← Тафсир

Тафсир · id 23591

البحر المحيط في التفسير - ط الفكر

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (6 210 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

يَحُدَّ أَوَّلَ أَمَدِ الْإِجَارَةِ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ جَوَازُ النِّكَاحِ بِالْإِجَارَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هاتَيْنِ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَيْرُهُمَا. انْتَهَى. وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا كَانَتَا هُمَا اللَّتَيْنِ رَآهُمَا تَذُودَانِ، وَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِمَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ غَيْرَهُمَا. عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ ضَمِيرِ أُنْكِحَكَ، إِمَّا الْفَاعِلُ، وإما المفعول. وتأجرني، مِنْ أَجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أَجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أَبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أَبًا، وَمَفْعُولُ تَأْجُرُنِي الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. وثَمانِيَ حِجَجٍ: ظَرْفٌ، وَقَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، وَمَعْنَاهُ: رَعْيُهُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ. فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ: أَيْ هُوَ تَبَرُّعٌ وَتَفَضُّلٌ لَا اشْتِرَاطٌ. وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بإلزام أيّم الْأَجَلَيْنِ، وَلَا فِي الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ، وَتَكْلِيفُ الرُّعَاةِ أَشْيَاءً مِنَ الْخِدَمِ خَارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ: وَعْدٌ صَادِقٌ مَقْرُونٌ بِالْمَشِيئَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ فِي حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَوَطَاءَةِ الْخُلُقِ، أَوْ مِنَ الصَّالِحِينَ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ الْمُعَامَلَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمَّا حَاوَرَ بِهِ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّوَثُّقِ فِي أَنَّ الشَّرْطَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي ثماني حجج. وذلك مبتدأ أخبره بَيْنِي وَبَيْنَكَ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، أَيْ ذَلِكَ الَّذِي عَاهَدْتَنِي وَشَارَطْتَنِي قَائِمٌ بَيْنَنَا جَمِيعًا لَا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ، أَيِ الثَّمَانِيَ أَوِ الْعَشْرَ؟ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ: أَيْ لَا يُعْتَدَى عَلَيَّ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ، وأي شَرْطٌ، وَمَا زَائِدَةٌ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَالْعَبَّاسُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَيَّمَا، بِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: تَنَظَّرَتْ نَصْرًا وَالسِّمَاكَيْنِ أَيَّمَا ... عَلَيَّ مِنَ الْغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُهُ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ مَا قَضَيْتُ، بِزِيَادَةِ مَا بَيْنَ الْأَجَلَيْنِ وَقَضَيْتُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ مَا الْمَزِيدَةِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ؟ قُلْتُ: وَقَعَتْ فِي المستفيضة مؤكدة لإبهام، أَيْ زَائِدَةً فِي شِيَاعِهَا وَفِي الشَّاذِّ، تَأْكِيدًا لِلْقَضَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلَى قَضَائِهِ وَجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ؟ وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ، وَابْنُ قُطَيْبٍ: فَلَا عِدْوَانَ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا عُدْوَانَ عَلَيْهِ فِي أَتَمِّهِمَا، وَلَكِنْ جَمَعَهُمَا، لِيَجْعَلَ الْأَوَّلَ كَالْأَتَمِّ فِي الْوَفَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ الْعُدْوَانِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَحَدِ الْأَجَلَيْنِ الَّذِي هُوَ أَقْصَرُ، وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِتَتِمَّةِ الْعَشْرِ، فَمَا مَعْنَى تَعْلِيقِ الْعُدْوَانِ بِهِمَا جَمِيعًا؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ: كَمَا أَنِّي إِنْ طُولِبْتُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشْرِ، كَانَ عُدْوَانًا لَا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إِنْ طُولِبْتُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى

стр. 4832

الثَّمَانِي. أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وَأَنَّ الْأَجَلَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، إِمَّا هَذَا، وَإِمَّا هَذَا مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ. وَأَمَّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إِلَى رَأْيِي، إِنْ شِئْتُ أَتَيْتُ بِهَا وَإِلَّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَا أَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَهُوَ فِي نَفْيِ الْعُدْوَانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لَا إِثْمَ عَلَيَّ وَلَا تَبِعَةَ. انْتَهَى، وَجَوَابُهُ الْأَوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ: أَيْ عَلَى مَا تَعَاهَدْنَا عَلَيْهِ وَتَوَاثَقْنَا، وَكِيلٌ: أَيْ شَاهِدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَفِيظٌ. وَقَالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، وَالْوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، فَلَمَّا ضُمِّنَ مَعْنَى شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلَى. فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ: جاء عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَفَّى أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ، وَهُوَ الْعَشْرُ. وعن مجاهد: وفي عشر أَوْ عَشْرًا بَعْدَهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَسارَ بِأَهْلِهِ: أَيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وَبَلَدِ قَوْمِهِ. وَالْخِلَافُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ، الْكُبْرَى أَمِ الصُّغْرَى، وَكَذَلِكَ فِي اسْمِهَا. وَتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وَإِينَاسُهُ النَّارَ فِي سُورَةِ طه وَغَيْرِهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: جِذْوَةٍ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْأَعْمَشُ، وَطَلْحَةُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَحَمْزَةُ: بِضَمِّهَا وَعَاصِمٌ، غَيْرَ الْجُعْفِيِّ: بِفَتْحِهَا. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ: أَيْ تَتَسَخَّنُونَ بِهَا، إِذْ كَانَتْ لَيْلَةً بَارِدَةً، وَقَدْ أَضَلُّوا الطَّرِيقَ. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ، قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ. مِنْ، فِي: من شاطىء، لابتداء الغاية، ومن الشَّجَرَةِ كَذَلِكَ، إِذْ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى، أَيْ من قبل الشجرة. والأيمن: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً للشاطىء وَلِلْوَادِي، عَلَى مَعْنَى الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، أَوِ الْأَيْمَنِ: يُرِيدُ الْمُعَادِلَ لِلْعُضْوِ الْأَيْسَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُوسَى، لا للشاطىء، وَلَا لِلْوَادِي، أَيْ أَيْمَنَ مُوسَى فِي اسْتِقْبَالِهِ حَتَّى يَهْبِطَ الْوَادِيَ، أَوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي الْأَيْمَنِ مَقُولٌ. وَقَرَأَ الْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ، وَمَسْلَمَةُ: فِي الْبَقْعَةِ، بِفَتْحِ الْبَاءِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ الْعَرَبِ: هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ، بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَوُصِفَتِ الْبُقْعَةُ بِالْبَرَكَةِ، لِمَا خُصَّتْ بِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَأَنْوَارِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِمُوسَى ﵇، أَوِ لِمَا حَوَتْ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالثِّمَارِ الطَّيِّبَةِ. وَيَتَعَلَّقُ في البقعة بنودي، أَوْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ من شاطىء.

стр. 4833

وَالشَّجَرَةُ عُنَّابٌ، أَوْ عُلَّيْقٌ، أَوْ سَمُرَةٌ، أَوْ عَوْسَجٌ، أقوال. وَأَنْ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، وَأَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: إِنِّي أَنَا، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي إِعْرَابِهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ إِنْ، إِنْ كَانَتْ تَفْسِيرِيَّةً، فَيَنْبَغِي كَسْرُ إِنِّي، وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً، تَتَقَدَّرُ بِالْمُفْرَدِ، وَالْمُفْرَدُ لَا يَكُونُ خَبَرًا لضمير الشَّأْنُ، فَتَخْرِيجُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَنَّ تَكُونَ أَنْ تَفْسِيرِيَّةً، وَإِنِّي مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: إِنِّي يَا مُوسَى أَعْلَمُ إِنِّي أَنَا اللَّهُ. وَجَاءَ فِي طه: نُودِيَ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ «١» ، وَفِي النَّمْلِ: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ «٢» ، وَهُنَا: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ، وَلَا مُنَافَاةَ، إِذْ حَكَى فِي كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّدَاءُ. وَالْجُمْهُورُ: عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى كَلَمَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: نَادَاهُ نِدَاءَ الْوَحْيِ، لَا نِدَاءَ الْكَلَامِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَقَالَ: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، وَهُوَ فَتْحُ الْجُبَّةِ مِنْ حَيْثُ تَخْرُجُ الرَّأْسُ، وَكَانَ كُمُّ الْجُبَّةِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ. وَتَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَفُسِّرَ الْجَنَاحُ هُنَا بِالْيَدِ وَبِالْعَضُدِ وَبِالْعِطَافِ، وَبِمَا أَسْفَلَ مِنَ الْعَضُدِ إِلَى الرُّسْغِ، وَبِجَيْبِ مِدْرَعَتِهِ. وَالرَّهْبُ: الْخَوْفُ، وَتَأْتِي الْقِرَاءَاتُ فِيهِ. وَقِيلَ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ: الْكُمُّ، بِلُغَةِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحِمْيَرَ، وَسَمِعَ الْأَصْمَعِيُّ قَائِلًا يَقُولُ: أَعْطِنِي مَا فِي رَهْبِكَ، أَيْ فِي كُمِّكَ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُ: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: خَافَ مُوسَى أَنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ، فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يُعِيدَ يَدَهُ إِلَى جَيْبِهِ لِتَعُودَ عَلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، فَيَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُوءًا بَلْ آيَةً مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ: أَمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وَذِرَاعِهِ، وَهُوَ الْجَنَاحُ، إِلَى جَنْبِهِ، ليخفف بِذَلِكَ فَزَعُهُ. وَمِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ فَزَعِهِ أَنْ يَقْوَى قَلْبُهُ. وَقِيلَ: لَمَّا انْقَلَبَتِ الْعَصَا حَيَّةً، فَزِعَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ، فَاتَّقَاهَا بِيَدِهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْخَائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكَانَ اتِّقَائِكَ بِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ لِتَظْهَرَ مُعْجِزَةٌ أُخْرَى ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَسَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، لِأَنَّهُ كَالتَّكْرَارِ لِقَوْلِهِ: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ. وَقَدْ قَالَ هُوَ وَالْجَنَاحُ هُنَا الْيَدُ، قَالَ: لِأَنَّ يَدَيِ الْإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحَيِ الطَّائِرِ، وَإِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ عَضُدِهِ الْيُسْرَى، فَقَدْ ضَمَّ جَنَاحَهُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِذَا هَالَكَ أَمْرٌ لِمَا يَغْلِبُ مِنْ شُعَاعِهَا، فَاضْمُمْهَا إِلَيْكَ تَسْكُنْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هُوَ مُجَازٌ أَمَرَهُ بِالْعَزْمِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أشدد

стр. 4834

حَيَازِيمَكَ وَارْبُطْ جَأْشَكَ، أَيْ شِمِّرْ فِي أَمْرِكَ وَدَعِ الرَّهْبَ، وَذَلِكَ لَمَّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وَفَزَعُهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَكَأَنَّهُ طَيَّرَهُ الْفَزَعُ، وَآلَةُ الطَّيَرَانِ الْجَنَاحُ. فَقِيلَ لَهُ: اسْكُنْ وَلَا تَخَفْ، وَضُمَّ مَنْشُورَ جَنَاحِكَ مِنَ الْخَوْفِ إِلَيْكَ، وَذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقَالَ وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ بِضَمِّ جَنَاحِهِ إِلَيْهِ: تَجَلُّدُهُ وَضَبْطُهُ نَفْسَهُ وَتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً، حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ وَلَا يَرْهَبَ، اسْتِعَارَةً مِنْ فِعْلِ الطَّائِرِ، لِأَنَّهُ إِذَا خَافَ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ وَأَرْخَاهُمَا، وَإِلَّا فَجَنَاحَاهُ مَضْمُومَانِ إِلَيْهِ مُشَمَّرَانِ. وَمَعْنَى مِنَ الرَّهْبِ: مِنْ أَجْلِ الرَّهْبِ، أَيْ إِذَا أَصَابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْحَيَّةِ، فَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ. جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كَانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وَعِلَّةً فِيمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ضَمِّ جَنَاحِهِ إِلَيْهِ. وَمَعْنَى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ، وَقَوْلُهُ: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ، وَإِنَّمَا كُرِّرَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَرَضَ فِي أَحَدِهِمَا خُرُوجُ الْيَدِ بَيْضَاءَ، وَفِي الثَّانِي إِخْفَاءُ الرَّهْبِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ جُعِلَ الْجَنَاحُ، وَهُوَ الْيَدُ، فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وَفِي الْآخَرِ مَضْمُومًا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ «١» ، فَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْجَنَاحِ الْمَضْمُومِ هُوَ الْيَدُ الْيُمْنَى، وَبِالْمَضْمُومِ إِلَيْهِ الْيَدُ الْيُسْرَى، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ يُمْنَى الْيَدَيْنِ وَيُسْرَاهُمَا جَنَاحٌ. وَمِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الرَّهْبَ: الْكُمُّ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَعْطِنِي مَا فِي رَهْبِكَ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صِحَّتُهُ فِي اللُّغَةِ؟ وَهَلْ سُمِعَ مِنَ الْأَثْبَاتِ الثِّقَاتِ الَّتِي تُرْضَى عَرَبِيَّتُهُمْ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي: كَيْفَ مَوْقِعُهُ فِي الْآيَةِ؟ وَكَيْفَ يُعْطِيهِ الْفَصْلُ كَسَائِرِ كَلِمَاتِ التَّنْزِيلِ؟ عَلَى أَنَّ مُوسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَا كَانَ عَلَيْهِ ليلة المناجاة إلّا زرماتقة مِنْ صُوفٍ، لَا كُمَّيْنِ لَهَا. انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ: وهل سمع من الأثبات؟ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَيْفَ مَوْقِعُهُ مِنَ الْآيَةِ؟ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ أَخْرِجْ يَدَكَ مِنْ كُمِّكَ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ الْعَصَا بِالْكُمِّ. وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ، وَأَبُو عَمْرٍو: مِنَ الرَّهَبِ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ وَحَفْصٌ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعِيسَى، وَالْجَحْدَرِيُّ: بِضَمِّهِمَا. فَذانِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْعَصَا وَالْيَدِ، وَهُمَا مُؤَنَّثَتَانِ، وَلَكِنْ ذُكِّرَا لِتَذْكِيرِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُؤَنَّثُ الْمُذَكَّرُ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا، بِالْيَاءِ فِي تَكُنْ. بُرْهانانِ: حُجَّتَانِ نَيِّرَتَانِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: فَذَانِّكَ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِهَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعِيسَى، وَأَبُو نَوْفَلٍ، وَابْنُ هُرْمُزَ، وَشِبْلٌ:

стр. 4835

فَذَانِيكَ، بِيَاءٍ بَعْدَ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ. وَقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَرَوَاهَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا: فَذَانَيْكَ، بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الْيَاءِ، عَلَى لُغَةِ مَنْ فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَهَا يَاءٌ. قِيلَ: وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ. وَقَالَ الَمَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهُمْ تخفيفها. وإِلى فِرْعَوْنَ: يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً: هُوَ الْقِبْطِيُّ الَّذِي وَكَزَهُ فَمَاتَ، فَطَلَبَ مِنْ رَبِّهِ مَا يَزْدَادُ بِهِ قُوَّةً، وَذَكَرَ أَخَاهُ وَالْعِلَّةَ الَّتِي تَكُونُ لَهُ زِيَادَةُ التَّبْلِيغِ. وأَفْصَحُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ فَصَاحَةً، وَلَكِنْ أَخُوهُ أَفْصَحُ. فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً: أَيْ مُعِينًا يُصَدِّقُنِي، لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ لِي: صَدَقْتَ، إِذْ يَسْتَوِي فِي قَوْلِ هَذَا اللَّفْظِ الْعَيِيُّ وَالْفَصِيحُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَنَّهُ لِزِيَادَةِ فَصَاحَتِهِ يُبَالِغُ فِي التِّبْيَانِ، وَفِي الْإِجَابَةِ عَنِ الشُّبَهَاتِ، وَفِي جِدَالِهِ الْكُفَّارَ. وَقَرَأَ الجمهور: ردأ، بِالْهَمْزَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَنَافِعٌ، وَالْمَدَنِّيَانِ: بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَنَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى الدَّالِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِالنَّقْلِ، وَلَا هَمْزَ وَلَا تَنْوِينَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ: يُصَدِّقُنِي، بِضَمِّ الْقَافِ، فاحتمل الصفة لردأ، وَالْحَالُ احْتَمَلَ الِاسْتِئْنَافَ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بِالْإِسْكَانِ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُصَدِّقُونِي، وَالضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذَا شَاهِدٌ لِمَنْ جَزَمَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَفْعًا لَقَالَ: يُصَدِّقُونَنِي. انْتَهَى، وَالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَالْمَعْنَى فِي يُصَدِّقُونِي: أَرْجُو تَصْدِيقَهُمْ إِيَّايَ، فَأَجَابَهُ تَعَالَى إِلَى طِلْبَتِهِ وَقَالَ: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنُ: عُضُدَكَ، بِضَمَّتَيْنِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِهِمَا، قَرَأَ بِهِ عِيسَى، وَيُقَالُ فِيهِ: عَضْدٌ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الضَّادِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ. وَالْعَضُدُ: الْعُضْوُ الْمَعْرُوفُ، وَهِيَ قِوَامُ الْيَدِ، وَبِشِدَّتِهَا يَشْتَدُّ. قَالَ الشَّاعِرُ: أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيَدٍ ... إِلَّا يَدًا لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ وَالْمَعْنَى فِيهِ: سَنُقَوِّيكَ بِأَخِيكَ. وَيُقَالُ فِي الْخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وَفِي الشَّرِّ: فَتَّ اللَّهُ فِي عَضُدِكَ. وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ وَالْغَلَبَةُ وَالتَّسْلِيطُ. فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما: أَيْ بِسُوءٍ، أَوْ إِلَى إِذَايَتِكُمَا. وَيُحْتَمَلُ بِآياتِنا أن يتعلق بقوله: ويجعل، أو بيصلون، أو بالغالبون، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الظَّرْفُ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ عَلَى صِلَةِ أل، وَإِنْ

стр. 4836

كَانَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ، أَوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ اذْهَبَا بِآيَاتِنَا. كَمَا عَلَّقَ فِي تِسْعِ آيات باذهب، أَوْ عَلَى الْبَيَانِ، فَالْعَامِلُ مَحْذُوفٌ، وَهَذِهِ أَعَارِيبُ مَنْقُولَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوَابُهُ فَلا يَصِلُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ لَغْوِ الْقَسَمِ. انْتَهَى. أَمَّا إِنَّهُ قَسَمٌ جَوَابُهُ فَلا يَصِلُونَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ لَا تَدْخُلُهُ الْفَاءُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ لَغْوِ الْقَسَمِ، فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ جواب، بل حذف لدلالة عَلَيْهِ، أَيْ بِآيَاتِنَا لَتَغْلِبُنَّ. فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لَا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لَا يُنْصَرُونَ، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. بِآياتِنا: هِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ. بَيِّناتٍ: أَيْ وَاضِحَاتِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ خَارِقٌ مُعْجِزٌ، كَفُّوا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَمُعَارَضَتِهِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْبُهْتِ وَالْكَذِبِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّيْءَ عَلَى حَالَةٍ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، فَزَعَمُوا أَنَّهُ سِحْرٌ يَفْتَعِلُهُ مُوسَى وَيَفْتَرِيهِ عَلَى اللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ. ثُمَّ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ سِحْرٌ مُفْتَرًى، وَكَذِبِهِمْ فِي ذَلِكَ، أَرَادُوا فِي الْكَذِبِ أَنَّهُمْ مَا سَمِعُوا بِهَذَا فِي آبَائِهِمْ، أَيْ فِي زَمَانِ آبَائِهِمْ وَأَيَّامِهِمْ. وَفِي آبَائِنَا: حَالٌ، أَيْ بِهَذَا، أَيْ بِمِثْلِ هَذَا كَائِنًا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا. وَإِذَا نَفَوُا السَّمَاعَ لِمِثْلِ هَذَا فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ، ثَبَتَ أَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُوسَى هُوَ بِدْعٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُفْتَرًى عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ، وطرق سمعهم أَخْبَارَ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ مُوسَى فِي الزَّمَانِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ «١» ؟

стр. 4837

وَلَمَّا رَأَى مُوسَى مَا قَابَلُوهُ بِهِ مِنْ كَوْنِ مَا أَتَى بِهِ سِحْرًا، وَانْتِفَاءَ سَمَاعِ مِثْلِهِ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ، قالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ، حَيْثُ أَهَّلَهُ لِلرِّسَالَةِ، وَبَعَثَهُ بِالْهُدَى، وَوَعَدَهُ حُسْنَ الْعُقْبَى، وَيَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ لَمْ يُرْسِلْهُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِعَدَمِ الْفَلَاحِ، وَهِيَ الظُّلْمُ. وَضْعُ الشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، حَيْثُ دُعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَأُتُوا بِالْمُعْجِزَاتِ، فَادَّعَوُا الْإِلَهِيَّةَ، وَنَسَبُوا ذَلِكَ الْمُعْجِزَ إِلَى السِّحْرِ. وَعَاقِبَةُ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ تَصْلُحُ لِلْمَحْمُودَةِ وَالْمَذْمُومَةِ، فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَحْمُودَةِ، فَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ، حُمِلَتْ عَلَيْهَا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ «١» ؟ وَقَالَ: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ «٢» وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ مُوسَى، بِغَيْرِ وَاوٍ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِالْوَاوِ. وَمُنَاسَبَةُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا: كَيْتَ وَكَيْتَ، وَقَالَ مُوسَى: كَيْتَ وَكَيْتَ فَيَتَمَيَّزُ النَّاظِرُ فَصْلَ مَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَفَسَادَ أَحَدِهِمَا، إِذْ قَدْ تَقَابَلَا، فَيَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ قَوْلَ مُوسَى هُوَ الْحَقُّ وَالْهُدَى. وَمُنَاسَبَةُ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ مَوْضِعُ قِرَاءَةٍ لَمَّا قَالُوا: كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ مُوسَى: كَيْتَ وَكَيْتَ. وَنَفَى فِرْعَوْنُ عِلْمَهُ بِإِلَهٍ غَيْرِهِ لِلْمَلَأِ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْيَ وَجُودِهِ، أَيْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ إِلَهٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُ مَظْنُونٌ، فَيَكُونُ النَّفْيُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَهُوَ الْكَاذِبُ فِي انْتِفَاءِ عِلْمِهِ بِإِلَهٍ غَيْرُهُ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ حَالَةَ غَرَقِهِ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ «٣» ؟ وَاسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ فِي مَخْرَقَتِهِ، وَنَادَى وَزِيرَهُ هَامَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوقِدَ النَّارَ عَلَى الطِّينِ. قِيلَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْآجُرَّ، وَلَمْ يَقُلِ: اطْبُخِ الْآجُرَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِهَامَانَ عِلْمٌ بِذَلِكَ، فَفِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُهُ مَا يَصْنَعُ. فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً: أَيِ ابن لي، لعل أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى. أَوْهَمَ قَوْمَهُ أَنَّ إِلَهَ مُوسَى يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَالِمٌ مُتَيَقَّنٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ لَهُ وَقَوْمُهُ لِغَبَاوَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ وَإِفْرَاطِ عَمَايَتِهِمْ، يُمْكِنُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَنَفْسُ إِقْلِيمِ مِصْرَ يَقْتَضِي لِأَهْلِهِ تَصْدِيقَهُمْ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ وَتَأَثُّرَهُمْ لِلْمُوهِمَاتِ وَالْخَيَالَاتِ، وَلَا يُشَكُّ إِنَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ، وَلَكِنْ يُوَافِقُهُ مَخَافَةَ سَطْوِهِ وَاعْتِدَائِهِ. كَمَا رَأَيْنَاهُ يَعْرِضُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، إِذَا حَدَّثَ رَئِيسٌ بِحَضْرَتِهِ بِحَدِيثٍ مُسْتَحِيلٍ، يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ. وَلَا يَدُلُّ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ الصَّرْحِ عَلَى أَنَّهُ بُنِيَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: بَنَاهُ، وَذَكَرَ مَنْ وَصَفَهُ بِمَا

стр. 4838

اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَقِيلَ: لَمْ يُبْنَ. وَاطَّلَعَ فِي معنى: اطلع، يُقَالُ: طَلَعَ إِلَى الْجَبَلِ وَاطَّلَعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ صَعِدَ، فَافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ وَبِغَيْرِ الْحَقِّ، إِذْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَهُمْ مُبْطِلُونَ فِي اسْتِكْبَارِهِمْ، حَيْثُ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ وَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَالْكِبْرِيَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَنَافِعٌ: لا يرجون، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالْجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَالْأَرْضِ هُنَا أَرْضُ مِصْرَ. فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ: كِنَايَةٌ عَنْ إِدْخَالِهِمْ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَرِقُوا، شُبِّهُوا بِحَصَيَاتٍ. قَذَفَهَا الرَّامِي مِنْ يَدِهِ، وَمِنْهُ نَبْذُ النَّوَاةِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: نَظَرْتُ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتُهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلًا مِنْ نِعَالِكَ بَالِيًا وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ وَفِرْعَوْنُ، وَإِنْ سَارُوا إِلَى الْبَحْرِ بِاخْتِيَارِهِمْ فِي طَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ مَا ضَمَّهُمْ مِنَ الْقَدْرِ السَّابِقِ، وَإِغْرَاقِهِمْ فِي الْبَحْرِ، هُوَ نَبْذُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ. وَجَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى: صَيَّرَ، أَيْ صَيَّرْنَاهُمْ أَئِمَّةً قُدْوَةً لِلْكُفَّارِ يَقْتَدُونَ بِهِمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ لِلْخَيْرِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ، اشْتَهَرُوا بِذَلِكَ وَبَقِيَ حَدِيثُهُمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَجَعَلْنَاهُمْ: دَعَوْنَاهُمْ، أَئِمَّةً: دُعَاةً إِلَى النَّارِ، وَقُلْنَا: إِنَّهُمْ أئمة دعاة إلى النار، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: جَعَلَهُ بَخِيلًا وَفَاسِقًا إِذَا دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ بَخِيلٌ وَفَاسِقٌ. وَيَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ فِسْقِهِ وَبُخْلِهِ: جَعَلَهُ بَخِيلًا وَفَاسِقًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً «١» . وَمَعْنَى دَعَوْتِهِمْ إِلَى النَّارِ: دَعْوَتُهُمْ إِلَى مُوجِبَاتِهَا مِنَ الْكُفْرِ. انْتَهَى. وَإِنَّمَا فَسَّرَ جَعَلْنَاهُمْ بِمَعْنَى دَعَوْنَاهُمْ، لَا بِمَعْنَى صَيَّرْنَاهُمْ، جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِهِ مِنَ الِاعْتِزَالِ، لِأَنَّ فِي تَصْيِيرِهِمْ أَئِمَّةً، خَلْقُ ذَلِكَ لَهُمْ. وَعَلَى مذهب المعتزلة، لا يجوّزون ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَيَجُوزُ خَذَلْنَاهُمْ حَتَّى كَانُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، وَمَعْنَى الْخِذْلَانِ: مَنْعُ الْأَلْطَافِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُهَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ، وَهُوَ الْمُصَمِّمُ عَلَى الْكُفْرِ، الَّذِي لَا تُغْنِي عَنْهُ الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ. انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ أَيْضًا. لَعْنَةً: أَيْ طَرْدًا وَإِبْعَادًا، وَعُطِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى: فِي هذِهِ الدُّنْيا. مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الْهَالِكِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ الْمُشَوَّهِينَ الْخِلْقَةِ، لِسَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُبْعَدِينَ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا آلَ إِلَيْهِ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَإِغْرَاقِهِ، ذَكَرَ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى رَسُولِهِ مُوسَى ﵇ فَقَالَ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ، وَهُوَ أَوَّلُ كِتَابٍ أنزلت فيه الفرائض وَالْأَحْكَامُ. مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى: قَوْمُ نوح وهود

стр. 4839

وَصَالِحٍ وَلُوطٍ، وَيُقَالُ: لَمْ تَهْلِكْ قَرْيَةٌ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ غَيْرُ الْقَرْيَةِ الَّتِي مُسِخَ أَهْلُهَا قِرَدَةً. وَانْتَصَبَ بَصَائِرَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ طَرَائِقَ هُدًى يُسْتَبْصَرُ بِهَا. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ، قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لَمَّا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْبَاءِ مُوسَى وَغَرَائِبِ مَا جَرَى لَهُ مِنْ الْحَمْلِ بِهِ فِي وَقْتِ ذَبْحِ الْأَبْنَاءِ، وَرَمْيِهِ فِي الْبَحْرِ فِي تَابُوتٍ، وَرَدِّهِ إِلَى أُمِّهِ، وَتَبَنِّي فِرْعَوْنَ لَهُ، وَإِيتَائِهِ الْحُكْمَ وَالْعِلْمَ، وَقَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ، وَخُرُوجِهِ مِنْ مَنْشَئِهِ فَارًّا، وَتَصَاهُرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ، وَرَعْيِهِ لِغَنَمِهِ السِّنِينَ الطَّوِيلَةَ، وَعَوْدِهِ إِلَى مِصْرَ، وَإِضْلَالِهِ الطَّرِيقَ، وَمُنَاجَاةِ اللَّهِ لَهُ، وَإِظْهَارِ تَيْنِكَ الْمُعْجِزَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ عَلَى يَدَيْهِ، وَهِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ، وَأَمْرِهِ بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَمُحَاوَرَتِهِ مَعَهُ، وَتَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وَإِهْلَاكِهِ وَإِهْلَاكِ قَوْمِهِ، وَالِامْتِنَانِ عَلَى مُوسَى بِإِيتَائِهِ التَّوْرَاةَ وَأَوْحَى تَعَالَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ﷺ ذَكَّرَهُ بِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَبِمَا خَصَّهُ مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي كَانَ لَا يَعْلَمُهَا لَا هُوَ وَلَا قَوْمُهُ فَقَالَ: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ. وَالْأَمْرُ، قِيلَ: النُّبُوَّةُ وَالْحُكْمُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى. وَقِيلَ: الْأَمْرُ: أَمْرُ مُحَمَّدٍ ﵇ أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَلْتَئِمُ مَعَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً. وَقِيلَ: الْأَمْرُ: هَلَاكُ فِرْعَوْنَ بِالْمَاءِ، وَيُحْمَلُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عَلَى الْيَمِّ، وَبَدَأَ أَوَّلًا بِنَفْيِ شَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ وَقْتَ قَضَاءِ اللَّهِ لِمُوسَى الْأَمْرَ، ثُمَّ ثَنَّى بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الشَّاهِدِينَ بِجَمِيعِ مَا أَعْلَمْنَاكَ بِهِ، فَهُوَ نَفْيٌ لِشَهَادَتِهِ جَمِيعَ مَا جَرَى لِمُوسَى، فَكَانَ عُمُومًا بَعْدَ خُصُوصٍ. وَبِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ: مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَمِنْ حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ الصِّفَةِ مَقَامَهُ عِنْدَ قَوْمٍ. فَعَلَى

стр. 4840

الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَصِلُهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَعَلَى الثَّانِي أَصْلُهُ بِجَانِبِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ. وَالْغَرْبِيُّ، قَالَ قَتَادَةُ: غَرْبِيُّ الْجَبَلِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى بِالْغَرْبِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: حَيْثُ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ. وَقِيلَ: هُنَا جَبَلٌ غَرْبِيٌّ. وَقِيلَ: الْغَرْبِيُّ مِنَ الْوَادِي، وَقِيلَ: مِنَ الْبَحْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى: لَمْ تَحْضُرْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الْغُيُوبَ الَّتِي تُخْبَرُ بِهَا، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ إِلَيْكَ بِوَحْيِنَا، أَيْ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُسَارَعَ إِلَى الْإِيمَانِ بِكَ، وَلَكِنْ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى الْقُرُونِ الَّتِي أَنْشَأْنَاهَا زَمَنًا زَمَنًا، فَعَزَبَتْ حُلُومُهُمْ، وَاسْتَحْكَمَتْ جَهَالَتُهُمْ وَضَلَالَتُهُمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْغَرْبُ: الْمَكَانُ الْوَاقِعُ فِي شِقِّ الْغَرْبِ، وَهُوَ الْمَكَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مِيقَاتُ مُوسَى مِنَ الطَّوْرِ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ. وَالْأَمْرُ الْمَقْضِيُّ إِلَى مُوسَى: الْوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ. وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: وَمَا كُنْتَ حَاضِرًا الْمَكَانَ الَّذِي أَوْحَيْنَا فِيهِ إِلَى مُوسَى، وَلَا كُنْتَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّاهِدِينَ لِلْوَحْيِ إِلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْوَحْيِ إِلَيْهِ، وَهُمْ نُقَبَاؤُهُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ لِلْمِيقَاتِ، حَتَّى نَقِفَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى مَا جَرَى مِنْ أَمْرِ مُوسَى فِي مِيقَاتِهِ، وَكَتْبِ التَّوْرَاةِ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَتَّصِلُ قَوْلُهُ: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً بِهَذَا الْكَلَامِ، وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَكُونُ اسْتِدْرَاكًا؟ قُلْتُ: اتِّصَالُهُ بِهِ وَكَوْنُهُ اسْتِدْرَاكًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا بَعْدَ عَهْدِ الْوَحْيِ إِلَى عَهْدِكَ قُرُونًا كَثِيرَةً، فَتَطَاوَلَ عَلَى آخِرِهِمْ، وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِمْ. الْعُمُرُ: أَيْ أَمَدُ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ، وَانْدَرَسَتِ الْعُلُومُ، فَوَجَبَ إِرْسَالُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلْنَاكَ وَكَسَّبْنَاكَ الْعِلْمَ بِقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَقِصَّةِ مُوسَى، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا كُنْتَ شَاهِدًا لِمُوسَى وَمَا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ، فَذَكَرَ سَبَبَ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ إِطَالَةُ النَّظِرَةِ، وَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمُسَبَّبِ عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي اخْتِصَارِهِ. فَإِذَنْ، هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ شَبِيهٌ لِلِاسْتِدْرَاكَيْنِ بَعْدَهُ. وَما كُنْتَ ثاوِياً: أَيْ مُقِيمًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ، هُمْ شُعَيْبٌ وَالْمُؤْمِنُونَ. تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا: تَقْرَأُ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمًا مِنْهُمْ، يُرِيدُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا قِصَّةُ شُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ. وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاكَ وَأَخْبَرْنَاكَ بِهَا وَعَلَّمْنَاكَهَا. إِذْ نادَيْنا، يُرِيدُ مُنَادَاةَ مُوسَى لَيْلَةَ الْمُنَاجَاةِ وَتَكْلِيمِهِ، وَلَكِنْ عَلَّمْنَاكَ. وَقِيلَ: فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَفَتَرَتِ النُّبُوَّةُ، وَدَرَسَتِ الشَّرَائِعُ، وَحُرِّفَ كَثِيرٌ مِنْهَا وَتَمَامُ الْكَلَامِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وَأَرْسَلْنَاكَ مُجَدِّدًا لِتِلْكَ الْأَخْبَارِ، مُمَيِّزًا لِلْحَقِّ بِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْهَا، رَحْمَةً مِنَّا. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المعنى: وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُوسَى قُرُونٌ تَطَاوَلَتْ أَعْمَارُهُمْ، وَأَنْتَ تُخْبِرُ الْآنَ عَنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ إِخْبَارَ مُشَاهَدَةٍ وَعَيَانٍ بِإِيحَائِنَا، مُعْجِزَةً لَكَ. وَقِيلَ: تَتْلُو حَالٌ، وَقِيلَ: مُسْتَأْنِفٌ، أَيْ أَنْتَ الْآنَ تَتْلُو قِصَّةَ

стр. 4841

شُعَيْبٍ، وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاكَ رَسُولًا، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِيهِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ الْمَنْسِيَّةُ تَتْلُوهَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْلَاكَ مَا أَخْبَرْتُهُمْ بِمَا لَمْ يُشَاهِدُوهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ مَعَ مُوسَى، فَتَرَاهُ وَتَسْمَعُ كَلَامَهُ، وها أنت تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا: أَيْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ. انْتَهَى. قِيلَ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَمَا مَعْنَى: وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّقْدِيرُ: لَمْ تَحْضُرْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَلَوْ حَضَرْتَ، فَمَا شَاهَدْتَ تِلْكَ الْوَقَائِعَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ: وَلَا يَشْهَدُ وَلَا يَرَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يَشْهَدْ أَهْلَ مَدْيَنَ فَيَقْرَأُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهُمْ، وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَلِمْتَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَقُولُ إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَمْ تَكُنِ الرَّسُولَ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ غَيْرُكَ، وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسَلِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ رَسُولًا، فَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ شُعَيْبًا، وَأَرْسَلْنَاكَ إِلَى الْعَرَبِ لِتَكُونَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ. انْتَهَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِذْ نادَيْنا بأن: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ «١» الآية. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ حِينَئِذٍ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي، وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي، فَحِينَئِذٍ قَالَ مُوسَى ﵇: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. فَالْمَعْنَى: إِذْ نَادَيْنَا بِأَمْرِكَ، وَأَخْبَرْنَاكَ بِنُبُوَّتِكَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَحْمَةً، بِالنَّصْبِ، فَقُدِّرَ: وَلَكِنْ جَعَلْنَاكَ رَحْمَةً، وَقُدِّرَ أَعْلَمْنَاكَ وَنَبَّأْنَاكَ رحمة. وقرأ عيسى، وَأَبُو حَيْوَةَ: بِالرَّفْعِ، وَقَدَّرَ: وَلَكِنْ هُوَ رَحْمَةٌ، أَوْ هُوَ رَحْمَةٌ، أَوْ أَنْتَ رَحْمَةٌ. لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ: أَيْ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عِيسَى، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ عَامًا وَنَحْوُهُ. وَجَوَابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ. وَالْمَعْنَى: لَوْلَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ، إِذْ عُوقِبُوا بِمَا قَدَّمُوا مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي، هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ مُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ عَلَيْنَا مَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ: أَيْ إِنَّمَا أَرْسَلْنَا الرُّسُلَ إِزَالَةً لِهَذَا الْعُذْرِ، كَمَا قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ «٢» ، أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ «٣» . وَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ: مَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، هُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: لَعَاجَلْنَاهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ. وَالْمُصِيبَةُ: الْعَذَابُ. وَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ تُزَاوَلُ بِالْأَيْدِي، عُبِّرَ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ بِاجْتِرَاحِ الْأَيْدِي، حَتَّى أَعْمَالُ الْقُلُوبِ، اتِّسَاعًا فِي الْكَلَامِ، وَتَصْيِيرَ الْأَقَلِّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ، وَتَغْلِيبَ الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ. وَالْفَاءُ فِي فَيَقُولُوا لِلْعَطْفِ على نصيبهم، ولولا الثانية للتحضيض. وفنتبع: الْفَاءُ فِيهِ جَوَابٌ لِلتَّحْضِيضِ.

стр. 4842

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ اسْتَقَامَ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِرْسَالِ لَا الْقَوْلُ لِدُخُولِ حَرْفِ الِامْتِنَاعِ عَلَيْهَا دُونَهُ؟ قُلْتُ: الْقَوْلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَلَكِنَّ الْعُقُوبَةَ، لِمَا كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ لِلْقَوْلِ، فَكَانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِهَا، جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ كَأَنَّهَا سَبَبُ الْإِرْسَالِ بِوَاسِطَةِ الْقَوْلِ، فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهَا لَوْلَا، وَجِيءَ بِالْقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْهَا بِالْفَاءِ الْمُعْطِيَةِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ، وَيُؤَوَّلُ مَعْنَاهَا إِلَى قَوْلِكَ: وَلَوْلَا قَوْلُهُمْ هَذَا، إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ «١» لَمَا أَرْسَلْنَا، وَلَكِنِ اخْتِيرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لِنُكْتَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يُعَاقَبُوا مَثَلًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَقَدْ عَايَنُوا مَا أُلْجِئُوا بِهِ إِلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِ. لَمْ يقولو: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا هُوَ الْعِقَابُ لَا غَيْرَ، لَا التَّأَسُّفُ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِخَالِقِهِمْ. وَفِي هَذَا مِنَ الشَّهَادَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى اسْتِحْكَامِ كُفْرِهِمْ وَرُسُوخِهِمْ فِيهِ مَا لَا يَخْفَى، كَقَوْلِهِمْ: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «٢» . انتهى. الْحَقُّ: هُوَ الرَّسُولُ، مُحَمَّدٌ ﷺ ، جَاءَ بِالْكِتَابِ الْمُعْجِزِ الَّذِي قَطَعَ مَعَاذِيرَهُمْ. وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى. مِنْ قَبْلُ: أَيْ مِنْ قَبْلُ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَانْقِلَابَ الْعَصَا حَيَّةً، وَفَلْقَ الْبَحْرِ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ. اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ، كَمَا قَالُوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُقْتَرَحَاتِ لَهُمْ. وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي قَالُوهَا هِيَ مِنْ تَعْلِيمِ الْيَهُودِ لِقُرَيْشٍ، قَالُوا لَهُمْ. أَلَا يَأْتِيَ بِآيَةٍ بَاهِرَةٍ كَآيَاتِ مُوسَى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ مُوسَى، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ فِي آيَاتِ مُوسَى مَا وَقَعَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي آيَاتِ الرَّسُولِ. فَالضَّمِيرُ فِي: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا لِلْيَهُودِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ الْعَرَبُ بِالتَّعْلِيمِ، كَمَا قُلْنَا. وَقِيلَ: قَائِلُ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَيَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا: لَوْلا أُوتِيَ: أي محمد، بِما أُوتِيَ مُوسى، وَذَلِكَ أَنَّ تكذبيهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَكْذِيبٌ لِمُوسَى ﵇، وَنِسْبَتُهُمُ السِّحْرَ لِلرَّسُولِ نِسْبَةُ السِّحْرِ لِمُوسَى، إِذِ الْأَنْبِيَاءُ هُمْ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ. فَمَنْ نَسَبَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا لَا يَلِيقُ، كَانَ نَاسِبًا ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ. وَتَتَنَاسَقُ الضَّمَائِرُ كُلُّهَا فِي هَذَا، فِي قَوْلِهِ: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقَوْلِ أَنَّهُ النُّطْقُ اللِّسَانِيُّ، فَقَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنْكَارُ النُّبُوَّاتِ، مُعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا ظَهَرَ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ السِّحْرِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا، يَعْنِي آبَاءَ جِنْسِهِمْ، وَمَنْ مَذْهَبُهُمْ مَذْهَبُهُمْ، وَعِنَادُهُمْ عِنَادُهُمْ، وَهُمُ الْكَفَرَةُ فِي زَمَنِ مُوسَى بِما أُوتِيَ مُوسى. وَعَنِ الْحَسَنِ: قَدْ كَانَ

стр. 4843

لِلْعَرَبِ أَصْلٌ فِي أَيَّامِ مُوسَى، فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: أو لم يَكْفُرْ آبَاؤُهُمْ؟ قَالُوا فِي موسى وهارون: سِحْرانِ تَظاهَرا، أَيْ تَعَاوَنَا. انْتَهَى. ومن قيل: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ يَكْفُرُوا، وبِما أُوتِيَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَاحِرَانِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مُوسَى وَهَارُونُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُوسَى وَعِيسَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ . وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالْكُوفِيُّونَ: سِحْرَانِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ. وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، أَوْ مُوسَى وَهَارُونُ جُعِلَا سِحْرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. تَظاهَرا: تَعَاوَنَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَظَاهَرَا: فِعْلًا مَاضِيًا عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلَ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ، وَالْأَعْمَشُ: اظَّاهَرَا، بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَشَدِّ الظَّاءِ، وَكَذَا هِيَ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَصْلُهُ تَظَاهَرَا، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ، فَاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِأَجْلِ سُكُونِ التَّاءِ الْمُدْغَمَةِ. وَقَرَأَ مَحْبُوبٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَيَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَأَبُو خَلَّادٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ: تَظَاهَرَا بِالتَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَتَشْدِيدُهُ لَحْنٌ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَإِنَّمَا يُشَدِّدُ فِي الْمُضَارِعِ. وَقَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكَامِلِ فِي الْقِرَاءَاتِ: وَلَا مَعْنَى لَهُ. انْتَهَى. وَلَهُ تَخْرِيجٌ فِي اللِّسَانِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُضَارِعٌ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونَ، وَقَدْ جَاءَ حَذْفُهَا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْكَلَامِ وَفِي الشِّعْرِ، وَسَاحِرَانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَنْتُمَا سَاحِرَانِ تَتَظَاهَرَانِ ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الظَّاءِ وَحُذِفَتِ النُّونُ، وَرُوعِيَ ضَمِيرُ الْخِطَابِ. ولو قرىء: يَظَّاهَرَا، بِالْيَاءِ، حَمْلًا عَلَى مُرَاعَاةِ سَاحِرَانِ، لَكَانَ لَهُ وجه، أو على تقدير هما سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا. وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ: أَيْ بِكُلٍّ مِنَ السَّاحِرَيْنِ أَوِ السِّحْرَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَصْدَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: قُلْ فَأْتُوا: أَيْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ، بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَاتِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَنَهَتْ عَنِ الْكُفْرِ وَالنَّقَائِصِ، وَوَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا الثَّوَابَ الْجَزِيلَ. إِنْ كَانَ تَكْذِيبُكُمْ لِمَعْنًى فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَهْدِي أَكْثَرَ مِنْ هُدَى هَذِهِ، أَتَّبِعْهُ مَعَكُمْ. وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهَا عَائِدٌ عَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، وَعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَتَعْلِيقُ إِتْيَانِهِمْ بِشَرْطِ الصِّدْقِ أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ مُتَيَقَّنٌ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمْ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَكُونُ أَهْدَى مِنَ الْكِتَابَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّرْطِ التَّهَكُّمُ بِهِمْ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: أتبعه، برفع العين الِاسْتِئْنَافِ، أَيْ أَنَا أَتَّبِعُهُ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ هُوَ أَفْضَلُ، وَالِاسْتِجَابَةُ تَقْتَضِي دُعَاءً، وَهُوَ ﷺ يَدْعُو دَائِمًا إِلَى

стр. 4844

الْإِيمَانِ، أَيْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ بَعْدَ مَا وَضَحَ لَهُمْ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُكَ الَّذِي أُنْزِلَ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِكِتابٍ، هُوَ الدُّعَاءَ إِذْ هُوَ طَلَبٌ مِنْهُمْ وَدُعَاءٌ لَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيبُونَ لِأَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُ هَوًى مُجَرَّدٍ، لَا اتِّبَاعَ دَلِيلٍ. وَاسْتَجَابَ: بِمَعْنَى أَجَابَ، وَيُعَدَّى لِلدَّاعِي بِاللَّامِ وَدُونِهَا، كَمَا قَالَ: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ «١» ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى «٢» ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ «٣» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبٌ فَعَدَّاهُ بِغَيْرِ لَامٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذَا الْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى الدُّعَاءِ وَإِلَى الدَّاعِي بِاللَّامِ، وَيُحْذَفُ الدُّعَاءُ إِذَا عُدِّيَ إِلَى الدَّاعِي فِي الْغَالِبِ، فَيُقَالُ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَاسْتَجَابَ لَهُ، فَلَا يَكَادُ يُقَالُ اسْتَجَابَ لَهُ دُعَاءَهُ. وَأَمَّا الْبَيْتُ فَمَعْنَاهُ: فَلَمْ يَسْتَجِبْ دُعَاءً، عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ. انْتَهَى. وَمَنْ أَضَلُّ: أَيْ لَا أحد أضل، وبِغَيْرِ هُدىً: فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَهَذَا الْحَالُ قَيْدٌ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَّبِعُ الْإِنْسَانُ مَا يَهْوَاهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي يَهْوَاهُ فِيهِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ الْأَهْوَاءَ كُلَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ فِيهِ هُدًى وَمَا لَا يَكُونُ فِيهِ هُدًى، فَلِذَلِكَ قُيِّدَ بِهَذِهِ الْحَالِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي مَخْذُولًا مُخْلًى بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَوَاهُ. انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِزَالِ. وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَصَّلْنا، مُشَدَّدُ الصَّادِ وَالْحَسَنُ: بِتَخْفِيفِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُمْ لِقُرَيْشٍ. وَقَالَ رِفَاعَةُ الْقُرَظِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، أَنَا أَحَدُهُمْ. قَالَ الْجُمْهُورُ: وَصَّلْنَا: تَابَعْنَا الْقُرْآنَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فِي الْمَوَاعِظِ وَالزَّجْرِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الإسلام. وقال

стр. 4845

الْحَسَنُ: وَفِي ذِكْرِ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جَعَلْنَاهُ أَوْصَالًا مِنْ حَيْثُ كَانَ أَنْوَاعًا مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَصَّلْنَا لَهُمْ خَبَرَ الْآخِرَةِ بِخَبَرِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَايَنُوا الْآخِرَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَتْمَمْنَا لِوَصْلِكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، وَأَصْلُ التَّوَصُّلِ فِي الْحَبْلِ، يُوَصَّلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ مَا بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ لَا يَزَالُ يُوَصَّلُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مَعْنَاهَا: تَوْصِيلُ الْمَعَانِي فِيهِ بِهَا إِلَيْهِمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: التَّوْصِيلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَلْفَاظِ، أَيْ وَصَّلْنَا لَهُمْ قَوْلًا مُعْجِزًا دَالًّا عَلَى نُبُوَّتِكَ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ هُنَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمَتْ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يُؤْذُونَهُمْ. أَوْ بَحِيرَا الرَّاهِبُ، أَوِ النَّجَاشِيُّ، أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. وَابْنُ سَلَامٍ، وَأَبُو رَفَاعَةَ، وَابْنُهُ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا. أَوْ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِالرَّسُولِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ أَقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَثَمَانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ: بَحِيرَا، وَأَبْرَهَةُ، وَأَشْرَفُ، وَأَرْبَدُ، وَتَمَّامٌ، وإدريس، ونافع، وتميم وقيل ابْنُ سَلَامٍ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَالْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ، وَسَلْمَانُ، سَبْعَةُ أَقْوَالٍ آخِرُهَا لِقَتَادَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أَمْثِلَةٌ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْقَوْلِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ، وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ عَادَ عَلَى الْقُرْآنِ، كَانَ صَوَابًا، لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا. انْتَهَى. إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا: تَعْلِيلٌ لِلْإِيمَانِ بِهِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ حَقًّا مِنَ اللَّهِ حَقِيقٌ بِأَنْ نُؤْمِنَ بِهِ. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ: بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: آمَنَّا بِهِ، أَيْ إِيمَانُنَا بِهِ مُتَقَادِمٌ، إِذْ كَانَ الْآبَاءُ الْأَقْدَمُونَ إِلَى آبائنا قرأوا مَا فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَأَعْلَمُوا بِذَلِكَ الْأَبْنَاءَ، فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ مِنْ قَبْلِ نُزُولِهِ وَتِلَاوَتِهِ عَلَيْنَا، وَالْإِسْلَامُ صِفَةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصَدِّقٍ بِالْوَحْيِ. وَإِيتَاءُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ، لِكَوْنِهِ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَبِالْقُرْآنِ وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِصَبْرِهِمْ: أَيْ عَلَى تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ السَّابِقَةِ لَهُمْ، وَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ وَمَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْأَذَى. وَفِي الْحَدِيثِ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ أَجَرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب آمن بنبيه وآمن بي» ، الحديث. وَيَدْرَؤُنَ: يَدْفَعُونَ، بِالْحَسَنَةِ: بِالطَّاعَةِ، السَّيِّئَةَ: الْمَعْصِيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، أَوْ بِالْحِلْمِ الْأَذَى، وَذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَدْفَعُونَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الشِّرْكِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالْمَعْرُوفِ الْمُنْكَرَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالْخَيْرِ الشَّرَّ. وَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: بِالْعِلْمِ الْجَهْلَ، وَبِالْكَظْمِ الْغَيْظَ. وَفِي وَصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ ، لِمُعَاذٍ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حسن» . واللَّغْوَ: سَقْطُ الْقَوْلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَذَى وَالسَّبُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الشِّرْكُ. وَقَالَ ابْنُ

стр. 4846

زَيْدٍ: مَا غَيَّرَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ وَصْفِ الرَّسُولِ، سَمِعَهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَأَعْرَضُوا. وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ: خِطَابٌ لِقَائِلِ اللَّغْوِ الْمَفْهُومِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ، قَالَ الزَّجَّاجُ: سَلَامُ متاركة لإسلام تَحِيَّةٍ. لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ: أَيْ لَا نَطْلُبُ مُخَالَطَتَهُمْ. إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ: أَيْ لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْهِدَايَةِ فِيهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١» ، لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا: وَإِنَّكَ لَتُرْشِدُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، وَحَدِيثُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَالَةَ أَنْ مَاتَ، مَشْهُورٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا تَقْدِرُ أَنْ تُدْخِلَ فِي الْإِسْلَامِ كُلَّ مَنْ أَحْبَبْتَ، لِأَنَّكَ لَا تَعْلَمُ الْمَطْبُوعَ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوعٍ عَلَى قَلْبِهِ، وَأَنَّ الْأَلْطَافَ تَنْفَعُ فِيهِ، فَتُقَرِّبُ بِهِ أَلْطَافُهُ حَتَّى يَدْعُوهُ إِلَى الْقَبُولِ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ: بِالْقَابِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ. انْتَهَى، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِزَالِ فِي أَمْرِ الْأَلْطَافِ. وَقَالُوا: الضَّمِيرُ فِي وَقَالُوا لِقُرَيْشٍ. وَقِيلَ، القائل الحارث بْنُ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، وَلَكِنَّا نَخَافُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ وَخَالَفْنَا الْعَرَبَ، فَذَلِكَ وَإِنَّمَا نَحْنُ أَكَلَةُ رَأْسٍ، أَيْ قَلِيلُونَ أَنْ يَتَخَطَّفُونَا مِنْ أَرْضِنَا. وَقَوْلُهُمْ: الْهُدى مَعَكَ: أَيْ عَلَى زعمك، فقطع الله حجتهمم، إِذْ كَانُوا، وَهُمْ كُفَّارٌ بِاللَّهِ، عُبَّادَ أَصْنَامٍ قَدْ أَمِنُوا فِي حَرَمِهِمْ، وَالنَّاسُ فِي غَيْرِهِ يَتَقَاتَلُونَ، وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي بَلَدٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، يَجِيءُ إِلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ مِنَ الْأَقْوَاتِ، فَكَيْفَ إِذَا آمَنُوا وَاهْتَدَوْا؟ فَهُوَ تَعَالَى يُمَهِّدُ لَهُمُ الْأَرْضَ، وَيُمَلِّكُهُمُ الْأَرْضَ، كَمَا وَعَدَهُمْ تَعَالَى، وَوَقَعَ مَا وَعَدَ بِهِ وَوَصْفُ الْحَرَمِ بِالْأَمْنِ مَجَازٌ، إِذِ الْآمِنُونَ فيه هم ساكنوه. وثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ: عَامٌّ مَخْصُوصٌ، يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ. وَقَرَأَ الْمِنْقَرِيُّ: يُتَخَطَّفُ، بِرَفْعِ الْفَاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ «٢» ، بِرَفْعِ الْكَافِ، أَيْ فَيُدْرِكُكُمْ، أَيْ فَهُوَ يُدْرِكُكُمْ. وَقَوْلُهُ: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا: أَيْ فَيُتَخَطَّفُ، وَفَاللَّهُ يَشْكُرُهَا، وَهُوَ تَخْرِيجُ شُذُوذٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَجَمَاعَةٌ، عَنْ يَعْقُوبَ وَأَبُو حَاتِمٍ، عَنْ عَاصِمٍ: تُجْبَى، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ثَمَرَاتُ، بِفَتْحَتَيْنِ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ: بِضَمَّتَيْنِ وَبَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ الثَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ. وَانْتَصَبَ رِزْقًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلِهِ: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ: أَيْ بِرِزْقِ ثَمَرَاتٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وَفَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ مَحْذُوفٌ، أَيْ نَسُوقُ إِلَيْهِ ثمرات كل

стр. 4847

شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرِّزْقُ لَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ بِمَعْنَى الْمَرْزُوقِ، جَازِ انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ ثَمَرَاتٍ، وَيَحْسُنُ ذلك تخصيصا بالإضافة. وأَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: أَيْ جَهَلَةٌ، بِأَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ هُوَ مِنْ عِنْدِنَا. وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ، وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ، أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ. هَذَا تَخْوِيفٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ قَوْمٍ كَانُوا فِي مِثْلِ حَالِهِمْ مِنْ إِنْعَامِ اللَّهِ عليم بِالرُّقُودِ فِي ظِلَالِ الْأَمْنِ وخفض العيش، فعظموا النِّعْمَةَ، وَقَابَلُوهَا بِالْأَشَرِ وَالْبَطَرِ، فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وَخَرَّبَ دِيَارَهُمْ. ومَعِيشَتَها مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ أَوْ مُشَبَّهٌ بِالْمَفْعُولِ، عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى تَضْمِينِ بَطِرَتْ مَعْنَى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، أَيْ خَسِرَتْ مَعِيشَتَهَا، عَلَى مَذْهَبِ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ عَلَى إِسْقَاطِ فِي، أَي فِي مَعِيشَتِهَا، عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَوْ عَلَى الظَّرْفِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَيَّامَ مَعِيشَتِهَا، كَقَوْلِكَ: جِئْتُ خَفُوقَ النَّجْمِ، عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ. فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ: أَشَارَ إِلَيْهَا، أَيْ تَرَوْنَهَا خَرَابًا، تَمُرُّونَ عَلَيْهَا كَحِجْرِ ثَمُودَ، هَلَكُوا وَفَنَوْا، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَسَاكِنِ. وتُسْكَنْ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْمَسَاكِنِ، أَيْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهَا سُكِنَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: لَمْ تُسْكَنْ: أَيْ إِلَّا سُكْنَى قَلِيلًا، أَيْ لَمْ يَسْكُنْهَا إِلَّا الْمُسَافِرُ وَمَارُّ الطَّرِيقِ. وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ: أَيْ لِتِلْكَ الْمَسَاكِنِ وَغَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ «١» ، خَلَتْ مِنْ سَاكِنِيهَا فَخَرِبَتْ. تَتَخَلَّفُ الْآثَارُ عَنْ أَصْحَابِهَا ... حِينًا وَيُدْرِكُهَا الْفَنَاءُ فَتَتْبَعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرَى عَامَّةٌ فِي الْقُرَى الَّتِي هَلَكَتْ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُهْلِكُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ. حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّ تِلْكَ الْقُرَى، أَيْ كَبِيرَتِهَا، الَّتِي تَرْجِعُ تِلْكَ الْقُرَى إِلَيْهَا، وَمِنْهَا يَمْتَارُونَ، وَفِيهَا عَظِيمُهُمُ الْحَاكِمُ عَلَى تِلْكَ الْقُرَى. حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا، لِإِلْزَامِ الْحُجَّةِ وَقَطْعِ الْمَعْذِرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُرَى: الْقُرَى الَّتِي فِي عَصْرِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ أم

стр. 4848

الْقُرَى: مَكَّةَ، وَيَكُونُ الرَّسُولُ: مُحَمَّدًا ﷺ ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَظُلْمُ أَهْلِهَا: هُوَ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ: أَيْ حَسَنٍ يَسُرُّكُمْ وَتَفْخَرُونَ بِهِ، فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها: تُمَتَّعُونَ أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَما عِنْدَ اللَّهِ: مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ الْبَاقِي الْمُعَدِّ لِلْمُؤْمِنِينَ، خَيْرٌ. مِنْ مَتَاعِكُمْ، أَفَلا تَعْقِلُونَ: تَوْبِيخٌ لَهُمْ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: يَعْقِلُونَ، بِالْيَاءِ، إِعْرَاضٌ عَنْ خِطَابِهِمْ وَخِطَابٌ لِغَيْرِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ وَسَخَافَةِ عُقُولِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ، عَلَى خِطَابِهِمْ وَتَوْبِيخِهِمْ، فِي كَوْنِهِمْ أَهْمَلُوا الْعَقْلَ فِي الْعَاقِبَةِ. وَنَسَبَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ إلى أبو عَمْرٍو وَحْدَهُ، وَفِي التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ بَيْنَ الْيَاءِ وَالتَّاءِ، عن أبي عمرو. وقرىء: مَتَاعًا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، أَيْ يُمَتَّعُونَ مَتَاعًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَانْتَصَبَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّرْفِ. أَفَمَنْ وَعَدْناهُ: يَذْكُرُ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مَنْ وُعِدَ، وَعْداً حَسَناً، وَهُوَ الثَّوَابُ، فَلَاقَاهُ، وَمَنْ مُتِّعَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُحْضِرَ إِلَى النَّارِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. قِيلَ: وَنَزَلَتْ فِي الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي حَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي عَلِيٍّ وَأَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي عَمَّارٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَغَلَبَ لَفْظُ الْمُحْضَرِ فِي الْمُحْضَرِ إِلَى النَّارِ كَقَوْلِهِ: لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ «١» ، فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ «٢» . وَالْفَاءُ فِي: أَفَمَنْ، لِلْعَطْفِ، لَمَّا ذَكَرَ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ مَا أُوتُوا مِنَ الْمَتَاعِ وَالزِّينَةِ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ، قَالَ: أَفَبَعْدَ هَذَا التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ يُسَوَّى بَيْنَ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا؟ وَالْفَاءُ فِي: فَهُوَ لاقِيهِ، لِلتَّسْبِيبِ، لِأَنَّ لِقَاءَ الْمَوْعُودِ مُسَبَّبٌ عَنِ الْوَعْدِ الَّذِي هُوَ الضَّمَانُ فِي الْخَبَرِ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي حَالَ الْإِحْضَارِ عَنْ حَالِ التَّمَتُّعِ بِتَرَاخِي وَقْتِهِ عَنْ وَقْتِهِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ: أَمَنْ وَعَدْنَاهُ، بِغَيْرِ فَاءٍ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ، وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَساءَلُونَ، فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ

стр. 4849

جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمُمَتَّعِينَ فِي الدُّنْيَا يُحْضَرُونَ إِلَى النَّارِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيْ وَاذْكُرْ حَالَهُمْ يَوْمَ يُنَادِيهِمُ اللَّهُ، وَنِدَاؤُهُ إِيَّاهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ؟ أَيْ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَالشُّرَكَاءُ هُمْ مَنْ عَبَدُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِنْ مَلَكٍ، أَوْ جِنٍّ، أَوْ إِنْسٍ، أَوْ كَوْكَبٍ، أَوْ صَنَمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمَفْعُولَا تَزْعُمُونَ مَحْذُوفَانِ، أَحَدُهُمَا الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَالتَّقْدِيرُ: تَزْعُمُونَهُمْ شُرَكَاءَ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ مُسْكِتًا لَهُمْ، إِذْ تلك الشركاء التي عمدوها مَفْقُودُونَ، هُمْ أُوجِدُوا هُمْ فِي الْآخِرَةِ حَادُوا عَنِ الْجَوَابِ إِلَى كَلَامٍ لَا يُجْدِي. قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: أَيِ الشَّيَاطِينُ، وأئمة الكفر ورؤوسه وحق: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، أَيْ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «١» . وهؤُلاءِ: مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنا: هم صفة، وأَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا: الخبر، وكَما غَوَيْنا: صِفَةٌ لِمُطَاوِعِ أَغْوَيْنَاهُمْ، أَيْ فَغَوَوْا كَمَا غَوَيْنَا، أَيْ تَسَبَّبْنَا لَهُمْ فِي الْغَيِّ فَقَبِلُوا مِنَّا. وَهَذَا الْإِعْرَابُ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَا يَجُوزُ هَذَا الْوَجْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي صِفَةِ الْمُبْتَدَإِ. قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ: كَما غَوَيْنا، وَفِيهِ زِيَادَةٌ. قِيلَ: الزِّيَادَةُ بِالظَّرْفِ لَا تُصَيِّرُهُ أَصْلًا فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ الظُّرُوفَ صِلَاتٌ، وَقَالَ هُوَ: الَّذِينَ أَغْوَيْنا هو الخبر، وأَغْوَيْناهُمْ: مُسْتَأْنَفٌ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عَلِيٍّ: لَا يَمْتَنِعُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْفَضَلَاتِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَلْزَمُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ عَمْرٌو قَائِمٌ فِي دَارِهِ. انْتَهَى. وَالْمَعْنَى: هَؤُلَاءِ أَتْبَاعُنَا آثَرُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا آثَرْنَاهُ نَحْنُ، وَنَحْنُ كُنَّا السَّبَبَ فِي كُفْرِهِمْ، فَقَبِلُوا مِنَّا. وَقَرَأَ أَبَانٌ، عَنْ عَاصِمٍ وَبَعْضُ الشَّامِيِّينَ: كَمَا غَوِينَا، بِكَسْرِ الْوَاوِ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَارًا، لِأَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ: غَوَيْتُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَغَوِيتَ مِنَ الْبَشَمِ. ثُمَّ قَالُوا: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ، مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَنَا، إنما عبدوا غيرنا، وإِيَّانا: مَفْعُولُ يَعْبُدُونَ، لَمَّا تَقَدَّمَ الفصل، وانفصاله لكون

стр. 4850

يَعْبُدُونَ فَاصِلَةً، وَلَوِ اتَّصَلَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فَاصِلَةً. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَيُطِيعُونَ شَهَوَاتِهِمْ وَإِخْلَاءُ الْجُمْلَتَيْنِ مِنَ الْعَاطِفِ، لكونهما مقرونين لِمَعْنَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى. انْتَهَى. وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ: لَمَّا سُئِلُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ وَأَجَابُوا بِغَيْرِ جَوَابٍ، سُئِلُوا ثَانِيًا فَقِيلَ: ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ، وَأَضَافَ الشُّرَكَاءَ إِلَيْهِمْ، أَيِ الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي دُعَائِهِمْ، فَدَعَوْهُمْ، هَذَا لِسَخَافَةِ عُقُولِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ أَيْضًا، إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ لَا يُجِيبُهُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي وَرَأَوُا. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ لِلتَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَدَّرَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيهِ، أَيْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، مَا رَأَوُا الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَوْ كَانُوا مُهْتَدِينَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْحِيَلِ، لَدَفَعُوا بِهِ الْعَذَابَ. وَقِيلَ: لَعَلِمُوا أَنَّ الْعَذَابَ حَقٌّ. وَقِيلَ: لَتَحَيَّرُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِنْ فَظَاعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَذَّبُوا بِهِ، وَقِيلَ: مَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا عَابِدِينَ الْأَصْنَامَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وَفِي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ إِذَا خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، اشْتَدَّ خَوْفُهُمْ وَلَحِقَهُمْ شَيْءٌ بِحَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، لَاَ جَرَمَ مَا رَأَوُا الْعَذَابَ. وَثَانِيهَا: لَمَّا ذَكَرَ الشُّرَكَاءَ، وَهِيَ الْأَصْنَامُ، وَأَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ، قَالَ فِي حَقِّهِمْ: وَرَأَوُا الْعَذابَ، لَوْ كَانُوا مِنَ الْأَحْيَاءِ الْمُهْتَدِينَ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَا جَرَمَ مَا رَأَتِ الْعَذَابَ. وَالضَّمِيرُ فِي رَأَوُا، وَإِنْ كَانَ لِلْعُقَلَاءِ، فَقَدْ قَالَ: وَدَعَوْهُمْ وَهُمْ لِلْعُقَلَاءِ. انْتَهَى، وَفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَى هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي رَأَوُا عَائِدٌ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، قَالَ: وَهُمُ الْأَصْنَامُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الدَّاعِينَ، كَقَوْلِهِ: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ «١» ، وَلِأَنَّ حَمْلَ مُهْتَدِينَ عَلَى الْأَحْيَاءِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، لِأَنَّ مَا قَدَّرَهُ هُوَ جَوَابٌ، وَلَا يُشْعَرُ بِهِ أَنَّهُ جَوَابٌ، إِذْ صَارَ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: لَوْ كَانُوا مِنَ الْأَحْيَاءِ رَأَوُا الْعَذَابَ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَلَا تَرَى الْعَذَابَ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: فَلَا جَرَمَ مَا رَأَتِ الْعَذَابَ؟ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ: هَذَا النِّدَاءُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. حَكَى أَوَّلًا مَا يُوَبِّخُهُمْ مِنَ اتِّخَاذِهِمْ لَهُ شُرَكَاءَ، ثُمَّ مَا يقوله رؤوس الْكُفْرِ عِنْدَ تَوْبِيخِهِمْ، ثُمَّ اسْتِعَانَتِهِمْ بِشُرَكَائِهِمْ وَخِذْلَانِهِمْ لَهُمْ وَعَجْزِهِمْ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، ثُمَّ مَا يُبَكَّتُونَ بِهِ مِنْ الاحتجاج

стр. 4851

عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِزَالَةِ الْعِلَلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَعَمِيَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَجَنَاحُ بْنُ حُبَيْشٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَالْمَعْنَى: أَظَلَمَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُخْبِرُوا بِمَا فِيهِ نَجَاةٌ لَهُمْ، وَأَتَى بِلَفْظِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. فَهُمْ لَا يَتَساءَلُونَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ: يَسَّاءَلُونَ، بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي السِّينِ: أَيْ لَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا يتحاجون به، إذا أَيْقَنُوا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ، فَهُمْ فِي عَمًى وَعَجْزٍ عَنِ الْجَوَابِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّبَأِ: الْخَبَرُ عَمَّا أَجَابَ بِهِ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ رَسُولَهُ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَحْوَالَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِيهِ، أَخْبَرَ بِأَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَإِنَّهُ مَرْجُوٌّ لَهُ الْفَلَاحُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا تَرْغِيبٌ لِلْكَافِرِ فِي الْإِسْلَامِ، وَضَمَانٌ لَهُ لِلْفَلَاحِ. وَيُقَالُ: إِنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ مَا تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرَابِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» ، وَقَائِلُ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ وَاخْتَارُوهُمْ لِلشَّفَاعَةِ، أَيْ الِاخْتِيَارُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الشُّفَعَاءِ، لَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابٌ لِلْيَهُودِ، إِذْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ إِلَى مُحَمَّدٍ غَيْرَ جِبْرِيلَ، لَآمَنَّا بِهِ، وَنَصَّ الزَّجَّاجُ، وَعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَالنَّحَّاسُ: عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَخْتارُ تَامٌّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَافِيَةٌ، أَيْ لَيْسَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ مَا موصولة منصوبة بيختار، أَيْ وَيَخْتَارُ مِنَ الرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ مَا كَانَ خِيَرَةً لِلنَّاسِ، كَمَا لَا يَخْتَارُونَ هُمْ مَا لَيْسَ إِلَيْهِمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ. وَأُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً، لِئَلَّا يَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الْخِيرَةُ فِيمَا مَضَى، وَهِيَ لَهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ كَلَامٌ يَنْفِي. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وَقَدْ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ تَقَدُّمُ الْعَائِدِ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ الْخِيَرَةُ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَا حُذِفَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٢» ، يَعْنِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَأَنْشَدَ الْقَاسِمُ ابْنُ مَعْنٍ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: أَمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ الْعَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ الْيَوْمِ مَعْرُوفُ وَقَرَنَ الْآيَةَ بِهَذَا الْبَيْتِ. وَالرِّوَايَةُ فِي الْبَيْتِ: لَوْ أَنَّ ذَا، وَلَكِنْ عَلَى مَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ يَتَّجِهُ فِي

стр. 4852

بَيْتِ عَنْتَرَةَ أَنْ يَكُونَ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. فَأَمَّا فِي الْآيَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَفْسِيرُ الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ لَا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيهَا مَحْذُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَتَّجِهُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ مَا مَفْعُولَةً، إِذَا قَدَّرْنَا كَانَ تَامَّةً، أَيْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَارُ كُلَّ كَائِنٍ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقَوْلُهُ: لَهُمُ الْخِيَرَةُ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْنَاهَا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِي اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُمْ، لَوْ قَبِلُوا وَفَهِمُوا. انْتَهَى. يَعْنِي: وَاللَّهُ أَعْلَمُ خِيرَةُ اللَّهِ لَهُمْ، أَيْ لِمَصْلَحَتِهِمْ. وَالْخِيرَةُ مِنَ التَّخَيُّرِ، كَالطِّيَرَةِ مِنَ التَّطَيُّرِ، يُسْتَعْمَلَانِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَالْجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ هَذَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا. وَالْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ قَوْلُهُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ «١» ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ «٢» ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣» ، وَالتَّحْمِيدُ هُنَالِكَ عَلَى سَبِيلِ اللَّذَّةِ، لَا التَّكْلِيفِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّقْدِيسَ» . وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: مَا تَكُنُّ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْكَافِ. وَلَهُ الْحُكْمُ: أَيِ الْقَضَاءُ بين عباده والفصل. وأَ رَأَيْتُمْ: بِمَعْنَى أَخْبِرُونِي، وَقَدْ يُسَلَّطُ على الليل أَرَأَيْتُمْ وجَعَلَ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِيهِ، فَأُعْمِلَ الثَّانِي. وَجُمْلَةُ أَرَأَيْتُمْ الثَّانِيَةُ هِيَ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْعَائِدُ عَلَى اللَّيْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ فِي بَابِ التَّنَازُعِ أَنْ يَسْتَوِيَ الْمُتَنَازِعَانِ فِي جِهَةِ التَّعَدِّي مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يَخْتَلِفُ الطَّلَبُ، فَيَطْلُبُهُ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْفَاعِلِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَفْعُولِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَفْعُولِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الظَّرْفِ. وَكَذَلِكَ أَرَأَيْتُمْ ثَانِي مَفْعُولَيْهِ جُمْلَةٌ اسْتِفْهَامِيَّةٌ غَالِبًا، وَثَانِي جَعَلَ إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى صَيَّرَ لَا يَكُونُ اسْتِفْهَامًا، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ وَأَوْجَدَ وَانْتَصَبَ مَا بَعْدَ مَفْعُولِهَا، كَانَ ذَلِكَ المنتصب حالا. وسَرْمَداً، قِيلَ: مِنَ السَّرْمَدِ، فَمِيمُهُ زَائِدَةٌ، وَوَزْنُهُ فَعْمَلُ، وَلَا يُزَادُ وَسَطًا وَلَا آخِرًا بِقِيَاسٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ تُحْفَظُ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ التَّصْرِيفِ. وَأَتَى بِضِياءٍ، وَهُوَ نور الشمس، ولم يجيء التَّرْكِيبُ بِنَهَارٍ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَمَا جَاءَ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، لِأَنَّ مَنَافِعَ الضِّيَاءِ مُتَكَاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ فِي الْمَعَاشِ وَحْدَهُ، وَالظَّلَامُ لَيْسَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قُرِنَ بِالضِّيَاءِ. أَفَلا تَسْمَعُونَ؟ لِأَنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ مِنْ ذِكْرِ مَنَافِعِهِ وَوَصْفِ فَوَائِدِهِ، وَقُرِنَ بِاللَّيْلِ. أَفَلا تُبْصِرُونَ؟ لِأَنَّ غَيْرَكَ يُبْصِرُ مِنْ مَنْفَعَةِ الظَّلَامِ مَا تُبْصِرُهُ أَنْتَ مِنَ السُّكُونِ وَنَحْوِهِ، قَالَ الزمخشري. ومِنْ رَحْمَتِهِ، مِنْ هُنَا لِلسَّبَبِ، أَيْ وَبِسَبَبِ رَحْمَتِهِ إِيَّاكُمْ، جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، ثم علل

стр. 4853

جعل كل واحد منهما، فَبَدَأَ بِعِلَّةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ اللَّيْلُ، وَهُوَ: لِتَسْكُنُوا فِيهِ، ثُمَّ بِعِلَّةِ الثَّانِي وَهُوَ: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ بِمَا يُشْبِهُ الْعِلَّةَ لِجَعْلِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أَيْ هَذِهِ الرَّحْمَةَ وَالنِّعْمَةَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ عِلْمِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّفْسِيرَ، وَهُوَ أَنْ تَذْكُرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ تُفَسِّرَهَا بِمَا يُنَاسِبُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ جُيُوشٍ: وَمُقَرْطَقٌ يُغْنِي النَّدِيمَ بِوَجْهِهِ ... عَنْ كَأْسِهِ الْمَلْأَى وَعَنْ إِبْرِيقِهِ فِعْلُ الْمُدَامِ وَلَوْنُهَا وَمَذَاقُهَا ... فِي مُقْلَتَيْهِ وَوَجْنَتَيْهِ وَرِيقِهِ وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ عَائِدٌ عَلَى اللَّيْلِ، وَفِي فَضْلِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى اللَّهِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ فَضْلِهِ، أَيْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فِيهِ، أَيْ فِي النَّهَارِ وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى، وَلِدَلَالَةِ لَفْظِ فِيهِ السَّابِقِ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى النَّهَارِ، أَيْ مِنْ فَضْلِ النَّهَارِ، وَيَكُونُ أَضَافَهُ إِلَى ضَمِير النَّهَارِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. لَمَّا كَانَ الْفَضْلُ حَاصِلًا فِيهِ، أُضِيفَ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «١» . وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ، إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ، فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ. تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ: وَكُرِّرَ هُنَا عَلَى جِهَةِ الْإِبْلَاغِ وَالتَّأْكِيدِ. وَنَزَعْنا: أَيْ مَيَّزْنَا وَأَخْرَجْنَا بِسُرْعَةٍ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ. شَهِيداً: وَهُوَ نبي تلك

стр. 4854

الْأُمَّةِ، لِأَنَّهُ هُوَ الشَّهِيدُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا؟ وَقِيلَ: عَدُولًا وَخِيَارًا. وَالشَّهِيدُ عَلَى هَذَا اسْمُ الْجِنْسِ، وَالشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلَى تِلْكَ الْأُمَّةِ بِمَا صَدَرَ مِنْهَا، وَمَا أَجَابَتْ بِهِ لَمَّا دُعِيَتْ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ. فَقُلْنا: أَيْ لِلْمَلَأِ، هاتُوا بُرْهانَكُمْ: أَيْ حُجَّتَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ وَمُخَالَفَةِ هَذَا الشَّهِيدِ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ، لَا لِأَصْنَامِهِمْ وَمَا عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَضَلَّ عَنْهُمْ: أَيْ وَغَابَ عَنْهُمْ غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضَّائِعِ، مَا كانُوا يَفْتَرُونَ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ. وَقَارُونُ أَعْجَمِيٌّ: مُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ. وَقِيلَ: وَمَعْنَى كَانَ مِنْ قَوْمِهِ: أَيْ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ إِسْرَائِيلِيٌّ بِإِجْمَاعٍ. انْتَهَى. وَاخْتُلِفَ فِي قَرَابَتِهِ مِنْ مُوسَى ﵇، اخْتِلَافًا مُضْطَرِبًا مُتَكَاذِبًا، وَأَوْلَاهَا: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ابْنُ عمه، وهو قارون ابن يَصْهُرَ بْنِ قَاهِثَ، جَدِّ مُوسَى، لِأَنَّ النَّسَّابِينَ ذَكَرُوا نَسَبَهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وَكَانَ أَحْفَظَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِلتَّوْرَاةِ وَأَقْرَأَهُمْ، فَنَافَقَ كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيُّ. فَبَغى عَلَيْهِمْ: ذَكَرُوا مِنْ أَنْوَاعِ بَغْيِهِ الْكُفْرَ وَالْكِبْرَ، وَحَسَدَهُ لِمُوسَى عَلَى النُّبُوَّةِ، وَلِهَارُونَ عَلَى الذَّبْحِ وَالْقُرْبَانِ، وَظُلْمَهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِمْ، وَدَسَّهُ بَغِيًّا تَكْذِبُ عَلَى مُوسَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لَهَا، وَتَفْضَحُهُ بِذَلِكَ فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَنِ تَكَبُّرِهِ أَنْ زَادَ فِي ثِيَابِهِ شِبْرًا. وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ، قِيلَ: أَظْفَرَهُ اللَّهُ بِكَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ يُوسُفَ ﵇. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أَمْوَالُهُ كُنُوزًا، إِذْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ عَادَى مُوسَى ﵇ أَوَّلَ عَدَاوَتِهِ. وما مَوْصُولَةٌ، صِلَتُهَا إِنَّ وَمَعْمُولَاهَا. وَقَالَ النَّحَاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ، يَعْنِي الْأَخْفَشَ الصَّغِيرَ، يَقُولُ: مَا أَقْبَحَ مَا يَقُولُهُ الْكُوفِيُّونَ فِي الصِّلَاتِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِلَةُ الَّذِي أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ، وَفِي الْقُرْآنِ: مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَفَاتِحَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَالُوا هُنَا: مَقَالِيدُ خَزَائِنِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الْخَزَائِنُ نَفْسُهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ظُرُوفُهُ وَأَوْعِيَتُهُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: مَفَاتِيحَهُ، بِيَاءٍ، جَمْعُ مِفْتَاحٍ، وَذَكَرُوا مِنْ كَثْرَةِ مَفَاتِحِهِ مَا هُوَ كَذِبٌ، أَوْ يُقَارِبُ الْكَذِبَ، فَلَمْ أَكْتُبْهُ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالْعَمَلِ إِذَا نَهَضْتَ بِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا وَجَدْنَا خَلْفًا بِئْسَ الْخَلَفْ ... عَبْدًا إِذَا مَا نَاءَ بِالْحِمْلِ وَقَفْ وَيَقُولُ: نَاءَ يَنُوءُ، إِذَا نَهَضَ بِثِقَلٍ. قَالَ الشاعر: تنوء بأحراها فلأيا قيامها ... وتمشي الهوينا عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ

стр. 4855

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مَقْلُوبٌ وَأَصْلُهُ: لَتَنُوءُ بِهَا الْعُصْبَةُ، أَيْ تَنْهَضُ، وَالْقَلْبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَابُهُ الشِّعْرُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ لَتُنِيءُ الْعُصْبَةَ، كَمَا تَقُولُ: ذَهَبْتُ بِهِ وَأَذْهَبْتُهُ، وَجِئْتُ بِهِ وَأَجَأْتُهُ. وَنُقِلَ هَذَا عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْفَرَّاءِ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَالسُّدِّيِّ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: نَاءَ الْحِمْلُ بِالْبَعِيرِ إِذَا أَثْقَلَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْنَدَ تَنُوءُ إِلَى الْمَفَاتِحِ، لِأَنَّهَا تَنْهَضُ بِتَحَامُلٍ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِهَا، وَذَا مُطَّرِدٌ فِي نَاءَ الْحِمْلُ بِالْبَعِيرِ وَنَحْوِهِ، فَتَأَمَّلْهُ. وَقَرَأَ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: لَيَنُوءُ، بِالْيَاءِ، وَتَذْكِيرِهِ رَاعَى الْمُضَافَ الْمَحْذُوفَ، التَّقْدِيرُ: مَا إِنَّ حَمْلَ مَفَاتِحِهِ، أَوْ مِقْدَارِهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنْ يُفَسَّرَ الْمَفَاتِحُ بِالْخَزَائِنِ، وَيُعْطِيَهَا حُكْمَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْإِيصَالِ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ. انْتَهَى. يَعْنِي: أَنَّهُ اكْتَسَبَ الْمَفَاتِحُ التَّذْكِيرَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لِقَارُونَ، كَمَا اكْتَسَبَ أَهْلٌ التَّأْنِيثَ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ، ذَهَبَتْ. وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ إِنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأَ: مَا إِنَّ مِفْتَاحَهُ، عَلَى الْإِفْرَادِ، فَلَا تَحْتَاجُ قِرَاءَتُهُ لَيَنُوءُ بِالْيَاءِ إِلَى تَأْوِيلٍ. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْعُصْبَةِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﵇. وَتَقَدَّمَ قَبْلَ تَفْسِيرِ الْمَفَاتِحِ، أَهِيَ الْمَقَالِيدُ، أَوِ الْخَزَائِنُ نَفْسُهَا، أَوِ الظُّرُوفُ وَالْأَوْعِيَةُ؟ وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ: أَنَّ الْمَفَاتِحَ هِيَ الْأَمْوَالُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ خَزَائِنُهُ تَحْمِلُهَا أَرْبَعُونَ أَقْوِيَاءُ، وَكَانَتْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلَافٍ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الْمُرَادُ مِنَ الْمَفَاتِحِ: الْعِلْمُ وَالْإِحَاطَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ «١» ، وَالْمُرَادُ: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ، مَا إِنَّ حِفْظَهَا وَالِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا لَيَثْقُلُ عَلَى الْعُصْبَةِ، أَيْ هَذِهِ الْكُنُوزُ لِكَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، يُتْعِبُ حِفْظُهَا الْقَائِمِينَ عَلَى حِفْظِهَا. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ: نَهَوْهُ عَنِ الْفَرَحِ الْمُطْغِي الَّذِي هُوَ انْهِمَاكٌ وَانْحِلَالُ نَفْسٍ وَأَشَرٌ وَإِعْجَابٌ، وَإِنَّمَا يَفْرَحُ بِإِقْبَالِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا وَغَفَلَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ جَعَلَ أَنَّهُ مُفَارِقُ زَهْرَةِ الدُّنْيَا عَنْ قَرِيبٍ، فَلَا يَفْرَحُ بِهَا. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالًا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَحَلٌّ إِذْ منصوب بتنوء. انْتَهَى، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، لِأَنَّ إِثْقَالَ الْمَفَاتِحِ الْعُصْبَةَ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: لَا تَفْرَحْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَبَغى عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّ بَغْيَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بذلك الوقت.

стр. 4856

وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: النَّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: إِذْ قالَ لَهُ ظرف لآتيناه، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الْإِيتَاءَ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ ذَلِكَ الْقَوْلِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، أَيْ بَغَى عَلَيْهِمْ، إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ. انْتَهَى. وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَأَظْهَرَ التَّفَاخُرَ وَالْفَرَحَ بِمَا أُوتِيَ مِنَ الْكُنُوزِ، إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ «١» ، وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ بِتَرْكِ الْفَرَحِ عِنْدَ إِقْبَالِ الْخَيْرِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إِذَا الدَّهْرُ سَرَّنِي ... وَلَا جَازِعٍ مِنْ صَرْفِهِ الْمُتَحَوِّلِ وَقَالَ الآخر: إن تلاق منفسا لا تلقنا ... فرح الخير ولا نكبوا الضر وقرىء: الْفَارِحِينَ، حَكَاهُ عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْحِجَازِيُّ. ولا يُحِبُّ: صِفَةُ فِعْلٍ، لَا صِفَةُ ذَاتٍ، بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ، لِأَنَّ الْفَرَحَ أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ، فَالْمَعْنَى: لَا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، وَلَا يَعُمُّهُمْ رَحْمَتُهُ. وَلَمَّا نَهَوْهُ عَنِ الْفَرَحِ الْمُطْغِي، أَمَرُوهُ بِأَنْ يَطْلُبَ، فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكُنُوزِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، ثَوَابَ الدَّارِ الْآخِرَةِ، بِأَنْ يَفْعَلَ فِيهِ أَفْعَالَ الْبِرِّ، وَتَجْعَلَهُ زَادَكَ إِلَى الْآخِرَةَ. وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ: مَعْنَاهُ: وَلَا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ فِي أَنْ لَا تَعْمَلَ صَالِحًا فِي دُنْيَاكَ، إِذِ الْآخِرَةُ إِنَّمَا يُعْمَلُ لَهَا فِي الدُّنْيَا، فَنَصِيبُ الْإِنْسَانِ عُمُرُهُ وَعَمَلُهُ الصَّالِحُ فِيهَا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ فِيهِ عِظَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: لَا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنَ الدُّنْيَا فِي تَمَتُّعِكَ بالحلال وطلبك إِيَّاهُ وَنَظَرِكَ لِعَاقِبَةِ دُنْيَاكَ، وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ بَعْضُ رِفْقٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ: قَدِّمِ الْفَضْلَ وَأَمْسِكْ مَا تَبْلُغُ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِلَا سَرَفٍ. وَقِيلَ: أَرَادُوا بِنَصِيبِهِ الْكَفَنَ، وَهَذَا وَعْظٌ مُتَّصِلٌ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: تَتْرُكُ جَمِيعَ مَالِكَ، لَا يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنْهُ إِلَّا الْكَفَنَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: نَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِدَاءَانِ تَأْوِي فِيهِمَا وَحَنُوطُ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَكْفِيكَ وَيُصْلِحُكَ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ: وَأَحْسِنْ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، أَوْ بِشُكْرِكَ وَطَاعَتِكَ لِلَّهِ. كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ بِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَكَهَا، وَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، وَهُوَ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ، لِأَنَّ مُمَاثَلَةَ إِحْسَانِ الْعَبْدِ لِإِحْسَانِ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ، فَالتَّشْبِيهُ وَقَعَ فِي مُطْلَقِ الْإِحْسَانِ، أو تكون

стр. 4857

الْكَافُ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ أَحْسِنْ لِأَجْلِ إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْكَ. وَلا تَبْغِ الْفَسادَ: أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ. عَلى عِلْمٍ، عِلْمٍ: مَصْدَرٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَيْهِ وَمُضَافًا إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: ادَّعَى أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ تِلْكَ الْكُنُوزِ. فَقِيلَ: عِلْمُ التَّوْرَاةِ وَحِفْظُهَا، وَكَانَ أَحَدَ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ، وَكَانَتْ هَذِهِ مُغَالَطَةً. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّانِيُّ: أَيْ عِلْمُ التِّجَارَةِ وَوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ، أَيْ أُوتِيتُهُ بِإِدْرَاكِي وَسَعْيِي. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: عِلْمُ الْكِيمْيَاءِ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَعْلَمُ الْكِيمْيَاءَ، وَهِيَ جَعْلُ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ ذَهَبًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَى علم الصنعة الذَّهَبِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْهُ وَلَا عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ. وَأَنْكَرَ الزَّجَّاجُ عِلْمَ الْكِيمْيَاءِ وَقَالَ: بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهَى. وَكَثِيرًا مَا تُولَعُ أَهْلُ مِصْرَ بِطَلَبِ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَالْخُرَافَاتِ مِنْ ذَلِكَ: تَغْوِيرُ الْمَاءِ، وَخِدْمَةُ الصُّوَرِ الْمُمَثَّلَةِ فِي الْجُدُرِ خُطُوطًا، وادعائهم أَنَّ تِلْكَ الْخُطُوطَ تَتَحَرَّكُ إِذَا خُدِمَتْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخَدَمِ لَهُمْ، وَالْكِيمْيَاءِ حَتَّى أَنَّ مَشَايِخَ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُمْ بِصُورَةِ الْوِلَايَةِ، يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ مِنْ أَجْهَلِ وَارِدٍ مِنَ الْمَغَارِبَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ وَتَخْصِيصٍ مِنْ لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، أَيْ فَلَا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا قُلْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ: عِنْدِي، كَمَا يَقُولُ: فِي مُعْتَقَدِي وَعَلَى مَا أَرَاهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ، أَيْ عَلَى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَوَلَمْ يَعْلَمْ، تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ ذَلِكَ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى خَطَئِهِ فِي اغْتِرَارِهِ أَيْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الله قد أهلك من الْقُرُونِ قَبْلَهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَغْنَى، لِأَنَّهُ قَدْ قَرَأَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَخْبَرَ بِهِ مُوسَى، وَسَمِعَهُ فِي التَّوَارِيخِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أو لم يَعْلَمْ فِي جُمْلَةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ؟ هَذَا حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَالِهِ وَقُوَّتِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي، فَتَنَفَّحَ بِالْعِلْمِ وَتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أَعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي ادَّعَاهُ؟ وَأُرِيَ نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا الْعِلْمَ النَّافِعَ حَتَّى يَقِيَ نَفْسَهُ مَصَارِعَ الْهَالِكِينَ. انْتَهَى. وَأَكْثَرُ جَمْعاً، إِمَّا لِلْمَالِ، أَوْ جَمَاعَةٍ يَحُوطُونَهُ وَيَخْدِمُونَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَوَلَمْ يَعْلَمْ، يرجح أَنَّ قَارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلَى زَعْمِهِ. وَقَرَأَ الجمهور: وَلا يُسْئَلُ، مبنيا للمفعول والْمُجْرِمُونَ: رُفِعَ بِهِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَالضَّمِيرُ فِي ذُنُوبِهِمُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ أُهْلِكَ مِنَ الْقُرُونِ، أَيْ لَا يُسْأَلُ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ أَجْرَمَ، وَلَا مِمَّنْ لَمْ يُجْرِمْ، عَمَّنْ أَهْلَكَهُ اللَّهُ، بَلْ: كُلُّ نَفْسٍ بِما

стр. 4858

كَسَبَتْ رَهِينَةٌ «١» . وَقِيلَ: أَهْلَكَ من أهلك من القرون، عَنْ عِلْمٍ مِنْهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهَا. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ حَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِهَا وَكَثْرَتِهَا، لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٌ: لَا تَسْأَلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ مِنَ السَّوَادِ وَالتَّشْوِيهِ، كَقَوْلِهِ: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ «٢» . وَقِيلَ: لَا يُسْأَلُونَ سُؤَالَ توبيخ وتفريع. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَلَا تَسْأَلْ، بِالتَّاءِ وَالْجَزْمِ، الْمُجْرِمِينَ: نُصِبَ. وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: كَذَلِكَ فِي وَلَا تَسْأَلْ عَلَى النَّهْيِ لِلْمُخَاطَبِ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا إن يَكُونَ الْمُجْرِمِينَ بِالْيَاءِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي نَصْبِ الْمُجْرِمِينَ شَيْءٌ، فَإِنْ تَرَكَاهُ عَلَى رَفْعِهِ، فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي عَنْ ذُنُوبِهِمُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ من الْقُرُونِ، وَارْتِفَاعُ الْمُجْرِمِينَ بِإِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ، وَتَقْدِيرُهُ: هُمُ الْمُجْرِمُونَ، أَوْ أُولَئِكَ الْمُجْرِمُونَ، وَمِثْلُهُ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ «٣» فِي التَّوْبَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ أَصْلِ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي ذُنُوبِهِمْ، لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ أَصْلَهَا الرَّفْعُ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى اسْمِ الْفَاعِلِ فَعَلَى ذَلِكَ الْمُجْرِمُونَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَنَا مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَرَأَ: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً «٤» بِالْجَرِّ، عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ أَصْلِ الْمَثَلِ، وما زَائِدَةٌ فِيهِ، وَتَقْدِيرُهُ: لَا يَسْتَحِي بِضَرْبِ مَثَلِ بَعُوضَةٍ، أَيْ بِضَرْبِ بَعُوضَةٍ. فِي ذَلِكَ فَسَّرَ أَنَّ مَعَ الْفَصْلِ بِالْمَصْدَرِ نَاصِبٌ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُ الْبَعُوضَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ فِيهَا أَثَرًا لِحَالٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَذُنُوبٌ جَمْعٌ، فَإِنْ كَانَ جَمْعَ مَصْدَرٍ، فَفِي إِعْمَالِهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَنَا مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَرَأَ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَقَرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهَا أَثَرًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْعَلَهَا قِرَاءَةً. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قَارُونَ وَنَعَتَهُ، وَمَا آتَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ، وَفَرَحَهُ بِذَلِكَ فَرَحَ الْبَطِرِينَ، وَادِّعَاءَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أُوتِيَهُ عَلَى عِلْمٍ، ذَكَرَ ما هو ناشىء عَنِ التَّكَبُّرِ وَالسُّرُورِ بِمَا أُوتِيَ فَقَالَ: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ: أَيْ أَظْهَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا. قال جابر، مجاهد: فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ وَحَشَمُهُ فِي ثِيَابٍ مُعَصْفَرَةٍ. وَقِيلَ: فِي ثِيَابِ الْأُرْجُوَانِ. وَقِيلَ: عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهَا

стр. 4859

الْأُرْجُوَانُ، وَعَلَيْهَا سَرْجٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى زِيِّهِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِمْ وَعَلَى خُيُولِهِمُ الدِّيبَاجُ الْأَحْمَرُ، وَعَلَى يَمِينِهِ ثَلَاثُمِائَةِ غُلَامٍ، وَعَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثُمِائَةِ جَارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِمُ الْحُلِيُّ وَالدِّيبَاجُ. وَقِيلَ: فِي تِسْعِينَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الْمُعَصْفَرَاتُ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ رُؤِيَ فِيهِ الْمُعَصْفَرُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا قِيلَ: كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّوْهُ لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقِيلَ: رَغْبَةً فِي الْيَسَارَةِ والثروة. وقيل: كانوا كفارة، وَتَمَنَّوْا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَهَذَا مِنَ الْغِبْطَةِ. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ: أَيْ دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: نَصِيبٍ كَثِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَظُّ الْبَخْتُ وَالسَّعْدُ، يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو حَظٍّ وَحَظِيظٌ وَمَحْظُوظٌ. وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، مِنْهُمْ: يُوشَعُ، وَالْعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، أَوِ التَّوَكُّلُ، أَوِ الْإِخْبَارُ، أَقْوَالٌ. وَيْلَكُمْ: دُعَاءٌ بِالشَّرِّ. ثَوابُ اللَّهِ: وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيَ قَارُونُ. وَلا يُلَقَّاها: أَيْ هَذِهِ الْحِكْمَةُ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ ثَوَابِ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْجَنَّةُ وَنَعِيمُهَا. وَقِيلَ: هَذِهِ الْمَقَالَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، وَبَّخَهُمْ بِهَا. إِلَّا الصَّابِرُونَ عَلَى الطَّاعَاتِ وَعَلَى قَمْعِ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الشَّهَوَاتِ. تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ خَبَرِ قَارُونَ وَحَسَدِهِ لِمُوسَى. وَمِنْ حَسَدِهِ أَنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيٍّ جُعْلًا، عَلَى أَنْ تَرْمِيَ مُوسَى بِطَلَبِهَا وَبِزِنَائِهَا، وَأَنَّهَا تَابَتْ إِلَى اللَّهِ، وَأَقَرَّتْ أَنَّ قَارُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى رَمْيِ مُوسَى بِذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَهُ، فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِ وَأَتْبَاعَهُ، فَخُسِفَ بِهِمْ فِي حِكَايَةٍ طَوِيلَةٍ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا. وَلَمَّا خُسِفَ بِقَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّمَا دَعَا مُوسَى عَلَى قَارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدَارِهِ وَكُنُوزِهِ، فَدَعَا اللَّهَ حَتَّى خسف بداره وأمواله. ومن زَائِدَةٌ، أَيْ مِنْ جَمَاعَةٍ تُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْفِئَاتِ. وَإِذَا انْتَفَتِ الْجُمْلَةُ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَصْرِهِ، فَانْتِفَاءُ الْوَاحِدِ عَنْ نُصْرَتِهِ أَبْلَغُ. وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ: أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ: بَدَلٌ، وَأَصْبَحَ، إِذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَنَّ الْخَسْفَ بِهِ وَبِدَارِهِ كَانَ لَيْلًا، وَهُوَ أَفْظَعُ الْعَذَابِ، إِذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ، وَالْأَمْسُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا قَبْلَ يَوْمِ الْخَسْفِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّمَنِّي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ فِي قَوْلِهِ: فَخَسَفْنا، فَيَكُونُ فِيهِ اعْتِقَابُ الْعَذَابِ خُرُوجُهُ فِي زِينَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْجِيلُ الْعَذَابِ. وَمَكَانَهُ: مَنْزِلَتَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ

стр. 4860

الثَّرْوَةِ وَالْحَشَمِ وَالْأَتْبَاعِ. وَ: وَيْ، عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: اسْمُ فِعْلٍ مِثْلُ: صَهْ وَمَهْ، وَمَعْنَاهَا: أَعْجَبُ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ نَدِمُوا فَقَالُوا، مُتَنَدِّمِينَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ: وَيْ، وَكُلُّ مَنْ نَدِمَ فَأَظْهَرَ نَدَامَتَهُ قَالَ: وَيْ. وَكَأَنَّ: هِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَنَّ، وَكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِكَافِ التَّشْبِيهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يح ... سب وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وَالْبَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَيْنَ ابْنُكَ؟ فَقَالَ: وَيْكَأَنَّهُ وَرَاءَ الْبَيْتِ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى وَيْ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ وَيْكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَافُ حَرْفَ خِطَابٍ، وَلَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيْكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: وَلَقَدْ شَفَا نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الْفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ قَالَ الْأَخْفَشُ: وَأَنَّ عِنْدَهُ مَفْتُوحٌ بِتَقْدِيرِ الْعِلْمِ، أَيْ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَلَا وَيْكَ الْمَضَرَّةَ لَا تَدُومُ ... وَلَا يُبْقِي عَلَى الْبُؤْسِ النَّعِيمُ وَذَهَبُ الْكِسَائِيُّ وَيُونُسُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ وَيْلَكَ، فَحُذِفَتِ اللَّامُ وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْإِضَافَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ قِيلَ: تَكُونُ الْكَافُ خَالِيَةً مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، كَمَا قِيلَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «١» . وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي، فَالْمَعْنَى: أَعْجَبُ لِأَنَّ اللَّهَ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ تَكُونُ وَيْلَكَ كَلِمَةَ تَحَزُّنٍ، وَالْمَعْنَى أَيْضًا: لِأَنَّ اللَّهَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ وَفِرْقَةٌ مَعَهُ: وَيْكَأَنَّ، حَرْفٌ وَاحِدٌ بِجُمْلَتِهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى: أَلَمْ تَرَ. وَبِمَعْنَى: أَلَمْ تَرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَيْكَ، فِي كلام العرب، كقوله الرَّجُلِ: أَمَا تَرَى إِلَى صُنْعِ اللَّهِ؟ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى وَيْكَ: رَحْمَةً لَكَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وَلَمَّا صَدَرَ مِنْهُمْ تَمَنِّي حَالِ قَارُونَ، وَشَاهَدُوا الْخَسْفَ، كَانَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا، وَدَاعِيًا إِلَى الرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ، فَتَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقَالُوا: وَيْ، ثُمَّ قَالُوا: كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لَا لِهَوَانِهِ، بَلْ لِحِكْمَتِهِ وَقَضَائِهِ ابْتِلَاءً. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: لَوْلَا مَنَّ اللَّهُ، بِحَذْفِ أَنْ، وَهِيَ مُزَادَةٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ: مَنُّ اللَّهِ، بِرَفْعِ النُّونِ وَالْإِضَافَةِ. وَقَرَأَ الجمهور: لخسف مبنيا

стр. 4861

لِلْمَفْعُولِ وَحَفْصٌ، وَعِصْمَةُ، وَأَبَانٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَابْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وطلحة، والأعمش: لا نخسف بِنَا، كَقَوْلِكَ: انْقَطَعَ بِنَا، كَأَنَّهُ فِعْلٌ مُطَاوِعٌ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْفَاعِلِ هُوَ بِنا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرَ: أي لا نخسف الِانْخِسَافُ، وَمُطَاوِعُ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ بِهِ، فلذلك بني إما لبنا وَإِمَّا لِلْمَصْدَرِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا: لَتُخُسِّفَ، بِتَاءٍ وَشَدِّ السِّينِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. لَمَّا كَانَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ، ذَكَرَ مَحَلَّ الثَّوَابِ، وَهُوَ الدَّارُ الْآخِرَةُ. وَالْمَعْنَى: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِهَا، وَبَلَغَكَ وَصْفُهَا. الدَّارُ الْآخِرَةُ: أَيْ نَعِيمُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَالْبَقَاءُ فِيهَا سَرْمَدًا، وَعَلَّقَ حُصُولَهَا عَلَى مجرد الإرادة، فكيف يمن بَاشَرَ الْعُلُوَّ وَالْفَسَادَ؟ ثُمَّ جَاءَ التَّرْكِيبُ بِلَا فِي قَوْلِهِ: وَلا فَساداً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ مَقْصُودٌ، لَا مَجْمُوعَهُمَا. قَالَ الْحَسَنُ: الْعُلُوُّ: الْعِزُّ وَالشَّرَفُ، إِنْ جَرَّ الْبَغْيَ الضَّحَّاكُ، الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ يَعُمُّ أَنْوَاعَ الشَّرِّ. وَعَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ شِرَاكُ نَعْلِهِ أَجْوَدَ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِ صَاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا. وَعَنِ الْفُضَيْلِ، أَنَّهُ قَرَأَهَا ثُمَّ قَالَ: ذَهَبَتِ الْأَمَانِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز: أَنَّهُ كَانَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى قُبِضَ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَيْرٌ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدَ الْخُيُورِ، أَيْ فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِهَا، وَوَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، تَهْجِينًا لِحَالِهِمْ وَتَبْغِيضًا لِلسَّيِّئَةِ إِلَى قُلُوبِ السَّامِعِينَ، فَفِيهِ بِتَكْرَارِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ لَوْ كَانَ: فَلَا يُجْزَوْنَ بِالصَّهْرِ، وَمَا كَانُوا عَلَى حَذْفِ مِثْلَ، أَيْ إِلَّا مِثْلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لِأَنَّ جَزَاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، قَالَ عَطَاءٌ: الْعَمَلَ بِهِ وَمُجَاهِدٌ: أَعْطَاكَهُ وَمُقَاتِلٌ: أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ، وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْجَبَ عَلَيْكَ تِلَاوَتَهُ

стр. 4862

وَتَبْلِيغَهُ وَالْعَمَلَ بِمَا فِيهِ يَعْنِي أَنَّ الَّذِي حَمَّلَكَ صُعُوبَةَ هَذَا التَّكْلِيفِ لَيُثِيبُكَ عَلَيْهَا ثَوَابًا لَا يُحِيطُ بِهِ الْوَصْفُ. وَالْمَعَادُ، قَالَ الْجُمْهُورُ: فِي الْآخِرَةِ، أَيْ بَاعِثُكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ الْجَزَاءِ وَالْإِعْلَامِ بِوُقُوعِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: الْمَعَادُ: الْمَوْتُ. وَقِيلَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَقِيلَ: الْجَنَّةُ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٌ: الْمَعَادُ: مَكَّةُ، أَرَادَ رَدَّهُ إِلَيْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَنَكَّرَهُ، وَالْمَقْصُودُ التَّعْظِيمُ، أَيْ مَعَادٍ أَيِّ مَعَادٍ، أَيْ لَهُ شَأْنٌ لغلبة الرسول عَلَيْهَا وَقَهْرِهِ لِأَهْلِهَا، وَلِظُهُورِ عِزِّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ يُهَاجِرُ مِنْهَا وَيَعُودُ إِلَيْهَا ظَافِرًا ظَاهِرًا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَ الْجُحْفَةَ فِي مُهَاجَرِهِ، وَقَدِ اشْتَاقَ إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَتَشْتَاقُ إِلَيْهَا؟ قَالَ: نعم، فأوحاها إليه. ومن مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ يَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى، وَمَنْ أَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ أَفْعَلُ بِمَعْنَى فَاعِلٌ، وَأَجَازَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَنْصِبَ بِهِ، جَازَ أَنْ يَنْتَصِبَ بِهِ، إِذْ يُؤَوِّلُهُ بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَيُعْطِيهِ حُكْمَهُ مِنَ الْعَمَلِ. وَلَمَّا وَعَدَهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَرُدُّهُ إِلَى مَعَادٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، أَيْ هُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَنْ جَاءَ بالهدى، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ فِي مَعَادِهِ، وَهَذَا إِذَا عَنَى بِالْمَعَادِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يُبَلِّغَهُمْ ذَلِكَ، هُوَ عَالِمٌ بِهِمْ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْعِقَابِ فِي مَعَادِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ مُتَارَكَةٌ لِلْكُفَّارِ وتوبيخ. وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ: هَذَا تَذْكِيرٌ لِنِعَمِهِ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا رَجَاؤُهُ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، وَأَنْتَ بِحَالِ مَنْ لَا يَرْجُو ذَلِكَ، وَانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، أَيْ لَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ سَبَقَتْ، فَأَلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذَا كَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَا أُلْقِيَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. انْتَهَى. فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، إِمَّا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَإِمَّا مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يَصُدُّنَّكَ، مُضَارِعُ صَدَّ وَشَدُّوا النُّونَ، وَيَعْقُوبُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَهَا. وقرىء: يُصِدُّنَّكَ، مُضَارِعَ أَصَدَّ، بِمَعْنَى صَدَّ، حَكَاهُ أَبُو زَيْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ قَالَ: وَهِيَ لُغَةُ قَوْمِهِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ ... صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوفِ الْحَوَائِمِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ: أَيْ بَعْدَ وَقْتِ إِنْزَالِهَا، وإذ تُضَافُ إِلَيْهَا أَسْمَاءُ الزَّمَانِ كَقَوْلِهِ: بَعْدَ

стр. 4863

إِذْ هَدَيْتَنا «١» ، وَيَوْمَئِذٍ، وَحِينَئِذٍ. قَالَ الضَّحَّاكُ: وَذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، أَيْ لَا تَلْتَفِتْ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا تَرْكَنْ إِلَى قَوْلِهِمْ، فَيَصُدُّونَكَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ: أَيْ دِينِ رَبِّكَ، وَهَذِهِ الْمَنَاهِي كُلُّهَا ظَاهِرُهَا أَنَّهَا لِلرَّسُولِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَتْبَاعِهِ، وَالْهَلَاكُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْعَدَمِ الْمَحْضِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يَعْدَمُ كُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ. وَبِإِزَاءِ نَفْيِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، إِمَّا لِلْإِمَاتَةِ، أَوْ بِتَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً يُقَالُ: هَلَكَ الثَّوْبُ، لَا يُرِيدُونَ فَنَاءَ أَجْزَائِهِ، وَلَكِنْ خُرُوجَهُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَمَعْنَى: إِلَّا وَجْهَهُ: إِلَّا إِيَّاهُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ: هَالِكٌ بِالْمَوْتِ إِلَّا الْعُلَمَاءَ، فَإِنَّ عِلْمَهُمْ بَاقٍ. انْتَهَى. وَيُرِيدُونَ إِلَّا مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُهُ مِنَ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا اللَّهَ ، وَالْعَرْشَ، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ. وَقِيلَ: مُلْكَهُ، وَمِنْهُ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٢» . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ: جَاهُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِي النَّاسِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِلَّا وَجْهَهُ، مَا عُمِلَ لِذَاتِهِ، وَمِنْ طَاعَتِهِ، وَتُوُجِّهَ بِهِ نَحْوَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: رَبُّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ وَقَوْلُهُ: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. لَهُ الْحُكْمُ: أَيْ فَصْلُ الْقَضَاءِ. إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: أَيْ إِلَى جَزَائِهِ. وَقَرَأَ عِيسَى: تَرْجِعُونَ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالْجُمْهُورُ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

стр. 4864

سورة العنكبوت [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٦٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لَا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يَا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)

стр. 4865

الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ، مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ.

стр. 4866

هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، قَالَهُ جَابِرٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ: مَدَنِيَّةٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: مَكِّيَّةٌ إِلَّا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ، وَنَزَلَ أَوَائِلُهَا فِي مُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ كَرِهُوا الْجِهَادَ حِينَ فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ أَوْ فِي عَمَّارٍ وَنُظَرَائِهِ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ أَوْ فِي مُسْلِمِينَ كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يُؤْذُونَهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ فِي مِهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ، قُتِلَ بِبَدْرٍ فَجَزِعَ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ مِهْجَعٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ» أَوْ فِي عَيَّاشٍ أَخِي أَبِي جَهْلٍ، غَدَرَ فارتد. والنَّاسُ: فُسِّرَ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: النَّاسُ هُنَا الْمُنَافِقُونَ، أَيْ أَنْ يُتْرَكُوا لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ آمَنَّا. وحسب يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ. فَقَالَ الْحَوْفِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: سَدَّتْ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا من معمولها مسد القولين، وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ وَأَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَقُولُوا بَدَلًا مِنْ أَنْ يُتْرَكُوا. وَأَنْ يَكُونُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَقَدَّرُوهُ بِأَنْ يَقُولُوا وَلِأَنْ يَقُولُوا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: وَإِذَا قُدِّرَتِ الْبَاءُ كَانَ حَالًا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمَعْنَى فِي الْبَاءِ وَاللَّامِ مُخْتَلِفٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْبَاءِ كَمَا تَقُولُ: تَرَكْتُ زَيْدًا بِحَالِهِ، وَهِيَ فِي اللَّامِ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ، أَيْ حَسِبُوا أَنَّ إِيمَانَهُمْ عِلَّةً لِلتَّرْكِ تَفْسِيرُ مَعْنَى، إِذْ تَفْسِيرُ الْأَعْرَابِ حُسْبَانُهُمْ أَنَّ التَّرْكَ لِأَجْلِ تَلَفُّظِهِمْ بِالْإِيمَانِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَأَيْنَ الْكَلَامُ الدَّالُّ عَلَى الْمَضْمُونِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحُسْبَانُ؟ قُلْتُ: هُوَ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ حَسِبُوا تَرْكَهُمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنَّا، فَالتَّرْكُ أَوَّلُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وَلِقَوْلِهِمْ آمَنَّا هُوَ الْخَبَرُ، وَأَمَّا غَيْرُ مَفْتُونِينَ فَتَتِمَّةٌ لِلتَّرْكِ، لِأَنَّهُ مِنَ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ، كَقَوْلِهِ: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ أَلَا تَرَى أَنَّكَ قَبْلَ الْمَجِيءِ بِالْحُسْبَانِ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ: تَرَكْتُهُمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ، لِقَوْلِهِمْ آمَنَّا، عَلَى تَقْدِيرِ حَاصِلٍ وَمُسْتَقِرٍّ قَبْلَ اللَّامِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: أَنْ يَقُولُوا هُوَ عِلَّةُ تَرْكِهِمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ؟ قُلْتُ: كَمَا تَقُولُ: خُرُوجُهُ لِمَخَافَةِ الشَّرِّ وَضَرْبُهُ لِلتَّأْدِيبِ، وَقَدْ كَانَ التَّأْدِيبُ وَالْمَخَافَةُ فِي قَوْلِهِ: خَرَجْتُ مَخَافَةَ الشَّرِّ وَضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا، تَعْلِيلَيْنِ. وَتَقُولُ أَيْضًا: حَسِبْتُ خُرُوجَهُ لِمَخَافَةِ الشَّرِّ وَظَنَنْتُ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، فَتَجْعَلُهَا مَفْعُولَيْنِ كَمَا جَعَلْتَهُمَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا. انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ. ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ تَقْدِيرَهُ غَيْرَ مَفْتُونِينَ تَتِمَّةٌ، يَعْنِي أَنَّهُ حَالٌ، لِأَنَّهُ سَبَكَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ:

стр. 4867

وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنْ يُتْرَكُوا هُنَا مِنَ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ مِنَ التَّصْيِيرِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَفْعُولَ صَيَّرَ الثَّانِي لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِمْ، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنْ يَصِيرُوا لِقَوْلِهِمْ: وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا يَصِحُّ. وَأَمَّا مَا مُثِّلَ بِهِ مِنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَأَنْ يَكُونَ جَزَرَ السِّبَاعِ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِتَرَكَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، بِخِلَافِ مَا قُدِّرَ فِي الْآيَةِ. وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ تَرْكَهُمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنَّا، عَلَى تَقْدِيرِ حَاصِلٍ وَمُسْتَقِرٍّ قَبْلَ اللَّامِ، فَلَا يَصِحُّ إِذْ كَانَ تَرْكُهُمْ بِمَعْنَى تَصْيِيرِهِمْ، كَانَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ حَالًا، إِذْ لَا يَنْعَقِدُ مِنْ تَرْكِهِمْ، بِمَعْنَى تَصْيِيرِهِمْ، وَتَقَوُّلِهِمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ لِاحْتِيَاجِ تَرْكِهِمْ، بِمَعْنَى تَصْيِيرِهِمْ، إِلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ، لِأَنَّ غَيْرَ مَفْتُونِينَ عنده حال، لا معفول ثَانٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْتَ أَنْ يَقُولُوا إِلَى آخِرِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى فَضْلَةِ فَهْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ يَقُولُوا هُوَ عِلَّةُ تَرْكِهِمْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً لَهُ لَكَانَ مُتَعَلِّقًا، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ، أَوْ كَائِنٌ، وَالْخَبَرُ غَيْرُ الْمُبْتَدَأِ. وَلَوْ كَانَ لِقَوْلِهِمْ عِلَّةٌ لِلتَّرْكِ، لَكَانَ مِنْ تَمَامِهِ، فَكَانَ يَحْتَاجُ إِلَى خبر. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا تَقُولُ خروجه لمخافة الشر، فلمخافة لَيْسَ عِلَّةً لِلْخُرُوجِ، بَلْ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ، أَوْ كَائِنٌ. وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: الْفِتْنَةُ هُنَا مَا كَلِفَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي لَمْ يُتْرَكُوا دُونَهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ مِثَالُ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً «١» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يتبتلون في أنفسهم وأموالهم. والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: الْمُؤْمِنُونَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ، أَصَابَهُمْ مِنَ الْمِحَنِ مَا فُرِقَ بِهِ الْمُؤْمِنُ بِالْمِنْشَارِ فِرْقَتَيْنِ، وَتُمُشِّطَ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْ دِينِهِ. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ، بِالِامْتِحَانِ، الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ فِيهِ مِنْ عَلَّمَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى واحد فِيهِمَا، وَيَسْتَحِيلُ حُدُوثُ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى. فَالْمَعْنَى: وَلَيَتَعَلَّقْنَ عِلْمُهُ بِهِ مَوْجُودًا بِهِ كَمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ حِينَ كَانَ مَعْدُومًا. وَالْمَعْنَى: وَلَيُمَيَّزَنَّ الصَّادِقَ مِنْهُمْ مِنَ الْكَاذِبِ، أَوْ عَبَّرَ بِالْعِلْمِ عَنِ الْجَزَاءِ، أَيْ وَلِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقَ وَلِيُعَذِّبَنَّ الْكَاذِبَ. وَمَعْنَى صَدَقُوا فِي أَيْمَانِهِمْ يُطَابِقُ قَوْلُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ أَفْعَالَهُمْ، وَالْكَاذِبِينَ ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: فَلَيُعْلِمَنَّ، مُضَارِعَ الْمَنْقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعَدِّي مِنْ عَلَّمَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى وَاحِدٍ ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ، أَيْ منازلهم

стр. 4868

فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ أَوِ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ فَلَيَعْلَمَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ صَدَقُوا، أَيْ يَشْهَرُهُمْ هَؤُلَاءِ فِي الْخَيْرِ، وَهَؤُلَاءِ فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ مِنَ الْعَلَامَةِ فَيَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ، أَيْ يَسِمُهُمْ بِعَلَامَةٍ تَصْلُحُ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: «مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا» . وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: الْأُولَى كَقِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالثَّانِيَةَ كَقِرَاءَةِ عَلِيٍّ. أَمْ حَسِبَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَمْ مُعَادِلَةٌ لِلْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ: أَحَسِبَ، وَكَأَنَّهُ قَرَّرَ الْفَرِيقَيْنِ: قَرَّرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَقَرَّرَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ فِي تَعْذِيبِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يَسْبِقُونَ نَقَمَاتِ اللَّهِ وَيُعْجِزُونَهُ. انْتَهَى. وَلَيْسَتْ أَمْ هُنَا مُعَادِلَةً لِلْأَلِفِ فِي أَحَسِبَ، كَمَا ذُكِرَ، لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ تَكُونُ مُتَّصِلَةً، وَلَهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا لَفْظُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهَذَا الشَّرْطُ هُنَا مَوْجُودٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا مُفْرَدٌ، أَوْ مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْمُفْرَدِ. مِثَالُ الْمُفْرَدِ: أَزَيْدٌ قَائِمٌ أَمْ عَمْرٌو؟ وَمِثَالُ مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْمُفْرَدِ: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ قَعَدَ؟ وَجَوَابُهَا: تَعْيِينُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، إِنْ كَانَ التَّعَادُلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ، إِنْ كَانَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ شَيْئَيْنِ. وَهُنَا بَعْدَ أَمْ جُمْلَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ هُنَا بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، بَلْ أَمْ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ، بِمَعْنَى بَلْ الَّتِي لِلْإِضْرَابِ، بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَى قَضِيَّةٍ، لَا بِمَعْنَى الْإِبْطَالِ. وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ، فَلَا يَقْتَضِي جَوَابًا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى: كَيْفَ وقع حسبان ذلك؟ والَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَبَا جَهْلٍ، وَالْأَسْوَدَ، وَالْعَاصِيَ بْنَ هِشَامٍ، وَشَيْبَةَ، وَعُتْبَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَحَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ، وَأَنْظَارَهُمْ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ. انْتَهَى. وَالْآيَةُ، وَإِنْ نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ، فَهِيَ تَعُمُّ جَمِيعَ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ مِنْ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ يَسْبِقُونا: أَيْ يُعْجِزُونَا، فَلَا نَقْدِرُ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَقِيلَ: أَنْ يُعْجِلُونَا مَحْتُومَ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: أَنْ يَهْرُبُوا مِنَّا وَيَفُوتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْ يَسْبِقُونا: أَنْ يَفُوتُونَا، يَعْنِي أَنَّ الْجَزَاءَ يَلْحَقُهُمْ لَا مَحَالَةَ، وَهُمْ لَمْ يَطْمَعُوا فِي الْفَوْتِ، وَلَمْ يُحَدِّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لِغَفْلَتِهِمْ وَقِلَّةِ فِكْرَتِهِمْ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعَاصِي فِي صُورَةِ مَنْ يُقَدِّمُ ذَلِكَ وَيَطْمَعُ فِيهِ وَنَظِيرُهُ: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ «١» ، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ «٢» . فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ مَفْعُولَا حَسِبَ؟ قُلْتُ: اشْتِمَالُ صِلَةِ أَنْ عَلَى

стр. 4869

مُسْنَدٍ وَمُسْنَدٍ إِلَيْهِ سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ «١» . وَيَجُوزُ أَنْ تُضَمَّنَ حَسِبَ مَعْنَى قَدَّرَ، وَأَمْ مُنْقَطِعَةً. وَمَعْنَى الْإِضْرَابِ فِيهَا أَنَّ هَذَا الْحُسْبَانُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَدِّرُ أَنْ لَا يُمْتَحَنَ لِإِيمَانِهِ، وَهَذَا يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُجَازَى بِمَسَاوِيهِ. انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ لَمْ يَطْمَعُوا فِي الْفَوْتِ، إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: وَيَطْمَعُ فِيهِ، فَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، بَلْ هُمْ مُعْتَقِدُونَ أَنْ لَا بَعْثٌ وَلَا جَزَاءَ، وَلَا سِيَّمَا السِّرِّيَّةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَا ذَكَرَهُ، كَمَا الزَّمَخْشَرِيُّ، هُوَ عَلَى اعْتِقَادِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يُجَازِيهِ، وَلَكِنْ طَمِعَ فِي عَفْوِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: اشْتِمَالُ صِلَةِ أَنْ، إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُتْرَكُوا، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، وَلَمْ يُقَدَّرْ مَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ تُضَمَّنَ حَسِبَ مَعْنَى قَدَّرَ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَالتَّضْمِينُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ. ساءَ مَا يَحْكُمُونَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ ويَحْكُمُونَ صِلَتُهَا، أَوْ تَمْيِيزٌ بِمَعْنَى شيء، ويحكمون صِفَةٌ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، فَالتَّقْدِيرُ: أَيْ حُكْمُهُمْ. انْتَهَى. وَفِي كَوْنِ مَا مَوْصُولَةً مرفوعة بساء، أَوْ مَنْصُوبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ، فَتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ حُكْمُهُمْ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ التَّمْيِيزُ مَحْذُوفًا، أَيْ سَاءَ حكما حكمهم. وساء هُنَا بِمَعْنَى: بِئْسَ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ بِئْسَ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا مَا، وَالْفِعْلُ فِي قَوْلِهِ: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ «٢» مُشْبَعًا فِي الْبَقَرَةِ. وَجَاءَ بِالْمُضَارِعِ، وَهُوَ يَحْكُمُونَ، قِيلَ: إِشْعَارًا بِأَنَّ حُكْمَهُمْ مَذْمُومٌ حَالًا وَاسْتِقْبَالًا، وَقِيلَ: لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ وَقَعَ الْمُضَارِعُ مَوْقِعَ الْمَاضِي اتِّسَاعًا. وَالظَّاهِرُ أن يَرْجُوا عَلَى بَابِهَا، وَمَعْنَى لِقاءَ اللَّهِ: الْوُصُولُ إِلَى عَاقِبَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ مُثِّلَتْ حَالُهُ بِحَالَةِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ، وَقَدِ اطَّلَعَ مَوْلَاهُ عَلَى مَا عَمِلَ فِي غَيْبَتِهِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ عَمِلَ خَيْرًا، تَلَقَّاهُ بِإِحْسَانٍ أَوْ شَرًّا، فَبِضِدِّ الْإِحْسَانِ. فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ: وَهُوَ مَا أَجَّلَهُ وَجَعَلَ لَهُ أَجَلًا، لَا نَفْسُهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيُبَادِرْ لِمَا يُصَدِّقُ رَجَاءَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَرْجُو: يَخَافُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أَيْ مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ، فَلْيُبَادِرْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُحَقِّقُ رَجَاءَهُ، فَإِنَّ مَا أَجَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ لِقَاءِ جَزَائِهِ لَآتٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ جاهَدَ، مَعْنَاهُ: وَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى

стр. 4870

الطَّاعَاتِ، فَثَمَرَةُ جِهَادِهِ، وَهُوَ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ، إِنَّمَا هُوَ لَهُ، لَا لِلَّهِ، والله تعالى عني عَنْهُ وَعَنِ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمْ مَا كَلَّفَهُمْ إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ. لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ: يشمل مَنْ كَانَ كَافِرًا فَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَأَسْقَطَ عَنْهُ عِقَابَ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِيمَانِ مِنْ كُفْرٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَمَنْ نَشَأَ مُؤْمِنًا عَامِلًا لِلصَّالِحَاتِ وَأَسَاءَ فِي بَعْضِ أَعْمَالِهِ، فَكَفَّرَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ سَيِّئَاتُهُ مَغْمُورَةً بِحَسَنَاتِهِ. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي: أَيْ أَحْسَنَ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيهِ حَذْفٌ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوَابُ أَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ. انْتَهَى. وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا يَسُوغُ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ ثَوَابَ أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَّا ثَوَابُ حَسَنِهَا فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَهُمْ يُجْزَوْنَ ثَوَابَ الْأَحْسَنِ وَالْحَسَنِ، إِلَّا إِنْ أُخْرِجَتْ أَحْسَنَ عَنْ بَابِهَا مِنَ التَّفْضِيلِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى حَسَنَ، فَإِنَّهُ يَسُوغُ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَجْزِيٌّ أَحْسَنَ جَزَاءِ الْعَمَلِ، فَعَمَلُهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْحَسَنَةُ بِمِثْلِهَا، فَجُوزِيَ أَحْسَنَ جَزَائِهَا، وَهِيَ أَنْ جُعِلَتْ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَحْرِيكٌ وهزا لمن تخلف عن الجهرة أَنْ يُبَادِرَ إِلَى اسْتِدْرَاكِ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْهَا، وَثَنَاءٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَادَرُوا إِلَى الْهِجْرَةِ، وَتَنْوِيهٌ بِقَدْرِهِمْ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ، فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، آلَتْ أُمُّهُ أَنْ لا يَطْعَمَ وَلَا يَشْرَبَ حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ يَكْفُرَ. وَقِيلَ: فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَسْلَمَ وَهَاجَرَ مَعَ عُمَرَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ شَدِيدَةَ الْحُبِّ لَهُ، وَحَلَفَتْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَتَحَيَّلَ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ وَأَخُوهُ الْحَارِثُ، فَشَدَّاهُ وَثَاقًا حِينَ خَرَجَ مَعَهُمَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أُمِّهِ قَصْدًا لِيَرَاهَا، وَجَلَدَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَرَدَّاهُ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ: لَا يَزَالُ فِي عَذَابٍ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذُكِرَ فِي السِّيَرِ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ: أَيْ أَمَرْنَاهُ بِتَعَهُّدِهِمَا وَمُرَاعَاتِهِمَا. وَانْتَصَبَ حُسْناً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ مَصْدَرُ وَصَّيْنَا، أَيْ إِيصَاءً حُسْنًا، أَيْ ذَا حُسْنٍ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ هُوَ فِي ذَاتِهِ حسن. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَفِي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلَى كَوْنِهِ عَامًّا لِمَعَانٍ. كَمَا تَقُولُ: وَصَّيْتُكَ خَيْرًا، وَأَوْصَيْتُكَ شَرًّا وَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ جُمْلَةِ مَا قُلْتُ لَهُ، وَيَحْسُنُ ذَلِكَ دُونَ حَرْفِ الْجَرِّ، كَوْنَ حَرْفُ الْجَرِّ فِي قَوْلِهِ: بِوالِدَيْهِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِالْحُسْنِ فِي قَوْلِهِ مَعَ وَالِدِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا ... وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا انْتَهَى. مِثْلُهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ يُوصِي ابْنَتَهُ بَرَّةَ: وَصَّيْتُ مِنْ بَرَّةَ قَلْبًا حُرَّا ... بِالْكَلْبِ خَيْرًا وَالْحَمَاةِ شَرَّا
следующие страницы →