المسجد، وقال بعضهم: هم الذين يتجرون ولا تشغلهم تجارة عن الصلوات في مواقيتها، وهذا أشبه، لأنه قال: وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وأصحاب الصفة وأمثالهم لم يكن عليهم الزكاة، وقال الحسن: رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ. أما أنهم كانوا يتجرون، ولم تكن تشغلهم تجارة عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وروي عن ابن مسعود: «أنه رأى قوماً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا بياعاتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين» لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
ثم قال: يَخافُونَ يَوْماً يعني: من اليوم الذي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ يعني:
يتردد فيه القلوب والأبصار في الصدر، إن كان كافراً فإنه يبلغ الحناجر من الخوف، وإن كان تقيّاً مؤمناً تقول الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٣] فيتبيّن ما في قلبه في البصر، وإن كان حزناً فحزن، وإن كان سروراً فسرور، ويقال: تَتَقَلَّبُ يعني: تتحول حالاً بعد حال، مرة يعرفون ومرة لا يعرفون، ويقال: تنقلب يعني: تتحول عما كانت عليه في الدنيا من الشك حين رأى بالمعاينة، فيتحول قلبه وبصره من الشك إلى اليقين.
ثم قال : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يعني: يجزيهم بإحسانهم، ويقال:
يجزيهم أحسن وأفضل من أعمالهم وهو الجنة، ويقال: ويجزيهم أكثر من أعمالهم بكل حسنة عشرةً وأضعافاً مضاعفة، ويقال: يجزيه ويغفر له بأحسن أعماله ويبقى سائر أعماله فضلاً.
ثم قال: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يرزقهم من عطائه وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي يرزقه ولا يحاسبه، ويقال: يرزقه رزقاً لا يدرك حسابه، ويقال: ليس أحد يحاسبه فيما يُعطي، ويقال: بِغَيْرِ حِسابٍ أي من غير حساب، أي من حيث لا يحتسب.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
ثم ضرب مثلاً لعمل الكفار فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: مثل أعمالهم الخبيثة في الآخرة كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: كمثل سراب في مفازة، ويقال:
قاع وقيعة وقيعان، يعني: أرضاً مستوية كما يقال: صبي وصبية وصبيان. يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء يعني: العطشان إذا رأى السراب من بعيد يعني: يجده ماء حَتَّى إِذا جاءَهُ يعني: فإذا أتاه ليشرب منه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما طلبه وأراده، فكذلك الكافر يظن أنه يثاب في صدقته وعتقه وسائر أعماله، فإذا جاءه يوم القيامة وجده هباءً منثوراً ولا ثواب له. وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي يوم
стр. 1087
القيامة، عند عمله. وهذا كما قال إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] ، يعني: مصير الخلائق إليه فَوَفَّاهُ حِسابَهُ، يعني: يوفيه ثواب عمله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، فكأنه حاسب، ويقال:
سريع الحفظ، ويقال: إذا حاسب فحسابه سريع، فيحاسبهم جميعاً، فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة، فلا يشغله حساب أحدهم عن الآخر، لأنه لا يحتاج إلى أخذ الحساب، ولا يجري فيه الغلط، ولا يلتبس عليه، ويحفظ على كل صاحب حسابٍ حسابه ليذكره، فهذا المثل لأعمال الكفار، والتي في ظاهرها طاعة، فأخبر أنه لا ثواب لهم بها.
ثم ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال : أَوْ كَظُلُماتٍ قال بعضهم: الألف زيادة، ومعناه: وكظلمات، يعني: ومثلهم أيضاً كظلمات. ويقال: أَوْ للتخيير، يعني: إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب، وإن شئت بالظلمات، فقال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يعني: مثل الكفار كمثل من في الظلمات. فشبّه قلب المؤمن بالقنديل، وشبّه قلب الكافر بالظلمات، يعني: كمثل رجل يكون في بحر عميق في ليل كثير الماء يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ يعني: يكون في ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة الجور والظلم. ويقال: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ يعني: المعاصي، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء، ومِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ يعني: الخذلان من الله تعالى.
ثم قال: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كما قال للمؤمن: نُورٌ عَلى نُورٍ فيكون للكافر ظلمة على ظلمة، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، واعتقاده ظلمة، وقال أبو العالية: يتقلّب في خمس من الظّلم: كلامه ظلمة، وعلمه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وهو النار. ويقال: شبه قلب الكافر بالبحر العميق، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث، طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وسمعهم وأبصارهم، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق.
ثم قال: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها يعني من شدة الظلمة، فإذا أبرز يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا من شدة الظلمة، يعني: لم يكن شيء أقرب إليه من نفسه فلم ير نفسه، فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضا، كقوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:
٢١] .
ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ يعني: من لم يكرمه الله بالهدى فما له من مكرم بالمعرفة. قرأ ابن كثير ظُلُماتٌ بكسر التاء والتنوين، فكأنه يجعله بمنزلة قوله كَظُلُماتٍ. وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء. وقرئ في الشاذ: سحاب ظلمات، على معنى الإضافة.
стр. 1088
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
قوله : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ يعني: يصلي له ويذكر له. ويقال: يخضع له.
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من في السموات من الملائكة، ومن فى الارض من الخلق.
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ يعني: مفتوحة الأجنحة. وأصل الصّفّ: هو البسط، ولهذا يُسمى اللحم القديد صفيفاً لأنه يبسط كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يعني: كل واحد من المسبحين يعلم كيف يصلي، وكيف يسبح، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ يعني: والله يعلم عمل كل عامل، فيجازيهم بأعمالهم، إلا أنه لا يعجل بعقوبة المذنبين والكافرين، لأنه قادر عليهم.
قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا معنى قوله وَلِلَّهُ ملك السّموات قال مجاهد في قوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، ثم قال: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.
قوله : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً يعني: يسوق سحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يعني: يجمع بينه ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً يعني: قطعاً قطعاً، ويقال: يجعل بعضها فوق بعض.
فَتَرَى الْوَدْقَ يعني: المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني: من وسط السحاب. قرأ ابن عباس:
يخرج خلاله وقراءة العامة مِنْ خِلالِهِ، وهي جمع خلل. وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ يعني: من جبال في السماء. قال مقاتل: روي عن عمر ﵁ أنه قال: «جبال السماء أكثر من جبال الأرض، فِيهَا مِن بَرَدٍ» يعني: في الجبال من برد، ويقال: وهو الجبال من البرد، أي: ينزل من السماء من جبال البرد. وروي عن ابن عباس أنه قال: «البرد هو الثلج، وما رأيته» . ويقال: الجبال عبارة عن الكثرة، يعني: ينزل الثلج مقدار الجبال، كما تقول: عند فلان جبال من مال، أي: مقدار جبال من كثرته. ويقال البرد هو الذي له صلابة كهيئة الجمد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: البرد، يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفازة. وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يصيبه، ويقال: فَيُصِيبُ بِهِ، يعني: يعذب به من يشاء، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يعذبه. يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يعني: ضوء برقه. يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يعني: من شدة نوره. قرأ أبو جعفر المدني: يذهب بضمِّ الياء وكسر الهاء، وقراءة العامة يَذْهَبُ بنصب الياء والهاء.
ثم قال: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: يذهب الله بالليل ويجيء بالنهار، ويقال ينقص من النهار، ويزيد من الليل. إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في تقلبهما، واختلاف ألوانهما لَعِبْرَةً
стр. 1089
يعني: لآية لِأُولِي الْأَبْصارِ يعني: لذوي العقول والفهم في الدين. وسئل سعيد بن المسيب:
أي العبادة أفضل؟ فقال: «التفكير في خلقه والتَّفَقُّه في دينه» . ويقال العِبَرُ بِالوِقَارِ، وَالْمُعْتَبِرُ بمثقال.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)
قوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ يعني: من ماء الذّكر. قرأ حمزة والكسائي خالق كل دابة على معنى الإضافة. وقرأ الباقون خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ على معنى فعل الماضي، ويقال: هذا معطوف على ما سبق. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ فكأنَّه يقول: يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء، كما أنه يخلق ما يشاء من الخلق ألواناً.
ثم وصف الخلق فقال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ مثل الحية ونحو ذلك. فإن قيل: لا يقال للدواب منهم، وإن هذا اللفظ يستعمل للعقلاء، قيل له: الدابة اسم عام، وهو يقع على ذي روح، فيقع ذلك على العقلاء وغيرهم، فإذا كان هذا اللفظ يقع على العقلاء وغيرهم فذكر بلفظ العقلاء، ولو قال: فمنه كان جائزاً، وينصرف إلى قوله كُلَّ ولكنه لم يقرأ، وإنما قال: يَمْشِي على وَجْهِ المجاز، وإن كان حقيقته المشي بالرِّجل، لأنه جمعه مع الذي يمشي على وجه التبع.
ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مثل الإنسان ونحوه وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ أي على أربع قوائم مثل الدوابّ وأشباهها، فإن قيل: إيش الحكمة في خلق كل شيء من الماء؟ قيل له: لأن الخلق من الماء أعجب، لأنه ليس شيء من الأشياء أشدّ طوعاً من الماء، لأن الإنسان لو أراد أن يمسكه بيده، أو أراد أن يبني عليه، أو يتخذ منه شيئاً لا يمكنه، والناس يتخذون من سائر الأشياء أنواع الأشياء، قيل: فالله تعالى أخبر أنه يخلق من الماء ألواناً من الخلق، وهو قادر على كل شيء.
ثم قال: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: كما يشاء، وكيف يشاء إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخلق وخلقه قَدِيرٌ أي قادر.
قوله : لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ قرأ أبو عمرو وعاصم ونافع وابن كثير في رواية أبي بكر: مُبَيِّناتٍ بنصب الياء في جميع القرآن، يعني: مفصلات. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر مُبَيِّناتٍ بكسر الياء، يعني: يبين للناس دينهم. وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يرشد من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين مستقيم وهو دين الإسلام.
стр. 1090
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٧ الى ٥١]
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)
قوله : وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ قال مقاتل: نزلت في شأن بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كانت بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشرا إلى النبيّ ﷺ ، فقال بشر: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإنَّ محمداً يحيف علينا فنزل: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقال في رواية الكلبي: إنّ عثمان بن عفان اشترى من عليّ ﵄ أرضا فَنَدَّمَهُ قومه، وقالوا: عمدت إلى أرض سَبْخَةٍ لا ينالها الماء فاشتريتها: رُدَّها عليه، فقال: قد ابتعتها منه، فقالوا: ردها، فلم يزالوا به حتى أتاه فقال: «اقبض مني أرضك فإني قد اشتريتها ولم أرضها لأنه لا ينالها الماء» ، فقال له عليّ ﵁: «بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها مني، وأنت تعرفها وتعلم ما هي فلا أقبلها منك» . قال: فدعا عليٌّ عثمان ﵄ أن يخاصمه إلى النبي ﷺ ، فقال قوم عثمان: لا تخاصمه إلى النبيّ ﷺ ، فإن خاصمته إليه قَضَى له عليك، وهو ابن عمه، وأكرم عليه منك، ثم اختصما إلى النبيّ ﷺ فقضى لعليّ على عثمان، فنزل في قوم عثمان ﵁. وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ يعني: صدقنا بالله وبالرسول، وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يعرض عن طاعتهما طائفة منهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الإقرار وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين.
قال بعضهم: هذا التفسير الذي ذكره الكلبي غير صحيح، لأن قوم عثمان كانوا مؤمنين من الذين هاجروا معه إلى المدينة، وقد ذكر أنهم ليسوا بمؤمنين. وقال بعضهم: هذا صحيح لأن في قوم عثمان بعضهم منافقين مبغضين لبني هاشم لعداوة كانت بينهم في الجاهلية، وكان عثمان يميل إلى قرابته، ولا يعرف نفاقهم. ويقال: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: ليس عملهم عمل المؤمنين المخلصين.
ثم قال : وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: إلى حكم الله ورسوله ويقال: إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني: ليقضي بينهم بالقرآن إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ يعني: طائفة منهم معرضون عن طاعة الله ورسوله.
قوله : وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يعني: القضاء يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ يعني:
خاضعين، مسرعين، طائعين. قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة.
стр. 1091
ثم قال: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شك ونفاق أَمِ ارْتابُوا يعني: شكوا في القرآن، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ يعني: يجور الله عليهم ورسوله. قال بعضهم: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإفهام، فكأن الله تعالى يعلمنا بأن في قلوبهم مرضاً، وأنهم شكوا ونافقوا، ويقال: في قلوبهم مرض، يعني: بل في قلوبهم مرض أم ارْتابُوا بل شكوا ونافقوا.
قال الله تعالى: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: هم الظالمون لا النبي ﷺ .
ثم قال : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: إلى كتاب الله ورسوله يعني: أمر رسوله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني: ليقضي بينهم بالقرآن أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا يعني: سمعنا قول النبيّ ﷺ وأطعنا أمره، فإن فعلوا ذلك وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين الفائزين.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
ثم قال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يطع الله في الفرائض، ويطع الرسول في السنن. وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى وَيَتَّقْهِ فيما يستقبل فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي الناجون. وروي عن ابن عباس ﵁ عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيوحده، وَرَسُولَهُ فيصدقه بالرسالة، يخشى الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره، فَأُولئِكَ هم الفائزون، يعني: الناجين من العذاب آمنين عند سكرات الموت.
قال: فلما نزلت هذه الآية أقبل عثمان إلى النبيّ ﷺ وقال: يا رسول الله إن شئت لأخرجن من أرضي ولأدفعنها إليه، وحلف على ذلك، فمدحه الله تعالى بذلك فقال : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
يعني: حلفوا بالله، وإذا حلفوا بالله كان ذلك جهد اليمين. لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ
من الأموال. قال الله تعالى للنبي ﷺ : قُلْ لا تُقْسِمُوا
يعني: لا تحلفوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
يعني: هذه منكم طاعة معروفة وقال القتبي: ومعناه، هذه طاعة معروفة لا طاعة نفاق، فكأن فيه مضمراً، لأن بعض الناس منافقون، فأخبر أن هذه طاعة ليس فيها نفاق. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يعني: في السر والعلانية.
ثم قال قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: أطيعوا الله في الفرائض، وأطيعوا الرسول في السنن. فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أعرضوا عن الطاعة لله والرسول فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ يعني: ما أمر بتبليغ الرسالة وليس عليه من وزركم شيء، وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ يعني:
стр. 1092
ما أمرتم والإثم عليكم إذا تركتم الإجابة وَإِنْ تُطِيعُوهُ يعني: النبيّ ﷺ تَهْتَدُوا من الضلالة.
ثم قال: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وفي الآية مضمر، فكأنه يقول: وإن تعصوه وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعني: ليس عليه إلا التبليغ.
[سورة النور (٢٤) : آية ٥٥]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)
قوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن كفار مكة لما صَدُّوا المسلمين عن مكة عام الحديبية، فقال المسلمون: لو فتح الله تعالى مكة ودخلناها آمنين، فنزل قوله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: لينزلنهم في أرض مكة كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل أمة محمد ﷺ من بني إسرائيل وغيرهم، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ يعني:
ليظهرن لهم دِينَهُمُ الإسلام الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من كفار أَمْناً من الكفار. يَعْبُدُونَنِي يعني: لكي يعبدوني لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ويقال: معناه يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، أي: يظهر عبادة الله تعالى، ويبطل الشرك. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان النبيّ ﷺ وأصحابه بمكة زماناً نحواً من عشر سنين، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى إذا أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، أمرهم الله تعالى بالقتال، فكانوا بها خائفين يُمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله نحن أبداً خائفون، هل يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ : «لاَ يَكُونُ إلاّ يَسِيراً حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظِيمِ مُحْتَبِياً لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ» «١» ونزلت هذه الآية وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ الآية.
ويقال: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ يعني:
يكونوا خلفاء بعد رسول الله ﷺ واحداً بعد واحد.
ثم قال: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ يعني: بعد الأمن والتمكين فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني العاصين. قرأ عاصم في رواية أبي بكر كَمَا اسْتَخْلَفَ بضم التاء وكسر اللام على فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب التاء واللام لأنه سبق ذكر الله تعالى. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتخفيف. وقرأ الباقون بتشديد الدال، من بدَّل يبدِّل والأول من أبدل يبدل.
стр. 1093
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)
قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: أقروا بها وأتموها. وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأعطوها. وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد والطاعة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فلا تعذبون.
قوله : لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: فائتين، ويقال سابقين أمر الله تعالى، ويقال: معناه لا تظن أنهم يهربون منا وأنهم يفوتون من عذابنا.
وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: صاروا إليه وبئس المرجع. قرأ حمزة وابن عامر لا يَحْسَبَنَّ بالياء ونصب السين، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة وكسر السين.
قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن عباس: «وذلك أن رسول الله ﷺ بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج، إلى عمر بن الخطاب ﵁ ظهيرة ليدعوه، فانطلق الغلام ليدعوه، فوجده نائماً قد أغلق الباب، فأخبر الغلام أنه في هذا البيت، فقرع الباب على عمر فلم يستيقظ، فدخل فاستيقظ عمر، فجلس وانكشف منه شيء، فرآه الغلام، فعرف عمر أنه قد رآه، فقال عمر: وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: العبيد والإماء والولائد وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ يعني:
وليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم، يعني: الاحتلام، وهم الأحرار من الغلمان ثَلاثَ مَرَّاتٍ لأنها ساعات غرة وغفلة. ثم بين الساعات الثلاث، فقال: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأن ذلك وقت لبس الثياب وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ يعني: وقت القيلولة وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وذلك وقت النوم ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ يعني: ثلاث ساعات: وقت غرة وغفلة، وهن أوقات التجرد وظهور العورة.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية واحدة ثَلاثُ عَوْراتٍ بنصب الثاء، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليستأذنكم ثلاث عورات، أي ثلاث ساعات. ومن قرأ
стр. 1094
بالضم فمعناه: هي ثلاث عورات، فيكون خبراً عن الأوقات الثلاثة.
وروى عكرمة أن رجلين من أهل العراق سألا ابن عباس عن قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى سِتِّيرٌ يحب الستر وكان الناس لم يكن لهم ستور على أبوابهم، ولا حجاب في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ ولده أو خادمه أو يتيم في حجره وهو مع أهله، فأمرهم الله تعالى أن يستأذنوا في ثلاث ساعات التي سمى الله تعالى، ثم جاء الله باليسر، وبسط الرزق عليهم، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي قد أمروا به، وقد قيل:
إن فيه دليلاً أن ذلك الحكم إذا ثبت فإذا زال المعنى زال الحكم. وقال مجاهد: الاستئذان هو التنحنح.
ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ أي ليس عليكم يا معشر المؤمنين، ولا عليهم، يعني: الخدم جُناحٌ بَعْدَهُنَّ يعني: ما ثمّ بعد الساعات الثلاث طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ يعني:
يتقلبون فيكم ليلاً ونهاراً، يدخلون عليكم بغير استئذان في الخدمة بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ يعني:
يدخل بعضكم على بعض بغير إذن كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: أمره ونهيه في الاستئذان وَاللَّهُ عَلِيمٌ بصلاح الناس حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.
قوله : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ يعني: الاحتلام فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الكبار من ولد الرجل وأقربائه، معناه: فليستأذنوا في كل وقت، كما استأذن الذين من قبلكم، يعني: من الرجال كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي أمره ونهيه في كل وقت، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِصَلاَحِكُم حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.
[سورة النور (٢٤) : آية ٦٠]
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
قوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ يعني: الآيسات من الحيض. والقاعدة: المرأة التي قعدت عن الزوج وعن الحيض والولد، والجماعة: قواعد اللَّاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكاحاً يعني: لا يحتجن إلى الزوج، ولا يرغب فيهن. فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أي مأثم أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ يعني جلبابهن ويخرجن بغير جلباب غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ والتبرج: إظهار الزينة، يعني: لا يؤذن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ يعني: يتعففن، فلا يضعن الجلباب. خَيْرٌ لَهُنَّ من الوضع. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لمقالتهن يعني: العجوز إذا وضعت جلبابها، وتبدي زينتها وتقول: من يرغب فيَّ عَلِيمٌ بنيتها وبفعلها. ويقال: سَمِيعٌ عَلِيمٌ بجميع ما سبق في هذه السورة. ويقال: سَمِيعٌ عَلِيمٌ انصرف إلى ما بعده فيما يتحرجون عن الأكل.
стр. 1095
[سورة النور (٢٤) : آية ٦١]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
قوله : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ قال في رواية الكلبي: كانت الأنصار يتنزهون عن الأكل مع الأعمى والمريض والأعرج، وقالوا: إن هؤلاء لا يقدرون أن يأكلوا مثل ما نأكل، فنزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس على من أكل مع الأعمى حَرَجٌ وَلا عَلَى من أكل مع الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى من أكل مع الْمَرِيضِ حَرَجٌ إذا أنصف في مؤاكلته. وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ، وهو غير محتمل في اللغة، لأنه أضاف الحرج إلى الأعمى لا إلى من أكل معه، وقد قيل: إن هذا صحيح، لأنه ذكر الأعمى وأراد به الأكل مع الأعمى، كقوله وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] أي حب العجل، قال: وكما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وللآية وجه آخر: وهو أن الأعمى كان يتحرج عن الأكل مع الناس مخافة أن يأكل أكثر منهم وهو لا يشعر، والأعرج أيضاً يقول: إني أحتاج لزمانتي أن يوسع لي في المجلس، فيكون عليهم مضرة، والمريض يقول: الناس يتأذون مني لمرضي، ويقذرونني فيفسد عليهم الطعام، فنزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: لا بأس بأن يأكلوا مع الناس، ولا مأثم عليهم. ولها وجه آخر: وهو ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان الناس يخرجون إلى الغزو، ويدفعون مفاتيحهم إلى الزَّمْنى والمرضى، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ممّا في منازلنا. وكانوا يتورعون منازلهم حتى نزلت هذه الآية» وإلى هذا يذهب الزهري ﵁.
وذكر أيضاً: أن مالك بن زيد وكان صديقه الحارث بن عمرو خرج غازياً، وخلف مالكاً في أهله وماله وولده، فلما رجع الحارث رأى مالكاً متغيراً لونه، فقال: ما أصابك، فقال: لم يكن عندي شيء آكله، فجهدت من الشدة والجوع، ولم يكن يحل لي أن آكل شيئاً من مالك، فنزلت هذه الآية إلى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ.
ثم قال تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو من بيوت عيالكم وأزواجكم. ويقال: مِنْ بُيُوتِكُمْ يعني: من بيوت بعضكم بعضا، وذلك أنه لما نزل قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ امتنع الناس من أن يأكل
стр. 1096
بعضهم من طعام بعض، فنزلت في ذلك: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ يعني: من بيوت بعضكم بعضا. أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ يعني: لا بأس أن يأكل من بيت هؤلاء بغير إذنهم، لأنه يجري بينهما من الانبساط ما يغني عن الإذن.
ثم قال: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أي: خزائنه يعني: عبيدكم وإماءكم، إذا كان له عبد مأذون، فلا بأس أن يأكل من ماله، لأن ذلك من مال مولاه. ويقال: يعني، حافظ البيوت، فلا بأس أن يأكل مقدار حاجته.
ثم قال: أَوْ صَدِيقِكُمْ يعني: لا جناح على الصديق أن يأكل من بيت صديقه إذا كان بينهما انبساط. وروي عن قتادة أنه قال: «لو دخلت على صديق، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه كان حلالاً» .
ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً يعني: جماعة أو متفرقين في بيت هؤلاء. ويقال: إنهم كانوا يمتنعون عن الأكل وحده، وذكر في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: ٦] يعني: الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فرخص في هذه الآية، لأن الإنسان لا يمكنه أن يطلب في كل مرة أحداً يأكل معه. وروى معمر عن قتادة قال:
«نزلت الآية في حي من العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، وكان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكل معه، فنزل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً.
ثم قال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً قال مقاتل: يعني: دخلتم بيوت المسلمين فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: بعضكم على بعض، كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] يعني:
بعضكم بعضاً. وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً قال: «هو المسجد فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: فقولوا السلام علينا من ربنا» تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني: السلام مُبارَكَةً بالأَجْرِ طَيِّبَةً بالمغفرة. وقال إبراهيم النخعي: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ إذا كان في البيت إنسان يقول: السلام عليكم، وإذا لم يكن فيه أحد يقول: السلام علينا من ربنا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، وهكذا قال مجاهد. وقال الحسن والكلبي: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: بعضكم على بعض. وروى أبو ذر ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أبْخَلُ النَّاسِ الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلامِ» ويقال: إنّ معنى السلام: إذا قال السلام عليكم يعني، السلامة لكم مني، فكأنه آمنهم من شر نفسه. ويقال: يعني: حفظكم الله من الآفات. ويقال: السلام هو الله تعالى، فكأنه يقول: الله حفيظ عليكم، ومطلع على ضمائركم، فإن كنتم في خير فزيدوا، وإن كنتم في شر فانزجروا تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأصل التحية: هو البقاء والحياة، كقوله: حَيَّاكَ الله.
وإنما صار نصباً على المصدر.
стр. 1097
ثم قال: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: أمره ونهيه في أمر الطعام والشراب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا وتفهموا وتعملوا به.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقين الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعني: مع النبيّ ﷺ على أمر جمعهم لتدبير في أمر جهاد، أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لَمْ يَذْهَبُوا يعني: لم يفارقوا رسول الله ﷺ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.
وذلك أن النبيّ ﷺ كان يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو، فكان يثقل على بعضهم المقام، فيخرجون بغير إذنه. وقال بعضهم: نزلت في يوم الخندق، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبيّ ﷺ ، وتركوه وأصحابه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه ﵇، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه.
وفي الآية بيان حفظ الأدب، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه، ولا يخالف أمر السرية. وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء، قال: «هذا في الجمعة، وفي الزحف، وفي كل أمر جامع» .
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وليسوا بمنافقين.
وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يرجعوا حتى يستأذنوا، وأما المنافقون فيرجعون بغير إذنه.
ثم قال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ يعني: لبعض أمورهم وحوائجهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ولا تأذن لمن شئت، لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة، فإن أرادوا أن يرجعوا فلا تأذن لهم، وأذن للمؤمنين. وقال مقاتل: نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله، فأذن له. ثمّ قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ به.
стр. 1098
ثم قال : لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ يعني: لا تدعوا محمدا باسمه ﷺ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ولكن وقِّروه وعظموه، وقولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، ويا أبا القاسم. وفي الآية بيان توقير معلم الخير، لأن رسول الله ﷺ كان معلّم الخير، فأمر الله بتوقيره وتعظيمه، وفيه معرفة حق الأستاذ، وفيه معرفة أهل الفضل.
ثم ذكر المنافقين فقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ يعني: يرى الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ يعني: يخرجون من المسجد لِواذاً يلوذ بعضهم ببعض. وذلك أن المنافقين كان يشقُّ عليهم المقام هناك يوم الجمعة وغيره، فيتسللون من بين القوم، ويلوذ الرجل بالرجل، أو بالسارية لئِلاَّ يراه النبي ﷺ حتى يخرج من المسجد. يقال: لاذ يلوذ إذا عاذ وامتنع بشيء. ويقال: معنى (لواذا) هنا معنى الخلاف، يعني: يخالفون خلافاً، فخوفهم الله تعالى عقوبته فقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: عن أمر الله تعالى. ويقال: عن أمر رسول الله ﵇.
ويقال: عَنْ زيادة في الكلام للصلة. ومعناه: يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ يعني: الكفر، لأن أمر رسول الله ﷺ واجب، فمن تركه على وجه الجحود كفر.
ويقال: فِتْنَةٌ يعني: بلية في الدنيا. ويقال: فساد في القلب. أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يصيبهم عذابا عظيما في الآخرة. ويقال: القتل بالسيف. ويقال: يجعل حلاوة الكفر في قلبه. وقوله: أَوْ على معنى الإفهام، لا على وجه الشك والتخيير.
ثم قال : أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وإماؤه وفي مملكته قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاستقامة في الإيمان، والنفاق وغير ذلك. ويقال: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من خير أو شر، فيجازيكم بذلك وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر، فيجازيهم بذلك. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالهم وأقوالهم، وبما في أنفسهم. وروي عن الأعمش، عن سفيان بن سلمة، قال: شهدت ابن عباس ولي الموسم، وقرأ سورة النور على المنبر وفسّرها، فلو سمعتها الروم لأسلمت. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا سورة براءة، وَعَلِّموا نساءكم سورة النور» ، والله أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى رسله وصحبه وسلّم «١» -.
стр. 1099
سورة الفرقان
مكية وهي سبعون وسبع آية
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)
قول الله : تَبارَكَ قال ابن عباس ﵁ يعني: تعالى وتعظّم.
ويقال: تفاعل من البركة، وهذه لفظة مخصوصة، ولا يقال: يتبارك، كما يقال يتعالى. ولا يقال: متبارك، كما يقال متعالٍ. ويقال: تَبارَكَ أي ذو بركة. والبركة: هي كثرة الخير.
ويقال: أصله من بروك الإبل، يقال للواحد بارك، وللجماعة برك. وكان الإنسان إذا كان له إبل كثيرة وقد برّكهنّ على الباب يقولون: فلان ذو بركة، ويقولون للذي كان له إبل تحمل إليه الأموال من بلاد أخر: فلان ذو بركة، فصار ذلك أصلاً، حتى أنه لو كان له مال سوى الإبل لا يقال فلان ذو بركة. قال الله تعالى: تَبارَكَ أي ذو البركة. ويقال: أصله من الدوام. ويقال:
بارك في موضوع إذا دام فيه، ويقال: معناه البركة في اسمه، وفي الذي ذكر عليه اسمه.
ثم قال: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ يعني: أنزل جبريل ﵇ بالقرآن، والفرقان هو المخرج من الشبهات عَلى عَبْدِهِ يعني: محمدا ﷺ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً يعني: ليكون القرآن نذيراً للإنس والجن. ويقال: يعني النبيّ ﷺ ، ويقال: يعني الله ﵎ لِلْعالَمِينَ وأراد هاهنا جميع الخلق، وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس، كقوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٤٧ و ١٢٢] أي: على عالمي زمانهم، ويذكر ويراد به جميع الخلائق، كقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢] .
ثم قال : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.
ويقال: له نفاذ الأمر في السموات والأرض. وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ليورثه ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فينازعه في عظمته. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كما ينبغي أن يخلقهم. فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً يعني: بين الصلاح في كل شيء، وجعله مقدراً معلوماً. ويقال: كل شي خلقه من الخلق فقدره تقديراً، أي: قدر لكل ذكر وأنثى.
стр. 1100
قوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعني: تركوا عبادة الله الذي خلق هذه الأشياء، وعبدوا غيره. لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً يعني: عبدوا شيئاً لا يقدر أن يخلق ذباباً، ولا غيره وَهُمْ يُخْلَقُونَ يتخذونها بأيديهم وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا أي: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءاً وَلا نَفْعاً أي لا تقدر أن تسوق إلى نفسها خيراً. ويقال: لا يملكون دفع مضرة، ولا جر منفعة. وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: لا يقدرون أن يميتوا أحداً وَلا حَياةً أي: ولا يحيون أحداً وَلا نُشُوراً يعني: بعث الأموات. ويقال: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: الموت الذي كان قبل أن يخلقوا، وَلا حَياةً يعني: أن يزيدوا في الأجل، وَلا نُشُوراً بعد الموت.
ويقال: وَلا حَياةً يعني: أن يبقوا أحداً وَلا نُشُوراً يعني: أن يحيوه بعد الموت. وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء، لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء، فخاطبهم بلغتهم.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤ الى ٩]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩)
ثم قال : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ يعني: ما القرآن إلا كذب افْتَراهُ يعني: كذباً اختلقه من ذات نفسه وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ يعني: جبراً ويساراً فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً وقال بعضهم هذا قول الكفار، يعني: إنّ الذين أعانوه قد جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً. وقال بعضهم: هذا قول الله تعالى ردّاً على الكفار بقولهم هذا فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً يعني: شركاً وكذباً وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها يعني: أباطيلهم اكتتبها، يعني: كتبها من جبر ويسار يعني: أساطير الأولين. فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ يعني: تقرأ وتملى عليه بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: تقرأ عليه غدوة وعشية.
قوله : قُلْ يا محمد أَنْزَلَهُ يعني: القرآن الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: يعلم السِّرَّ والعلانية، ومعناه: لو كان هذا القول من ذات نفسه لعلمه الله تعالى، وإذا علمه لعاقبه، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٤] ثم قال إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً فكأنه يقول: ارجعوا وتوبوا، فإنه كان غَفُوراً لمن تاب، رَحِيماً بالمؤمنين.
стр. 1101
قوله : وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ مثل ما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ يعني: يتردد في الطريق لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يعني: معيناً يخبره بما يراد به من الشر أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ يعني: يعطى له كنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يعني: بستانا يَأْكُلُ مِنْها وذلك أن كفار قريش اجتمعوا في بيت، فبعثوا إلى النبيّ ﷺ فأتاهم، فقال له العاص بن وائل السهمي وقريش معه: قد تعلم يا محمد أن لا بلاد أضيق ساحة من بلادنا، ولا أقل أنهاراً ولا زرعاً، ولا أشدَّ عيشاً، فادع ربك أن يسير عنا هذه الجبال، حتى تنفسح لنا بلادنا، ثم يفجر لنا فيها أنهاراً، حتى نعرف فضلك عند ذلك، ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من يسير العيش، فاسأل ربك أن يجعل لك قصوراً أو جناناً، وليبعث معك ملكاً يصدقك، فنزل حكاية عن قولهم: أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها قرأ حمزة والكسائي: نأكل منها بالنون، وقرأ الباقون بالياء.
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ يعني: ما تطيعون يا أصحاب محمد إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً يعني: مغلوب العقل. ويقال: مَسْحُوراً يعني: مخلوقا، لأن الذي تكون مخلوقاً يكون حياته بالمعالجة بالأكل والشرب، فيسمى مسحوراً. ويقال: مسحوراً أي: سحر به.
قوله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ يعني: انظر يا محمد كيف وصفوا لك الأشباه، إلى ماذا شبهك قومك بساحر وكاهن وكذاب فَضَلُّوا عن الهدى، ويقال: ذهبت حيلتهم، وأخطئوا في المقالة. فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يعني: لا يجدون حيلة ولا حجة على ما قالوا لك، ولا مخرجا لتناقض كلامهم حيث قالوا مرة: مجنون، ومرة: ساحر.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١٠ الى ١٤]
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)
ثم قال : ﵎، وقد ذكرناه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ يعني: خيراً مما يقول الكفار في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً في الجنة، ويقال: في الدنيا إن شاء أعطاك. وروى سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: عن خيثمة قال: «قيل للنبيِّ ﷺ إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعط من قبلك أحداً، ولا نعطي من بعدك أحداً، ولا ينقص ذلك مما عند الله شيئاً. وإن شئت جمعناها لك في الآخرة. قال ﷺ : «بل اجمعها لِي في الآخِرَة» فنزل تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ
стр. 1102
الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وَيَجْعَلُ بضم اللام على معنى خبر الابتداء، وقرأ الباقون بالجزم لأنه جواب الشرط.
ثم قال : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ معناه: ولكن كذبوا بالساعة يعني: بالقيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً يعني: هيأنا لمن كذب بالقيامة وقوداً، وهُوَ نار جهنم إِذا رَأَتْهُمْ يعني: جهنم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من مسيرة خمسمائة سنة. ويقال: من مسيرة مائة سنة سَمِعُوا لَها يعني: منها تَغَيُّظاً على الكفار وَزَفِيراً يعني: صوتاً كصوت الحمار.
وقال قوم: معناه يسمعون منها تغيظ المعذبين وزفيرهم، كما قال: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: ١٠٦] وقال عامة المفسرين: التغيظ والزفير يسمع من النار، ألا ترى أنه قال: سَمِعُوا لَها، ولم يقل: سمعوا منها، ولا فيها. وقال في آية أُخرى: وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] وروي في الخبر: «أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ على وجهه ترعد فرائصهم حتى إن إبراهيم الخليل ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب يا رب لا أسألك إلا نفسي» .
ثم قال : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها يعني: فيها مَكاناً ضَيِّقاً يعني: يضيق عليهم المكان كتضييق الزُّجِّ من الرُّمح مُقَرَّنِينَ يعني: مسلسلين في القيود، موثقين في الحديد، قرنوا مع الشياطين دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً فعند ذلك دعوا بالويل، يعني: يقولون وا هلاكاه، فتقول لهم الخزنة: لاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً يعني: ادعوا ويلاً كثيراً دائماً.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)
قال الله تعالى للنبي ﷺ : قُلْ يا محمد لكفار مكة أَذلِكَ خَيْرٌ يعني: هذا الذي وصف من العذاب خير أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ فإن قيل: كيف يقال خير وليس في النار خير؟ قيل له:
قد يقال على وجه المجاز، وإن لم يكن فيه خير، والعرب تقول: العافية خير من البلاء، وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ يعني: الذين يتقون الشرك والكبائر.
كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً يعني: جزاء بأعمالهم الحسنة ومرجعاً إليها.
ثم قال : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني: يحبون خالِدِينَ أي: دائمين في الجنة كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً منه في الدنيا مَسْؤُلًا يسأله المتقون. ويقال مَسْؤُلًا يسأل لهم الملائكة ﵈، وهو قوله : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر: ٨] ويقال:
وعدوا على لسان رسلهم، وقد سألوا الله ذلك، وهو قوله: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ويقال: وعداً لا خلف فيه لمن سأله.
стр. 1103
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١٧ الى ١٩]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)
قوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني: نجمعهم وَما يَعْبُدُونَ يعني: ونحشر ما يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام. ويقال: المسيح وعزير. ويقال: الملائكة ﵈ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ يعني: أأنتم أمرتم عِبادِي هؤُلاءِ أن يعبدوكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ يعني: أم هم أخطئوا الطريق، فتبرأت الملائكة والأصنام.
قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ أي: تنزيهاً لك مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أي: ما يجوز لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني أن نَّتَّخِذَ بضم النون ونصب الخاء، ومعناه: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك إلها فتعبد. وقراءة العامة: بنصب النون وكسر الخاء، يعني: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا. ويقال: معناه ما كان فينا روح نأمرهم بطاعتنا. ويقال: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فنعبدهم، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا؟ كقوله تعالى: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ: ٤١] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالياء. فَيَقُولُ بالياء وقرأ الباقون: الأول بالنون والثاني بالياء.
ثم قال: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ يعني: أن هذا كان بكرمك وفضلك، لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك، وظنوا أنهم على الحق، حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة، فذلك قوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ يعني: تركتهم في الدنيا يتمتعون، وأجلتهم وآباءهم في المتاع والسعة. حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ يعني: تركوا التوحيد والإيمان بالقرآن. وَكانُوا قَوْماً بُوراً أي هلكى فاسدين. وأصله: الكساد يقال: بارت السوق إذا كسدت. وقال الكلبي:
بُوراً يعني: هالكين، فاسدة قلوبهم، غير متقين ولا محسنين.
يقول الله تعالى لعبدة الأوثان: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ يعني: الأصنام، ويقال:
الملائكة فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً يعني: لا يستطيع الكفار انصرافاً إلى غير حجتهم التي تكلموا بها. ويقال: لا تستطيعون صرفاً أي: انصرافاً عن حجتهم وَلا نَصْراً يعني:
لا ينتصرون من آلهتهم حين كذّبتهم. ويقال: لا تقدر الأصنام ولا الملائكة صرف العذاب عنهم وَلا نَصْراً يعني: لا يمنعونهم منه. ويقال: الصرف الحيلة. ويقال: لا يقبل منهم فدية أن يصرفوا عن أنفسهم بالفدية.
стр. 1104
قرأ عاصم في رواية حفص فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، يعني يقال لهم:
لا تستطيعون صرف ذلك. وقرأ الباقون بالياء ومعناه: أن الله تعالى يقول للنبي ﷺ : فما يستطيعون صرف ذلك عنهم.
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ يعني: يشرك بالله في الدنيا. ويقال: يكفر بمحمد ﷺ والقرآن نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً في الآخرة، وهو عذاب النار.
[سورة الفرقان (٢٥) : آية ٢٠]
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)
قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ جوابا لقولهم: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ يعني: كانت الرسل من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة ﵈.
ثم قال: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ يقول: ابتلينا بعضكم ببعض، الفقير بالغني، والضعيف بالقوي. وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع قد أسلم أنف عن الإسلام وقال:
أأسلم، فأكون مثل هذا، فثبت على دينه حمية. يقول الله تعالى للشريف: أَتَصْبِرُونَ أن تكونوا شرعاً، سواء في الدين وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالما بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن، ويقال: جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً يعني: بلية الغني للفقير، والقوي للضعيف. لأن ضعفاء المسلمين وفقراءهم، إذا رأوا الكفار في السعة والغنى، يتأذون منهم، وكان في ذلك بلية لهم، فقال تعالى: أَتَصْبِرُونَ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، يعني: اصبروا كقوله: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ [المائدة: ٧٤] يعني: توبوا إلى الله. ويقال: أهل النعم بلية لأهل الشدة، لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغص عيشهم، فأمرهم الله تعالى بالصبر.
وذكر عن بعض المتقدمين: أنه كان إذا رأى غنياً من الأغنياء يقول: نصبر يا رب، يريد:
جوابا لقوله: أَتَصْبِرُونَ ثم قال: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالماً بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني: عالماً بثواب الصابرين.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لاَ بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)
قوله : وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا يعني: لا يخافون البعث بعد الموت.
ويقال: لا يرجون الجنة والمغفرة، وهم كفار أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ يعني: هلا
стр. 1105
أنزل علينا الملائكة، فيخبروننا بأنك رسول الله إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا بأنك نبيّ مرسل.
قال الله تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: تعظموا في أنفسهم، وأعرضوا عن الإيمان.
ويقال: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: وضعوا لأنفسهم قدراً ومنزلة، حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة ﵈ ورؤية الرب : وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يعني: أبوا إباءً كثيراً. ويقال: اجترءوا على الله اجتراء كثيراً. وقال أهل اللغة: العاتي الذي لا ينفعه الوعظ والنصيحة.
ثم أخبر متى يرون الملائكة فقال : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يعني: يوم القيامة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ يعني: للمشركين، وتكون البشارة للمؤمنين.
ثم قال: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً يعني: تقول لهم الملائكة: حراماً محرماً، أن تكون لهم البشرى يومئذ بما يبشر به المتقون، وإنما قيل للحرام حجرا، لأنه حجر عليه.
وقال مجاهد: «تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخلوا الجنة» . وقال الحسن وقتادة:
هي كلمة كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا نزلت به الشدة قال: حجراً محجوراً، أي: حراماً محرماً. ويقال: إن قريشاً كانوا إذا استقبلهم أحد كانوا يقولون له: حاجورا حاجورا، حتى يعرف أنهم من الحرم، فلا يضرونهم، وأخبر أنهم كانوا يقولون ذلك ولا ينفعهم.
ويقال: إن المشركين في الشهر الحرام إذا استقبلهم أحد يقولون: حجراً محجوراً، ويريدون أن يذكروه أنه في الشهر الحرام، وذلك القول لا ينفعهم يوم القيامة. وقرأ الحسن:
حِجْراً بضم الحاء، وقراءة العامة: بكسر الحاء.
ثم قال : وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ قال الكلبي: يعني عمدنا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عمل لغير الله تعالى. ويقال: قصدنا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عمل، ومعناه: نظرنا في أعمالهم ولم نجد فيها خيراً، فأبطلناها، ولم نجعل لها ثواباً، فذلك قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً قال الضحاك: هو الغبار ما لا يستطاع جمعه، ولا أخذه بيد. وقال علي بن أبي طالب ﵁: «الهباء المنثور الذي تراه في شعاع الشمس في الكوة» ، وهذا قول عكرمة والكلبي. وقال قتادة: هو ما ذرت الريح من حطام الشجر. ويقال: الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب.
ثم قال : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا يعني: أفضل منزلاً وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قال: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس إلى مقدار نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة، وهؤلاء فِي النَّارِ.
وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: «لا ينتصف النهار من ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار» ، عنيا بذلك: يوم القيامة، ولأن مقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة، وإنما أراد بتلك القيلولة القرار لا النوم، لأن لا يكون في الجنة نوم، ولا في النار نوم.
стр. 1106
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦)
قوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تَشَقَّقُ بتشديد الشين، لأن أصله يتشقق، فأدغم إحدى التاءين في الشين. وقرأ الباقون بالتخفيف، وهذا مثل الإختلاف في قوله تسئلون فقال: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ يعني: عن الغمام، والغمام: هو شيء مثل السحاب الأبيض فوق سبع سموات، كما روي في الخبر: «أن دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام» ، يعني: تتشقّ السماء، ويظهر بالغمام وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا. قرأ ابن كثير وننزل الملائكة بنونين ونصب الهاء، ومعناه: أن الله تعالى يقول: نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ وقرأ الباقون وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ على ما فعل ما لم يسم فاعله، معناه: أن الله تعالى ينزل ملائكة السموات.
وروي في الخبر: «أنه تشقق سماء الدنيا فينزل ملائكة سماء الدنيا، بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس. ويقول لهم الخلائق: أفيكم ربنا؟ يعني: هل جاء أمر ربنا بالحساب؟
فيقولون: لا، وسوف يأتي. ثم تنزل ملائكة السماء الثانية بمثلي ما في الأرض من الملائكة والإنس والجن، ثم تنزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى تنزل ملائكة سبع سموات ﵈، فيظهر الغمام، وهو كالسحاب الأبيض فوق سبع سموات، ثم ينزل بالأمر بالحساب، فذلك قوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا ويقال: الغمام الذي قال في سورة البقرة: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ.
ثم قال : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وفي الآية تقديم، ومعناه: الملك يومئذ الحق للرحمن الحق صفة الملك، والمعنى: الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن، لأنه لا يدعي الملك يومئذ أحد. ويقال: الحق يومئذ الملك الخالص. ويقال: يعني: الملك الصدق.
ثم قال تعالى: وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً يعني: شديداً. وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين يسيراً، وهذا كما قال في آية أخرى: عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: ١٠] .
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١)
ثم قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يعني: عقبة بن أبي معيط، وذلك أن عقبة
стр. 1107
كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، وكان يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أحب وأراد، وكان يكثر مجالسة النبيّ ﷺ ، ويعجبه حديثه. فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاماً، ودعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فأتاه رسول الله ﷺ ، فلما قدم الطعام إليه، فأبى أن يأكل وقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وكان عندهم من العار أن يخرج من عندهم أحدهم قبل أن يأكل شيئاً، فألح على رسول الله ﷺ أن يأكل، فلم يأكل، فشهد بذلك عقبة، فأكل النبيّ ﷺ من طعامه، وكان أبيُّ بن خلف الجمحي غائباً، وكان خليله، فلما قدم أخبر ذلك، فأتاه فقال: صبوت يا عقبة. فقال: لا والله ما صبوت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت، فطعم. فقال له: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً حتى تأتيه، فتبزق في وجهه، وتشتمه وتكذبه، ففعل ذلك «١» . فنزلت هذه الآية: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ يعني: عقبة عَلى يَدَيْهِ يعني: على أنامله.
وروي عن أنس بن مالك أنه قال: يعض عقبة بن أبي معيط على يديه يوم القيامة، فيأكل لحم يديه حتى يبلغ العضد من الندامة، وهو يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يعني:
اتخذت طريق الهدى، وكنت معه على الإسلام.
قوله : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني: أبيَّ بن خلف. ويقال: إنما قال فُلاناً ولم يذكر اسمه لحقارته لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ يعني: عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَنِي أي حين جاءني ويقال: إنه لم يذكر اسمه، لأنه دخل فيه جميع الظالمين، لأن مَنْ صَنَع مِثْلَ هَذَا الصَّنِيع يكون هذا جزاؤه، وقتل عقبة يوم بدر صبراً، وقتل أبيُّ بن خلف يوم أحد ويقال لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، يعني: الشيطان بدليل قوله : وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا يعني: يتبرأ منه يوم القيامة، ونزل فيه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف:
٦٧] .
ثم قال : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً يعني:
متروكاً لا يؤمنون به، ولا يعملون بما فيه. وقال القتبي: يعني: جعلوه كالهذيان. ويقال: فلان يهجر في منامه، أي يهذي. وقال مجاهد: يهجرون منه بالقول، يعني: يقولون فيه بالقبيح، فبين الشكاية من رسول الله ﷺ إلى الرب ، ثم أن الله عزاه وأخبره أن الرسل من قبله كانوا يتأذون بقومهم، فذلك قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ يعني: من المشركين، فيهجرون الكتاب.
ثم قال: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً يعني: هادِياً إلى دينه من كان أهلا لذلك.
стр. 1108
ويقال: وَكَفى بِرَبِّكَ حافظاً على الدين وَنَصِيراً، أي مانعاً. ويقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يعني: فرعوناً، كما جعلنا أبا جهل فرعونك، ويقال: سلطنا على كل نبي متكبراً ليتكبر عليه ويكذبه ويؤذيه.
وروي في الخبر: «لو أن مؤمناً ارتقى على ذروة جبل، لقيّض الله تعالى إليه منافقاً يؤذيه، فيؤجر عليه وَكَفى بِرَبِّكَ يعني: اكتف بربك واصبر على أذاهم، صار هادِياً وَنَصِيراً نصباً على الحال، أي: وكفى بربك في حال الهداية والنصرة ويقال: الباء زائدة للصلة. ومعناه: كفى بربك هادِياً إلى دينه وَنَصِيراً أي مانعا.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)
قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ يعني: هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى ﵉.
يقول الله تعالى: كَذلِكَ يعني: هكذا أي أنزلناه متفرقاً لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ يعني:
لنحفظ ويقوى به قلبك ونفرحك، فلما دخل قلبه الغم نزلت عليه آية وآيتان، فيفرح بها. ويقال:
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ يعني: ليكون قبوله على المسلمين أسهل، لأنه لو أنزلت الأحكام والشرائع كلها جملة واحدة، شق على المسلمين قبولها، كما شق على بني إسرائيل. ويقال: أنزلناه هكذا لنرسخ القرآن في قلبك، لكي تحفظ الآية والآيتين. ويقال: كَذلِكَ أنزلناه لتحكم عند كل حادثة، وعند كل واقعة، لتقوي به قلبك في ذلك.
ثم قال: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا يعني: بيناه تبييناً. ويقال: شيء رتل ورتيل إذا كان مبيناً. وقال مجاهد: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي: بعضه على أثر بعض.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك جبريل ﵇ به في عشرين سنة» ، وهو قوله تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] .
ثم قال : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ يعني: لا يخاصمونك بمثل، مثل قوله: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] ثم قال: إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا عليك جبريل ﵇ بالقرآن فتخاصمهم به وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً يعني: وأحسن بياناً لترد به خصومهم.
ويقال: معناه ولا يأتونك بحجة، إلا بينا لك في القرآن ما فيه نقض لحجتهم، وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي جواباً لهم ويقال: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بما هو أحسن من مثلهم. ويقال: كل
стр. 1109
نبي إذا قال له قومه قولاً، كان هو الذي يرد عليهم، وأما النبيّ ﷺ كان إذا قالوا له شيئاً، فالله تعالى هو الذي يرد عليهم.
ثم أخبرهم بمستقرهم في الآخرة فقال : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني:
يسبحون على وجوههم إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً يعني: منزلاً في النار وضيقاً في الدنيا وَأَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أخطأ طريقاً. وذلك أن كفار مكة قالوا: ما كان محمد وأصحابه أولى بهذا الأمر منا، والله إنهم لشر خلق الله، فأنزل الله : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ.
وروي في الخبر: «أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أصناف: فصنف على النجائب، وصنف على أرجلهم، وصنف على وجوههم، فقيل: يا رسول الله كيف يحشرون على وجوههم؟ فقال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، فهو قادر على أن يمشيهم على وجوههم» فذلك قوله» : أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦)
قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً أي معيناً فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ يعني: به موسى، كقوله في سورة طه: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه: ٤٢] خاطب موسى خاصة إلى القوم يعني: فرعون وقومه الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بتوحيدنا وديننا. وقال الكلبي: يعني كذبوا بآياتنا التسع. وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ، لأن الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه، وقد قيل: معناه اذهبا إلى القوم، وهذا الخطاب لموسى ﵇. ثم قال الله تعالى للنبي ﷺ : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بالرسل، وبكتب الأنبياء ﵈ الذين قبل موسى، ثم قال: فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً يعني: كذبوهما فأهلكناهم إهلاكاً. ويقال: في الآية تقديم قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: التوراة بعد ما هلك فرعون وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون وزيرا، يعني: في أوّل نبوته. ويقال: الْكِتابَ يعني: كتاباً قبل التوراة.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)
قوله : وَقَوْمَ نُوحٍ يعني: واذكر قوم نوح ﵇ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ يعني: نوحاً وحده كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن وقت هذا الخطاب إلا واحد، فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة كقوله:
стр. 1110
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١] وإنما أراد به الناس، ألا ترى أنه استثنى منه جماعة. ويقال: إن نوحاً كان يدعو قومه إلى الإيمان به، وبالأنبياء الذين بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل، فلهذا قال: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً يعني:
عبرة لمن بعدهم وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً أي: وجيعاً.
ثم قال : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ يعني: واذكر عاداً وثمود وأصحاب الرس، وهم قوم قد نزلوا عند بئر كان يسمّى: الرس، فكذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، ويقال: إنما سُمُّوا أصحاب الرس، لأنهم قتلوا نبيهم ورسولهم في بئر لهم، وقال مقاتل: يعني:
البئر التي كان فيها أصحاب ياسين بأنطاكية التي بالشام وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً يعني: أهلكنا أمماً بين قوم نوح وعاد، وبين عاد وثمود إلى أصحاب الرس كثيراً وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ يعني: بينا لهم العذاب أنه نازل بهم في الدنيا وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً أي: دمرناهم بالعذاب تدميراً، يقال: تبره إذا أهلكه.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤٠ الى ٤٢]
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢)
ثم قال : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ يعني: أهل مكة مروا على القرية الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني: قريات لوط أمطرنا عليهم الحجارة: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها يعني:
أفلم يبصروها، فيعتبروا بها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً يعني: بل كانوا لا يخافون البعث.
ويقال: لا يرجون ثواب الآخرة، وإنما جاز أن يعبر عنهما، لأن في الرجاء طرفاً من الخوف، لأن كل من يرجو شيئاً فإنه يخاف، وربما يدرك، وربما لا يدرك.
قوله : وَإِذا رَأَوْكَ يعني: أهل مكة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً يعني: ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يعني: إلينا، وهو قول أبي جهل حين قال لأبي سفيان بن حرب: أهذا نبي بني عبد مناف إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا يعني: أراد أن يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: عن عبادة آلهتنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يعني: ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه. حكى قولهم ثم بين مصيرهم فقال: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ يعني: يوم القيامة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أخطأ طريقاً، يعني: يبيّن لهم أن الذي قلت لهم كان حقا.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤٣ الى ٤٦]
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦)
стр. 1111
قوله : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ يعني: اتخذ هوى نفسه إلهاً، يعني: يعمل بكل ما يدعوه إليه هواه. ويقال: إنهم كانوا يعبدون حجرا، فإذا رأوا أحسن منه تركوا الأول، وعبدوا الثاني أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا يعني: أتريد أن تكون بيدك المشيئة في الهدى والضلالة، ويقال: معناه أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا يعني: أتريد أن تكون رباً لهم، فتجزيهم بأعمالهم، يعني: لست كذلك، فأنذرهم، فإنما أنت منذر.
ثم قال : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني: أتظن أنهم يريدون الهدى يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ الهدى إِنْ هُمْ يعني: ما هم إِلَّا كَالْأَنْعامِ في الأكل والشرب، ولا يتفكرون في أمر الآخرة، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أخطأ طريقاً من البهائم، لأن البهائم ليسوا بمأمورين ولا منهيين.
وقال مقاتل: البهائم تعرف ربها وتذكره، وكفار مكة لا يعرفون ربهم، فيوحدونه.
قوله : أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ قال بعضهم: فيه تقديم، ومعناه: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك. وقال بعضهم: فيه مضمر، ومعناه: ألم تر إلى صنع ربك كيف مد الظل؟ يعني: بسط الظل بعد انفجار الصبح إلى طلوع الشمس وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً يعني:
دائماً كما هو لا شمس معه، كما يكون في الجنة ظل ممدود، ويقال: تلك الساعة تشبه ساعات الجنة إلا أن الجنة أنور ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا حيث ما تكون الشمس يظهر الظل.
وقال القتبي: إنما يكون دليلاً، لأنه لو لم تكن الشمس لم يعرف الظل، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي: الظل بعد غروب الشمس، وذلك أن الشمس إذا غابت عاد الظل، وذلك وقت قبضه، لأن ظل الشمس بعد غروب الشمس لا يذهب كله جملة، وإنما يقبض الله ذلك الظلّ قبضاً خفياً شيئاً بعد شيء، فدلّ الله تعالى بهذا الوصف على قدرته، ولطفه في معاقبته بين الظل والشمس لمصالح عباده، وبلاده. ويقال: ثم قَبَضْناهُ، أي:
قبضناه سهلاً. ويقال: يسيراً عند طلوع الشمس، ويقال: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً يعني: هيناً سهلاً.
ويقال: يَسِيراً يعني: خفياً، فلا يدري أحد أين يصير، وكيف يصير ويقال: ثُمَّ قَبَضْناهُ يعني: رفعناه رفعاً خفيفاً.
ويقال قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي: على الأوقات في النهار ليعرف زوال الشمس وأوقات الصلاة.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤٧ الى ٥٢]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١)
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢)
стр. 1112
قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكناً لتسكنوا فيه. ويقال:
لِباساً يعني: ستراً يستر جميع الأشياء وَالنَّوْمَ سُباتاً يعني: راحة للخلق ليستريحوا فيه بالنوم وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي: للنشور ينتشرون فيه لابتغاء الرزق.
ثم قال : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً يعني: تنشر السحاب، والاختلاف في القراءات كما ذكرنا في سورة الأعراف بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً طَهُوراً يعني: مطهراً يطهر به الأشياء، ولا يطهر بشيء لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يعني:
أرضاً لا نبات فيها، فينبت بالمطر وَنُسْقِيَهُ يعني: نسقي بالمطر مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وهو جماعة الإنس يعني: نسقي به الناس والدواب، لفظ البلدة مؤنث، إلا أن معنى البلدة والبلد واحد، فانصرف إلى المعنى، ولو قال: ميتة، لجاز إلا أنه لم يقرأ.
ثم قال : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ يعني: قسمناه بين الخلق. ويقال: نصرفه من بلد إلى بلد، مرة بهذا البلد، ومرة ببلد آخر. كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله تعالى يصرفه حيث يشاء» ، فذلك قوله وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ- وكما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما من سنة بأمطر من الأخرى ولكن إذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعَاصِي، حَوَّلَ الله ذلك إلَى غَيْرِهِمْ، فَإذَا عَصَوْا جَمِيعاً، صَرَفَ الله ذلك إلَى الفَيَافِي وَالبِحَارِ» وقال ابن عباس ﵁: «ما من عام، بأكثر من عام ولكن يصرفه حيث يشاء» فذلك قوله: ولكن يصرفه حيث يشاء «١» -.
لِيَذَّكَّرُوا يعني: ليتعظوا في صنعه، فيعتبروا في توحيد الله تعالى، فيوحدوه. وقرأ حمزة والكسائي لّيَذْكُرُواْ بالتخفيف، وضم الكاف. وقرأ الباقون بالتشديد والنصب.
ثم قال: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يعني: كفراناً في النعمة، وهو قولهم: مطرنا بنوء كذا، ويقال: إلا جحوداً وثباتاً على الكفر.
قوله : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا قال مقاتل: ولو شئنا لبعثنا في زمانك فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً يعني: رسولاً، ولكن بعثناك إلى القرى كلها رسولاً اختصصناك بها فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وذلك حين دعوه إلى ملة آبائهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن جِهاداً كَبِيراً يعني: شديداً.
стр. 1113
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٥٣ الى ٥٧]
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧)
قوله : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني: أرسل. ويقال: حلى البحرين.
ويقال: فلق البحرين. ويقال: خلق البحرين العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: حلو وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي: مرّ مالح وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً أي حاجزاً وَحِجْراً مَحْجُوراً أي حرم على العذب أن يملح، وحرم على المالح أن يعذب، وحرم على كل واحد منهما أن يختلط بصاحبه، وأن يغير كل واحد منهما طعم صاحبه.
قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً أي من النطفة إنساناً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً فالنسب: ما لا يحل لك نكاحه من القرابة، والصهر: ما يحل لك نكاحه من القرابة وغير القرابة، وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: النسب القرابة، والصهر الرضاع، ويحرم من الصهر مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
ويقال: النسب الذي يحرم بالقرابة، والصهر الذي يحرم بالنسب، وهو ما ذكر في قوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣] فهذه السبع تحرم بالقرابة، والسبع التي تحرم بالنسب، فهو ما ذكر بعده وهو قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] إِلى آخر الآية. وامرأة الأب ثم قال تعالى:
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً فيما أحل من النكاح، وفيما حرم. ويقال: قَدِيراً على ما أراد.
قوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ إن عبدوهم وَلا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوهم وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً يعني: عوناً للشياطين على ربه.
قال بعضهم: نزلت في شأن أبي جهل بن هشام، ويقال: في شأن جميع الكفار.
ثم قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً يعني: ما أرسلناك يا محمد إلا مبشراً بالجنة لمن أطاع الله ، ونذيراً بالنار لمن عصاه، قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني: قل لكفار مكة:
ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني: على القرآن والإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني: من جُعل إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: إلا من شاء أن يؤخذ، ويتخذ إلى ربه بذلك التوحيد سبيلاً، يعني:
مرجعاً. ويقال: يعمل، فيتخذ عند ربه مرجعاً صالحاً، فيدخل به الجنة. يعني: لا أريد الأجر، ولكن أريد لكم هذا الذي ذكر، وقصدي هذا لا أَنْ آخذ منكم شيئا.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠)
стр. 1114
قوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وذلك حين دعي إلى ملة آبائه، فأمره الله تعالى بأن يتوكل على ربه الكريم وقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ قال مقاتل: واذكر بأمره وقال الكلبي: صلِّ بأمره وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً يعني: عالماً معناه، وكفى بالله عالماً بذنوب عباده وبمجازاتهم، فلا أحد أعلم بذنوب عباده ومجازاتهم منه.
ثم قال : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقد ذكرناه وتمّ الكلام، ثم قال الرَّحْمنُ قال الزجاج: الرَّحْمنُ رفعه من جهتين. أحدهما: على البدل مما في قوله: ثُمَّ اسْتَوى فبيّن بقوله: الرَّحْمنُ يعني استوى الرحمن على العرش. قال: ويجوز أن يكون على معنى الابتداء. فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً يعني:
فاسأل عنه عالماً. ويقال: معناه ما أخبرتك به من شيء، فهو كما أخبرتك، فاسأل بذلك عالماً حتى يبين لك ذلك كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] الآية. خاطب به النبيّ ﷺ ، وأراد به أمته.
قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ أي صلوا للرحمن، ويقال: اخضعوا له ووحدوه قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ يعني: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب. قالوا: أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا لذلك الكذاب. قرأ حمزة والكسائي يأمرنا بالياء على معنى المغايبة وقرأ الباقون على المخاطبة وَزادَهُمْ نُفُوراً يعني: زادهم ذكر الرحمن تباعداً عن الإيمان. فمن قرأ بالياء، فمعناه: لما يأمرنا الرحمن بالسجود، ويقال: لما يأمرنا محمد، يعني: لا نسجد لما يأمرنا كقوله: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ [النساء: ٣] يعني: من طاب لكم. ومن قرأ بالتاء، أراد به النبيّ ﷺ .
قال أبو عبيد: هذا هو الوجه، لأن المشركين خاطبوه بذلك، وكانوا غير مقرين بالرحمن.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦١ الى ٦٧]
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥)
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧)
قوله : تَبارَكَ وقد ذكرناه الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعني: خلق في السماء بروجاً، يعني: نجوماً وكواكب. ويقال: قصوراً. وذكر أنه جعل في القصور حراساً، كما قال في موضع آخر: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [الجن: ٨] الآية.
стр. 1115
ويقال: البروج الكواكب العظام، وكل ظاهر مرتفع فهو برج، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها، ثم قال تعالى: وَجَعَلَ فِيها يعني: خلق فيها سِراجاً يعني: شمساً وَقَمَراً مُنِيراً يعني: منوراً مضيئاً. قرأ حمزة والكسائي سُرُجاً بلفظ الجمع، يعني:
الكواكب. وقرأ الباقون سِراجاً وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ. كقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: بُرُوجاً.
ثم قال : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: خلق الليل والنهار خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي خليفة يخلف كل واحد منهما صاحبه. يذهب الليل ويجيء النهار، ويذهب النهار ويجيء الليل، ويقال: خِلْفَةً يعني: مخالفاً بعضه لبعض، أحدهما أبيض، والآخر أسود، فهما مختلفان كقوله : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.
وروي عن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر. قرأ حمزة يَذَّكَّرَ بالتخفيف في الذال، وضم الكاف. يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار. وقرأ الباقون بالتشديد وأصله: يتذكر يعني: يتعظ في اختلافهما، ويستدل بهما أَوْ أَرادَ شُكُوراً يعني: العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية. ويقال: أَوْ أَرادَ شُكُوراً، أي توحيداً وإقراراً، فيمكنه ذلك.
قوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ يعني: وإن من عباد الرحمن عباداً يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني: يمضون متواضعين، وهذا جواب لقولهم وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ؟
فقال: الرحمن الذي جعل في السماء بروجاً، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء. يعني: أصحاب النبيّ ﷺ ، ومن كان مثل حالهم، وهذا كقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ [مريم: ٦١] وكقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الزمر: ١٧] الآية.
وقال مجاهد: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال: في طاعة الله متواضعين. ويقال:
هَوْناً، أي: هيناً لا جور منهم على أحد ولا أذى. ويقال: هَوْناً يعني: سكينة ووقاراً وحلماً. وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ يعني: كلمهم الجاهلون بالجهل قالُوا سَلاماً يعني:
سداداً من القول. ويقال: ردوا إليهم بالجميل. وقال الحسن: يعني: حلماً لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا. وقال الكلبي: نسخت بآية القتال. وقال بعضهم: هذا خطأ، لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خير من حالهم، والنسخ يجري في الأمر والنهي.
ثُمَّ وصف حال لياليهم فقال : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً يعني: يقومون بالليل في الصلاة سجداً وَقِياماً يعني: يكونون في ليلتهم مرة ساجدين، ومرة قائمين. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «من صلى ركعتين أو أربعاً بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً وقائماً» .
стр. 1116
ثم وصف خوفهم فقال: إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله ، ويتعوذون منه فقال : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ يعني: عباد الرحمن رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يعني: لازماً لا يفارق صاحبه. وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب. وقال محمد بن كعب القرظي: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. قال: سألهم ثمن النعم، فلم يأتوا بثمنها، فأغرمهم ثمن النعم، وأدخلهم النار، ثم قال: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني:
بئس المستقر، وبئس الخلود، والمقام الخلود كقوله: دارَ الْمُقامَةِ [فاطر: ٣٥] يعني: دار الخلود. ويقال: نصب المستقر للتمييز، ومعناه: لأنها ساءت في المستقر.
ثم قال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وقرأ نافع وابن عامر يَقْتُرُوا بضم الياء وكسر التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا بنصب الياء وكسر التاء.
وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء، ومعنى ذلك كله واحد. يعني: لم يسرفوا، فينفقوا في معصية الله تعالى، ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً يعني: بين ذلك عدلاً ووسطاً. وقال الحسن: ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار، فهو في سبيل الله تعالى. وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهباً، فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفا.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠)
ثم قال : وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: لا يشركون بالله. ويقال:
الشرك ثلاثة: أولها أن يعبد غير الله تعالى، والثاني أن يطيع مخلوقاً بما يأمره من المعصية، والثالث أن يعمل لغير وجه الله تعالى. فالأول كفر، والآخران معصية.
ثم قال: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا بإحدى خصال ثلاث وقد ذكرناه. وَلا يَزْنُونَ يعني: لا يستحلون الزنى، ولا يقتلون النفس وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني:
الشرك والقتل والزنى يَلْقَ أَثاماً قال الكلبي يعني: عقاباً في النار، وذكر عن سيبويه والخليل أنهما قالا: معناه جزاء الآثام. ويقال: الآثام العقوبة وقال الشاعر:
جَزَى الله ابْنَ عُرْوَةَ حِينَ أَمْسَى ... عَقُوقاً فَالْعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي: عقوبة.
ثم قال : يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً يعني: في العذاب
стр. 1117
صاغراً يهان فيه. قرأ عاصم يُضاعَفْ لَهُ بالألف، وضم الفاء. وقرأ ابن عامر وابن كثير:
يضعّف بغير ألف، والتشديد، وجزم الفاء. وقرأ الباقون بالألف، وجزم الفاء. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر، وَيَخْلُدْ بضم الدال.
وروى حفص عن عاصم وابن كثير، وَيَخْلُدْ بالإشباع، وقرأ الباقون يَخْلُدْ بجزم الدال. فمن قرأ يُضاعَفْ ويَخْلُدْ بالرفع فالوقف هنا على قوله: أَثاماً ومن قرأهما بالجزم فلا يقف على أَثاماً لأنهما جوابا الشرط، والشرط والجواب هما مجزومان.
ثم قال : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: تاب من الشرك والزنى والقتل، وصدَّق بتوحيد الله تعالى: وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ يعني: مكان الشرك الإيمان، ومكان القتل الكف، ومكان الزنى العفاف، ومكان المعصية العصمة والطاعة. ويقال:
إنه يبدل في الآخرة مكان عمل السيئات الحسنات.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: «إن يوم القيامة إذا أعطي الإنسان كتابه في الآخرة فيرى في أوله معاصي، وفي الآخر الحسنات، فلما رجع إلى أول الكتاب، رآه كله حسنات» .
روى أبو ذر ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يُعْرَضُ عَلَيْهِ صغار ذُنُوبِهِ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الكتاب أَنْ تَجِيءَ ذُنُوبُهُ العِظَامُ، فإذا أريد به خير قِيلَ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ:
يَا ربّ إِنَّ لِي ذُنُوباً ما أراها هانا» . قال: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك «١» ، ثم تلا: هذه الآية: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. وذكر عن أبي هريرة أنه قال: «خرجت من عند رسول الله ﷺ ، فسألتني امرأة في الطريق فقالت: زنيت، ثم قتلت الولد، فهل لي من توبة؟
فقلت: لا توبة لك أبداً. ثم قلت: أفتيتها ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فرجعت إليه فأخبرته بذلك فقال: «هَلِكْتَ وَأهْلَكْتَ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ هذه الآية؟ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فخرجت وقلت: من يدلني على امرأة سألتني مسألة، والصبيان يقولون: جن أبو هريرة حتى أدركتها وأخبرتها بذلك فسرت وقالت: إن لي حديقة جعلتها لله ولرسوله» «٢» . وقال بعضهم: هذه الآية مدنية نزلت في شأن وحشي، وقال بعضهم: الآية قد كانت نزلت بمكة فكتب رسول الله ﷺ من المدينة إلى وحشي ثم قال تعالى:
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعني: غَفُوراً لما فعلوا قبل التوبة لمن تاب، رَحِيماً بالمؤمنين بعد التوبة.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٧١ الى ٧٧]
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥)
خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)
стр. 1118
ثم قال : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني: تاب من الشرك والمعاصي، وعمل صالحاً بعد التوبة، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً يعني: مناصحاً لا يرجع. ويقال: مَتاباً له في الجنة. ويقال: مَتاباً. يعني: توبة. يعني: يتوب توبة مخلصة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني: لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ يعني: مجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِراماً يعني: حلماء معرضين عنها.
وقال القتبي: مَرُّوا كِراماً لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم.
ثم قال : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها يعني: لم يقعوا عليها صُمًّا يعني: لا يسمعون وَعُمْياناً ولا يبصرون، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به، وهذا قول مقاتل. وقال القتبي: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها أي: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها.
ثم قال : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني:
اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين، تقر أعيننا بذلك. ويقال: وفقهم للطاعة، واعصمهم من المعصية، ليكونوا معنا في الجنة، فتقر بهم أعيننا. قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وذريتنا بلفظ الوحدان. وقرأ الباقون وَذُرِّيَّاتِنا بلفظ الجماعة، ثم قال:
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: ٧٣] أي: قادة في الخير.
وروي عن عروة: أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يحمل عنه العلم، فاستجيب دعاؤه.
وروي عن مجاهد: معناه، «اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا، حتى يقتدي بنا من بعدنا» . ويقال:
معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون، فهذا كله من خصال عباد الرحمن، من قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ إلى هاهنا. فوصف أعمالهم.
ثم بين ثوابهم فقال : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يعني: غرف الجنة كقوله: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: ٢٠] بِما صَبَرُوا يعني: صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة وَيُلَقَّوْنَ فِيها يعني: في الجنة تَحِيَّةً يعني: التسليم وَسَلاماً يعني: سلام
стр. 1119
الله تعالى لهم. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وَيُلَقَّوْنَ فِيها بنصب الياء، وجزم اللام، والتخفيف. وقرأ الباقون وَيُلَقَّوْنَ بضم الياء ونصب اللام، وتشديد القاف، فمن قرأ بالتخفيف، يعني: يلقي بعضهم بعضاً بالسلام، ومن قرأ بالتشديد يعني: يجيء إليهم سلام الله تعالى، يعني: يلقى إليهم السلام من الله تعالى.
ثم قال : خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين في الجنة حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: موضع القرار، وموضع الخلود.
قوله : قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول: ما يفعل بكم ربي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: لولا عبادتكم. ويقال: ما يفعل بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى. ويقال:
مَا ينتظر بهلاككم، لولا عبادة من يعبدوني، لأنزلت عذابي- ويقال: لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني:
يقول، لولا إيمانكم «١» -.
ثم قال: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً يعني: عذاباً يلزمهم، فقتلوا ببدر، وعجلت أرواحهم إلى النار، فتلك عقوبتهم فيها. ويقال: لِزاماً يعني: موتاً. وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: «خمس قد مضين من ذلك: اللزام، والروم والقمر والدخان والبطشة» . - ويقال: ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام. ويقال مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ لولا عبادتكم غير الله. ويقال: ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من يعبدني، لأنزلت عذابي إلى غير ذلك، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد «٢» -.
стр. 1120
سورة الشعراء
كلّها مكية إلا آيات في آخرها وهي مائتان وسبع وعشرون آية
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦)
قول الله : طسم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: بإمالة الطاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتفخيم، وهما لغتان معروفتان عند العرب، ويجوز كلاهما.
وقرأ نافع بين ذلك، وقرأ حمزة بإظهار النون، والباقون بالإدغام لتقارب مخرجهما. ومن لم يدغم أراد التبيين، وكلاهما جائز. وأما التفسير، فروى معمر عن قتادة أنه قال: «اسم من أسماء القرآن.» «١» ويقال: والطاء طوْله، والسين سَنَاؤُهُ، والميم ملكه ومجده «٢» . ويقال: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد المصطفى ﷺ . وقال بعضهم: عجزت العلماء عن تفسيرها. ويقال: هو قسم أقسم الله تعالى به.
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: هذه آيات الكتاب. ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ التي كنت وعدت في التوراة أن أنزلها على محمد ﷺ الْكِتابِ الْمُبِينِ يعني: القرآن يبين لكم الحق من الباطل لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يعني: مهلك نفسك. ويقال: قاتل نفسك بالحزن أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ يعني: إذا لم يصدقوا بالقرآن، وذلك حين كذبه أهل مكة شقّ ذلك عليه وحزن بذلك، فقال له: ليس عليك سوى التبليغ، ولا تقتل نفسك إن لم يؤمنوا.
ثم قال : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً يعني: علامة فَظَلَّتْ يعني:
فصارت أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ يعني: وننزل عليهم آية تضطرهم إلى أن يؤمنوا، ولكنه لم يفعل، لأنه لو فعل ذلك لذهبت المحنة، فلم يستوجبوا الثواب إذا آمنوا بعد معاينة العذاب، كمن آمن يوم القيامة لا ينفعه إيمانه، لأنه قد ظهر له بالمعاينة. ويقال: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ يعني:
ساداتهم وكبراؤهم للآية خاضِعِينَ، والأعناق: الكبراء، فإن قيل: جمع الأعناق مؤنث.
стр. 1121
وقال: خاضعين، ولم يقل: خاضعات؟ قيل له: لأن الكلام انصرف إلى المعنى، فكأنه قال:
هم لها خاضعون.
قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ وقد ذكرناه إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ يعني: مكذبين معرضين عن الإيمان به فَقَدْ كَذَّبُوا يعني: كذبوا بالقرآن، كما قال في آية أُخرى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ [الأنعام: ٥] . ثمّ قال: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا يعني: أخبار مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يوم القيامة. ويقال: قد جاءهم بعض ذلك في الدنيا، وهو القتل والقهر والغلبة.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٧ الى ٩]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
قوله : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ يعني: أو لم ينظروا في عجائب الأرض، ويتفكروا فيها كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ يعني: من كل نوع من النبات. ويقال: من كل لون حسن. وقال القتبي: الكريم يقع على الأنواع، والكريم: الشريف الفاضل. قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠] وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩] وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [النساء: ٣١] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [النمل: ٢٩] أي: شريف فاضل، والكريم: الصفوح، وذلك من الشرف كما قال: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠] ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] أي الصفوح، والكريم: الكثير كما قال: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٤] أي: كثير، والكريم: الحسن وذلك من الشرف والفضل كما قال: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء: ٧] أي: حسن وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [الإسراء: ٢٣] أي: حسناً. وروي عن الشعبي أنه قال: كَمْ أَنْبَتْنا فِيها يعني: بني آدم، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
ثم قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: في اختلاف النبات وألوانه لَآيَةً يعني:
لعبرة لأهل مكة أنه إله واحد.
ثم قال: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بالتوحيد، ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذّبوا. وقال مقاتل: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وما كانوا مؤمنين بل كلهم كانوا كافرين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ يعني: المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسل الرَّحِيمُ حيث لم يعجل بعقوبتهم. ويقال: رحيم بالمؤمنين.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٠ الى ١٥]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)
стр. 1122
قوله : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى يعني: اتل عليهم إذ نادى ربك موسى كما قال:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ وقال مقاتل: إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى يعني: أمر ربك يا محمد موسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: اذهب إلى القوم المشركين قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قال مقاتل: يعني، قل لهم ألا تتقون عبادة غيره وتوحدونه. ويقال: أَلا يَتَّقُونَ يعني: ألا يعبدون الله تعالى قالَ رَبِّ يعني: قال موسى يا رب. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ بما أقول وَيَضِيقُ صَدْرِي إذا كذبوني في رسالتك وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي لمهابته. قرأ الحضرمي، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ كلاهما بنصب القاف، وجعله نصباً بأن، ومعناه: أخاف أن يكذبون، وأن يضيق صدري، وأن لا ينطلق لساني. وقراءة العامة: بالضم على معنى الاستئناف.
ثم قال: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ يعني: أرسله معي لكي يكون عوناً لي في أداء الرسالة. ثم قال: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني: قصاص بقتل القبطي فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وقال القتبي: على معنى عندي، أي: لهم عندي ذنب قالَ الله تعالى كَلَّا أي لا تخف. وقال الزجاج: كلا رَدْعٌ وتنبيه، أي: لا يقدرون على ذلك فَاذْهَبا بِآياتِنا خاطب به موسى خاصة بأن يذهب مع أخيه بآياتنا التسع إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ يعني: سامعين، وقد بيَّن ذلك في موضع آخر وهو قوله: أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٤٦] والاستماع سبب للسمع فيعبر به عنه.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٦ الى ٢٢]
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)
قوله : أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
يعني: موسى وحده، ويضاف الشيء إلى اثنين، والمراد به أحدهما. وقال القتبي: الرسول يكون بمعنى الجمع، كما يكون الضيف بمعنى الجمع. قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر: ٦٨] . وقال أبو عبيد: رسول بمعنى رسالة. ويقال رسول: يعني: به رسولين كقوله: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه: ٤٧] فقال: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: قل لفرعون ذلك، ولم يذكر إتيانه إلى فرعون، لأن في الكلام دليلاً عليه. وقد بيّن في موضع آخر حيث قال: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ [القصص: ٣٦] وقال مقاتل: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
وانقطع الكلام، ثم انطلق موسى، وكان هارون بمصر، فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل: فلم يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب
стр. 1123
فرعون أن هاهنا إنساناً يذكر أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه. وقال السدي: لما أتى باب فرعون ضرب موسى ﵇ عصاه على الباب، ففزع من ذلك فرعون، فأذن له في الدخول من ساعته، فلما دخل عليه عرفه، فأدى الرسالة، فقال له فرعون:
أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً. - قال الفقيه أبو الليث ﵀: أول ما بدأ فرعون بكلام السفلة، ومنَّ على نبي الله ﷺ أنما أطعمه «١» -. فقال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً. يعني: ألم تكن فينا صغيراً قد ربيناك وَلَبِثْتَ فِينا يعني: مكثت عندنا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ يعني: ثلاثين سنة وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ يعني: قتلت النفس التي قتلتها.
وقرأ في الشاذ: فَعْلَتَكَ بكسر الفاء هي قراءة الشعبي، وقراءة العامة بالنصب، والنصب يقع على فعل واحد، والكسر على المرات. يعني: قتلت مرة، وهممت بالقتل ثانياً ثم قال: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي: مِنَ الكافرين بنعمتي. ويقال: كفرت بي حيث قتلت النفس.
ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل. يعني: لم تقر بالقتل، فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل قالَ فَعَلْتُها إِذاً يعني: قتلت النفس وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ عن النبوة كقوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: ٧] ويقال: من الجاهلين ولم أتعمد القتل. قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق، ثم يكون لمعاني منها النسيان، لأن الناسي عادل عنه، فكما قال هاهنا فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: من الناسين وكما قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة:
٢٨٢] .
ثم قال : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ يعني: هربت منكم إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ على نفسي أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً قال الكلبي: يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إليكم.
ثم قال : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أو كان هذا نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل، فكأنه أنكر عليه. فقال: كيف تكون نعمتك التي تمن علي؟ فإنك قد عبدت بني إسرائيل، أي استعبدتهم، ولم تعبدني. ويقال: معناه تِلْكَ نِعْمَةٌ إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل، لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك، ولكن إنما صارت نعمة لأجلك، حيث عبدت بني إسرائيل. وقال مقاتل:
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تمنها على يا فرعون بإحسانك إلي خاصة، وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل.
وقال الكلبي يقول: تستعبد بني إسرائيل، وتمن علي بذلك.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٣ الى ٣٣]
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)
стр. 1124
قالَ فِرْعَوْنُ لموسى وَما رَبُّ الْعالَمِينَ منكراً له، وهذا جواب لقوله: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
فجاء بجواب قطع حجته قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بتوحيد الله تعالى. فعجز فرعون عن الجواب قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ إلى قول موسى ﵇ قَالُواْ له: فما تقول يا موسى؟ فجاء بحجة أُخرى ليؤكد عليهم قالَ رَبُّكُمْ يعني: أدعوكم إلى ربكم وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ يعني: إلى توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين. قالَ فرعون لجلسائه: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ موسى ﵇ ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يعني: إن كان لكم ذهن الإنسانية.
فلما عجز عن الجواب، مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي يعني: لئن عبدت رباً غيري. لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ يعني: لأحبسنك في السجن. قال ابن عباس: «وكان سجنه أشد من القتل» قالَ موسى أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يعني: ولو جئتك بحجة بينة يستبين لكم أمري قالَ فرعون فَأْتِ بِهِ يعني: فَأَرِنَاهُ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول فَأَلْقى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: حية صفراء من أعظم الحيات وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده فقال لهم: ما هذه؟ فقالوا: يدك، فأدخلها في جيبه وأخرجها فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب شعاع الشمس، وانتشر الضوء حوالي مصر للناظرين، لمن نظر إليها من غير برص، فعجبوا من ذلك.
[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٣٤ الى ٥١]
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)
فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨)
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
стр. 1125
قوله : قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يعني: قال فرعون لمن حوله من الرؤساء والأشراف، وأصله في اللغة: من ملأ. قال بعضهم: الملأ بما يراد بهم مائتان وخمسون، وقال بعضهم: ثلاثمائة وخمسون، وهم جماعة الملّي. ويقال: يملأ العين هيبة يعني: إذا نظر إليها الناظر.
ثم قال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: تشيرون قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: أحسبهما وأخّرهما ولا تقتلهما، ولا تؤمن بهما.
وأصله: من التأخير، يعني: أخر أمرهما حتى تنظر وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يحشرون عليك السحرة يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ يعني: حاذقاً فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم عيد لهم، وهو يوم الزينة. قال مقاتل: هم اثنان وسبعون ساحراً. ويقال: سبعون ألفاً.
وقال الزجاج: ذكر أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً وَقِيلَ لِلنَّاسِ يعني: أهل مصر هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ للسحرة للميعاد لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ على أمرهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ.
قوله : فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ يعني: إلى الميقات قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ يعني: أتجازينا إن غلبناه قالَ نَعَمْ أجازيكم وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم مع الجائزة المنزلة والكرامة عندي قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ يعني: اطرحوا فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ يعني: نغلب موسى فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ يعني: تلتقم وتبتلعُ ما يَأْفِكُونَ يعني: ما يطرحون من الحبال والعصي.
قوله : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي خروا سجداً لله تعالى قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال فرعون: إياي تعنون؟ قالوا: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ يعني: خالق موسى وهارون ﵉ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ماذا أصنع بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا يعني: السحرة لاَ ضَيْرَ أي: لا يضرنا ما فعلت بنا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ يعني: إلى خالقنا راجعون إِنَّا نَطْمَعُ يعني: نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا يعني:
شركنا وسحرنا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: أول المصدقين من قوم فرعون. وذكر عن الفراء أنه قال: كانوا أول مؤمني أهل دهرهم. وقال الزجاج: لا أحسبه عرف الرواية، لأن الذين كانوا مع موسى روي في التفسير أنهم ستمائة ألف وسبعين ألفاً، ولكن معناه: أول من آمن في هذه الساعة.