Полный текст (6 210 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
الْحَسَنِ، كَانَ إِذَا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخَافُهُ، هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَضْعَفُ، وَمَا هُوَ إِلَّا بَعْضُ السَّحَرَةِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَاوِمُهُ إِلَّا سَاحِرٌ مِثْلُهُ، وَيَقُولُونَ: إِنْ قَتَلْتَهُ أَدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلَى النَّاسِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظَاهَرَتِهِ بِالْحُجَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِرْعَوْنَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، كَانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ آيَاتٌ وَمَا هُوَ سِحْرٌ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِيهِ خُبْثٌ وَجَبَرُوتٌ، وَكَانَ قَتَّالًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ فِي أَهْوَنِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لَا يقتل من أحسن مِنْهُ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ، وَيَهْدِمُ مُلْكَهُ؟ وَلَكِنَّهُ يَخَافُ إِنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أَنْ يُعَاجَلَ بِالْهَلَاكِ. وَقَوْلُهُ: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ:
شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى فَرْطِ خَوْفِهِ مِنْهُ وَمِنْ دَعْوَتِهِ رَبَّهُ، كَانَ قَوْلُهُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى تَمْوِيهًا عَلَى قَوْمِهِ وَإِيهَامًا أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ، وَمَا كَانَ يَكُفُّهُ إِلَّا مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ هَوْلِ الْفَزَعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ لَمَّا بَهَرَتْ آيَاتُ مُوسَى انْهَدَّ رُكْنُهُ وَاضْطَرَبَتْ مُعْتَقَدَاتُ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ مِنْهُمْ مَنْ يُجَاذِبُهُ الْخِلَافَ فِي أَمْرِهِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ فِي قِصَّتِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ ذَرُونِي، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَبَابِرَةِ الْمُتَمَكِّنِينَ مِنْ إِنْفَاذِ أوامرهم. والدليل الثَّانِي: فِي مَقَالَةِ الْمُؤْمِنِ وَمَا صَدَعَ بِهِ، وَأَنَّ مُكَاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِنْ مُسَاتَرَتِهِ، وَحُكْمَهُ بِنُبُوَّةِ مُوسَى أَظْهَرُ مِنْ تَقْرِيبِهِ فِي أَمْرِهِ.
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ، فَإِنَّهُ نَحَا إِلَى الْمَخْرَقَةِ وَالِاضْطِرَابِ وَالتَّعَاطِي، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ: أَيْ إِنِّي لَا أُبَالِي مِنْ رَبِّ مُوسَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ يريهم النصحة وَالْخِيَانَةَ لَهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، وَالدِّينُ: السُّلْطَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٌ:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ ... فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
انْتَهَى. وَتَبْدِيلُ دِينِهِمْ هُوَ تَغْيِيرُهُ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَيَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، كَمَا قَالَ: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ «١» . أَوْ أَنْ يظهر الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وَذَلِكَ بِالتَّهَارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الْأَمْنُ، وَتَتَعَطَّلُ الْمَزَارِعُ وَالْمَكَاسِبُ، وَيَهْلَكُ النَّاسُ قَتْلًا وَضَيَاعًا، فَأَخَافُ فَسَادَ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ مَعًا. وَبَدَأَ فِرْعَوْنُ بِخَوْفِهِ تَغْيِيرَ دِينِهِمْ عَلَى تَغْيِيرِ دُنْيَاهُمْ، لِأَنَّ حُبَّهَمْ لِأَدْيَانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأَمْوَالِهِمْ.
وَقِيلَ: ذَرُونِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَهُ مِنْ قَتْلِهِ، إِمَّا لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كَانَ مُصَدِّقًا لَهُ فَيَتَحَيَّلُ فِي مَنْعِ قَتْلِهِ، وَإِمَّا لِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِمَّا ذَكَرَ الزمخشري، وإما الشغل قَلْبِ فِرْعَوْنَ بِمُوسَى حَتَّى لَا يَتَفَرَّغَ لَهُمْ، وَيَأْمَنُوا مِنْ شَرِّهِ كَمَا يَفْعَلُونَ مَعَ الْمَلِكِ، إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِ خَارِجِيٌّ شَغَلُوهُ بِهِ حَتَّى يَأْمَنُوا مِنْ شَرِّهِ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: أَوْ أَنْ، بِتَرْدِيدِ الْخَوْفِ بَيْنَ تَبْدِيلِ
стр. 5322
الدِّينِ أَوْ ظُهُورِ الْفَسَادِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: وَإِنْ بِانْتِصَابِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَقَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ: يُظْهِرَ مِنْ أَظْهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، الْفَسادَ: نَصْبًا. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَعِيسَى: يَظْهَرُ مِنْ ظَهَرَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، الْفَسَادُ: رَفْعًا.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: يَظَّهَّرُ بِشَدِّ الظَّاءِ وَالْهَاءِ، الْفَسَادُ: رَفْعًا. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُظْهَرُ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، الْفَسَادُ: رَفْعًا.
وَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى بِمُقَالَةِ فِرْعَوْنَ، اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ مُنْكِرٍ لِلْمَعَادِ. وَقَالَ:
وَرَبِّكُمْ: بَعْثًا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، فَيَعُوذُونَ بِاللَّهِ ويعتصمون به ومن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ يَشْمَلُ فِرْعَوْنَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وَكَانَ أَبْلَغَ. وَالتَّكَبُّرُ: تَعَاظُمُ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ مَعَ حقارته، لأنه يفعل ولا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، أَيْ بِالْجَزَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ آكَدَ فِي جَرَاءَتِهِ، إِذْ حَصَلَ لَهُ التَّعَاظُمُ فِي نَفْسِهِ، وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِمَا ارْتَكَبَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، والكسائي: عدت بِالْإِدْغَامِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِالْإِظْهَارِ. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، قِيلَ: كَانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ يَجْرِي مَجْرَى وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَمَجْرَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ. وَقِيلَ: كَانَ قِبْطِيًّا لَيْسَ مِنْ قَرَابَتِهِ. وَقِيلَ: قِيلَ فِيهِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الظَّاهِرِ عَلَى دِينِهِ وَدِينِ أَتْبَاعِهِ. وَقِيلَ: كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا وَلَيْسَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: يَكْتُمُ إِيمانَهُ، لَا فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَتَجَاسَرَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ. وَقَدْ رُدَّ قَوْلُ مَنْ عَلَّقَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِيَكْتُمُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: كَتَمْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا، إِنَّمَا يُقَالُ: كَتَمْتُ فُلَانًا كَذَا، قَالَ تَعَالَى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً «١» ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالْجَمُومِينَ سَاهِرًا ... وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يُرِيبُهَا ... وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أَيْ: كَتَمْتُكَ أَحَادِيثَ نَفْسٍ وَهَمَّيْنِ. قِيلَ: وَاسْمُهُ سَمْعَانُ. وَقِيلَ: حَبِيبٌ. وَقِيلَ:
حِزْقِيلُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَجُلٌ بِضَمِّ الْجِيمِ. وَقَرَأَ عِيسَى، وَعَبْدُ الْوَارِثِ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ، وَحَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بِسُكُونٍ، وَهِيَ لغة تميم ونجد.
стр. 5323
أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: أَيْ لِأَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُ عَظِيمٌ وَتَبْكِيتٌ لَهُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ:
أَتَرْتَكِبُونَ الْفِعْلَةَ الشَّنْعَاءَ الَّتِي هِيَ قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وَمَا لَكُمْ عَلَيْهِ فِي ارْتِكَابِهَا إِلَّا كَلِمَةُ الْحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: رَبِّيَ اللَّهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ: أَيْ مِنْ عِنْدِ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وَهُوَ رَبُّكُمْ لَا رَبُّهُ وَحْدَهُ؟ وَهَذَا اسْتِدْرَاجٌ إِلَى الِاعْتِرَافِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ مُضَافًا مَحْذُوفًا، أَيْ وَقْتَ أَنْ يَقُولَ، وَالْمَعْنَى: أَتَقْتُلُونَهُ سَاعَةَ سَمِعْتُمْ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ فِي أَمْرِهِ؟ انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي أَجَازَهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ وَقْتٌ لَا يَجُوزُ، تَقُولُ: جِئْتُ صِيَاحَ الدِّيكِ، أَيْ وَقْتَ صِيَاحِ الدِّيكِ، وَلَا أَجِيِءُ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النُّحَاةُ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُصَرَّحًا بِهِ لَا مُقَدَّرًا، وَأَنْ يَقُولَ لَيْسَ مَصْدَرًا مُصَرَّحًا بِهِ. بِالْبَيِّناتِ: بِالدَّلَائِلِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي طه وَالشُّعَرَاءِ حَالَةَ مُحَاوَرَتِهِ لَهُ فِي سُؤَالِهِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى.
وَلَمَّا صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، غَالَطَهُمْ بَعْدُ فِي أَنَّ قَسَّمَ أَمْرَهُ إِلَى كَذِبٍ وَصِدْقٍ، وَأَدَّى ذَلِكَ فِي صُورَةِ احْتِمَالٍ وَنَصِيحَةٍ، وَبَدَأَ فِي التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، مُدَارَاةً مِنْهُ وَسَالِكًا طَرِيقَ الْإِنْصَافِ فِي الْقَوْلِ، وَخَوْفًا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يُعَاضِدُهُ وَيُنَاصِرُهُ، فَأَوْهَمَهُمْ بِهَذَا التَّقْسِيمِ وَالْبَدَاءَةِ بِحَالَةِ الْكَذِبِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ شَرِّهِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْنَى لِتَسْلِيمِهِمْ. وَمَعْنَى فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ: أَيْ لَا يَتَخَطَّاهُ ضَرَرُهُ. وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ قَطْعًا، لَكِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ بَعْضُ لِإِلْزَامِ الْحُجَّةِ بِأَسْرِهَا فِي الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنْ يُصِيبَهُمْ كُلُّ مَا يَعِدُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: يُصِبْكُمْ بَعْضُ الْعَذَابِ الَّذِي يَذْكُرُ، وَذَلِكَ كَانَ فِي هَلَاكِهِمْ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: يُصِبْكُمُ الْقَسَمُ الْوَاحِدُ مِمَّا يَعِدُ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ بَعْضٌ مِمَّا يَعِدُ، لِأَنَّهُ ﵇ وَعَدَهُمْ أَنْ آمَنُوا بِالنِّعْمَةِ، وَإِنْ كَفَرُوا بِالنِّقْمَةِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ عَذَابُ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ بَعْضُ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَيَصِيرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: بَعْضُ بِمَعْنَى كُلُّ، وَأَنْشَدُوا قَوْلَ عَمْرِو بْنِ شَسِيمٍ الْقَطَامِيِّ:
قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجَلِ الزَّلَلُ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ فَرَضَ صَادِقًا، فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا يَعِدُ، وَلَكِنَّهُ أَرْدَفَهُ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، لِيَهْضِمَهُ بَعْضَ حَقِّهِ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ، فَيُرِيَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ مَنْ أَعْطَاهُ وَافِيًا فَضْلًا أَنْ يَتَعَصَّبَ لَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَسَّمَ الْبَعْضَ بِالْكُلِّ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ لَبِيدٍ وَهُوَ:
стр. 5324
تَرَّاكُ أَمكِنَةً إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... وَيُرِيكَ مِنْ بَعْضِ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
قُلْتُ: إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَقَدْ حَقَّ فِي قَوْلِ الْمَازِنِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْعَافِيِ كَانَ أَحْفَى مِنْ أَنْ يَفْقَهَ مَا أَقُولُ لَهُ. انْتَهَى، وَيَعْنِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ خَطَّأَهُ النَّاسُ فِي اعْتِقَادِهِ أَنْ بَعْضًا يَكُونُ بِمَعْنَى كُلٍّ، وَأَنْشَدُوا أَيْضًا فِي كَوْنِ بَعْضٍ بِمَعْنَى كُلٍّ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا الْأَحْدَاثُ دَبَّرَهَا ... دُونَ الشيوخ فِي بَعْضِهَا خَلَلَا
أَيْ: إِذَا رَأَى الْأَحْدَاثَ، وَلِذَلِكَ قَالَ دَبَّرَهَا وَلَمْ يَقُلْ دَبَّرُوهَا، رَاعَى الْمُضَافَ الْمَحْذُوفَ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ فِيهِ: إِشَارَةٌ إِلَى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسَى، ﵇، وَأَنَّ مَنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ إِسْرَافٌ وَلَا كَذِبٌ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِفِرْعَوْنَ، إِذْ هُوَ غَايَةُ الْإِسْرَافِ عَلَى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أَبْنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي غَايَةِ الْكَذِبِ، إِذِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ وَالرُّبُوبِيَّةَ، وَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ لَا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس، وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ ﵇، طَافَ بِالْبَيْتِ، فَحِينَ فَرَغَ أَخَذَ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، فَالْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ» ، رَافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وَعَيْنَاهُ تَسْفَحَانِ بِالدُّمُوعِ حَتَّى أَرْسَلُوهُ.
وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ: أَنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قَالَ ذَلِكَ سِرًّا، وَأَبُو بَكْرٍ قَالَهُ ظَاهِرًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُسْرِفٌ بِالْقَتْلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُسْرِفٌ بِالْكُفْرِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ: هَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْبَيَانِ تُسَمِّيهِ عُلَمَاؤُنَا اسْتِدْرَاجَ الْمُخَاطَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى فِرْعَوْنَ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِ مُوسَى، وَالْقَوْمَ عَلَى تَكْذِيبِهِ، أَرَادَ الِانْتِصَارَ لَهُ بِطَرِيقٍ يُخْفِي عَلَيْهِمْ بِهَا أَنَّهُ مُتَعَصِّبٌ لَهُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ، فَجَاءَهُمْ مِنْ طَرِيقِ النُّصْحِ وَالْمُلَاطَفَةِ فَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ، بَلْ قَالَ رَجُلًا يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَتَعَصَّبُ لَهُ، أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، أَوْ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ، إِذْ لَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَعَلِمُوا أَنَّهُ مُتَعَصِّبٌ. وَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ:
وَإِنْ يَكُ كاذِباً، مُوَافَقَةً لِرَأْيِهِمْ فِيهِ. ثُمَّ تَلَاهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُ صادِقاً، وَلَوْ قَالَ هُوَ صَادِقٌ وَكَلُّ مَا يَعِدُكُمْ، لَعَلِمُوا أَنَّهُ مُتَعَصِّبٌ، وَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ يُصَدِّقُهُ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِكَلَامٍ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، وَهُوَ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ. انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمِ نِدَاءٌ مُتَلَطِّفٌ فِي مَوْعِظَتِهِمْ. لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ: أَيْ
стр. 5325
عَالِمِينَ، فِي الْأَرْضِ: فِي أَرْضِ مِصْرَ، قَدْ غَلَبْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيهَا، وَقَهَرْتُمُوهُمْ وَاسْتَعْبَدْتُمُوهُمْ، وَنَادَاهُمْ بِالْمُلْكِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مَرَاتِبِ الدُّنْيَا وأجهلها، وَهُوَ مِنْ جِهَةِ شَهَوَاتِهِمْ، وَانْتَصَبَ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا هُوَ الْعَامِلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَذُو الْحَالِ هُوَ ضَمِيرُ لَكُمْ. ثُمَّ حَذَّرَهُمْ أَنْ يُفْسِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُ إِنْ جَاءَهُمْ بَأْسُ اللَّهِ لَمْ يَجِدُوا نَاصِرًا لَهُمْ وَلَا دَافِعًا، وَأَدْرَجَ نَفْسَهُ فِي قوله: يَنْصُرُنا، وجاءَنا لِأَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَلِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَنْصَحُهُمْ بِهِ هُوَ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِيهِ. وَأَقْوَالُ هَذَا الْمُؤْمِنِ تَدُلُّ عَلَى زَوَالِ هَيْبَةِ فرعون من قبله، وَلِذَلِكَ اسْتَكَانَ فِرْعَوْنُ وَقَالَ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى: أَيْ مَا أُشِيرُ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِقَتْلِهِ، وَلَا أَسْتَصْوِبُ إِلَّا ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ مِنْ لَا تَحَكُّمَ لَهُ، وَأَتَى بِمَا وَإِلَّا لِلْحَصْرِ وَالتَّأْكِيدِ.
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ، لَا مَا تَقُولُونَهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِ وَقَدْ كَذَبَ، بَلْ كَانَ خَائِفًا وَجِلًا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى ﵇ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَجَلَّدُ، وَيُرِي ظَاهِرَهُ خِلَافَ مَا أَبْطَنَ. وَأَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ هُنَا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَرَأَ الرَّشَّادِ بِشَدِّ الشِّينِ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ فِي بِنْيَةِ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ رَشَدَ، فَهُوَ كَعَبَّادٍ مِنْ عَبَدَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ مِنْ رَشِدَ، كَعَلَّامٍ مِنْ عَلِمَ. وَقَالَ النَّحَّاسُ:
هُوَ لَحْنٌ، وَتَوَهَّمَهُ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ، وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، بَلْ هُوَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، عَلَى أَنَّ بَعْضُهُمْ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، فَبَنَى فَعَّالَ مِنْ أَفْعَلَ، كَدَرَّاكِ مِنْ أَدْرَكَ، وَسَآرٍ مِنْ أَسْأَرَ، وَجَبَّارٍ مِنْ أَجْبَرَ، وَقَصَّارٍ مِنْ أَقْصَرَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا وُجِدَتْ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَفَعَّالٌ مِنَ الثُّلَاثِيِّ مَقِيسٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ:
كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُفَسِّرُهَا بِسَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَبْعُدُ عِنْدِي عَلَى مُعَاذٍ ﵁. وَهَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ إِلَّا يَدَّعِي أَنَّهُ إِلَهٌ؟ وَتَعَلَّقَ بِنَاءُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. انْتَهَى. وَإِيرَادُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وَتَرْكِيبُ قَوْلُ مُعَاذٍ عَلَيْهِ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ هُوَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِ: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. قَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ فِي (كِتَابِ اللَّوَامِحِ) لَهُ مِنْ شَوَاذِّ الْقِرَاءَاتِ مَا نَصَّهُ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ سَبِيلَ الرَّشَادِ، الْحَرْفُ الثَّانِي بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ، وَهُوَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَوْضَحَ الشَّرَائِعَ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ مُرْشِدٍ، كَدَرَّاكٍ مِنْ مُدْرِكٍ، وَجَبَّارٍ من مجبر، وفصار مِنْ مُقْصِرٍ عَنِ الْأَمْرِ، وَلَهَا نَظَائِرُ مَعْدُودَةٌ، فَأَمَّا قَصَّارٌ فَهُوَ مِنْ قَصَرَ مِنَ الثَّوْبِ قِصَارَةً. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّنَادِ وَفِي صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ مَا نَصُّهُ:
سَبِيلُ الرَّشَّادِ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: يَعْنِي بِالرَّشَّادِ اللَّهَ تَعَالَى.
стр. 5326
انْتَهَى. فَهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْخِلَافَ إِلَّا فِي قَوْلِ الْمُؤْمِنِ: أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ، فَذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي قَوْلِ فِرْعَوْنَ خَطَأٌ، وَلَمْ يُفَسِّرْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الرَّشَّادَ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا فِي قَوْلِ الْمُؤْمِنِ، لَا فِي قَوْلِ فِرْعَوْنَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ وهم.
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ، وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ، وَقالَ فِرْعَوْنُ يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ، وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ، يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.
الْجُمْهُورُ: عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُؤْمِنَ هُوَ الرَّجُلُ الْقَائِلُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا، قَصَّ اللَّهُ أَقَاوِيلَهُ إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ. لَمَّا رَأَى مَا لَحِقَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْخَوَرِ وَالْخَوْفِ، أَتَى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وَخَوَّفَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ مِنَ اسْتِئْصَالِ الْهَلَاكِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ حَتَّى سَرَدَ عَلَيْهِ مَا سَرَدَ، وَلَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَلَامُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى بِالَّذِي آمَنَ بِمُوسَى، ﵇، وَاحْتَجُّوا بِقُوَّةِ كَلَامِهِ، وَأَنَّهُ جَنَحَ مَعَهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَذَكَرَ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ كلام الأول الاعلانية لَهُمْ، وَأَفْرَدَ الْيَوْمَ، إِمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى مِثْلُ أَيَّامِ الْأَحْزَابِ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْجَمْعَ، أَيْ مِثْلَ أَيَّامِ الْأَحْزَابِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ حِزْبٍ كَانَ لَهُ يَوْمٌ. والْأَحْزابِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا على أنبياء الله. ومِثْلَ دَأْبِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيَانٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مِثْلَ يوم حزب ودأب عَادَتُهُمْ وَدَيْدَنُهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ، أَيْ إِنَّ إِهْلَاكَهُ إِيَّاهُمْ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي نَفْيِ الظُّلْمِ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالْإِرَادَةِ. فَإِذَا نَفَاهُ عَنِ الْإِرَادَةِ، كَانَ نَفْيُهُ عَنِ الْوُقُوعِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَلَمَّا خَوَّفَهُمْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مَا حَلَّ بِالْأَحْزَابِ، خَوَّفَهُمْ أَمْرَ الْآخِرَةِ فَقَالَ، تَعَطُّفًا لَهُمْ بِنِدَائِهِمْ: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ، وَهُوَ
стр. 5327
يَوْمُ الْحَشْرِ. وَالتَّنَادِي مَصْدَرُ تَنَادَى الْقَوْمُ: أَيْ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ الشَّاعِرُ:
تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الْخَيْلُ فارسا ... فقلت أعند اللَّهَ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وَسُمِّيَ يَوْمَ التَّنَادِي، إِمَّا لِنِدَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَإِمَّا لِتَنَادِي أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَلْقَ يُنَادَوْنَ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَإِمَّا لِنِدَاءِ المؤمن: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ «١» ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ «٢» . وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ:
التَّنَادْ، بِسُكُونِ الدَّالِ فِي الْوَصْلِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْوَقْفِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْكَلْبِيُّ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ، وَابْنُ مِقْسَمٍ: التَّنَادِّ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ: مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ إِذَا هرب، كما قال: يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ «٣» الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي التَّنَادِ، خَفِيفَةُ الدَّالِ:
هُوَ التَّنَادِي، أَيْ
يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَنَفْخَةِ الْفَزَعِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ يَفِرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّتِي نَالَهُمْ، وَيُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَرُوِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّذَكُّرُ بِكُلِّ نِدَاءٍ فِي الْقِيَامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ. انْتَهَى. قَالَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
وَبَثَّ الْخَلْقَ فِيهَا إِذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلنَّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنِدُّونَ» ، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَبًا ثُمَّ تَلَا: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَارِّينَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ فِي فِرَارِكُمْ حَتَّى تُعَذَّبُوا فِي النَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا لَكُمْ فِي الِانْطِلَاقِ إِلَيْهَا مِنْ عَاصِمٍ، أَيْ مَانِعٍ، يَمْنَعُكُمْ مِنْهَا، أَوْ نَاصِرٍ. وَلَمَّا يَئِسَ الْمُؤْمِنُ مِنْ قَبُولِهَا قَالَ: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ. ثُمَّ أَخَذَ يُوَبِّخُهُمْ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، بِأَنَّ يُوسُفَ قَدْ جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلِ الْجَائِي إِلَيْهِمْ هُوَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ فِرْعَوْنُ، غير فرعون موسى. وبِالْبَيِّناتِ:
بِالْمُعْجِزَاتِ. فَلَمْ يَزَالُوا شَاكِّينَ فِي رِسَالَتِهِ كَافِرِينَ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا. وَلَيْسَ هَذَا تَصْدِيقًا لِرِسَالَتِهِ، وَكَيْفَ وَمَا زَالُوا فِي شَكٍّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: لَا رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَبْعَثَهُ إِلَى الْخَلْقِ، فَفِيهِ نَفْيُ الرَّسُولِ، ونفي بعثته.
وقرىء: أَلَنْ يَبْعَثَ، بِإِدْخَالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ، كَأَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَرِّرُ بَعْضًا
стр. 5328
عَلَى نَفْيِ الْبَعْثَةِ. كَذلِكَ: أَيْ مِثْلُ إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ، أَيْ حِينَ لَمْ تَقْبَلُوا مِنْ يُوسُفَ، يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ: يَعْنِيهِمْ، إِذْ هُمُ الْمُسْرِفُونَ الْمُرْتَابُونَ فِي رِسَالَاتِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَجَوَّزُوا فِي الَّذِينَ يُجادِلُونَ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَنْ، وَبَدَلًا مِنْهُ: أَيْ مَعْنَاهُ جَمْعٌ وَمُبْتَدَأٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ جِدَالُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ، حَتَّى يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي كَبُرَ عَائِدًا عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، والفاعل بكبر ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْجِدَالِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: يُجادِلُونَ، أَوْ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ عَلَى لَفْظِهَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً، أَوْ بَدَلًا أُعِيدَ أَوَّلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ فِي قَوْلِهِ: هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ. ثُمَّ جَمَعَ الَّذِينَ عَلَى مَعْنَى مَنْ، ثُمَّ أَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ: كَبُرَ عَلَى لَفْظِ مَنْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مبتدأ وبغير سُلْطانٍ أَتاهُمْ خَبَرًا، وَفَاعِلُ كَبُرَ قَوْلُهُ: كَذلِكَ، أَيْ كَبُرَ مَقْتاً مِثْلَ ذَلِكَ الجدال، ويَطْبَعُ اللَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَمَنْ قَالَ كَبُرَ مَقْتاً، عِنْدَ اللَّهِ جِدَالُهُمْ، فَقَدْ حَذَفَ الْفَاعِلَ، وَالْفَاعِلُ لَا يَصِحُّ حَذْفُهُ. انْتَهَى، وَهَذَا الَّذِي أَجَازَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ، فَكَيْفَ فِي كَلَامِ اللَّهِ؟ لِأَنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الْكَلَامِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَارْتِكَابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلَافُهُ. أَمَّا تَفْكِيكُ الْكَلَامِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ مُتَعَلِّقٌ بيجادلون، ولا يتعقل جعله خيرا لِلَّذِينِ، لِأَنَّهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ: كائنونن، أَوْ مُسْتَقِرُّونَ، بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أَيْ فِي غَيْرِ سُلْطَانٍ، لأن الباء إذ ذَاكَ ظَرْفِيَّةٌ خَبَرٌ عَنِ الْجُثَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ يَطْبَعُ أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ تَفْكِيكُ الْكَلَامِ، لِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَذلِكَ يَطْبَعُ، أَوْ نَطْبَعُ، إِنَّمَا جَاءَ مَرْبُوطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَأَمَّا ارْتِكَابُ مَذْهَبِ الصَّحِيحِ خِلَافُهُ، فَجَعَلَ الْكَافَ اسْمًا فَاعِلًا بكبر، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا الْأَخْفَشَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، أَعْنِي نَثْرَهَا: جَاءَنِي كَزَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ زَيْدٍ، فَلَمْ تَثْبُتِ اسْمِيَّتُهَا، فَتَكُونُ فَاعِلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّ قَائِلَ ذَلِكَ وَهُوَ الْحَوْفِيُّ، وَالظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ فَسَّرَ الْمَعْنَى وَلَمْ يُرِدِ الْإِعْرَابَ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْإِعْرَابِ أَنَّ الفاعل بكبر ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْجِدَالِ الْمَفْهُومِ مِنْ يُجَادِلُونَ، كَمَا قَالُوا: مَنْ كَذَّبَ كَانَ شَرًّا لَهُ، أَيْ كَانَ هُوَ، أَيِ الْكَذِبُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَذَبَ.
وَالْأَوْلَى فِي إِعْرَابِ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ كَبُرَ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ يُجَادِلُونَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَيَكُونُ الْوَاعِظُ لَهُمْ قَدْ عَدَلَ عَنْ مُخَاطَبَتِهِمْ إِلَى الِاسْمِ الْغَائِبِ، لِحُسْنِ مُحَاوَرَتِهِ لَهُمْ وَاسْتِجْلَابِ قُلُوبِهِمْ، وَإِبْرَازِ ذَلِكَ
стр. 5329
فِي صُورَةِ تَذْكِيرِهِمْ، وَلَا يفجأهم بِالْخِطَابِ. وَفِي قَوْلِهِ: كَبُرَ مَقْتاً ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِعْظَامِ لِجِدَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ إِشْكَالِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ. كَذلِكَ: أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ الْمُجَادِلِينَ، يَطْبَعُ اللَّهُ: أي يحتم بِالضَّلَالَةِ وَيَحْجُبُ عَنِ الْهُدَى. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرِو بْنُ ذَكْوَانَ، وَالْأَعْرَجُ، بِخِلَافٍ عَنْهُ: قَلْبٍ بِالتَّنْوِينِ، وَصَفَ الْقَلْبَ بِالتَّكَبُّرِ وَالْجَبَرُوتِ، لِكَوْنِهِ مَرْكَزَهُمَا وَمَنْبَعَهُمَا، كَمَا يَقُولُونَ: رَأَتِ الْعَيْنُ، وَكَمَا قَالَ: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ «١» ، وَالْآثِمُ: الْجُمْلَةُ، وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ عَلَى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، بِجَعْلِ الصِّفَةِ لِصَاحِبِ الْقَلْبِ. انْتَهَى، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى اعْتِقَادِ الْحَذْفِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بِالْإِضَافَةِ، وَالْمُضَافُ فِيهِ الْعَامُّ عَامٌّ، فَلَزِمَ عُمُومُ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمُتَكَبِّرُ: الْمُعَانِدُ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ، وَالْجَبَّارُ الْمُسَلَّطُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ.
وَقالَ فِرْعَوْنُ يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً، أَقْوَالُ فِرْعَوْنَ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى، مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى، يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً، حَيْدَةٌ عَنْ مُحَاجَّةِ مُوسَى، وَرُجُوعٌ إِلَى أَشْيَاءَ لَا تَصِحُّ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لِمَا خَامَرَهُ مِنَ الْجَزَعِ وَالْخَوْفِ وَعَدَمِ الْمُقَاوَمَةِ، وَالتَّعَرُّفِ أَنَّ هَلَاكَهُ وَهَلَاكَ قَوْمِهِ عَلَى يَدِ مُوسَى، وَإِنْ قُدْرَتَهُ عَجَزَتْ عَنِ التَّأْثِيرِ فِي مُوسَى، هَذَا عَلَى كَثْرَةِ سَفْكِهِ الدِّمَاءَ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الصَّرْحِ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. قَالَ السُّدِّيُّ:
الْأَسْبَابُ: الطُّرُقُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْأَبْوَابُ وَقِيلَ: عَنَى لَعَلَّهُ يَجِدُ، مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَّمَاءِ، سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمَا أدراك إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ سَبَبٌ، وَأَبْهَمَ أَوَّلًا الْأَسْبَابَ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهَا مَا أَوْضَحَهَا.
وَالْإِيضَاحُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ يُفِيدُ تَفْخِيمَ الشَّيْءِ، إِذْ فِي الْإِبْهَامِ تَشَوُّقٌ لِلْمُرَادِ، وَتَعَجُّبٌ مِنَ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ بِالتَّوْضِيحِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَيَتَعَيَّنُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَأَطَّلِعُ رَفْعًا، عَطْفًا عَلَى أَبْلُغُ، فَكِلَاهُمَا مُتَرَجًّى. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ، وَابْنُ مِقْسَمٍ، وَحَفْصٌ: فَأَطَّلِعَ، بِنَصْبِ الْعَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جِبَارَةَ، وَابْنُ عَطِيَّةَ: عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلَى جَوَابِ التَّرَجِّي، تَشْبِيهًا لِلتَّرَجِّي بِالتَّمَنِّي. انْتَهَى.
وَقَدْ فَرَّقَ النُّحَاةُ بَيْنَ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي، فَذَكَرُوا أَنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ فِي الْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَالتَّرَجِّيَ يَكُونُ فِي الْمُمْكِنِ. وَبُلُوغُ أَسْبَابِ السموات غَيْرُ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أَبْرَزَ مَا لَا يُمْكِنُ فِي صُورَةِ الْمُمْكِنِ تَمْوِيهًا عَلَى سَامِعِيهِ. وَأَمَّا النَّصْبُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ التَّرَجِّي فَشَيْءٌ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَاحْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَبِقِرَاءَةِ عَاصِمٍ،
стр. 5330
فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى فِي سُورَةِ عَبَسَ، إِذْ هُوَ جَوَابُ التَّرَجِّي فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى «١» . وَقَدْ تَأَوَّلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى التَّوَهُّمِ، لِأَنَّ خَبَرَ لَعَلَّ كَثِيرًا جَاءَ مَقْرُونًا بِأَنْ فِي النَّظْمِ كَثِيرًا، وَفِي النَّثْرِ قَلِيلًا. فَمَنْ نَصَبَ، تَوَهَّمَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَرْفُوعَ الْوَاقِعَ خَبَرًا كَانَ مَنْصُوبًا بِأَنْ، وَالْعَطْفُ عَلَى التَّوَهُّمِ كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْقَاسُ، لَكِنْ إِنْ وَقَعَ شَيْءٌ وَأَمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَيْهِ خَرَجَ، وَأَمَّا هُنَا، فَأَطَّلِعَ، فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
ابْنِ لِي صَرْحاً، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا نَاقُ سِيرِي عُنُقًا فَسِيحًا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
وَلَمَّا قَالَ: فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، كَانَ ذَلِكَ إِقْرَارًا بِإِلَهِ مُوسَى، فَاسْتَدْرَكَ هَذَا الْإِقْرَارَ بقوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً: أَيْ فِي ادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا قَالَ فِي الْقَصَصِ: لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ «٢» . وَكَذلِكَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ فِي إِيهَامِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى. زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقرىء: زَيَّنَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَصُدَّ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ: أَيْ وَصَدَّ فِرْعَوْنُ وَالْكُوفِيُّونَ: بضم الصاد مناسبا لزين مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَابْنُ وَثَّابٍ: بِكَسْرِ الصَّادِ، أَصْلُهُ صَدُدَ، نَقُلَتِ الْحَرَكَةُ إِلَى الصَّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِهَا وَابْنُ أبي إِسْحَاقَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، بِفَتْحِ الصَّادِ وضم الطاء، مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلَى سُوءُ عَمَلِهِ. وَالتِّبَابُ: الْخُسْرَانُ، خَسِرَ مُلْكَهُ فِي الدُّنْيَا فِيهَا بِالْغَرَقِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِخُلُودِ النَّارِ، وَتَكَرَّرَ وَعْظُ الْمُؤْمِنِ إِثْرَ كَلَامِ فِرْعَوْنَ بِنِدَائِهِ قَوْمَهُ مَرَّتَيْنِ، مُتْبِعًا كُلَّ نِدَاءٍ بِمَا فِيهِ زَجْرٌ وَاتِّعَاظٌ لَوْ وُجِدَ مَنْ يَقْبَلُ، وَأَمَرَ هُنَا بِاتِّبَاعِهِ لِأَنْ يَهْدِيَهُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ. وَقَرَأَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِشَدِّ الشِّينِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي كَلَامِ فِرْعَوْنَ، وَأَجْمَلَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: سَبِيلَ الرَّشادِ، وَهُوَ سَبِيلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ. ثُمَّ فَسَّرَ، فَافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيَا وَبِصِغَرِ شَأْنِهَا، وَأَنَّهَا مَتَاعٌ زَائِلٌ، هِيَ وَمَنْ تَمَتَّعَ بِهَا، وَأَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ الَّتِي لَا انْفِكَاكَ مِنْهَا، إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَشَيْبَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَالْأَخَوَانِ، وَالصَّاحِبَانِ، وَحَفْصٌ: يَدْخُلُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَعِيسَى: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ
стр. 5331
بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لَا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ، وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ، وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ، قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
بَدَأَ الْمُؤْمِنُ بِذِكْرِ الْمُتَسَبَّبِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وَأَبْدَى التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا. وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُسَبِّبَيْنِ، ذَكَرَ سَبَبَهُمَا، وَهُوَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَدُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ. وَأَتَى بِصِيغَةِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ، وَالْغَالِبُ الَّذِي الْعَالَمُ كُلُّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَمَا يَشَاءُ، الْغَفَّارُ لِذُنُوبِ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ وَآمَنُ بِهِ، وَأَوْصَلَ سَبَبَ دُعَائِهِمْ بِمُسَبِّبِهِ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنَّارُ، وَأَخَّرَ سَبَبَ مُسَبِّبِهِ لِيَكُونَ افْتِتَاحَ كَلَامِهِ وَاخْتِتَامِهِ بِمَا يَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ. وَبَدَأَ أَوَّلًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وهو استفهام الْمُتَضَمِّنُ التَّعَجُّبَ مِنْ حَالَتِهِمْ، وَخَتَمَ أَيْضًا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَوْكِيدِ الْأَخْبَارِ. وَجَاءَ فِي حَقِّهِمْ وَتَدْعُونَنِي بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي تَوْكِيدًا، إِذْ دَعَوْتُهُمْ بَاطِلَةٌ لَا ثُبُوتَ لها، فتؤكد، وما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ هِيَ الْأَوْثَانُ، أَيْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمِي، إِذْ لَيْسَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَلَا لِفِرْعَوْنَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَاءَ بِالْوَاوِ فِي النِّدَاءِ الثَّالِثِ دُونَ الثَّانِي؟ قُلْتُ: لِأَنَّ الثَّانِيَ دَاخِلٌ فِي كَلَامٍ هُوَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، فَأَعْطَى الدَّاخِلَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ فِي امْتِنَاعِ دُخُولِ الْوَاوِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَدَاخِلٌ عَلَى كَلَامٍ لَيْسَ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَا جَرَمَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا، وَرُوِيَ عَنِ الْعَرَبِ: لَا جُرْمَ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، يُرِيدُ لَا بُدَّ، وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أَخَوَانِ، كَرَشَدٍ وَرُشْدٍ، وَعَدَمٍ وَعُدْمٍ. أَنَّما: أَيْ أَنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى عِبَادَتِهِ، لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ، أَيْ قَدْرٌ وَحَقٌّ يَجِبُ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ، أَوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْجَمَادَ لَا يَدْعُو، وَالْمَعْبُودُ بِالْحَقِّ يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَيْهَا إِظْهَارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى لَيْسَ لَهُ اسْتِجَابَةُ دَعْوَةٍ تُوجِبُ
стр. 5332
الْأُلُوهِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَوْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ جُعِلَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لَا اسْتِجَابَةَ لَهَا وَلَا مَنْفَعَةَ كَلَا دَعْوَةٍ، أَوْ سُمِّيَتِ الِاسْتِجَابَةُ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ، كَمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ الْمُجَازَى عَلَيْهِ بِاسْمِ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَيْسَتْ لَهُ شَفَاعَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ أَوَّلًا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْبَقَرِ، وَكَانَتْ تُعْبَدُ مَا دَامَتْ شَابَّةً، فَإِذَا هَزُلَتْ أَمَرَ بِذَبْحِهَا وَدَعَا بِأُخْرَى لِتُعْبَدَ. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الزَّمَانُ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١» . وَلَمَّا ذَكَرَ انْتِفَاءَ دَعْوَةِ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَذَكَرَ أَنَّ مَرَدَّ الْجَمِيعِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى جَزَائِهِ، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ: وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ، وَالسَّفَّاكُونَ لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حِلِّهَا فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: مَنْ غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ هُوَ الْمُسْرِفُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
هُمُ الْجَبَّارُونَ الْمُتَكَبِّرُونَ. وَخَتَمَ الْمُؤْمِنُ كَلَامَهُ بِخَاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ تُوجِبُ التَّخْوِيفَ وَالتَّهْدِيدَ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ: أَيْ إِذَا حَلَّ بِكُمْ عِقَابُ اللَّهِ. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، لَا إِلَيْكُمْ وَلَا إِلَى أَصْنَامِكُمْ، وَكَانُوا قَدْ تَوَعَّدُوهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُوجِبُ التَّفْوِيضَ، وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى بَصِيرًا بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ وَبِمَقَادِيرِ حَاجَاتِهِمْ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ هَذَا الْمُؤْمِنُ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَمَّا أَظْهَرَ إِيمَانَهُ، بَعَثَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِهِ أَلْفَ رَجُلٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَذَبَّ السِّبَاعُ عَنْهُ وَأَكَلَتْهُمُ السِّبَاعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ فِي الْجِبَالِ عَطَشًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ إِلَى فِرْعَوْنَ خَائِبًا، فَاتَّهَمَهُ وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ. وَقِيلَ: نَجَا مَعَ مُوسَى فِي الْبَحْرِ، وَفَرَّ فِي جُمْلَةِ مَنْ فَرَّ مَعَهُ. فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا: أَيْ شَدَائِدَ مَكْرِهِمُ الَّتِي تَسُوؤُهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ لِمَنْ خَالَفَهُمْ. وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَا حَاقَ بِالْأَلْفِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ أَكْلِ السِّبَاعِ، وَالْمَوْتِ بِالْعَطَشِ، وَالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: سُوءُ الْعَذابِ: هُوَ الْغَرَقُ فِي الدُّنْيَا وَالْحَرْقُ فِي الْآخِرَةِ. النَّارُ بَدَلٌ مِنْ سُوءُ الْعَذابِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا سُوءُ الْعَذَابِ: قِيلَ: النَّارُ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعْرَضُونَ، وَيُقَوِّي هَذَا الْوَجْهَ قِرَاءَةُ مَنْ نَصَبَ، أَيْ تَدْخُلُونَ النَّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَرْضَهُمْ عَلَى النَّارِ مَخْصُوصٌ بِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الدَّوَامُ فِي الدُّنْيَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَرْضَ خِلَافُ الْإِحْرَاقِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَرْضُهُمْ عَلَيْهَا: إِحْرَاقُهُمْ بِهَا، يُقَالُ: عَرَضَ الْإِمَامُ الْأُسَارَى عَلَى السَّيْفِ إِذَا قتلهم به. انتهى،
стр. 5333
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَرْضَ هُوَ فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالسُّدِّيِّ: أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طُيُورٍ سُودٍ، تَرُوحُ بِهِمْ وَتَغْدُو إِلَى النَّارِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِلْأَوْزَاعِيِّ: رَأَيْتُ طُيُورًا بِيضًا تَغْدُو مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ تَرُوحُ بِالْعَشِيِّ سُودًا مِثْلُهَا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: تِلْكَ الَّتِي فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، يُحْرَقُ رِيَاشُهَا وَتَسْوَدُّ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ أَنَّهُمْ يُعْرَضُونَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَقْدِيرِ مَا بَيْنَ الْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ، إِذْ لَا غُدُوَّ وَلَا عَشِيَّ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ بِأَيَّامِ الدُّنْيَا. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تُعْرَضُ أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى النَّارِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يُقَالُ: هَذِهِ دَارُكُمْ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَاسْتَدَلَّ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ بِقَوْلِهِ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا: أَيْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الدُّنْيَا. وَالظَّاهِرُ تَمَامُ الْجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَعَشِيًّا، وَأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: ادْخُلُوا. وَقِيلَ: وَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلَى وَعَشِيًّا، فَالْعَامِلُ فيه يعرضون، وأدخلوا عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ. وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِي يَوْمَ أَدْخِلُوا. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَطَلْحَةُ، وَنَافِعٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ: أَدْخِلُوا، أَمْرًا لِلْخَزَنَةِ مِنْ أَدْخَلَ.
وَعَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَالْعَرَبِيَّانِ، وَأَبُو بَكْرٍ: أَمْرًا مِنْ دَخَلَ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
قِيلَ: وَهُوَ الْهَاوِيَةُ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّهُمْ أَلْفَا أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ.
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى فِرْعَوْنَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: يَتَحاجُّونَ لِجَمِيعِ كَفَّارِ الْأُمَمِ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ قَصَصٍ لَا يَخْتَصُّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وَالْعَامِلُ فِي إِذْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وَاذْكُرُوا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: وَإِذْ هَذِهِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ، وَهَذَا بَعِيدٌ. انْتَهَى، وَالْمُحَاجَّةُ: التَّحَاوُرُ بِالْحُجَّةِ وَالْخُصُومَةِ. وَالضُّعَفَاءُ: أَيْ فِي الْقَدَرِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي الدُّنْيَا. وَالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ. إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً: أَيْ ذَوِي تَبَعٍ، فَتَبَعٌ مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ جَمْعٍ لِتَابِعٍ، كَآيِمٍ وَأَيَمٍ، وَخَادِمِ وَخَدَمٍ، وَغَائِبٍ وَغَيَبٍ. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا: أَيْ حَامِلُونَ عَنَّا؟
стр. 5334
فَأَجَابُوهُمْ: إِنَّا كُلٌّ فِيها، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدْ نَفَذَ فِينَا وَفِيكُمْ، إِنَّا مُسْتَمِرُّونَ فِي النَّارِ. وَقَرَأَ ابن السميفع، وَعِيسَى بْنُ عِمْرَانَ: كُلًّا بِنَصْبِ كُلٌّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ: عَلَى التَّوْكِيدِ لِاسْمِ إِنَّ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، يُرِيدُ: إِنَّا كُلُّنَا فِيهَا.
انْتَهَى. وَخَبَرُ إِنَّ هُوَ فِيهَا، وَمَنْ رَفَعَ كُلًّا فَعَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ فِيهَا، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي تَصْنِيفِهِ (تَسْهِيلِ الْفَوَائِدِ) : وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى كُلٌّ، وَلَا يُسْتَغْنَى بِنِيَّةِ إِضَافَتِهِ، خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ. انْتَهَى، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَنْقُولٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ رَدَّ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا قَرَّرَهُ فِي شَرْحِهِ (التَّسْهِيلِ) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلًّا حَالًا قَدْ عَمِلَ فِيهَا فِيهَا؟ قُلْتُ: لَا، لِأَنَّ الظَّرْفَ لَا يَعْمَلُ، وَالْحَالُ مُتَقَدِّمَةٌ، كَمَا يَعْمَلُ فِي الظَّرْفِ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، وَلَا تَقُولُ: قَائِمًا فِي الدَّارِ زَيْدٌ.
انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي مَنَعَهُ أَجَازَهُ الْأَخْفَشُ إِذَا تَوَسَّطَتِ الْحَالُ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمًا فِي الدَّارِ، وَزَيْدٌ قَائِمًا عِنْدَكَ، وَالتَّمْثِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ مُطَابِقًا فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ الْآيَةَ تَقَدَّمَ فِيهَا الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ اسْمُ إِنَّ، وَتَوَسَّطَتِ الْحَالُ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا حَالٌ، وَتَأَخَّرَ الْعَامِلُ فِيهَا، وَأَمَّا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَقُولُ قَائِمًا فِي الدَّارِ زَيْدٌ، تَأَخَّرَ فِيهِ الْمُسْنَدُ وَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ النُّحَاةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالْقَوْلُ الْمَرْضِيُّ عِنْدِي أَنَّ كُلًّا فِي الْقِرَاءَةِ الْمَذْكُورَةِ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ الْمَنَوِيَّ فِي فِيهَا، وَفِيهَا هُوَ الْعَامِلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْحَالُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَصَرُّفِهِ، كَمَا قُدِّمَتْ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «١» . وَفِي قَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:
رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أَدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذَارِ
وَقَالَ بَعْضُ الطَّائِيِّينَ:
دَعَا فَأَجَبْنَا وَهُوَ بَادَّيَّ ذِلَّةً ... لَدَيْكُمْ فَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
انْتَهَى. وَهَذَا التَّخْرِيجُ هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالَّذِي أَخْتَارُهُ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إِنَّ، لِأَنَّ كُلًّا يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا بِالِابْتِدَاءِ وَنَوَاسِخِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إِنَّ، لِأَنَّ كُلًّا فِيهَا: وَإِذَا كَانُوا قَدْ تَأَوَّلُوا حَوْلًا أَكْتَعًا وَيَوْمًا أَجْمَعًا عَلَى الْبَدَلِ، مَعَ أَنَّهُمَا لَا يَلِيَانِ الْعَوَامِلَ، فَإِنْ يُدَّعَى فِي كُلٌّ الْبَدَلُ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَتَنْكِيرُ كُلٌّ وَنَصْبُهُ حَالًا فِي غَايَةِ الشُّذُوذِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ كُلًّا مَعْرِفَةٌ إِذَا قُطِعَتْ عَنِ الْإِضَافَةِ.
стр. 5335
حُكِيَ: مَرَرْتُ بِكُلٍّ قَائِمًا، وَبِبَعْضٍ جَالِسًا فِي الْفَصِيحِ الْكَثِيرِ فِي كَلَامِهِمْ، وَقَدْ شَذَّ نَصْبُ كُلٍّ عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا، أَيْ جَمِيعًا. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ بَدَلًا، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ؟ قُلْتُ: مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ جَوَازُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ، بَلْ إِذَا كَانَ الْبَدَلُ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ، جَازَ أَنْ يُبْدَلَ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَضَمِيرَ الْمُخَاطَبِ، لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا «١» ، وَكَقَوْلِكِ: مَرَرْتُ بِكُمْ صَغِيرِكُمْ وَكَبِيرِكُمْ، مَعْنَاهُ: مَرَرْتُ بِكُمْ كُلِّكُمْ، وَتَكُونُ لَنَا عِيدًا كُلِّنَا. فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِحَاطَةِ، فَجَوَازُهُ فِيمَا دَلَّ عَلَى الْإِحَاطَةِ، وَهُوَ كُلٌّ أَوْلَى، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْعِ الْمُبَرِّدِ الْبَدَلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَنَاطُ الْخِلَافِ.
وَلَمَّا أَجَابَ الضُّعَفَاءُ الْمُسْتَكْبِرُونَ قَالُوا جَمِيعًا: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، وَأَبْرَزَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَزَنَةُ، وَلَمْ يَأْتِ ضَمِيرًا، فَكَانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ لِخَزَنَتِهَا، لِمَا فِي ذِكْرِ جَهَنَّمَ مِنَ التَّهْوِيلِ، وَفِيهَا أَطْغَى الْكُفَّارِ وَأَعْتَاهُمْ. وَلَعَلَّ الْكُفَّارَ تَوَهَّمُوا أَنَّ مَلَائِكَةَ جَهَنَّمَ الْمُوَكَّلِينَ بِعَذَابِ تِلْكَ الطُّغَاةِ هُمْ أَقْرَبُ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِبَقِيَّةِ دَرَكَاتِ النَّارِ، فَرَجَوْا أَنْ يُجِيبُوهُمْ وَيَدْعُوا لَهُمْ بِالتَّخْفِيفِ، فَرَاجَعَتْهُمُ الْخَزَنَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ وَالتَّقْرِيرِ: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَأَجَابُوا بِأَنَّهُمْ أَتَتْهُمْ، قالُوا: أَيِ الْخَزَنَةُ، فَادْعُوا أَنْتُمْ عَلَى مَعْنَى الْهُزْءِ بِهِمْ، أَوْ فَادْعُوا أَنْتُمْ، فَإِنَّا لَا نَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ مِنْ كَلَامِ الْخَزَنَةِ: أَيْ دُعَاؤُكُمْ لَا يَنْفَعُ وَلَا يُجْدِي. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِخْبَارًا مِنْهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَجَاءَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُعَبَّرًا عَنْهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي الْوَاقِعِ لِتَيَقُّنِ وُقُوعِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِمْ، كَمَا فَعَلَ بِمُوسَى ﵇، حَيْثُ أَهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَفِيهِ تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ ﵇ بِنَصْرِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ لَهُمْ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ: وَهُوَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْصُرُهُمْ بِالْغَلَبَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِالِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: بِإِفْلَاحِ حُجَّتِهِمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ أَيْضًا: مَا قَتَلَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا أَوْ قَوْمًا مِنْ دُعَاةِ الْحَقِّ إِلَّا بَعَثَ اللَّهُ مَنْ يَنْتَقِمُ لَهُمْ، فَصَارُوا مَنْصُورِينَ فِيهَا وَإِنْ قُتِلُوا. انْتَهَى. أَلَا تَرَى إِلَى قتلة
стр. 5336
الْحُسَيْنِ، ﵁، كَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُخْتَارَ بْنَ عُبَيْدٍ يَتْبَعُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى قَتَلَهُمْ؟ ويختنصر تَتَبَعَ الْيَهُودَ حِينَ قَتَلُوا يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، ﵉؟ وَقِيلَ: وَالنَّصْرُ خَاصٌّ بِمَنْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّتِهِ، كَنُوحٍ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﵈، لِأَنَّا نَجِدُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، كَيَحْيَى، وَمَنْ لَمْ يُنْصَرْ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْخَبَرُ عَامٌّ، وَذَلِكَ أَنَّ نُصْرَةَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَاقِعَةٌ وَلَا بُدَّ، إِمَّا فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ الْمَنْصُورِ، كَنُوحٍ وَمُوسَى ﵉، وَإِمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيَى ﵇ مِنْ تَسْلِيطِ بُخْتُنَصَّرَ حَتَّى انْتَصَرَ لِيَحْيَى ﵇؟ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يَقُومُ بِالْيَاءِ وَابْنُ هُرْمُزَ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَالْمِنْقَرِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بِتَاءِ التَّأْنِيثِ. الْجَمَاعَةُ وَالْأَشْهَادُ، جَمْعُ شَهِيدٍ، كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ، أَوْ جَمْعُ شَاهِدٍ، كَصَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ «١» . وَقَالَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٢» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، بِمَعْنَى الْحُضُورِ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ: بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ يَقُومُ. وقرىء: تَنْفَعُ بِالتَّاءِ وَبِالْيَاءِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الرُّومِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ وَلَا تُقْبَلُ مَعْذِرَتُهُمْ، أَوْ أَنَّهُمْ لَا مَعْذِرَةَ لَهُمْ فَتُقْبَلُ. وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَالْإِبْعَادُ مِنَ اللَّهِ. وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ: سُوءُ عَاقِبَةِ الدَّارِ.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ، إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ، إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ، وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ
стр. 5337
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وَاسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، عَادَ إِلَى ذِكْرِ مَا مَنَحَ رسوله موسى ﵇ فَقَالَ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى تَأْنِيسًا لِمُحَمَّدٍ ﵇، وَتَذْكِيرًا لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى ﵇.
وَالْهُدَى، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلَائِلَ الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَأَنْ يَكُونَ النُّبُوَّةَ، وَأَنْ يَكُونَ التَّوْرَاةَ. وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ التَّوْرَاةُ، تَوَارَثُوهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ أُرِيدَ بِهِ: مَا أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ كُتُبِ أَنْبِيَائِهِمْ، كَالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ، هُدىً وَدَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، وَذِكْرى لِمَا كَانَ مَنْسِيًّا فَذَكَّرَ بِهِ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ. وَانْتَصَبَ هُدىً وَذِكْرى عَلَى أَنَّهُمَا مَفْعُولَانِ لَهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ فَقَالَ: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا، فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْرِكَ عَلَى أَعْدَائِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نُسِخَ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، لِأَنَّ آيَةَ هَذِهِ السُّورَةِ مَكِّيَّةٌ، وَآيَةَ سُورَةِ الفتح مدينة مُتَأَخِّرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ هُوَ بِهَذَا فَغَيْرُهُ أَحْرَى بِامْتِثَالِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: مَحْمُولٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ تَرْكِ الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى. وَقِيلَ: الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَحْضُ تَعَبُّدٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ «١» ، فَإِنَّ إِيتَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَاجِبٌ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَنَا بِطَلَبِهِ. وَقِيلَ: لِذَنْبِكَ: لِذَنْبِ أُمَّتِكَ فِي حَقِّكَ. قِيلَ: فَأَضَافَ الْمَصْدَرَ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِتَنْزِيهِهِ تَعَالَى فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ اللَّذَيْنِ النَّاسُ مُشْتَغِلُونَ فِيهِمَا بِمَصَالِحِهِمُ الْمُهِمَّةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ سَائِرُ الْأَوْقَاتِ، وَعَبَّرَ بِالظَّرْفَيْنِ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
أَرَادَ بِذَلِكَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: صلاة الغداة، وصلاة العصر. وَقَالَ الْحَسَنُ:
رَكْعَتَانِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ. وَعَنْهُ أَيْضًا: صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ دَلَائِلُهُ الَّتِي نَصَبَهَا عَلَى تَوْحِيدِهِ وَكُتُبُهُ الْمُنَزَّلَةُ، وَمَا أَظْهَرَ عَلَى يَدِ أَنْبِيَائِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ، هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ. بِغَيْرِ سُلْطانٍ: أي حجة وبرهان.
فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ: أَيْ تَكَبُّرٌ وَتَعَاظُمٌ، وَهُوَ إِرَادَةُ التَّقَدُّمِ وَالرِّيَاسَةِ، وَذَلِكَ هو الحامل
стр. 5338
عَلَى جِدَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ، وَدَفْعِهِمْ مَا يَجِبُ لَكَ مِنْ تَقَدُّمِكَ عَلَيْهِمْ، لِمَا مَنَحَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَكَلَّفَكَ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ. مَا هُمْ بِبالِغِيهِ: أَيْ بِبَالِغِي مُوجِبِ الْكِبْرِ وَمُقْتَضِيهِ مِنْ رِيَاسَتِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَرْأَسُونَ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ مَا يُؤَمِّلُونَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:
الْمَعْنَى على تكذيب إِلَّا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ الْكِبْرِ عَلَيْكَ، وَمَا هُمْ بِبَالِغِي مُقْتَضِي ذَلِكَ الْكِبْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَذَلَّهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ مُبَالِغِي إِرَادَتِهِمْ فِيهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ فِي الْيَهُودِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: عَظَّمَتِ الْيَهُودُ الدَّجَّالَ وَقَالُوا: إِنَّ صَاحِبَنَا يُبْعَثُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَلَهُ سُلْطَانٌ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ، لِأَنَّ الدَّجَّالَ مِنْ آيَاتِهِ، بِغَيْرِ سُلْطانٍ: أَيْ حُجَّةٍ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. وَالْمُرَادُ بخلق النَّاسِ الدَّجَّالُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقِيلَ الْمُجَادِلُونَ هُمُ الْيَهُودُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: يَخْرُجُ صَاحِبُنَا الْمَسِيحُ بْنُ دَاوُدَ، يُرِيدُونَ الدَّجَّالَ، وَيَبْلُغُ سُلْطَانُهُ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ، وَتَسِيرُ مَعَهُ الْأَنْهَارُ، وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَيَرْجِعُ إِلَيْنَا الْمُلْكُ، فسمى الله تمنيتهم ذَلِكَ كِبْرًا، وَنَفَى أَنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنَّاهُمْ. انْتَهَى. وَكَانَ رَئِيسُ الْيَهُودِ فِي زَمَانِهِ فِي مِصْرَ مُوسَى بْنُ مَيْمُونٍ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ كَتَبَ رِسَالَتَهُ إِلَى يَهُودِ الْيَمَنِ أَنَّ صَاحِبَهُمْ يَظْهَرُ فِي سَنَةِ كَذَا وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ. جَاءَتْ تِلْكَ السَّنَةُ وَسُنُونَ بَعْدَهَا كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِمَّا قَالَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وَكَانَ هَذَا الْيَهُودِيُّ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، حَتَّى اسْتَسْلَمَ الْيَهُودُ بَعْضُ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. فَيُذْكَرُ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ التَّرَاوِيحَ وَهُمْ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ فِي رَمَضَانَ، إِذْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي دَوْلَةِ الْعُبَيْدِيِّينَ، وَهُمْ لَا يَتَقَيَّدُونَ بِشَرِيعَةٍ، رَجَعَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَصَنَّفَ لَهُمْ تَصَانِيفَ، وَمِنْهَا: (كِتَابُ دَلَالَةِ الْحَائِرِينَ) ، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ مَا اسْتَفَادَ مِنْ مُخَالَطَةِ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ وَتَوَدُّدِهِ لَهُمْ، وَالرِّيَاسَةُ إِلَى الْآنَ بِمِصْرَ لِلْيَهُودِ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ: أَيِ الْتَجِئْ إِلَيْهِ مِنْ كَيْدِ مَنْ يَحْسُدُكَ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا تَقُولُ وَيَقُولُونَ، الْبَصِيرُ بِمَا تَعْمَلُ وَيَعْمَلُونَ، فَهُوَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ وَعَاصِمُكَ مِنْ شَرِّهِمْ.
ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَادَلَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا يَتَكَبَّرَ الْإِنْسَانُ بِقَوْلِهِ: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ: أي أن مخلوقاته أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ خَلْقِ الْبَشَرِ، فَمَا لِأَحَدٍ يُجَادِلُ وَيَتَكَبَّرُ عَلَى خَالِقِهِ. وَقَالَ الزمخشري: مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة عَلَى إِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَهُوَ أصل المجادلة ومدارها، فجحدوا بخلق السموات وَالْأَرْضِ، لِأَنَّهُمْ
стр. 5339
كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خالقها، وَبِأَنَّهَا خَلْقٌ عَظِيمٌ لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَخَلْقُ النَّاسِ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ مهين، فمن قَدَرَ عَلَى خَلْقِهَا مَعَ عِظَمِهَا كَانَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ مَعَ مَهَانَتِهِ أَقْدَرُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِخَلْقِ مِثْلِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويحتمل أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْبَعْثِ وَالْإِعَادَةِ، فَأَعْلَمَ تَعَالَى أن الذي خلق السموات وَالْأَرْضَ قَوِيٌّ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ النَّاسِ تَارَةً أُخْرَى، فَالْخَلْقُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَقَالَ النَّقَّاشُ: الْمَعْنَى مِمَّا يَخْلُقُ النَّاسُ، إِذْ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَالْخَلْقُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ: أَيْ لَا يَتَأَمَّلُونَ لِغَلَبَةِ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَنَفْيُ الْعِلْمِ عَنِ الْأَكْثَرِ وَتَخْصِيصُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْجَاهِلِ بِالْأَعْمَى، وَلِلْعَالِمِ بِالْبَصِيرِ، وَانْتِفَاءُ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَهُمَا هُوَ مِنَ الْجِهَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعَمَى وَعَلَى الْبَصَرِ، وَإِلَّا فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ.
وَلَمَّا بَعُدَ، قَسَّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بِطُولِ صِلَةِ الْمَوْصُولِ، كَرَّرَ لَا تَوْكِيدًا، وَقَدَّمَ وَالَّذِينَ آمَنُوا لِمُجَاوَرَةِ قَوْلِهِ: وَالْبَصِيرُ، وَهُمَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجَاوِرَ الْمُنَاسِبَ هَكَذَا، وَالْآخَرُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ مَا يُقَابِلُ الْأَوَّلَ وَيُؤَخَّرُ مَا يُقَابِلُ الْآخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ «١» ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ الْمُتَمَاثِلَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ «٢» ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَفَنُّنٌ فِي الْبَلَاغَةِ وَأَسَالِيبِ الْكَلَامِ. وَلَمَّا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، فَكَانَ ذَلِكَ صِفَةَ ذَمٍّ نَاسَبَ أَنْ يَبْدَأَ فِي ذِكْرِ التَّسَاوِي بِصِفَةِ الذَّمِّ، فَبَدَأَ بِالْأَعْمَى. وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَطَلْحَةُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعِيسَى، وَالْكُوفِيُّونَ: تَتَذَكَّرُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَالْجُمْهُورُ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةُ: بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَعْثِ مِنْ إِتْيَانِ السَّاعَةِ، وَأَنَّهُ لَا رَيْبَ فِي وُقُوعِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ الْحِسَابُ وَافْتِرَاقُ الْجَمْعِ إِلَى الْجَنَّةِ طَائِعُهُمْ، وَإِلَى النَّارِ كَافِرُهُمْ وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ مِنَ الْعُصَاةِ بِغَيْرِ الْكُفْرِ. وَالظَّاهِرُ حَمْلُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِجَابَةِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا، إِلَّا أَنَّ الِاسْتِجَابَةَ مُقَيَّدَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: اسْأَلُونِي أُعْطِكُمْ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطِيعُونِي آتِكُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ: ادْعُونِي، اعْبُدُونِي وَأَسْتَجِبْ لَكُمْ، آتِيكُمْ عَلَى الْعِبَادَةِ. وَكَثِيرًا جَاءَ الدُّعَاءُ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي. وَمَا
رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ، وَقَرَأَ هذه الآية.
وقال
стр. 5340
ابْنُ عَبَّاسٍ: وَحِّدُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ وَقِيلَ لِلثَّوْرِيِّ: ادْعُ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: إِنَّ تَرْكُ الذُّنُوبِ هُوَ الدُّعَاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِلَّذِينِ آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم مِنْ فَضْلِهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ» .
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي: أَيْ عَنْ دُعَائِي. وَقَرَأَ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ، وَالْحَسَنُ، وَشَيْبَةُ: سَيَدْخُلُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَاخْتُلِفَ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبِي عَمْرٍو. دَاخِرِينَ:
ذَلِيلِينِ.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي سُورَةِ يُونُسَ. ولَذُو فَضْلٍ: أَبْلَغُ مِنْ: لَمُفَضَّلٍ أَوْ لَمُتَفَضِّلٍ، كَمَا قَالَ: لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ «١» ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٢» ، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ صَاحِبَهُ وَمُتَمَكِّنًا مِنْهُ، بِخِلَافِ أَنْ يُؤْتَى بِالصِّفَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ بِالِاتِّصَافِ بِهِ فِي وَقْتٍ مَا، لَا دَائِمًا، وَذَكَرَ عُمُومَ فَضْلِهِ وَسَوَّغَهُ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ:
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ، فَأَتَى بِهِ ظَاهِرًا، وَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِي هَذَا التَّكْرِيرِ تَخْصِيصٌ لِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ بِهِمْ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ فَضْلَ اللَّهِ وَلَا يَشْكُرُونَهُ، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ «٣» ، إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «٤» ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ «٥» . انْتَهَى. ذلِكُمُ: أَيِ الْمَخْصُوصُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ التميز بِهَا مِنَ اسْتَجَابَتِهِ لِدُعَائِكُمْ، وَمِنْ جَعْلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَمَا ذَكَرَ، وَمِنْ تَفَضُّلِهِ عَلَيْكُمْ. اللَّهُ رَبُّكُمْ:
الْجَامِعُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْشَاءِ الْأَشْيَاءِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ. فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ هَذِهِ أَوْصَافُهُ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؟ وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَالِقَ بِنَصْبِ الْقَافِ، وَطَلْحَةُ فِي رِوَايَةٍ: يُؤْفَكُونَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَالْجُمْهُورُ: بِضَمِّ الْقَافِ وَتَاءِ الْخِطَابِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَالِقَ نَصْبًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ كَذَلِكَ، أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَ الْجَاحِدِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا امْتَنَّ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، ذَكَرَ أَيْضًا مَا امْتَنَّ بِهِ مِنْ جَعْلِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرًّا وَالسَّمَاءِ بِنَاءً، أَيْ قُبَّةً، وَمِنْهُ أَبْنِيَةُ الْعَرَبِ لِمَضَارِبِهِمْ، لِأَنَّ السَّمَاءَ فِي مَنْظَرِ الْعَيْنِ كَقُبَّةٍ مَضْرُوبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: صُوَرَكُمْ بِضَمِّ الصَّادِ، وَالْأَعْمَشُ، وأبو
стр. 5341
رُزَيْنٍ: بِكَسْرِهَا فِرَارًا مِنَ الضَّمَّةِ قَبْلَ الْوَاوِ اسْتِثْقَالًا، وجمع فعلة بضم الفاء عَلَى فِعَلٍ بِكَسْرِهَا شَاذٌّ، وَقَالُوا قُوَّةٌ وَقِوًى بِكَسْرِ الْقَافِ عَلَى الشُّذُوذِ أَيْضًا قِيلَ: لَمْ يَخْلُقْ حَيَوَانًا أَحْسَنَ صُورَةً مِنَ الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: لَمْ يَخْلُقْهُمْ مَنْكُوسِينَ كَالْبَهَائِمِ، كَقَوْلِهِ: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ «١» . وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: صُورَكُمْ بِضَمِّ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، عَلَى نَحْوِ بُسْرَةٌ وَبُسْرٌ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ: امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يَقُومُ بِأَوْدِ صُوَرِهِمْ وَالطَّيِّبَاتُ الْمُسْتَلَذَّاتُ طَعْمًا وَلِبَاسًا وَمَكَاسِبَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وَقَالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ، ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، ﵇، أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَعْبُدَ أَصْنَامَهُمْ، لَمَّا جَاءَتْهُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّهِ، فَهَذَا نَهْيٌ بِالسَّمْعِ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا بِدَلَائِلِ الْعَقْلِ، فَتَظَافَرَتْ أَدِلَّةُ السَّمْعِ وَأَدِلَّةُ الْعَقْلِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَمِنْ أَدِلَّةِ السَّمْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ «٢» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَذِكْرُهُ أَنَّهُ نَهْيٌ بِالسَّمْعِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنْهِيًّا بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ. وَلَمَّا نُهِيَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بَيَّنَ أَمْرَ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي أَصْنَامُهُمْ عَارِيَةٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا، بِالِاعْتِبَارِ فِي تَدْرِيجِ ابْنِ آدَمَ بِأَنْ ذَكَرَ مَبْدَأَهُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ مِنْ تُرَابٍ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى التَّنَاسُلِ بِخَلْقِهِ مِنْ نُطْفَةٍ، وَالطِّفْلُ اسْمُ جِنْسٍ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ طِفْلًا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بُلُوغِ الْأَشُدِّ. ومِنْ قَبْلُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ شَيْخًا، قِيلَ:
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، إِذَا خَرَجَ سَقْطًا، وَقِيلَ: عِبَارَةٌ بِتَرَدُّدِهِ فِي التَّدْرِيجِ
стр. 5342
الْمَذْكُورِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا قَبْلَ الشَّيْخِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُخْرَجَ طِفْلًا، وَآخَرُ قَبْلَ الْأَشُدِّ، وَآخَرُ قَبْلَ الشَّيْخِ. وَلِتَبْلُغُوا: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ يُبْقِيكُمْ لِتَبْلُغُوا، أَيْ لِيَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَجَلًا مُسَمًّى لَا يَتَعَدَّاهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مَوْتَ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِبْرَةِ وَالْحُجَجِ، إِذَا نَظَرْتُمْ فِي ذَلِكَ وَتَدَبَّرْتُمْ.
وَلَمَّا ذَكَرَ، رُتَبَ الْإِيجَادِ، ذَكَرَ أَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَأَنَّهُ مَتَى تَعَلَّقَتْ إِرَادَتُهُ بِإِيجَادِ شَيْءٍ أَوْجَدَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُمَلِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الْآيَاتِ: أَلَا تَعْجَبُ إِلَى الْمُجَادِلِ فِي آيات الله كيف يصرف عن الجدال فيها ويصير إلى الإيمان بها؟ والظاهر أنها في الكفار المجادلين فِي رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَالْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا، ثُمَّ هَدَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ: هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَرَوَوْا فِي نَحْوِ هَذَا حَدِيثًا وَقَالُوا: هِيَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَيَلْزَمُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَذَّبُوا كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا فِي الْكُفَّارِ، وَيَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. وَأَمَّا عَلَى الظَّاهِرِ، فَالَّذِينَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَنْصُوبًا على الذم، وَإِذْ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى، فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمُسْتَقْبَلُ، كَمَا لَا يَقُولُ: سَأَقُومُ أَمْسُ، فَقِيلَ: إِذَا يَقَعُ مَوْقِعَ إِذْ، وَأَنَّ مَوْقِعَهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَيَكُونُ إِذْ هُنَا بِمَعْنَى إِذَا، وحسن ذلك تقين وُقُوعِ الْأَمْرِ، وَأُخْرِجَ فِي صِيغَةِ الْمَاضِي، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِقْبَالِ. قَالَ النَّخَعِيُّ: لَوْ أَنَّ غُلًّا مِنْ أَغْلَالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ، لَأَرْحَضَهُ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الْمَاءِ الْأَسْوَدِ. وَقَرَأَ: وَالسَّلَاسِلُ عَطْفًا عَلَى الْأَغْلَالُ، يُسْحَبُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَالْمُسِيءُ فِي اخْتِيَارِهِ: وَالسَّلَاسِلَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِ، يُسْحَبُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلَى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ. وَقَرَأَتْ فَرِقَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالسَّلَاسِلِ، بِجَرِّ اللَّامِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلَى تَقْدِيرِ، إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ، فَعَطَفَ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ لَا عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ، إِذْ تَرْتِيبُهُ فِيهِ قَلْبٌ، وَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْعَرَبُ: أَدْخَلْتُ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وَفِي السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِذْ أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ، مَكَانَ قَوْلِهِ: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، لَكَانَ صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا. فَلَمَّا كَانَتَا عِبَارَتَيْنِ مُعْتَقِبَتَيْنِ، حُمِلَ قَوْلُهُ: وَالسَّلاسِلُ عَلَى الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
стр. 5343
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلَا ناعب إِلَّا بِبَيْنِ غُرَابِهَا
كَأَنَّهُ قيل: بمصلحين. وقرىء: وَبِالسَّلَاسِلِ، انْتَهَى، وَهَذَا يُسَمَّى الْعَطْفَ عَلَى التَّوَهُّمِ، وَلَكِنَّ تَوَهُّمَ إِدْخَالِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَى مُصْلِحِينَ أَقْرَبُ مِنْ تَغْيِيرِ تَرْكِيبِ الْجُمْلَةِ بِأَسْرِهَا، وَالْقِرَاءَةُ مِنْ تَغْيِيرِ تَرْكِيبِ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ بِأَسْرِهَا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أحدك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلَبَاتٍ ... وَلَا بَيْدَاءَ نَاجِيَةً زَمُولَا
وَلَا مُتَدَارِكٍ وَاللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبَعْضِ نَوَاشِعِ الْوَادِي حَمُولَا
التَّقْدِيرُ: لست براء ولا متدارك. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ سَبَقَهُمَا إِلَيْهِ الْفَرَّاءُ، قَالَ: مَنْ جَرَّ السَّلَاسِلِ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَعْنَاقُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَالسَّلَاسِلِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ قَرَأَ بِخَفْضِ وَالسَّلَاسِلِ، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: وَفِي السَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْخَفْضُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ جَائِزٍ، لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تُضْمِرَ فِي فَتَقُولُ: زَيْدٌ الدَّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَأْوِيلَ الْفَرَّاءِ، وَخَرَّجَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ قَالَ: كَمَا تَقُولُ: خَاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا الْعَاقِلَيْنِ، بِنَصْبِ الْعَاقِلَيْنِ وَرَفْعِهِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا خَاصَمَهُ صَاحِبُهُ فَقَدْ خَاصَمَهُ الْآخَرُ. انْتَهَى، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَهِيَ مَنْقُولٌ جَوَازُهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْفَانَ الْكُوفِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فاعل مفعول، وقرىء: وَبِالسَّلَاسِلِ يُسْحَبُونَ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ حَمَلَتِ الزَّجَّاجَ عَلَى أن تأويل الْخَفْضَ عَلَى إِضْمَارِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ تَأْوِيلُ شُذُوذٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ وَالسَّلَاسِلَ، وَفَتْحِ يَاءِ يَسْحَبُونَ إِذَا كَانُوا يَجُرُّونَهَا، فَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ، يُكَلَّفُونَ ذَلِكَ وَهُمْ لَا يُطِيقُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ: يُطْرَحُونَ فِيهَا، فَيَكُونُونَ وَقُودًا لَهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُسْجَرُونَ: يُحْرَقُونَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُوقَفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جِهَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُونَ: ضَلُّوا عَنَّا: أَيْ تَلِفُوا مِنَّا وَغَابُوا وَاضْمَحَلُّوا، ثُمَّ تَضْطَرِبُ أَقْوَالُهُمْ وَيَفْزَعُونَ إِلَى الْكَذِبِ فَيَقُولُونَ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نعبد شَيْئًا، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ الِاخْتِلَاطِ فِي الذِّهْنِ وَالنَّظَرِ.
وَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ شَيْئًا، كَمَا تَقُولُ:
حَسِبْتُ أَنَّ فُلَانًا شَيْءٌ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِذَا اخْتَبَرْتَهُ، فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ جَزَاءً، وَقَوْلُهُمْ:
стр. 5344
ضَلُّوا عَنَّا، مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «١» ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ تَقْرِيعِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَهُمْ إِذْ ذَاكَ، أَوْ لَمَّا لَمْ يَنْفَعُوهُمْ قَالُوا: ضَلُّوا عَنَّا، وَإِنْ كَانُوا مَعَهُمْ. كَذلِكَ: أَيْ مِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَبِهَذَا التَّرْتِيبِ، يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ مِثْلَ ضَلَالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهُمْ، يُضِلُّهُمْ عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى لَوْ طَلَبُوا الْآلِهَةَ أَوْ طَلَبَتْهُمُ الْآلِهَةُ لَمْ يَتَصَادَفُوا. ذَلِكُمُ الْإِضْلَالُ بِسَبَبِ مَا كَانَ لَكُمْ مِنَ الْفَرَحِ وَالْمَرَحِ، بِغَيْرِ الْحَقِّ: وهو الشهادة عبادة الْأَوْثَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ. انتهى. وتَمْرَحُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ. انْتَهَى، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا أَيْ إِيمَانًا لَكُمْ هَذَا بِمَا كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ السُّرُورِ بِالْمَعَاصِي وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْأَتْبَاعِ وَالصِّحَّةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ، وَالْمَرَحُ: الْعُدْوَانُ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنِ اللَّهَ يَبْغَضُ الْبَذِخِينَ الْفَرِحِينَ وَيُحِبُّ كل قلب حزين» .
وتفرحون وتمرحون مِنْ بَابِ تَجْنِيسِ التَّحْرِيفِ الْمَذْكُورِ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ فَرْقًا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ.
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها: الظَّاهِرُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا بَعْدَ الْمُحَاوَرَةِ السَّابِقَةِ، وَهُمْ قَدْ كَانُوا فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ يُقَيَّدُ بِالْخُلُودِ، وَهُوَ الثَّوَاءُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، فَلَيْسَ أَمْرًا بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ الَّتِي لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بِالدُّخُولِ يُفِيدُ التَّجْزِئَةَ لِكُلِّ بَابٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ادْخُلُوا مَعْنَاهُ: يُقَالُ لَهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ادْخُلُوا، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَاطَبَةَ إِنَّمَا هِيَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي فِيهِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ. وَأَبْوَابُ جَهَنَّمَ: هِيَ السَّبْعَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى طَبَقَاتِهَا وَأَدْرَاكِهَا السَّبْعَةِ. انْتَهَى.
وخالدين: حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَدَلَّتْ عَلَى الثَّوَاءِ الدَّائِمِ، فَجَاءَ التَّرْكِيبُ: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ: فَبِئْسَ مَدْخَلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، لِأَنَّ نَفْسَ الدُّخُولِ لَا يَدُومُ، فَلَمْ يُبَالِغْ فِي ذَمِّهِ، بِخِلَافِ الثَّوَاءِ الدَّائِمِ.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ، اللَّهُ
стр. 5345
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ.
أَمَرَ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ تَأْنِيسًا لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ، ﵇، فِي غَايَةِ الصَّبْرِ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مَا وَعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ حَقٌّ. قِيلَ: وَجَوَابُ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ فَيُقِرُّ عَيْنَكَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ جَوَابًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ، لِأَنَّ تَرْكِيبَ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الْمَوْعُودِ فِي حَيَاتِكَ، فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَهُوَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ: أَيْ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ، فَنَنْتَقِمُ مِنْهُمْ وَنُعَذِّبُهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوكَ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ «١» ، إِلَّا أَنَّهُ هُنَا صَرَّحَ بِجَوَابِ الشَّرْطَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نَتَوَفَّيَنَّكَ، وَجَزَاءُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَاكَ، أَوْ أَنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنَنْتَقِمُ مِنْهُمْ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ نَحْوُ هَذَا الْبَحْثِ فِي سُورَةِ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ «٢» ، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ، فَيُطَالَعُ هُنَاكَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيْضًا:
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ أَصْلُهُ فَإِنْ نُرِكَ، وَمَا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بِالْفِعْلِ. أَلَا تَرَاكَ لَا تَقُولُ: إِنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ، وَلَكِنْ أَمَا تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ؟ انْتَهَى. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تلازم ما لمزيده، وَنُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ وَالزَّجَّاجِ.
وَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَتَيْتَ بِمَا دُونَ النُّونِ، وَإِنْ شِئْتَ أَتَيْتَ بِالنُّونِ دُونَ مَا. قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ كَمَا أَنَّكَ إِذَا جِئْتَ لَمْ تجىء بِمَا، يَعْنِي لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ مَعَ مَجِيئِكَ بِمَا، ولم تجىء بِمَا مَعَ مَجِيئِكَ بِالنُّونِ. وقرأ الجمهور:
стр. 5346
يُرْجَعُونَ بِيَاءِ الْغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَعْقُوبُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَطَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ، وَيَعْقُوبُ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ حَسَّانَ: بِفَتْحِ تَاءِ الْخِطَابِ.
ثُمَّ رَدَّ تَعَالَى عَلَى الْعَرَبِ فِي إِنْكَارِهِمْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ، وَفِي عَدَدِ الرُّسُلِ اخْتِلَافٌ.
رُوِيَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ من بني إسراءيل، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَرُوِيَ: بَعَثَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ نَبِيٍّ
، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ: أَيْ مَنْ أَخْبَرْنَاكَ بِهِ، أَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ،
وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا أَسْوَدَ فِي الْحَبَشِ، فَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ.
وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَيْهِمْ، لَمَّا اقْتَرَحُوا عَلَى الرُّسُلِ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ لَا تَأْتِي آيَةٌ إِلَّا إِنْ شَاءَ الله، فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: رَدٌّ وَوَعِيدٌ بِإِثْرِ اقتراحهم الآيات، وأمر الله: القيامة. والمبطلون:
المعاندون مقترحون الْآيَاتِ، وَقَدْ أَتَتْهُمُ الْآيَاتُ، فَأَنْكَرُوهَا وَسَمُّوهَا سِحْرًا، أَوْ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: أَيْ أَرَادَ إِرْسَالَ رَسُولٍ وَبَعْثَةَ نَبِيٍّ، قَضَى ذَلِكَ وَأَنْفَذَهُ بِالْحَقِّ، وَخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ، وَحَصَلَ عَلَى فَسَادِ آخِرَتِهِ، أَوْ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: وَهُوَ الْقَتْلُ بِبَدْرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى آيَاتِ اعْتِبَارٍ وَتَعْدَادِ نِعَمٍ فَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ، وَهِيَ ثَمَانِيَةُ الْأَزْوَاجِ، وَيَضْعُفُ قَوْلُ مَنْ أَدْرَجَ فِيهَا الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَقَوْلُ مَنْ خَصَّهَا بِالْإِبِلِ وَهُوَ الزَّجَّاجُ. لِتَرْكَبُوا مِنْها: وَهِيَ الْإِبِلُ، إِذْ لَمْ يُعْهَدْ رُكُوبُ غَيْرِهَا. وَمِنْها تَأْكُلُونَ: عَامٌّ فِي ثَمَانِيَةِ الأزواج، ومن الْأُولَى لِلتَّبْعِيضِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمِنْ الثَّانِيَةُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ الْجَمَلَ مِنْهَا يُؤْكَلُ. انْتَهَى، وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ وَلِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَلَمَّا كَانَ الرُّكُوبُ مِنْهَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْفَعَةً، إِذْ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ. وَذُكِرَ أَيْضًا أَنَّ فِي الْجَمِيعِ مَنَافِعَ مِنْ شُرْبِ لَبَنٍ وَاتِّخَاذِ دِثَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَكَّدَ مَنْفَعَةَ الرُّكُوبِ بِقَوْلِهِ: وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ، وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، وَقَضَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَالْغَزْوِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. وَلَمَّا كَانَ الرُّكُوبُ وَبُلُوغُ الْحَاجَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الِانْتِقَالِ لِأَمْرٍ وَاجِبٍ، أَوْ مَنْدُوبٍ كَالْحَجِّ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، دَخَلَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ عَلَى الرُّكُوبِ وَعَلَى الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مِنْ بُلُوغِ الْحَاجَاتِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ عِلَّةً لِجَعْلِ الْأَنْعَامِ لَنَا. وَلَمَّا كَانَ الْأَكْلُ وَإِصَابَةُ الْمَنَافِعِ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحَاتِ، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عِلَّةً فِي الْجَعْلِ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا نَأْكُلُ، وَلَنَا فِيهَا مَنَافِعُ مِنْ شُرْبِ لَبَنٍ وَاتِّخَاذِ دِثَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا
стр. 5347
أَدْخَلَ لَامَ التَّعْلِيلِ فِي لِتَرْكَبُوهَا، وَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَى الزِّينَةِ فِي قَوْلِهِ: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً «١» .
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا امْتَنَّ بِهِ مِنْ مِنَّةِ الرُّكُوبِ لِلْإِبِلِ فِي الْبَرِّ، ذَكَرَ مَا امْتَنَّ بِهِ مِنْ نِعْمَةِ الرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ: وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ. وَلَمَّا كَانَ الْفُلْكُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: حَمَلَ فِي الْفُلْكِ، كَقَوْلِهِ: احْمِلْ فِيها «٢» ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ حَمَلَ عَلَى الْفُلْكِ، اعْتُبِرَ لَفْظُ عَلَى لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: وَعَلَيْها، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى فِي صحيحا يُرِيكُمْ آياتِهِ
:
أَيْ حُجَجَهُ وَأَدِلَّتَهُ على وحدانيته. أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
: أَيْ إِنَّهَا كَثِيرَةٌ، فَأَيُّهَا يُنْكَرُ؟
أَيْ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي الْعُقُولِ، أَيَّ آياتِ اللَّهِ
منصوب بتنكرون. قال الزمخشري: أَيَّ آياتِ
جَاءَتْ عَلَى اللُّغَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَقَوْلُكَ: فَأَيَّةُ آيَاتِ اللَّهِ قَلِيلٌ، لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ فِي الْأَسْمَاءِ غَيْرِ الصِّفَاتِ نَحْوَ: حِمَارٌ وَحِمَارَةٌ غَرِيبٌ، وَهِيَ فِي أَيَّ أَغْرَبُ لِإِبْهَامِهِ. انْتَهَى، وَمِنْ قِلَّةِ تَأْنِيثِ: أَيٍّ قَوْلِهِ:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ فِي أَيٍّ أَغْرَبُ، إِنْ عَنَى أَيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ فِي النِّدَاءِ أَنْ يُؤَنَّثَ نِدَاءُ الْمُؤَنَّثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ «٣» ، وَلَا يُعْلَمُ مَنْ يُذَكِّرُهَا فِيهِ فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْمَرْأَةُ، إِلَّا صَاحِبُ كِتَابِ الْبَدِيعِ فِي النَّحْوِ. وَإِنْ عَنَى غَيْرَ الْمُنَادَاةِ، فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ، فَقَلَّ تَأْنِيثُهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ وَمَوْصُولَةً، وَمَا فِي قَوْلِهِ:
فَما أَغْنى نَافِيَةٌ شَرْطِيَّةٌ وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَمَا فِيمَا كَانُوا مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَالضَّمِيرُ فِي جاءَتْهُمْ عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
وَجَاءَ قَوْلُهُ: مِنَ الْعِلْمِ عَلَى جِهَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا عِلْمَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا لَهُمْ خَيَالَاتٌ وَاسْتِبْعَادَاتٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ:
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً «٤» ، أَوِ اعْتَقَدُوا أَنَّ عِنْدَهُمْ عِلْمًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا تَزْعُمُ الْفَلَاسِفَةُ. وَالدَّهْرِيُّونَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ، دَفَعُوهُ وَصَغَّرُوا عِلْمَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى عِلْمِهِمْ. وَلَمَّا سَمِعَ سُقْرَاطُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، بِمُوسَى، صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ هَاجَرْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلى من
стр. 5348
يُهَذِّبُنَا. وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ تَكُونُ الضَّمَائِرُ مُتَنَاسِقَةً عَائِدَةً عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ:
الضَّمِيرُ فِي فَرِحُوا، وَفِي بِما عِنْدَهُمْ عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ، أَيْ فَرِحَتِ الرُّسُلُ بِمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ، وَشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، لَمَّا رَأَوْا جَهْلَ مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ وَاسْتِهْزَاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَعَلِمُوا سُوءَ عَاقِبَتِهِمْ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي فَرِحُوا عَائِدٌ عَلَى الْأُمَمِ، وَفِي بِما عِنْدَهُمْ عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ، أَيْ فَرِحَ الْكُفَّارُ بِمَا عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ الْعِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ وَاسْتِهْزَاءٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِنْهَا، أَيْ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، مُبَالَغَةٌ فِي نَفْيِ فَرَحِهِمْ بِالْوَحْيِ الْمُوجِبِ لِأَقْصَى الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ فِي تَهَكُّمٍ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وَخُلُوِّهِمْ من العلم. انتهى. ولا يعبر بِالْجُمْلَةِ الظَّاهِرِ كَوْنِهَا مُثْبَتَةً عَنِ الْجُمْلَةِ الْمَنْفِيَّةِ إِلَّا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْكَلَامِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَلَمَّا آلَ أَمْرُهُ إِلَى الْإِيتَاءِ الْمَحْصُورِ جَازَ. وَأَمَّا فِي الْآيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعَانِي الْجُمَلِ الْمُتَبَايِنَةِ، فَلَا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ: عِلْمُهُمْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَمَعْرِفَتُهُمْ بِتَدْبِيرِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ «١» ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّيَانَاتِ، وَهِيَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِمْ لِبَعْثِهَا عَلَى رَفْضِ الدُّنْيَا وَالظَّلَفِ عَنِ الْمَلَاذِّ وَالشَّهَوَاتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، وَصَغَّرُوهَا وَاسْتَهْزَؤُوا بِهَا، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا عِلْمَ أَنْفَعُ وَأَجْلَبُ لِلْفَوَائِدِ مِنْ عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. انْتَهَى، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ، لَكِنْ فِيهِ إِكْثَارٌ وَشَقْشَقَةٌ. بَأْسَنا: أَيْ عَذَابَنَا الشَّدِيدَ، حَكَى حَالَ مَنْ آمَنَ بَعْدَ تَلْبِيسِ الْعَذَابِ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُ نَافِعًا، وَفِي ذَلِكَ حَضٌّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَتَخْوِيفٌ مِنَ التَّأَنِّي. فَأَمَّا قَوْمُ يُونُسَ، فَإِنَّهُمْ رَأَوُا الْعَذَابَ لَمْ يَلْتَبِسْ بِهِمْ، وَتَقَدَّمَتْ قصتهم. وإيمانهم مرفوع بيك اسْمًا لَهَا، أَوْ فَاعِلُ يَنْفَعُهُمْ. وَفِي يَكُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي فِي: كَانَ يَقُومُ زَيْدٌ، وَدَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى الْكَوْنِ، لَا عَلَى النَّفْيِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، أَيْ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَسْتَقِمْ لِقَوْلِهِ: مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ «٢» . وَتَرَادُفُ هَذِهِ الْفَاءَاتِ، أَمَّا فِي فَما أَغْنى، فَلِأَنَّهُ كَانَ نَتِيجَةَ قَوْلِهِ:
كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ، جَارٍ مَجْرَى الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: فَما أَغْنى عَنْهُمْ. وفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا تَابِعٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَكَفَرُوا بِهِ فَلَمَّا رَأَوْا
стр. 5349
بَأْسَنَا آمَنُوا وَلَمْ يَكُ ينفعهم إيمانهم تابع لإيمانهم لَمَّا رَأَوْا بَأْسَ اللَّهِ، وَانْتَصَبَ سُنَّةَ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، أَيْ أَنَّ مَا فُعِلَ بِهِمْ هِيَ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ وَسَبَقَتْ فِي عِبَادِهِ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْإِعْزَازِ بِهِمْ، وَتَعْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَاسْتِهَانَتِهِمْ وَاسْتِئْصَالِهِمْ بِالْهَلَاكِ، وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْإِيمَانِ حَالَةَ تَلَبُّسِ الْعَذَابِ بِهِمْ. وَهُنَالِكَ ظَرْفُ مَكَانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمَانِ، أَيْ وَخَسِرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْكَافِرُونَ. وَقِيلَ: سُنَّةَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ، أَيِ احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ فِي إِعْدَادِ الرُّسُلِ.
стр. 5350
سورة فصلت
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٥٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)
حَتَّى إِذا مَا جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)
وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩)
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
стр. 5351
الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الْبَارِدَةُ الْمُحْرِقَةُ، كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ، وَيَأْتِي أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ. النَّحْسُ الْمَشْئُومُ: نَقِيضُ السَّعْدِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ حِينٍ أَتَيْتُهُ ... أَسَاعَةَ نَحْسٍ تُتَّقَى أَمْ بِأَسْعُدِ
وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:
أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أَنَّ إِخْوَتَهُمْ ... طَيًّا وَبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ
التَّقْيِيضُ: تَهْيِئَةُ الشَّيْءِ وَتَيْسِيرُهُ، وَهَذَانِ ثَوْبَانِ قَيِّضَانِ، إِذَا كَانَا مُتَكَافِئَيْنِ فِي الثَّمَنِ، وَقَايِضْنِي بِهَذَا الثَّوْبِ: أَيْ خُذْهُ وَأَعْطِنِي به بدله، والمقايضة: المعاوضة. الْأَكْمَامُ، وَاحِدُهَا كُمٌّ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَسْرِ الْكَافِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مَا يُغَطِّي الثَّمَرَةَ لِجَفِّ الطَّلْعَةِ، وَمَنْ قَالَ فِي الْجَمْعِ أَكِمَّةٌ، فَالْوَاحِدُ كِمَامٌ. الْآفَاقُ: النَّوَاحِي، وَاحِدُهَا أُفُقٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَوْ نَالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ ... أُفُقِ السَّمَاءِ لَنَالَتْ كَفُّهُ الْأُفُقَا
حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
стр. 5352
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا، أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ مَا قَبْلَهَا: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ «١» إِلَى آخِرِهَا، فَضَمَّنَ وَعِيدًا وَتَهْدِيدًا وَتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ، فَأَتْبَعَ ذَلِكَ التَّقْرِيعَ وَالتَّوْبِيخَ وَالتَّهْدِيدَ بِتَوْبِيخٍ آخَرَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ نَزَّلَ كِتَابًا مُفَصَّلًا آيَاتُهُ، بَشِيرًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَنَذِيرًا لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَنَّ أَكْثَرَ قُرَيْشٍ أَعْرَضُوا عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَةَ الْإِلَهِ عَلَى إِيجَادِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً، فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مُنَاسِبًا لِآخِرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ مِنْ عَدَمِ انْتِفَاعِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ حِينَ الْتَبَسَ بِهِمُ الْعَذَابُ، وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ حَلَّ بِصَنَادِيدِهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالنَّهْبِ وَالسَّبْيِ، وَاسْتِئْصَالِ أَعْدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا حَلَّ بِعَادٍ وَثَمُودَ مِنَ اسْتِئْصَالِهِمْ.
رُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِيُعَظِّمَ عَلَيْهِ أَمْرَ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، وَلِيُقَبِّحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلِيُبْعِدَ مَا جَاءَ بِهِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ عُتْبَةُ، قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
حم، وَمَرَّ فِي صَدْرِهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، فَأَرْعَدَ الشَّيْخُ وَوَقَفَ شَعْرُهُ، فَأَمْسَكَ عَلَى فَمِ رسول الله ﷺ بِيَدِهِ، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ أَنْ يُمْسِكَ، وَقَالَ حِينَ فَارَقَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسَّحَرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ، وَلَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ صَاعِقَةَ الْعَذَابِ عَلَى رَأْسِي.
تَنْزِيلٌ، رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا تَنْزِيلٌ عِنْدَ الْفَرَّاءِ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كِتابٌ فُصِّلَتْ، عِنْدَ الزَّجَّاجِ وَالْحَوْفِيِّ، وَخَبَرٌ حم إِذَا كَانَتِ اسما للسورة، وكتاب عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ بَدَلٌ مِنْ تَنْزِيلٌ.
قِيلَ: أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. فُصِّلَتْ آياتُهُ، قَالَ السُّدِّيُّ: بُيِّنَتْ آيَاتُهُ، أَيْ فُسِّرَتْ مَعَانِيهِ، فَفُصِلَ بَيْنَ حَرَامِهِ وَحَلَالِهِ، وَزَجْرِهِ وَأَمْرِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. وَقِيلَ: فُصِّلَتْ فِي التَّنْزِيلِ: أي
стр. 5353
لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً. قَالَ الْحَسَنُ: بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَيْنَ محمد ﷺ ، وَمَنْ خَالَفَهُ. وَقِيلَ: فُصِّلَتْ بِالْمَوَاقِفِ وَأَنْوَاعِ، أَوَاخِرِ الْآيِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى قَافِيَةٍ وَلَا نَحْوِهَا، كَالشِّعْرِ وَالسَّجْعِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: مُيِّزَتْ آيَاتُهُ، وَجُعِلَ تَفَاصِيلَ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُهَا فِي وَصْفِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرْحِ صِفَاتِ التَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ، وَشَرْحِ كَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَعَجَائِبِ أَحْوَالِ خَلْقِهِ السموات وَالْكَوَاكِبِ، وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَعَجَائِبِ أَحْوَالِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ وَبَعْضُهَا فِي أَحْوَالِ التَّكَالِيفِ الْمُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ الْقَلْبِ وَنَحْوَ الْجَوَارِحِ، وَبَعْضُهَا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَدَرَجَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَدَرَكَاتِ أَهْلِ النَّارِ وَبَعْضُهَا فِي الْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ وَبَعْضُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَرِيَاضَةِ النَّفْسِ وَبَعْضُهَا فِي قَصَصِ الْأَوَّلِينَ وَتَوَارِيخِ الْمَاضِينَ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَمَنْ أَنْصَفَ، عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ كِتَابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَبَايِنَةِ مِثْلُ مَا في القرآن. انتهى.
وقرىء: فَصَلَتْ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالصَّادُ مُخَفَّفَةٌ، أَيْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَوْ فَصَلَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ بِاخْتِلَافِ مَعَانِيهَا، مِنْ قَوْلِهِ: فَصَلَتِ الْعِيرُ «١» : أَيِ انْفَصَلَتْ، وَفَصَلَ مِنَ الْبَلَدِ: أَيِ انْفَصَلَ مِنْهُ، وَانْتَصَبَ قُرْآناً عَلَى أَنَّهُ حَالٌ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ، لِأَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ، أَوْ تَوْطِئَةٌ لِلْحَالِ بَعْدَهُ، وَهِيَ عَرَبِيًّا، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ يَقْرَؤُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالْمَدْحِ. وَمَنْ جَعَلَهُ حَالًا فَقِيلَ: ذُو الْحَالِ آيَاتُهُ، وَقِيلَ: كِتَابٌ، لِأَنَّهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: فُصِّلَتْ آياتُهُ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَصَّلْنَاهُ قُرْآنًا، أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِفُصِّلَتْ، أَقْوَالٌ سِتَّةٌ آخرها للأخفش. ولِقَوْمٍ متعلق بفصلت، أَيْ يَعْلَمُونَ الْأَشْيَاءَ، وَيَعْقِلُونَ الدَّلَائِلَ، فَكَأَنَّهُ فُصِّلَ لِهَؤُلَاءِ، إِذْ هُمْ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَّفْصِيلِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ لَهُ وَيَبْعُدُ أن يتعلق بتنزيل لِكَوْنِهِ وُصِفَ فِي أَحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الرَّحْمَنِ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أَوْ أُبْدِلَ مِنْهُ كِتَابٌ، أَوْ كَانَ خَبَرَ التَّنْزِيلِ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْبَدَلَ مِنَ الْمَوْصُولِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مُتَعَلِّقَهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: لِقَوْمٍ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: عَرَبِيًّا، أَيْ كَائِنًا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أَلْفَاظَهُ وَيَتَحَقَّقُونَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نَمَطِ كَلَامِهِمْ، وَكَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَانْتَصَبَ بَشِيراً وَنَذِيراً على النعت لقرآنا عَرَبِيًّا، وَقِيلَ: حَالٌ مِنْ آيَاتُهُ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بشير
стр. 5354
وَنَذِيرٌ بِرَفْعِهِمَا عَلَى الصِّفَةِ لِكِتَابٍ، أَوْ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَبِشَارَتُهُ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ آمَنَ، وَنِذَارَتُهُ بِالنَّارِ لِمَنْ كَفَرَ. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ: أَيْ أَكْثَرُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، أَيْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنْ لَمْ يَنْظُرُوا النَّظَرَ التَّامَّ، بَلْ أَعْرَضُوا، فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، أَوْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِالْمَقَالَةِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ قُلُوبِهِمْ، وَالنَّاسِ مِنْ رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ وَمِنْ سَمَاعِهِمْ لِمَا يَتْلُوهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى، حِكَايَةً عَنْهُمْ: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَبَهِ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ: وِقْرٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَهَذِهِ تَمْثِيلَاتٌ لِامْتِنَاعِ قَبُولِ الْحَقِّ، كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي غِلَافٍ، كَمَا قَالُوا: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ «١» ، وَكَأَنَّ أَسْمَاعَهُمْ عِنْدَ ذِكْرِ كَلَامِ اللَّهِ بِهَا صَمَمٌ. وَالْحِجَابُ: السِّتْرُ الْمَانِعُ مِنَ الْإِجَابَةِ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي الدِّينِ، لِأَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، قَالَ مَعْنَاهُ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ.
وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا جَهْلٍ اسْتَغْشَى عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجَابٌ، اسْتِهْزَاءً مِنْهُ.
وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ بِعَدَمِ الْإِجَابَةِ. وَقِيلَ: عبارة عن العداوة. ومن فِي مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَكَذَا فِي وَمِنْ بَيْنِنا. فَالْمَعْنَى أَنَّ الْحِجَابَ ابْتَدَأَ مِنَّا وَابْتَدَأَ مِنْكَ، فَالْمَسَافَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ لِجِهَتِنَا وَجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالْحِجَابِ، لَا فَرَاغَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِمِنْ لَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ حِجَابًا حَاصِلٌ وَسَطَ الْجِهَتَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ بِالتَّبَايُنِ الْمُفْرِطِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِمِنْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا قِيلَ: عَلَى قُلُوبِنَا أَكِنَّةٌ، كَمَا قِيلَ:
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، لِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ؟ قُلْتُ: هُوَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِكِ: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ «٢» . وَلَوْ قِيلَ: إِنَّا جَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ فِي أَكِنَّةٍ، لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَعْنَى، وَتَرَى الْمَطَابِيعَ مِنْهُمْ لَا يُرَاعُونَ الطِّبَاقَ وَالْمُلَاحَظَةَ إِلَّا فِي الْمَعَانِي، وَتَقُولُ: إِنَّ فِي أَبْلَغُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ عَلَى، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إِفْرَاطَ عَدَمِ الْقَبُولِ، لِحُصُولِ قُلُوبِهِمْ فِي أَكِنَّةٍ احْتَوَتْ عَلَيْهَا احْتِوَاءَ الظَّرْفِ عَلَى الْمَظْرُوفِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا شَيْءٌ. كَمَا تَقُولُ: الْمَالُ فِي الْكِيسِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: عَلَى الْمَالِ كِيسٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَعَدَمِ الْحُصُولِ دَلَالَةَ الْوِعَاءِ.
وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنا، فَهُوَ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُبَالَغَةٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ. وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وَتَرَى الْمَطَابِيعَ، يَعْنِي مِنَ الْعَرَبِ وَشُعَرَائِهِمْ، وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي شِعْرِ حَبِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَحْسِنْ بَعْضُهُمْ كَثْرَةَ صَنْعَةِ الْبَدِيعِ فِيهِ قَالُوا: وَأَحْسَنُهُ مَا جَاءَ
стр. 5355
مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي هَلَاكِنَا إِنَّا عَامِلُونَ فِي هَلَاكِكَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اعْمَلْ لِإِلَهِكَ الَّذِي أَرْسَلَكَ، فَإِنَّنَا عَامِلُونَ لِآلِهَتِنَا الَّتِي نَعْبُدُهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
اعْمَلْ عَلَى مُقْتَضَى دِينِكَ، وَنَحْنُ نَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى دِينِنَا، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ، فَإِنَّا نَعْمَلُ لِدُنْيَانَا. وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ مَحَلَّ الْمَعْرِفَةِ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ مُعِينَانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَعَارِفِ، ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَحْجُوبَةٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا مِمَّا يُلْقِيهِ الرَّسُولُ شَيْءٌ. وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُمْ: فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ، أَيْ تَكُونُ مُتَارَكَةً مَحْضَةً، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِخْفَافًا. قُلْ إِنَّما، يُوحى إِلَيَّ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: قُلْ عَلَى الْأَمْرِ، وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ:
قَالَ فعلا ماضي، وَهَذَا صَدْعٌ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ. وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ وَالْأَعْمَشُ: يُوحِي بِكَسْرِ الْحَاءِ وَالْجُمْهُورُ: بِفَتْحِهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ لَا مَلَكٌ، لَكِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ دُونَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَّمَهُ تَعَالَى التَّوَاضُعَ، وَأَنَّهُ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَرَفْضِ آلِهَتِكُمْ. فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ: أَيْ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الدِّينِ وَالْعَمَلِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ: وَاسْأَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ، إذا هِيَ رَأَسُ الْعَمَلِ الَّذِي بِحُصُولِهِ تَزُولُ التَّبِعَاتُ. وَضَمَّنَ اسْتَقِيمُوا مَعْنَى التَّوَجُّهِ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّى بِإِلَى، أَيْ وَجِّهُوا اسْتِقَامَتَكُمْ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَقْلُ نَاطِقًا بِأَنَّ السَّعَادَةَ مَرْبُوطَةٌ بِأَمْرَيْنِ:
التَّعْظِيمِ لِلَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِهِ، ذَكَرَ أَنَّ الْوَيْلَ وَالثُّبُورَ وَالْحُزْنَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُعَظِّمُوا اللَّهَ فِي تَوْحِيدِهِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ، وَلَمْ يُشْفِقُوا عَلَى خَلْقِهِ بِإِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ، وَأَضَافُوا إِلَى ذَلِكَ إِنْكَارَ الْبَعْثِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ، قَالَ: كَانُوا يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَلَا يُزَكُّونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَقِيلَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تُطْعِمُ الْحَاجَّ وَتَحْرِمُ مَنْ آمَنْ مِنْهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْضًا: الْمَعْنَى لَا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكَاةِ، وَلَا يُقِرُّونَ بِهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: لَا يُزَكُّونَ أَعْمَالَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ: الزَّكَاةُ هُنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ التَّوْحِيدُ، كَمَا قَالَ مُوسَى ﵇ لِفِرْعَوْنَ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى «١» ، ويرجع هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ أَوَّلِ الْمَكِّيِّ، وَزَكَاةُ الْمَالِ إِنَّمَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: وَإِنَّمَا هَذِهِ زَكَاةُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، أَيْ تَطْهِيرٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّكَاةُ هُنَا النَّفَقَةُ فِي الطَّاعَةِ. انْتَهَى. وَإِذَا كَانَتِ الزَّكَاةُ الْمُرَادُ بِهَا إِخْرَاجُ الْمَالِ، فَإِنَّمَا قُرِنَ بِالْكُفْرِ، لِكَوْنِهَا شَاقَّةً بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَحْبُوبُ الطِّبَاعِ وَشَقِيقُ الْأَرْوَاحِ حَثًّا عَلَيْهَا. قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ:
وَقَالُوا شَقِيقُ الرُّوحِ مَالُكُ فَاحْتَفِظْ ... بِهِ فَأَجَبْتُ الْمَالُ خَيْرٌ من الروح
стр. 5356
أَرَى حِفْظَهُ يُفْضِي بِتَحْسِينِ حَالَتِي ... وَتَضْيِيعَهُ يُفْضِي لِتَسْآلٍ مَقْبُوحٍ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى إِذَا عَجَزُوا عَنْ إِكْمَالِ الطَّاعَاتِ، كُتِبَ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ كَأَصَحِّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَالْمَمْنُونُ: الْمَنْقُوصُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﵁. قَالَ ذُو الْأَصْبَغِ الْعَدْوَانِيُّ:
إِنِّي لَعَمْرُكَ مَا بَابِي بِذِي غَلَقٍ ... عَلَى الصَّدِيقِ وَلَا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَضْلُ الْجَوَادِ عَلَى الْخَيْلِ الْبِطَاءِ فَلَا ... يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا وَلَا نَزِقَا
وَقِيلَ: لَا يُمَنُّ بِهِ لِأَنَّ أُعْطِيَاتِ اللَّهِ تَشْرِيفٌ، وَالْمَنُّ إِنَّمَا يَدْخُلُ أُعْطِيَاتِ الْبَشَرِ. وَقِيلَ:
لا بمن بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بِمَنِّ التَّفْضِيلِ، فَأَمَّا الْآخَرُ فَحَقٌّ أَدَاؤُهُ، نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ. قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ: اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَتَشْنِيعٍ عليهم، يكفر مَنْ أَوْجَدَ الْعَالَمَ سُفْلِيَّهُ وَعُلْوِيَّهُ، وَوَصَفَ صُورَةَ خَلْقِ ذَلِكَ وَمُدَّتَهُ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْخَلْقِ فِي مُدَّةٍ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُوجِدَ ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. فَذَكَرَ تَعَالَى إِيجَادَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ مَا ابْتُدِئَ فِيهِ الْخَلْقُ، وَمَا خُلِقَ مَرَتَّبًا. وَمَعْنَى فِي يَوْمَيْنِ: فِي مِقْدَارِ يَوْمَيْنِ. وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً: أَيْ أَشْبَاهًا وَأَمْثَالًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْأَصْنَامِ يَعْبُدُونَهَا دُونَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ:
أَكْفَاءٌ مِنَ الرِّجَالِ يُطِيعُونَهُمْ، وَتَجْعَلُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى لَتَكْفُرُونَ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُقْتَضِي الْإِنْكَارَ وَالتَّوْبِيخَ، ذلِكَ أَيْ مُوجِدُ الْأَرْضِ وَمُخْتَرِعُهَا، رَبُّ الْعالَمِينَ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي جَعَلْتُمْ لَهُ وَغَيْرِهِمْ.
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: إِخْبَارٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَلَيْسَ مِنَ الصِّلَةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَتَكْفُرُونَ. وَبارَكَ فِيها: أَكْثَرَ فِيهَا خَيْرَهَا. وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها: أَيْ أَرْزَاقَ سَاكِنِيهَا وَمَعَايِشَهُمْ، وَأَضَافَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ هِيَ فِيهَا وَعَنْهَا بَرَزَتْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَقْوَاتَهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالصُّخُورِ وَالْمَعَادِنِ، وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْأَرْضِ وَمَصَالِحُهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَقْوَاتَهَا مِنَ الْمَطَرِ وَالْمِيَاهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: خَصَائِصُهَا الَّتِي قَسَّمَهَا فِي الْبِلَادِ مِمَّا خَصَّ بِهِ كُلَّ إِقْلِيمٍ، فَيَحْتَاجُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي التفوّت مِنَ الْمَلَابِسِ وَالْمَطَاعِمِ وَالنَّبَاتِ. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: أَيْ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِالْيَوْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فذلكة لِمُدَّةِ خَلْقِ
стр. 5357
اللَّهِ وَمَا فِيهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ مُسْتَوِيَةٍ بِلَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِي تَتِمَّةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يُرِيدُ بِالتَّتِمَّةِ الْيَوْمَيْنِ. انْتَهَى، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: بَنَيْتُ جِدَارَ بَيْتِي فِي يَوْمٍ، وَأَكْمَلْتُ جَمِيعَهُ فِي يَوْمَيْنِ، أَيْ بِالْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: وَيُفْقَهُ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي أربعة أيام فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي يَوْمَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي يَوْمَيْنِ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ. أَمَّا لَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ الْأَرْضِ وَخَلْقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ قَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً، دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ مُسْتَغْرَقَةٌ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ. انْتَهَى. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ وَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةٌ تَقْتَضِي الاستغراق، وكذلك اليومين يَقْتَضِيَانِهِ، وَمَتَى كَانَ الظَّرْفُ مَعْدُودًا، كَانَ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِهِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ، نَحْوَ: سِرْتُ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا، نَحْوَ: تَهَجَّدْتُ لَيْلَتَيْنِ، فَاحْتُمِلَ الِاسْتِغْرَاقُ، وَاحْتُمِلَ فِي بَعْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّيْلَتَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ الْخَلْقُ لِلْأَرْضِ فِي بَعْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْيَوْمَيْنِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يكون اليومين مُسْتَغْرِقَيْنِ لِخَلْقِهَا، فَكَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَحْتِمَلُ الِاسْتِغْرَاقَ، وَأَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالْبَرَكَةِ وَتَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ وَقَعَ فِي بَعْضِ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، فَمَا قَالَه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ لَمْ تَظْهَرْ بِهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَوَاءً بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ: أَيْ هُوَ سَوَاءٌ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَعِيسَى وَيَعْقُوبُ: بِالْخَفْضِ نَعْتًا لِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ سَوَاءً لِمَنْ سَأَلَ عَنِ الْأَمْرِ وَاسْتَفْهَمَ عَنْ حَقِيقَةِ وُقُوعِهِ وَأَرَادَ الْعِبْرَةَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَجِدُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ: مَعْنَاهُ مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ أَمْرُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَنَفْعُهَا لِلْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا مِنَ الْبَشَرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّائِلِينَ عَنِ الطَّالِبِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ وَلَا بُدَّ طَلَبُ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، إِذْ هُمْ بِحَالِ حَاجَةٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: لِلسَّائِلِينَ؟ قُلْتُ: بِمَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ هَذَا الْحَصْرُ لِأَجْلِ مَنْ سَأَلَ فِي كَمْ خُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، أَوْ يُقَدِّرُ، أَوْ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا لِأَجْلِ الطَّالِبِينَ لَهَا الْمُحْتَاجِينَ الْمُقْتَاتِينَ. انْتَهَى، وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَلَمَّا شَرَحَ تَخْلِيقَ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا، أَتْبَعَهُ بِتَخْلِيقِ السَّمَاءِ فَقَالَ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: أَيْ قَصَدَ إِلَيْهَا وَتَوَجَّهَ دُونَ إِرَادَةِ تَأْثِيرٍ فِي غَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى: إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَادَّةَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا السَّمَاءُ كَانَتْ دُخَانًا. وَفِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي يَزْعُمُ الْيَهُودُ أَنَّهُ التَّوْرَاةُ إِنَّ عَرْشَهُ تَعَالَى كَانَ عَلَى الماء قبل خلق السموات وَالْأَرْضِ، فَأَحْدَثَ اللَّهُ فِي
стр. 5358
ذَلِكَ سُخُونَةً، فَارْتَفَعَ زَبَدٌ وَدُخَانٌ، أَمَّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ الْيُبُوسَةَ وَأَحْدَثَ مِنْهُ الْأَرْضَ وَأَمَّا الدُّخَانُ فَارْتَفَعَ وَعَادَ فَخَلَقَ اللَّهُ منه السموات. وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ أَجْزَاءٍ مُظْلِمَةٍ. انْتَهَى. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ جِسْمًا رِخْوًا كَالدُّخَانِ أَوِ الْبُخَارِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنَا لَفْظٌ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَتَقْدِيرُهُ: فَأَوْجَدَهَا وَأَتْقَنَهَا وَأَكْمَلَ أُمُورَهَا، وَحِينَئِذٍ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا. انتهى، فجعل ابن عطية هذه المحاورة بين الباري تعالى والأرض والسماء بعد خلق الأرض والسماء، وَرُجِّحَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمَا نَطَقَتَا نُطْقًا حَقِيقِيًّا، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا حَيَاةً وَإِدْرَاكًا يَقْتَضِي نُطْقَهُمَا، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُمَا عَنِ اخْتِيَارِ الطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ، قَالَ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ يَدْفَعُهُ، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ أَتَمُّ، وَالْقُدْرَةَ فِيهِ أَظْهَرُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَعْنِي أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِالْإِتْيَانِ وَامْتِثَالُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ تَكْوِينَهُمَا، فَلَمْ يَمْتَنِعَا عَلَيْهِ، وَوُجِدَتَا كَمَا أَرَادَهُمَا، وَجَاءَتَا فِي ذَلِكَ كالمأمور المطيع، إذ أورد عَلَيْهِ فِعْلُ الْآمِرِ فِيهِ. عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَقَالَ لَهُمَا: ائْتِيا، شِئْتُمَا ذَلِكَ أَوْ أَبَيْتُمَا، فَقَالَتَا: آتَيْنَا عَلَى الطَّوْعِ لَا عَلَى الْكُرْهِ. وَالْغَرَضُ تَصْوِيرُ أَثَرِ قُدْرَتِهِ فِي الْمَقْدُورَاتِ لَا غَيْرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَقِّقَ شَيْءٌ مِنَ الْخِطَابِ وَالْجَوَابِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: قَالَ الْجِدَارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي؟ قَالَ الْوَتِدُ: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي، فَلَمْ يَتْرُكْنِي وَرَاءَ الْحَجَرِ الَّذِي وَرَائِي. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ ذَكَرَ السَّمَاءَ مَعَ الْأَرْضِ وَانْتَظَمَهُمَا فِي الْأَمْرِ بِالْإِتْيَانِ، وَالْأَرْضُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ السَّمَاءِ بِيَوْمَيْنِ؟ قُلْتُ: قَدْ خَلَقَ جَرْمَ الْأَرْضِ أَوَّلًا غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ دَحَاهَا بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «١» ، فَالْمَعْنَى: ائْتِيَا عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْتِيَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ وَالْوَصْفِ ائْتِ يَا أَرْضُ مَدْحُوَّةً قَرَارًا وَمِهَادًا لِأَهْلِكِ، وَائْتِ يَا سَمَاءُ مُقَبَّبَةً سَقْفًا لَهُمْ. وَمَعْنَى الْإِتْيَانِ: الْحُصُولُ وَالْوُقُوعُ، كَمَا يَقُولُ: أَتَى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لِتَأْتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا الْإِتْيَانَ الَّذِي أُرِيدُهُ وَتَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، وَالتَّدْبِيرُ مِنْ كَوْنِ الْأَرْضِ قَرَارًا لِلسَّمَاءِ، وَكَوْنِ السَّمَاءِ سَقْفًا لِلْأَرْضِ، وَيَنْصُرُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: أَتَيَا وأتينا مِنَ الْمُوَاتَاةِ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ، أَيْ لِتُوَاتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ أُخْتَهَا وَلْتُوَافِقْهَا، قَالَتَا: وَافَقْنَا وَسَاعَدْنَا.
وَيَحْتَمِلُ وَافِقَا أَمْرِي وَمَشِيئَتِي وَلَا تَمْتَنِعَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؟ قُلْتُ: هُوَ مَثَلٌ لِلُزُومِ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فِيهِمَا، وَأَنَّ امْتِنَاعَهُمَا مِنْ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ مُحَالٌ، كَمَا يَقُولُ الْجَبَّارُ لِمَنْ يُحِبُّ
стр. 5359
بَلْوَهُ: لَتَفْعَلَنَّ هَذَا شِئْتَ أَوْ أَبَيْتَ، وَلَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. وَانْتِصَابُهُمَا عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا قِيلَ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظِ أَوْ طَائِعَتَانِ عَلَى الْمَعْنَى لأنهما سموات وَأَرَضُونَ؟ قُلْتُ: لَمَّا جُعِلَتْ مُخَاطَبَاتٍ وَمُجِيبَاتٍ، وَوُصِفَتْ بِالطَّوْعِ وَالْكَرْهِ، قِيلَ: طَائِعِينَ فِي مَوْضِعِ طَائِعَاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: سَاجِدِينَ. انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ائْتِيَا مِنَ الْإِتْيَانِ، أَيِ ائْتِيَا أَمْرِي وَإِرَادَتِي. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جبير وَمُجَاهِدٌ: أَتَيَا عَلَى وَزْنِ فَعَلَا، قَالَتَا: أَتَيْنَا عَلَى وَزْنِ فَعَلْنَا، مِنْ آتَى يُؤْتِي، كَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: وَذَلِكَ بِمَعْنَى أَعْطِيَا مِنْ أَنْفُسِكُمَا مِنَ الطَّاعَةِ مَا أَرَدْتُهُ مِنْكُمَا، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا كُلِّهِ إِلَى تَسْخِيرِهَا وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِهَا. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُوَاتَاةِ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ، فَيَكُونُ وَزْنُ آتِيَا: فَاعِلَا، وَآتَيْنَا: فَاعَلْنَا، وَتَقَدَّمَهُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ قَالَ: آتَيْنَا بِالْمَدِّ عَلَى فَاعَلْنَا مِنَ الْمُوَاتَاةِ، وَمَعْنَاهُ: سَارَعْنَا عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِيتَاءِ الَّذِي هُوَ الْإِعْطَاءُ لِبُعْدِ حَذْفِ مَفْعُولِهِ. انْتَهَى. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: أَوْ كُرْهًا بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لُغَةٌ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَوْقُوعِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَاعِيَةِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْكُرْهَ بِالضَّمِّ مَعْنَاهُ الْمَشَقَّةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ قَالَتَا، أَرَادَ الْفِرْقَتَيْنِ المذكورتين: جعل السموات سَمَاءً، وَالْأَرَضِينَ أَرْضًا، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَوْمِي ... وَقَوْمِكَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا
وَعَبَّرَ عَنْهَا بِتَبَايَنَتَا. انْتَهَى. هَذَا وَلَيْسَ كَمَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَرْضِ مُفْرَدَةً وَالسَّمَاءُ مُفْرَدٌ لِحُسْنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَالْبَيْتُ هُوَ مِنْ وَضْعِ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ حَبْلِي قَوْمِي وَقَوْمُكَ؟ وَلِذَلِكَ ثَنَّى فِي قَوْلِهِ: تَبَايَنَتَا، وَأَنَّثَ عَلَى مَعْنَى الْحَبْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ الْحَبْلَ حَقِيقَةً، إِنَّمَا عَنَى بِهِ الذِّمَّةَ وَالْمَوَدَّةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَوْمِهِمَا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَبَارَكَ فِيهَا، ثُمَّ أَوْجَدَ السَّمَاءَ مِنَ الدُّخَانِ فسواها سبع سموات، فَيَكُونُ خَلْقُ الْأَرْضِ مُتَقَدِّمًا عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، وَدَحْوُ الْأَرْضِ غَيْرُ خَلْقِهَا، وَقَدْ تَأَخَّرَ عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنْ جَعْلَ الرَّوَاسِيَ فِيهَا وَالْبَرَكَةَ. وَتَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَارَتِ الْأَرْضُ مَوْجُودَةً. وَقَوْلُهُ: وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ فِيهَا، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا مُنْبَسِطَةً. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، فَاقْتَضَى خَلْقَ السَّمَاءِ بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَدَحْوِهَا. وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى لِلسَّمَاءِ
стр. 5360
وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، كِنَايَةٌ عَنْ إِيجَادِهِمَا، فَلَوْ سَبَقَ إِيجَادُ الْأَرْضِ عَلَى إِيجَادِ السَّمَاءِ لَاقْتَضَى إِيجَادَ الْمَوْجُودِ بِأَمْرِهِ لِلْأَرْضِ بِالْإِيجَادِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَقَدِ انْتَهَى هَذَا الْإِيرَادُ.
وَنَقَلَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ، فَأَضْمَرَ فِيهِ كَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ «١» مَعْنَاهُ: إِنْ يَكُنْ سَرَقَ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: فَقُدِّرَ ثُمَّ كَانَ قَدِ اسْتَوَى جَمْعٌ بَيْنَ ضِدَّيْنِ، لِأَنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأَخُّرَ، وَكَانَ تَقْتَضِي التَّقَدُّمَ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُفِيدُ التَّنَاقُضَ، وَنَظِيرُهُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا الْيَوْمَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا أَمْسَ. فَكَمَا أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، فَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ يَعْنِي مِنْ تَأْوِيلِ ثُمَّ كَانَ قَدِ اسْتَوَى، قَالَ:
وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: خَلْقُ السَّمَاءِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ. وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ أَنَّ الْخَلْقَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ التَّكْوِينِ، وَالْإِيجَادِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلِهِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «٢» ، وَهَذَا مُحَالٌ، لَا يُقَالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي وُجِدَ كُنْ، بَلِ الْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وَهُوَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى حُكْمُهُ أَنْ سَيُوجَدَ، وَقَضَاؤُهُ بِذَلِكَ بِمَعْنَى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَقَضَاؤُهُ بِأَنْ سَيَحْدُثَ كَذَا، أَيْ مُدَّةَ كَذَا، لَا يَقْتَضِي حُدُوثُهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ، فَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيمُ إِحْدَاثِ الْأَرْضِ عَلَى إِحْدَاثِ السَّمَاءِ. انْتَهَى.
وَالَّذِي نَقُولُهُ: أَنَّ الْكُفَّارَ وَبَّخُوا وَقَرَّعُوا بِكُفْرِهِمْ بِمَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ جَمِيعُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ زَمَانِيٍّ، وَأَنَّ ثُمَّ لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الزَّمَانِ، وَالْمُهْلَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَالَّذِي أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا، ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا تَعَرُّضَ فِي الْآيَةِ لِتَرْتِيبٍ، أَيْ ذَلِكَ وَقَعَ التَّرْتِيبُ الزَّمَانِيُّ لَهُ. وَلَمَّا كَانَ خَلْقُ السَّمَاءِ أَبْدَعَ فِي الْقُدْرَةِ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ، أَلَّفَ الْأَخْبَارَ فِيهِ بثم، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا «٣» بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ «٤» . وَمِنْ تَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ «٥» بَعْدَ قَوْلِهِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ «٦» . وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ، بَعْدَ إِخْبَارِهِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ، تَصْوِيرًا لِخَلْقِهِمَا عَلَى وَفْقِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى، كَقَوْلِكَ: أَرَأَيْتَ الَّذِي أَثْنَيْتَ عَلَيْهِ فَقُلْتَ إِنَّكَ عَالِمٌ صَالِحٌ؟ فَهَذَا تَصْوِيرٌ لِمَا أَثْنَيْتَ بِهِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ. فَكَذَلِكَ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ خَلَقَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَحَدَّ ذَلِكَ إِيجَادًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عن إرادته. ويدل
следующие страницы →