَعَلْنا أَفَلا يُؤْمِنُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ مِنْ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ هَذِهِ
стр. 4389
الْأَدِلَّةَ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا وَيَتْرُكُوا طَرِيقَةَ الشِّرْكِ، وَأَطْلَقَ الْإِيمَانَ عَلَى سَبَبِهِ وَقَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلَيْنِ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْأَرْضِيَّةِ فَقَالَ: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا وَهَذَا دَلِيلٌ رَابِعٌ مِنَ الدَّلَائِلِ الْأَرْضِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فِيها عَائِدٌ عَلَى الْأَرْضِ. وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الرَّوَاسِي، وَجَاءَ هُنَا تَقْدِيمُ فِجاجاً عَلَى قَوْلِهِ سُبُلًا وَفِي سُورَةِ نُوحٍ لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً «١» . فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهِيَ يَعْنِي فِجاجاً صِفَةٌ وَلَكِنْ جُعِلَتْ حَالًا كَقَوْلِهِ:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ يَعْنِي أَنَّهَا حَالٌ مِنْ سُبُلٍ وَهِيَ نَكِرَةٌ، فَلَوْ تَأَخَّرَ فِجاجاً لَكَانَ صِفَةً كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؟ قُلْتُ:
وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا إِعْلَامٌ بِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا طُرُقًا وَاسِعَةً، وَالثَّانِي بِأَنَّهُ حِينَ خَلَقَهَا خَلَقَهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ بَيَانٌ لِمَا أُبْهِمَ ثَمَّةَ انْتَهَى. يَعْنِي بِالْإِبْهَامِ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ مُتَّصِفًا بِهِ حَالَةَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ قِيَامَهُ بِهِ حَالَةَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ:
مَرَرْتُ بِوَحْشِيٍّ الْقَاتِلِ حَمْزَةَ، فَحَالَةُ الْمُرُورِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِهِ قَتْلُ حَمْزَةَ، وَأَمَّا الْحَالُ فَهِيَ هَيْئَةُ مَا تُخْبِرُ عَنْهُ حَالَةَ الْإِخْبَارِ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ فِي مَسَالِكِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ. وَمَا رُفِعَ وَسُمِكَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ سَقْفٌ. قَالَ قَتَادَةُ: حِفْظٌ مِنَ الْبِلَى وَالتَّغَيُّرِ عَلَى طُولِ الدَّهْرِ. وَقِيلَ: حِفْظٌ مِنَ السُّقُوطِ لِإِمْسَاكِهِ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ وَلَا عِمَادٍ. وَقِيلَ: حِفْظٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي. وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
حِفْظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ بِالرُّجُومِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رسول الله ﷺ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «إِنَّ السَّمَاءَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي السَّهْمُ مَحْفُوظًا مِنَ الشَّيَاطِينِ»
وَإِذَا صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ نَصًّا فِي مَعْنَى الْآيَةِ.
وَهُمْ عَنْ آياتِها أَيْ عَنْ مَا وَضَعَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْعِبَرِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَسَائِرِ النَّيِّرَاتِ وَمَسَايِرِهَا وَطُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا عَلَى الْحِسَابِ الْقَوِيمِ وَالتَّرْتِيبِ الْعَجِيبِ الدَّالِّ عَلَى الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ عَنْ آياتِها بِالْجَمْعِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيدٌ عَنْ آيَتِهَا بِالْإِفْرَادِ، فَيَجُوزُ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَعْلَ أَوِ السَّقْفَ أَوِ الْخَلْقَ أَيْ خَلْقَ السماء آية واحدة
стр. 4390
تَحْوِي الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَيَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الْجَمْعَ فَجَعَلَهَا اسْمَ الْجِنْسِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَثْرَةُ مَا فِي السَّمَاءِ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْمَعْنَى وَهُمْ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِآيَاتِهَا مُعْرِضُونَ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمْ يَتَفَطَّنُونَ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مِنَ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَاوِيَّةِ كَالِاسْتِضَاءَةِ بِقَمَرَيْهَا وَالِاهْتِدَاءِ بِكَوَاكِبِهَا وَحَيَاةِ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ بِأَمْطَارِهَا وَهُمْ عَنْ كَوْنِهَا آيَةً بَيِّنَةً عَلَى الْخَالِقِ مُعْرِضُونَ.
وَالتَّنْوِينُ فِي كُلٌّ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْفَلَكُ الْجِسْمُ الدَّائِرُ دَوْرَةَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: الْفَلَكُ السَّمَاءُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَحْتَ السَّمَاءِ تَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَلَكُ اسْتِدَارَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَدُورُ بِالنُّجُومِ مَعَ ثُبُوتِ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: الْفَلَكُ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ النُّجُومُ وَهُوَ قُطْبُ الشَّمَالِ. وَقِيلَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّيَّارَاتِ فَلَكٌ، وَفَلَكُ الْأَفْلَاكِ يُحَرِّكُهَا حَرَكَةً وَاحِدَةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَلَكُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَدَارُ هَذِهِ النُّجُومِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جِسْمٌ وَفِيهِ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا يَسْبَحُ فِي فَلَكٍ وَاحِدٍ. قِيلَ:
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فَلَكٌ يَخُصُّهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: كَسَاهُمُ الْأَمِيرُ حُلَّةً أَيْ كَسَى كُلَّ وَاحِدٍ، وَجَاءَ يَسْبَحُونَ بِوَاوِ الْجَمْعِ الْعَاقِلِ، فَأَمَّا الْجَمْعُ فَقِيلَ ثَمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ وَهُوَ وَالنُّجُومُ، وَلِذَلِكَ عَادَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ لَكَانَ يَسْبَحَانِ مُثَنًّى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِنْسُ الطَّوَالِعِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ جَعَلُوهَا مُتَكَاثِرَةً لِتَكَاثُرِ مَطَالِعِهَا وَهُوَ السَّبَبُ فِي جَمْعِهَا بِالشُّمُوسِ وَالْأَقْمَارِ، وَإِلَّا فَالشَّمْسُ وَاحِدَةٌ وَالْقَمَرُ وَاحِدٌ انْتَهَى. وَحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُ جَاءَ فَاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ضَمِيرَ مَنْ يَعْقِلُ وَلَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ يُسَبِّحْنَ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَمَّا كَانَتِ السِّبَاحَةُ مِنْ أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ جَاءَ مَا أُسْنِدَ إليهما مجموعا مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «١» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ:
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ سِينَا سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهَا عِنْدَهُ تَعْقِلُ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ فَلَا مَحَلَّ لَهَا، أَوْ مَحَلُّهَا النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَتَّصِفَانِ بِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي فَلَكٍ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَهِنْدًا مُتَبَرِّجَةً وَالسِّبَاحَةُ: الْعَوْمُ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هُمَا اللَّذَانِ يَجْرِيَانِ فِي الْفَلَكِ، وَأَنَّ الْفَلَكَ لا يجري.
стр. 4391
وَما جَعَلْنا الْآيَةَ.
قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَمُوتَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَلَّدٌ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: طَعَنَ كُفَّارُ مَكَّةَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَشَرٌ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمُوتُ فَكَيْفَ يَصِحُّ إِرْسَالُهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانُوا يُقَدِّرُونَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فَيَشْمَتُونَ بِمَوْتِهِ فَنَفَى اللَّهُ عَنْهُ الشَّمَاتَةَ بِهَذَا أَيْ قَضَى اللَّهُ أَنْ لَا يُخَلِّدَ فِي الدُّنْيَا بَشَرًا فَلَا أَنْتَ وَلَا هُمْ إِلَّا عُرْضَةً لِلْمَوْتِ فَإِنْ مِتَّ أَيَبْقَى هَؤُلَاءِ؟ وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى ... تَزَوَّدْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا
وَالْفَاءُ في أَفَإِنْ مِتَّ للعطف قُدِّمَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ، دَخَلَتْ عَلَى إِنِ الشَّرْطِيَّةِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا جَوَابٌ لِلشَّرْطِ، وَلَيْسَتْ مَصَبَّ الِاسْتِفْهَامِ فَتَكُونُ الْهَمْزَةُ دَاخِلَةً عَلَيْهَا، وَاعْتَرَضَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا فَحُذِفَ جَوَابُهُ هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وَزَعَمَ يُونُسُ أَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ هِيَ مَصَبُّ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ دَاخِلَةٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ انْتَهَى. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى مَا زَعَمَ يُونُسُ لَكَانَ التَّرْكِيبُ أَفَإِنْ مِتَّ هُمُ الْخالِدُونَ بِغَيْرِ فَاءٍ، وَلِلْمَذْهَبَيْنِ تَقْرِيرٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَنَبْلُوكُمْ نَخْتَبِرُكُمْ وَقَدَّمَ الشَّرَّ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِهِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ تُقَدِّمُ الْأَقَلَّ وَالْأَرْدَأَ، وَمِنْهُ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ هُنَا عَامٌّ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
هَذَانِ الْأَخِيرَانِ لَيْسَا دَاخِلَيْنِ فِي هَذَا لِأَنَّ من هدى فليس هذه اخْتِيَارًا وَلَا مَنْ أَطَاعَ. بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ خَيْرُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ هُنَا كُلُّ مَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً وَابْتِلَاءً انْتَهَى.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ أَتَصْبِرُونَ عَلَى الشِّدَّةِ وَتَشْكُرُونَ عَلَى الرَّخَاءِ أَمْ لَا.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَقْرُ وَالْمَرَضُ وَالْغِنَى وَالصِّحَّةُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمَحْبُوبُ وَالْمَكْرُوهُ، وَانْتَصَبَ فِتْنَةً عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى نَبْلُوكُمْ وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ فَنُجَازِيكُمْ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْكُمْ فِي حَالَةِ الِابْتِلَاءِ مِنَ الصَّبْرِ
стр. 4392
وَالشُّكْرِ، وَفِي غَيْرِ الِابْتِلَاءِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تُرْجَعُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ بِالتَّاءِ مَفْتُوحَةً مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الْيَاءِ لِلْغَيْبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ.
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ.
قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: مَرَّ الرَّسُولُ ﵊ بِأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا نَبِيُّ عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَمَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَسَمِعَهُمَا الرَّسُولُ ﷺ فَقَالَ لِأَبِي جَهْل: «مَا تَنْتَهِي حَتَّى يَنْزِلَ بِكَ مَا نَزَلَ بِعَمِّكِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ فَإِنَّمَا قُلْتَ مَا قُلْتَ حَمِيَّةً» فَنَزَلَتْ.
وَلَمَّا كَانَ الْكُفَّارُ يَغُمُّهُمْ ذِكْرُ آلِهَتِهِمْ بِسُوءٍ شَرَعُوا فِي الِاسْتِهْزَاءِ وَتَنْقِيصِ مَنْ يَذْكُرُهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وإِنْ نَافِيَةٌ بِمَعْنَى مَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ إِذا هُوَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ وَجَوَابُ إِذَا بِإِنِ النَّافِيَةِ لَمْ يَرِدْ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا هَذَا وَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً «١» وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْفَاءِ فِي الْجَوَابِ كَمَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ مَا إِذَا وَقَعَتْ جَوَابًا كَقَوْلِهِ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ «٢» مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ بِخِلَافِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَ الْجَوَابُ مُصَدَّرًا بِمَا النَّافِيَةِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَاءِ، نَحْوَ إِنْ تَزُورُنَا فَمَا نُسِيءُ إِلَيْكَ.
وَفِي الْجَوَابِ لِإِذَا بِإِنْ وَمَا النَّافِيَتَيْنِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ إِذا لَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِلْجَوَابِ، بَلِ الْعَامِلُ فِيهَا الْفِعْلُ الَّذِي يَلِيهَا وَلَيْسَتْ مُضَافَةً لِلْجُمْلَةِ خِلَافًا لِأَكْثَرِ النُّحَاةِ. وَقَدِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وَقِيلَ: جَوَابُ إِذا مَحْذُوفٌ وَهُوَ يَقُولُونَ الْمَحْكِيُّ بِهِ قَوْلُهُمْ أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَقَوْلُهُ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ إِذا وجوابه ويَتَّخِذُونَكَ
стр. 4393
يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي هُزُواً أَيْ مَهْزُوأً بِهِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ فِيهِ إِنْكَارٌ وتعجيب.
وَالذِّكْرُ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَبِالشَّرِّ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُهُ فَالْقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صَدِيقٍ فَالذِّكْرُ ثَنَاءٌ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَذَمٌّ، وَمِنْهُ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ «١» أَيْ بِسُوءٍ، وَكَذَلِكَ هُنَا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ.
ثُمَّ نَعَى عَلَيْهِ إِنْكَارَهُمْ عَلَيْهِ ذِكْرَ آلِهَتِهِمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ وَهِيَ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ أَيْ يُنْكِرُونَ وَهَذِهِ حَالُهُمْ يَكْفُرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَا أَنْزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ على من يغيب آلِهَتَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقُولُونَ الْمَحْذُوفِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وَهُمْ عَلَى حَالٍ هِيَ أَصْلُ الْهُزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ وَهِيَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ انْتَهَى. فَجَعَلَ الْجُمْلَةَ الْحَالِيَّةَ الْعَامِلَ فِيهَا يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا الْمَحْذُوفَةَ وَكَرَّرَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ أَنْكَرُوا لَفْظَةَ الرَّحْمنِ وَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا فِي الْيَمَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَنِ هُنَا اللَّهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَلَمَّا كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذَابَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ الْمُلْجِئَةَ إِلَى الْإِقْرَارِ وَالْعِلْمِ نَهَاهُمْ تَعَالَى عَنِ الِاسْتِعْجَالِ وَقَدَّمَ أَوَّلًا ذَمَّ الْإِنْسانُ عَلَى إِفْرَاطِ الْعَجَلَةِ وَأَنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هُنَا اسْمُ الْجِنْسِ وَكَوْنُهُ خُلِقَ مِنْ عَجَلٍ وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ لَمَّا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُ كَثِيرًا. كَمَا يَقُولُ لِمُكْثِرِ اللَّعِبِ أَنْتَ مِنْ لَعِبٍ،
وَفِي الْحَدِيثِ «لَسْتُ مِنْ دَدٍ وَلَا دَدٌ مِنِّي» .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنَّا لَمِمَّا يَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَمِ
لَمَّا كَانُوا أَهْلَ ضَرْبِ الْهَامِ وَمُلَازَمَةِ الْحَرْبِ قَالَ: إِنَّهُمْ مِنَ الضَّرْبِ، وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ يَتِمُّ مَعْنَى الْآيَةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سَأُرِيكُمْ آياتِي أَيْ آيَاتِ الْوَعِيدِ فَلا تَسْتَعْجِلُونِ فِي رُؤْيَتِكُمُ الْعَذَابَ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، وَمَنْ يَدَّعِي الْقَلْبَ فِيهِ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو وَأَنَّ التَّقْدِيرَ خَلْقُ الْعَجَلِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَكَذَا قِرَاءَةُ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ جُعِلَ طَبِيعَةً من طبائعه وجزأ مِنْ أَخْلَاقِهِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْقَلْبَ الصَّحِيحَ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ وَإِنَّ بَابَهُ الشِّعْرُ. قِيلَ: فَمِمَّا جَاءَ فِي الْكَلَامِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِذَا طَلَعَتِ الشِّعْرَى اسْتَوَى الْعُودُ على الحر باء. وَقَالُوا: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ وَفِي الشِّعْرِ قَوْلُهُ:
стр. 4394
حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخُذُهُ وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ الْإِنْسانُ هُنَا آدَمُ.
قَالَ مُجَاهِد: لَمَّا دَخَلَ الرُّوحُ رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ رَأَى الشَّمْسَ قَارَبَتِ الْغُرُوبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ عَجِّلْ تَمَامَ خَلْقِي قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: لَمَّا بَلَغَتِ الرُّوحُ رُكْبَتَيْهِ كَادَ يَقُومُ فَقَالَ اللَّهُ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَجَلَةٍ فِي خَلْقِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ مِنْ عَجَلٍ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مِنْ عَجَلٍ أَيْ ضَعِيفٍ يَعْنِي النُّطْفَةَ. وَقِيلَ: خُلِقَ بِسُرْعَةٍ وَتَعْجِيلٍ عَلَى غَيْرِ تريب الْآدَمِيِّينَ مِنَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ، وَهَذَا يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْأَخْفَشِ. وَقِيلَ: مِنْ عَجَلٍ مِنْ طِينٍ وَالْعَجَلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ الطِّينُ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِبَعْضِ الْحِمْيَرِيِّينَ:
النَّبْعُ فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبَتُهُ ... وَالنَّخْلُ مَنْبَتُهُ فِي الْمَاءِ وَالْعَجَلِ
وَقِيلَ: الْإِنْسانُ هُنَا النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَيْهِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ آخِرَهَا. وَالْآيَاتُ هُنَا قِيلَ: الْهَلَاكُ الْمُعَجَّلُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ يَأْتِيكُمْ فِي وَقْتِهِ. وَقِيلَ: أَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الرَّسُولِ. وَقِيلَ: آثَارُ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ بِالشَّامِ وَالْيَمَنِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ أي سيأتي ما يسوؤكم إِذَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ نَهَاهُمْ عَنِ الِاسْتِعْجَالِ مَعَ قَوْلِهِ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ وَقَوْلِهِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا «١» أَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؟ قُلْتُ: هَذَا كَمَا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْلِبَهَا لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْقُدْرَةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِهَا قَمْعَ الشَّهْوَةِ وَتَرْكَ الْعَجَلَةِ انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِزَالِ.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيدٌ وَابْنُ مِقْسَمٍ خُلِقَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ الْإِنْسانُ بِالنَّصْبِ أَيْ خُلِقَ اللَّهُ الْإِنْسانُ وَقَوْلُهُ مَتى هذَا الْوَعْدُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى جِهَةِ الْهُزْءِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَعَّدُونَهُمْ على لسان الشرع ومَتى فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ لِهَذَا فموضعه دفع، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ مَوْضِعَ مَتى نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ وَالْعَامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ يَكُونُ أَوْ يَجِيءُ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَحَذْفُهُ أَبْلَغُ وَأَهْيَبُ مِنَ النَّصِّ عَلَيْهِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمَّا اسْتَعْجَلُوا وَنَحْوَهُ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا كَانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الْكُفْرِ
стр. 4395
وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِعْجَالِ. وَقِيلَ: لَعَلِمُوا صِحَّةَ الْبَعْثِ. وَقِيلَ: لَعَلِمُوا صِحَّةَ الْمَوْعُودِ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: لَسَارَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِ السَّاعَةِ وَحِينَ يُرَادُ بِهِ وَقْتُ السَّاعَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ تأتيهم بغتة انتهى.
وحِينَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمَ أَيْ لَوْ يَعْلَمُونَ الْوَقْتَ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ مَتى هذَا الْوَعْدُ وَهُوَ وَقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ تُحِيطُ بِهِمُ النَّارُ مِنْ وَرَاءُ وَقُدَّامُ، وَلَكِنَّ جَهْلَهُمْ بِهِ هُوَ الَّذِي هَوَّنَهُ عِنْدَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مَتْرُوكًا فَلَا تَعْدِيَةَ بِمَعْنَى لَوْ كَانَ مَعَهُمْ عِلْمٌ وَلَمْ يَكُونُوا جَاهِلِينَ لَمَا كَانُوا مُسْتَعْجِلِينَ، وحِينَ مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أَيْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْبَاطِلِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُمْ هَذَا الْجَهْلُ الْعَظِيمُ أَيْ لَا يَكُفُّونَهَا انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَفْعُولَ يَعْلَمُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ أَيْ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ الْمَوْعُودِ الَّذِي سألوا عنه واستنبطوه.
وحِينَ مَنْصُوبٌ بِالْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ مَجِيءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِعْمَالِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَأُعْمِلَ الثَّانِي وَالْمَعْنَى لَوْ يَعْلَمُونَ مُبَاشَرَةَ النَّارِ حِينَ لَا يَكُفُّونَهَا عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَذَكَرَ الْوُجُوهَ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مَا فِي الإنسان وعجل حَوَاسِّهِ، وَالْإِنْسَانُ أَحْرَصُ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا الظُّهُورَ وَالْمُرَادُ عُمُومُ النَّارِ لِجَمِيعِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَحَدَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً أَيْ تَفْجَؤُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَلْ تَأْتِيهِمْ اسْتِدْرَاكٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ تَقْدِيرُهُ إِنَّ الْآيَاتِ لَا تَأْتِي بِحَسَبِ اقْتِرَاحِهِمْ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي تَأْتِيهِمْ عَائِدٌ عَلَى النَّارِ: وَقِيلَ: عَلَى السَّاعَةِ الَّتِي تُصَبِّرُهُمْ إِلَى الْعَذَابِ. وَقِيلَ: عَلَى الْعُقُوبَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيِّ: فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى النَّارِ أَوْ إِلَى الْوَعْدِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّارِ وَهِيَ الَّتِي وَعَدُوهَا، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْعِدَةِ وَالْمَوْعِدَةِ أَوْ إِلَى الْحِينِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّاعَةِ أَوْ إِلَى الْبَعْثَةِ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بَلْ يَأْتِيهِمْ بِالْيَاءِ بَغْتَةً بِفَتْحِ الْغَيْنِ فَيَبْهَتُهُمْ بِالْيَاءِ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْوَعْدِ أَوِ الْحِينِ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: لَعَلَّهُ جَعَلَ النَّارَ بِمَعْنَى الْعَذَابِ فَذَكَرَ ثُمَّ رَدَّ رَدَّهَا إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أَيْ يُؤَخَّرُونَ عَمَّا حَلَّ بِهِمْ. وَلَمَّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً سَلَّاهُ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ وَقَعَ مِنْ أُمَمِهِمُ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ، وَأَنَّ ثَمَرَةَ اسْتِهْزَائِهِمْ جَنَوْهَا هَلَاكًا وَعِقَابًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَذَلِكَ حَالُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئِينَ. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْأَنْعَامِ.
ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ مَنِ الَّذِي يَحْفَظُكُمْ فِي أَوْقَاتِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ أَيْ لَا أَحَدَ
стр. 4396
يَحْفَظُكُمْ مِنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ. وَفِي آخِرِ الْكَلَامِ تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَانِعٌ وَلَا كالىء، وَعَلَى هَذَا النَّفْيِ تَرْكِيبُ بَلْ فِي قَوْلِهِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ هُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ لَا يُخْطِرُونَهُ بِبَالِهِمْ فَضْلًا أَنْ يَخَافُوا بَأْسَهُ حَتَّى إِذَا رُزِقُوا الْكِلَاءَةَ مِنْهُ عَرَفُوا مَنِ الْكَالِئُ وَصَلَحُوا لِلسُّؤَالِ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَمَرَ رَسُولَهُ بِسُؤَالِهِمْ عَنِ الْكَالِئِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ مَنْ يَكْلَؤُهُمْ انْتَهَى. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَشَيْبَةُ: يَكْلُوكُمْ بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ يَكْلُوكُمْ بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ.
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ بِمَعْنَى بَلْ، وَالْهَمْزَةُ كَأَنَّهُ قِيلَ بَلْ أَلَهُمْ آلِهَةٌ فَأَضْرَبَ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ مِنْ دُونِنا مُتَعَلِّقٌ بِتَمْنَعُهُمْ انْتَهَى. قِيلَ: وَالْمَعْنَى أَلْهُمْ آلِهَةٌ تَجْعَلُهُمْ فِي مَنَعَةٍ وَعِزٍّ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَتِنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ مِنْ دُونِنَا تَمْنَعُهُمْ تَقُولُ: مَنَعْتُ دُونَهُ كَفَفْتُ أَذَاهُ فَمِنْ دُونِنَا هُوَ مِنْ صِلَةٍ آلِهَةٌ أَيْ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ دُونَنَا أَوْ مِنْ صِلَةٍ تَمْنَعُهُمْ أَيْ أَمْ لَهُمْ مَانِعٌ مِنْ سِوَانَا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْإِخْبَارَ عَنْ آلِهَتِهِمْ فَبَيَّنَ أَنَّ مَا لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَى نَصْرِ نَفْسِهِ وَمَنْعِهَا وَلَا بِمَصْحُوبٍ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ كَيْفَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ وَيَنْصُرُهُ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ. وَقَالَ مُجَاهِد: يُنْصُرُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يُصْحَبُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا ... لِيُصْحَبَ مِنَّا وَالرِّمَاحُ دَوَانِ
وَقَالَ مُجَاهِد: يُحْفَظُونَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يَصْحَبُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرَ فِي وَلا هُمْ عَلَى الْأَصْنَامِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. وَقِيلَ: عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي التَّحْرِيرِ مَدَارُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يَعْنِي يُصْحَبُونَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِنْ صَحِبَ يَصْحَبُ، وَالثَّانِي مِنَ الْإِصْحَابِ أَصْحَبَ الرَّجُلَ مَنَعَهُ مِنَ الْآفَاتِ.
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا مَا يُنْذَرُونَ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
стр. 4397
هؤُلاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ قَبْلُ وَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَمَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَّعَ هؤُلاءِ الْكُفَّارَ وَآباءَهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا حَتَّى طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فِي رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ، وَتَدَعَّسُوا فِي الضَّلَالَةِ بِإِمْهَالِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ وَتَأْخِيرِهِمْ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَأْخُذُهُمْ فِيهِ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ.
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي آخِرِ الرَّعْدِ. وَاقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ عَلَى مَعْنَى أَنَّا نَنْقُصُ أَرْضَ الْكُفْرِ وَدَارَ الْحَرْبِ وَنَحْذِفُ أَطْرَافَهَا بِتَسْلِيطِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَإِظْهَارِهِمْ عَلَى أَهْلِهَا وَرَدِّهَا دَارَ إِسْلَامٍ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ فَائِدَةٍ فِي قَوْلِهِ نَأْتِي الْأَرْضَ؟ قُلْتُ: الْفَائِدَةُ فِيهِ تَصْوِيرُ مَا كَانَ اللَّهُ يُجْرِيهِ عَلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ عَسَاكِرَهُمْ وَسَرَايَاهُمْ كَانَتْ تَغْزُو أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ وَتَأْتِيهَا غَالِبَةً عَلَيْهَا نَاقِصَةً مِنْ أَطْرَافِهَا انْتَهَى. وَفِي ذَلِكَ تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ مَكَّةَ وَفِي قَوْلِهِمْ: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ إذا الْمَعْنَى أَنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ، فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ فِيهِ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ أَيْ أُعْلِمُكُمْ بِمَا تَخَافُونَ مِنْهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ فَهُوَ الصِّدْقُ الْوَاقِعُ لَا مَحَالَةَ كَمَا رَأَيْتُمْ بِالْعِيَانِ مِنْ نُقْصَانِ الْأَرْضِ مِنْ أَطْرَافِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مَعَ إِنْذَارِهِمْ مُعْرِضُونَ عَمَّا أُنْذِرُوا بِهِ فَالْإِنْذَارُ لَا يُجْدِي فِيهِمْ إِذْ هُمْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِهِ. وَلَمَّا كَانَ الْوَحْيُ مِنَ الْمَسْمُوعَاتِ كَانَ ذِكْرُ الصَّمَمِ مُنَاسِبًا والصُّمُّ هم المنذرون، فأل فِيهِ لِلْعَهْدِ وَنَابَ الظَّاهِرُ مَنَابَ الْمُضْمَرِ لِأَنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِتَصَامِّهِمْ وَسَدِّ أَسْمَاعِهِمْ إِذَا أُنْذِرُوا، وَلَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ لِيُفِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَنَفْيُ السَّمَاعِ هُنَا نَفْيُ جَدْوَاهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَسْمَعُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْمِيمِ الصُّمُّ رفع به والدُّعاءَ نُصِبَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَابْنُ الصَّلْتِ عَنْ حَفْصٍ بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ مَضْمُومَةً وَكَسْرِ الْمِيمِ الصُّمُّ الدُّعاءَ بِنَصْبِهِمَا وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ . وَقَرَأَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتُ أَيْ وَلا يَسْمَعُ الرَّسُولُ وَعَنْهُ أَيْضًا وَلا يَسْمَعُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الصُّمُّ رُفِعَ بِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ خَالَوَيْهِ. وَقَرَأَ أَحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْطَاكِيُّ عَنِ الْيَزِيدِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو يَسْمَعُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الصُّمُّ نَصْبًا الدُّعاءَ رَفَعًا بِيُسْمِعُ، أُسْنِدَ الْفِعْلُ إِلَى الدُّعَاءِ اتِّسَاعًا وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَا يُسْمَعُ النِّدَاءُ الصُّمَّ شَيْئًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَمُّوا عَنْ سَمَاعِ مَا أُنْذِرُوا بِهِ إِذَا نَالَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا
стр. 4398
أُنْذِرُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا نَادَوْا بِالْهَلَاكِ وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، نُبِّهُوا عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ لَهُمُ الْعَذَابَ وَهُوَ ظُلْمُ الْكُفْرِ وَذُلُّوا وَأَذْعَنُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَفْحَةٌ طَرَفٌ وَعَنْهُ هُوَ الْجُوعُ الَّذِي نَزَلَ بِمَكَّةَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَفَحَ لَهُ مِنَ الْعَطَاءِ نَفْحَةً إِذَا أَعْطَاهُ نَصِيبًا وَفِي قَوْلِهِ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتِ لَفْظِ الْمَسِّ، وَمَا فِي مَدْلُولِ النَّفْحِ مِنَ الْقِلَّةِ إِذْ هو الربح الْيَسِيرُ أَوْ مَا يَرْضَخُ مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَبِنَاءُ الْمَرَّةِ مِنْهُ وَلَمْ يَأْتِ نَفْحٌ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ بِأَدْنَى إِصَابَةٍ مِنْ أَقَلِّ الْعَذَابِ أَذْعَنُوا وَخَضَعُوا وَأَقَرُّوا بِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ظُلْمُهُمُ السَّابِقُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا أُصِيبُوا بِشَيْءٍ اسْتَطْرَدَ لِمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ مَقَرُّ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ وَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ بِنُونِ الْعَظَمَةِ فَقَالَ وَنَضَعُ الْمَوازِينَ
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمَوَازِينِ فِي أَوَّلِ الْأَعْرَافِ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ هَلْ ثَمَّ مِيزَانٌ حَقِيقَةً وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْعَدْلِ التَّامِّ وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ؟ قَالَا: لَيْسَ ثَمَّ مِيزَانٌ وَلَكِنَّهُ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ مَصْدَرٌ وُصِفَتْ بِهِ الْمَوَازِينُ مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا جُعِلَتْ فِي أَنْفُسِهَا الْقِسْطَ، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أي ذَوَاتِ الْقِسْطَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ أَيْ لأجل الْقِسْطَ. وقرىء الْقِصْطِ بِالصَّادِ.
وَاللَّامُ فِي لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُهَا فِي قَوْلِكَ: جِئْتُ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ. وَمِنْهُ بَيْتُ النَّابِغَةِ:
تَرَسَّمَتْ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ
انْتَهَى. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تَكُونُ بِمَعْنَى فِي وَوَافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَابْنُ مَالِكٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، وَجَعَلَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أَيْ فِي يَوْمٍ، وَكَذَلِكَ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ أَيْ فِي وَقْتِهَا وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ لِمِسْكِينٍ الدَّارِمِيِّ:
أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْلُ عَادٌ وَتُبَّعُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَكُلُّ أَبٍ وَابْنٍ وَإِنْ عَمَّرَا مَعًا ... مُقِيمِينَ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وَفَاقِدُ
وَقِيلَ اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِحِسَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وشَيْئاً مَفْعُولٌ ثَانٍ أَوْ مَصْدَرٌ.
стр. 4399
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِثْقالَ بِالنَّصْبِ خَبَرُ كانَ أَيْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ أَوْ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ وَكَذَا فِي لُقْمَانَ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ مِثْقَالُ بِالرَّفْعِ عَلَى الفاعلية وكانَ تَامَّةٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَتَيْنا مِنَ الْإِتْيَانِ أَيْ جِئْنَا بِهَا، وَكَذَا قَرَأَ أُبَيٌّ أَعْنِي جِئْنَا وَكَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِأَتَيْنَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْعَلَاءُ بْنُ سَيَابَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ شُرَيْحٍ الْأَصْبَهَانِيُّ آتَيْنَا بِمَدِّهِ عَلَى وَزْنِ فَاعَلْنَا مِنَ الْمُوَاتَاةِ وَهِيَ الْمُجَازَاةُ وَالْمُكَافَأَةُ، فَمَعْنَاهُ جَازَيْنَا بِهَا وَلِذَلِكَ تَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وَلَوْ كَانَ عَلَى أَفْعَلْنَا مِنَ الْإِيتَاءِ بِالْمَدِّ عَلَى مَا تَوَهَمَّهُ بَعْضُهُمْ لَتَعَدَّى مُطْلَقًا دُونَ جَازٍ قَالَهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ وَالْمُكَافَأَةِ لِأَنَّهُمْ أَتَوْهُ بِالْأَعْمَالِ وَأَتَاهُمْ بِالْجَزَاءِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ على معنى: وأَتَيْنا مِنَ الْمُوَاتَاةِ، وَلَوْ كَانَ آتَيْنَا أَعْطَيْنَا لَمَا تَعَدَّتْ بِحَرْفِ جَرٍّ، وَيُوهِنُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَنَّ بَدَلَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ هَمْزَةٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْمَضْمُومَةِ وَالْمَكْسُورَةِ انْتَهَى. وَقَرَأَ حُمَيْدٌ: أَثَبْنَا بِهَا مِنَ الثَّوَابِ وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ فِي بِها وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى مُذَكَّرٍ وَهُوَ مِثْقالَ لِإِضَافَتِهِ إلى مؤنث كَفى بِنا حاسِبِينَ فِيهِ تَوَعُّدٌ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى ضَبْطِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الْحِسَابِ وَهُوَ الْعَدُّ وَالْإِحْصَاءُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَغِيبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَازَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حاسِبِينَ تَمْيِيزٌ لِقَبُولِهِ مِنْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا.
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا أَتَى بِهِ رَسُولُهُ ﷺ من الذِّكْرِ وَحَالِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَعَهُ، وَقَالَ: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ أَتْبَعَهُ بِأَنَّهُ عَادَةُ اللَّهِ فِي أَنْبِيَائِهِ فَذَكَرَ مَا آتَى مُوسى وَهارُونَ إِشَارَةٌ إِلَى قِصَّتِهِمَا مَعَ قَوْمِهِمَا مَعَ مَا أُوتُوا مِنَ الْفُرْقَانِ وَالضِّيَاءِ وَالذِّكْرِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى مَا آتَى رَسُولَهُ مِنَ الذِّكْرِ الْمُبَارَكِ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ عَلَى إِنْكَارِهِمْ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى مَا آتَى رَسُولَهُ ﷺ .
والْفُرْقانَ التَّوْرَاةُ وَهُوَ الضِّيَاءُ، وَالذِّكْرُ أَيْ كِتَابًا هُوَ فُرْقَانٌ وَضِيَاءٌ، وَذِكْرٌ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ ضِيَاءً وَذِكْرًا بِغَيْرِ وَاوٍ فِي ضِيَاءٍ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ:
الْقُرْآنُ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ نَصْرِهِ وَظُهُورِ حُجَّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا فَرَّقَ بَيْنَ أَمْرِهِ وَأَمْرِ فِرْعَوْنَ وَالضِّيَاءُ التَّوْرَاةُ، وَالذِّكْرُ التَّذْكِرَةُ وَالْمَوْعِظَةُ أَوْ ذِكْرُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ أَوِ الشَّرَفُ وَالْعَطْفُ بِالْوَاوِ يُؤْذِنُ بِالتَّغَايُرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْفُرْقانَ الْفَتْحُ لِقَوْلِهِ يَوْمَ الْفُرْقانِ «١» وَعَنِ الضَّحَّاكِ: فلق الْبَحْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: الْمُخْرِجُ مِنَ الشُّبَهَاتِ والَّذِينَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ أَوْ مَقْطُوعَةٌ بِرَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ أَوْ بدل.
стр. 4400
وَلَمَّا ذَكَرَ التَّقْوَى ذَكَرَ مَا أَنْتَجَتْهُ وَهُوَ خَشْيَةُ اللَّهِ وَالْإِشْفَاقُ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالسَّاعَةُ الْقِيَامَةُ وَبِالْغَيْبِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: يَخَافُونَهُ وَلَمْ يَرَوْهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَخَافُونَ عَذَابَهُ وَلَمْ يَرَوْهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَخَافُونَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَخَافُونَهُ إِذَا غَابُوا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَالْإِشْفَاقُ شِدَّةُ الْخَوْفِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ عَنْهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى صِلَةِ الَّذِينَ، وَتَكُونُ الصِّلَةُ الْأَوْلَى مُشْعِرَةً بِالتَّجَدُّدِ دَائِمًا كَأَنَّهَا حالتهم فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَالصِّلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ عَنْهُ بِالِاسْمِ الْمُشْعِرِ بِثُبُوتِ الْوَصْفِ كَأَنَّهَا حَالَتُهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا آتَى مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ أَشَارَ إِلَى مَا آتَى مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالَ وَهذا أَيِ الْقُرْآنُ ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَيْ كَثِيرٌ مَنَافِعُهُ غَزِيرٌ خَبَرُهُ، وَجَاءَ هُنَا الْوَصْفُ بِالِاسْمِ ثُمَّ بِالْجُمْلَةِ جَرْيًا عَلَى الْأَشْهَرِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ «١» وَبَيَّنَّا هُنَاكَ حِكْمَةَ تَقْدِيمِ الْجُمْلَةِ عَلَى الِاسْمِ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ وَهُوَ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ عَائِدٌ عَلَى ذِكْرٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ إِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ كَمَا أَنْكَرَ أَسْلَافُ الْيَهُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى موسى ﵇.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ١١٢]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)
قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنا يَا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)
وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
стр. 4401
التِّمْثَالُ: الصُّورَةُ الْمَصْنُوعَةُ مُشَبَّهَةً بِمَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إِذَا شَبَّهْتَهُ بِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ ... بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
الْجَذُّ: الْقَطْعُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
بَنُو الْمُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دَابِرَهُمْ ... أَمْسَوْا رَمَادًا فَلَا أَصْلٌ وَلَا طَرَفُ
النَّكْسُ: قَلْبُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ أَعْلَاهُ أَسْفَلُ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ طَأْطَأَ حَتَّى صَارَ أَعْلَاهُ أَسْفَلُ. الْبَرْدُ: مَصْدَرُ بَرُدَ، يُقَالُ: بَرَّدَ الْمَاءُ حَرَارَةَ الْجَوْفِ يُبَرِّدُهَا. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَعَطَّلَ قَلُوصِيِ فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا ... سَتُبَرِّدُ أَكْبَادًا وَتَبْكِي بَوَاكِيَا
стр. 4402
النَّفْشُ: رَعْيُ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ بِغَيْرِ رَاعٍ، وَالْهُمْلُ بِالنَّهَارِ بِلَا رَاعٍ، الْغَوْصُ: الدُّخُولُ تَحْتَ الْمَاءِ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا بَهِجٌ ... مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ
النُّونُ: الْحُوتُ وَيُجْمَعُ عَلَى نِينَانٍ، وَرُوِيَ: النِّينَانُ قَبْلَهُ الْحُمْرُ. الْفَرْجُ: يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ وَالذَّكَرُ مُقَابِلُ الْحُرِّ وَعَلَى الدُّبُرِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنْتَ إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ شَدَّ فَرْجَهُ ... مُضَافُ فُوَيْقِ الْأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلَ
الْحَدَبُ: الْمُسَنَّمُ من الأرض كالجبل والكدية وَالْقَبْرِ وَنَحْوُهُ. النَّسَلَانُ: مُقَارَبَةُ الْخَطْوِ مَعَ الْإِسْرَاعِ قَالَ الشَّاعِرُ:
عُسْلَانُ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِبًا ... بَرُدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسِلَ
الْحَصَبُ: الْحَطَبُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ إِذَا رَمَى بِهِ فِي النَّارِ قَبْلَ وَقَبْلَ أن يرمي به لا يُسَمَّى حَصَبًا.
وَقِيلَ: الْحَصَبُ مَا تُوقَدُ بِهِ النَّارُ. السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ.
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ.
لَمَّا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا غَيْرَ مُرَاعًى فِي ذِكْرِهِمُ التَّرْتِيبُ الزَّمَانِيُّ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا نَالَ كَثِيرًا مِنْهُمْ مِنَ الِابْتِلَاءِ كُلُّ ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلِيَتَأَسَّى بِهِمْ فِيمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ قَوْمِهِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ رُشْدَهُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ. وَقَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِي رُشْدَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ وَأَضَافَ الرُّشْدَ إِلَى إِبْراهِيمَ بِمَعْنَى أَنَّهُ رُشْدُ مِثْلِهِ وَهُوَ رُشْدُ الْأَنْبِيَاءِ وَلَهُ شَأْنٌ أَيُّ شَأْنٍ، وَالرُّشْدُ النُّبُوَّةُ وَالِاهْتِدَاءُ إِلَى وُجُوهِ الصَّلَاحِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، أَوْ هُمَا دَاخِلَانِ تَحْتَ الرُّشْدِ أَوِ الصُّحُفِ وَالْحِكْمَةِ أَوِ التَّوْفِيقِ لِلْخَيْرِ صَغِيرًا أَقْوَالٌ خَمْسَةٌ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ مَحْذُوفٍ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ وَلِذَلِكَ بَنَى قَبْلُ أَيْ مِنْ قَبْلُ مُوسَى وَهَارُونُ قَالَهُ الضَّحَّاكُ
стр. 4403
كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ «١» أَيْ مِنْ قبل إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ، وَأَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ قَبْلُ بُلُوغِهِ أَوْ مِنْ قَبْلُ نُبُوَّتِهِ يَعْنِي حِينَ كَانَ فِي صُلْبِ آدَمَ. وَأَخَذَ مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مِنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهَا مَحْذُوفَاتٌ لَا يَدُلُّ عَلَى حَذْفِهَا دَلِيلٌ بِخِلَافِ مِنْ قَبْلُ مُوسَى وَهَارُونَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرُهُمَا. وَقُرْبُهُ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: عَلَى الرشاء وَعَلَّمَهُ تَعَالَى أَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَحْوَالًا عَجِيبَةً وَأَسْرَارًا بَدِيعَةً فَأَهَّلَهُ لَخُلَّتِهِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَدْحِ وَأَبْلَغِهِ إِذْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَاهُ الرُّشْدَ وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا آتَاهُ بِهِ ﵇.
ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى تَفْسِيرِ الرُّشْدِ وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَرَفْضِ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ. وإِذْ مَعْمُولَةٌ لِآتَيْنَا أَوْ رُشْدَهُ وعالِمِينَ وَبِمَحْذُوفٍ أَيِ اذْكُرْ مِنْ أَوْقَاتِ رُشْدِهِ هَذَا الْوَقْتَ، وَبَدَأَ أَوَّلًا بِذِكْرِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَإِنْقَاذُهُ مِنَ الضَّلَالِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْمِهِ كَقَوْلِهِ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «٢» وَفِي قَوْلِهِ مَا هذِهِ التَّماثِيلُ تَحْقِيرٌ لَهَا وَتَصْغِيرٌ لِشَأْنِهَا وَتَجَاهُلٌ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِهَا وَبِتَعْظِيمِهِمْ لَهَا. وَفِي خِطَابِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ أَنْتُمْ اسْتِهَانَةٌ بِهِمْ وَتَوْقِيفٌ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَعَكَفَ يَتَعَدَّى بِعَلَى كَقَوْلِهِ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ «٣» فَقِيلَ لَها هُنَا بِمَعْنَى عَلَيْهَا كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «٤» وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ فِي لَها لَامُ التَّعْلِيلِ أَيْ لِتَعْظِيمِهَا، وَصِلَةُ عاكِفُونَ مَحْذُوفَةٌ أَيْ عَلَى عِبَادَتِهَا.
وَقِيلَ: ضَمَّنَ عاكِفُونَ مَعْنَى عَابِدِينَ فَعَدَّاهُ بِاللَّامِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَنْوِ لِلْعَاكِفِينَ مَحْذُوفًا وَأَجْرَاهُ مَجْرَى مَا لَا يَتَعَدَّى كَقَوْلِهِ فَاعِلُونَ الْعُكُوفَ لَهَا أَوْ وَاقِفُونَ لَهَا انْتَهَى.
وَلَمَّا سَأَلَهُمْ أَجَابُوهُ بِالتَّقْلِيدِ الْبَحْتِ، وَأَنَّهُ فِعْلُ آبَائِهِمُ اقْتَدَوْا بِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ بُرْهَانٍ، وَمَا أَقْبَحَ هَذَا التَّقْلِيدَ الَّذِي أَدَّى بِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ خَشَبٍ وَحَجَرٍ وَمَعْدِنٍ وَلَجَاجَهُمْ فِي ذَلِكَ وَنُصْرَةَ تَقْلِيدِهِمْ وَكَانَ سؤاله إياهم عَنْ عِبَادَةِ التَّمَاثِيلِ وَغَايَتِهِ أَنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً فِي ذَلِكَ فَيُبْطِلُهَا، فَلَمَّا أَجَابُوهُ بِمَا لَا شُبْهَةَ لَهُمْ فِيهِ وَبَدَا ضَلَالُهُمْ قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ فِي حَيْرَةٍ وَاضِحَةٍ لَا الْتِبَاسَ فِيهَا، وَحَكَمَ بِالضَّلَالِ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ وَجَعَلَ الضلال مستقرا لهم وأَنْتُمْ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ كَانَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
стр. 4404
وأَنْتُمْ مِنَ التَّأْكِيدِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ مَعَ الْإِخْلَالِ بِهِ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى ضَمِيرِ هُوَ فِي حُكْمِ بَعْضِ الْفِعْلِ مُمْتَنِعٌ وَنَحْوُهُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ «١» انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ مَعَ الْإِخْلَالِ بِهِ لِأَنَّ الْكُوفِيِّينَ يُجِيزُونَ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ مِنْ غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ الْمَرْفُوعِ، وَلَا فَصْلٍ وَتَنْظِيرُهُ ذَلِكَ: بَاسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ فِي اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ وَزَوْجُكُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ فِي اسْكُنْ بَلْ قَوْلُهُ: وَزَوْجُكَ مُرْتَفِعٌ عَلَى إِضْمَارٍ، وَلِيَسْكُنْ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَقَوْلُهُ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.
وَلَمَّا جَرَى هَذَا السُّؤَالُ وَهَذَا الْجَوَابُ تَعَجَّبُوا مِنْ تَضْلِيلِهِ إِيَّاهُمْ إِذْ كَانَ قَدْ نَشَأَ بَيْنَهُمْ وَجَوَّزُوا أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ لَا الْجِدِّ، فَاسْتَفْهَمُوهُ أَهَذَا جِدٌّ مِنْهُ أَمْ لَعِبٌ وَالضَّمِيرُ فِي قالُوا عَائِدٌ عَلَى أبيه وقومه وبِالْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ أَجِئْتَنا وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْمَجِيءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْهُمْ غَائِبًا فَجَاءَهُمْ وَهُوَ نَظِيرُ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ «٢» وَالْحَقُّ هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ وَهُوَ الْجِدُّ، وَلِذَلِكَ قَابَلُوهُ بِاللَّعِبِ، وَجَاءَتِ الْجُمْلَةُ اسْمِيَّةً لِكَوْنِهَا أَثْبَتَ كَأَنَّهُمْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَاعِبٌ هَازِلٌ فِي مَقَالَتِهِ لَهُمْ وَلِكَوْنِهَا فَاصِلَةً.
ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ وَأَخْبَرَ عَنِ الْجِدِّ وَأَنَّ الْمَالِكَ لَهُمْ وَالْمُسْتَحِقَّ الْعِبَادَةَ هُوَ رَبُّهُمْ وَرَبُّ هَذَا الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالْعَالَمِ السُّفْلِيِّ الْمُنْدَرِجِ فِيهِ أَنْتُمْ وَمَعْبُودَاتُكُمْ نَبَّهَ عَلَى الْمُوجِبِ للعبادة وهو منشىء هَذَا الْعَالَمِ وَمُخْتَرِعُهُ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فَطَرَهُنَّ عَائِدٌ على السموات وَالْأَرْضِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ السموات وَالْأَرْضُ تَبْلُغُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْهُ جَاءَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ الْقِلَّةِ. وَقِيلَ فِي فَطَرَهُنَّ عَائِدٌ عَلَى التَّمَاثِيلِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَوْنُهُ لِلتَّمَاثِيلِ أَدْخَلَ فِي تَضْلِيلِهِمْ وَأَثْبَتَ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَطَرَهُنَّ عِبَارَةٌ عَنْهَا كَأَنَّهَا تَعْقِلُ، هَذِهِ مِنْ حَيْثُ لَهَا طَاعَةٌ وَانْقِيَادٌ وَقَدْ وُصِفَتْ فِي مَوَاضِعَ بِمَا يُوصَفُ بِهِ مَنْ يَعْقِلُ. وَقَالَ غَيْرُ فَطَرَهُنَّ أَعَادَ ضَمِيرَ مَنْ يَعْقِلُ لِمَا صَدَرَ مِنْهُنَّ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ مَنْ يَعْقِلُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «٣»
وَقَوْلُهُ ﷺ : «أطلت السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ» .
انْتَهَى. وَكَأَنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ وَهَذَا الْقَائِلُ تَخَيَّلَا أَنَّ هُنَّ مِنَ الضَّمَائِرِ الَّتِي تَخُصُّ مَنْ يَعْقِلُ مِنَ الْمُؤَنَّثَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَنْ يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ مِنَ الْمُؤَنَّثِ الْمَجْمُوعِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَلا تَظْلِمُوا
стр. 4405
فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ «١» وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْحُرُمِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكُمْ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى وَوَصْفِهِ بِالِاخْتِرَاعِ لِهَذَا العالم ومِنَ لِلتَّبْعِيضِ أَيِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَثِيرُونَ، وَأَنَا بَعْضٌ مِنْهُمْ أَيْ مَا قُلْتُهُ أَمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ عَلَيْهِ شُهُودٌ كَثِيرُونَ فَهُوَ مَقَالٌ مصحح بالشهود. وعَلى ذلِكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَأَنَا شَاهِدٌ عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ أَوْ عَلَى جِهَةِ الْبَيَانِ أَيْ أَعْنِي عَلى ذلِكُمْ أَوْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ فِي صِلَةِ أل لِاتِّسَاعِهِمْ فِي الظَّرْفِ وَالْمَجْرُورِ أَقْوَالٌ تَقَدَّمَتْ فِي إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ «٢» وَبَادَرَهُمْ أَوَّلًا بِالْقَوْلِ الْمُنَبِّهِ عَلَى دَلَالَةِ الْعَقْلِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِالْقَوْلِ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي مَآلُهُ إِلَى الدَّلَالَةِ التَّامَّةِ عَلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي عِبَارَةِ مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ بِالْكَسْرِ وَالتَّقْطِيعِ وَهُوَ لَا يَدْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَشْعُرُ بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ فَكِّ أَجْزَائِهِ فَقَالَ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَتَاللَّهِ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِاللَّهِ بِالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ أَسْفَلُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّاءِ وَالْبَاءِ؟ قُلْتُ: إِنَّ الْبَاءَ هِيَ الْأَصْلُ وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ الْمُبْدَلِ مِنْهَا، وَإِنَّ التَّاءَ فِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى وَهُوَ التَّعَجُّبُ، كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مَنْ تَسَهُّلِ الْكَيْدِ عَلَى يَدِهِ وَتَأْتِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا مَقْنُوطًا مِنْهُ لِصُعُوبَتِهِ وَتَعَذُّرِهِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ مِثْلَهُ صَعْبٌ مُتَعَذِّرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ خُصُوصًا فِي زمن نمرود مَعَ عُتُوِّهِ وَاسْتِكْبَارِهِ وَقُوَّةِ سُلْطَانِهِ وَتَهَالُكِهِ عَلَى نَصْرِ دِينِهِ وَلَكِنْ:
إِذَا اللَّهُ سَنَى عَقْدَ شَيْءٍ تَيَسَّرَا انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ الْبَاءُ هِيَ الْأَصْلُ إِنَّمَا كَانَتْ أَصْلًا لِأَنَّهَا أَوْسَعُ حُرُوفِ الْقَسَمِ إِذْ تَدْخُلُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالْمُضْمَرِ وَيُصَرَّحُ بِفِعْلِ الْقَسَمِ مَعَهَا وَتُحْذَفُ وَأَمَّا أَنَّ التَّاءَ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الْقَسَمِ الَّذِي أُبْدِلَ مِنْ بَاءِ الْقَسَمِ فَشَيْءٌ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ، وَلَا يَقُومُ عَلَى ذَلِكَ دليل وَقَدْ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ السُّهَيْلِيُّ وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا أَصْلًا لِآخَرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ التَّاءَ فِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى وَهُوَ التَّعَجُّبُ فَنُصُوصُ النُّحَاةِ أَنَّ التَّاءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا تَعَجُّبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ وَاللَّامُ هِيَ الَّتِي يَلْزَمُهَا التَّعَجُّبُ فِي الْقَسَمِ.
وَالْكَيْدُ الِاحْتِيَالُ فِي وُصُولِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَكِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ خَاطَبَ بِهَا أَبَاهُ وَقَوْمَهُ وَأَنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ الْقَوْلِ مِنْ قَوْلِهِ قالَ بَلْ رَبُّكُمْ. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ سِرًّا مَنْ قَوْمِهِ وَسَمِعَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: سَمِعَهُ قَوْمٌ مِنْ ضَعَفَتِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَسِيرُ فِي آخِرِ الناس يوم
стр. 4406
خَرَجُوا إِلَى الْعِيدِ وَكَانَتِ الْأَصْنَامُ سَبْعِينَ. وَقِيلَ: اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ مُضَارِعُ وَلَّى. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ تُوَلُّوا فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ. وَالْأَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ هِشَامٍ وَهُوَ مُضَارِعُ تَوَلَّى وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ «١» وَمُتَعَلِّقُ تُوَلُّوا مَحْذُوفٌ أَيْ إِلَى عِيدِكُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ آزَرَ خَرَجَ بِهِ فِي يَوْمِ عِيدٍ لَهُمْ فَبَدَؤُوا بِبَيْتِ الْأَصْنَامِ فَدَخَلُوهُ وَسَجَدُوا لَهَا وَوَضَعُوا بَيْنَهَا طَعَامًا خَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ، وَقَالُوا: لَنْ تَرْجِعَ بَرَكَةُ الْآلِهَةِ عَلَى طَعَامِنَا فَذَهَبُوا، فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ ثَنَى عَزْمَهُ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَهُمْ فَقَعَدَ وَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ، وَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا إِلَى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إِلَّا مَرِيضًا فَأَتَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ بِالَّذِي هُمْ فِيهِ فَنَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي أَشْتَكِي غَدًا وَأَصْبَحَ مَعْصُوبَ الرَّأْسِ فَخَرَجُوا وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَقَالَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ إِلَى آخِرِهِ وَسَمِعَهُ رَجُلٌ فَحَفِظَهُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ فَانْتَشَرَ
انْتَهَى.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَتَوَلَّوْا إِلَى عِيدِهِمْ فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُطَامًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَخَذَ مِنْ كُلِّ عُضْوَيْنِ عُضْوًا. وَقِيلَ: وَكَانَتِ الْأَصْنَامُ مُصْطَفَّةً وَصَنَمٌ مِنْهَا عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلُ الْبَابِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِي عَيْنَيْهِ دُرَّتَانِ مُضِيئَتَانِ، فَكَسَرَهَا بِفَأْسٍ إِلَّا ذَلِكَ الصَّنَمَ وَعَلَّقَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ. وَقِيلَ: عَلَّقَهُ فِي يَدِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ جُذاذاً بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَأَبُو حَيْوَةَ وَحُمَيدٌ وَالْأَعْمَشُ فِي رِوَايَةٍ بِكَسْرِهَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو نَهِيكٍ وَأَبُو السَّمَّاكِ بِفَتْحِهَا وَهِيَ لُغَاتٌ أَجْوَدُهَا الضَّمُّ كالحطام وَالرُّفَاتِ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ جُذاذاً بِالضَّمِّ جَمْعُ جُذَاذَةٍ كَزُجَاجٍ وَزُجَاجَةٍ. وَقِيلَ: بِالْكَسْرِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكَرِيمٍ وَكِرَامٍ. وَقِيلَ: الْفَتْحُ مَصْدَرٌ كَالْحَصَادِ بِمَعْنَى الْمَحْصُودِ فَالْمَعْنَى مَجْذُوذِينَ. وَقَالَ قُطْرُبٌ فِي لُغَاتِهِ الثَّلَاثِ هُوَ مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: جُذَذًا بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَجَدِيدٍ وَجُدُدٍ. وَقُرِئَ جذذا بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الذَّالِ مخففا من فعل كسر وفي سُرُرٍ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهِيَ لُغَةٌ لِكَلْبٍ، أَوْ جَمْعُ جُذَّةٍ كَقُبَّةٍ وَقُبَبٍ.
وَأَتَى بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ فِي قَوْلِهِ فَجَعَلَهُمْ إِذْ كَانَتْ تَعْبُدُ وَقَوْلُهُ إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فَجَعَلَهُمْ أَيْ فَلَمْ يكسره، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُمْ يُحْتَمَلُ أن يعود
стр. 4407
عَلَى الْأَصْنَامِ وَأَنْ يَعُودَ عَلَى عِبَادِهِ، وَالْكِبْرُ هُنَا عِظَمُ الْجُثَّةِ أَوْ كَبِيرًا فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ لِكَوْنِهِمْ صَاغُوهُ مَنْ ذَهَبٍ وَجَعَلُوا فِي عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتَيْنِ تُضِيئَانِ بِاللَّيْلِ، وَالضَّمِيرُ فِي إِلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ تَرَجِّيًا مِنْهُ أَنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ رَجْعُهُ إِلَيْهِ وَإِلَى شَرْعِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا اسْتَبْقَى الْكَبِيرَ لِأَنَّهُ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَّا إِلَيْهِ لِمَا تَسَامَعُوهُ مِنْ إنكار لِدِينِهِمْ وَسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ فَيَبْكِتُهُمْ بِمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ «١» . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْكَبِيرِ الْمَتْرُوكِ وَلَكِنْ يُضْعِفُ ذَلِكَ دُخُولُ التَّرَجِّي فِي الْكَلَامِ انْتَهَى وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَى هَذَا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يُرْجَعُ إِلَى الْعَالِمِ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، فَيَقُولُونَ مَا لِهَؤُلَاءِ مَكْسُورَةً وَمَالَكَ صَحِيحًا وَالْفَأْسُ عَلَى عَاتِقِكَ قَالَ: هَذَا بِنَاءٌ عَلَى ظَنِّهِ بِهِمْ لِمَا جَرَّبَ وَذَاقَ مِنْ مُكَابَرَتِهِمْ لِعُقُولِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ فِي آلِهَتِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ لَهَا أَوْ قَالَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ اسْتِهْزَاءً بِهِمْ وَاسْتِجْهَالًا، وَإِنَّ قِيَاسَ حَالِ مَنْ يُسْجَدُ لَهُ وَيُؤَهَّلُ لِلْعِبَادَةِ أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ فِي حَلِّ الْمُشْكِلِ فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى الصَّنَمِ بِمُكَابَرَتِهِمْ لِعُقُولِهِمْ وَرُسُوخِ الْإِشْرَاكِ فِي أَعْرَاقِهِمْ فَأَيُّ فَائِدَةٍ دِينِيَّةٍ فِي رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ غَرَضًا؟ قُلْتُ: إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَاجِزٌ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَظَهَرَ أَنَّهُمْ فِي عِبَادَتِهِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ.
قالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنا يَا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ.
فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِيدِهِمْ إِلَى آلِهَتِهِمْ وَرَأَوْا مَا فُعِلَ بِهَا اسْتَفْهَمُوا عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ وَالْإِنْكَارِ فَقَالُوا: مَنْ فَعَلَ هَذَا أَيِ التَّكْسِيرَ وَالتَّحْطِيمَ إِنَّهُ لِظَالِمٌ فِي اجْتِرَائِهِ عَلَى الْآلِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ قالُوا أَيْ قَالَ الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ «٢» يَذْكُرُهُمْ أَيْ بِسُوءٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَئِنْ ذَكَّرْتَنِي لَتَنْدَمَنَّ أَيْ بِسُوءٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا حُكْمُ الْفِعْلَيْنِ بَعْدَ سَمِعْنا فَتًى وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: هُمَا صِفَتَانِ لِفَتًى إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ وَهُوَ يَذْكُرُهُمْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِسَمِعَ لِأَنَّكَ لَا تَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدًا وَتَسْكُتُ حَتَّى تَذْكُرَ شَيْئًا مِمَّا يُسْمَعُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
стр. 4408
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هُمَا صِفَتَانِ فَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِمَا أَذْكُرُهُ أَمَّا سَمِعَ فَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَسْمُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ دَخَلَتْ عَلَى مَسْمُوعٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ نَحْوَ: سَمِعْتُ كَلَامَ زِيدٍ وَمَقَالَةَ خَالِدٍ، وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى غَيْرِ مَسْمُوعٍ فَاخْتُلِفَ فِيهَا. فَقِيلَ: أَنَّهَا تَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفَارِسِيِّ، وَيَكُونُ الثَّانِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صَوْتٍ فَلَا يُقَالُ سَمِعْتُ زَيْدًا يَرْكَبُ، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّ سَمِعَ يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ وَالْفِعْلُ بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَعْرِفَةً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْهَا أَوْ نَكِرَةً فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يُسْتَدَلُّ لَهُمَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الْآخَرِ يَتَمَشَّى قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُ صِفَةٌ لِفَتًى، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِسَمِعَ.
وَأَمَّا يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لَمَّا قَالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ وَأَتَوْا بِهِ مُنَكَّرًا قِيلَ: مَنْ يُقَالُ لَهُ فَقِيلَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَارْتَفَعَ إِبْراهِيمُ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِجُمْلَةٍ تُحْكَى بِقَالَ، إِمَّا عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يُقالُ لَهُ حِينَ يُدْعَى يَا إِبْراهِيمُ وَإِمَّا عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أي هُوَ إِبْراهِيمُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدٌ مَفْعُولٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيَكُونُ مِنَ الْإِسْنَادِ لِلَّفْظِ لَا لِمَدْلُولِهِ، أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ وَهَذَا الْآخَرُ هُوَ اخْتِيَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي إِجَازَتِهِ فَذَهَبَ الزَّجَّاجِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ خَرُوفٍ وَابْنُ مَالِكٍ إِلَى تَجْوِيزِ نَصْبِ الْقَوْلِ لِلْمُفْرَدِ مِمَّا لَا يَكُونُ مُقْتَطَعًا مِنْ جُمْلَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:
إِذَا ذُقْتُ فَاهًا قُلْتُ طَعْمُ مُدَامَةٍ وَلَا مُفْرَدًا مَعْنَاهُ مَعْنَى الْجُمْلَةِ نَحْوَ قُلْتُ: خُطْبَةً وَلَا مَصْدَرًا نَحْوَ قُلْتُ قَوْلًا، وَلَا صِفَةً لَهُ نَحْوَ: قُلْتُ حَقًّا بَلْ لِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ نَحْوَ قُلْتُ زَيْدًا. وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ إِذْ لَا يُحْفَظُ مِنْ لِسَانِهِمْ قَالَ: فُلَانٌ زَيْدًا وَلَا قَالَ ضَرَبَ وَلَا قَالَ لَيْتَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَوْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِحِكَايَةِ الْجُمَلِ وَذَهَبَ الْأَعْلَمُ إِلَى أَنَّ إِبْراهِيمُ ارْتَفَعَ بِالْإِهْمَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَامِلٌ يُؤَثِّرُ فِي لَفْظِهِ، إِذِ الْقَوْلُ لَا يُؤَثِّرُ إِلَّا فِي الْمُفْرَدِ الْمُتَضَمِّنِ لِمَعْنَى الْجُمْلَةِ فَبَقِيَ مُهْمَلًا وَالْمُهْمَلُ إِذَا ضُمَّ إِلَى غَيْرِهِ ارْتَفَعَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: وَاحِدٌ وَاثْنَانِ إِذَا عَدُّوا وَلَمْ يُدْخِلُوا عَامِلًا لَا فِي اللَّفْظِ وَلَا فِي التَّقْدِيرِ، وَعَطَفُوا بَعْضَ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ عَلَى بَعْضٍ، وَالْكَلَامُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَعْلَمِ وَإِبْطَالُهُ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ.
قالُوا فَأْتُوا أَيْ أَحْضِرُوهُ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أَيْ مُعَايَنًا بِمَرْأًى مِنْهُمْ فَعَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ في موضع الحال وعَلى مَعْنَاهَا الِاسْتِعْلَاءِ الْمُجَازِيِ كَأَنَّهُ لِتَحْدِيقِهِمْ إِلَيْهِ وَارْتِفَاعِ
стр. 4409
أَبْصَارِهِمْ لِرُؤْيَتِهِ مُسْتَعْلٍ عَلَى أَبْصَارِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِمَا سُمِعَ مِنْهُ أَوْ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنَ تَكْسِيرِ أَصْنَامِهِمْ، أَوْ يَشْهَدُونَ مَا يَحِلُّ بِهِ مِنْ عَذَابِنَا أَوْ غَلَبِنَا لَهُ الْمُؤَدِّي إِلَى عَذَابِهِ.
وَقِيلَ: النَّاسِ هُنَا خَوَاصُّ الْمَلِكِ وَأَوْلِيَاؤُهُ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَأْتُوا بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا أَيِ الْكَسْرَ وَالتَّهْشِيمَ بِآلِهَتِنا وَارْتِفَاعُ أَنْتَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ فَعَلْتَ وَلَمَّا حُذِفَ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَإِذَا تَقَدَّمَ الِاسْمُ فِي نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ عَلَى الْفِعْلِ كَانَ الْفِعْلُ صَادِرًا وَاسْتُفْهِمَ عَنْ فَاعِلِهِ وَهُوَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الْفِعْلُ كَانَ الْفِعْلُ مَشْكُوكًا فِيهِ فَاسْتُفْهِمَ عَنْهُ أَوَقَعَ أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَلْ لِلْإِضْرَابِ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ قَالَ لَمْ أَفْعَلْهُ إِنَّمَا الْفَاعِلُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى كَبِيرُهُمْ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا فِي كَسْرِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ هُوَ تَعْظِيمُهُمْ وَعِبَادَتُهُمْ لَهُ وَلِمَا دُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ كَانَ ذَلِكَ حَامِلًا عَلَى تَحْطِيمِهَا وَكَسْرِهَا فَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الْكَبِيرِ إِذْ كَانَ تَعْظِيمُهُمْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ مَا دُونَهُ، وَقَالَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْكَبِيرِ مُتَقَيِّدًا بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ قَدْ عَلَّقَ عَلَى مُمْتَنِعٍ أَيْ فَلَمْ يَكُنْ وَقَعَ أَيْ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَامُ يَنْطِقُونَ وَيُخْبِرُونَ مَنِ الَّذِي صَنَعَ بِهِمْ ذَلِكَ فَالْكَبِيرُ هُوَ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذَا مِنْ تَعَارِيضِ الْكَلَامِ وَلَطَائِفِ هَذَا النَّوْعِ لَا يَتَغَلْغَلُ فِيهَا إِلَّا أَذْهَانُ الرَّاضَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي، وَالْقَوْلُ فِيهِ إِنَّ قَصْدَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إِلَى أَنْ يَنْسِبَ الْفِعْلَ الصَّادِرَ عَنْهُ إِلَى الصَّنَمِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَقْرِيرَهُ لِنَفْسِهِ وَإِثْبَاتَهُ لَهَا عَلَى أُسْلُوبٍ تَعْرِيضِيٍّ يَبْلُغُ فِيهِ غَرَضَهُ مِنْ إِلْزَامِهِمُ الْحُجَّةَ وَتَبْكِيتِهِمْ، وَهَذَا كَمَا قَالَ لَكَ صَاحِبُكَ وَقَدْ كَتَبْتَ إِلَيْهِ كِتَابًا بِخَطٍّ رَشِيقٍ وَأَنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الْخَطِّ: أَأَنْتَ كَتَبْتَ هَذَا وَصَاحِبُكَ أُمِّيٌّ لَا يُحْسِنُ الْخَطَّ أَوْ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى خَرْمَشَةٍ فَاسِدَةٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلْ كَتَبْتُهُ أَنْتَ كَانَ قَصْدُكُ بِهَذَا الْجَوَابِ تَقْرِيرَهُ لَكَ مَعَ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ لَا نَفْيُهُ عَنْكَ وَلَا إِثْبَاتُهُ لِلْأُمِّيِّ أَوِ الْمُخَرْمِشِ لِأَنَّ إِثْبَاتَهُ وَالْأَمْرَ دَائِرٌ بَيْنَكُمَا لِلْعَاجِزِ منكما استهزاء وإثبات لِلْقَادِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِمَا يَعُودُ إِلَى تَجْوِيزِهِ مَذْهَبُهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَفْعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فَإِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ يُعْبَدُ وَيُدَّعَى إِلَهًا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى هَذَا وَأَشَدَّ مِنْهُ.
وَيُحْكَى أَنَّهُ قَالَ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا غَضَبٌ أَنْ يُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ الصِّغَارُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا انْتَهَى. وَمَنْ جَعَلَ الْفَاعِلَ بِفِعْلِهِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ فَتًى أَوْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَوْ قَالَ آخَرُ بِغَيْرِ
стр. 4410
الْمُطَابِقِ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ وَقَفَ عَلَى بَلْ فَعَلَهُ أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ وَجَعَلَ كَبِيرُهُمْ هَذَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا وَهُوَ الْكِسَائِيُّ أَوْ أَصْلُهُ فَعَلَهُ بِمَعْنَى لَعَلَّهُ وَخَفَّفَ اللَّامَ وَهُوَ الْفَرَّاءُ مُسْتَدِلًّا بِقِرَاءَةِ ابْنِ السُّمَيْفِعِ فَعَلَهُ بِمَعْنَى لَعَلَّهُ مُشَدَّدُ اللَّامِ فَهُمْ بُعَدَاءٌ عَنْ طَرِيقِ الْفَصَاحَةِ فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ أَيْ إِلَى عُقُولِهِمْ حِينَ ظَهَرَ لَهُمْ مَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي أَهَّلُوهَا لِلْعِبَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ تُسْأَلَ وَتُسْتَفْسَرَ قَبْلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرَجَعُوا أَيْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ فِي سُؤَالِكُمْ إِبْرَاهِيمَ حِينَ سَأَلْتُمُوهُ وَلَمْ تَسْأَلُوهَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، أَوْ حِينَ عَبَدْتُمْ مَا لَا يَنْطِقُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ حِينَ لَمْ تَحْفَظُوا آلِهَتَكُمْ قَالَهُ وَهْبٌ، أَوْ فِي عِبَادَةِ الْأَصَاغِرِ مَعَ هَذَا الْكَبِيرِ قَالَهُ وَهْبٌ أَيْضًا، أَوْ حِينَ أَبْهَتَهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَالْفَأْسُ فِي عُنُقِ الْكَبِيرِ قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَابْنُ إِسْحَاقٍ أَوْ الظَّالِمُونَ حقيقة حيث نسيتم إِبْرَاهِيمَ إِلَى الظُّلْمِ فِي قولكم إنه على الظَّالِمِينَ إِذْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ مُسْتَحِقَّةٌ لِمَا فُعِلَ بِهَا.
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أي ارتكبوا فِي ضَلَالِهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَنْطِقُ فَسَاءَهُمْ ذَلِكَ حِينَ نَبَّهَ عَلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ لِلَّذِي يَرْتَطِمُ فِي غَيِّهِ كَأَنَّهُ مَنْكُوسٌ عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ أَقْبَحُ هَيْئَةٍ للإنسان، فكان عقله منكوس أي مقلوب لِانْقِلَابِ شَكْلِهِ، وَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ فَرُجُوعُهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِقَامَةِ فِكْرِهِمْ وَنَكْسُهُمْ كِنَايَةٌ عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ كناية عن تطأطئ رؤوسهم وَتَنْكِيسِهَا إِلَى الْأَرْضِ عَلَى سَبِيلِ الْخَجَلِ وَالِانْكِسَارِ مِمَّا بَهَتَهُمْ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَدَمَغَهُمْ بِهِ فَلَمْ يُطِيقُوا جَوَابًا.
وَلَقَدْ عَلِمَتِ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ قَائِلِينَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فَكَيْفَ تَقُولُ لَنَا فَسْئَلُوهُمْ إِنَّمَا قَصَدْتَ بِذَلِكَ تَوْبِيخًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّكْسُ لِلْفِكْرَةِ فِيمَا يُجِيبُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِد نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أَيْ رَدَّتِ السَّفِلَةُ عَلَى الرؤساء وعَلِمْتَ هُنَا مُعَلَّقَةٌ، وَالْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ عَلِمْتَ إِنْ تَعَدَّتْ إِلَى اثْنَيْنِ أَوْ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِنْ تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالْبَكْرَاوِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِتَشْدِيدٍ كَافِ نُكِسُوا وَقَرَأَ رِضْوَانُ بْنُ الْمَعْبُودِ نُكِسُوا بِتَخْفِيفِ الْكَافِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَيْ نَكَسُوا أَنْفُسَهُمْ.
وَلَمَّا ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أَخَذَ يُقَرِّعُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ بِعِبَادِهِ تَمَاثِيلَ مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ،
стр. 4411
ثُمَّ أَبْدَى لَهُمُ التَّضَجُّرَ مِنْهُمْ وَمِنْ مَعْبُودَاتِهِمْ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي قِرَاءَةِ أُفٍّ وَاللُّغَاتُ فِيهَا وَاللَّامُ فِي لَكُمْ لِبَيَانِ الْمُتَأَفَّفِ بِهِ أَيْ لَكُمْ وَلِآلِهَتِكُمْ، هَذَا التَّأَفُّفُ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا بِهِ يُدْرَكُ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْعَقْلُ فَقَالَ: أَفَلا تَعْقِلُونَ أَيْ قُبْحَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَإِنْكَارٍ.
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ.
وَلَمَّا نَبَّهَهُمْ عَلَى قَبِيحِ مُرْتَكَبِهِمْ وَغَلَبِهِمْ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لَاذُوا بِالْإِيذَاءِ لَهُ وَالْغَضَبِ لِآلِهَتِهِمْ وَاخْتَارُوا أَشَدَّ الْعَذَابِ وَهُوَ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِلْإِعْدَامِ الْمَحْضِ وَالْإِتْلَافِ بِالْكُلِّيَّةِ وَكَذَا كُلُّ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ يعدل إلى المناصبة والإذاية كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَمَغَهُمْ بِالْحُجَّةِ وَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ مَا آتَاهُمْ بِهِ عَدَلُوا إِلَى الِانْتِقَامِ وَإِيثَارِ الِاغْتِيَالِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ قالُوا حَرِّقُوهُ أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: أَشَارَ بِإِحْرَاقِهِ نُمْرُوذُ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: رَجُلٌ مِنْ أَعْرَابِ الْعَجَمِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ الْأَكْرَادَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَوَى أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَكْرَادِ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسَ أَيْ بَادِيَتِهَا فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرُوا لِهَذَا الْقَائِلِ اسْمًا مُخْتَلَفًا فِيهِ لَا يُوقَفُ مِنْهُ عَلَى حَقِيقَةٍ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِالشَّكْلِ وَالنُّقَطِ، وَهَكَذَا تَقَعُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ فِي التَّفَاسِيرِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَةِ لَفْظٍ لِعَدَمِ الشَّكْلِ وَالنُّقَطِ فَيَنْبَغِي إطْرَاحُ نَقْلِهَا.
стр. 4412
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ حِينَ هَمُّوا بِإِحْرَاقِهِ حَبَسُوهُ ثُمَّ بَنَوْا بَيْتًا كَالْحَظِيرَةِ بِكُوثَى
وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ حَبْسِهِ وَفِي عَرْضِ الْحَظِيرَةِ وَطُولِهَا، وَمُدَّةِ جَمْعِ الْحَطَبِ، وَمُدَّةِ الْإِيقَادِ، وَمُدَّةِ سِنِّهِ إِذْ ذَاكَ، وَمُدَّةِ إِقَامَتِهِ فِي النَّارِ وَكَيْفِيَّةِ مَا صَارَتْ أَمَاكِنُ النَّارِ اخْتِلَافًا مُتَعَارِضًا تَرَكْنَا ذِكَرَهُ وَاتَّخَذُوا مَنْجَنِيقًا. قِيلَ: بِتَعْلِيمِ إِبْلِيسَ إِذْ كَانَ لَمْ يُصْنَعْ قَبْلُ فَشُدَّ إِبْرَاهِيمُ رِبَاطًا وَوُضِعَ فِي كِفَّةِ الْمَنْجَنِيقِ وَرُمِيَ بِهِ فَوَقَعَ فِي النَّارِ.
وَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَهُ وَهُوَ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ:
أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا
، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَشْيَاءَ صَدَرَتْ مِنَ الْوَزَغِ وَالْبَغْلِ وَالْخُطَّافِ وَالضِّفْدِعِ وَالْعُضْرُفُوطُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا نَجَا بِقَوْلِهِ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قِيلَ: وَأَطَلَّ نُمْرُوذُ مِنَ الصَّرْحِ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ فِي رَوْضَةٍ وَمَعَهُ جَلِيسٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ إِنِّي مُقَرِّبٌ إِلَى آلِهِكَ فَذَبَحَ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَقَرَةٍ. وَكَفَّ عَنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذْ ذَاكَ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً،
وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي حِكَايَةِ مَا جَرَى لِإِبْرَاهِيمَ وَالَّذِي صَحَّ هُوَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلاماً وَخَرَجَ مِنْهَا سَالِمًا فَكَانَتْ أَعْظَمَ آيَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ القائل قُلْنا يا نارُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ ﵇ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ لَمْ يَقُلْ: وَسَلاماً لَهَلَكَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْبَرْدِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ لَمَا أَحْرَقَتْ نَارٌ بَعْدَهَا وَلَا اتَّقَدَتْ انْتَهَى. وَمَعْنَى وَسَلاماً سَلَامَةٌ، وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا هُنَا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَتْ تَحِيَّةً لَكَانَ الرَّفْعُ أَوْلَى بِهَا مِنَ النَّصْبِ. وَالْمَعْنَى ذَاتُ بَرْدٍ وَسَلَامٍ فَبُولِغَ فِي ذلك كان ذاتها برد وسلام، وَلَمَّا كَانَتِ النَّارُ تَنْفَعِلُ لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا كَمَا يَنْفَعِلُ مَنْ يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ لَهَا وَالنِّدَاءِ وَالْأَمْرِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كيف بَرُدَتِ النَّارُ وَهِيَ نَارٌ؟ قُلْتُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهَا طَبْعَهَا الَّذِي طَبَعَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْإِحْرَاقِ وَأَبْقَاهَا عَلَى الْإِضَاءَةِ وَالْإِشْرَاقِ وَالِاشْتِعَالِ، كَمَا كَانَتْ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِقُدْرَتِهِ عَنْ جِسْمِ إِبْرَاهِيمَ أَدْنَى حَرِّهَا وَيُذِيقَهُ فِيهَا عَكْسَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُ بِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلى إِبْراهِيمَ انْتَهَى.
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا هِيَ نَارٌ مَسْجُورَةٌ لَا تُحْرِقُ فَرَمَوْا فِيهَا شَيْخًا مِنْهُمْ فَاحْتَرَقَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا. قِيلَ: هُوَ إِلْقَاؤُهُ فِي النَّارِ فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أَيِ الْمُبَالِغِينَ فِي الْخُسْرَانِ وَهُوَ إِبْطَالُ مَا رَامُوهُ جَادَلُوا إِبْرَاهِيمَ فَجَدَلَهُمْ وَبَكَّتَهُمْ وَأَظْهَرَ لَهُمْ وَأَقَرَّ عُقُولَهُمْ، وَتَقَوَّوْا عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ وَالْإِلْقَاءِ فَخَلَّصَهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ مِنْ أَحْقَرِ خَلْقِهِ وَأَضْعَفِهِ وَهُوَ الْبَعُوضُ يَأْكُلُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَيَشْرَبُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَى نُمْرُوذَ بَعُوضَةً وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ إِذَايَتِهَا لَهُ وَفِي مُدَّةِ إِقَامَتِهَا تُؤْذِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ مِنْهَا.
стр. 4413
وَالضَّمِيرُ فِي وَنَجَّيْناهُ عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَضُمِّنَ مَعْنَى أَخْرَجْنَاهُ بِنَجَاتِنَا إِلَى الْأَرْضِ وَلِذَلِكَ تَعَدَّى نَجَّيْناهُ بِإِلَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أَيْ مُنْتَهِيًا إِلَى الْأَرْضِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَلَا تَضْمِينَ في وَنَجَّيْناهُ على هذا والْأَرْضِ الَّتِي خَرَجَا مِنْهَا هِيَ كُوثَى مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا هِيَ أَرْضُ الشَّامِ وَبَرَكَتُهَا مَا فِيهَا مِنَ الْخِصْبِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ وَبَعْثِ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا. وَقِيلَ: مَكَّةَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَمَا قَالَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ «١» الْآيَةَ. وَقِيلَ أَرْضُ مِصْرَ وَبَرَكَتُهَا نِيلُهَا وَزَكَاةُ زُرُوعِهَا وَعِمَارَةُ مَوَاضِعِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيم خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ وَمَعَهُ لُوطٌ وَكَانَ ابْنَ أَخِيهِ، فَآمَنَتْ بِهِ سَارَّةٌ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ فَأَخْرَجَهَا مَعَهُ فَارًّا بِدِينِهِ، وَفِي هَذِهِ الْخُرْجَةِ لَقِيَ الْجَبَّارَ الَّذِي رَامَ أَخْذَهَا مِنْهُ فَنَزَلَ حَرَّانَ وَمَكَثَ زَمَانًا بِهَا.
وَقِيلَ: سَارَّةُ ابْنَةُ مَلِكِ حَرَّانَ تَزَوَّجَهَا إِبْرَاهِيمُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَبُوهَا أَنْ لَا يُغَيِّرَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا ابْنَةُ عَمِّهِ هَارَانَ الْأَكْبَرِ، ثُمَّ قَدِمَ مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ السَّبْعَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ وَنَزَلَ لُوطٌ بِالْمُؤْتَفِكَةِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنَ السَّبْعِ أَوْ أَقْرَبَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا. وَالنَّافِلَةُ الْعَطِيَّةُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ أَوِ الزِّيَادَةُ كَالْمُتَطَوِّعِ بِهِ إِذَا كَانَ إِسْحَاقُ ثَمَرَةَ دُعَائِهِ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ يَعْقُوبَ زِيَادَةً مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ. وَقِيلَ: النَّافِلَةُ وَلَدُ الْوَلَدِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مَصْدَرًا كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَهَبْنا بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ، وَعَلَى الْآخَرِينَ يُرَادُ بِهِ يَعْقُوبَ فينتصب على الحال، وكُلًّا يَشْمَلُ مِنْ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا يُرْشِدُونَ النَّاسَ إِلَى الدين. وأَئِمَّةً قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ أَيْ خَصَصْنَاهُمْ بِشَرَفِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ الْإِيحَاءَ هُوَ التَّنْبِئَةُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِعْلَ الْخَيْراتِ أَصْلُهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَ الْخَيْراتِ ثُمَّ فَعَلَا الْخَيِرَاتْ وكذلك إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ انْتَهَى. وَكَانَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا رَأَى أَنَّ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُوحَى إِلَيْهِمْ بَلْ هُمْ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مُشْتَرِكُونَ، بَنَى الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ حَتَّى لَا يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى ضَمِيرِ الْمُوحَى، فَلَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِعْلُهُمُ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامُهُمُ الصَّلَاةَ وَإِيتَاؤُهُمُ الزَّكَاةَ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إِذِ الْفَاعِلُ مَعَ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا مِنْ حَيْثُ
стр. 4414
الْمَعْنَى إِلَى ظَاهِرٍ مَحْذُوفٍ يَشْمَلُ الْمُوحَى إِلَيْهِمْ وَغَيْرَهُمْ، أَيْ فِعْلَ الْمُكَلَّفِينَ الْخَيْرَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِمْ أَيْ أَنْ يَفْعَلُوا الْخَيْرَاتِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَإِذَا كَانُوا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَتْبَاعُهُمْ جَارُونَ مَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ اخْتِصَاصُهُمْ بِهِ ثُمَّ اعْتِقَادُ بِنَاءِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ الْأَخْفَشُ وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ، فَلَيْسَ مَا اخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُخْتَارًا.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْإِقَامُ مَصْدَرٌ وَفِي هَذَا نَظَرٌ انْتَهَى. وَأَيُّ نَظَرٍ فِي هَذَا وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ الْإِقَامَةَ بِالتَّاءِ وَهُوَ الْمَقِيسُ فِي مَصْدَرِ أَفْعَلَ إِذَا اعْتَلَّتْ عَيْنُهُ وَحَسُنَ ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُ قَابِلٌ وَإِيتاءَ وَهُوَ بِغَيْرِ تَاءٍ فَتَقَعُ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فَحُذِفَتِ الْهَاءُ مِنْ إِقَامَةِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ عِوَضٌ عَنْهَا انْتَهَى. وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ زَعَمَ أَنَّ تَاءَ التَّأْنِيثِ قَدْ تُحْذَفُ لِلْإِضَافَةِ وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى إبراهيم ذَكَرَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى مَنْ هَاجَرَ مَعَهُ فَارًّا بِدِينِهِ وَهُوَ لُوطٌ ابْنُ أَخِيهِ وَانْتَصَبَ وَلُوطاً عَلَى الِاشْتِغَالِ وَالْحُكْمُ الَّذِي أُوتِيَهُ النُّبُوَّةُ. وَقِيلَ: حُسْنُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْقَضَاءِ. وَقِيلَ: حِفْظُ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْحُكْمَ ذَكَرَ مَا يَكُونُ بِهِ وهو العلم والْقَرْيَةِ سَدُومُ وَكَانَتْ قُرَاهُمْ سَبْعًا وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْوَاحِدَةِ لِاتِّفَاقِ أَهْلِهَا عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَكَانَتْ مِنْ كُورَةِ فِلَسْطِينَ إِلَى حَدِّ السَّرَاةِ إِلَى حَدِّ نَجْدٍ بِالْحِجَازِ، قَلَبَ مِنْهَا تَعَالَى سِتًّا وَأَبْقَى مِنْهَا زَغْرَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحَلَّ لُوطٍ وَأَهْلِهِ وَمَنْ آمَنَ بِهِ أَيْ وَنَجَّيْناهُ مِنَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَيْ خَلَّصْنَاهُ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، وَنَسَبَ عَمَلَ الْخَبائِثَ إِلَى الْقَرْيَةِ مَجَازًا وَهُوَ لِأَهْلِهَا وَانْتَصَبَ الْخَبائِثَ عَلَى مَعْنَى تَعْمَلُ الأعمال أَوِ الْفِعْلَاتِ الْخَبِيثَةِ وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ مُضَافًا إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُ، وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أَيْ فِي أَهْلِ رَحْمَتِنَا أَوْ فِي الْجَنَّةِ، سَمَّاهَا رَحْمَةً إِذْ كَانَتْ أَثَرَ الرَّحْمَةِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ أَبُو الْعَرَبِ وَتَنْجِيَتَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي الْعَالَمِ الْإِنْسِيِّ كُلِّهِمْ وَهُوَ الْأَبُ الثَّانِي لِآدَمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ نَسْلِهِ مِنْ سَامَ وَحَامَ وَيَافِثَ، وَانْتَصَبَ نُوحاً عَلَى إِضْمَارِ اذْكُرْ أَيْ وَاذْكُرْ نُوحاً أَيْ قِصَّتَهُ إِذْ نَادَى وَمَعْنَى نَادَى دَعَا مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ أَنِّي مَغْلُوبٌ «١» فَانْتَصِرْ مُفَصَّلًا بِقَوْلِهِ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٢» وَالْكَرْبُ أَقْصَى الْغَمِّ وَالْأَخْذُ بِالنَّفْسِ، وَهُوَ هُنَا الْغَرَقُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَوَّلِ أَحْوَالِ مَا يَأْخُذُ
стр. 4415
الْغَرِيقَ، وَغَرِقْتُ فِي بَحْرِ النَّيْلِ وَوَصَلْتُ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ وَلَحِقَنِي مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا أَدْرَكْتُ أَنَّ نَفْسِي صَارَتْ أَصْغَرَ مِنَ الْبَعُوضَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَحْوَالِ مَجِيءِ الْمَوْتِ.
وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ عَدَّاهُ بِمِنْ لِتَضَمُّنِهِ معنى فَنَجَّيْناهُ بِنَصَرْنَا مِنَ الْقَوْمِ أَوْ عَصَمْنَاهُ وَمَنَعْنَاهُ أَيْ مِنْ مَكْرُوهِ الْقَوْمِ لِقَوْلِهِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا «١» وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ نَصْرُ الَّذِي مُطَاوِعُهُ انْتَصَرَ، وَسَمِعْتُ هُذَلِيًّا يَدْعُو عَلَى سَارِقٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ مِنْهُ أَيِ اجْعَلْهُمْ مُنْتَصِرِينَ مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنًى فِي نَصَرَ غَيْرُ الْمُتَبَادَرِ إِلَى الذِّهْنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ وَنَصَرْناهُ عَلَى الْقَوْمِ فَأَغْرَقْناهُمْ أي أهلكناهم بالغرق. وأَجْمَعِينَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ. وَقَدْ كَثُرَ التَّوْكِيدُ بِأَجْمَعِينَ غَيْرَ تَابِعٍ لِكُلِّهِمْ فِي الْقُرْآنِ، فَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى ابْنِ مَالِكٍ فِي زَعْمِهِ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِأَجْمَعِينَ قَلِيلٌ، وَأَنَّ الْكَثِيرَ اسْتِعْمَالُهُ تَابِعًا لِكُلِّهِمْ.
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ عَطْفٌ عَلَى وَنُوحاً. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإِذْ بَدَلٌ مِنْهُمَا انْتَهَى. وَالْأَجْوَدُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وَاذْكُرْ داوُدَ وَسُلَيْمانَ أَيْ قِصَّتَهُمَا وَحَالَهُمَا إِذْ يَحْكُمانِ وَجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ مَعْطُوفَيْنِ عَلَى قوله وَنُوحاً وَنُوحاً مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَلُوطاً فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشْتَرِكًا فِي الْعَامِلِ الَّذِي هُوَ آتَيْنا الْمُقَدَّرَةُ النَّاصِبَةُ لِلُوطٍ الْمُفَسَّرَةُ بِآتَيْنَا فَالتَّقْدِيرُ وَآتَيْنَا نُوحًا وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أَيْ آتَيْنَاهُمْ حُكْماً وَعِلْماً وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ وَتَقْدِيرُ اذْكُرْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ. وَكَانَ دَاوُدُ مَلِكًا نَبِيًّا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَوَقَعَتْ هَذِهِ النَّازِلَةُ، وَكَانَ ابْنُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ كَبُرَ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْبَابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْخُصُومُ وَكَانُوا يَدْخُلُونَ إِلَى دَاوُدَ مِنْ بَابٍ آخَرَ، فَتَخَاصَمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ لَهُ زَرْعٌ وَقِيلَ كَرْمٌ والْحَرْثِ يُقَالُ فِيهِمَا وَهُوَ فِي الزَّرْعِ أَكْثَرُ، وَأَبْعَدُ عَنِ الِاسْتِعَارَةِ دَخَلَتْ حَرْثَهُ غَنَمُ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ عَلَيْهِ،
فَرَأَى دَاوُدُ دَفْعَهَا إِلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ فَعَلَى أَنَّهُ كَرْمٌ رَأَى أَنَّ الْغَنَمَ تُقَاوِمُ ما أَفْسَدَتْ مِنَ الْغَلَّةِ وَعَلَى أَنَّهُ زَرْعٌ رَأَى أَنَّهَا تُقَاوِمُ الْحَرْثَ وَالْغَلَّةَ، فَخَرَجَا عَلَى سُلَيْمَانَ فَشَكَى صَاحِبُ الْغَنَمِ فَجَاءَ سُلَيْمَانُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أَرَى مَا هُوَ أَرْفَقُ بِالْجَمِيعِ
، أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الْغَنَمِ الْحَرْثَ يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ، وَيَأْخُذَ صَاحِبُ الْحَرْثِ الْغَنَمَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ يَنْتَفِعُ بِمَرَافِقِهَا مِنْ لَبَنٍ وَصُوفٍ وَنَسْلٍ، فَإِذَا عَادَ الْحَرْثُ إِلَى حَالِهِ صُرِفَ كُلُّ مَالِ صَاحِبِهِ إِلَيْهِ فَرَجَعَتِ الْغَنَمُ إِلَى رَبِّهَا وَالْحَرْثُ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ دَاوُدُ: وُفِّقْتَ يَا بُنَيَّ وَقَضَى بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أن كلّا
следующие страницы →