Полный текст (6 210 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: بِخِلَافٍ عَنْهُمَا
، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّلَمِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: أَوْ أَثَرَةٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ، جَمْعُهَا أُثُرٌ كَقَتَرَةٍ وَقُتُرٍ
وَعَلِيٌّ، وَالسُّلَمِيُّ، وَقَتَادَةُ أَيْضًا: بِإِسْكَانِ الثَّاءِ
، وَهِيَ الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ مِمَّا يُؤْثَرُ، أَيْ قَدْ قَنِعْتُ لَكُمْ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ وَأَثَرٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ: ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ الثَّاءِ. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ عَلَى لُغَةٍ أُخْرَى: إِثْرَةٌ وَأُثْرَةٌ يَعْنِي بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا.
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَهِيَ جَمَادٌ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِمْ مَا دَامَتِ الدُّنْيَا، أَيْ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ أبدا، ولذلك غيا انْتِفَاءُ اسْتِجَابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا شُعُورَ لَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَعْدَاءٌ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِهِمْ نَفْعٌ، وَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ ضَرَرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا «١» . وَجَاءَ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ، لِأَنَّهُمْ يُسْنِدُونَ إِلَيْهِمْ مَا يُسْنَدُ لِأُولِي الْعِلْمِ من الاستجابة والغفلة أو كأن مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ، يُرَادَ بِهِ مَنْ عَبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَغُلِّبَ مَنْ يَعْقِلُ، وَحُمِلَ أَوَّلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلَى الْمَعْنَى فِي: وَهُمْ مِنْ مَا بَعْدَهُ. وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرَ أَوَّلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ، ثُمَّ عَلَى الْمَعْنَى فِي: وَهُمْ عَلَى مَعْنَى مَنْ فِي: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ، كَمَا فَسَّرْنَاهُ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى مَعْنَى مَنْ فِي: وَمَنْ أَضَلُّ، أَيْ وَالْكُفَّارُ عَنْ ضَلَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ.
غافِلُونَ: لَا يَتَأَمَّلُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي دُعَائِهِمْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وَهِيَ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ. وَاللَّامُ فِي لِلْحَقِّ، لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ الْحَقِّ. وَأَتَى بِالظَّاهِرَيْنِ بَدَلَ الْمُضْمَرَيْنِ فِي قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ، وَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: قَالُوا لَهَا، تَنْبِيهًا عَلَى الْوَصْفَيْنِ: وَصْفِ الْمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ، وَوَصْفِ الْمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ، وَلَوْ جَاءَ بِهِمَا الْوَصْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَصْفَيْنِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ سَمَّى الْآيَاتِ سِحْرًا هُوَ كَافِرٌ، وَالْآيَاتُ فِي نَفْسِهَا حَقٌّ، فَفِي ذِكْرِهِمَا ظَاهِرَيْنِ، يَسْتَحِيلُ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْكُفْرِ، وَعَلَى الْمَتْلُوِّ بِالْحَقِّ. وَفِي قَوْلِهِ: لَمَّا جاءَهُمْ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَأَمَّلُوا مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ، بَلْ بَادَرُوا أَوَّلَ سَمَاعِهِ إِلَى نِسْبَتِهِ إِلَى السِّحْرِ عِنَادًا وَظُلْمًا، وَوَصَفُوهُ بِمُبِينٍ، أَيْ ظَاهِرٍ، إِنَّهُ سِحْرٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
стр. 5497
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: أَيْ بَلْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، أَيْ بَلْ أَيَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ؟ انْتَقَلُوا مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا سِحْرٌ إِلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْأُخْرَى. وَالضَّمِيرُ فِي افْتَرَاهُ عَائِدٌ إِلَى الْحَقِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْآيَاتُ. قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ، عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، فَاللَّهُ حَسْبِي فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يُعَاقِبُنِي عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْهِلُنِي فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً رَدِّ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِي شَيْئًا. فَكَيْفَ أَفْتَرِيهِ وَأَتَعَرَّضُ لِعِقَابِهِ؟ يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَمْلِكُ إِذَا غَضِبَ، وَلَا يَمْلِكُ عِنَانَهُ إِذَا صُمَّ وَمِثْلُهُ: فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ «١» ؟ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً «٢» . وَمِنْهُ
قَوْلِهِ ﵊: «لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
ثُمَّ اسْتَسْلَمَ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَ بِهِ فَقَالَ: هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ: أَيْ تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ، وَمُرَادُهُ الْحَقُّ، وَتَسْمِيَتِهِ تَارَةً سِحْرًا وَتَارَةً فِرْيَةً. وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى مَا، أَوْ عَلَى الْقُرْآنِ، وَبِهِ فِي مَوْضِعِ الْفَاعِلِ يَكْفِي عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ.
شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ: شهيد إليّ بالتبليغ والدعاء إليه، وشهيد عَلَيْكُمْ بِالتَّكْذِيبِ. وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: عِدَةٌ لَهُمْ بِالْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ إِنْ رَجَعُوا عَنِ الْكُفْرِ، وَإِشْعَارٌ بِحِلْمِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، إِذْ لَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالْعِقَابِ، إِذْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ تَهْدِيدًا لَهُمْ فِي أَنْ يُعَاجِلَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ: أَيْ جَاءَ قَبْلِي غَيْرِي، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْبِدْعُ وَالْبَدِيعُ: مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَمِنْهُ قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، أَنْشَدَهُ قُطْرُبٌ:
فَمَا أَنَا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِثَ تَعْتَرِي ... رِجَالًا عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسِي فَأَسْعَدَ
وَالْبِدْعُ وَالْبَدِيعُ: كَالْخِفِّ وَالْخَفِيفِ، وَالْبِدْعَةُ: مَا اخْتُرِعَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وَأَبْدَعَ الشَّاعِرُ: جَاءَ بِالْبَدِيعِ، وَشَيْءٌ بِدْعٌ، بِالْكَسْرِ: أَيْ مُبْتَدَعٌ، وَفُلَانٌ بِدْعٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ بَدِيعٌ، وَقَوْمٌ أَبْدَاعٌ، عَنِ الْأَخْفَشِ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَابْنُ أَبِي عبلة: بِفَتْحِ الدَّالِ، جَمْعُ بِدْعَةٍ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ ذَا بِدَعٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً عَلَى فِعَلٍ، كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قِيَمٌ وَلَحْمٌ زِيَمٌ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي أَجَازَهُ، إِنْ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِعْمَالُهُ عَنِ الْعَرَبِ، لَمْ نُجِزْهُ، لِأَنَّ فِعَلَ فِي الصِّفَاتِ لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ سِيبَوَيْهِ إِلَّا عِدَى. قَالَ سِيبَوَيْهِ:
وَلَا نَعْلَمُهُ جَاءَ صِفَةً إِلَّا فِي حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الْجَمْعُ، وَهُوَ قَوْمٌ عِدَى، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ، وَاسْتِدْرَاكُهُ صَحِيحٌ. وَأَمَّا قِيَمٌ، فَأَصْلُهُ قِيَامٌ وَقِيَمٌ، مَقْصُورٌ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اعْتَلَّتِ الْوَاوُ فِيهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا لَصَحَّتْ، كَمَا صَحَّتْ فِي حِوَلٍ وَعِوَضٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الْعَرَبِ: مَكَانٌ
стр. 5498
سِوَى، وَمَاءٌ رِوَى، وَرَجُلٌ رِضَى، وَمَاءٌ صِرَى، وَسَبْيٌ طِيَبَةٌ، فَمُتَأَوَّلَةٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُثْبِتُونَ بِهَا فِعَلًا فِي الصِّفَاتِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي حَيْوَةَ: بَدِعًا، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، كَحَذِرٍ.
وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ: أَيْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، أَيْ لَا أَعْلَمُ مَا لِي بِالْغَيْبِ، فَأَفْعَالُهُ تَعَالَى، وما يقدره لِي وَلَكُمْ مِنْ قَضَايَاهُ، لَا أَعْلَمُهَا. وَعَنِ الْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ:
وَمَا أَدْرِي مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَمَنِ الْغَالِبُ مِنَّا وَالْمَغْلُوبُ؟
وَعَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَدْ ضَجِرُوا مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ: حَتَّى مَتَى نَكُونُ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ! أَأَنْزِلُ بِمَكَّةَ؟ أَمْ أُومَرُ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ وَرَأَيْتُهَا، يَعْنِي فِي مَنَامِهِ، ذَاتَ نَخْلٍ وَشَجَرٍ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ بْنُ مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ: مَعْنَاهُ فِي الْآخِرَةِ، وَكَانَ هَذَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَبِأَنَّ الْكَافِرِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ قَدْ أَعْلَمَ سُبْحَانَهُ مِنْ أَوَّلِ الرِّسَالَةِ حَالَ الْكَافِرِ وَحَالَ الْمُؤْمِنِ. وَقِيلَ: مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَمَا يَلْزَمُ الشَّرِيعَةَ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَمْرٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللَّهِ فِي غَيْرِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ: اسْتِسْلَامٌ وَتَبَرُّؤٌ مِنْ عِلْمِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَوُقُوفٌ مَعَ النِّذَارَةِ إِلَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مَا يُفْعَلُ بِضَمِّ الْيَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَأَدْرِي مُعَلَّقَةٌ فَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَوْصُولَةٌ مَنْصُوبَةٌ. انْتَهَى. وَالْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ دَرَى يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، وَلِذَلِكَ حِينَ عُدِّيَ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: وَلا أَدْراكُمْ بِهِ «١» ، فَجَعْلُ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَجْوَدُ، وَكَثِيرًا مَا عُلِّقَتْ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ، ويفعل مُثْبَتٌ غَيْرُ مَنْفِيٍّ، لَكِنَّهُ قَدِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، لاشتماله على ما ويفعل فَلِذَلِكَ قَالَ: وَلا بِكُمْ. وَلَوْلَا اعْتِبَارُ النَّفْيِ، لَكَانَ التَّرْكِيبُ مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ. أَلَا تَرَى زِيَادَةَ مِنْ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ «٢» ؟ لا نسحاب قَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا «٣» عَلَى يَوَدُّ وَعَلَى مُتَعَلِّقِ يَوَدُّ، وَهُوَ أَنْ يُنَزَّلَ، فَإِذَا انْتَفَتْ وِدَادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفَى التَّنْزِيلُ. وَقَرَأَ ابْنُ عُمَيْرٍ: مَا يُوحِي، بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيِ اللَّهُ .
قُلْ أَرَأَيْتُمْ: مَفْعُولَا أَرَأَيْتُمْ مَحْذُوفَانِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِمَا، وَالتَّقْدِيرُ: أَرَأَيْتُمْ
стр. 5499
حَالَكُمْ إِنْ كَانَ كَذَا؟ أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ؟ فَالْأَوَّلُ حَالُكُمْ، وَالثَّانِي أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أَيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَاضِيًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
جَوَابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِنْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ؟
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. انْتَهَى. وَجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ لَا تَكُونُ جَوَابًا لِلشَّرْطِ إِلَّا بِالْفَاءِ. فَإِنْ كَانَتِ الْأَدَاةُ الْهَمْزَةَ، تَقَدَّمَتِ الْفَاءُ نَحْوُ: إِنْ تَزُرْنَا، أَفَمَا نُحْسِنُ إِلَيْكَ؟ أَوْ غَيْرَهَا تَقَدَّمَتِ الْفَاءُ نَحْوُ: إِنْ تَزُرْنَا، فَهَلْ تَرَى إِلَّا خَيْرًا؟ فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ؟ بِغَيْرِ فَاءٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الشَّرْطِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَأَرَأَيْتُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهِيَ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤَالِ لَا يَقْتَضِي مَفْعُولًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ: كَانَ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ، تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهَا. انْتَهَى. وَهَذَا خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحَاةِ فِي أَرَأَيْتُمْ. وَقِيلَ: جَوَابُ الشَّرْطِ.
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ: أَيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ بِهِ، أَوِ الشَّاهِدُ، وَاسْتَكْبَرْتُمْ أَنْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَقْدِيرُهُ فَمَنْ أَضَلُّ مِنْكُمْ. وَقِيلَ: فَمَنِ الْمُحِقُّ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَمَنِ الْمُبْطِلُ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا تَهْلِكُونَ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا عَادَ عَلَيْهِ اسْمُ كَانَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَعُودُ عَلَى الرَّسُولِ، وَالشَّاهِدُ عَبَدُ لله بْنُ سَلَامٍ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: نَزَلَتْ فِيَّ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، نَزَلَتْ فِيَّ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: الشَّاهِدُ مُوسَى ﵇، لَا ابْنُ سَلَامٍ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَالْخِطَابُ فِي وَكَفَرْتُمْ بِهِ لِقُرَيْشٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ:
الشَّاهِدُ مَنْ آمَنَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، لِأَنَّ ابْنَ سَلَامٍ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَامَيْنِ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وقاص، وَمُجَاهِدٌ، وَفِرْقَةٌ: الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهِيَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أَبْرَزَهُ الْوُجُودُ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَذْكُورٌ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهِ بُهْتٌ لِلْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَمِنْ كَذِبِ الْيَهُودِ وَجَهْلِهِمْ بِالتَّارِيخِ، مَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، أَنَّهُ ﷺ حِينَ سَافَرَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ ﵂، اجْتَمَعَ بِأَحْبَارِ الْيَهُودِ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ أَحْلَامَهُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ صَاحِبُ دَوْلَةٍ، وَعَمُوا، فَأَصْحَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَرَأَ عُلُومَ التَّوْرَاةِ وَفِقْهَهَا مُدَّةً، زَعَمُوا وَأَفْرَطُوا فِي كَذِبِهِمْ، إِلَى أَنْ نَسَبُوا الْفَصَاحَةَ الْمُعْجِزَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ
стр. 5500
إِلَى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا لَمْ تُعْلَمْ لَهُ إِقَامَةٌ بِمَكَّةَ وَلَا تَرَدَّدَ إِلَيْهَا. فَمَا أَكْذَبَ الْيَهُودَ وَأَبْهَتَهُمْ! لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَنَاهِيكَ مِنْ طَائِفَةٍ، مَا ذُمَّ فِي الْقُرْآنِ طَائِفَةٌ مِثْلُهَا.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ، وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ، وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَقَالَةُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَيْ لِأَجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّامُ لِلتَّبْلِيغِ.
ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِمْ: مَا سَبَقُونا، وَلَوْ لَمْ يَنْتَقِلُوا لَكَانَ الْكَلَامُ مَا سُبِقْتُمْ إِلَيْهِ.
وَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّ جَمَاعَةً آمَنُوا خَاطَبُوا جَمَاعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ قَالُوا: لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنَا إِيمَانُهُمْ يُرِيدُونَ عَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالزَّجَّاجُ: هِيَ مَقَالَةُ كِنَانَةَ وَعَامِرٍ وَسَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُجَاوِرَةِ. قَالَتْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَتْ غِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ، أَيْ لَوْ كَانَ هَذَا الدِّينُ خَيْرًا، مَا سَبَقَنَا إِلَيْهِ الرُّعَاةُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: هِيَ مَقَالَةُ الْيَهُودِ حِينَ أَسْلَمَ ابْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ: أَسْلَمَ أَبُو ذَرٍّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ غِفَارٌ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ. وَقِيلَ:
أَسْلَمَتْ أَمَةٌ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَضْرِبُهَا، حَتَّى يَفْتُرَ وَيَقُولَ: لَوْلَا أَنِّي فَتَرْتُ لَزِدْتُكِ ضَرْبًا فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا، مَا سَبَقَتْنَا إِلَيْهِ فُلَانَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَ كَانَ هُوَ الْقُرْآنُ، وَعَلَيْهِ يَعُودُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى. وَقِيلَ: بِهِ عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ، وَالْعَامِلُ فِي إِذْ مَحْذُوفٌ، أَيْ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، ظَهَرَ عِنَادُهُمْ. وَقَوْلُهُ: فَسَيَقُولُونَ، مُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ ناشىء عَنِ الْعِنَادِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَعْمَلَ
стр. 5501
فِي: إِذْ فَسَيَقُولُونَ، لِحَيْلُولَةِ الفاء، وليعاند زَمَانِ إِذْ وَزَمَانِ سَيَقُولُونَ. إِفْكٌ قَدِيمٌ، كَمَا قَالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَقِدَمُهُ بِمُرُورِ الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا طَعَنُوا فِي صِحَّةِ الْقُرْآنِ، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ قَبْلِهِ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْتُمْ لَا تُنَازَعُونَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُنَازَعُ فِي إِنْزَالِ الْقُرْآنِ. إِماماً أَيْ يُهْتَدَى بِهِ، إِنَّ فِيهِ الْبِشَارَةَ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرساله، فليزم اتِّبَاعُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَانْتَصَبَ إِمَامًا عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْعَامِلُ فِي: وَمِنْ قَبْلِهِ، أَيْ وَكِتَابُ مُوسَى كَانَ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ فِي حَالِ كَوْنِهِ إِمَامًا. وَقَرَأَ الْكَلْبِيُّ: كِتَابَ مُوسَى، نَصَبَ وَفَتَحَ مِيمَ مَنْ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وَآتَيْنَا الَّذِي قَبْلَهُ كِتَابَ مُوسَى، وَقِيلَ: انْتَصَبَ إِمَامًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ أَنْزَلْنَاهُ إِمَامًا، أَيْ قُدْوَةً يُؤْتَمُّ بِهِ، وَرَحْمَةً لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ. كِتابٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، أَيْ لِكِتَابِ مُوسَى، وَهِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وَخَبَرَ مَنْ جَاءَ بِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ. فَجَاءَ هُوَ مُصَدِّقًا لِتِلْكَ الْأَخْبَارِ، أَوْ مُصَدِّقًا للكتب الإلهية. ولسانا: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُصَدِّقٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مُصَدِّقٌ، أَوْ مِنْ كِتَابٌ، إِذْ قَدْ وَصَفَ الْعَامِلُ فِيهِ اسْمَ الْإِشَارَةِ. أَوْ لِسَانًا: حَالُ مَوْطِئِهِ، وَالْحَالُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ عَرَبِيًّا، أَوْ عَلَى حَذْفٍ، أَيْ ذَا الشَّأْنِ عَرَبِيٌّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بمصدق أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ مَنْ جَاءَ بِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ، وَذَلِكَ بِإِعْجَازِهِ وَأَحْوَالِهِ الْبَارِعَةِ.
وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى إِسْقَاطِ الخافص، أَيْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَشَيْبَةُ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَنَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ: لِتُنْذِرَ، بِتَاءِ الْخِطَابِ لِلرَّسُولِ وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ كَثِيرٍ أَيْضًا، وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِيَاءِ الْغَيْبَةِ، أَيْ لِيُنْذِرَنَا الْقُرْآنُ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا الْكُفَّارُ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ، حَيْثُ وَضَعُوا الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ.
وَبُشْرى، قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلَى مُصَدِّقٌ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ.
وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى لِيُنْذِرَ، أَيْ وَيُبَشِّرَ بُشْرَى. وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْخَافِضِ، أَيْ وَلِبُشْرَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَتَبِعَهُ أَبُو الْبَقَاءِ: وَبُشْرَى فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ لِيُنْذِرَ، لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. انْتَهَى. وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْمَحَلِّ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ بِحَقِّ الْأَصَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمَوْضِعِ مَحْرَزٌ. وَالْمَحَلُّ هُنَا لَيْسَ بِحَقِّ الْأَصَالَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْجَرُّ فِي الْمَفْعُولِ لَهُ، وإنما النصب ناشىء عَنْ إِسْقَاطِ الْخَافِضِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَثُرَ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي النَّحْوِ، وَصَلَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ فَنَصَبَهُ. وَلَمَّا عَبَّرَ عَنِ الْكُفَّارِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا، عَبَّرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحْسِنِينَ، لِيُقَابِلَ بِلَفْظِ الْإِحْسَانِ لَفْظَ الظُّلْمِ.
стр. 5502
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ. وَلَمَّا ذَكَرَ: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ: وَوَصَّيْنَا، إِذْ كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثَانِيًا أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ، إِذْ
فِي الصَّحِيحِ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا قَالَ:
ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ
، وَإِنْ كَانَ عُقُوقُهُمَا ثَانِيَ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، إِذْ
قَالَ ﵊: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ؟ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»
، وَالْوَارِدُ فِي بَرِّهِمَا كَثِيرٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: حُسْنًا، بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ
وَعَلِيٌّ، وَالسُّلَمِيُّ، وَعِيسَى:
بِفَتْحِهِمَا
وَعَنْ عِيسَى: بِضَمِّهِمَا وَالْكُوفِيُّونَ: إِحْسَانًا، فَقِيلَ: ضَمَّنَ وَوَصَّيْنَا مَعْنَى أَلْزَمْنَا، فَيَتَعَدَّى لِاثْنَيْنِ، فَانْتَصَبَ حُسْنًا وَإِحْسَانًا عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِوَصَّيْنَا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ:
إِيصَاءٌ ذَا حُسْنٍ، أَوْ ذَا إِحْسَانٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنَى إِحْسَانٍ، فَيَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أَيْ وَوَصَّيْنَاهُ بِهِمَا لِإِحْسَانِنَا إِلَيْهِمَا، فَيَكُونَ الْإِحْسَانُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى تَضْمِينِ وَصَّيْنَا مَعْنَى أَحْسَنَّا بِالْوَصِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَنَصَبَ هَذَا يَعْنِي إِحْسَانًا عَلَى الْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ وَالْمَفْعُولِ الثَّانِي فِي الْمَجْرُورِ وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصَّيْنَا، أَوْ بِقَوْلِهِ: إِحْسَانًا. انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِإِحْسَانًا، لِأَنَّهُ مُصَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وَالْفِعْلِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ أَحْسَنَ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِاللَّامِ تَقُولُ: أَحْسَنْتُ لِزَيْدٍ، وَلَا تَقُولُ: أَحْسَنْتُ بِزَيْدٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْإِحْسَانَ يَصِلُ إِلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً «١» فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ، وَانْجَرَّ هُنَا بِالْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ مَزِيدًا لِلْفَائِدَةِ.
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً: لبس الْكُرْهُ فِي أَوَّلِ عُلُوقِهَا، بَلْ فِي ثَانِي اسْتِمْرَارِ الْحَمْلِ، إِذْ لَا تَدْبِيرَ لَهَا فِي حَمْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ. انْتَهَى. وَلَا يَلْحَقُهَا كُرْهٌ إِذْ ذَاكَ، فَهَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: الْمَعْنَى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، وَوَضَعَتْهُ مَشَقَّةً. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِضَمِّ الْكَافِ وَشَيْبَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْحَرَمِيَّانِ، وَأَبُو عَمْرٍو: بِالْفَتْحِ وَبِهِمَا مَعًا: أَبُو رَجَاءٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِيسَى وَالضَّمُّ وَالْفَتْحُ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَالْعَقْرِ وَالْعُقْرِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ:
بِالضَّمِّ الْمَشَقَّةُ، وَبِالْفَتْحِ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ، وَضَعَّفُوا قِرَاءَةَ الْفَتْحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ بِالْفَتْحِ، لَرَمَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا إِذْ مَعْنَاهُ: الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ. انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذْ قِرَاءَةُ الْفَتْحِ فِي السَّبْعَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْقِرَاءَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ لَا تَحْسُنُ، لِأَنَّ الْكَرْهَ بِالْفَتْحِ، النَّصَبُ وَالْغَلَبَةُ. انْتَهَى. وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَطْعَنُ فِي بَعْضِ الْقُرْآنِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ
стр. 5503
جَسَارَةً مِنْهُ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. وَانْتِصَابُهُمَا عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، أَيْ حَمَلَتْهُ ذَاتَ كُرْهٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ محذوف، أي حملا ذاكره.
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً: أَيْ وَمُدَّةُ حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ نَاقِصًا إِمَّا بِأَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَتُرْضِعَ عَامَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى الْعُرْفِ وَتُرْضِعَ عَامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ عَامٍ. فَإِنْ زَادَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ، نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ. فَمُدَّةُ الرَّضَاعِ عَامٌ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَإِكْمَالُ الْعَامَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ. وَقَدْ كَشَفَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، كَنَصِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ جَالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الْفَحْصِ عن مقدار زَمَنِ الْحَمْلِ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِمِائَةٍ وَأَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ لَيْلَةً. وَزَعَمَ ابْنُ سِينَا أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَكْثَرُ الْحَمْلِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ سِينَا فِي الشِّفَاءِ: بَلَغَنِي مِنْ جِهَةِ مَنْ أَثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، أَنَّ امْرَأَةً وَضَعَتْ بَعْدَ الرَّابِعِ مِنْ سِنِي الْحَمْلِ، وَلَدَتْ وَلَدًا نَبَتَتْ أَسْنَانُهُ. وَحُكِيَ عَنْ أَرِسْطَاطَالِيسَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ لِكُلِّ الْحَيَوَانِ مَضْبُوطَةٌ سِوَى الْإِنْسَانِ، فَرُبَّمَا وَضَعَتْ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَلِثَمَانِيَةٍ، وَقَلَّ مَا يَعِيشُ الْوَلَدُ فِي الثَّامِنِ، إِلَّا فِي بِلَادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ. انْتَهَى. وَعَبَّرَ عَنِ الرَّضَاعِ بِالْفِصَالِ، لَمَّا كَانَ الرَّضَاعُ يَلِي الْفِصَالَ وَيُلَابِسُهُ، لِأَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ وَيَتِمُّ، سُمِّيَ بِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَفِصَالُهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ فَاصَلَ، كَأَنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ: فَاصَلَ أُمَّهُ وَفَاصَلَتْهُ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْجَحْدَرِيُّ: وَفَصْلُهُ، قِيلَ: وَالْفَصْلُ وَالْفِصَالُ مَصْدَرَانِ، كَالْفَطْمِ وَالْفِطَامِ. وَهُنَا لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ تَعَالَى الْأُمَّ فِي ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ فِي قَوْلِهِ: بِوَالِدَيْهِ وَحَمْلُهُ وَإِرْضَاعُهُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفِصَالِ، وَذَكَرَ الْوَالِدَ فِي وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِهِ: بِوَالِدَيْهِ فَنَاسَبَ مَا قَالَ الرَّسُولُ مِنْ جَعْلِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْبِرِّ لِلْأُمِّ وَالرُّبُعِ لِلْأَبِ
فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:
أُمَّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ» .
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تكون حتى غاية له، تَقْدِيرُهُ: فَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوِ اسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بَلَغَ أَشُدَّهُ «١» فِي سُورَةِ يُوسُفَ. وَالظَّاهِرُ ضَعْفُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: بُلُوغُ الْأَشُدِّ أَرْبَعُونَ، لِعَطْفِ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ، إِلَّا إِنِ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِبُلُوغِ الْأَشُدِّ فَيُمْكِنُ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ وَبُلُوغُ الْأَرْبَعِينَ اكْتِمَالُ الْعَقْلِ لِظُهُورِ الْفَلَاحِ. قِيلَ: وَلَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إِلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ مَنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَتُبْ وَيَقُولُ: بِأَبِي وجه
стр. 5504
لَا يُفْلِحُ.
قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ: وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ. وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي: سَأَلَ أَنْ يَجْعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مَوْقِعًا لِلصَّلَاحِ وَمَظِنَّةً لَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: هَبْ لِيَ الصَّلَاحَ فِي ذُرِّيَّتِي، فَأَوْقَعَهُ فِيهِمْ، أَوْ ضَمَّنَ: وَأَصْلِحْ لِي مَعْنَى: وَالْطُفْ بِي فِي ذُرِّيَّتِي، لِأَنَّ أَصْلِحْ يَقْتَدِي بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ:
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ «١» ، فلذلك احتج قَوْلُهُ: فِي ذُرِّيَّتِي إِلَى التَّأْوِيلِ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بِكْرٍ ﵁، وَتَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَأَبُوهُ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ. وَلِقَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا: فَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا غَيْرُهُ. وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ الْجِنْسُ، وَلِذَلِكَ أشار يقوله: أُولئِكَ جَمْعًا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
يُتَقَبَّلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أَحْسَنُ رَفْعًا، وَكَذَا وَيُتَجَاوَزُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَطَلْحَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْمَشُ: بِخِلَافٍ عَنْهُ. وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ أَحْسَنَ نَصْبًا، وَنَتَجَاوَزُ بِالنُّونِ فِيهِمَا وَالْحَسَنُ، وَالْأَعْمَشُ، وَعِيسَى: بِالْيَاءِ فِيهِمَا مَفْتُوحَةً وَنَصْبِ أَحْسَنَ.
فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ، قِيلَ: فِي بِمَعْنَى مَعَ وَقِيلَ: هُوَ نَحْوُ قَوْلِكَ: أَكْرَمَنِي الْأَمِيرُ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُرِيدُ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ، وَمَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ عَلَى مَعْنَى كَائِنِينَ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ. وَانْتَصَبَ وَعْدَ الصِّدْقِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ، وَعْدٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالتَّقَبُّلِ وَالتَّجَاوُزِ، لَمَّا ذَكَرَ الْإِنْسَانَ الْبَارَّ بِوَالِدَيْهِ وَمَا آلَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، ذَكَرَ الْعَاقَّ بِوَالِدَيْهِ وَمَا آلَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِي: الْجِنْسُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ مَجْمُوعًا فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْكَافِرُ الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ الْمُنْكِرُ الْبَعْثَ. وَقَوْلُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَاتَّبَعَهُ قَتَادَةُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَوْلٌ خطأ ناشىء عَنْ جَوْرٍ، حِينَ دَعَا مَرْوَانُ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، إِلَى مُبَايَعَةِ يَزِيدَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: جَعَلْتُمُوهَا هِرَقْلِيَّةً؟ كُلَّمَا مَاتَ هِرَقْلُ وَلِيَ ابْنُهُ، وَكُلَّمَا مَاتَ قَيْصَرُ وَلِيَ ابْنُهُ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ أُخْتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَقَدْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَقَالَتْ، وَهِيَ الْمَصْدُوقَةُ: لَمْ يَنْزِلْ فِي آلِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ بَرَاءَتِي وَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهِ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ.
وَصَدَّتْ مَرْوَانَ وَقَالَتْ: وَلَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَبَاكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِهِ، فَأَنْتَ فَضَضٌ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ، وَهَذِهِ
стр. 5505
صِفَاتُ الْكُفَّارِ أَهْلِ النَّارِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ وَسَرَاتِهِمْ وَأَبْطَالِهِمْ، وَمِمَّنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ غَنَاءٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَغَيْرِهِ.
أُفٍّ لَكُما: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أُفٍّ مَدْلُولًا وَلُغَاتٍ وَقِرَاءَةً فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَاللَّامُ فِي لَكُمَا لِلْبَيَانِ، أَيْ لَكُمَا، أَعْنِي: التَّأْفِيفَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَتَعِدانِنِي، بِنُونَيْنِ، الْأُولَى مَكْسُورَةٌ وَالْحَسَنُ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَفِي رِوَايَةٍ وَهِشَامٌ: بِإِدْغَامِ نُونِ الرَّفْعِ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ، وَجَمَاعَةٌ: بِنُونٍ وَاحِدَةٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَشَيْبَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ:
بِخِلَافٍ عَنْهُ وَعَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهَارُونُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْجَحْدَرِيِّ، وَسَامٌ، عَنْ هِشَامٍ: بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى، كَأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنَ الْكَسْرَتَيْنِ، وَالْيَاءِ إِلَى الْفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ فَفَتَحُوا، كَمَا فَرَّ مَنْ أَدْغَمَ وَمَنْ حَذَفَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ بَاطِلٌ غَلَطٌ. أَنْ أُخْرَجَ: أَيْ أُخْرَجَ مِنْ قَبْرِي لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنْ أُخْرَجَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالْحَسَنُ، وَابْنُ يَعْمُرَ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ مُصَرِّفٍ، وَالضَّحَّاكُ: مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.
وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي: أَيْ مَضَتْ، وَلَمْ يُخْرَجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا بُعِثَ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي مُكَذِّبَةً بِالْبَعْثِ. وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، يُقَالُ: اسْتَغَثْتُ اللَّهَ وَاسْتَغَثْتُ بِاللَّهِ، وَالِاسْتِعْمَالَانِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ. وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَى ابْنِ مَالِكٍ إِنْكَارَ تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ، وَذَكَرْنَا شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَنْفَالِ، أَيْ يَقُولَانِ: الْغِيَاثُ بِاللَّهِ مِنْكَ وَمِنْ قَوْلِكَ، وَهُوَ اسْتِعْظَامٌ لِقَوْلِهِ: وَيْلَكَ، دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَثُّ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى الْإِيمَانِ لَا حَقِيقَةُ الْهَلَاكِ. وَقِيلَ: وَيْلَكَ لِمَنْ يُحَقِّرُ وَيُحَرِّكُ لِأَمْرٍ يَسْتَعْجِلُ إِلَيْهِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ، وَعَمْرُو بْنُ فَائِدَةَ: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: آمِنْ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِهَا، فَيَقُولُ مَا هَذَا: أَيْ مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ؟ أَيْ مِنَ الْوَعْدِ بِالْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، إِلَّا شَيْءٌ سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَظَاهِرُ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُشَارٍ إِلَيْهِ قَالَ وَقِيلَ لَهُ، فَنَفَى اللَّهُ أَقْوَالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا.
وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: وَالَّذِي قالَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ فِي مُشَارٍ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي أُولَئِكَ بِمَعْنَى صِنْفِ هَذَا الْمَذْكُورِ وَجِنْسِهِ هُمْ: الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أَيْ قَوْلُ اللَّهِ أَنَّهُ يُعَذِّبُهُمْ فِي أُمَمٍ، أَيْ جُمْلَةِ:
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كَالْإِنْسِ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ: الْجِنُّ لَا يَمُوتُونَ، فَاعْتَرَضَهُ قَتَادَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَسَكَتَ.
стр. 5506
وَقَرَأَ الْعَبَّاسُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَنَّهُمْ كَانُوا، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْجُمْهُورُ بِالْكَسْرِ. وَلِكُلٍّ:
أَيْ مِنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، دَرَجاتٌ غَلَبَ دَرَجَاتٌ، إِذِ الْجَنَّةُ دَرَجَاتٌ وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ، وَالْمَعْنَى: مَنَازِلُ وَمَرَاتِبُ مِنْ جَزَاءِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمِنْ أَجْلِ مَا عَمِلُوا مِنْهَا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجَاتُ الْمُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، وَدَرَجَاتُ الْمُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا. انْتَهَى.
وَالْمُعَلِّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ قَدْرَ جَزَائِهِمْ، فَجُعِلَ الثَّوَابُ دَرَجَاتٍ وَالْعِقَابُ دَرَكَاتٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلِيُوَفِّيَهُمْ بِالْيَاءِ، أَيْ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَعْمَشُ، وَالْأَعْرَجُ، وَشَيْبَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَخَوَانِ، وَابْنُ ذَكْوَانَ، وَنَافِعٌ: بِخِلَافٍ عَنْهُ بِالنُّونِ وَالسُّلَمِيُّ: بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقٍ، أَيْ وَلِنُوَفِّيَهُمُ الدَّرَجَاتِ، أَسْنَدَ التَّوْفِيَةَ إِلَيْهَا مَجَازًا.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ، وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
وَيَوْمَ يُعْرَضُ: أَيْ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ، كَمَا يُقَالُ: عُرِضَ عَلَى السَّيْفِ، إِذَا قُتِلَ بِهِ.
وَالْعَرْضُ: الْمُبَاشَرَةُ، كَمَا تَقُولُ: عَرَضْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ: أَيْ بَاشَرْتُ بِهِ النَّارَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ عَرْضُ النَّارِ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الْحَوْضَ عَلَيْهَا، فَقَلَبُوا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُجَاءُ بِهِمْ إِلَيْهَا فَيُكْشَفُ لَهُمْ عَنْهَا. انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَلْبِ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ مِمَّا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ فِي الشِّعْرِ. وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا وَاضِحًا مَعَ عَدَمِ الْقَلْبِ، فأي ضرورة ندعو إِلَيْهِ؟ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَلْبِ، لِأَنَّ عَرْضَ النَّاقَةِ عَلَى الْحَوْضِ، وَعَرْضَ الْحَوْضِ عَلَى النَّاقَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ إِذِ الْعَرْضُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إِسْنَادُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاقَةِ وَالْحَوْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
стр. 5507
أَذْهَبْتُمْ عَلَى الْخَبَرِ، أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَذْهَبْتُمْ، وَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُمَا ابْنُ ذَكْوَانَ، وَلَيَّنَ الثَّانِيَةَ هِشَامٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ. وَعَنْ هِشَامٍ: الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُلَيَّنَةِ بِأَلِفٍ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيرِ، فَهُوَ خَبَرٌ فِي الْمَعْنَى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الْفَاءُ، وَلَوْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الْفَاءُ. وَالطَّيِّبَاتُ هُنَا: الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَفَارِشِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْمَوَاطِئِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلَى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيهَا، والأخذ بالتقشف، وما يجتزي بِهِ رَمَقُ الْحَيَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي التَّأَسِّيَ بِهِ. وَعَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ، وَعِزَّةِ نَفْسِهِ الْفَاضِلَةِ عَنْهَا. أَتَظُنُّونَ أَنَّا لَا نَعْرِفُ خَفْضَ الْعَيْشِ؟ وَلَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أَكْبَادًا وَصَلَاءً وَصَلَائِقَ، وَلَكِنْ أَسْتَبْقِي حَسَنَاتِي فَإِنَّ اللَّهَ وَصَفَ أَقْوَامًا فَقَالَ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ. وَالصِّلَاءُ الشِّوَاءُ وَالصِّفَارُ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْخَرْدَلِ وَالزَّبِيبِ، وَالصَّلَائِقُ: الْخُبْزُ الرِّقَاقُ الْعَرِيضُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَذَا مِنْ بَابِ الزُّهْدِ، وَإِلَّا فَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَتْ تَكُونُ لَكُمْ طَيِّبَاتُ الْآخِرَةِ لَوْ آمَنْتُمْ، لَكِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا، فَاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ وَلَوْ أُرِيدَ الظَّاهِرُ، وَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً عَنْ مَا ذَكَرْنَا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بالعذاب. وقرىء: الْهَوَانُ، وَهُوَ وَالْهُونُ بِمَعْنًى واحدة. ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الْكِنَايَةَ بِقَوْلِهِ: بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ: أَيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْإِيمَانِ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ: أَيْ بِمَعَاصِي الْجَوَارِحِ وَقَدَّمَ ذَنْبَ الْقَلْبِ، وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ عَلَى ذَنْبِ الْجَوَارِحِ إِذْ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ نَاشِئَةٌ عَنْ مُرَادِ الْقَلْبِ.
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا، مُعْرِضِينَ عَنِ الْإِيمَانِ وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ذَكَّرَهُمْ بِمَا جَرَى لِلْعَرَبِ الْأُولَى، وَهُمْ قَوْمُ عَادٍ، وكانوا أكثر أموالا رأشد قُوَّةً وَأَعْظَمَ جَاهًا فِيهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ. وَقَصَصُ مَنْ تَقَدَّمَ تُعْرَفُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وَتَحْسِينِهِ، فَقَالَ لِرَسُولِهِ: وَاذْكُرْ لِقَوْمِكَ، أَهْلِ مَكَّةَ، هُودًا ﵇، إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ عَادًا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالْأَحْقافِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَادٍ بَيْنَ عُمَانَ وَمَهْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مِنْ عُمَانَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِمَالٌ مُشْرِقَةٌ بِالشِّحْرِ مِنَ الْيَمَنِ. وَقِيلَ: بَيْنَ مَهْرَةَ وَعَدَنَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِلَادُ الشِّحْرِ الْمُوَاصِلَةِ لِلْبَحْرِ الْيَمَانِيِّ.
стр. 5508
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ جَبَلٌ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ بِلَادَ عَادٍ كَانَتْ بِالْيَمَنِ، وَلَهُمْ كَانَتْ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ «١» ، وَفِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ اعْتِبَارٌ لِقُرَيْشٍ وَتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إِذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، كَمَا كَذَّبَتْ عَادٌ هُودًا ﵇. وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ:
وَهُوَ جَمْعُ نَذِيرٍ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي:
النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا زَمَانَهُ، وَمِنْ خَلْفِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَعْنَى وَمِنْ خَلْفِهِ: أَيْ مِنْ بَعْدِ إِنْذَارِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضًا بَيْنَ إِنْذَارِ قَوْمِهِ وَأَنْ لَا تَعْبُدُوا. وَالْمَعْنَى: وَقَدْ أَنْذَرَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاذْكُرْهُمْ.
قالُوا أَجِئْتَنا: اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، وَتَوْبِيخٍ وَتَعْجِيزٍ لَهُ فِيمَا أَنْذَرَهُ إِيَّاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ عَلَى تَرْكِ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ. لِتَأْفِكَنا: لِتَصْرِفَنَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ أَوْ لِتُزِيلَنَا عَنْ آلِهَتِنَا بِالْإِفْكِ، وَهُوَ الْكَذِبُ، أَيْ عَنْ عِبَادَةِ آلِهَتِنَا، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: اسْتِعْجَالٌ مِنْهُمْ بِحُلُولِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ؟ قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ: أَيْ عِلْمُ وَقْتِ حُلُولِهِ، وَلَيْسَ تَعْيِينُ وَقْتِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ مَا أَرْسَلَنِي بِهِ اللَّهُ إِلَيْكُمْ. وَلَمَّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ وَعْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ حَالٌّ بِهِمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبٍ، قَالَ: وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ: أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ لَا شُعُورَ لَكُمْ بِهَا، وَذَلِكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. وَكَانَتْ عَادٌ قَدْ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهَا الْمَطَرَ أَيَّامًا، فَسَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ سَحَابَةً سَوْدَاءَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، فَاسْتَبْشَرُوا. وَالضَّمِيرُ فِي رَأَوْهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: بِما تَعِدُنا، وَهُوَ الْعَذَابُ، وَانْتَصَبَ عَارِضًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْئِيِّ الطَّالِعِ عَلَيْهِمُ، الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: عارِضاً.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَمَّا رَأَوْهُ، فِي الضَّمِيرِ وَجْهَانِ: أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَا تَعِدُنَا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، قَدْ وَضَحَ أَمْرُهُ بِقَوْلِهِ: عارِضاً، إِمَّا تَمْيِيزٌ وَإِمَّا حَالٌ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَعْرَبُ وَأَفْصَحُ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ أَعْرَبُ وَأَفْصَحُ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ النُّحَاةُ، لِأَنَّ الْمُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ وَيُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي بَابِ رُبَّ، نَحْوُ: رُبَّ رَجُلًا لَقِيتُهُ، وَفِي بَابِ نِعْمَ وَبِئْسَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، نَحْوَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وَبِئْسَ غُلَامًا عَمْرٌو. وَأَمَّا أَنَّ الْحَالَ يُوَضِّحُ الْمُبْهَمَ وَيُفَسِّرُهُ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَقَدْ حَصَرَ النُّحَاةُ المضمر الذي
стр. 5509
يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأَى إِذَا كَانَ ضَمِيرًا، وَلَا أَنَّ الْحَالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ وَيُوَضِّحُهُ. وَالْعَارِضُ: الْمُعْتَرِضُ فِي الْجَوِّ مِنَ السَّحَابِ الْمُمْطِرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا مَنْ رَأَى عَارِضًا أَرِقْتَ لَهُ ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
يَا مَنْ رَأَى عَارِضًا قَدْ بث أَرْمُقُهُ ... كَأَنَّهَا الْبَرْقُ فِي حَافَاتِهَا الشُّعَلُ
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ: هُوَ جَمْعُ وَادٍ، وَأَفْعِلَةٌ فِي جَمْعِ فَاعِلٍ. الِاسْمُ شَاذٌّ نَحْوُ: نَادٍ وَأَنْدِيَةٍ، وَجَائِزٍ وَأَجْوِزَةٍ. وَالْجَائِزُ: الْخَشَبَةُ الْمُمْتَدَّةُ فِي أَعْلَى السَّقْفِ، وإضافة مستقبل وممطر إِضَافَةٌ لَا تُعَرِّفُ، فَلِذَلِكَ نُعِتَ بِهِمَا النَّكِرَةُ. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ: أَيْ قَالَ لَهُمْ هُوَ ذَلِكَ، أَيْ بَلْ هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، أَضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: عارِضٌ مُمْطِرُنا، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْعَذَابَ فَاجَأَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: رِيحٌ: أَيْ هِيَ رِيحٌ بَدَلٌ مِنْ هُوَ. وَقَرَأَ: مَا اسْتَعْجَلْتُمْ، بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَقَدَّمَتْ قِصَصٌ فِي الرِّيحِ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هُنَا.
تُدَمِّرُ: أَيْ تُهْلِكُ، وَالدَّمَارُ: الْهَلَاكُ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَدْمُرُ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ وضم الميم. وقرىء كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ كُلُّ، أَيْ يَهْلِكُ كُلُّ شَيْءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَيْ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَوْ مَنْ أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ. وَإِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَى الرِّيحِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا وَتَصْرِيفَهَا مِمَّا يَشْهَدُ بِبَاهِرِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا مِنْ أَعَاجِيبِ خَلْقِهِ وَأَكَابِرِ جُنُودِهِ. وَذَكَرَ الْأَمْرَ لِكَوْنِهَا مَأْمُورَةً مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا تَرَى بِتَاءِ الْخِطَابِ، إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ، بِالنَّصْبِ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمُجَاهِدٌ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَطَلْحَةُ، وَعِيسَى، وَالْحَسَنُ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: بِخِلَافٍ عَنْهُمَا وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ:
لَا يُرَى بِالْيَاءِ مِنْ تَحْتٍ مَضْمُومَةٍ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ بِالرَّفْعِ. وَأَبُو رَجَاءٍ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بِخِلَافٍ عَنْهُمَا. وَالْجَحْدَرِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالسُّلَمِيُّ: بِالتَّاءِ مِنْ فَوْقُ مَضْمُومَةً مَسَاكِنُهُمْ بِالرَّفْعِ، وَهَذَا لَا يُجِيزُهُ أَصْحَابُنَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ، وَبَعْضُهُمْ يُجِيزُهُ فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّهُ جَمَلٌ هَمٌّ وَمَا بَقِيَتْ ... إِلَّا النخيرة وَالْأَلْوَاحُ وَالْعَصَبُ
وَقَالَ آخَرُ:
فَمَا بَقِيَتْ إِلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وَقَرَأَ عِيسَى الْهَمْدَانِيُّ: لَا يُرَى بِضَمِّ الْيَاءِ إِلَّا مَسْكَنُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ
стр. 5510
الْأَعْمَشِ، وَنَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ. وقرىء: لَا تَرَى، بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْخِطَابِ، إِلَّا مَسْكَنَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ مُفْرَدًا مَنْصُوبًا، وَاجْتُزِئَ بِالْمُفْرَدِ عَنِ الْجَمْعِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا هَلَكُوا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا أَخْبَرَ بِهَلَاكِ قَوْمِ عَادٍ، خَاطَبَ قُرَيْشًا عَلَى سَبِيلِ الْمَوْعِظَةِ فَقَالَ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ، وَإِنْ نَافِيَةٌ، أَيْ فِي الذي ما مكانهم فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْغِنَى وَالْبَسْطِ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَمْوَالِ وَلَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ مَا، كَرَاهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى. وَقِيلَ: إِنْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الْجَوَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ طَغَيْتُمْ. وَقِيلَ: إِنْ زَائِدَةٌ بَعْدَ مَا الْمَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِمَا النَّافِيَةِ وَمَا التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهِيَ فِي الْآيَةِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ:
يَرْجَى الْمَرْءُ مَا إِنْ لَا يَرَاهُ ... وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الْخُطُوبُ
أَيْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مِثْلِ الَّذِي مَكَّنَّاكُمْ، فِيهِ، وَكَوْنُهَا نَافِيَةً هُوَ الْوَجْهُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً «١» ، وَقَوْلِهِ: هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً «٢» ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّوْبِيخِ وَأَدْخَلُ فِي الْحَثِّ فِي الِاعْتِبَارِ. ثُمَّ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهَا لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا، حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ فِيمَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ.
وَقِيلَ: مَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَقَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ أَغْنَى عَنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَتَكُونُ مِنْ زِيدَتْ فِي الْمُوجَبِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْعَامِلُ فِي إِذْ أَغْنَى. وَيَظْهَرُ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ لَوْ قُلْتَ: أَكْرَمْتُ زَيْدًا لِإِحْسَانِهِ إِلَيَّ، أَوْ إِذْ أَحْسَنَ إِلَيَّ. اسْتَوَيَا فِي الْوَقْتِ، وَفُهِمَ مِنْ إِذْ مَا فُهِمَ مِنْ لَامِ التَّعْلِيلِ، وَإِنَّ إِكْرَامَكَ إِيَّاهُ فِي وَقْتِ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ، إِنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ إِحْسَانِهِ لَكَ فِيهِ.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ، وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ
стр. 5511
كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى: خِطَابٌ لِقُرَيْشٍ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَهُمْ، وَالَّذِي حَوْلَهُمْ مِنَ الْقُرَى: مَأْرِبُ، وَحِجْرُ، ثَمُودُ، وَسَدُومُ. وَيُرِيدُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى:
وَصَرَّفْنَا الْآياتِ، أي الحجج والدلائل والعظات لِأَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا. فَلَوْلا نَصَرَهُمُ: أَيْ فَهَلَّا نَصَرَهُمْ حِينَ جَاءَهُمُ الْهَلَاكُ؟ الَّذِينَ اتَّخَذُوا: أَيِ اتَّخَذُوهُمْ، مِنْ دُونِ اللَّهِ، قُرْباناً: أَيْ فِي حَالِ التَّقَرُّبِ وَجَعْلِهِمْ شُفَعَاءَ. آلِهَةً: وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثاني لا تخذوا، وَالْأَوَّلُ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ. وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَانًا مَفْعُولًا ثانيا لاتخذوا آلهة بدل مِنْهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرْبَانًا حَالٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَانًا مَفْعُولًا ثَانِيًا وآلهة بدل مِنْهُ، لِفَسَادِ الْمَعْنَى. انْتَهَى. وَلَمْ يُبَيِّنِ الزَّمَخْشَرِيُّ كَيْفَ يَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَى ذَلِكَ الْإِعْرَابِ. وَأَجَازَ الْحَوْفِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قُرْبَانًا مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ.
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ: أَيْ غَابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: إِفْكُهُمْ، بكسر الهمزة وإسكان الهاء وَضَمِّ الْكَافِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. وَالْإِفْكُ مَصْدَرٌ أَنْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالصَّبَّاحُ بْنُ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو عِيَاضٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ، وَمُجَاهِدٌ: أَفَكَهُمْ، بِثَلَاثِ فَتَحَاتٍ: أَيْ صَرَفَهُمْ وَأَبُو عِيَاضٍ، وَعِكْرِمَةُ أَيْضًا: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُمَا شَدَّدَا الْفَاءَ لِلتَّكْثِيرِ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَيْضًا، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: آفَكَهُمْ بِالْمَدِّ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فَاعَلَ. فَالْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةٌ، وَأَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ، فَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ جَعَلَهُمْ يَأْفِكُونَ، وَيَكُونُ أَفْعَلُ بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ. وَعَنِ الْفَرَّاءِ أنه قرىء:
أَفَكُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْإِفْكِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فِيمَا رَوَى قُطْرُبٌ، وَأَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: آفِكُهُمُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَفَكَ، أَيْ صَارَفَهُمْ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ قَرَأَ: إِفْكُهُمْ مَصْدَرًا إِلَى اتِّخَاذِ الْأَصْنَامِ آلِهَةً، أَيْ ذَلِكَ كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى امْتِنَاعِ نُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ لَهُمْ وَضَلَالِهِمْ عَنْهُمْ، أَيْ وَذَلِكَ أَثَرُ إِفْكِهِمُ الَّذِي هُوَ اتِّخَاذُهُمْ إِيَّاهَا آلِهَةً، وَثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ كَوْنِهِ ذَا شُرَكَاءَ. انْتَهَى. وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ جَعَلَهُ فِعْلًا مَعْنَاهُ: وَذَلِكَ الِاتِّخَاذُ صَرَفَهُمْ عَنِ الْحَقِّ،
стр. 5512
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ صَارَفَهُمْ عَنِ الْحَقِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً، أَيْ وَافْتِرَاؤُهُمْ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَفْتَرُونَهُ.
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ: وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا:
أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْإِنْسِيَّ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، وَذَكَرَ أَنَّ الْجِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَكَانَ ذَلِكَ بِأَثَرِ قِصَّةِ هُودٍ وَقَوْمِهِ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ. وَالْجِنُّ تُوصَفُ أَيْضًا بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ «١» . وَإِنَّ مَا أُهْلِكَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هُوَ الرِّيحُ، وَهُوَ مِنَ الْعَالَمِ الَّذِي لَا يُشَاهَدُ، وَإِنَّمَا يُحَسُّ بِهُبُوبِهِ. وَالْجِنُّ أَيْضًا مِنَ الْعَالَمِ الَّذِي لَا يُشَاهَدُ. وَإِنَّ هُودًا ﵇ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَرَبِ، فَهَذِهِ تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةً لِهَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا. وَفِيهَا أَيْضًا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ وَكُفَّارِ الْعَرَبِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكِتَابُ الْمُعْجِزُ، فَكَفَرُوا بِهِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَمِنْ جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ. وَهَؤُلَاءِ جِنٌّ، فَلَيْسُوا مِنْ جِنْسِهِ، وَقَدْ أَثَّرَ فِيهِمْ سَمَاعُ الْقُرْآنِ وَآمَنُوا بِهِ وَبِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بِخِلَافِ قُرَيْشٍ وَأَمْثَالِهَا، فَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ.
وَإِذْ صَرَفْنا: وَجَّهْنَا إِلَيْكَ. وَقَرَأَ: صَرَّفْنَا، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَالتَّكْثِيرُ بِحَسْبِ الْحَالِ. نَفَراً مِنَ الْجِنِّ، وَالنَّفَرُ دُونَ الْعَشَرَةِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَنْفَارٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا سَبْعَةً، مِنْهُمْ زَوْبَعَةُ. وَالَّذِي يَجْمَعُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ، أَنَّ قِصَّةَ الْجِنِّ كَانَتْ مَرَّتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ يَسْتَنْصِرُهُمْ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السِّيَرِ.
فَرُوِيَ أَنَّ الْجِنَّ كَانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَلَمَّا بُعِثَ الرَّسُولُ، حُرِسَتِ السَّمَاءُ، وَرُمِيَ الْجِنُّ بِالشُّهُبِ، قَالُوا: مَا هَذَا إِلَّا أَمْرٌ حَدَثَ. وَطَافُوا الْأَرْضَ، فَوَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي نَخْلَةَ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَاسْتَمَعُوا لِقِرَاءَتِهِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَأَنْبَأَهُ اللَّهُ بِاسْتِمَاعِهِمْ.
وَالْمَرَّةُ الْأُخْرَى:
أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ الْجِنَّ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى الْجِنِّ فَمَنْ يَتْبَعُنِي» ، قَالَهَا ثَلَاثًا، فَأَطْرَقُوا إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ غَيْرِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي شِعْبِ الْحَجُونِ، خَطَّ لِي خَطًّا وقال:
стр. 5513
«لَا تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ» ، ثُمَّ افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا حَتَّى خِفْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَسْمَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ تَقَطَّعُوا تَقَطُّعَ السَّحَابِ، فَقَالَ لِي: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رِجَالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيَابٍ بِيضٍ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ» . وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَالسُّورَةُ الَّتِي قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. وَفِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ لَهُمْ لغطا، فقال: «إنهم تدارؤا فِي قَتِيلٍ لَهُمْ فَحَكَمْتُ بِالْحَقِّ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ: أَيِ الْقُرْآنَ، أَيْ كَانُوا بِمَسْمَعٍ مِنْهُ، وَقِيلَ: حَضَرُوا الرَّسُولَ، وَهُوَ الْتِفَاتٌ مِنْ إِلَيْكَ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبِ. قالُوا أَنْصِتُوا: أَيِ اسْكُتُوا لِلِاسْتِمَاعِ، وَفِيهِ تَأْدِيبٌ مَعَ الْعِلْمِ وَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَلَمَّا قُضِيَ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَضَى، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيْ قَضَى مُحَمَّدٌ مَا قَرَأَ، أَيْ أَتَمَّهُ وَفَرَغَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ إِذَا قَالَ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قَالُوا: لَا شَيْءَ مِنْ آيَاتِ رَبِّنَا نُكَذِّبُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ: تَفَرَّقُوا عَلَى الْبِلَادِ يُنْذِرُونَ الْجِنَّ. قَالَ قَتَادَةُ: مَا أَسْرَعَ مَا عَقَلَ الْقَوْمُ.
انْتَهَى. وَعِنْدَ ذَلِكَ وَقَعَتْ قِصَّةُ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ، وَخُنَافِرَ وأمثالها، حِينَ جَاءَهُمَا رَيَّاهُمَا مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِمَا.
مِنْ بَعْدِ مُوسى: أَيْ مِنْ بَعْدِ كِتَابِ مُوسَى. قَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا عَلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ تَسْمَعِ الْجِنُّ بِأَمْرِ عِيسَى، وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. كَيْفَ لَا تَسْمَعُ بِأَمْرِ عِيسَى وَلَهُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا تَنْحَصِرُ عَلَى مِلَّتِهِ؟ فَيَبْعُدُ عَنِ الْجِنِّ كَوْنُهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَالُوا: مِنْ بَعْدِ مُوسى تَنْبِيهًا لِقَوْمِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، إِذْ كَانَ ﵊ قَدْ بَشَّرَ بِهِ مُوسَى، فَقَالُوا: ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، إِذْ كَانَتْ كُلُّهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ، وَالْأَمْرُ بِتَطْهِيرِ الْأَخْلَاقِ. يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ: أَيْ إِلَى مَا هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ صِدْقٌ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ العقل. وإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ: غَايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعٍ لَا يُسْتَعْمَلُ الْآخَرُ فِيهِ، فَجَمَعَ هُنَا بَيْنَهُمَا وَحَسُنَ التَّكْرَارُ. أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ: هُوَ الرَّسُولُ، وَالْوَاسِطَةُ الْمُبَلِّغَةُ عَنْهُ، وَآمِنُوا بِهِ: يَعُودُ عَلَى اللَّهِ.
стр. 5514
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ بِالْإِيمَانِ ذُنُوبَ الْمَظَالِمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقِيلَ: مِنْ زَائِدَةٌ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ تَبِعَةٌ.
وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ: وَهَذَا كُلُّهُ وَظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهُمْ ثَوَابٌ وَعَلَيْهِمْ عِقَابٌ، يَلْتَقُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَزْدَحِمُونَ عَلَى أَبْوَابِهَا. وَقِيلَ:
لَا ثَوَابَ لَهَا إِلَّا النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَبُ أَبُو حَنِيفَةَ. فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ:
أَيْ بِفَائِتٍ مِنْ عِقَابِهِ، إِذْ لَا مَنْجَا مِنْهُ، وَلَا مَهْرَبَ، كَقَوْلِهِ: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً «١» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ: وَلَيْسَ لَهُمْ بِزِيَادَةِ مِيمٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
وَلَمْ يَعْيَ، مُضَارِعَ عَيِيَ، عَلَى وَزْنِ فَعِلَ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْحَسَنُ: وَلَمْ يَعِي، بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ فِي الْمَاضِي فُتِحَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالُوا فِي بَقِيَ: بقا، وهي لغة لطيئ. وَلَمَّا بُنِيَ الْمَاضِي عَلَى فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، بُنِيَ مُضَارِعُهُ عَلَى يَفْعِلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فجاء يعني. فَلَمَّا دَخَلَ الْجَازِمُ، حَذَفَ الْيَاءَ، فَبَقِيَ يَعْيَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْيَاءِ إِلَى الْعَيْنِ، فَسَكَنَتِ الْيَاءُ وَبَقِيَ يَعِي. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِقادِرٍ: اسْمَ فَاعِلٍ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي خَبَرِ أَنَّ، وَحَسَّنَ زِيَادَتِهَا كَوْنُ مَا قَبْلَهَا فِي حَيِّزِ النَّفْيِ. وَقَدْ أَجَازَ الزَّجَّاجُ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا بِقَائِمٍ، قِيَاسًا عَلَى هَذَا، وَالصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ، فَكَأَنَّهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِقَادِرٍ؟
أَلَا تَرَى كَيْفَ جَاءَ بِبَلَى مُقَرِّرًا لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لَا لِرُؤْيَتِهِمْ؟ وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَعِيسَى، وَالْأَعْرَجُ: بِخِلَافٍ عَنْهُ وَيَعْقُوبُ: يُقَدِّرُ مُضَارِعًا.
أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ: أَيْ يُقَالُ لَهُمْ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْعَذَابِ. أَيْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأَنَّكُمْ تُعَذَّبُونَ، وَالْمَعْنَى: تَوْبِيخُهُمْ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ وَقَوْلِهِمْ: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ «٢» . قالُوا بَلى وَرَبِّنا، تَصْدِيقٌ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ وَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ الْعَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُجَاوِبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ: الْفَاءُ عَاطِفَةٌ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ أَخْبَارِ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمَعْنَى بَيْنَهُمَا مُرْتَبِطٌ: أَيْ هَذِهِ حَالُهُمْ مَعَ اللَّهِ. فَلَا تَسْتَعْجِلْ أَنْتَ وَاصْبِرْ، وَلَا تَخَفْ إِلَّا اللَّهَ. وَأُولُو الْعَزْمِ: أَيْ أُولُو الْجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ مَنْ حُفِظَ لَهُ شِدَّةٌ مَعَ قَوْمِهِ وَمُجَاهَدَةٌ. فَتَكُونُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ للبيان، أي الذين هم الرُّسُلُ، وَيَكُونُ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ أولي
стр. 5515
العزم وأولوا الْعَزْمِ عَلَى التَّبْعِيضِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ رُسُلٌ وَغَيْرُ رُسُلٍ وَعَلَى الْبَيَانِ يَقْتَضِي أَنَّهُمُ الرُّسُلُ، وَكَوْنُهَا لِلتَّبْعِيضِ قَوْلُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالْكَلْبِيِّ، وَلِلْبَيَانِ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُمُ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، لِأَنَّهُ قَالَ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ:
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «١» . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ، وَإِسْحَاقُ صَبَرَ نَفْسَهُ عَلَى الذَّبْحِ، وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى الْفَقْدِ لِوَلَدِهِ وَعَمَى بَصَرِهِ وَقَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى السِّجْنِ وَالْبِئْرِ، وَأَيُّوبُ عَلَى الْبَلَاءِ. وَزَادَ غَيْرُهُ:
وَمُوسَى قَالَ قَوْمُهُ: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ «٢» ، وَدَاوُدُ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعِيسَى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَقَالَ: إِنَّهَا مَعْبَرٌ، فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمَرُوهَا.
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ: أَيْ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ بِالْعَذَابِ، أَيْ لَا تَدْعُ لَهُمْ بِتَعْجِيلِهِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ تَأَخَّرَ، وَإِنَّهُمْ مستقصرن حِينَئِذٍ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: مِنَ النَّهَارِ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِنْ نَهَارٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بَلَاغٌ، بِالرَّفْعِ، وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إِلَى الْمُدَّةَ الَّتِي لَبِثُوا فِيهَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السَّاعَةُ بَلَاغُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَتاعٌ قَلِيلٌ «٣» ، فَبَلَاغٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَلَاغٌ يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ وَالشَّرْعَ، أَيْ هَذَا بَلَاغٌ، أَيْ تَبْلِيغٌ وَإِنْذَارٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: بَلَاغٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَهُمْ وَيَقِفُ عَلَى فَلَا تَسْتَعْجِلْ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الْكَلَامِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، إِذْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَهُمْ، أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، وَالْحَيْلُولَةُ الْجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْمُبْتَدَأِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعِيسَى: بَلَاغًا بِالنَّصْبِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ: بَلَاغًا فِي الْقُرْآنِ، أَيْ بُلِّغُوا بَلَاغًا، أَوْ بَلَّغْنَا بَلَاغًا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ أَيْضًا: بَلَاغٍ بِالْجَرِّ، نَعْتًا لِنَهَارٍ.
وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ، وَأَبُو سَرَاحٍ الْهُذَلِيُّ: بَلَّغَ عَلِيٌّ الْأَمْرَ، لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ حَمْلَ بَلَاغٌ رَفْعًا وَنَصْبًا عَلَى أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ تَبْلِيغَ الْقُرْآنِ وَالشَّرْعِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَيْضًا: بَلَّغَ فِعْلًا مَاضِيًا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُهْلَكُ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ خَالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَعَنْهُ أَيْضًا: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ، وَمَاضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهِيَ لُغَةٌ.
وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ: هِيَ مَرْغُوبٌ عَنْهَا. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يُهْلِكُ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ.
إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ: بِالنَّصْبِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعِيدٌ وإنذار.
стр. 5516
سورة محمّد
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)
стр. 5517
الْبَالُ: الْفِكْرُ، تَقُولُ: خَطَرَ فِي بَالِي كَذَا، وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَشَذَّ قَوْلُهُمْ: بَالَاتٌ فِي جَمْعِهِ. تَعَسَ الرَّجُلُ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ، تَعْسًا: ضِدُّ تَنَعُّشٍ، وَأَتْعَسَهُ اللَّهُ. قَالَ مُجَمِّعُ بْنُ هِلَالٍ:
تَقُولُ وَقَدْ أَفْرَدْتُهَا مِنْ حَلِيلِهَا ... تَعَسْتَ كَمَا أَتْعَسْتَنِي يَا مُجَمِّعُ
وَقَالَ قَوْمٌ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ: تَعِسَ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: تَعِسَهُ اللَّهُ وَأَتْعَسَهُ: فِي بَابِ فَعِلَتْ وَأَفْعَلَتْ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أن يجز عَلَى الْوَجْهِ، وَالنَّكْسُ: أَنْ يُجَرَّ عَلَى الرَّأْسِ. وَقَالَ هُوَ أَيْضًا، وَثَعْلَبٌ: التَّعْسُ: الْهَلَاكُ.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْيَاتٍ إِذَا عَثَرَتْ ... فَالتَّعْسُ أَوْلَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا
آسِنٌ: الْمَاءُ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، يَأْسِنُ وَيَأْسُنُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ، وَالْمَصْدَرُ: أُسُونٌ وَأَسِنٌ بِكَسْرِ السِّينِ. يَأْسَنُ، بِفَتْحِهَا، لُغَةٌ أَسْنَا، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ. وَأَسِنَ الرَّجُلُ، بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ: إِذَا دَخَلَ الْبِئْرَ، فَأَصَابَتْهُ رِيحٌ مِنْ رِيحِ الْبِئْرِ، فَغَشِيَ عَلَيْهِ، أَوْ دَارَ رَأْسُهُ. قَالَ الشَّاعِرِ:
قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ ... يَمِيدُ فِي الرِّيحِ ميدا لمائح الْأَسِنِ
стр. 5518
الْأَشْرَاطُ: الْعَلَامَاتُ، وَاحِدُهَا شَرْطٌ، بِسُكُونِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:
فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنَا ... فَقَدْ جَعَلَتْ أَشْرَاطُ أَوَّلِهِ تَبْدُو
وَأَشْرَطَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ: أَلْزَمَهَا أُمُورًا. قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ:
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ ... فَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
الْعَسَلُ: مَعْرُوفٌ، وَعَسَلُ بْنُ ذَكْوَانَ رَجُلٌ نَحْوِيٌّ قَدِيمٌ. الْمِعَى: مَقْصُورٌ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ تَثْنِيَتُهُ مِعَيَانِ، بِقَلْبِ الْأَلِفِ يَاءً. وَالْمِعَى: مَا فِي الْبَطْنِ مِنَ الْحَوَايَا. الْقُفْلُ: مَعْرُوفُ، وَأَصْلُهُ الْيُبْسُ وَالصَّلَابَةُ. وَالْقُفْلُ وَالْقَفِيلُ: مَا يَبُسَ مِنَ الشَّجَرِ.
وَالْقَفِيلُ أَيْضًا: نَبْتٌ، وَالْقَفِيلُ: السَّوْطُ وَأَقْفَلَهُ الصَّوْمُ: أيبسه، قاله الجوهري. آئفا وَآنِفًا:
هُمَا اسْمَا فَاعِلٍ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِعْلُهُمَا، وَالَّذِي اسْتُعْمِلَ اِئْتَنَفَ، وَهُمَا بِمَعْنَى مُبْتَدِيًا، وَتَفْسِيرُهُمَا بِالسَّاعَةِ تَفْسِيرُ مَعْنًى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ، إِذَا ابْتَدَأْتُهُ. فَأَوْلَى لَهُمْ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: قَوْلُ الْعَرَبِ أَوْلَى لَكَ: تَهْدِيدٌ وَتَوْعِيدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ... وَهَلْ لِلدَّارِ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ
انْتَهَى. وَاخْتَلَفُوا، أَهُوَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ؟ فَذَهَبَ الْأَصْمَعِيُّ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى قَارَبَهُ مَا يُهْلِكُهُ، أَيْ نَزَلَ بِهِ، وَأَنْشَدَ:
تَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وَأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ
أَيْ: قَارَبَ أَنْ يَزِيدَ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي أَوْلَى أَحْسَنَ مِمَّا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ لِمَنْ هَمَّ بِالْعَطَبِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا كَانَ يُوَالِي رَمْيَ الصَّيْدِ فَيَنْفَلِتُ مِنْهُ فَيَقُولُ: أَوْلَى لَكَ رَمْيُ صَيْدًا فَقَارَبَهُ ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ، وَقَالَ:
فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صَيْدَهُمْ ... وَلَكِنَّ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعًا
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ، فَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الْقُرْبُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلِيُّهَا ... وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: هُوَ مَا حُوِّلَ مِنَ الْوَيْلِ، فَهُوَ أَفْعَلُ مِنْهُ، لَكِنَّ فِيهِ قَلْبٌ. الضِّغْنُ وَالضَّغِينَةُ: الْحِقْدُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
فَإِنَّ الضغن بعد الضغن يعسو ... عَلَيْكَ وَيَخْرُجُ الدَّاءُ الدَّفِينَا
стр. 5519
وَقَدْ ضَغِنَ بِالْكَسْرِ، وَتَضَاغَنَ الْقَوْمُ وَأَضْغَنُوا: بَطَنُوا الْأَحْقَادَ. وَقَدْ ضَغِنَ عَلَيْهِ، وَأَضْغَنْتَ الصَّبِيَّ: أَخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ، وَأَنْشَدَ الْأَحْمَرُ:
كَأَنَّهُ مُضْغِنٌ صَبِيًّا وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
ما اضْطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَعْرَكِهَا وَفَرَسٌ ضَاغِنٌ: لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجَرْيِ إِلَّا بِالضَّرْبِ. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الضِّغْنِ، وَهُوَ الِالْتِوَاءُ وَالِاعْوِجَاجُ فِي قَوَائِمِ الدَّابَّةِ وَالْقَنَاةِ وَكُلُّ شَيْءٍ. وَقَالَ بِشْرٌ:
كَذَاتِ الضِّغْنِ تَمْشِي فِي الزُّقَاقِ وَأَنْشَدَ اللَّيْثُ:
إِنَّ فَتَاتِي مِنْ صَلِيَّاتِ الْقَنَا ... مَا زَادَهَا التَّثْقِيفُ إِلَّا ضِغْنًا
وَالْحِقْدُ فِي الْقَلْبِ يُشَبَّهُ بِهِ. وَقَالَ قُطْرُبٌ:
وَاللَّيْثُ أَضْغَنَ الْعَدَاوَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتُ بِمَنْطِقٍ ... نَشَأَ الصَّدِيقُ وَشَيَّدَ الْأَضْغَانَا
لَحَنْتُ لَهُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ، أَلْحَنُ لَحْنًا: قُلْتُ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ وَيَخْفَى عَنْ غَيْرِهِ وَلَحِنَهُ هُوَ بِالْكَسْرِ: فَهِمَهُ وَأَلْحَنَهُ: فَهَّمَهُ وألحنته أنا إياه ولا حنت النَّاسَ: فَاطَنْتُهُمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَيَلْحَنُ أَحْيَا ... نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا
وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ:
وَلَقَدْ وَمَيْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ... وَلَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ
وَقِيلَ: لَحْنُ الْقَوْلِ: الذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ فِي الْإِعْرَابِ. وَتَرَهُ:
نَقَصَهُ، مَأْخُوذٌ من الدخل. وَقِيلَ مِنَ الْوَتْرِ، وَهُوَ الْفَرْدُ.
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ
стр. 5520
بالَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ، فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ.
هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ: مَكِّيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَدَنِيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، إِلَّا آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ بَعْدَ حَجِّهِ، حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ، وَهِيَ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الْآيَةَ. وَمُنَاسَبَةُ أَوَّلِهَا لِآخِرِ مَا قَبْلَهَا وَاضِحَةٌ جِدًّا.
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: أَيْ أَعْرَضُوا عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ صَدُّوا غَيْرَهُمْ عَنْهُ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا رسول الله ﷺ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُمُ الْمُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، صَدُّوا مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ، يَمْنَعُ قَاصِدِيهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ كَفَرَ وَصَدَّ. أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ: أَيْ أَتْلَفَهَا، حَيْثُ لَمْ يَنْشَأْ عَنْهَا خَيْرٌ وَلَا نَفْعٌ، بَلْ ضَرَرٌ مَحْضٌ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِبَدْرٍ، وَأَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ إِلَى الِاتِّفَاقِ الَّذِي اتَّفَقُوهُ فِي سَفَرِهِمْ إِلَى بَدْرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ: أَعْمَالُهُمُ الْبِرَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ وَفَكِّ عَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: هُمُ الْأَنْصَارُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَقِيلَ: مُؤْمِنُوَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ وَعَلَى تَقْدِيرِ خُصُوصِ السَّبَبِ فِي الْقَبِيلَتَيْنِ، فَاللَّفْظُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كَافِرٍ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ. وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ: تَخْصِيصُهُ مِنْ بَيْنِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الرَّسُولِ، وَإِعْلَامٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ.
وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ الِاعْتِرَاضِيَّةِ الَّتِي هِيَ: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَقِيلَ: وَهُوَ الْحَقُّ:
نَاسِخٌ لِغَيْرِهِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نُزِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ
стр. 5521
مِقْسَمٍ: نَزَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالْأَعْمَشُ: أُنْزِلَ مُعَدًّى بِالْهَمْزَةِ مبنيا للمفعول. وقرىء: نَزَلَ ثُلَاثِيًّا. كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ: أَيْ حَالَهُمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَشَأْنَهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَمْرَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَحَقِيقَةُ لَفْظِ الْبَالِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْفِكْرِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الْقَلْبُ. فَإِذَا صَلُحَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَلُحَتْ حَالُهُ، فَكَأَنَّ اللَّفْظَ مُشِيرٌ إِلَى صَلَاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَالِ تَابِعٌ.
ذلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا فُعِلَ بِالْكُفَّارِ مِنْ إِضْلَالِ أَعْمَالِهِمْ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ تَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِمْ وَإِصْلَاحِ حَالِهِمْ. وَذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، أَيْ كَائِنٌ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ هَؤُلَاءِ الْبَاطِلَ وَهَؤُلَاءِ الْحَقَّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْأَمْرُ ذَلِكَ، أَيْ كَمَا ذُكِرَ بِهَذَا السَّبَبِ، فَيَكُونَ مَحَلُّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَنْصُوبًا. انْتَهَى. وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِضْمَارِ مَعَ صِحَّةِ الْوَجْهِ وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ. وَالْبَاطِلُ: مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
الشَّيْطَانُ وَكُلُّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَالْحَقُّ: هُوَ الرَّسُولُ وَالشَّرْعُ، وَهَذَا الْكَلَامُ تُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ:
التَّفْسِيرَ. كَذلِكَ يَضْرِبُ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْإِشَارَةُ إِلَى أَتْبَاعِ الْمَذْكُورِينَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ كَمَا اتَّبَعُوا هَذَيْنِ السَّبِيلَيْنِ، كَذَلِكَ يُبَيَّنُ أَمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ، وَيُجْعَلُ لَهَا ضَرْبُهَا مِنَ الْقَوْلِ وَصْفَهَا وَضَرْبُ الْمَثَلِ مِنَ الضَّرْبِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى النَّوْعِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَذَلِكَ، أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ. يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ لِأَجْلِ النَّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِهِمْ. فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ؟ قُلْتُ: فِي أَنْ جَعَلَ اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الْكُفَّارِ، وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ فِي أَنْ جَعَلَ الْإِضْلَالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الْكُفَّارِ، وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا: أَيْ فِي أَيِّ زَمَانٍ ليقتموهم، فَاقْتُلُوهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» ، أَيْ فِي أَيِّ مَكَانٍ، فَعَمَّ فِي الزَّمَانِ وَفِي الْمَكَانِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَقِيتُمْ، مِنَ اللِّقَاءِ، وَهُوَ الْحَرْبُ. انْتَهَى. فَضَرْبَ الرِّقابِ:
هَذَا مِنَ الْمَصْدَرِ النَّائِبِ مَنَابَ فِعْلِ الْأَمْرِ، وَهُمْ مُطَّرِدٌ فِيهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إِذَا انْتَصَبَ مَا بَعْدَهُ فَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفِعْلِ النَّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ لِنِيَابَتِهِ عَنِ الْعَامِلِ فِيهِ، وَمِثَالُهُ: ضَرْبًا زَيْدًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى حِينِ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ ... فَنَدْلًا زُرَيْقُ الْمَالِ نَدْلَ الثَّعَالِبِ
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَضَرْبَ الرِّقابِ، وهو إضافة المصدر
стр. 5522
لِلْمَفْعُولِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا لَهُ، مَا جَازَتْ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ. وَضَرْبَ الرِّقَابِ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَتْلِ وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ لِلْإِنْسَانِ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ، عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَا يُرَادُ خُصُوصِيَّةُ الرِّقَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ تَتَأَتَّى حَالَةُ الْحَرْبِ أَنْ تُضْرَبَ الرِّقَابُ، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى الْقِتَالُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنَ الْأَعْضَاءِ. وَيُقَالُ: ضَرَبَ الْأَمِيرُ رَقَبَةَ فُلَانٍ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ وَعِلَاوَتَهُ وَمَا فِيهِ عَيْنَاهُ، إِذَا قَتَلَهُ، كَمَا عبر بقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «١» عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْكَسْبِ مَنْسُوبًا إِلَى الْأَيْدِي. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْقَتْلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَصْوِيرِ الْقَتْلِ بِأَشْنَعِ صُورَةٍ، وَهُوَ حَزُّ الْعُنُقِ وَإِطَارَةُ الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْبَدَنِ وَعُلُوُّهُ وَأَوْجُهُ أَعْضَائِهِ. وَقَدْ زَادَ فِي هَذِهِ فِي قَوْلِهِ: فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ «٢» . انْتَهَى. وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَشْجِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ بِحَيْثُ هُمْ متمكنون مِنْهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِضَرْبِ رِقَابِهِمْ. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ: أَيْ أَكْثَرْتُمُ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَهَذِهِ غَايَةٌ لِلضَّرْبِ، فَإِذَا وَقَعَ الْإِثْخَانُ وَتَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ وَشَدُّوا وَثَاقَ الْأَسْرَى، فَإِمَّا مَنًّا بِالْإِطْلَاقِ، وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها: أَيْ أَثْقَالَهَا وَآلَاتِهَا. وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورًا
أَنْشَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِعَمْرٍو هَذَا، وَأَنْشَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلْأَعْشَى. وَقِيلَ: الْأَوْزَارُ هُنَا:
الْآثَامُ، لِأَنَّ الْحَرْبَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا آثَامٌ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
حَتَّى ينزل عيسى بن مَرْيَمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَتَّى يُسْلِمَ الْجَمِيعُ وَقِيلَ: حَتَّى تَقْتُلُوهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ يُرَادُ بِهَا الْتِزَامُ الْأَمْرِ أَبَدًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَرْبَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ لَا يَضِيعُ أَوْزَارَهَا، فَجَاءَ هَذِهِ، كَمَا تَقُولُ: أَنَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّكَ تَفْعَلُهُ دَائِمًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَسُمِّيَتْ، يَعْنِي آلَاتِ الْحَرْبِ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، أَوْزَارَهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْ جَرِّهَا، فَكَأَنَّهَا تَحْمِلُهَا وَتَسْتَقِلُّ بِهَا فَإِذَا انْقَضَتْ، فَكَأَنَّهَا وَضَعَتْهَا. وَقِيلَ: أَوْزَارَهَا: آثَامَهَا، يَعْنِي حَتَّى يَتْرُكَ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، شِرْكَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ، بِأَنْ يُسْلِمُوا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَرْبَ الرِّقَابِ، وَهُوَ الْقَتْلُ مُغَيَّا بِشَدِّ الْوَثَاقِ وَقْتَ حُصُولِ الْإِثْخَانِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ، أَيْ بَعْدَ الشَّدِّ، وَإِمَّا فِداءً، حَالَتَانِ لِلْمَأْسُورِ، إِمَّا أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ بِالْإِطْلَاقِ، كَمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِطْلَاقِ
стр. 5523
ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى، كَمَا
رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ فُودِيَ مِنْهُ رَجُلَانِ مِنَ الْكُفَّارِ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مُعَارِضٌ ظَاهِرُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» .
فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُجَاهِدٌ، إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ، وَأَنَّ الْأَسْرَ وَالْمَنَّ وَالْفِدَاءَ مُرْتَفِعٌ، فَإِنْ وَقَعَ أَسِيرٌ قُتِلَ وَلَا بُدَّ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ. وروي نحوه عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، إِلَى أَنَّ هَذِهِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ تِلْكَ، وَالْمَنَّ وَالْفِدَاءَ ثَابِتٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يُقْتَلُ الْأَسِيرُ إِلَّا فِي الْحَرْبِ، يَهِيبُ بِذَلِكَ عَلَى الْعَدُوِّ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فِيهِمُ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ وَعُبَّادَ الْأَوْثَانِ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا الْقَتْلُ، فَخَصَّصُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَخُصِّصَ مِنَ الْكُفَّارِ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْيَوْمَ:
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ فِي الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ وَالْمَنِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِمَّا فِداءً، يَجُوزُ فِدَاؤُهُ بِالْمَالِ وَبِمَنْ أُسِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يُفْدَى بِالْمَالِ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ: فَشِدُّوا، بِكَسْرِ الشِّينِ، وَالْجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ. وَالْوَثَاقُ: بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَفِيهِ لُغَةٌ الْوِثَاقُ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُوثَقُ بِهِ، وَانْتَصَبَ مَنًّا وَفِدَاءً بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُقَدَّرُ مِنْ لَفْظِهِمَا، أَيْ فَإِمَّا تَمُنُّونَ مَنًّا، وَإِمَّا تَفْدُونَ فِدَاءً، وَهُوَ فِعْلٌ يَجِبُ إِضْمَارُهُ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ جَاءَ تَفْصِيلَ عَاقِبَةٍ، فَعَامِلُهُ مِمَّا يَجِبُ إِضْمَارُهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَأَجْهَدَنَّ فَإِمَّا دَرْءَ وَاقِعَةٍ ... تُخْشَى وَإِمَّا بُلُوغَ السُّؤْلِ وَالْأَمَلِ
أَيْ: فَإِمَّا أَدْرَأُ دَرْأَ وَاقِعَةٍ، وَإِمَّا أَبْلُغُ بُلُوغَ السُّؤْلِ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ، أَيْ أَدُّوهُمْ مَنًّا وَاقْبَلُوا، وَلَيْسَ إِعْرَابٌ نَحْوِيٌّ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ شِبْلٍ: وَإِمَّا فِدًى بِالْقَصْرِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَجُوزُ قَصْرُهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ فَادَيْتُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ فِيهِ أَرْبَعَ لُغَاتٍ: فِدَاءً لَكَ بِالْمَدِّ وَالْإِغْرَاءِ، وَفِدًى لَكَ بِالْكَسْرِ بِيَاءٍ وَالتَّنْوِينِ، وَفِدَى لَكَ بِالْقَصْرِ، وَفِدَاءٌ لَكَ. وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِمَّا مَنًّا: الْمَنُّ بِالْإِطْلَاقِ، كَمَا مَنَّ الرَّسُولُ ﵊ عَلَى ثُمَامَةَ، وَعَلَى أَبِي عُرْوَةَ الْحَجَبِيِّ. وَفِي كِتَابِ الزمخشري: كما منّ
стр. 5524
عَلَى أَبِي عُرْوَةَ الْحَجَبِيِّ، وَأُثَالٍ الْحَنَفِيِّ، فَغَيَّرَ الْكُنْيَةَ وَالِاسْمَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِخِ، لَا فِي أَصْلِ التَّصْنِيفِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَنِّ: أَيْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلِ وَيُسْتَرَقُّوا، أَوْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ فَيُخَلُّوا لِقَبُولِهِمُ الْجِزْيَةَ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: فَشُدُّوا الْوَثاقَ، لِأَنَّهُ قَدْ غَيَّا فَضَرْبَ الرِّقَابِ بِشَدِّ الْوَثَاقِ وَقْتَ الْإِثْخَانِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُغَيَّا بِغَايَةٍ أُخْرَى لِتَدَافُعِ الْغَايَتَيْنِ، إِلَّا إِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ مُبَيِّنَةً لِلْأُولَى وَمُؤَكِّدَةً، فَيَجُوزُ، لِأَنَّ شَدَّ الْوَثَاقِ لِلْأَسْرَى لَا يَكُونُ إِلَّا حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. إِذَا فَسَّرْنَا ذَلِكَ بِانْتِفَاءِ شَوْكَةِ الْكُفَّارِ الْمَلْقِيِّينَ إِذْ ذَاكَ، وَيَكُونُ الْحَرْبُ الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي تَكُونُ وَقْتَ لِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْكُفَّارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُغَيَّا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، التَّقْدِيرُ: الْحُكْمُ ذَلِكَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، أَيْ لَا يَبْقَى شَوْكَةٌ لَهُمْ. أَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّهَا اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيِ اصْنَعُوا ذَلِكَ دَائِمًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: حَتَّى بِمَ تَعَلَّقَتْ؟ قُلْتُ: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ إِمَّا بِالضَّرْبِ وَالشَّدِّ، أَوْ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. فَالْمَعْنَى عَلَى كِلَا الْمُتَعَلِّقَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀:
أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَوْكَةٌ. وَقِيلَ: إِذَا نَزَلَ عِيسَى بن مَرْيَمَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا عُلِّقَ بِالضَّرْبِ وَالشَّدِّ. فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَيُؤْسَرُونَ حَتَّى تَضَعَ جِنْسُ الْحَرْبِ الْأَوْزَارَ، وَذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى شَوْكَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وَإِذَا عُلِّقَ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُمَنُّ عَلَيْهِمْ وَيُفَادُونَ حَتَّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أَوْزَارَهَا، إِلَى أَنْ تَنَاوَلَ الْمَنَّ وَالْفِدَاءَ، يَعْنِي: بِتَنَاوُلِ الْمَنِّ بِأَنْ يُتْرَكُوا عَنِ الْقَتْلِ وَيُسْتَرَقُّوا، أَيْ بِالتَّخْلِيَةِ بِضَرْبِ الْجِزْيَةِ بِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَبِالْعَذَابِ أَنْ يُفَادَى بِأَسَارَى الْمُشْرِكِينَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مَذْهَبًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَرَى فِدَاءَهُمْ بِمَالٍ وَلَا غَيْرِهِ، خِيفَةَ أَنْ يَعُودُوا حَدَبًا لِلْمُسْلِمِينَ. ذلِكَ: أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ إِذَا فَعَلُوا.
ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ: أي لا أنتقم مِنْهُمْ بِبَعْضِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ، مِنْ خَسْفٍ، أَوْ رَجْفَةٍ، أَوْ حَاصِبٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ مَوْتٍ جَارِفٍ. وَلكِنْ لِيَبْلُوَا: أَيْ وَلَكِنْ:
أَمَرَكُمْ بِالْقِتَالِ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، أَيْ يَخْتَبِرَهُمْ بِبَعْضٍ، وَهُمُ الْكَافِرُونَ، بِأَنْ يُجَاهِدُوا وَيَصْبِرُوا، وَالْكَافِرِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُعَاجِلَهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِبَعْضِ مَا وَجَبَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: قَاتَلُوا، بِفَتْحِ الْقَافِ وَالتَّاءِ، بِغَيْرِ أَلِفٍ وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْرَجُ، وَالْأَعْمَشُ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ: قُتِلُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالتَّاءُ خَفِيفَةٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ،
стр. 5525
وَالْحَسَنُ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَعِيسَى، وَالْجَحْدَرِيُّ أَيْضًا: كَذَلِكَ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ: فَلَنْ يُضِلَّ مَبْنِيًّا للمفعول أَعْمالَهُمْ: رفع. وقرىء: يَضِلَّ، بِفَتْحِ الْيَاءِ، مِنْ ضَلَّ أَعْمَالُهُمْ: رُفِعَ.
سَيَهْدِيهِمْ: أَيْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَهْتَدِي أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنْهَا لا يخطؤون، لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانَهَا مُنْذُ خُلِقُوا، لَا يَسْتَبْدِلُوا عَلَيْهَا. وَرَوَى عِيَاضٌ عَنْ أَبِي عمرو: وَيُدْخِلُهُمُ، ويَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ «١» ، وإِنَّما نُطْعِمُكُمْ «٢» ، بِسُكُونِ لَامِ الْكَلِمَةِ. عَرَّفَها لَهُمْ، عَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي وُكِّلَ بِحِفْظِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ بَيَّنَهَا لَهُمْ، أَيْ جَعَلَهُمْ يَعْرِفُونَ مَنَازِلَهُمْ مِنْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ لَأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: سَمَّاهَا لَهُمْ وَرَسَمَهَا كُلَّ مَنْزِلٍ بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنَ التَّعْرِيفِ.
يُقَالُ: عَرَفَ الدَّارَ وَأَرْفَهَا: أَيْ حَدَّدَهَا، فَجَنَّةُ كُلِّ أَحَدٍ مُفْرَزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا. وَالْعُرْفُ وَالْأُرْفُ:
الْحُدُودُ. وَقِيلَ: شَرَّفَهَا لَهُمْ وَرَفَعَهَا وَعَلَّاهَا، وَهَذَا مِنَ الْأَعْرَافِ الَّتِي هِيَ الْجِبَالُ وَمَا أَشْبَهَهَا. وقال مؤرج وَغَيْرُهُ: طَيَّبَهَا، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرْفِ، وَمِنْهُ: طَعَامٌ مُعَرَّفٌ: أَيْ مُطَيَّبٌ، أَيْ وَعَرَّفْتَ الْقِدْرَ طَيَّبْتَهَا بِالْمِلْحِ وَالتَّابِلِ.
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ: أَيْ دِينَهُ، يَنْصُرْكُمْ: أَيْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، بِخَلْقِ الْقُوَّةِ فِيكُمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِفِ. وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ: أَيْ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ، أَوْ عَلَى مَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَيُثَبِّتْ: مُشَدَّدًا، وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ: مُخَفَّفًا. فَتَعْساً لَهُمْ: قال ابن عباس: بعد الهم وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالسُّدِّيُّ: حُزْنًا لَهُمْ وَالْحَسَنُ: شَتْمًا وَابْنُ زَيْدٍ: شَقَاءً وَالضَّحَّاكُ: رَغْمًا وَحَكَى النَّقَّاشُ: قُبْحًا. وَالَّذِينَ كَفَرُوا: مُبْتَدَأٌ، وَالْفَاءُ دَاخِلَةٌ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَتَقْدِيرُهُ: فَتَعِسَهُمُ اللَّهُ تَعْسًا. فَتَعْسًا: مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ الْفِعْلَ فِي قَوْلِهِ: وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: فَتَعْساً لَهُمْ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدًا جَدْعًا لَهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: على م عُطِفَ قَوْلُهُ: وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ؟ قُلْتُ: عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي نَصَبَ تَعْسًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى: فَقَالَ تَعْسًا لَهُمْ، أَوْ فَقَضَى تَعْسًا لَهُمْ وَتَعْسًا لَهُمْ نَقِيضُ لَعًى لَهُ. انْتَهَى. وَإِضْمَارُ مَا هُوَ مِنْ لَفْظِ الْمَصْدَرِ أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى مَا حُذِفَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ فِي الدُّنْيَا الْقَتْلَ، وَفِي الْآخِرَةِ التَّرَدِّيَ فِي النَّارِ. انْتَهَى. وَفِي قوله:
стр. 5526
فَتَعْساً لَهُمْ: أَيْ هَلَاكًا بِأَدَاةِ تَقْوِيَةٍ لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ جَعَلَ لَهُمُ التَّثْبِيتَ، وَلِلْكُفَّارِ الْهَلَاكَ وَالْعَثْرَةَ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: يَشْمَلُ مَا أَنْزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ التَّوْحِيدِ، وَذِكْرِ الْبَعْثِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ. فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ: أي جعلها مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَزْكُوا وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا. دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أَيْ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ مَا اخْتُصُّوا بِهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا. تِلْكَ الْعَاقِبَةُ وَالتَّدْمِيرَةُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا دَمَّرَ وَالْهَلَكَةُ، لِأَنَّ التَّدْمِيرَ يَدُلُّ عَلَيْهَا، أَوِ السُّنَّةَ، لِقَوْلِهِ : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا «١» . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَنْطُوقٌ بِهَا، فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَمَا بَعْدَهُ مَقُولُ الْقَوْلِ. ذلِكَ بِأَنَّ: ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى النَّصْرِ فِي اخْتِيَارِ جَمَاعَةٍ، وَإِلَى الْهَلَاكِ، كَمَا قَالَ: وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها، قَالَ ذَلِكَ الْهَلَاكُ الَّذِي جُعِلَ لِلْكُفَّارِ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهِ مَوْلاهُمُ: أَيْ نَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ، إِذِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَتَرَكُوا عِبَادَةَ مَنْ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ، وَهُوَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَمِنْهَا انْتَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَدَّهُ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ حِينَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» ، حِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لَنَا عُزَّى، وَلَا عُزَّى لَكُمْ.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ، وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ، أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ، وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها، فَأَنَّى لَهُمْ إِذا
стр. 5527
جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ.
يَتَمَتَّعُونَ: أَيْ يَنْتَفِعُونَ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَيَأْكُلُونَ، غَافِلِينَ غَيْرَ مُفَكِّرِينَ فِي الْعَاقِبَةِ، كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ فِي مَسَارِحِهَا وَمَعَالِفِهَا، غَافِلَةً عَمَّا هِيَ بِصَدَدِهِ مِنَ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ. وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، إِمَّا عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ، كَمَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ، أَيْ يَأْكُلُونَهُ، أَيِ الْأَكْلُ مُشْبِهًا أَكْلَ الْأَنْعَامِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَكْلَهُمْ مُجَرَّدٌ مِنَ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ، كَمَا يُقَالُ لِلْجَاهِلِ: يَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ الْبَهِيمَةُ، لَا يُرِيدُ التَّشْبِيهَ فِي مُطْلَقِ الْعَيْشِ، وَلَكِنْ فِي لَازِمِهِ. وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ: أَيْ مَوْضِعُ إِقَامَةٍ. ثُمَّ ضَرَبَ تَعَالَى مَثَلًا لِمَكَّةَ وَالْقُرَى الْمُهْلَكَةِ عَلَى عِظَمِهَا، كَقَرْيَةِ عَادٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، وَأَسْنَدَ الْإِخْرَاجَ إِلَيْهَا مَجَازًا. وَالْمَعْنَى: كَانُوا سَبَبَ خُرُوجِكَ، وَذَلِكَ وَقْتَ هِجْرَتِهِ ﵇ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَمَا جَاءَ
فِي حَدِيثِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا إِذْ يُخْرِجُكَ قومك، قَالَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنُسِبَ الْإِخْرَاجُ إِلَى الْقَرْيَةِ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ، وَقَالَ: أَهْلَكْناهُمْ، حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى. انْتَهَى. وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَهْلَكْنَاهُمْ لَيْسَ عَائِدًا عَلَى الْمُضَافِ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُسْنِدَ إِلَيْهَا الْإِخْرَاجُ، بَلْ إِلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي قَوْلِهِ:
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ وَحَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى:
أَيْ أَنْ يَكُونَ فِي مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَبْقَى كَأَيِّنْ مُفْلَتًا غَيْرَ مُحَدَّثٍ عَنْهُ بِشَيْءٍ، إِلَّا أَنَّ وَقْتَ إِهْلَاكِهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ: فَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ إِذْ ذَاكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْغَارِ، الْتَفَتَ إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ: أَنْتِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْتِ أحب بلاد الله إلى، فَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُخْرِجُونِي، لَمْ أَخْرُجْ مِنْكِ، فَأَعْدَى الْأَعْدَاءِ مَنْ عَدَا عَلَى اللَّهِ فِي حَرَمِهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ. وَقِيلَ: بِدُخُولِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الْآيَةَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ السُّورَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ.
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: اسْتِفْهَامُ تَوْقِيفٍ وَتَقْرِيرٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَهِيَ مُعَادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَالْإِشَارَةُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ.
انْتَهَى. وَاللَّفْظُ عَامٌّ لِأَهْلِ الصِّنْفَيْنِ. وَمَعْنَى عَلَى بَيِّنَةٍ: وَاضِحَةٍ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ وَسَائِرُ الْمُعْجِزَاتِ. كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ: وَهُوَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ بِاللَّهِ وَعِبَادَةُ غَيْرِهِ. وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ: أَيْ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَعَبَدُوا غَيْرَ خَالِقِهِمْ. وَالضَّمِيرُ فِي وَاتَّبَعُوا عَائِدٌ عَلَى مَعْنَى مِنْ، وقرىء أَمَنْ كَانَ بِغَيْرِ فَاءٍ. مَثَلُ الْجَنَّةِ: أَيْ صِفَةُ الْجَنَّةِ،
стр. 5528
وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَأَنَّهُ قَالَ: صِفَةُ الْجَنَّةِ، وَهُوَ مَا تَسْمَعُونَ. انْتَهَى. فَمَا تَسْمَعُونَ الْخَبَرَ، وَفِيهَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَهُوَ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مَثَلُ الْجَنَّةِ، وَقُدِّرَ الْخَبَرُ الْمَحْذُوفُ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الْجَنَّةِ ظَاهِرٌ فِي نَفْسِ مَنْ وَعَى هَذِهِ الْأَوْصَافَ. وَكَانَ ابْنَ عَطِيَّةَ قَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا:
وَيَظْهَرُ أَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّمْثِيلِ هُوَ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ الْمَرْءُ عِنْدَ سَمَاعِهِ. فَهَهُنَا كَذَا، فَكَأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَثَلُ الْجَنَّةِ. قَالَ: وَعَلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، يَعْنِي قَوْلَ النَّضْرِ وَقَوْلَ سِيبَوَيْهِ، وَمَا قَالَهُ هُوَ يَكُونُ قَبْلَ قَوْلِهِ: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَسَاكِنٌ؟ أَوْ أَهَؤُلَاءِ؟ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُتَّقِينَ. قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْحَذْفُ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهِيَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. وَيَجِيءُ قَوْلُهُ: فِيها أَنْهارٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ: وَمَثَلُ الْجَنَّةِ: صِفَةُ الْجَنَّةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ. وَقَوْلُهُ: فِيها أَنْهارٌ، فِي حُكْمِ الصِّلَةِ، كَالتَّكْرِيرِ لَهَا. أَلَا تَرَى إِلَى سِرِّ قَوْلِهِ: الَّتِي فِيهَا أَنْهَارٌ؟ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ هِيَ: فِيهَا أَنْهَارٌ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: وَمَا مِثْلُهَا؟ فَقِيلَ: فِيهَا أَنْهَارٌ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيْضًا: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ؟ قَالَ: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. قُلْتُ: هُوَ كَلَامٌ فِي صُورَةِ الْإِثْبَاتِ، وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ وَالْإِنْكَارُ، لِانْطِوَائِهِمْ تَحْتَ كَلَامٍ مُصَدَّرٍ بِحَرْفِ الْإِنْكَارِ، وَدُخُولِهِ فِي حَيِّزِهِ، وَانْخِرَاطِهِ فِي مَسْلَكِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ:
مَثَلُ الْجَنَّةِ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ، أَيْ كَمَثَلِ جَزَاءِ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ عَرِيَ مِنْ حَرْفِ الْإِنْكَارِ؟ وَمَا فَائِدَةُ التَّعْرِيَةِ؟ قُلْتُ: تَعْرِيَتُهُ مِنْ حَرْفِ الْإِنْكَارِ فِيهَا زِيَادَةُ تَصْوِيرٍ لِمُكَابَرَةِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْمُسْتَمْسِكِ بِالْبَيِّنَةِ وَالتَّابِعِ لِهَوَاهُ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُثْبِتُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا تِلْكَ الْأَنْهَارُ، وَبَيْنَ النَّارِ الَّتِي يُسْقَى أَهْلُهَا الْحَمِيمَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الْكِرَامَ وَإِنْ ... أَوْرِثْ ذَوْدًا شَصَائِصًا نَبْلَا
هُوَ كَلَامٌ مُنْكِرٌ لِلْفَرَحِ بِرَزِيَّةِ الْكِرَامِ وَوِرَاثَةِ الذَّوْدِ، مَعَ تعريته من حرف الإنكار، لِانْطِوَائِهِ تَحْتَ حُكْمِ مَنْ قَالَ: أَتَفْرَحُ بِمَوْتِ أَخِيكَ، وبوارثة إِبِلِهِ؟ وَالَّذِي طُرِحَ لِأَجْلِهِ حَرْفُ
стр. 5529
الْإِنْكَارِ إِرَادَةُ أَنْ يُصَوِّرَ قبح ما أذن بِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَعَمْ مِثْلِي يَفْرَحُ بِمَرْزَأَةِ الْكِرَامِ، وَبِأَنْ يَسْتَبْدِلَ مِنْهُمْ ذَوْدًا يَقِلُّ طَائِلُهُ، وَهُوَ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي تَحْتَهُ كُلُّ إِنْكَارٍ. انْتَهَى. وَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا الِاتِّفَاقُ عَلَى إِعْرَابِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَبَرِ، فَقِيلَ: هُوَ مَذْكُورٌ، وَهُوَ: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
وَقِيلَ: بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّضْرِ وَابْنِ عَطِيَّةَ عَلَى اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ. وَلَمَّا بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الِاهْتِدَاءِ وَالضَّلَالِ، بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فيما يؤولان إِلَيْهِ. وَكَمَا قَدَّمَ مَنْ عَلَى بَيِّنَةٍ، عَلَى مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، قَدَّمَ حَالَهُ عَلَى حَالِهِ.
وَقَرَأَ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَهْلِ مَكَّةَ: آسِنٌ، عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ، مِنْ أسن، بفتح السين وقرىء:
غَيْرِ يَاسِنٍ بِالْيَاءِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَذَلِكَ عَلَى تَخْفِيفِ الْهَمْزِ. لَمْ يَتَغَيَّرْ، وغيره.
ولَذَّةٍ: تَأْنِيثَ لَذَّ، وَهُوَ اللَّذِيذُ، وَمَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، فَالْجُمْهُورُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لخمر، وقرىء بالرفع صفة لأنهار، وَبِالنَّصْبِ: أَيْ لِأَجْلِ لَذَّةٍ، فَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ. مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ. قِيلَ: فَيُخَالِطَهُ الشَّمْعُ وَغَيْرُهُ، وَوَصَفَهُ بِمُصَفًّى لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَسَلِ التَّذْكِيرُ، وَهُوَ مِمَّا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَعَنْ كَعْبٍ: أَنَّ النِّيلَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَجَيْحَانَ، تَكُونُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ فِي الْجَنَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ كُلٍّ، فَهُوَ مِنْهَا لِمَاذَا يكون ينزل، وبدىء مِنْ هَذِهِ الْأَنْهَارِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْمَشْرُوبَاتِ، ثُمَّ بِاللَّبَنِ، إِذْ كَانَ يَجْرِي مَجْرَى الطُّعُومِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَاتِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِالْخَمْرِ، لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الرِّيُّ وَالْمَطْعُومُ تَشَوَّقَتِ النَّفْسُ إِلَى مَا تَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ بِالْعَسَلِ، لِأَنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يَعْرِضُ مِنَ الْمَشْرُوبِ وَالْمَطْعُومِ، فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ فِي الْهَيْئَةِ.
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَقِيلَ: الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَنْوَاعٌ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: زَوْجَانِ. وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ: لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، أَوْ عَلَى حَذْفٍ، أَيْ بِنَعِيمِ مَغْفِرَةٍ، إِذِ الْمَغْفِرَةُ سَبَبُ التَّنْعِيمِ. وَسُقُوا: عَائِدٌ عَلَى مَعْنَى مِنْ، وَهُوَ خَالِدٌ عَلَى اللَّفْظِ وَكَذَا: خَرَجُوا: عَلَى مَعْنَى مَنْ يَسْتَمِعُ. كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَحْضُرُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ وَيَسْتَمِعُونَ كَلَامَهُ وَتِلَاوَتَهُ، فَإِذَا خَرَجُوا، قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَهُمُ السَّامِعُونَ كَلَامَ الرَّسُولِ حَقِيقَةً الْوَاعُونَ لَهُ: مَاذَا قالَ آنِفاً؟ أَيِ السَّاعَةَ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْهُزْءِ وَالِاسْتِخْفَافِ، أَيْ لَمْ نَفْهَمْ مَا يَقُولُ، وَلَمْ نَدْرِ مَا نَفْعُ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ سَأَلُوهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ. وَآنِفًا: حَالٌ أَيْ مُبْتَدَأٌ، أَيْ: مَا الْقَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ؟ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: آنِفًا، عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ وَابْنُ كَثِيرٍ: عَلَى وَزْنِ فَعِلٍ. وَقَالَ
стр. 5530
الزَّمَخْشَرِيُّ: وَآنِفًا نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ. انْتَهَى. وَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالسَّاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: آنِفًا، مَعْنَاهُ: السَّاعَةُ الْمَاضِيَةُ الْقَرِيبَةُ مِنَّا، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النُّحَاةِ عَدَّهُ فِي الظُّرُوفِ.
وَالضَّمِيرُ فِي زادَهُمْ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، كَمَا أَظْهَرَهُ قَوْلُهُ: طَبَعَ اللَّهُ، إِذْ هُوَ مُقَابِلُهُمْ، وَكَمَا هُوَ فِي: وَآتاهُمْ وَالزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ بِزِيَادَةِ التَّفْهِيمِ وَالْأَدِلَّةِ، أَوْ بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِخْبَارِ، فَيَزِيدُ الْمَهْدِيُّ لِزِيَادَةِ عِلْمِ ذَلِكَ وَالْإِيمَانِ بِهِ. قِيلَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَاضْطِرَابِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْجَبُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى إِيمَانِهِ وَيَزِيدُ نُصْرَةً فِي دِينِهِ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ: أَيْ أَعْطَاهُمْ، أَيْ جَعَلَهُمْ مُتَّقِينَ لَهُ فَتَقْوَاهُمْ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ.
أَنْ تَأْتِيَهُمْ: بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ السَّاعَةِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمُنَافِقِينَ أَيِ الْأَمْرُ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِهِ انْتِظَارَ السَّاعَةِ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ يَنْتَظِرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ غَيْرُ مُرَاعًى، لِأَنَّهُ بَاطِلٌ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّوَّاسِيُّ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ: أَنْ تَأْتِهِمْ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها، وَهَذَا غَيْرُ مَشْكُوكٍ فِيهِ، لِأَنَّهَا آتِيَةٌ لَا مَحَالَةَ. لَكِنْ خُوطِبُوا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ، وَمَعْنَاهُ: إِنْ شَكَكْتُمْ فِي إِثْبَاتِهَا فَقَدْ جَاءَ أَعْلَامُهَا فَالشَّكُّ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ الشَّاكِّينَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا جَزَاءُ الشَّرْطِ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُمْ:
فَأَنَّى لَهُمْ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ، فَكَيْفَ لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ، أَيْ تَذَكُّرُهُمْ وَاتِّعَاظُهُمْ؟ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ يَعْنِي لَا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرَى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وأَنَّى لَهُ الذِّكْرى «١» . فَإِنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَّصِلُ قَوْلُهُ، وَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ؟ قُلْتُ: بِإِتْيَانِ السَّاعَةِ اتِّصَالَ الْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ كَقَوْلِكَ: إِنْ أَكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأَنَا حَقِيقٌ بِالْإِكْرَامِ أُكْرِمْهُ. وَقَرَأَ الْجَعْفِيُّ، وَهَارُونَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بَغْتَةً، بفتح العين وَشَدِّ التَّاءِ. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ:
وَهِيَ صِفَةٌ، وَانْتِصَابُهَا عَلَى الْحَالِ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْمَصَادِرِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ، بَلْ فِي الْأَسْمَاءِ نَحْوُ: الْحُرِّيَّةِ، وَهُوَ اسْمُ جَمَاعَةٍ، وَالسَّرِيَّةُ اسْمُ مَكَانٍ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْحَاجِّ، مِنْ أَصْحَابِ الْأُسْتَاذِ أَبِي علي الشلوبين، فِي (كِتَابِ الْمَصَادِرِ) عَلَى أَبِي عَمْرٍو: أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ بَغَتَةً، بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَشْدِيدٍ، كَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ فِيمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى عَادَتِهِ فِي تغليظ الرواية.
стр. 5531
فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها: أَيْ عَلَامَاتُهَا، فَيَنْبَغِي الِاسْتِعْدَادُ لَهَا. وَمِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ» .
وَقَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَفَرَسَيْ رِهَانٍ» .
وَقِيلَ: مِنْهَا الدُّخَانُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ.
وَعَنِ الْكَلْبِيِّ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَالتِّجَارَةِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ، وَقِلَّةِ الْكِرَامِ، وَكَثْرَةِ اللِّئَامِ. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: فَكَيْفَ لَهُمُ الذِّكْرَى وَالْعَمَلُ بِهَا إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ؟ أَيْ قَدْ فَاتَهَا ذَلِكَ. قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفًا، أَيْ:
فَأَنَّى لَهُمُ الْخَلَاصُ إِذَا جَاءَتْهُمُ الذِّكْرَى بِمَا كَانُوا يُخْبَرُونَ بِهِ فَيُكَذِّبُونَ بِهِ بِتَوَاصُلِهِ بِالْعَذَابِ؟
ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: دُمْ عَلَى عَمَلِكَ بِتَوْحِيدٍ. وَاحْتُجَّ بِهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ الْعِلْمُ وَالنَّظَرُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْإِقْرَارِ.
وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَهَضْمِ النَّفْسِ، إِذْ أَمَرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَمَعَ غَيْرِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ.
مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا. وَمَثْواكُمْ: إِقَامَتَكُمْ فِي قُبُورِكُمْ وَفِي آخِرَتِكُمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُتَقَلَّبَكُمْ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ إِلَى أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ، وَمَثْوَاكُمْ: إِقَامَتَكُمْ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. مُتَقَلَّبَكُمْ: تَصَرُّفَكُمْ فِي يَقَظَتِكُمْ، وَمَثْوَاكُمْ: مَنَامَكُمْ.
وَقِيلَ: مُتَقَلَّبَكُمْ فِي مَعَائِشِكُمْ وَمَتَاجِرِكُمْ، وَمَثْوَاكُمْ حَيْثُ تُسْتَفَزُّونَ مِنْ مَنَازِلِكُمْ. وَقِيلَ:
مُتَقَلَّبَكُمْ بِالتَّاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بِالنُّونِ.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ، طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها، إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ، فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ حَرِيصِينَ عَلَى ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَتَمَنِّي قَتْلِ الْعَدُوِّ، وَكَانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْوَحْيِ، وَيَسْتَوْحِشُونَ إِذَا أَبْطَأَ. وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ بَابًا وَمَضْرُوبَةً لَا يُتَعَدَّى. فَمَدَحَ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِطَلَبِهِمْ إِنْزَالَ سُورَةٍ، وَالْمَعْنَى تَتَضَمَّنُ أَمْرَنَا بِمُجَاهَدَةِ
стр. 5532
الْعَدُوِّ، وَفَضْحِ أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ظَانِّي ذَلِكَ هُمْ خُلَّصٌ فِي إِيمَانِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانُوا يَدَّعُونَ الْحِرْصَ عَلَى الْجِهَادِ، وَيَتَمَنَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَيَقُولُونَ: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فِي مَعْنَى الْجِهَادِ. فَإِذا أُنْزِلَتْ، وَأُمِرُوا فِيهَا بما ثمنوا وَحَرَصُوا عَلَيْهِ، كَاعُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَسَقَطُوا فِي أَيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ «١» . انْتَهَى وَفِيهِ تَخْوِيفٌ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْقُرْآنِ ولَوْلا: بِمَعْنَى هَلَّا وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ: لَا زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ نُزِّلَتْ، وَهَذَا لَيْسَ بشيء. وقرىء: فَإِذَا نَزَلَتْ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: سُورَةً مُحْكَمَةً، بنصبهما، ومرفوع نزلت بضم، وَسُورَةً نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَقَرَأَ هُوَ وَابْنُ عُمَرَ: وَذُكِرَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيِ اللَّهُ. فِيهَا الْقِتالُ وَنَصَبَ. الْجُمْهُورُ: بِرَفْعِ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَبِنَاءُ وَذُكِرَ لِلْمَفْعُولِ، وَالْقِتَالُ رُفِعَ بِهِ، وَإِحْكَامُهَا كَوْنُهَا لَا تُنْسَخُ. قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ فِيهَا الْقِتَالُ، فَهِيَ مَحْكَمَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، لَا بِخُصُوصِيَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِتَالَ نَسَخَ مَا كَانَ مِنَ الْمُهَادَنَةِ وَالصُّلْحِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: مُحْكَمَةٌ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَقِيلَ: مُحْكَمَةٌ أُرِيدَتْ مَدْلُولَاتُ أَلْفَاظِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٢» ، فِي جَنْبِ اللَّهِ «٣» ، فَضَرْبَ الرِّقابِ.
رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ: أَيْ تَشْخَصُ أَبْصَارُهُمْ جُبْنًا وَهَلَعًا. نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ: أَيْ نَظَرًا كَمَا يَنْظُرُ مَنْ أَصَابَتْهُ الْغَشْيَةُ مِنْ أَجْلِ حُلُولِ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ شُخُوصُ الْبَصَرِ إِلَى الرَّسُولِ مِنْ شِدَّةِ الْعَدَاوَةِ. وَقِيلَ:
مِنْ خَشْيَةِ الْفَضِيحَةِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يُخَالِفُوا عَنِ الْقِتَالِ افْتَضَحُوا وَبَانَ نِفَاقُهُمْ. وَأَوْلَى لَهُمْ: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَأَنَّهُ قَالَ: الْعِقَابُ أَوْلَى لَهُمْ. وَقِيلَ: وَهُمُ الْمَكْرُوهُ، وَأَوْلَى وَزْنُهَا أَفْعَلُ أَوْ أَفْلَعُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْعَالَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: إِنَّهُ اسْمٌ يَكُونُ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ لَهُمْ. وَقِيلَ: أَوْلَى مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمْ مِنْ صِلَتِهِ وَطَاعَةٌ خَبَرٌ وَكَأَنَّ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَأَوْلَى بِهِمْ طَاعَةٌ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِإِعْرَابِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَلِيَهُ الْمَكْرُوهُ. وَعَلَى قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ: أَنَّهُ فِعْلٌ يَكُونُ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. وَأُضْمِرَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: قارب لهم هو،
стр. 5533
أَيِ الْهَلَاكِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمَشْهُورُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ أَوْلَى لَكَ فَقَطْ عَلَى جِهَةِ الْحَذْفِ وَالِاخْتِصَارِ، لِمَا مَعَهَا مِنَ الْقُوَّةِ، فَيَقُولُ، عَلَى جِهَةِ الزَّجْرِ وَالتَّوَعُّدِ: أَوْلَى لَكَ يَا فُلَانُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى «١» . وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ لِلْحَسَنِ ﵄: أَوْلَى لَكَ انْتَهَى.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ مَحْذُوفٌ مِنْهُ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ، إِمَّا الْخَبَرُ وَتَقْدِيرُهُ: أَمْثَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ وَإِمَّا الْمُبْتَدَأُ وَتَقْدِيرُهُ: الْأَمْرُ أَوْ أَمَرْنَا طَاعَةً، أَيِ الْأَمْرُ الْمُرْضِيِّ لِلَّهِ طَاعَةً. وَقِيلَ: هِيَ حِكَايَةُ قَوْلِهِمْ، أَيْ قَالُوا طَاعَةً، وَيَشْهَدُ لَهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ يَقُولُونَ: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْهَزْءِ وَالْخَدِيعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْوَاقِفُ عَلَى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، وَالْمَعْنَى:
أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الْخَدِيعَةِ. وَقِيلَ: طاعة صفة لسورة، أَيْ فَهِيَ طَاعَةٌ، أَيْ مُطَاعَةٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِحَيْلُولَةِ الْفَصْلِ لِكَثِيرٍ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ. فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ:
أَيْ جَدَّ، وَالْعَزْمُ: الْجِدُّ، وَهُوَ لِأَصْحَابِ الْأَمْرِ. وَاسْتُعِيرَ لِلْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٢» . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ جَدَّتْ بِهِمُ الْحَرْبُ فَجَدُّوا وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ إِذَا قَوْلُهُ: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ، كَمَا تَقُولُ: إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ، فَلَوْ جِئْتَنِي لَكَسَوْتُكَ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ هُوَ أَوْ نَحْوُهُ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَمَنْ حَمَلَ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، عَلَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ خَدِيعَةً قَدَّرْنَاهُ عَزَمَ الْأَمْرُ، فَاقْفَوْا وَتَقَاضَوْا، وَقَدَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فَأُصَدِّقُ، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ فِيمَا زَعَمُوا مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى الْجِهَادِ، أَوْ فِي إِيمَانِهِمْ، وَوَاطَأَتْ قُلُوبُهُمْ فِيهِ أَلْسِنَتَهُمْ، أَوْ فِي قُلُوبِهِمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. فَهَلْ عَسَيْتُمْ: الْتِفَاتٌ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَقْبَلَ بِالْخِطَابِ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَتَوْقِيفِهِمْ عَلَى سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، وَعَسَى تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي لُغَتِهَا. وَفِي الْقِرَاءَةِ فِيهَا، إِذَا اتَّصَلَ بِهَا ضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَاتِّصَالُ الضَّمِيرِ بِهَا لُغَةُ الْحِجَازِ، وَبَنُو تَمِيمٍ لَا يُلْحِقُونَ بِهَا الضَّمِيرَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عَسَى يَتَّصِلُ بِهَا ضَمِيرُ الرَّفْعِ وَضَمِيرُ النَّصْبِ، وَأَنَّهَا لَا يَتَّصِلُ بِهَا ضَمِيرُ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَسَى أَنْتَ تقوم، وعسى أن أقوم، فدون ما ذكرنا لك تَطْوِيلُ الَّذِي فِيهِ. انْتَهَى. وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ نَقَلَةِ الْعَرَبِ ذَكَرَ انْفِصَالَ الضَّمِيرِ بَعْدَ عَسَى، وَفَصَلَ بَيْنَ عَسَى وَخَبَرِهَا بِالشَّرْطِ، وهو أن توليتم.
стр. 5534
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ، وَمَعْنَاهُ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَقَطَّعُوا الْأَرْحَامَ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ؟ يُشِيرُ إِلَى مَا جَرَى مِنَ الْفَتْرَةِ بَعْدَ زَمَانِ الرَّسُولِ. وَقَالَ كَعْبٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْكَلْبِيُّ: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ، أَيْ أُمُورَ النَّاسِ مِنَ الْوِلَايَةِ وَيَشْهَدُ لَهَا قِرَاءَةُ وُلِّيتُمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَعَلَى هَذَا قِيلَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» بِضَمِّ التَّاءِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَبِهَا قَرَأَ عَلِيٌّ
وَأُوَيْسٌ، أَيْ إِنْ وَلَّيْتُكُمْ وِلَايَةَ جَوْرٍ دَخَلْتُمْ إِلَى دُنْيَاهُمْ دُونَ إِمَامِ الْعَدْلِ. وَعَلَى مَعْنَى إِنْ تَوَلَّيْتُمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالتَّنْكِيلِ وَإِقْفَالِ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَسِيرَتِهَا مِنَ الْغَارَاتِ وَالثَّبَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنْ تَوَلَّاكُمُ النَّاسُ: وَكَلَكُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ، وَهُوَ الَّذِي سَبَقَتِ الْآيَاتُ فِيهِ، أَيْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ فِي القتال.
وأَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِعَدَمِ مَعُونَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا لَمْ تُعِينُوهُمْ قَطَعْتُمْ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. فَالْآيَاتُ كُلُّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ. وَهَذَا التَّوَقُّعُ الَّذِي فِي عَسَى لَيْسَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَرَفَ الْمُنَافِقِينَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: لَنَا عِلْمٌ مِنْ حَيْثُ ضَيَاعُهُمْ.
هَلْ يَتَوَقَّعُ مِنْكُمْ إِذَا أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْقِتَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُقَطِّعُوا، بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَأَبُو عَمْرٍو، فِي رِوَايَةٍ، وَسَلَّامٌ، وَيَعْقُوبُ، وَأَبَانٌ، وَعِصْمَةُ:
بِالتَّخْفِيفِ، مُضَارِعُ قَطَعَ وَالْحَسَنُ: وَتَقَطَّعُوا، بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، أَيْ أَرْحَامُكُمْ، لِأَنَّ تَقَطَّعَ لَازِمٌ. أُولئِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْضَى الْقُلُوبِ، فَأَصَمَّهُمْ عَنْ سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ، وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ لِإِفْسَادِهِمْ وَقَطْعِهِمُ الْأَرْحَامَ، فَمَنَعَهُمْ أَلْطَافَهُ، وَخَذَلَهُمْ حَتَّى عَمُوا. انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِزَالِ. وَجَاءَ التَّرْكِيبُ: فَأَصَمَّهُمْ، وَلَمْ يَأْتِ فَأَصَمَّ آذَانَهُمْ وَجَاءَ: وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَأْتِ وَأَعْمَاهُمْ. قِيلَ: لِأَنَّ الْأُذُنَ لَوْ أَصَمَّتْ لَا تَسْمَعُ الْإِبْصَارَ، فَالْعَيْنُ لَهَا مَدْخَلٌ فِي الرُّؤْيَةِ، وَالْأُذُنُ لَهَا مَدْخَلٌ فِي السَّمْعِ. انْتَهَى. وَلِهَذَا جَاءَ: وَعَلى سَمْعِهِمْ «١» ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ «٢» ، وَلَمْ يَأْتِ: وَعَلَى آذَانِهِمْ، وَلَا يَأْتِي: وَجَعَلَ لَكُمُ الْآذَانَ. وَحِينَ ذُكِرَ الْأُذُنُ، نُسِبَتْ إِلَيْهِ الْوَقْرُ، وَهُوَ دُونُ الصَّمَمِ، كَمَا قَالَ: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ «٣» .
стр. 5535
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ: أَيْ يَتَصَفَّحُونَهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ وَوَعِيدِ الْعُصَاةِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ تَوْبِيخِيٌّ وَتَوْقِيفِيٌّ عَلَى مُحَارِبِهِمْ. أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها: اسْتِعَارَةٌ لِلَّذِينَ مِنْهُمُ الْإِيمَانُ، وَأَمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى بَلْ، وَالْهَمْزَةِ لِلتَّقْرِيرِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ مُقْفَلَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا ذِكْرٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْرِيفِ الْقُلُوبِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهَا قُلُوبُ مَنْ ذُكِرَ. وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ صِفَةِ مَحْذُوفٍ، أَيْ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا قَاسِيَةٌ. وَأَضَافَ الْأَقْفَالَ إِلَيْهَا، أَيِ الْأَقْفَالُ الْمُخْتَصَّةُ، أَوْ هِيَ أَقْفَالُ الْكُفْرِ الَّتِي اسْتُغْلِقَتْ، فلا تفتح. وقرىء: إِقْفَالُهَا، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَأَقْفُلُهَا بِالْجَمْعِ عَلَى أَفْعُلٍ. إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانُوا عَرَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَتَبَيَّنَ لَهُمْ بِهَذَا الْوَجْهِ فَلَمَّا بَاشَرُوا أَمْرَهُ حَسَدُوهُ، فَارْتَدُّوا عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الْهَدْيِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي مُنَافِقِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا، ثُمَّ مَاتَتْ قُلُوبُهُمْ. وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي ضِمْنِ لَفْظِهَا.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَوَّلَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوَّلَ لَهُمْ رُكُوبَ الْعَظَائِمِ، مِنَ السَّوْلِ، وَهُوَ الِاسْتِرْخَاءُ، وَقَدِ اشْتَقَّهُ مِنَ السُّؤْلِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالتَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ جَمِيعًا. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: بِمَعْنَى وَلَا هُمْ مِنَ السَّوْلِ، وَهُوَ الِاسْتِرْخَاءُ وَالتَّدَلِّي. وقال غيره: سولهم: زجاهم. وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: أَعْطَاهُمْ سُؤْلَهُمْ. وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَقَدِ اشْتَقَّهُ إِلَى آخِرِهِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ السول أصله الهمزة.
واختلف الْمَادَّتَانِ، أَوْ عَيْنُ سَوَّلَ وَاوٌ، وَعَيْنُ السُّؤْلِ هَمْزَةٌ وَالسُّولُ لَهُ مَادَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا الهمز، من سأل يسئل وَالثَّانِيَةُ الْوَاوُ، مِنْ سَالَ يُسَالُ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا، فَسَوَّلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْهَمْزِ. وَقَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: وَالتَّسْوِيلُ أَصْلُهُ مِنَ الْإِرْخَاءِ، وَمِنْهُ:
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ «١» . وَالسَّوْلُ: اسْتِرْخَاءُ الْبَطْنِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: سَوَّلَ لَهُمْ: أَيْ كَيْدَهُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَأَمْلى لَهُمْ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَجَعَلَ وَعْدَهُ الْكَاذِبَ بِالْبَقَاءِ، كَالْإِبْقَاءِ. وَالْإِبْقَاءُ هُوَ الْبَقَاءُ مَلَاوَةً مِنَ الدَّهْرِ يَمُدُّ لَهُمْ فِي الْآمَالِ وَالْأَمَانِيِّ. قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَمْلَى ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِمْلَاءِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ. وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَشَيْبَةُ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعِيسَى: وَأُمْلِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أَيْ أُمْهِلُوا وَمُدُّوا فِي عُمْرِهِمْ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ هُرْمُزَ، وَالْأَعْمَشُ، وَسَلَّامٌ، وَيَعْقُوبُ: وَأُمْلِي بهمزة المتكلم
следующие страницы →