← Тафсир

Тафсир · id 23591

البحر المحيط في التفسير - ط الفكر

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (6 210 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

جَانِبَ خِبَائِهِ فَيَقُولُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ إِبِلًا وَلَا غَنَمًا أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ، فَمَا تَذْهَبُ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ تَسْقُطُ طَائِفَةٌ أَوْ عِدَّةٌ مِنْهَا. قَالَ الْكُفَّارُ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يُصِيبَ رسول الله ﷺ ، فَأَجَابَهُمْ، وَأَنْشَدَ: قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسُبُونَكَ سَيِّدًا ... وَأَخَالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونٌ أَيْ: مُصَابٌ بِالْعَيْنِ، فَعَصَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، وَأَنْزَلَ عليه هذه الآية. قال قَتَادَةُ: نَزَلَتْ لِدَفْعِ الْعَيْنِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَعْيِنُوهُ ﵊. وَقَالَ الْحَسَنُ: دَوَاءُ مَنْ أَصَابَتْهُ الْعَيْنُ أَنْ يَقْرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ، لَا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَالْبُغْضِ، وَقَالَ: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَمْنَعُ كَرَاهَةُ الشَّيْءِ مِنْ أَنْ يُصَابَ بِالْعَيْنِ عَدَاوَةً لَهُ حَتَّى يَهْلِكَ. انْتَهَى. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُعْيَنِ، وَإِنْ كَانَ مُبْغَضًا عِنْدَ الْعَائِنِ صِفَةٌ يَسْتَحْسِنُهَا الْعَائِنُ، فَيَعْيِنُهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَا سِيَّمَا مَنْ تَكُونُ فِيهِ صِفَاتُ كَمَالٍ. لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ: مَنْ يَقُولُ لَمَّا ظَرْفٌ يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ لَيُزْلِقُونَكَ، وَإِنْ كَانَ حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَانَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أَيْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كَادُوا يُزْلِقُونَكَ، وَالذِّكْرُ: الْقُرْآنُ. وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ تَنْفِيرًا عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ ﷺ أَتَمُّهُمْ فَضْلًا وَأَرْجَحُهُمْ عَقْلًا. وَما هُوَ: أَيِ الْقُرْآنُ، إِلَّا ذِكْرٌ: عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، لِلْعالَمِينَ: أَيْ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَى الْجِنِّ مَنْ جَاءَ بِهِ؟.

стр. 5882

سورة الحاقّة [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ٥٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)

стр. 5883

الْحُسُومُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: مِنْ حَسَمَ الدَّاءَ، أَيْ تَابَعَ بِالْمِكْوَاةِ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: فَفَرَّقَ بَيْنَ جَمْعِهِمْ زَمَانٌ ... تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامٌ حُسُومُ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: حَسَمْتُ الشَّيْءَ: فَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ الْحُسَامُ. قَالَ الشَّاعِرُ: فَأَرْسَلَتْ ريحا بورا عَقِيمًا ... فَدَارَتْ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ حُسُومًا وَقَالَ اللَّيْثُ: الْحُسُومُ: الشُّؤْمُ، يُقَالُ: هَذِهِ لَيَالِي الْحُسُومِ: أَيْ تَحْسِمُ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهَا، وَقَالَهُ فِي الصِّحَاحِ. صَرْعَى: هَلْكَى، الْوَاحِدُ صَرِيعٌ، وَهِيَ الشَّيْءُ ضَعُفَ وَتَدَاعَى لِلسُّقُوطِ. قَالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مِنْ قَوْلِهِمْ وَهِيَ السقاء إذا انخرق، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ قَوْلُ الرَّاجِزِ: خَلِّ سَبِيلَ مَنْ وَهِيَ سِقَاؤُهُ ... وَمَنْ هُرِيقَ بِالْفَلَاةِ مَاؤُهُ الْأَرْجَاءُ: الْجَوَانِبُ، وَاحِدُهَا رَجًا، أَيْ جَانِبٌ مِنْ حَائِطٍ أَوْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَلِذَلِكَ بَرَزَتْ فِي التَّثْنِيَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ: كَأَنْ لَمْ تَرَا قَبْلِي أَسِيرًا مُقَيَّدًا ... وَلَا رَجُلًا يَرْمِي بِهِ الرَّجَوَانِ وَقَالَ الْآخَرُ: فَلَا يَرْمِي بِهِ الرَّجَوَانِ إِنِّي ... أقل اليوم من يعني مَكَانِي هَاءَ بِمَعْنَى خُذْ، فِيهَا لُغَاتٌ ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَابْنُ السِّكِّيتِ: الْعَرَبُ تَقُولُ: هَاءَ يَا رَجُلُ، وَلِلِاثْنَيْنِ رَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ: هَاؤُمَا، وللرجل هاؤم،

стр. 5884

وللمرأء هَاءِ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ، وَلِلنِّسَاءِ هَاؤُنَّ. قِيلَ: وَمَعْنَى هَاؤُمُ: خُذُوا، وَمِنْهُ الْخَبَرُ فِي الرِّبَا إِلَّا هَاءً وَهَاءً: أَيْ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ خُذْ. وَقِيلَ: تَعَالَوْا، وَزَعَمَ الْقُتَبِيُّ أَنَّ الْهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الْكَافِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ إِلَّا إِنْ كَانَ عَنَى أَنَّهَا تَحُلُّ مَحَلَّهَا فِي لُغَةِ مَنْ قَالَ: هَاكَ وَهَاكَ وَهَاكُمَا وَهَاكُمْ وَهَاكُنَّ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ بَدَلٌ صِنَاعِيٌّ، لِأَنَّ الْكَافَ لَا تُبْدَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ وَلَا الْهَمْزَةُ مِنْهَا. وَقِيلَ: هَاؤُمُ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِإِجَابَةِ الدَّاعِي عِنْدَ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ. وَفِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ ﵊ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ عَالٍ، فَجَاوَبَهُ ﵊: «هَاؤُمُ» ، بِصَوْلَةِ صَوْتِهِ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ هَاءَ أَمُّوا، ثُمَّ نَقَلَهُ التَّخْفِيفُ وَالِاسْتِعْمَالُ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذِهِ الْمِيمَ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الذُّكُورِ. الْقُطُوفُ جُمِعَ قِطْفٍ: وَهُوَ مَا يُجْتَنَى مِنَ الثَّمَرِ وَيُقْطَفُ. السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ حِلَقٌ يَدْخُلُ فِي حِلَقٍ عَلَى سَبِيلِ الطُّولِ. الذِّرَاعُ مُؤَنَّثٌ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهِيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ ... وَهِيَ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَأُصْبُعُ حَضَّ عَلَى الشَّيْءِ: حَمَلَ عَلَى فِعْلِهِ بِتَوْكِيدٍ. الْغِسْلِينُ، قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: مَا يَجْرِي مِنَ الْجِرَاحِ إِذَا غُسِلَتْ. الْوَتِينُ: عِرْقٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَلْبُ، إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عِرْقٌ بَيْنَ الْعِلْبَاءِ وَالْحُلْقُومِ، وَالْعِلْبَاءُ: عَصَبُ الْعُنُقِ، وَهُمَا عِلْبَاوَانِ بَيْنَهُمَا الْعِرْقُ. وَقِيلَ: عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصَادِفُهُ شَفْرَةُ النَّاحِرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ: إِذَا بَلَّغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الْوَتِينِ الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ، وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً، إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ، فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ. هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ السُّعَدَاءِ

стр. 5885

والأشقياء، وقال: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» ، ذَكَرَ حَدِيثَ الْقِيَامَةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَأَدْرَجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كعاد وثمود وفرعون، لِيَزْدَجِرَ بِذِكْرِهِمْ وَمَا جَرَى عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ عَاصَرُوا رسول الله ﷺ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ عَالِمَةً بِهَلَاكِ عَادٍ وَثَمُودَ وفرعون، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. الْحَاقَّةُ: الْمُرَادُ بِهَا الْقِيَامَةُ وَالْبَعْثُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهَا حَقَّتْ لِكُلِّ عَامِلٍ عَمَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهَا تُبْدِي حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَحِقُّ فِيهَا، فَهِيَ مِنْ بَابِ لَيْلٍ نَائِمٍ. وَالْحَاقَّةُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ وَلَمْ يُشَكَّ فِي صِحَّتِهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أَحُقُّهُ: أَيْ غَالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ. فَالْقِيَامَةُ حَاقَّةٌ لِأَنَّهَا تُحَقِّقُ كُلَّ مُحَاقٍّ فِي دِينِ اللَّهِ بِالْبَاطِلِ، أَيْ كُلَّ مُخَاصِمٍ فَتَغْلِبُهُ. وَقِيلَ: الْحَاقَّةُ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَالْحَاقَّةُ مُبْتَدَأٌ، وَمَا مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَالْحَاقَّةُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ الْحَاقَّةِ، وَالرَّابِطُ تَكْرَارُ الْمُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ، وَمَا اسْتِفْهَامٌ لَا يُرَادُ حَقِيقَتُهُ بَلِ التَّعْظِيمُ، وَأَكْثَرُ مَا يَرْبُطُ بِتَكْرَارِ الْمُبْتَدَأِ إِذَا أُرِيدَ، يَعْنِي التَّعْظِيمَ وَالتَّهْوِيلَ. وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ: مُبَالَغَةٌ فِي التَّهْوِيلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهَا مَا لَمْ يُدْرَ وَلَمْ يُحِطْ بِهِ وَصْفٌ مِنْ أُمُورِهَا الشَّاقَّةِ وَتَفْصِيلِ أَوْصَافِهَا. وَمَا اسْتِفْهَامٌ أَيْضًا مُبْتَدَأٌ، وأَدْراكَ الْخَبَرُ، وَالْعَائِدُ عَلَى مَا ضَمِيرُ الرَّفْعِ فِي أَدْراكَ، وَمَا مُبْتَدَأٌ، وَالْحَاقَّةُ خَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَدْرَاكَ، وأدراك مُعَلَّقَةٌ. وَأَصْلُ دَرَى أَنْ يُعَدَّى بِالْبَاءِ، وَقَدْ تُحْذَفُ عَلَى قِلَّةٍ، فَإِذَا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ وَإِلَى الْآخَرِ بِحَرْفِ الْجَرِّ، فَقَوْلُهُ: مَا الْحَاقَّةُ بَعْدَ أَدْرَاكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَعْدَ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ. والقارعة مِنْ أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهَا تَقْرَعُ الْقُلُوبَ بِصَدْمَتِهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْرَعُ النَّاسَ بِالْأَقْرَاعِ وَالْأَهْوَالِ، وَالسَّمَاءَ بِالِانْشِقَاقِ وَالِانْفِطَارِ، وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ بِالدَّكِّ وَالنَّسْفِ، وَالنُّجُومَ بِالطَّمْسِ وَالِانْكِدَارِ فَوَضَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلَى مَعْنَى الْقَرْعِ فِي الْحَاقَّةِ زِيَادَةً فِي وَصْفِ شِدَّتِهَا. وَلَمَّا ذَكَرَهَا وَفَخَّمَهَا، أَتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا وَمَا حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأَهْلِ مَكَّةَ وَتَخْوِيفًا لَهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَأُهْلِكُوا: رُبَاعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وزيد بْنُ عَلِيٍّ: فَهَلَكُوا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. قَالَ قَتَادَةُ: بِالطَّاغِيَةِ: بِالصَّيْحَةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ كُلِّ صَيْحَةٍ. وَقَالَ مجاهد وابن

стр. 5886

زَيْدٍ: بِسَبَبِ الْفِعْلَةِ الطَّاغِيَةِ الَّتِي فَعَلُوهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ أَيْضًا وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَا مَعْنَاهُ: الطَّاغِيَةُ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِطُغْيَانِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها «١» . وَقِيلَ: الطَّاغِيَةُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، كَرَجُلٍ رَاوِيَةٍ، وَأُهْلِكُوا كُلُّهُمْ لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِهِ. وَقِيلَ: بِسَبَبِ الْفِئَةِ الطَّاغِيَةِ. وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الطَّاغِيَةَ هِيَ الصَّيْحَةُ، وَتَرْجِيحُ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ سَبَبِ الْهَلَاكِ فِي ثَمُودَ بِسَبَبِ الْهَلَاكِ فِي عَادٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي صَرْصَرٍ فِي سُورَةِ الْقَمَرِ، عاتِيَةٍ: عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ مِقْدَارٍ، أَوْ عَلَى عَادٍ فَمَا قَدَرُوا عَلَى أَنْ يَتَسَتَّرُوا مِنْهَا، أَوْ وُصِفَتْ بِذَلِكَ اسْتِعَارَةً لِشِدَّةِ عَصْفِهَا، وَالتَّسْخِيرُ هُوَ اسْتِعْمَالُ الشَّيْءِ بِاقْتِدَارٍ عَلَيْهِ. فَمَعْنَى سَخَّرَها عَلَيْهِمْ: أَيْ أَقَامَهَا وَأَدَامَهَا، سَبْعَ لَيالٍ: بَدَتْ عَلَيْهِمْ صُبْحَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ إِلَى آخِرِ الْأَرْبِعَاءِ تَمَامَ الشَّهْرِ، حُسُوماً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: تِبَاعًا لَمْ يَتَخَلَّلْهَا انْقِطَاعٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: شُؤْمًا وَنَحْسًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حُسُوماً جَمْعُ حَاسِمٍ، أَيْ تِلْكَ الْأَيَّامُ قَطَّعَتْهُمْ بِالْإِهْلَاكِ، وَمِنْهُ حَسْمُ الْعِلَلِ وَالْحُسَامُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا، فَإِمَّا أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ تَحْسِمُ حُسُومًا بِمَعْنَى تَسْتَأْصِلُ اسْتِئْصَالًا، أَوْ تَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذَاتُ حُسُومٍ، أن تَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أَيْ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصَالِ. وَقَرَأَ السُّدِّيُّ: حُسُومًا بِالْفَتْحِ: حَالًا مِنَ الرِّيحِ، أَيْ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً. وَقِيلَ: هِيَ أَيَّامُ الْعَجْزِ، وَهِيَ آخِرُ الشتاء. وأسماؤها: الصين وَالصِّنَّبْرُ وَالْوَبْرُ وَالْآمِرُ وَالْمُؤْتَمِرُ والمعلل ومصفى الْجَمْرِ. وَقِيلَ: مُكَفِّي الطَّعْنِ. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها: أَيْ فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، أَوْ فِي دِيَارِهِمْ، أَوْ فِي مَهَابِّ الرِّيحِ احْتِمَالَاتٌ أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَمُصَرَّحٌ بِهِ. وَقَرَأَ أَبُو نَهيِكٍ: أعجز، على وزن أفعل، كَضَبْعٍ وَأَضْبُعٍ. وَحَكَى الْأَخْفَشُ أنه قرىء: نَخِيلٍ خَاوِيَةٍ خَلَتْ أَعْجَازُهَا بِلًى وَفَسَادًا. وَقَالَ ابْنُ شَجَرَةَ: كَانَتْ تَدْخُلُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَتُخْرِجُ مَا فِي أَجْوَافِهِمْ مِنَ الْحَسْوِ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، فَصَارُوا كَالنَّخْلِ الْخَاوِيَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: خَلَتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْ أَرْوَاحِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانُوا فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي عَذَابٍ، ثُمَّ فِي الثَّامِنِ مَاتُوا وَأَلْقَتْهُمُ الرِّيحُ فِي الْبَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مِنْ باقِيَةٍ: أَيْ مِنْ بَاقٍ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقَالَ أَيْضًا: مِنْ فِئَةٍ بَاقِيَةٍ. وَقِيلَ: مِنْ باقِيَةٍ: مِنْ بَقَاءٍ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ كَالْعَاقِبَةِ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ وَطَلْحَةُ وَالْجَحْدَرِيُّ وَالْحَسَنُ بِخِلَافٍ عَنْهُ وعاصم في رواية أبان،

стр. 5887

وَالنَّحْوِيَّانِ: وَمَنْ قِبَلَهُ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ: أَيْ أَجْنَادُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ: أَيْ فِيمَا يَلِيكَ مِنَ الْمَكَانِ. وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ قِبَلَكَ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ عِنْدَكَ وَفِي جِهَتِكَ وَمَا يَلِيكَ بِأَيِّ وَجْهٍ وَلِيَ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالسُّلَمِيُّ: وَمَنْ قَبْلَهُ، ظَرْفُ زَمَانٍ: أَيِ الْأُمَمُ الْكَافِرَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ بَعْدَ هَذَا. وَالْمُؤْتَفِكاتُ: قُرَى قَوْمِ لُوطٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ هُنَا: وَالْمُؤْتَفِكَةُ عَلَى الْإِفْرَادِ، بِالْخاطِئَةِ: أَيْ بِالْفِعْلَةِ أَوِ الْفِعْلَاتِ الْخَاطِئَةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَوْ بِالْخَطَأِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ كَالْعَاقِبَةِ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ: رَسُولَ جِنْسٌ، وَهُوَ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، كموسى ولوط ﵉. وَقِيلَ: لُوطٌ ﵇، أَعَادَهُ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ رَسُولِ الْمُؤْتَفِكَاتِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مُوسَى ﵇، أَعَادَهُ عَلَى الْأَسْبَقِ وَهُوَ رَسُولُ فِرْعَوْنَ. وَقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، رابِيَةً: أَيْ نَامِيَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدِيدَةً، يُرِيدُ أَنَّهَا زَادَتْ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَخْذَاتِ، وَهِيَ الْغَرَقُ وَقَلْبُ الْمَدَائِنِ. إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ: أَيْ زَادَ وَعَلَا عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الدُّنْيَا خَمْسَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا. قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: طَغَى عَلَى الْخُزَّانِ، كَمَا طَغَتِ الرِّيحُ عَلَى خُزَّانِهَا، حَمَلْناكُمْ: أَيْ فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ، فِي الْجارِيَةِ: هِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ ﵇، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْجَارِيَةِ فِي السَّفِينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ «١» ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: تِسْعُونَ جَارِيَةً فِي بَطْنِ جَارِيَةٍ وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: الْمَعْنَى فِي السُّفُنِ الْجَارِيَةِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِنَانِ، وَالْمَحْمُولُونَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ. لِنَجْعَلَها : أَيْ سَفِينَةُ نُوحٍ ﵇، لَكُمْ تَذْكِرَةً بِمَا جَرَى لِقَوْمِهِ الْهَالِكِينَ وَقَوْمِهِ النَّاجِينَ فِيهَا وَعِظَةً. قَالَ قَتَادَةُ: أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ أَلْوَاحُهَا عَلَى الْجُودِيِّ. وَقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فِي سَفِينَةِ نُوحٍ ﵇ لَكُمْ مَوْعِظَةً تَذْكُرُونَ بِهَا نَجَاةَ آبَائِكُمْ وَإِغْرَاقَ مُكَذِّبِي نُوحٍ ﵇، وَتَعِيَها : أَيْ تَحْفَظُ قِصَّتَهَا، أُذُنٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَعِيَ الْمَوَاعِظَ، يُقَالُ: وَعَيْتُ لِمَا حُفِظَ فِي النَّفْسِ، وَأَوْعَيْتُ لِمَا حُفِظَ فِي غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الْأَوْعِيَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْوَاعِيَةُ هِيَ الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ وَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَفِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ لعلي: «إني

стр. 5888

دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ» . قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَمَا سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وَقَرَأَهَا: وَتَعِيَهَا، بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْعَامَّةِ وَابْنُ مُصَرِّفٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ هَارُونَ وَخَارِجَةَ عَنْهُ وقنبل بخلاف عنه: بإسكانها وحمزة: بِإِخْفَاءِ الْحَرَكَةِ، وَوَجْهُ الْإِسْكَانِ التَّشْبِيهُ فِي الْفِعْلِ بِمَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعِلَ فِي الِاسْمِ وَالْفِعْلِ. نَحْوُ: كِبْدٌ وَعِلْمٌ. وَتَعِي لَيْسَ عَلَى وَزْنِ فِعْلٍ، بَلْ هُوَ مُضَارِعُ وَعِيَ، فَصَارَ إِلَى فِعْلٍ وَأَصْلُهُ حُذِفَتْ وَاوُهُ. وَرَوَى عَنْ عَاصِمٍ عِصْمَةُ وَحَمْزَةُ الْأَزْرَقُ: وَتَعِيَّهَا بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، قِيلَ: وَهُوَ خَطَأٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةَ بَيَانِ الْيَاءِ احْتِرَازًا مِمَّنْ سَكَّنَهَا، لَا إِدْغَامَ حَرْفٍ فِي حَرْفٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّضْعِيفِ فِي الْوَقْفِ، ثُمَّ أُجْرِيَ الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَعَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْسِيِّ: وَتَعِيهَا بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، فَاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنَافُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قِرَاءَةِ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهَالِيكُمْ بِسُكُونِ الْيَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ أُذُنٌ واعِيَةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْكِيرِ؟ قُلْتُ: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الْوُعَاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، وَلِتَوْبِيخِ النَّاسِ بِقِلَّةِ مَنْ يَعِي مِنْهُمْ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ الْوَاحِدَةَ إِذَا وَعَتْ وَعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَا سِوَاهَا لَا يُبَالِي بِآلَةٍ وَإِنْ مَلَأُوا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ. انْتَهَى، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، ذَكَرَ أَمْرَ الْآخِرَةِ وَمَا يَعْرِضُ فِيهَا لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَبَدَأَ بِإِعْلَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَهَذِهِ النَّفْخَةُ نَفْخَةُ الْفَزَعِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى الَّتِي يَحْصُلُ عَنْهَا خَرَابُ الْعَالَمِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ النَّفْخَةُ الْآخِرَةُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الدَّكُّ بَعْدَ النَّفْخِ، وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَتْ مَرَّةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ: واحِدَةٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، بِرَفْعِهِمَا، وَلَمْ تَلْحَقِ التَّاءُ نَفَخَ، لِأَنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ مَجَازِيٌّ وَوَقَعَ الْفَصْلُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمَّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ. انْتَهَى. وَلَوْ لَمْ يُنْعَتْ لَصَحَّ، لِأَنَّ نَفْخَةَ مَصْدَرٌ مَحْدُودٌ وَنَعْتُهُ لَيْسَ بِنَعْتِ تَخْصِيصٍ، إِنَّمَا هُوَ نَعْتُ تَوْكِيدٍ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ: بِنَصْبِهِمَا، أَقَامَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَحُمِلَتِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَالْأَعْمَشُ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ يَحْيَى: بِتَشْدِيدِهَا، فَالتَّخْفِيفُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ حَمَلَتْهَا الرِّيحُ الْعَاصِفُ أَوِ الْمَلَائِكَةُ أَوِ الْقُدْرَةُ مِنْ غَيْرِ

стр. 5889

وَاسِطَةِ مَخْلُوقٍ. وَيَبْعُدُ قَوْلُهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا الزَّلْزَلَةُ، لِأَنَّ الزَّلْزَلَةَ لَيْسَ فِيهَا حَمْلٌ، إِنَّمَا هِيَ اضْطِرَابٌ. وَالتَّشْدِيدُ عَلَى أَنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ، أَوْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلنَّقْلِ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ، أَيْ رِيحًا تُفَتِّتُهَا أَوْ مَلَائِكَةً أَوْ قُدْرَةً. وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَالْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُقَدَّرَةِ. وَثُنِّيَ الضَّمِيرُ فِي فَدُكَّتا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ جُمْلَةُ الْأَرْضِ وَجُمْلَةُ الْجِبَالِ، أَيْ ضَرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ حَتَّى تَفَتَّتَتْ، وَتَرْجِعُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَثِيباً مَهِيلًا «١» . وَالدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ لِقَوْلِهِ: هَباءً «٢» ، وَالدَّقُّ فِيهِ اخْتِلَافُ الْأَجْزَاءِ. وَقِيلَ: تُبْسَطُ فَتَصِيرُ أَرْضًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ أَدَكُّ وَنَاقَةٌ دَكَّاءُ إِذَا ضَعُفَا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَنَامُهُمَا وَاسْتَوَتْ عَرَاجِينُهُمَا مَعَ ظَهْرَيْهِمَا. فَيَوْمَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلَى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ، وهو منصوب بوقعت، كَمَا أَنَّ إِذَا مَنْصُوبٌ بنفخ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ وَقَرَّرْنَاهُ وَاسْتَدْلَلْنَا لَهُ فِي أَنَّ الْعَامِلَ فِي إِذَا هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يَلِيهِمَا لَا الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَالتَّنْوِينُ فِي إِذٍ لِلْعِوَضِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ، وَهِيَ فِي التَّقْدِيرِ: فَيَوْمَ إِذْ نُفِخَ فِي الصُّورِ وَجَرَى كَيْتَ وَكَيْتَ، والواقعة هِيَ الْقِيَامَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ «٣» أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: هِيَ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَانْشَقَّتِ السَّماءُ: أَيِ انْفَطَرَتْ وَتَمَيَّزَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَهِيَ يَوْمَئِذٍ انْشَقَّتْ، واهِيَةٌ: ضَعِيفَةٌ لِتَشَقُّقِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَدِيدَةً، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ «٤» ، أَوْ مُنْخَرِقَةً، كَمَا يُقَالُ: وَهِيَ السِّقَاءُ انْخَرَقَ. وَقِيلَ انْشِقَاقُهَا لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا «٥» . وَقِيلَ: انْشِقَاقُهَا لِهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى حَافَّاتِهَا حِينَ تَنْشَقُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي حَافَّاتِهَا عَائِدٌ عَلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: عَلَى حَافَّاتِ الْأَرْضِ، يَنْزِلُونَ إِلَيْهَا يَحْفَظُونَ أَطْرَافَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ قَرِيبٌ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلَى حَافَّاتِ الْأَرْضِ، ثُمَّ مَلَائِكَةَ الثَّانِيَةِ فَيَصُفُّونَ حَوْلَهُمْ، ثُمَّ مَلَائِكَةَ كُلِّ سَمَاءٍ، فَكُلَّمَا نَدَّ أَحَدٌ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَجَدَ الْأَرْضَ أُحِيطَ بِهَا. وَالْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ يُرَادُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: وَالْمَلَكُ، وبين أن

стр. 5890

يُقَالَ: وَالْمَلَائِكَةُ؟ قُلْتُ: الْمَلَكُ أَعَمُّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: مَا مِنْ مَلَكٍ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، أَعَمُّ مِنْ قَوْلِكَ: مَا مِنْ مَلَائِكَةٍ؟ انْتَهَى. وَلَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمَلَكَ أَعَمُّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ قُصَارَاهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِهِمَا، وَلِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، فَقُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ كَالْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِهِمَا. وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى إِلَخْ، فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى دَعْوَاهُ، لِأَنَّ مِنْ مَلَكٍ نَكِرَةٌ مُفْرَدَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا مِنْ الْمُخْلَصَةُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَلَكٍ فَانْدَرَجَ تَحْتَهَا الْجَمْعُ لِوُجُودِ الْفَرْدِ فِيهِ فَانْتَفَى كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بِخِلَافِ مِنْ مَلَائِكَةٍ، فَإِنَّ مِنْ دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ مُنَكَّرٍ، فَعَمَّ كُلَّ جَمْعٍ جُمِعَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتِفَاءُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. لَوْ قُلْتَ: مَا فِي الدَّارِ مِنْ رِجَالٍ، جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا انْسَحَبَ عَلَى جَمْعٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْجَمْعِ أَنْ يَنْتَفِيَ الْمُفْرَدُ. وَالْمَلَكُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ فِي سِيَاقِ نَفْيٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ جَمْعٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِهِ مُفْرَدًا لِأَنَّهُ أَخَفُّ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلى أَرْجائِها يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ بِمَا هُوَ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَرْجَائِهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَلْ فِي أَوْقَاتٍ. وَالْمُرَادُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَى أَرْجَائِهَا، لَا أَنَّهُ مَلَكٌ وَاحِدٌ يَنْتَقِلُ عَلَى أَرْجَائِهَا فِي أَوْقَاتٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أَنَّهَا تَنْشَقُّ، وَهِيَ مَسْكَنُ الْمَلَائِكَةِ، فَيَنْضَوُونَ إِلَى أَطْرَافِهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنْ حَافَّاتِهَا. انْتَهَى. وَالضَّمِيرُ فِي فَوْقِهِمْ عَائِدٌ عَلَى الْمَلَكِ ضَمِيرُ جمع على المعنى، لأنه يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، قَالَ مَعْنَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْحَامِلِينَ، أَيْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ. وَقِيلَ: عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّمْيِيزَ الْمَحْذُوفَ فِي قَوْلِهِ: ثَمانِيَةٌ أَمْلَاكٌ، أَيْ ثَمَانِيَةُ أَشْخَاصٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ وَعَنِ الْحَسَنِ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ هُمْ، أَثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ أَمْ ثَمَانِيَةُ أَشْخَاصٍ؟ وَذَكَرُوا فِي صِفَاتِ هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةِ أَشْكَالًا مُتَكَاذِبَةً ضَرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا. يَوْمَئِذٍ: أَيْ يَوْمَ إِذْ كَانَ مَا ذُكِرَ، تُعْرَضُونَ: أي للحساب، وتعرضون هُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ: فَإِذا نُفِخَ. فَإِنْ كَانَتِ النَّفْخَةُ هِيَ الْأُولَى، فَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اتَّسَعَ فِي الْيَوْمِ فَجُعِلَ ظَرْفًا لِلنَّفْخِ وَوُقُوعُ الْوَاقِعَةِ وَجَمِيعُ الْكَائِنَاتِ بَعْدَهَا وَإِنْ كَانَتِ النَّفْخَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اتِّسَاعٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَيَوْمَئِذٍ معطوف على فَإِذا، ويَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ بدل من ف يَوْمَئِذٍ، وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الظُّرُوفِ وَاقِعٌ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالْخِطَابُ فِي تُعْرَضُونَ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ الْمُحَاسَبِينَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَى مُوسَى فِي الْقِيَامَةِ عَرْضَتَانِ فِيهِمَا مَعَاذِيرُ وَتَوْقِيفٌ

стр. 5891

وَخُصُومَاتٌ، وَثَالِثَةٌ تَتَطَايَرُ فِيهَا الصُّحُفُ لِلْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا تَخْفى بِتَاءِ التأنيث وعلي وَابْنُ وَثَّابٍ وَطَلْحَةُ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ مِقْسَمٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ سَعْدَانَ: بِالْيَاءِ، خافِيَةٌ: سَرِيرَةٌ وَحَالٌ كَانَتْ تَخْفَى فِي الدُّنْيَا. قَوْلُهُ : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، قُطُوفُها دانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ، يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ، وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ. أَمَّا: حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِهَا مَا وَقَعَ فِي يَوْمِ الْعَرْضِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النَّارِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، أَنَّهُ فِي يَوْمِ الْعَرْضِ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النَّاجِينَ مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ الْعَذَابِ. وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ، وَإِيمَانُهُ أَنِيسُهُ مُدَّةَ الْعَذَابِ. قِيلَ: وَهَذَا يَظْهَرُ لِأَنَّ مَنْ يُسَارُ بِهِ إِلَى النَّارِ كيف يقول: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا اسْتِبْشَارٌ وَسُرُورٌ؟ فَلَا يُنَاسِبُ دُخُولَ النَّارِ. وَهَاؤُمُ إِنْ كَانَ مَدْلُولَهَا خُذْ، فَهِيَ مُتَسَلِّطَةٌ عَلَى كِتَابِيَهْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَدْلُولُهَا تَعَالَوْا، فَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ إِلَيْهِ بواسطة إلى، وكتابيه يطلبه هاؤم واقرؤا. فالبصريون يعلمون اقرأوا، وَالْكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ هَاؤُمُ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّنَازُعِ بَيْنَ اسْمِ الْفِعْلِ وَالْقَسَمِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: كِتابِيَهْ، وحِسابِيَهْ في موضعيهما ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ، وفي القارعة: ما هِيَهْ «١» بِإِثْبَاتِ هَاءِ السَّكْتِ وَقْفًا وَوَصْلًا لِمُرَاعَاةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا وَإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَذَلِكَ كِتَابِي وَحِسَابِي وَمَالِي وَسُلْطَانِي، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي ما هِيَهْ فِي الْقَارِعَةِ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ: بِطَرْحِ الْهَاءِ فِيهِمَا فِي الْوَصْلِ لَا في الوقف، وطرحها حَمْزَةُ فِي مَالِي وَسُلْطَانِي وَمَا هِيَ فِي الْوَصْلِ لَا فِي الْوَقْفِ، وَفَتَحَ الْيَاءَ فِيهِنَّ. وَمَا قَالَهُ الزَّهْرَاوِيُّ مِنْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ لَحْنٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ نَقْلَ التواتر فوجب قبوله.

стр. 5892

إِنِّي ظَنَنْتُ: أَيْ أَيْقَنْتُ، وَلَوْ كَانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكَانَ كُفْرًا. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ: ذَاتِ رِضًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ: رَاضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: مِنْ ماءٍ دافِقٍ «١» ، أَيْ مَدْفُوقٍ. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ: أَيْ مَكَانًا وَقَدْرًا. قُطُوفُها: أَيْ مَا يَجْنِي مِنْهَا، دانِيَةٌ: أَيْ قَرِيبَةُ التَّنَاوُلِ يُدْرِكُهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِنْ شَجَرَتِهَا. كُلُوا وَاشْرَبُوا: أي يقال، وهَنِيئاً، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أَكْلًا وَشُرْبًا هَنَيِئًا، أَوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلَى الْمَصْدَرِ. انْتَهَى فَقَوْلُهُ: أَكْلًا وَشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنْهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْإِضْمَارِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ، أَيْ أَكْلًا هَنِيئًا وَشُرْبًا هَنِيئًا. بِما أَسْلَفْتُمْ: أَيْ قَدَّمْتُمْ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ: يَعْنِي أَيَّامَ الدُّنْيَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَوَكِيعٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أَيَّامُ الصَّوْمِ، أَيْ بَدَلُ مَا أَمْسَكْتُمْ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ: بِما أَسْلَفْتُمْ: أَيْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ: لَمَّا رَأَى فِيهِ قَبَائِحَ أَفْعَالِهِ وَمَا يَصِيرُ أَمْرُهُ إِلَيْهِ، تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسَابَهُ، فَإِنَّهُ انْجَلَى عَنْهُ حِسَابُهُ عَنْ مَا يَسُوءُهُ فِيهِ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ لَا لَهُ. يَا لَيْتَها: أَيِ الْمَوْتَةُ الَّتِي مِتُّهَا فِي الدُّنْيَا، كانَتِ الْقاضِيَةَ: أَيِ الْقَاطِعَةَ لِأَمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ وَلَمْ أُعَذَّبْ أَوْ يَا لَيْتَ الْحَالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إِلَيْهَا الْآنَ كَانَتِ الْمَوْتَةَ الَّتِي مِنْهَا فِي الدُّنْيَا، حَيْثُ رَأَى أَنَّ حَالَتَهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا أَمَرُّ مِمَّا ذَاقَهُ مِنَ الْمَوْتَةِ، وَكَيْفَ لَا وَأَمْرُهُ آلَ إِلَى عَذَابٍ لَا يَنْقَطِعُ؟ مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أَخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأَسِّفًا عَلَى مَالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا وَبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وَقَرَّرَهَا عَلَيْهِ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ: أَيْ حُجَّتِي، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيَا. وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ نويه لَمَّا تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ غَلَّابِ الْقَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وَجُنَّ، فَكَانَ لَا يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ: هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ. خُذُوهُ: أَيْ يُقَالُ لِلزَّبَانِيَةِ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ: أَيِ اجْعَلُوا فِي عُنُقِهِ غُلًّا، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لَا تُصَلُّوهُ إِلَّا الْجَحِيمَ، وَهِيَ النَّارُ الْعُظْمَى، لِأَنَّهُ كَانَ سُلْطَانًا يَتَعَظَّمُ عَلَى النَّاسِ. يُقَالُ: صَلِيَ النَّارَ وَصَلَّاهُ النَّارَ. انْتَهَى، وَإِنَّمَا قَدَرُهُ لَا تُصَلُّوهُ إِلَّا الْجَحِيمَ، لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا مَعَهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ «٢» ، وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مذهبا لسيبويه وَلَا لِحُذَّاقِ النُّحَاةِ. وَأَمَّا

стр. 5893

قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَانَ سُلْطَانًا يَتَعَظَّمُ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَالرَّاجِحُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ: أَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا هُوَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانَ يَحْتَجُّ بِهَا فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بشماله لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُلُوكِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها: أَيْ قِيَاسُهَا وَمِقْدَارُ طُولِهَا، سَبْعُونَ ذِراعاً: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ظَاهِرُهُ مِنَ الْعَدَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْمُبَالَغَةُ فِي طُولِهَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْعَدَدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ نَوْفٌ الَبِكَالِيُّ وَغَيْرُهُ: الذِّرَاعُ سَبْعُونَ بَاعًا، فِي كُلِّ بَاعٍ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَيِّ ذِرَاعٍ هِيَ. وَقِيلَ: بِالذِّرَاعِ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا خَاطَبَنَا تَعَالَى بِمَا نَعْرِفُهُ وَنُحَصِّلُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنْهَا حَلْقَةٌ عَلَى جَبَلٍ لَذَابَ كَالرَّصَاصِ. فَاسْلُكُوهُ: أَيْ أَدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ «١» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ فِي السِّلْسِلَةِ، وَلِطُولِهَا تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ فَيَبْقَى دَاخِلًا فِيهَا مَضْغُوطًا حَتَّى تَعُمَّهُ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ قَلْبٌ، وَالسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ فِي فَمِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى إِخْرَاجِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، إِلَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلَى خِلَافِهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى فِي تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلَى السَّلْكِ مِثْلُهُ فِي تَقْدِيمِ الْجَحِيمِ عَلَى التَّصْلِيَةِ، أَيْ لَا تَسْلُكُوهُ إِلَّا فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأَنَّهَا أَفْظَعُ مِنْ سَائِرِ مَوَاضِعِ الْإِرْهَاقِ فِي الْجَحِيمِ. وَمَعْنَى ثُمَّ: الدَّلَالَةُ عَلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْغُلِّ وَالتَّصْلِيَةِ بِالْجَحِيمِ، وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السِّلْكِ فِي السِّلْسِلَةِ، لَا عَلَى تَرَاخِي الْمُدَّةِ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ الْحَصْرَ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ، وَأَمَّا ثُمَّ فَيُمْكِنُ بَقَاؤُهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا مِنَ الْمُهْلَةِ الزَّمَانِيَّةِ، وَأَنَّهُ أَوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. وَلَمَّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالْعَجَلَةِ، صَارَتْ لَهُ اسْتِرَاحَةً، ثُمَّ جَاءَ تَصْلِيَةَ الْجَحِيمِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي عَذَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ ذَلِكَ وَقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جَاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ كَانَ لَهُ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمَّا سُلِكَ فِي السِّلْسِلَةِ كَانَ ذَلِكَ أَشُدَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ، حَيْثُ صَارَ لَا حِرَاكَ لَهُ وَلَا انْتِقَالَ، وَأَنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غَايَةً، فَهَذَا يَصِحُّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ عَلَى مَوْضُوعِهَا مِنَ الْمُهْلَةِ الزَّمَانِيَّةِ. إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ: بَدَأَ بِأَقْوَى أَسْبَابِ تَعْذِيبِهِ وَهُوَ كفره بالله، وإنه تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ الْبَلِيغَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ، وَعَطْفُ وَلا يَحُضُ

стр. 5894

عَلَى لَا يُؤْمِنُ دَاخِلٌ فِي الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِ مَنْ لَا يَحُضُّ عَلَى إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، إِذْ جُعِلَ قَرِينَ الْكُفْرِ، وَهَذَا حُكْمُ تَرْكِ الْحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الْإِطْعَامِ؟ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى إِطْعَامِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ. وَأَضَافَ الطَّعَامَ إِلَى الْمِسْكِينِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ، إِذْ يَسْتَحِقُّ الْمِسْكِينُ حَقًّا فِي مَالِ الْغَنِيِّ الْمُوسِرِ وَلَوْ بِأَدْنَى يَسَارٍ وَلِلْعَرَبِ فِي مَكَارِمِهِمْ وَإِيثَارِهِمْ آثَارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِيهِمْ: عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ ... وَعِنْدَ الْمُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالْبَذْلُ وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَحُضُّ امْرَأَتَهُ عَلَى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأَجْلِ الْمَسَاكِينِ وَيَقُولُ: خَلَعْنَا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالْإِيمَانِ، أَفَلَا نَخْلَعُ نِصْفَهَا الْآخَرَ؟ وَقِيلَ: هُوَ مَنْعُ الْكُفَّارِ. وَقَوْلُهُمْ: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ «١» ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الْحَضُّ انْتَفَى الْإِطْعَامُ بِجِهَةِ الْأَوْلَى، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ «٢» . فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ: أَيْ صَدِيقٌ مُلَاطِفٌ وَادٌّ، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ «٣» . وَقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ. وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ وَالزَّقُّومُ أَخْبَثُ شَيْءٍ وَأَبْشَعَهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ: هُوَ شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أَهْلُ النَّارِ. وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ يَجْرِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي الْغَاشِيَةِ: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ «٤» ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُتَبَايِنَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ طَائِفَةٍ غَيْرِ الطَّائِفَةِ التي الآخر طعامها، وله خَبَرُ لَيْسَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا، وَلَمْ يُبَيِّنُ مَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ. وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ لَيْسَ هَاهُنَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّ ثَمَّ طَعَامًا غَيْرَهُ، وهاهنا مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي لَهُ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ. انْتَهَى. وَإِذَا كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعَامِ، وَكَانَ الْأَكْلُ غَيْرَ أَكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الْحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْأَكْلَيْنِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الضَّرِيعُ هُوَ الْغِسْلِينُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، فَلَا تَنَاقُضَ، إذا الْمَحْصُورُ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا جَعَلْنَا الْخَبَرَ هَاهُنَا، كَانَ لَهُ وَالْيَوْمَ مُتَعَلِّقَيْنِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَبَرُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي هَاهُنَا، وَهُوَ عَامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلَا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ لَفْظِيًّا جَازَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «٥» ، فَلَهُ متعلق بكفوا وهو خبر ليكن.

стр. 5895

وقرأ الجمهور: الْخاطِؤُنَ بِالْهَمْزِ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ خطىء، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوَابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، وَالْمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالْعَتَكِيُّ وَطَلْحَةُ فِي نَقْلٍ: بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَطَلْحَةُ وَنَافِعٌ: بِخِلَافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطَّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فَالظَّاهِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ خطىء كَقِرَاءَةِ مَنْ هَمَزَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهَى. فَيَكُونُ اسْمَ فَاعِلٍ مَنْ خَطَا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ «١» ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ «٢» خَطَا إِلَى الْمَعَاصِي. قَوْلُهُ : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ، وَما لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي لَا قَبْلَ الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «٣» ، وَقِرَاءَةُ الْحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِهَا لَا مَا دَخَلَتْ عَلَى أَقُسِمَ. وَقِيلَ: لَا هُنَا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أَيْ لَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَجَوَابُهُ جَوَابُ الْقَسَمِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا سَاحِرٌ، وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: شَاعِرٌ، وَقَالَ: كَاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لَا تُبْصِرُونَ، عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا تُبْصِرُونَ مِنْ آثَارِ الْقُدْرَةِ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ مِنْ أَسْرَارِ الْقُدْرَةِ. وَقِيلَ: وَما لَا تُبْصِرُونَ: الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: الْأَجْسَادُ وَالْأَرْوَاحُ. إِنَّهُ: أَيْ إِنَّ الْقُرْآنَ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ: هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ مُبَلِّغُهُ وَالْعَامِلُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ جِبْرِيلُ ﵇، إِذْ هُوَ الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ. وَنَفَى تَعَالَى أَنْ يَكُونَ قَوْلَ شَاعِرٍ لِمُبَايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ وَلَا قَوْلَ كَاهِنٍ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِسَبَبِ الشَّيَاطِينِ. وَانْتَصَبَ قَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَوْ لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ

стр. 5896

تُؤْمِنُونَ إِيمَانًا قَلِيلًا أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا. وَكَذَا التَّقْدِيرُ فِي: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، وَالْقِلَّةُ هُوَ إِقْرَارُهُمْ إِذَا سُئِلُوا مَنْ خَلَقَهُمْ قَالُوا اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنُصِبَ قَلِيلًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ، وَمَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً فَيَنْتَفِي إِيمَانُهُمُ الْبَتَّةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا مصدرية، وَالْمُتَّصِفُ بِالْقِلَّةِ هُوَ الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ، لِأَنَّهُمْ قَدْ صَدَّقُوا بِأَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا، إِذْ كَانُوا يُصَدِّقُونَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالصِّلَةَ وَالْعَفَافَ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ حَقٌّ صَوَابٌ. انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ: وَنُصِبَ قَلِيلًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الدَّالَّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَا نَافِيَةً أَوْ مَصْدَرِيَّةً، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، فَذَلِكَ الْفِعْلُ الْمُضْمَرُ الدَّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ الْمَنْفِيُّ بِمَا يَكُونُ مَنْفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَا تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَالْفِعْلُ الْمَنْفِيُّ بِمَا لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ وَلَا حَذْفَ مَا لَا يَجُوزُ زَيْدًا مَا أَضْرَبَهُ، عَلَى تَقْدِيرِ مَا أَضْرَبَ زَيْدًا مَا أَضْرَبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً كَانَتْ مَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الفاعلية بقليلا، أَيْ قَلِيلًا إِيمَانُكُمْ، وَيَبْقَى قَلِيلًا لَا يَتَقَدَّمُهُ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَ وَلَا نَاصِبَ لَهُ وَإِمَّا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لَا خَبَرَ لَهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مَنْصُوبٌ لَا مَرْفُوعٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْقِلَّةُ فِي مَعْنَى الْعَدَمِ، أَيْ لَا تُؤْمِنُونَ وَلَا تَذَكَّرُونَ الْبَتَّةَ، وَالْمَعْنَى: مَا أَكْفَرَكُمْ وَمَا أَغْفَلَكُمْ. انْتَهَى. وَلَا يُرَادُ بقليلا هُنَا النَّفْيُ الْمَحْضُ، كَمَا زَعَمَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي أَقَلَّ نَحْوُ: أَقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا زِيدٌ، وَفِي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رجل يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا زَيْدٌ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي قَلِيلٍ وَقَلِيلَةٍ إِذَا كَانَا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ مَا جَوَّزُوا فِي قَوْلِهِ: قَلِيلٌ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بغاتها أَمَّا إِذَا كَانَ مَنْصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أَوْ قَلِيلًا مَا ضَرَبْتُ، عَلَى أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً، فإن ذلك لا يجوز، لِأَنَّهُ فِي: قَلِيلًا ضَرَبْتُ منصوب بضربت، وَلَمْ تَسْتَعْمِلِ الْعَرَبُ قَلِيلًا إِذَا انْتَصَبَ بِالْفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقَابِلًا لِكَثِيرٍ. وَأَمَّا فِي قَلِيلًا مَا ضَرَبْتُ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِ قَلِيلٍ، لِأَنَّ مَا الْمَصْدَرِيَّةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِخِلَافٍ عَنْهُمَا والجحدري وَالْحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِتَاءِ الْخِطَابِ وأبيّ: بِيَاءَيْنِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ وَأَبُو السَّمَّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلَوْ تَقَوَّلَ، وَالتَّقَوُّلُ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ عَنْ آخَرَ إِنَّهُ قال شيئا لو يَقُلْهُ. وَقَرَأَ ذَكْوَانُ وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضَارِعُ قَالَ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِمَا صَرَّحَتْ بِهِ

стр. 5897

قراءة الجمهور. وقرىء: وَلَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَحُذِفَ الْفَاعِلُ وَقَامَ الْمَفْعُولُ مَقَامَهُ، وَهُوَ بَعْضَ، إِنْ كان قرىء مرفوعا وإن كان قرىء مَنْصُوبًا بِعَلَيْنَا قَامَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَالْمَعْنَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا مُتَقَوِّلٌ. وَلَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي تَقُولُ عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ فِي حَقِّهِ ﵊. وَالْأَقَاوِيلُ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَهُوَ أَقْوَالٌ كبيت وأبيات وأبابيت. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَسَمَّى الْأَقْوَالَ الْمَنْقُولَةَ أَقَاوِيلَ تَصْغِيرًا لَهَا وَتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الْأَعَاجِيبُ وَالْأَضَاحِيكُ، كَأَنَّهَا جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ الْقَوْلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: بِالْيَمِينِ الْمُرَادُ بِهِ الْجَارِحَةُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: الْمَعْنَى قَطَعْنَاهُ عِبْرَةً وَنَكَالًا، وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: الْأَخْذُ عَلَى ظَاهِرِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى: وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَيْنَا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْنَاهُ صَبْرًا، كَمَا تَفْعَلُ الْمُلُوكُ بِمَنْ يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعَاجَلَةً بِالسَّخَطِ وَالِانْتِقَامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أَهْوَلَ، وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وَتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وَخُصَّ الْيَمِينُ عَلَى الْيَسَارِ لِأَنَّ الْقَتَّالَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ فِي قَفَاهُ أَخَذَ بِيُسَارُهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوقِعَهُ فِي جِيدِهِ وَأَنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ أَشَدُّ عَلَى الْمَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إِلَى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ. وَمَعْنَى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ: لَأَخَذْنَا بِيَمِينِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ: لَقَطَعْنَا وَتِينَهُ. انْتَهَى، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ أَلْفَاظِهِ وَمَصَاغِهَا قَالُوا: الْمَعْنَى لَأَخَذْنَا بِيَدِهِ الَّتِي هِيَ الْيَمِينُ عَلَى جِهَةِ الْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ، كَمَا يَقُولُ السُّلْطَانُ إِذَا أَرَادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يَا غُلَامُ خُذْ بِيَدِهِ وَافْعَلْ كَذَا، قَالَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ الطَّبَرِيُّ. وَقِيلَ: الْيَمِينُ هُنَا مَجَازٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْيَمِينِ: بِالْقُوَّةِ، مَعْنَاهُ لَنِلْنَا مِنْهُ عِقَابَهُ بِقُوَّةٍ مِنَّا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْقُدْرَةِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَاقَبْنَاهُ بِالْحَقِّ وَمَنْ عَلَى هَذَا صِلَةٌ. وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنَا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وَقِيلَ: لَنَزَعْنَا مِنْهُ قُوَّتَهُ. وَقِيلَ: لَأَذْلَلْنَاهُ وَأَعْجَزْنَاهُ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَبْلُ الْقَلْبِ الَّذِي فِي الظَّهْرِ وَهُوَ النُّخَاعُ. وَالْمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وَتِينُهُ، وَالْمَعْنَى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا لَأَذْهَبْنَا حَيَاتَهُ مُعَجَّلًا، وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِي تَقَوَّلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْقَتْلِ، أَيْ لَا يَقْدِرَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَدْفَعَهُ عَنْهُ، وَالْخِطَابُ فِي مِنْكُمْ لِلنَّاسِ، وَالظَّاهِرُ فِي حاجِزِينَ أَنْ يَكُونَ خبرا لما عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِ، لِأَنَّ حَاجِزِينَ هُوَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ، وَيَكُونُ مِنْكُمْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً لِأَحَدٍ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ صَارَ حَالًا، وَفِي جَوَازِ هَذَا نَظَرٌ. أَوْ يَكُونُ لِلْبَيَانِ، أَوْ تَتَعَلَّقُ بِحَاجِزِينَ، كَمَا تَقُولُ: مَا فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبًا، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا

стр. 5898

الْفَصْلُ مِنَ انْتِصَابِ خَبَرِ مَا. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ: حَاجِزِينَ نَعْتٌ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّفْظِ، وَجُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ يَقَعُ فِي النَّفْيِ الْعَامِّ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعَ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمِنْهُ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «١» ، وَقَوْلُهُ: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ «٢» ، مَثَّلَ بِهِمَا الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَيْنِكَ فِي مَوْضِعَيْهِمَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ» . وَإِذَا كَانَ حَاجِزِينَ نعتا فمن أَحَدٍ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مِنْكُمْ، وَيَضْعُفُ هَذَا الْقَوْلُ، لِأَنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْخَبَرِ وَهُوَ كَيْنُونَتُهُ مِنْكُمْ، فَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَى الْحَجْزِ. وَإِذَا كَانَ حَاجِزِينَ خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وَصَارَ الْمَعْنَى: مَا أَحَدٌ مِنْكُمْ يَحْجِزُهُ عَنْ مَا يُرِيدُ بِهِ مِنَ ذَلِكَ. وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ: أَيْ وَإِنَّ الْقُرْآنَ أَوِ الرَّسُولُ ﷺ . وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ: وَعِيدٌ، أَيْ مُكَذِّبِينَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالرَّسُولِ ﷺ . وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ: أَيِ الْقُرْآنُ مِنْ حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، وَيَرَوْنَ مَنْ آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وَهُمْ مُعَذَّبُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَإِنَّ تَكْذِيبَهُمْ بِالْقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: مُكَذِّبِينَ، كَقَوْلِهِ: إِذَا نَهَى السَّفِيهَ جَرَى إِلَيْهِ أَيْ لِلسَّفَهِ. وَإِنَّهُ: أَيْ وَإِنَّ الْقُرْآنَ، لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ: وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى إِضَافَةِ حَقٍّ إِلَى الْيَقِينِ فِي آخر الواقعة.

стр. 5899

سورة المعارج [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ٤٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)

стр. 5900

الْعِهْنُ: الصُّوفُ دُونَ تَقْيِيدٍ، أَوِ الْأَحْمَرُ، أَوِ الْمَصْبُوغُ أَلْوَانًا، أَقْوَالٌ. الْفَصِيلَةُ، قَالَ ثَعْلَبٌ: الْآبَاءُ الْأَدْنُونَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَخْذُ. وَقِيلَ: عَشِيرَتُهُ الْأَقْرَبُونَ. لَظَى: اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أَوْ لِلدَّرَكَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ دَرَكَاتِهَا، وَهُوَ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنَ اللَّظَى، وَهُوَ اللَّهَبُ، وَمَنْعُ الصَّرْفِ هُوَ لِلْعَلِمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ. وَالشَّوَى جَمْعُ شَوَاةٍ، وَهِيَ جِلْدَةُ الرَّأْسِ. وَقَالَ الْأَعْشَى: قَالَتْ قَتِيلَةُ مَا لَهُ ... قَدْ جُلِّلَتْ سببا شَوَاتُهُ وَالشَّوَى: جِلْدُ الْإِنْسَانِ، وَالشَّوَى: قَوَائِمُ الْحَيَوَانِ، وَالشَّوَى: كُلُّ عُضْوٍ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَمِنْهُ: رَمَى فَأَشْوَى، إِذَا لَمْ يُصِبِ الْمَقْتَلَ، وَالشَّوَى: زَوَالُ الْمَالِ، وَالشَّوَى: الشَّيْءُ الْهَيِّنُ الْيَسِيرُ. الْهَلَعُ: الْفَزَعُ والاضطراب السريع عند مسن الْمَكْرُوهِ، وَالْمَنْعُ السَّرِيعُ عِنْدَ مَسِّ الْخَيْرِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ هَلُوعٌ: سَرِيعَةُ السَّيْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْهَلَعُ فِي اللُّغَةِ أَشَدُّ الْحِرْصِ وَأَسْوَأُ الْجَزَعِ. الْجَزَعُ: الْخَوْفُ، قَالَ الشَّاعِرُ: جَزِعْتُ وَلَمْ أَجْزَعْ مِنَ الْبَيْنِ مَجْزَعًا عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ، وَقِيلَ: الْجَمْعُ الْيَسِيرُ كَثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ أَرْبَعَةٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فِي الدَّارِ عِزُونَ: أَيْ أَصْنَافٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ عَنْتَرَةُ: وَقَرْنٍ قد تركت لدي ولبى ... عليه الطير كالغصن العزين وقال الداعي: أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّ عَشِيرَتِي ... أَمْسَى سَوَامُهُمْ عِزِينَ فُلُولَا وَقَالَ الْكُمَيْتُ: وَنَحْنُ وَجَنْدَلٌ بَاغٍ تَرَكْنَا ... كَتَائِبَ جَنْدَلٍ شَتَّى عِزِينَا وَقَالَ آخَرُ: تَرَانَا عِنْدَهُ وَاللَّيْلُ دَاجٍ ... عَلَى أَبْوَابِهِ حِلَقًا عِزِينَا

стр. 5901

وَقَالَ آخَرُ: فَلَمَّا أَنْ أبين على أصاح ... ضرجن حصاة أشتاتا عزينا وعزة مِمَّا حُذِفَتْ لَامُهُ، فَقِيلَ: هِيَ وَاوٌ وَأَصْلُهُ عِزْوَةٌ، كَأَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إِلَى غَيْرِ مَنْ تَعْتَزِي إِلَيْهِ الْأُخْرَى، فَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ. وَيُقَالُ: عَزَاهُ يَعْزُوهُ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَامُهَا هَاءٌ وَالْأَصْلُ عِزْهَةٌ وَجُمِعَتْ عِزَةٌ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، كَمَا جُمِعَتْ سَنَةٌ وَأَخَوَاتُهَا بِذَلِكَ، وَتُكْسَرُ الْعَيْنُ فِي الْجَمْعِ وَتُضَمُّ. وَقَالُوا: عِزًى عَلَى فِعَلٍ، وَلَمْ يَقُولُوا عِزَاتٍ. سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ، وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً، يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ، كَلَّا إِنَّها لَظى، نَزَّاعَةً لِلشَّوى، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعى، إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ، أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ. هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْجُمْهُورُ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «١» الْآيَةِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: فِي أَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي جَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ الْآيَةِ. وَقِيلَ: السَّائِلُ نُوحٌ ﵇، سَأَلَ الْعَذَابَ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَقِيلَ: السَّائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَشْدُدَ وَطْأَتَهُ عَلَى مُضَرَ الْحَدِيثَ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ. وَمُنَاسَبَةُ أَوَّلِهَا لِآخِرِ مَا قَبْلَهَا: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ «٢» ، أَخْبَرَ عَنْ مَا صَدَرَ عَنْ بَعْضِ الْمُكَذِّبِينَ بِنِقَمِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ نُوحًا ﵇، أو

стр. 5902

الرَّسُولَ ﷺ . فَنَاسَبَ تَكْذِيبَ الْمُكَذِّبِينَ أَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُهُمْ حَتَّى يُصَابُوا فَيَعْرِفُوا صِدْقَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَأَلَ بِالْهَمْزِ: أَيْ دَعَا دَاعٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَعَا بِكَذَا إِذَا اسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَهُ، فَالْبَاءُ عَلَى أَصْلِهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى بَحَثَ بَاحِثٌ وَاسْتَفْهَمَ. قِيلَ: فَالْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ: سَالَ بِأَلِفٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ أَلِفًا، وَهُوَ بَدَلٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا قِيَاسُ هَذَا بَيْنَ بَيْنَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: سَلْتُ أَسَالُ، حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ، يَقُولُونَ: سَلْتَ تَسَالُ وَهُمَا يَتَسَايَلَانِ. انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَثَبَّتَ فِي قَوْلِهِ إِنَّهَا لُغَةُ قُرَيْشٍ. لِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ بَابِ السُّؤَالِ هُوَ مَهْمُوزٌ أَوْ أَصْلُهُ الْهَمْزُ، كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: وَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ سَالَ الَّتِي عَيْنُهَا وَاوٌ، إِذْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ وَسَلُوا اللَّهَ مِثْلَ خَافُوا الْأَمْرَ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى لُغَةٍ غَيْرَ قُرَيْشٍ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ إِلَّا يَسِيرًا فِيهِ لُغَةُ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ جَاءَ فِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: وَهُمَا يَتَسَايَلَانِ بِالْيَاءِ، وَأَظُنُّهُ مِنَ النَّاسِخِ، وَإِنَّمَا هُوَ يَتَسَاوَلَانِ بِالْوَاوِ. فَإِنْ تَوَافَقَتِ النُّسَخُ بِالْيَاءِ، فَيَكُونُ التَّحْرِيفُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مِنَ السُّؤَالِ، فَسَائِلٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي السَّائِلِ مَنْ هُوَ. وَقِيلَ: سَالَ مِنَ السَّيَلَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَالَ سَايِلٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فِي جَهَنَّمَ وَادٍ يُسَمَّى سَايِلًا وَأَخْبَرَ هُنَا عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَحْتَمِلُ إِنْ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُ الْوَادِي أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ عَنْ نُفُوذِ الْقَدَرِ بِذَلِكَ الْعَذَابِ قَدِ اسْتُعِيرَ لَهُ السَّيْلُ لِمَا عُهِدَ مِنْ نُفُوذِ السَّيْلِ وَتَصْمِيمِهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالسَّيْلُ مَصْدَرٌ في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر، وَالْمَعْنَى: انْدَفَعَ عَلَيْهِمْ وَادِي عَذَابٍ، فَذَهَبَ بِهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ. انْتَهَى. وَإِذَا كَانَ السَّائِلُ هُمُ الْكُفَّارُ، فَسُؤَالُهُمْ إِنَّمَا كَانَ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَهُمْ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ وَاقِعٌ وَعِيدًا لَهُمْ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ: سَالَ سَالٍ مِثْلُ مَالٍ بِإِلْقَاءِ صُورَةِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ الْيَاءُ مِنَ الْخَطِّ تَخْفِيفًا. قِيلَ: وَالْمُرَادُ سَائِلٌ. انْتَهَى. وَلَمْ يُحْكَ هَلْ قَرَأَ بِالْهَمْزِ أَوْ بِإِسْقَاطِهَا الْبَتَّةَ. فَإِنْ قَرَأَ بِالْهَمْزِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قَرَأَ بِحَذْفِهَا فَهُوَ مِثْلُ شَاكَ شَايِكٌ، حُذِفَتْ عَيْنُهُ وَاللَّامُ جَرَى فِيهَا الْإِعْرَابُ، والظاهر تعلق بعذاب بسال. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِمَصْدَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا سُؤَالُهُ؟ فَقِيلَ: سُؤَالُهُ بِعَذَابٍ، وَالظَّاهِرُ اتِّصَالُ الْكَافِرِينَ بواقع فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، أَيْ نَازِلٌ بِهِمْ لِأَجْلِهِمْ، أَيْ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ، أَوْ عَلَى أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى، قَالَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ: عَلَى الْكَافِرِينَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ، أَيْ وَاقِعٌ كَائِنٌ لِلْكَافِرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: الْمَعْنَى:

стр. 5903

كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لِمَنْ هَذَا الْعَذَابُ الْوَاقِعُ؟ فَقِيلَ: لِلْكَافِرِينَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ بِالْفِعْلِ، أَيْ دُعَاءٌ لِلْكَافِرِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الثَّانِي، وَهُوَ ثَانِي مَا ذَكَرَ مِنْ تَوْجِيهِهِ فِي الْكَافِرِينَ. قَالَ هُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ جَوَابٌ لِلسَّائِلِ، أَيْ هُوَ لِلْكَافِرِينَ، وَكَانَ قَدْ قَرَّرَ أَنَّ سَالَ ضُمِّنَ مَعْنَى دَعَا، فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: دَعَا دَاعٍ بِعَذَابٍ مِنْ قَوْلِكَ: دَعَا بِكَذَا إِذَا اسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ «١» . انْتَهَى. فَعَلَى مَا قَرَّرَهُ أَنَّهُ متعلق بدعا، يعني بسال، فَكَيْفَ يَكُونُ كَلَامًا مُبْتَدَأً جَوَابًا لِلسَّائِلِ أَيْ هُوَ لِلْكَافِرِينَ؟ هَذَا لَا يَصِحُّ. فَقَدْ أَخَذَ قَوْلَ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَأَفْسَدَهُ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بقوله: واقِعٍ. ولَيْسَ لَهُ دافِعٌ: جُمْلَةُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِدَافِعٍ، أَيْ مِنْ جِهَتِهِ إِذَا جَاءَ وَقْتُهُ. ذِي الْمَعارِجِ: الْمَعَارِجُ لُغَةً الدَّرَجُ وَهُنَا اسْتِعَارَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: فِي الرُّتَبِ وَالْفَوَاضِلِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: المعارج: السموات تَعْرُجُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الْمَرَاقِي إِلَى السَّمَاءِ، وَقِيلَ: الْمَعَارِجُ: الْغُرَفُ، أَيْ جَعَلَهَا لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّةِ تَعْرُجُ، قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالتَّاءِ عَلَى التَّأْنِيثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَزَائِدَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْيَاءِ. وَالرُّوحُ، قَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ جِبْرِيلُ، خُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، وَأُخِّرَ هُنَا بَعْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَقُدِّمَ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا «٢» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ الْحَافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ، لَا تَرَاهُمُ الْحَفَظَةُ كَمَا لَا نَرَى نَحْنُ حَفَظَتَنَا. وَقِيلَ: الرُّوحُ مَلَكٌ غَيْرُ جِبْرِيلُ عَظِيمُ الْخِلْقَةِ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النَّاسِ وَلَيْسُوا بِالنَّاسِ. وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ الْمَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ إِلَيْهِ، الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ إِلَى عَرْشِهِ وَحَيْثُ يَهْبِطُ مِنْهُ أَمْرُهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّهُمْ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّهَا مَحِلُّ بِرِّهِ وَكَرَامَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّهَا تَعْرُجُ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ هَذِهِ، وَمِقْدَارُ الْمَسَافَةِ أَنْ لَوْ عَرَجَهَا آدَمِيٌّ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحُذَّاقِ مِنْهُمُ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ. فَإِنْ كَانَ الْعَارِجُ مَلَكًا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسَافَةُ هِيَ مِنْ قَعْرِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إِلَى الْعَرْشِ وَمَنْ جَعَلَ الرُّوحَ جِنْسَ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، قَالَ وَهْبٌ: الْمَسَافَةُ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَكَمُ: أَرَادَ مُدَّةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا مَضَى مِنْهَا وَمَا بَقِيَ، أَيْ تَعْرُجُ فِي مُدَّةِ الدُّنْيَا وَبَقَاءِ هَذِهِ الْبِنْيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: هُوَ

стр. 5904

يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: طُولُهُ ذَلِكَ الْعَدَدُ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: قَدَّرَهُ فِي رَزَايَاهُ وَهَوْلِهِ وَشِدَّتِهِ لِلْكُفَّارِ ذَلِكَ الْعَدَدَ. وَفِي الْحَدِيثِ: «يَخِفُّ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ» . وَقَالَ عِكْرِمَةُ مِقْدَارُ: مَا يَنْقَضِي فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ قَدْرُ مَا يَقْضِي بِالْعَدْلِ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: نَحْوَهُ. وَقِيلَ: لَا يُرَادُ حَقِيقَةَ الْعَدَدِ، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ طُولُ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ أَيَّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وَأَيَّامَ الْفَرَحِ بِالْقِصَرِ. قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ أَيَّامَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ: وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ... دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: فِي يَوْمٍ متعلق بتعرج. وقيل: بدافع، وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: تَعْرُجُ اعْتِرَاضٌ. وَلَمَّا كَانُوا قَدْ سَأَلُوا اسْتِعْجَالَ الْعَذَابِ، وَكَانَ السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، وَكَانُوا قَدْ وُعِدُوا بِهِ، أَمَرَهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنَ السَّيَلَانِ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى الْوُقُوعِ، وَالضَّمِيرُ فِي يَرَوْنَهُ عَائِدٌ عَلَى الْعَذَابِ أَوْ عَلَى الْيَوْمِ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا الِاسْتِبْعَادُ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِحَالَةِ مِنْهُمْ. وَنَراهُ قَرِيباً: أَيْ هَيِّنًا فِي قُدْرَتِنَا، غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنَا وَلَا مُتَعَذِّرٍ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَالْبُعْدُ وَالْقُرْبُ فِي الْإِمْكَانِ لَا فِي الْمَسَافَةِ. يَوْمَ تَكُونُ: مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ، أَوْ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ بقريبا، أَوْ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ نَرَاهُ إِذَا كَانَ عَائِدًا عَلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ فِي يَوْمٍ فِيمَنْ علقه بواقع. انْتَهَى. وَلَا يَجُوزُ هَذَا، لِأَنَّ فِي يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لَا يُبْدَلُ مِنْهُ مَنْصُوبٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُرَاعَى فِي التَّوَابِعِ، لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ فِيهَا لَيْسَ بِزَائِدٍ وَلَا مَحْكُومٍ لَهُ بِحُكْمِ الزائد كرب، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مُرَاعَاةُ الْمَوَاضِعِ فِي حَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ كَقَوْلِهِ: يَا بَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيَدٍ ... إِلَّا يَدًا لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الْخَيَّاطِ، عَلَى مُرَاعَاةِ مَوْضِعِ بِزَيْدٍ، وَلَا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعَمْرًا، وَلَا غَضِبْتُ عَلَى زَيْدٍ وَجَعْفَرًا، وَلَا مَرَرْتُ بعمر وأخاك عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَوْضِعِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْحَرَكَةُ فِي يَوْمَ تَكُونُ حَرَكَةَ بِنَاءٍ لَا حَرَكَةَ إِعْرَابٍ، فَهُوَ مَجْرُورٌ مِثْلُ فِي يَوْمٍ. قُلْتُ: لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى مُعْرَبٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، فَيَتَمَشَّى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ إِنْ كَانَ اسْتَحْضَرَهُ وَقَصَدَهُ. كَالْمُهْلِ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، كَمَا فِي

стр. 5905

الْقَارِعَةِ، لَمَّا نُسِفَتْ طَارَتْ فِي الْجَوِّ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ إِذَا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. قَالَ الْحَسَنُ: تَسِيرُ الْجِبَالُ مَعَ الرِّيَاحِ، ثُمَّ تَنْهَدُّ، ثُمَّ تَصِيرُ كَالْعِهْنِ، ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَبَاءً. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلا يَسْئَلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيْ لَا يَسْأَلُهُ نُصْرَةً وَلَا مَنْفَعَةً لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ. وَقِيلَ: لَا يَسْأَلُهُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مِنْ أَوْزَارِهِ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: شَفَاعَةً. وَقِيلَ: حَمِيمًا مَنْصُوبٌ عَلَى إِسْقَاطِ عَنْ، أَيْ عَنْ حَمِيمٍ، لِشَغْلِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَشَيْبَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَالْبَزِّيُّ: بِخِلَافٍ عَنْ ثَلَاثَتِهِمْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أَيْ لَا يُسْأَلُ إِحْضَارَهُ كُلٌّ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ لَهُ سِيمَا يُعْرَفُ بِهَا. وَقِيلَ: عَنْ ذُنُوبِ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِهَا. يُبَصَّرُونَهُمْ: اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمَحْشَرِ يُبَصَّرُ الْحَمِيمُ حَمِيمَهُ، ثُمَّ يَفِرُّ عَنْهُ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهُمْ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهُمْ فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى السُّؤَالِ وَالطَّلَبِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُبَصَّرُونَهُمْ صِفَةً، أَيْ حَمِيمًا مُبَصَّرِينَ مصرفين إياهم. انتهى. وحَمِيمٌ حَمِيماً: نَكِرَتَانِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمَّانِ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ الضَّمِيرُ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ: يُبْصِرُونَهُمْ مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصَّادِ، أَيْ يُبْصِرُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ، قَالَهُ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبْصِرُ الْكَافِرُ مَنْ أَضَلَّهُ فِي النَّارِ عِبْرَةً وَانْتِقَامًا وَحُزْنًا. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ: أَيِ الْكَافِرُ، وَقَدْ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي الَّذِي يُعَذَّبُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِنْ عَذابِ مُضَافًا وَأَبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِهَا. وَصاحِبَتِهِ: زَوْجَتُهُ، وَفَصِيلَتِهِ: أَقْرِبَاؤُهُ الْأَدْنُونَ، تُؤْوِيهِ: تَضُمُّهُ انْتِمَاءً إِلَيْهَا، أَوْ لِيَاذًا بِهَا فِي النَّوَائِبِ. ثُمَّ يُنْجِيهِ: عَطْفٌ عَلَى يَفْتَدِي: أَيْ يُنْجِيهِ بِالِافْتِدَاءِ، أَوْ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: تُؤْوِيهِ وَتُنْجِيهِ بِضَمِّ الْهَاءَيْنِ. كَلَّا: رَدْعٌ لِوِدَادَتِهِمُ الِافْتِدَاءَ وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ. إِنَّها: الضمير للقصة، ولَظى، نَزَّاعَةً تَفْسِيرٌ لَهَا أَوْ لِلنَّارِ الدَّالِّ عَلَيْهَا، عَذابِ يَوْمِئِذٍ ولَظى بدل من الضمير، ونَزَّاعَةً خَبَرُ إِنَّ أَوْ خَبَرُ مبتدأ، ولَظى خَبَرُ إِنَّ: أَيْ هِيَ نَزَّاعَةٌ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ لَظى، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. كُلُّ هَذَا ذَكَرُوهُ، وَذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِرَفْعِ نَزَّاعَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الْخَبَرُ. انْتَهَى. وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا الْمُضْمَرُ الَّذِي تَرْجَمَ عَنْهُ الْخَبَرُ؟ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُفَسِّرُ فِيهَا الْمُفْرَدُ الضَّمِيرَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَوْ ضَمِيرُ الْقِصَّةِ، لَحَمَلْتُ كَلَامَهُ عَلَيْهِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَأَبُو حَيْوَةَ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَحَفْصٌ وَالْيَزِيدِيُّ: فِي اخْتِيَارِهِ نَزَّاعَةً بِالنَّصْبِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَظَى خبرا لأن، وَالضَّمِيرُ فِي إِنَّهَا عَائِدٌ عَلَى النَّارِ الدَّالِّ عَلَيْهَا عَذَابٌ، وَانْتَصَبَ نَزَّاعَةً

стр. 5906

عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكَّدَةِ أَوِ الْمُبَيَّنَةِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا لَظَى، وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّلَظِّي، كَمَا عَمِلَ الْعَلَمُ فِي الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ بَعْضَ الْأَحْيَانِ أَيْ: الْمَشْهُورُ بَعْضَ الْأَحْيَانِ، أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لِلتَّهْوِيلِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَأَنَّهُ يَعْنِي الْقَطْعَ. فَالنَّصْبُ فِيهَا كَالرَّفْعِ فِيهَا، إِذَا أَضْمَرْتَ هُوَ فَتُضْمِرُ هُنَا، أَعْنِي تَدْعُو، أَيْ حَقِيقَةً يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الْكَلَامَ كَمَا يَخْلُقُهُ فِي الْأَعْضَاءِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، تَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَمَا خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ. انْتَهَى، فَلَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَجَازٌ عَنِ اسْتِدْنَائِهَا مِنْهُمْ وَمَا تُوقِعُهُ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهَا. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَهْلِكُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: دَعَا اللَّهَ، أَيْ أَهْلَكَكَ، وَحَكَاهُ الْخَلِيلُ عَنِ الْعَرَبِ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَيَالِيَ يَدْعُونِي الْهَوَى فَأُجِيبُهُ ... وَأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إِلَيَّ رَوَانِي وَقَالَ آخَرُ: تَرَفَّعَ لِلْعِيَانِ وكل فج ... طباه الدعي مِنْهُ وَالْخَلَاءُ يَصِفُ ظَلِيمًا وَطَبَاهُ: أَيْ دَعَاهُ وَالْهَوَى، والدعي لَا يُدْعَوَانِ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِمَا مَا يَجْذِبُ صَارَا دَاعِيَيْنِ مَجَازًا. وَقِيلَ: تَدْعُو، أَيْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، أُضِيفَ دُعَاؤُهُمْ إِلَيْهَا، مَنْ أَدْبَرَ عَنِ الْحَقِّ، وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعى: أَيْ وَجَمَعَ الْمَالَ، فَجَعَلَهُ فِي وِعَاءٍ وَكَنَزَهُ وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى كُفَّارٍ أَغْنِيَاءَ. وَقَالَ الْحَكِيمُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ لَا يَرْبُطُ كِيسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: وَجَمَعَ فَأَوْعى، إِنَّ الْإِنْسانَ جِنْسٌ، وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا الْمُصَلِّينَ. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْكُفَّارِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: قَالَ لِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ: مَا الْهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أَبْيَنَ مِنْ تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا نَالَهُ شَرٌّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ، وَإِذَا نَالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ وَمَنَعَهُ النَّاسَ. انْتَهَى. وَلَمَّا كَانَ شِدَّةُ الْجَزَعِ وَالْمَنْعِ مُتَمَكِّنَةً فِي الْإِنْسَانِ، جُعِلَ كَأَنَّهُ خُلِقَ مَحْمُولًا عَلَيْهِمَا كَقَوْلِهِ: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ «١» ، وَالْخَيْرُ الْمَالُ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ: اسْتِثْنَاءٌ كَمَا قُلْنَا مِنَ الْإِنْسَانِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي حَاوَرُوهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: عَلى صَلاتِهِمْ بِالْإِفْرَادِ وَالْحَسَنُ جَمْعًا وَدَيْمُومَتُهَا، قَالَ

стр. 5907

الْجُمْهُورُ: الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلَاتُهَا لِوَقْتِهَا. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: يُقِرُّونَ فِيهَا وَلَا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَمِنْهُ الْمَالُ الدَّائِمُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَوَامُهُمْ عَلَيْهَا أَنْ يُوَاظِبُوا عَلَى أَدَائِهَا وَلَا يَشْتَغِلُونَ عَنْهَا بِشَيْءٍ، وَمُحَافَظَتُهُمْ عَلَيْهَا أَنْ يُرَاعُوا إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ لَهَا وَمَوَاقِيتِهَا وَيُقِيمُوا أَرْكَانَهَا وَيُكْمِلُوهَا بِسُنَنِهَا وَأَدَائِهَا وَيَحْفَظُونَهَا مِنَ الْإِحْبَاطِ بِاقْتِرَانِ الْمَآثِمِ، وَالدَّوَامِ يَرْجِعُ إِلَى أَنْفُسِ الصَّلَوَاتِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَحْوَالِهَا. انْتَهَى، وَهُوَ جَوَابُهُ لِسُؤَالِهِ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ، ثُمَّ قَالَ: عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ. وَأَقُولُ: إِنَّ الدَّيْمُومَةَ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ بُولِغَ فِي التَّوْكِيدِ فِيهَا، فَذُكِرَتْ أَوَّلَ خِصَالِ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَآخِرَهَا، لِيُعْلَمَ مَرْتَبَتُهَا فِي الْأَرْكَانِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا، وَالصِّفَاتُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا، وَمُعْظَمُهَا فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِشَهَادَتِهِمْ على الإفراد والسلمي وأبو عمر وحفص: على الجمع. قوله : فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ، أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ، كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ، فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ، عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَكَانُوا يَحْتَفُّونَ بِهِ حِلَقًا حِلَقًا يَسْمَعُونَ ويستهزئون بِكَلَامِهِ وَيَقُولُونَ: إِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ، كَمَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَلَنَدْخُلَنَّهَا قَبْلَهُمْ، فَنَزَلَتْ. وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مُهْطِعِينَ فِي سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَمَعْنَى قِبَلَكَ: أَيْ فِي الْجِهَةِ الَّتِي تَلِيكَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ: أَيْ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الْخَمْسَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنْ يُدْخَلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَابْنُ يَعْمَرَ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَزَيْدُ بن عليّ وطلحة وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ: مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. كَلَّا: رَدٌّ وَرَدْعٌ لِطَمَاعِيَّتِهِمْ، إِذْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ الْبَعْثِ، وَلَا أَنْ ثَمَّ جَنَّةً وَلَا نَارًا. إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ: أَيْ أَنْشَأْنَاهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ، فَنَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى إِعَادَتِهِمْ وَبَعْثِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، قِيلَ: بِنَفْسِ الْخَلْقِ وَمِنَّتُهُ

стр. 5908

عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ يُعْطِي الْجَنَّةَ، بَلْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِهَا: إِنَّمَا خُلِقْتَ مِنْ قَذَرٍ يَا ابْنَ آدَمَ. وَقَالَ أنس: كان أبوبكر إِذَا خَطَبَنَا ذَكَرَ مَنَاتِنَ ابْنِ آدَمَ وَمُرُورَهُ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ نُطْفَةٌ فِي الرَّحِمِ، ثُمَّ عَلَقَةٌ، ثُمَّ مُضْغَةٌ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ فَيَتَلَوَّثُ فِي نَجَاسَتِهِ طِفْلًا. فَلَا يُقْلِعُ أبوبكر حَتَّى يَقْذُرَ أَحَدُنَا نَفْسَهُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا كَانَ خَلْقُكُمْ مِنْ نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ، فَمِنْ أَيْنَ تَتَشَرَّفُونَ وَتَدَّعُونَ دُخُولَ الْجَنَّةِ قَبْلَ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَأَبْهَمَ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا يَعْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ إِحَالَةً عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. وَرَأَى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ يَتَبَخْتَرُ فِي مُطَرِّفِ خَزٍّ وَجُبَّةِ خَزٍّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْمِشْيَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ تَحْمِلُ عَذِرَةً. فَمَضَى الْمُهَلَّبُ وَتَرَكَ مِشْيَتَهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ، لَا نَفْيًا وَجَمَعَهُمَا وَقَوْمٌ بِلَامٍ دُونَ أَلِفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْجَحْدَرِيُّ: الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُفْرَدَيْنِ. أَقْسَمَ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ عَلَى إِيجَابِ قُدْرَتِهِ، عَلَى أَنْ يُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ إِلَى مَا يُرِيدُ. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا: وَعِيدٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُهَادَنَةِ هُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: يُلْقُوا مُضَارِعُ لَقِيَ، وَالْجُمْهُورُ: يُلاقُوا مُضَارِعُ لَاقَى وَالْجُمْهُورُ: يَخْرُجُونَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ مَبْنِيًّا للمفعول، ويَوْمَ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَهُمُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَصْبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَمُجَاهِدٌ: بِفَتْحِهِمَا وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ: بِضَمِّهِمَا وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ. وَالنُّصُبُ: مَا نُصِبَ لِلْإِنْسَانِ، فَهُوَ يَقْصِدُهُ مُسْرِعًا إِلَيْهِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ صَنَمٍ، وَغَلَبَ فِي الْأَصْنَامِ حَتَّى قِيلَ الْأَنْصَابُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: هُوَ شَبَكَةٌ يَقَعُ فِيهَا الصَّيْدُ، فَيُسَارِعُ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا مَخَافَةَ أَنْ يَتَفَلَّتَ الصَّيْدُ مِنْهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نُصُبٍ عَلَمٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّهِمَا، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَيْ أَصْنَامٌ مَنْصُوبَةٌ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ جَمْعُ نَصْبٍ، كَرَهْنٍ وَرُهُنٍ، وَالْأَنْصَابُ جَمْعُ الْجَمْعِ. يُوفِضُونً: يُسْرِعُونَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَسْتَبِقُونَ إِلَى غَايَاتٍ. قَالَ الشَّاعِرُ: فوارس ذنيان تَحْتَ الْحَدِيدِ ... كَالْجِنِّ يُوفِضْنَ مِنْ عَبْقَرِ وَقَالَ آخَرُ فِي مَعْنَى الْإِسْرَاعِ: لَأَنْعَتْنَ نعامة ميفاضا ... حرجاء ظَلَّتْ تَطْلُبُ الْإِضَاضَا

стр. 5909

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَسْعَوْنَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَنْطَلِقُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَبْتَدِرُونَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ذِلَّةٌ مُنَوَّنًا. ذلِكَ الْيَوْمُ: بِرَفْعِ الْمِيمِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَّادٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ يَعْقُوبَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ التَّمَّارِ: ذِلَّةُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُضَافًا إِلَى ذَلِكَ، واليوم بِخَفْضِ الْمِيمِ.

стр. 5910

سورة نوح [سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ٢٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)

стр. 5911

الْأَطْوَارُ: الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ، قَالَ: فَإِنً أَفَاقَ فَقَدْ طَارَتْ عَمَايَتُهُ ... وَالْمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أَطْوَارِ وَدٌّ وَسُوَاعٌ ويغوث ويعوق ونسرا: أَسْمَاءُ أَصْنَامٍ أَعْلَامٌ لَهَا اتَّخَذَهَا قَوْمُ نُوحٍ ﵇ آلِهَةً. إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً، مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً. هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لما أَقْسَمَ عَلَى أَنْ يُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ سَخِرُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَذَّبُوا بِمَا وُعِدُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، ذَكَرَ قِصَّةَ نُوحٍ وَقَوْمِهِ مَعَهُ، وَكَانُوا أَشَدَّ تَمَرُّدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ اسْتِئْصَالٍ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يُبْقِ لَهُمْ نَسْلًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَكَانُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ كَمُشْرِكِي مَكَّةَ، فَحَذَّرَ تَعَالَى قُرَيْشًا أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ يَسْتَأْصِلُهُمْ إن لم يؤمنوا. وَنُوحٌ ﵇ أَوَّلَ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، وَيُقَالُ لَهُ شَيْخُ المرسلين، وآدم الثَّانِي، وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ بْنُ بُرْدِ بْنِ مَهَلَايِيلَ بْنِ أَنُوشِ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﵊. أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَصْدَرِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً. عَذابٌ أَلِيمٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَذَابُ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الطُّوفَانِ. مِنْ ذُنُوبِكُمْ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِنَّمَا

стр. 5912

يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَا مَا بَعْدَهُ. وَقِيلَ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُوفِيٌّ، وَأَقُولُ: أَخْفَشِيٌّ لَا كُوفِيٌّ، لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ مِنْ نَكِرَةٌ، وَلَا يُبَالُونَ بِمَا قَبْلَهَا مِنْ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَخْفَشُ يُجِيزُ مَعَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: النَّكِرَةُ وَالْمَعْرِفَةُ. وَقِيلَ: لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهَا مَا تُبَيِّنُهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: وَيُؤَخِّرْكُمْ مَعَ إِخْبَارِهِ بِامْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ؟ وَهَلْ هذا إلا تنافض؟ قُلْتُ: قَضَى اللَّهُ مَثَلًا أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ إِنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ بَقُوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَهْلَكَهُمْ عَلَى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: آمِنُوا يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى: أَيْ إِلَى وَقْتٍ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَضَرَبَهُ أَمَدًا تَنْتَهُونَ إِلَيْهِ لَا تَتَجَاوَزُونَهُ، وَهُوَ الْوَقْتُ الْأَطْوَلُ تَمَامُ الْأَلْفِ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْأَجَلُ الْأَمَدُ، لَا يُؤَخَّرُ كَمَا يُؤَخَّرُ هَذَا الْوَقْتُ، وَلَمْ تَكُنْ لَكُمْ حِيلَةٌ، فَبَادِرُوا فِي أَوْقَاتِ الْإِمْهَالِ وَالتَّأْخِيرِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مِمَّا تَعَلَّقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَجَلَيْنِ، قَالُوا: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مُحَدَّدًا لَمَا صَحَّ التَّأْخِيرُ، إِنْ كَانَ الْحَدُّ قَدْ بَلَغَ، وَلَا الْمُعَاجَلَةُ إِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ: وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ تَعَلُّقٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ نُوحًا ﵊ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُمْ مِمَّنْ يُؤَخَّرُ أَوْ مِمَّنْ يُعَاجَلُ، وَلَا قَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ تُؤَخَّرُونَ عَنْ أَجْلٍ قَدْ حَانَ لَكُمْ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ فِي الْأَزَلِ أَنَّهُمْ، إِمَّا مِمَّنْ قَضَى لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّأْخِيرِ، وَإِمَّا مِمَّنْ قَضَى لَهُ بِالْكُفْرِ وَالْمُعَاجَلَةِ. ثُمَّ تَشَدَّدَ هَذَا الْمَعْنَى وَلَاحَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَبَادَرْتُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ وَتَقْوَاهُ وَطَاعَتِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْهُ تَعَالَى. وَلَمَّا لَمْ يُجِيبُوهُ وَآذَوْهُ، شَكَا إِلَى رَبِّهِ شَكْوَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَالِهِ مَعَ قَوْمِهِ لَمَّا أُمِرَ بِالْإِنْذَارِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِمْ. قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً: أَيْ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ وَلَا تَعْطِيلٍ فِي وَقْتٍ. وَلَمَّا ازْدَادُوا إِعْرَاضًا وَنِفَارًا عَنِ الْحَقِّ، جَعَلَ الدُّعَاءَ هُوَ الَّذِي زَادَهُمْ، إِذْ كَانَ سَبَبَ الزِّيَادَةِ، وَمِثْلُهُ: فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ «١» . وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ: أَيْ لِيَتُوبُوا فَتَغْفِرَ لَهُمْ، ذَكَرَ الْمُسَبِّبَ الَّذِي هُوَ حَظُّهُمْ خَالِصًا لِيَكُونَ أَقْبَحَ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ، جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، سَدُّوا مَسَامِعَهُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعُوا مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَتَغَطَّوْا بِثِيَابِهِمْ حَتَّى لَا يَنْظُرُوا إِلَيْهِ كَرَاهَةً وَبُغْضًا مِنْ سَمَاعِ النُّصْحِ وَرُؤْيَةِ النَّاصِحِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فهم بمنزلة

стр. 5913

مَنْ سَدَّ سَمْعَهُ وَمَنَعَ بَصَرَهُ، ثُمَّ كَرَّرَ صِفَةَ دُعَائِهِ بَيَانًا وَتَوْكِيدًا. لَمَّا ذَكَرَ دُعَاءَهُ عُمُومَ الْأَوْقَاتِ، ذَكَرَ عُمُومَ حَالَاتِ الدُّعَاءِ. وكُلَّما دَعَوْتُهُمْ: يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الدَّعَوَاتِ، فَلَمْ يُبَيِّنْ حَالَةَ دُعَائِهِ أَوَّلًا، وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ إِسْرَارًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ أَلْطَفَ بِهِمْ. وَلَعَلَّهُمْ يَقْبَلُونَ مِنْهُ كَحَالِ مَنْ يَنْصَحُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهُ جَدِيرٌ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ لَهُ الْإِسْرَارَ، انْتَقَلَ إِلَى أَشَدَّ مِنْهُ وَهُوَ دُعَاؤُهُمْ جِهَارًا صَلْتًا بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ لَا يُحَاشِي أَحَدًا، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عَادَ إِلَى الْإِعْلَانِ وَإِلَى الْإِسْرَارِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَى ثُمَّ الدَّلَالَةُ عَلَى تَبَاعُدِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ الْجِهَارَ أَغْلَظُ مِنَ الْإِسْرَارِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَغْلَظُ مِنْ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا. انْتَهَى. وكَثِيرًا كَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ ثُمَّ لِلِاسْتِبْعَادِ، وَلَا نَعْلَمُهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَانْتَصَبَ جِهَارًا بِدَعْوَتِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيِ الدُّعَاءِ، وَيَجِيءُ فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا جَاءَ فِي نُصُبٍ هُوَ يَمْشِي الْخَوْزَلَى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِدَعْوَتِهِمْ: جَاهِرَتَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعَا بِمَعْنَى دُعَاءً جِهَارًا: أَيْ مُجَاهَرًا بِهِ، أَوْ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ مُجَاهِرًا. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا اسْتَغْفَرُوا دُرَّ لَهُمُ الرِّزْقُ فِي الدُّنْيَا، فَقَدَّمَ مَا يَسُرُّهُمْ وَمَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ، إِذِ النَّفْسُ مُتَشَوِّفَةٌ إِلَى الْحُصُولِ عَلَى الْعَاجِلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأُخْرى تُحِبُّونَها، نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ «١» ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «٢» ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ «٣» الْآيَةِ، وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ «٤» . قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيَا، فَاسْتَدْعَاهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَهَا. وَقِيلَ: لَمَّا كَذَّبُوهُ بَعْدَ طُولِ تَكْرَارِ الدُّعَاءِ قَحَطُوا وَأَعْقَمَ نِسَاؤُهُمْ، فَبَدَأَهُمْ فِي وَعْدِهِ بِالْمَطَرِ، ثُمَّ ثنى بالأموال والبنين. ومِدْراراً: مِنَ الدَّرِّ، وَهُوَ صِفَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَمِفْعَالٌ لَا تَلْحَقُهُ التَّاءُ إِلَّا نَادِرًا، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. تَقُولُ: رَجُلٌ مِحْدَامَةٌ وَمِطْرَابَةٌ، وَامْرَأَةٌ مِحْدَابَةٌ وَمِطْرَابَةٌ، وَالسَّمَاءُ الْمُطِلَّةُ، قِيلَ: لِأَنَّ الْمَطَرَ يَنْزِلُ مِنْهَا إِلَى السَّحَابُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ السَّحَابُ وَالْمَطَرُ كَقَوْلِهِ: إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ الْبَيْتَ، الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ، وَبِمَعْنَى الْأَمَلِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: لَا تَرْجُونَ: لَا تَخَافُونَ، قَالُوا: وَالْوَقَارُ بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا وَعِيدٌ وَتَخْوِيفٌ. وَقِيلَ: لَا تَأْمُلُونَ لَهُ تَوْقِيرًا: أَيْ تَعْظِيمًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى: مَا

стр. 5914

لَكَمَ لَا تَكُونُونَ عَلَى حَالِ مَا يَكُونُ فِيهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ فِي دَارِ الثَّوَابِ، وَلِلَّهِ بَيَانٌ لِلْمُوَقَّرِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِلَةً، أَوْ لَا تَخَافُونَ لله حِلْمًا وَتَرْكَ مُعَاجَلَةٍ بِالْعِقَابِ فَتُؤْمِنُوا. وَقِيلَ: مَا لَكُمْ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَاقِبَةً، لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ حَالَ اسْتِقْرَارِ الْأُمُورِ وَثَبَاتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مِنْ وَقَرَ إِذَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ. انْتَهَى. وَقِيلَ: مَا لَكُمْ لَا تَجْعَلُونَ رَجَاءَكُمْ لِلَّهِ وَتِلْقَاءَهُ وَقَارًا، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا مِنْهُمْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: تُؤَدَةً مِنْكُمْ وَتَمَكُّنًا فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ الْفِكْرَ مَظِنَّةُ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ وَرُكُوبِ الرَّأْسِ. انْتَهَى. وَفِي التَّحْرِيرِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله ثَوَابًا وَلَا تَخَافُونَ عِقَابًا، وَقَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: مَا لَكَمَ لَا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ: مَا لَكُمْ لَا تُبَالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. قَالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حجازية، وهذيل وخزاعة ومضر يَقُولُونَ: لَمْ أَرْجُ: لَمْ أُبَالِ. انْتَهَى. لَا تَرْجُونَ: حَالٌ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُحْمَلُ عَلَى الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ، إِذْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ التَّنْبِيهُ عَلَى تَدْرِيجِ الْإِنْسَانِ فِي أَطْوَارٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا مِنْ خَلْقِهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مِنَ: النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ. وَقِيلَ: فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِ النَّاسِ وَخَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ وَمِلَلِهِمْ. وَقِيلَ: صِبْيَانًا ثُمَّ شَبَابًا ثُمَّ شُيُوخًا وَضُعَفَاءَ ثُمَّ أَقْوِيَاءَ. وَقِيلَ: مَعْنَى أَطْواراً: أَنْوَاعًا صَحِيحًا وَسَقِيمًا وَبَصِيرًا وَضَرِيرًا وَغَنِيًّا وَفَقِيرًا. قَوْلُهُ : أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً، قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً، وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا، مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً، وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً. لَمَّا نَبَّهَهُمْ نُوحٌ ﵇ عَلَى الْفِكْرِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَكَيْفَ انْتَقَلُوا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَكَانَتِ الْأَنْفُسُ أَقْرَبَ مَا يُفَكِّرُونَ فِيهِ مِنْهُمْ، أَرْشَدَهُمْ إِلَى الْفِكْرِ فِي الْعَالَمِ عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ، وَمَا أَوْدَعَ تَعَالَى فِيهِ، أَيْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مِنْ هَذَيْنِ النَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ الْوُجُودِ. وَتَقَدَّمَ

стр. 5915

شَرْحُ طِباقاً فِي سُورَةِ الْمُلْكِ، وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِنَّ عَائِدٌ عَلَى السموات، وَيُقَالُ: الْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ الدنيا، وصح كون السموات ظَرْفًا لِلْقَمَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ الظَّرْفِ أَنْ يَمْلَأَهُ الْمَظْرُوفُ. تَقُولُ: زَيْدٌ فِي الْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي جُزْءٍ مِنْهَا، وَلَمْ تُقَيَّدِ الشَّمْسُ بِظَرْفٍ، فَقِيلَ: هِيَ فِي الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ: فِي الْخَامِسَةِ، وَقِيلَ: فِي الشِّتَاءِ فِي الرَّابِعَةِ، وَفِي الصَّيْفِ فِي السَّابِعَةِ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُوقَفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا مِنْ عِلْمِ الْهَيْئَةِ. وَيَذْكُرُ أَصْحَابُ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّهُ يَقُومُ عِنْدَهُمُ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا يَدَّعُونَهُ، وَأَنَّ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَبَاهِرِ مَصْنُوعَاتِهِ. سِراجاً يَسْتَضِيءُ بِهِ أَهْلُ الدُّنْيَا، كَمَا يَسْتَضِيءُ النَّاسُ بِالسِّرَاجِ فِي بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْقَمَرُ مَبْلَغَ الشَّمْسِ فِي الْإِضَاءَةِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» ، وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنَ النُّورِ. وَالْإِنْبَاتُ اسْتِعَارَةٌ فِي الْإِنْشَاءِ، أَنْشَأَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ وَصَارَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْهُ، فَصَحَّ نِسْبَتُهُمْ كُلُّهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ أُنْبِتُوا مِنْهَا. وَانْتِصَابُ نَبَاتًا بأنبتكم مَصْدَرًا عَلَى حَذْفِ الزَّائِدِ، أَيْ إِنْبَاتًا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ فَنَبَتُمْ نَبَاتًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمَعْنَى أَنْبَتَكُمْ فَنَبَتُمْ، أَوْ نُصِبَ بأنبتكم لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى نَبَتُمْ. انْتَهَى. وَلَا أَعْقِلُ مَعْنَى هَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها: أَيْ يُصَيِّرُكُمْ فِيهَا مَقْبُورِينَ، وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً: أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ، أَيْ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. بِساطاً تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْهَا كَمَا يَتَقَلَّبُ الرَّجُلُ عَلَى بِسَاطِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ كُرَوِيَّةً بَلْ هِيَ مَبْسُوطَةٌ، سُبُلًا: ظرفا، فِجاجاً: مُتَّسِعَةً، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَجِّ فِي سُورَةِ الْحَجِّ. وَلَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِصْيَانِ وَعَامَلُوهُ بِأَقْبَحِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي: الضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لَهُمْ: وَأَطِيعُونِ، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ فِيهِمْ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا «٢» ، وَكَانُوا قَدْ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ بِحَيْثُ كَانُوا يَزْرَعُونَ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ. وَاتَّبَعُوا: أَيْ عَامَّتُهُمْ وَسَفَلَتُهُمْ، إِذْ لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. مَنْ لَمْ يَزِدْهُ: أَيْ رُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانَ مَا تَأَثَّلُوهُ مِنَ الْمَالِ وَمَا تَكَثَّرُوا بِهِ مِنَ الْوَلَدِ سَبَبًا فِي خَسَارَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَقَرَأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَعْرَجُ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَخَوَانِ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ، فِي رِوَايَةٍ خَارِجَةٍ: وَوَلْدُهُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَالسُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ أَيْضًا وَأَبُو رَجَاءٍ وَابْنُ وَثَّابٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ: بِفَتْحِهِمَا، وهما لغتان،

стр. 5916

كبخل وَبُخُلٍ وَالْحَسَنُ أَيْضًا وَالْجَحْدَرِيُّ وَقَتَادَةُ وَزِرٌّ وَطَلْحَةُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبُو عَمْرٍو، فِي رِوَايَةٍ: كَسْرُ الْوَاوِ وَسُكُونُ اللَّامِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوُلُدُ بِالضَّمِّ جَمْعُ الْوَلَدِ، كَخَشَبٍ وَخُشُبٍ، وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا بَكْرَ آمِنَةَ الْمُبَارَكَ بِكْرُهَا ... مِنْ وَلَدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الْأَسْعَدِ وَمَكَرُوا: يَظْهَرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى صِلَةِ مَنْ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ فِي وَمَكَرُوا، وَقالُوا عَلَى الْمَعْنَى وَمَكْرُهُمْ: احْتِيَالُهُمْ فِي الدِّينِ وَتَحْرِيشُ النَّاسِ عَلَى نُوحٍ ﵇. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: كُبَّاراً بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ، وَهُوَ بِنَاءٌ فِيهِ مُبَالَغَةٌ كَثِيرٌ. قَالَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ: هِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ، وَعَلَيْهَا قَوْلُ الشاعر: والمرء يلحقه بقنان النَّدَى ... خُلُقُ الْكَرِيمِ وَلَيْسَ بِالْوُضَّاءِ وَقَوْلُ الْآخَرِ: بَيْضَاءُ تَصْطَادُ الْقُلُوبَ وَتَسْتَبِي ... بِالْحُسْنِ قَلْبَ الْمُسْلِمِ الْقُرَّاءِ وَيُقَالُ: حُسَّانٌ وَطُوَّالٌ وَجُمَّالٌ. وَقَرَأَ عِيسَى وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو السَّمَّالِ: بِخَفِّ الْبَاءِ، وَهُوَ بِنَاءُ مُبَالَغَةٍ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو الْأُخَيْرِطِ وَهْبُ بْنُ وَاضِحٍ: كِبَّارًا، بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هُوَ جَمْعٌ كَبِيرٌ، كَأَنَّهُ جَعَلَ مَكْرًا مَكَانَ ذُنُوبٍ أَوْ أَفَاعِيلَ. انْتَهَى، يَعْنِي فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِالْجَمْعِ. وَقالُوا: أَيْ كُبَرَاؤُهُمْ لِأَتْبَاعِهِمْ، أَوْ قَالُوا، أَيْ جَمِيعُهُمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، لَا تَذَرُنَّ: لَا تَتْرُكُنَّ، آلِهَتَكُمْ: أَيْ أَصْنَامَكُمْ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَصْنَامِهِمْ، ثُمَّ خُصُّوا بَعْدَ أَكَابِرِ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ وَدٌّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ أَنَّهَا أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ كَانُوا فِي صَدْرِ الزَّمَانِ. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانُوا بَنِي آدَمَ، وَكَانَ ودّا أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: كَانُوا بَنِي آدم ونوح ﵉، مَاتُوا فَصُوِّرَتْ أَشْكَالُهُمْ لِتُذَكِّرَ أَفْعَالَهُمُ الصَّالِحَةَ، ثُمَّ هَلَكَ مَنْ صَوَّرَهُمْ وَخَلَفَ مَنْ يُعَظِّمُهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى عُبِدَتْ. قِيلَ: ثُمَّ انْتَقَلَتْ تِلْكَ الْأَصْنَامُ بِأَعْيَانِهَا. وَقِيلَ: بَلِ الْأَسْمَاءُ فَقَطْ إِلَى قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ. فَكَانَ وَدٌّ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَسُوَاعٌ لِهُذَيْلٍ، وَقِيلَ: لِهَمْدَانَ وَيَغُوثُ لِمُرَادٍ، وَقِيلَ: لِمَذْحِجٍ وَيَعُوقُ لِهَمْدَانَ، وَقِيلَ: لِمُرَادٍ وَنَسْرٌ لِحِمْيَرَ، وَقِيلَ: لِذِي الْكُلَاعِ مِنْ حِمْيَرَ وَلِذَلِكَ سَمَّتِ الْعَرَبُ بِعَبْدِ وَدٍّ وَعَبْدِ يَغُوثَ وَمَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي سُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَنَمٌ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، إِذْ يَبْعُدُ بَقَاءُ أَعْيَانِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّمَا بَقِيَتِ الْأَسْمَاءُ فَسَمُّوا

стр. 5917

أَصْنَامَهُمْ بِهَا. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: رَأَيْتُ يَغُوثَ، وَكَانَ مِنْ رَصَاصٍ، يُحْملُ عَلَى جَمَلٍ أَجْرَدٍ يَسِيرُونَ مَعَهُ لَا يُهَيِّجُونَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَبْرُكُ، فَإِذَا بَرَكَ نَزَلُوا وَقَالُوا: قَدْ رَضِيَ لَكُمُ الْمُنْزِلَ، فَيَنْزِلُونَ حَوْلَهُ وَيَضْرِبُونَ لَهُ بِنَاءً. انْتَهَى. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: كَانَ يَغُوثُ لَكَهْلَانَ مِنْ سَبَأٍ، يَتَوَارَثُونَهُ حَتَّى صَارَ فِي هَمْدَانَ، وَفِيهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيُّ: يَرِيشُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَبْرِي ... وَلَا يَبْرِي يَغُوثُ وَلَا يَرِيشُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَدٌّ اسْمُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ. سُمِّيَ وَدًّا لِوِدِّهِمْ لَهُ. انْتَهَى. وَقِيلَ: كَانَ وَدٌّ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ، وَسُوَاعٌ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ، وَيَغُوثُ عَلَى صُورَةِ أَسَدٍ، وَيَعُوقُ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ، وَنَسْرٌ عَلَى صُورَةِ نَسْرٍ، وَهَذَا مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ صَوَّرُوا صُوَرَ نَاسٍ صَالِحِينَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ، بِخِلَافٍ عَنْهُمْ: وُدًّا، بِضَمِّ الْوَاوِ وَالْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِهَا، قَالَ الشَّاعِرُ: حَيَّاكَ وَدٌّ فَإِنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا ... لَهْوُ النِّسَاءِ وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا وَقَالَ آخَرُ: فَحَيَّاكِ وَدٌّ مِنْ هداك لعسه ... وخوص باعلا ذي فضالة هجه قِيلَ: أَرَادَ ذَلِكَ الصَّنَمَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإِنْ كَانَا عَرَبِيَّيْنِ، فَمَنْعُ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَا عَجَمِيَّيْنِ، فَلِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ. وَقَرَأَ الْأَشْهَبُ: وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا بِتَنْوِينِهِمَا. قَالَ صَاحِبُ اللَّوَامِحِ: جَعَلَهُمَا فَعُولًا، فَلِذَلِكَ صَرَفَهُمَا. فَأَمَّا فِي الْعَامَّةِ فَإِنَّهُمَا صِفَتَانِ مِنَ الْغَوْثِ وَالْعَوْقِ بِفِعْلٍ مِنْهُمَا، وَهُمَا مَعْرِفَتَانِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ الصَّرْفُ لِاجْتِمَاعِ الْفِعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا تَعْرِيفٌ وَمُشَابَهَةُ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ. انْتَهَى، وَهَذَا تَخْبِيطٌ. أَمَّا أَوَّلًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا فَعُولًا، لِأَنَّ مَادَّةَ يَغُثُّ مَفْقُودَةٌ وَكَذَلِكَ يَعُقُّ وَأَمَّا ثَانِيًا، فَلَيْسَا بِصِفَتَيْنِ مِنَ الْغَوْثِ وَالْعَوْقِ، لِأَنَّ يفعلا لم يجىء اسْمًا وَلَا صِفَةً، وَإِنَّمَا امْتَنَعَا مِنَ الصَّرْفِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا بِالصَّرْفِ، وَذَلِكَ وَهْمٌ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَازِمٌ وَوَزْنُ الْفِعْلِ. انْتَهَى. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَهْمٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَعْمَشُ بِذَلِكَ، بَلْ قَدْ وَافَقَهُ الْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَصْرِفُ جَمِيعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ لُغَةٌ وَقَدْ حَكَاهَا الْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ صُرِفَ لِمُنَاسَبَةِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمُنَوَّنِ، إِذْ قَبْلُهُ وَدًّا وَلا سُواعاً، وَبَعْدَهُ وَنَسْراً، كَمَا قَالُوا فِي صرف سلاسلا «١» ، وقَوارِيرَا قَوارِيرَا «٢» ،

стр. 5918

لِمَنْ صَرَفَ ذَلِكَ لِلْمُنَاسَبَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ مُشْكَلَةٌ، لِأَنَّهُمَا إِنْ كَانَا عَرَبِيَّيْنِ أَوْ أَعْجَمِيَّيْنِ فَفِيهِمَا مَنْعُ الصَّرْفِ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الِازْدِوَاجَ فَصَرَفَهُمَا لِمُصَادَفَتِهِ أَخَوَاتِهِمَا مُنْصَرِفَاتٍ وَدًّا وسُواعاً ونَسْراً، كما قرىء: وَضُحاها «١» بِالْإِمَالَةِ لِوُقُوعِهِ مَعَ الْمُمَالَاتِ لِلِازْدِوَاجِ. انْتَهَى. وَكَانَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَدْرِ أَنَّ ثَمَّ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ تَصْرِفُ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتَشْكَلَهَا. وَقَدْ أَضَلُّوا: أَيِ الرُّؤَسَاءُ الْمَتْبُوعُونَ، كَثِيراً: مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْ نُوحٍ ﵇ عَنْهُمْ بِمَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الضَّلَالِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَقَدْ أَضَلُّوا: أَيِ الْأَصْنَامُ، عَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهَا كَمَا يَعُودُ عَلَى الْعُقَلَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ «٢» وَيُحَسِّنُهُ عَوْدُهُ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَلَكِنْ عَوْدُهُ عَلَى الرُّؤَسَاءِ أَظْهَرُ، إِذْ هُمُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُمْ وَالْمَعْنَى فِيهِمْ أَمْكَنُ. وَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا، دَعَا عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالِ، فَقَالَ: وَلا تَزِدِ: وَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى وَقَدْ أَضَلُّوا، إِذْ تَقْدِيرُهُ: وَقَالَ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا، فهي معمولة لقال الْمُضْمَرَةُ الْمَحْكِيُّ بِهَا قَوْلُهُ: وَقَدْ أَضَلُّوا، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّنَاسُبُ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ، بَلْ قَدْ يَعْطِفُ، جُمْلَةَ الْإِنْشَاءِ عَلَى جُمْلَةِ الْخَبَرِ وَالْعَكْسُ، خِلَافًا لِمَنْ يَدَّعِي التَّنَاسُبَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: عَطَفَ وَلا تَزِدِ عَلَى رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي، أَيْ قَالَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. إِلَّا ضَلالًا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُرِيدَ لَهُمُ الضَّلَالَ وَيَدْعُوَ اللَّهُ بِزِيَادَتِهِ؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ أَنْ يُخْذَلُوا وَيُمْنَعُوا الْأَلْطَافَ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَوُقُوعِ الْيَأْسِ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهِ، بَلْ لَا يَحْسُنُ الدُّعَاءُ بِخِلَافِهِ. انْتَهَى، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالضَّلَالِ الضَّيَاعُ وَالْهَلَاكُ، كَمَا قَالَ: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً. وَقَالَ ابْنُ بَحْرٍ: إِلَّا ضَلالًا: إِلَّا عَذَابًا، قَالَ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ. وَقِيلَ: إِلَّا خُسْرَانًا. وَقِيلَ: إِلَّا ضَلَالًا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَتَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ وَحِيَلِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ جَمْعًا بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ مَهْمُوزَا وَأَبُو رَجَاءٍ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ يَاءً وَأَدْغَمَ فِيهَا يَاءَ المد والجحدري وَعُبَيْدٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: عَلَى الْإِفْرَادِ مَهْمُوزًا وَالْحَسَنُ وَعِيسَى وَالْأَعْرَجُ: بِخِلَافٍ عَنْهُمْ وَأَبُو عَمْرٍو: خَطَايَاهُمْ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّسُولِ ﵊ بِأَنَّ دَعْوَةَ نوح ﵇

стр. 5919

قَدْ أُجِيبَتْ. وَمَا زَائِدَةٌ للتوكيد ومن، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَلَا يَظْهَرُ إِلَّا أَنَّهَا لِلسَّبَبِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: مِنْ خَطِيئَاتِهِمْ مَا أُغْرِقُوا، بِزِيَادَةِ مَا بَيْنَ أُغْرِقُوا وَخَطِيئَاتِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أُغْرِقُوا بِالْهَمْزَةِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ وَكَلَاهُمَا لِلنَّقْلِ وَخَطِيئَاتُهُمُ الشِّرْكُ وَمَا انْجَرَّ مَعَهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَأُدْخِلُوا نَارًا: أَيْ جَهَنَّمُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِهِ، وَعَطَفَ بِالْفَاءِ عَلَى إِرَادَةِ الْحُكْمِ، أَوْ عَبَّرَ بِالدُّخُولِ عَنْ عَرْضِهِمْ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعِشِيًّا، كَمَا قَالَ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها «١» . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ أُرِيدَ عَذَابُ الْقَبْرِ. انْتَهَى. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانُوا يُغْرَقُونَ مِنْ جَانِبٍ وَيُحْرَقُونَ بِالنَّارِ مِنْ جَانِبٍ. فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً: تَعْرِيضٌ بِانْتِفَاءِ قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَنْ نَصْرِهِمْ، وَدُعَاءُ نُوحٍ ﵇ بَعْدَ أَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «٢» ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَعَنْهُ أَيْضًا: مَا دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنَ الْأَصْلَابِ، وَأَعْقَمَ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ، وَهَذَا لَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ الْآيَةِ، فَقَوْلُهُ: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعْقِمْ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ، وَقَالَهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالرَّبِيعُ وَابْنُ زَيْدٍ، وَلَا يَظْهَرُ كَمَا قُلْنَا، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ طَامِعًا فِي إِيمَانِهِمْ عَاطِفًا عَلَيْهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ أَحْيَانًا حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» . وَدَيَّارًا: مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَوَزْنُهُ فَيْعَالٌ، أَصْلُهُ دِيوَارٌ، اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَأُدْغِمَتْ وَيُقَالُ: مِنْهُ دَوَّارٌ وَوَزْنُهُ فَعَّالٌ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الدَّوَرَانِ، كَمَا قَالُوا: قِيَامٌ وَقِوَامٌ، وَالْمَعْنَى مَعْنَى أَحَدٍ. وَعَنِ السُّدِّيِّ: مِنْ سَكَنَ دَارًا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوْرِ أَوْ مِنَ الدَّارِ. انْتَهَى. وَالدَّارُ أَيْضًا مِنَ الدَّوْرِ، وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً: وَصَفَهُمْ وَهُمْ حَالَةَ الْوِلَادَةِ بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْفُجُورِ وَالْكُفْرِ. وَلَمَّا دَعَا عَلَى الْكُفَّارِ، اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَبَدَأَ بِنَفَسِهِ ثُمَّ بِمَنْ وَجَبَ بِرُّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، فكأن هو ووالده انْدَرَجُوا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلِوالِدَيَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا أَبُوهُ لَمَكُ بْنُ مَتُّوشَلَخَ وَأُمُّهُ شَمْخَاءُ بِنْتُ أَنُوشٍ. وَقِيلَ: هُمَا آدَمُ وَحَوَّاءُ. وَقَرَأَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالْجَحْدَرِيُّ: وَلِوَالِدِي بِكَسْرِ الدَّالِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَصَّ أباه

стр. 5920

الْأَقْرَبَ، أَوْ أَرَادَ جَمِيعَ مَنْ وَلَدُوهُ إِلَى آدَمُ ﵇. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لنوح ﵇ أَبٌ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ﵇. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وَلِوَلَدَايَ تَثْنِيَةُ وَلَدٍ ، يَعْنِي سَامًا وَحَامًا. وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ: مَسْجِدِي وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: شَرِيعَتِي، اسْتَعَارَ لَهَا بَيْتًا، كَمَا قَالُوا: قُبَّةُ الْإِسْلَامِ وَفِسْطَاطُهُ. وَقِيلَ: سَفِينَتُهُ. وَقِيلَ: دَارُهُ. وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ: دَعَا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فِي كُلِّ أُمَّةٍ. وَالتَّبَارُ: الْهَلَاكُ.
следующие страницы →