الماء، فشمّرت ثيابها كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
فنظر سليمان إلى ساقيها وكانت شعراء، فاستشار سليمان الإنس في ذلك، فأشاروا عليه بالموسى، فقال سليمان: الموسى تخدش ساقيها، فاستشار الجن فأشاروا عليه بالنورة، فأصل النورة من ذلك الوقت.
وروي أن سليمان ما نظر إلى ساق أحسن الساقين ولا خلاف بين الروايتين، لأنه يكون أحسن الساقين شعراوين. وروي عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت:
«أنا أحسن ساقين أم بلقيس؟ فقال لها النبي ﵇: «كانت هي أحسن ساقين منك في الدّنيا، وأنت أحسن ساقين منها في الآخرة» فلما كشفت عن ساقيها قال لها سليمان: لا تكشفي عن ساقيك الَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
يقول قصر مملس، ولهذا سمّي أمرد الذي لم ينبت له الشعر ويقال: ممرد يعني، قوي شديد، كما يقال شيطان مريدنْ قَوارِيرَ
يعني: من الزجاج، فلما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله تعالى، وأنه نبي حقا. ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام فأجابت، فذلك قوله تعالى الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بعبادتي للشمس أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ
وأخلصت ديني لله تعالى مع سليمان بالتوحيد ويقال: عَ سُلَيْمانَ
يعني: أسلمت على يدي سليمان لله بِّ الْعالَمِينَ
وتابت إلى الله تعالى من شركها قال مقاتل: فاتخذها سليمان لنفسه، فولدت له داود بن سليمان قال النبيّ ﷺ : «هي أحسن ساقين من نساء العالمين وهي من أزواج سليمان في الجنّة» .
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)
قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: أمرهم بأن يعبدوا الله ويطيعوه ويوحدوه فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ مؤمنون وكافرون، فإذا قوم صالح مؤمن وكافر يختصمون، يقول كل فريق: الحق معي، وقد ذكرنا خصومتهم في سورة الأعراف وهي قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [الأعراف: ٧٥] الآية وطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح العذاب، قالَ لهم صالح ﵇ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ، يعني: بالعذاب قَبْلَ الْحَسَنَةِ، يعني: العافية. ويقال: التوبة، وهو قولهم: يا صالح إن كان ما أتيت به حقاً، فأتنا بما تعدنا من العذاب.
стр. 1157
ثم قال: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ يعني: هلّا تسألون الله المغفرة، ويقال هلا تؤمنون وتوحّدون الله تعالى وترجعون من الشرك لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، يعني: لكي ترحموا، فلا تعذبوا.
قوله : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وأصله: تطيرنا بك يعني: تشاءمنا بك. وَبِمَنْ مَعَكَ، وذلك أنه قد أصابهم القحط بتكذيبهم إياه. فقالوا: هذا الذي أصابنا بشؤمك وشؤم أصحابك قالَ: لهم صالح طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: ما أصابكم فمن الله. ويقال: هذا الذي يصيبكم هو مكتوب عند الله، ويقال: خيركم وشركم ورخاؤكم وشدتكم من عند الله عليكم بفعلكم. ويقال: عقوبتكم عند الله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ، أي: تبتلون بذنوبكم ويقال:
تختبرون بالخير والشر، وأصل الفتنة: هي الاختبار. ويقال: فتنت الذهب بالنار، لتنظر إلى جودته.
قوله : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ، يعني: في قرية صالح ﵇، وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ، كانوا أغنياء قوم صالح يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ، يعني: يعملون بالمعاصي في أرض قريتهم، وَلا يُصْلِحُونَ أي لا يطيعون الله تعالى فيها، ولا يتوبون من المعصية، ولا يأمرون بها. فسأل قوم صالح منه ناقة، فصارت الناقة بلية لهم، فكانت تأتي مراعيهم فتأكل جميع ما فيها، فتنفر منها دوابهم، وتشرب ماء بئرهم العذب الذي يشربون منه، فجعلوا نيابة للشرب فتشرب ذلك اليوم الماء كله، وتسقيهم اللبن حتى يرووا. فجاء هؤلاء التسعة وفيهم قذار بن سالف عاقر الناقة، وكان ابن زانية أحمر أزرق، ومصدع بن دهر وكانا قد قعدا لها، فلما مرت بهما رماها مصدع بسهم ثم قال: يا قذار اضرب، فضرب عرقوبها فعقروها، ثم سلخوها، واقتسموا لحمها، فأوعدهم الله الهلاك، وبيّن لهم العلامة بتغيير ألوانهم، فاجتمع التسعة وقالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، يعني: تحالفوا بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ، قرأ حمزة والكسائي بالتاءين وضم التاء الثاني وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ، بالتاء وقرأ الباقون بالنون، ونصب التاء، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ بالنون ونصب اللام. فمن قرأ بالنون جعل تَقاسَمُوا خبراً، فكأنهم قالوا: متقاسمين فيما بينهم، لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي: لنقتلنه وعياله. ويقال: وَأَهْلَهُ يعني: ومن آمن معه، ومن قرأ بالتاء، فمعناه: جعل تَقاسَمُوا أمراً، فكان أمر بعضهم بعضاً. وقال بعضهم لبعض: تحالفوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ، يعني: لولي صالح إن سألونا فنقول مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ يعني: لهلاك أهله وقومه. ويقال: ما حضرنا عند هلاك أهله، وَإِنَّا لَصادِقُونَ يعني: إنا لصادقون بما نقول لكم. ويقال: معناه إنا لصادقون عندهم، فيصدقوننا إذا خرجنا من بيوتنا. ويقال: إِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)
стр. 1158
قال الله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً يعني: أرادوا قتل صالح ﵇ وَمَكَرْنا مَكْراً، يعني: جثم عليهم الجبل فماتوا كلهم. ويقال: رجمتهم الملائكة ﵈ بالحجارة فماتوا، فذلك قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً أي: أرادوا قتل صالح، وَمَكَرْنا مَكْراً يعني:
أراد الله قتلهم جزاء لأعمالهم، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، بأن الملائكة يحرسون صالحاً في داره. قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ بنصب الميم واللام، وفي رواية حفص بنصب الميم وكسر اللام. وقرأ الباقون: بضم الميم، ونصب اللام.
ثم قال: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ يعني: جزاء مكرهم أَنَّا دَمَّرْناهُمْ قرأ عاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بالنصب، وقرأ الباقون بكسر الألف. فمن قرأ بالنصب، فمعناه: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، لأنا دمرناهم، ويجوز أن يكون خبر كان. ومن قرأ: بالكسر لأنه لما قال، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ. يعني: إيش كان عاقبة مكرهم.
ثم فسر فقال: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ على وجه الاستئناف، وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، يعني:
أهلكناهم بصيحة جبريل ﵇. ويقال: خرجت النار من تحت أرجلهم فأحرقتهم.
ويقال: إنهم خرجوا ليلاً لإهلاك صالح، فدمغتهم الملائكة بأحجار من حيث لا يرونهم، فقتلوهم وقومهم أجمعين.
قوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً يعني: خالية من الناس. ويقال: بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً. يعني: مساكنهم خربة ساقطة، بِما ظَلَمُوا أي: أشركوا. ويقال: بكفرهم بالله تعالى صارت خاوية نصباً على الحال. يعني: فانظر إلى بيوتهم خاوية، وقرئ في الشاذ خاوِيَةً بالضم على معنى النعت للبيوت.
ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في هلاكهم وفيما صنع بهم لَآيَةً يعني: لعبرة لمن بعدهم لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، يعني: يعقلون ويصدقون، وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أقرّوا بالتوحيد وصدّقوا صالحاً برسالته، وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٩]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)
قوله : وَلُوطاً يعني: وأرسلنا لوطاً، عطفاً على قوله، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى
стр. 1159
ثَمُودَ
ويقال معناه: واذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يعني: حين قال لقومه: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ- يعني: أتعملون المعصية وهي اللواطة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ يعني: تعلمون أنها فاحشة ومعصية هو وأعظم لذنوبكم «١» -.
قوله : أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً يعني: تجامعون الرجال شهوة منكم مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي جاهلون فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وإنما نصب الجواب، لأنه خبر كان واسمه إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يعني:
يتنزهون ويقذروننا بهذا الفعل، وإنا لا نحب أن يكون بين أظهرنا من ينهانا عن أعمالنا.
قال الله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يعني: ابنتيه ريثا وزعورا إِلَّا امْرَأَتَهُ لم ننجها من العذاب قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ أي: تركناها من الباقين في العذاب. ويقال: قضينا عليها أنها من الباقين في العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً- يعني: على شذاذهم، أي الخارجين، المنفردين منهم، ومن كان منهم في الأسفار «٢» - مَطَراً يعني: الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ يعني: بئس مطر من أنذرتهم الرسل، فلم يؤمنوا.
ثم قال : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال بعضهم: معناه قال الله تعالى للنبي ﷺ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وقال بعضهم: معناه الحمد لله على هلاك كفار الأمم الماضية. يعني: ما ذكر في هذه السورة من هلاك فرعون وقومه وثمود وقوم لوط. ويقال: قال: الحمد لله الذي علمك، وبيّن لك هذا الأمر. ويقال: إن هذا كان للوط حين أنجاه، أمره بأن يحمد الله تعالى.
ثم قال: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ يعني: المرسلين الَّذِينَ اصْطَفى يعني: اختارهم الله تعالى للرسالة والنبوة. وروي عن مجاهد أنه قال: «هم أمة محمد ﷺ ،» وكذلك قال مقاتل.
وقال سفيان الثوري: «هم أصحاب محمد ﷺ » ثم قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: الله تعالى أفضل أم الآلهة التي تعبدونها، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير يعني: الله تعالى خير لهم مما يشركون، فكان النبيّ ﷺ إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم» ويقال: معناه أعبادة الله خير أم عبادة ما يُشْرِكُونَ به من الأوثان؟ وقال القتبي: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. يعني: أم من تشركون؟ فتكون ما مكان من كما قال: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس:
٥] يعني: ومن بناها وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل: ٣] يعني: ومن خلق.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٠ الى ٦٤]
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَآءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)
стр. 1160
ثم قال : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَنْبَتْنا بِهِ يعني: بالمطر حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ يعني: البساتين، واحدها حديقة، وإنما سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان. وقال بعضهم: إذا كانت ذا شجر يقال لها: حديقة سواء كان لها حائط أو لا. ذاتَ بَهْجَةٍ، يعني:
ذات حسن مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يعني: ما كان لمعبودكم قوة. ويقال: ما كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها. ويقال: ما قدرتم عليه، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: أَمَّا يُشْرِكُونَ بالياء على معنى الخبر. وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد. ثم قال: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإنكار والزجر بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون الأصنام.
ثم قال : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً يعني: مستقراً لا تميد بأهلها. ويقال:
قَراراً أي لا تتحرك وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وجَعَلَ يعني: خلقا لها. يعني: فجر بنواحي الأرض أنهاراً. ويقال: شقّ بينهما أنهاراً وَجَعَلَ لَها أي خلق للأرض رَواسِيَ أي: الجبال الثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً يعني: العذب والمالح حاجزاً يعني: ستراً مانعا من قدرته لا يختلطان بعضهما في بعض أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله .
ثم قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ يعني: أمن يستجيب في البلاء للمضْطَّر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ يعني: ومن يكشف الضر وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض بعد هلاك أهلها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين يذكرون بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال وقرأ الباقون: بالتشديد. وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية قالون: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بالهمز والمد، وقرأ الباقون: بغير مد بهمزتين.
ثم قال : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من يرشدكم في أهوال البر والبحر. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى
стр. 1161
اللَّهِ أي: تعظم الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: خلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم يعيدهم في الآخرة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ يعني: المطر وَالْأَرْضِ يعني:
النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم وعذركم، بأنه صنع شيئاً من هذا غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٥ الى ٦٨]
قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
قُلْ يا محمد لكفار مكة لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ يعني: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ الله، رفع على معنى البدل، فكأنه يقول: لا يعلم أحد الغيب إلا الله أي لا يعلم ذلك إلا الله، ثم قال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني: متى يبعثون يعني: أوان يبعثون.
قوله : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل ادّرك. قرأ الباقون ادَّارَكَ بالألف. فمن قرأ أدرك، فمعناه: أدرك علمهم علم الآخرة.
وروي عن السدي قال: اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا، ولم يختلفوا ويقال: معناه علموا في الآخرة أن الذين كانوا يوعدون حق، ولا ينفعهم ذلك. ومن قرأ ادراك علمهم فأصله تدارك، فأدغم التاء في الدال، وشددت وأدخلت ألف الوصل، ليسلم السكون للدال، ومعناه: تتابع علمهم، أي حكمهم على الآخرة، واستعمالهم الظنون في علم الآخرة، فهم يقولون تارة: إنها تكون، وتارة لا تكون الساعة. ويقال: معناه تدارك، أي تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي: من قيام الساعة في الدنيا بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ يعني: يتعامون عن قيامها. ويقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي من علمها جاهلون.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ، بَلِ ادراك علمهم وهذه القراءة أشد إيضاحاً للمعنى الذي ذكرناه.
ثم حكى قول الكفار فقال : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ يعني: أحياء من القبور لَقَدْ وُعِدْنا هذا يعني: هذا الذي يقول محمد ﵇: نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا الذي يقول إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم، مثل حديث رستم واسفنديار. ويقال: إن هذا إلاَّ مثل رسل الأولين فيما كذبوا.
стр. 1162
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٩ الى ٧٩]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ (٧٣)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)
قوله : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا يعني: فاعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ يعني: آخر أمر المشركين وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا بك، ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على تكذيبهم وإعراضهم عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ يعني: لا يضيق صدرك مِمَّا يَمْكُرُونَ يعني: بما يقولون من التكذيب. ويقال: ولا يضيق قلبك بمكرهم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يعني: البعث بعد الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن العذاب نازل بالمكذب.
ويقال: وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. بقولهم: فهذا دأبنا ودأبك أيام الموسم، وهم الخراصون، فكانوا يأمرون أهل الموسم بأن لا يسمعوا كلامه.
ثم قال : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يعني: قرب وحضر لكم. قال القتبي:
أي تبعكم، واللام زائدة، فكأنه قال: ردفكم قال: وقيل في التفسير: دنا منكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب، وهو عذاب القبر. ويقال: القحط. ويقال: يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حين لم يأخذهم بالعذاب عند معصيتهم وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ بتأخير العذاب عنهم حتى يتوبوا وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ يعني: ما تسر قلوبهم من عداوة النبيّ ﷺ وَما يُعْلِنُونَ بألسنتهم من الكفر والشرك.
قوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ يعني: من أمر العذاب. ويقال: ما من شيء غائب عن العباد فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني: مكتوب في اللوح المحفوظ. ويقال:
أي جملة غائبة عن الخلق إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مقاتل: يعني: أن هذا القرآن يبين للناس أهل الكتاب أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يعني:
اختلافهم. وقال ابن عباس: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم، فصاروا أهواءً وأحزاباً يطعن بعضهم في بعض، ويبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن بتبيان ما اختلفوا فيه.
ثم قال : وَإِنَّهُ يعني: القرآن لَهُدىً يعني: لبياناً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يعني: بين المختلفين في الدين بِحُكْمِهِ يعني:
стр. 1163
بقضائه يوم القيامة وَهُوَ الْعَزِيزُ يعني: المنيع بالنقمة. الْعَلِيمُ بأحوال خلقه ويقال:
الْعَزِيزُ يعني: القوي فلا يرد له أمر، الْعَلِيمُ بأحوالهم فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني: ثق بالله.
ويقال: فوّض أمرك إلى الله إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ يعني: الدين المبين، وهو الإسلام.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
ثم قال : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى فهذا مثل ضربه للكفار، فكما أنك لا تسمع الموتى، فكذلك لا تفقّه كفار مكة وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ قرأ ابن كثير وَلا يَسْمَعُ بالياء والنصب وضمّ العين، والصُّمَّ بضم الميم، وقرأ الباقون بالتاء وضم التاء وكسر الميم، والصَّم بالنصب. فمن قرأ بالياء فلا يسمع، فالفعل للصم. ومن قرأ بالتاء، فالخطاب للنبي ﷺ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ يعني: أعرضوا عن الحق مكذبين.
قوله : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قرأ حمزة تَهْدِى العمى بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف، فمن قرأ تهدي العمي، فمعناه: ما أنت يا محمد بالذي تهدي الذين عميت بصائرهم عن آياتنا، ولكن عليك الدعاء، ويهدي الله من يشاء، ومن قرأ بِهادِي فإن الباء دخلت لتأكيد النفي، كقولك ما أنت بعالم، فالباء لتأكيد النفي، وخفض العمي للإضافة.
ثم قال: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني: لا تسمع الهدى إلا من صدق بالقرآن أنه من الله تعالى. ويقال: بِآياتِنا يعني: أدلتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصين مقرّين بها.
ويقال: مسلمون في علم الله تعالى.
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٢]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)
قوله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يعني: إذا وجب عليهم العذاب والسخط وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانه، ولم يبق إلا من يموت كافراً في علم الله تعالى أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وخروجها من أول أشراط الساعة تُكَلِّمُهُمْ أي تحدّثهم يعني: الدابة التي تكلم الناس بما يسوؤهم. أَنَّ النَّاسَ قرأ عاصم وحمزة والكسائي أَنَّ بالنصب، وقرأ الباقون بالكسر. فمن قرأ بالنصب، يكون حكاية قول الدابة، ومعناه: تكلمهم بأن الناس كانُوا بِآياتِنا لاَ يُوقِنُونَ أي: لا يؤمنون بآيات ربهم، وهي خروج الدابة. ومن قرأ بالكسر يكون بمعنى الابتداء، ويتم الكلام عند قوله: تُكَلِّمُهُمْ ثم يقول الله تعالى: أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ يعني: لا يؤمنون. قال أبو عبيد حدّثنا هشام عن المغيرة أن أبا زرعة بن عمر وابن
стр. 1164
عباس، قرءاها تُكَلِّمُهُمْ بنصب التاء، وكسر اللام، وبسكون الكاف، والتخفيف يعني:
تسمهم، فيتبين الكافر من المسلم.
قال الفقيه أبو الليث ﵀: حدثني الثقة عن أبي بكر الواسطي، عن إبراهيم بن يوسف، عن محمد بن الفضل الضبي، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن ابن عمر ﵃ قال: «ألا أريكم المكان الذي قال فيه النبي ﷺ تخرج الدابة منه، فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا وقال: إنها ذات زغب وريش، وإنها لتخرج ثلثها أول ما تخرج، كحضر الفرس الجواد ثلاثة أيام ولياليهن، وإنها لتدخل عليهم، وإنهم ليفرون منها إلى المساجد، فتقول:
أترون أن المساجد تنجيكم مني؟
وروى مقاتل قال: تخرج الدابة من الصفا، ولا يخرج إلا رأسها وعنقها، فتبلغ رأسها السحاب، فيراه أهل المشرق والمغرب، ثم تعود إلى مكانها، ثم تزلزل الأرض في ذلك اليوم في ست ساعات، فيمسون خائفين، فإذا أصبحوا جاءهم الصريخ بأن الدجال قد خرج.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: «تخرج الدابة ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵉» فتجلو وجه المؤمن بعصا موسى، وتختم وجه الكافر بخاتم سليمان ﵉ ثم تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فترى أهل البيت مجتمعين على خوانهم يقول لهذا: يا كافر، ولهذا: يا مؤمن.
وروى ابن جريج عن أبي الزبير قال: «رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذناها أذنا فيل، وقرناها قرنا أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين منها اثني عشر ذراعاً بذراع آدم ﵇، تخرج ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتنكت على وجه المؤمن حتى يبيض، وتختم الكافر بخاتم سليمان حتى يسود، فيعرف المؤمن من الكافر» .
وعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: «تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو في وجهه حتى يسودّ وجهه وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتغشو في وجهه حتى يبيض، ويتبايعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر» .
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُ يعني: نوجب عليهم العذاب في يوم نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
стр. 1165
فَوْجاً
. يعني: من كل أهل دين جماعة. ويقال: يَوْمَ نَحْشُرُ يعني: نجمع من كل أمة فوجا يعني: جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني: يحبس أولهم لآخرهم ليجتمعوا حَتَّى إِذا جاؤُ يعني: اجتمعوا للحشر قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي يعني: قال الله تعالى لهم: أكذبتم بمحمد ﷺ والقرآن؟ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير. يعني: قد كذبتم بآياتنا وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً اللفظ لفظ النفي، والمراد به المناقشة في الحساب، يعني: كذبتم كأنكم لم تعلموا. ويقال: لم تعرفوها حق معرفتها.
ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اللفظ لفظ السؤال، والمراد به التوبيخ، ومعناه: ماذا كنتم تعملون، أن تؤمنوا بالكتاب والرسل، يعني: أي عمل منعكم من ذلك.
ثم قال : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يعني: نزل عليهم العذاب، ووجب عليهم بِما ظَلَمُوا يعني: بما أشركوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ يعني: لا يمكنهم أن يتكلموا من الهيبة لما ظهر لهم من المعاينة، ولما تحيروا في ذلك.
ثم وعظ كفار مكة فقال: أَلَمْ يَرَوْا يعني: ألم يعتبروا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً يعني: مضيئاً، وأضاف الفعل إلى النهار، لأن الكلام يخرج مخرج الفاعل إذا كان هو سبباً للفعل. كما قال: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: فيما ذكر من الليل والنهار، لعبرات لقوم يصدقون بتوحيد الله تعالى.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٧ الى ٩٣]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
وقال : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل ﵇ فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع. ويقال: ماتوا.
وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت. وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: ٦٨] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي
стр. 1166
أحياء عند ربهم. وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة. وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.
روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص. وقرأ الباقون بالمد والضم. ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين. ويقال: متواضعين. ومن قرأ بغير مد يعني:
يأتون الله .
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة. قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.
ثم قال : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء. ويقال:
الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.
قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة. ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها. أي: خير من الحسنة. يعني: أكثر منها للواحد عشرة. ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.
ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم. قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال:
فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع. وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
ثم قال : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني:
قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.
стр. 1167
قال : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة. يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم ﵇ وحرم فيها القتل والصيد. قال بعضهم: كان حراماً أبداً. قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» . ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.
ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد ﷺ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته. يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل. ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني:
سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم. قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم «١» -.
стр. 1168
سورة القصص
كلها مكية إلا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ نزلت بين مكة والمدينة. وهي ثمانون وثمان آيات
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي: القرآن وهو مبين للأحكام، وقد ذكرناه. - قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى: طا قال: هو طاهر كمّا يحلوه، والسين: سامع لما وصفوه والميم: ماجد حين سألوه وألما: جدّ كثير العطاء. يقال: أمجدني فلان، إذا كثر إعطاؤه. ويقال: طا أقسم الله بطالوت، وسين أقسم الله بسليمان وميم أقسم الله بمحمد ﷺ «١» - نَتْلُوا عَلَيْكَ. يعني: ننزل عليك جبريل ﵇، يقرأ عليك مِنْ نَبَإِ مُوسى يعني: من خبر موسى ﵇ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ يعني: بالصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون محمدا ﷺ بهذه الآية، وإنما أنزل القرآن لجميع الناس، ولكن المؤمنين به يصدقون، فكأنه لهم- وذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ كان المشركون يؤذونهم، فيشكون إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه السورة في شأنهم لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل من فرعون وقومه، ليصبروا كصبرهم وينجيهم، ربهم كما أنجى بني إسرائيل من فرعون وقومه. وهذا كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ «٢» .
ثم أخبر عن فرعون فقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ يعني: اسْتَكْبَرَ وتعظم عن الإيمان، وخالف أمر موسى في أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يعني: أهل مصر فرقاً يَسْتَضْعِفُ يعني: يستقهر طائِفَةً مِنْهُمْ يعني: من أهل مصر، وهم بنو إسرائيل، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت الشمس، ولم
стр. 1169
يأت بالضريبة غلّت عليه يده اليمنى إلى عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهراً.
ثم قال: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ أي يعني: أبناء بني إسرائيل صغاراً. وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعني: يستخدم نساءهم، وأصله من الاستحياء. يعني: يتركهن أحياء.
وروى أسباط عن السدي قال: بلغنا أن فرعون رأى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّ ناراً أقبلت من أرض الشام، فاشتملت على بيوت مصر، وكانت الشام أرض بني إسرائيل أول ما كانوا، فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: يولد في بني إسرائيل مولود، يكون على يديه هلاك أهل مصر، فأمر فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح، وعمد إلى ما كان من بني إسرائيل خارج المصر فأدخله المدينة، واستعبدهم، ورفع العمل عن رقاب أهل مصر، ووضعه على بني إسرائيل ثم قال: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يعني: فرعون كان يعمل بالمعاصي.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥ الى ٦]
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَّا كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
قوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أردنا أن نمن بالنجاة عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وهم بنو إسرائيل نَمُنَّ يعني: ننعم عليهم وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً يعني: قادة في الخير وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يعني: أرض مصر، وملك فرعون، وقومه بعد هلاك فرعون. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ يعني: نملكهم ويقال: ننزلهم في الأرض فِي الْأَرْضِ يعني: في أرض مصر وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ قرأ حمزة والكسائي وَيَرَى بالياء والنصب، وفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما بالضمّ، كل ذلك، وقرأ والباقون وَنُرِيَ بالنون والضم وفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كلها بالنصب، ونصب نُرِيَ، لأنه معطوف على قوله: أَنْ نَمُنَّ، فكأنه قال: أن نمن، وأن نري. ونصب فرعون لوقوع الفعل عليه.
ومن قرأ بالياء رفعه، لأن الفعل منه ثم قال: وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَّا كانُوا يَحْذَرُونَ يعني:
يرون ما كانوا يخافون من ذهاب الملك.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧ الى ٨]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)
وقوله : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى يعني: أَلْهمنا أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وذلك:
أن أم موسى حبلت، فلم يظهر بها أثر الحبل حتى ولدت موسى وأرضعته ثلاثة أشهر أو أكثر، فألهمها الله تعالى بقوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ يعني: صياحه فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ يعني: في البحر.
стр. 1170
قال مقاتل: وهو النيل، فعلمها جبريل ﵇. ويقال: رأت في المنام بأنها تؤمر أن تلقيه في البحر. ويقال: كان هذا إلهاماً. ويقال: كانت دلالة لها حيث علمت بالرؤيا أو بشيء خيل لها أن تفعل ما فعلت، كما أن إبراهيم ﵇ رأى في المنام ذبح إسحاق أو إسماعيل ﵉ وذكر أنها كانت تخبز يوماً، وكان موسى ﵇ على رأس التنور، فدخل قوم فرعون يطلبون الولد، فوضعته في التنور، فدخلوا فلم يجدوا موسى ﵇ فجاءت إلى التنور، فوجدته يلعب بأصابعه في الأرض، فاستيقنت أن الله تعالى يحفظه، فجعلته في التابوت، وألقته في النيل.
ثم قال: وَلا تَخافِي الغرق وَلا تَحْزَنِي أن لا يرد إليك إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: رسولاً إلى فرعون وقومه. فلما ألقته في النيل جاء به الماء، وكان يمرّ النيل في دار فرعون، فوجدته جواري فرعون بين الماء والشجر، فمن ثم سمي موسى بلفظ القبط موشى، فالمو: الماء، وشا: الشجر. فذلك قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً يعني: إن أخذهم إياه كان سبباً لحزنهم، فكأنهم أخذوه لذلك، وإن كان أخذهم لم يكن لذلك. قرأ حمزة والكسائي وَحَزَناً بضم الحاء، وسكون الزاي. وقرأ الباقون بنصب الحاء والزاي، وهما لغتان: ومعناهما واحد. ثم قال: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ يعني: مشركين، ويقال: عاصين آثمين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٩ الى ١١]
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)
قوله : وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ واسمها آسية لفرعون: هذا الغلام قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنه آتانا به الماء من مصر آخر، ومن أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل ويقال: إنها قالت: إن هذا كبير ومولود قبل هذه المدة التي أخبر لك عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فإنه لم يكن له ولد ذكر. قال فرعون: فهو قرة عين لك، فأما أنا فلا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «لو قال فرعون أيضاً: هو قرة عين لي لنفعه الله تعالى به، ولكنه أبى» . ويقال: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي، وقد تمّ الكلام. ثم قالت: وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ.
قال: وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقف على قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ثم قال: لا تَقْتُلُوهُ، أي لاَ تَقْتُلُوهُ فلا الثاني إضمار في الكلام، والتفسير الأول أصح. ثم قال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه.
ثم قال : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً يعني: خالياً من كل ذكر وشغل إلا ذكر موسى ﵇ وهمّه. ويقال: صار قلبها فارغاً حين بعثت أخته لتنظر، فأخبرتها بأنه قد أخذ
стр. 1171
في دار فرعون، فسكنت حيث لم يغرق. ويقال: صار قلبها فارغاً، لأنها علمت أنه لا يقتل.
وروي عن فضالة بن عبيد أنه قرأ: وَأَصْبَحَ فؤاد أم موسى فزعا يعني: خائفاً. وقراءة العامة فارِغاً، وتفسيره ما ذكرناه. وقد قيل أيضاً: فارغاً من شغل نفقته.
ثم قال: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ يعني: قد كادت لتظهر به. قال مقاتل: وذلك أنها لما ألقت التابوت في النيل، فرأت التابوت يرفعه الموج مرة، ويضعه أخرى، فخشيت عليه الغرق، فعند ذلك فزعت عليه، وكادت أن تصيح ويقال: إنه لما كبر كان الناس يقولون: هو ابن فرعون، فشق ذلك عليها، وكادت أن تظهر أن هذا ولدي، وليس بولد فرعون. ويقال إنها: لما دخل الليل، دخل الغم في قلبها حيث لم تدر أين صار ولدها، فأرادت أن تظهر ذلك لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها أي: ثبتنا قلبها. ويقال: قوينا قلبها، وألهمناها الصبر لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين بوعد الله تعالى حيث وعد لها بإنا رادوه إليك، فلم تجزع، ولم تظهر.
قوله : وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ يعني: قالت أم موسى لأخت موسى، وكان اسم أخته: مريم قُصِّيهِ يعني: اتبعي أثره. ويقال: يعني: امشي بجنبه في الحد، وهو في الماء حتى تعرف من يأخذه فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ يعني: أبصرته عن بعد كما قال وَالْجارِ الْجُنُبِ [النساء: ٣٦] يعني: البعيد منهم من قوم آخرين. ويقال: عَنْ جُنُبٍ يعني: في جانب وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أنها أخت موسى. ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: وهم لا يعرفون أنها ترقبه.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
قوله : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل مجيء أمه. ويقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن أم موسى ﵉ قالت لأخته قُصِّيهِ أي:
اطلبي أثره بعد ما أخذه آل فرعون، ولم يقبل رضاع أحد، وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ من قبل مجيء أخته. ويقال: حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ. يعني: منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضع من قبل أن نرده على أمه فَقالَتْ أخته حين تعذر عليهم إرضاعه هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ يعني: يضمنون لكم رضاعه. ويقال: يضمنونه وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ يعني: مشفقون للولد. ويقال مخلصون شفقته. فقال هامان: خذوها حتى تخبرنا بقصة هذا الغلام، فأخذت، فألهمها الله تعالى عند ذلك حتى قالت: إنما ذكرت النصيحة لفرعون أعني:
стр. 1172
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لفرعون لا لغيره. فقال هامان: دعوها فقد صدقت، فأرسل إليها، فلما جاءت أمه وضعت الثدي في فمه، فأخذ ثديها وسكن، فذلك قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: كائن صدق وهو قوله إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ثمّ قال:
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن وَعْدَ الله حَقٌّ. يعني: أهل مصر.
قوله : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ. قال مجاهد يعني: بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة.
وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة. قال: وفي رواية الكلبي الأشُدُّ ما بين ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة. ويقال: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني: منتهى قوته، وهو ما فوق الثلاثين، وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يعني: علماً وعقلاً. ويقال: النبوة وعلم التوراة.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: «الأشد ثلاثا وثلاثون سنة، وأما الاستواء فأربعون سنة، والعمر الذي أعذر الله تعالى ابن آدم فيه إلى ستين سنة» . يعني قوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: ٣٧] ثم قال: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: المؤمنين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)
قوله : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قال مقاتل: يعني: قرية على رأس فرسخين. وقال غيره: يعني: المصر عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها يعني: نصف النهار وقت القيلولة. ويقال: ما بين المغرب والعشاء فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ يعني: من بني إسرائيل وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ يعني: من القبط.
وقال القتبي: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي: من أصحابه، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي: من أعدائه، والعدو يدل على الواحد والجمع، وذكر أن خباز فرعون أخذ رجلاً من بني إسرائيل سخرة، فأمره بأن يحمل الحطب إلى دار فرعون فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ يعني: هذا الذي من شيعة موسى استغاث بموسى عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى يعني: ضربه بكفه ضربة في صدره. وقال القتبي: فَوَكَزَهُ يعني: لكزه ويقال: لكزته ووكزته إذا دفعته فَقَضى عَلَيْهِ يعني: مات الخباز بضربته، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه. فمعنى قوله:
فَقَضى عَلَيْهِ، أي: قتله ولم يتعمد قتله، وكان موسى شديد البطش، ثم ندم على قتله فقال:
إني لم أؤمر بالقتل، وإن كان كافراً قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني: هو الذي حملني على هذا الفعل إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ يعني: يضل الخلق مُبِينٌ يعني: ظاهر العداوة.
стр. 1173
ثم استغفر إلى الله تعالى فقال : قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ يعني: غفر الله ذنبه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ للذنوب لمن تاب الرَّحِيمُ بخلقه.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٧ الى ٢٢]
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)
ثمّ قال: قالَ موسى رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يعني: بالمغفرة كقوله فَبِما أَغْوَيْتَنِي [الحجر: ٣٩] يعني: أما إذا أغويتني. ثم قال: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ يعني: أعوذ بالله أَن أكون معيناً للكافرين، لأن الإسرائيلي كان كافراً، ولم يستثن على كلامه، فابتلاه الله في اليوم الثاني بمثل ذلك، وكانوا لا يعرفون من قتل خباز الملك، وكانوا يطلبون قاتله فَأَصْبَحَ موسى فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً أن يؤخذ فيقتل يَتَرَقَّبُ يعني: ينتظر الطلب. ويقال:
يتنظر الأخبار فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يعني: رأى الإسرائيلي كان يقاتل مع رجل آخر من القبط يستصرخه يعني: يستغيثه كقوله: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] يعني:
بمغيثكم قالَ لَهُ مُوسى يعني: للإسرائيلي إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ يعني: ضال بيّن ويقال: جاهل بين ويقال: ظاهر الغواية، وقد قتلت لك الأمس رجلاً، وتدعوني إلى آخر؟ ثم أقبل إليه، فظن الذي من شيعته أنه يريده، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما يعني: يريد أن يضرب القبطي فظن الإسرائيلي أنه يريده بعدها عاينه. قرأ أبو جعفر المدني يَبْطِشَ بضم الطاء، وقراءة العامة: بالكسر، ومعناهما واحد. فظن الإسرائيلي أن موسى يريد ضربه ف قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ وقال بعضهم: كان ذلك إبليس تشبه بالرجل الإسرائيلي، ليظهر أمر موسى. وقال بعضهم: كان ذلك الرجل بعينه. فقال ذلك الرجل من الخوف إِنْ تُرِيدُ يعني: ما تريد إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ يعني: قتالاً، تقتل ظلما.
قال الكلبي: من قتل رجلين فهو جبار. ويقال: إن من سيرة الجبابرة القتل بغير حق وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ يعني: المطيعين لله تعالى. فلما قال الإسرائيلي هذا، علم القبطي أن موسى هو قاتل القبطي فرجع القبطي، فأخبرهم أن موسى هو القاتل، فائتمروا بينهم بقتل موسى. قال: فأذن فرعون بقتله فجاءه خزبيل وهو مؤمن من آل فرعون، وأخبر موسى بذلك،
стр. 1174
وهو قوله: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى يعني: من وسط المدينة يمشي على رجليه، ويقال: يسرع ويشتد في مشيته ف قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يعني: الأشراف من أهل مصر يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ قال أبو عبيد: يعني: يتشاورون في أمرك. وقال القتبي: يعني: يهمون بك ليقتلوك فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.
قوله : فَخَرَجَ مِنْها يعني: من مصر خائِفاً يَتَرَقَّبُ يعني: ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.
قوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني: قصد بوجهه نحو مدين، وذلك أن موسى ﵇ حين خرج وتوجه نحو مدين، وكان بينه وبين مدين ثمانية أيام، كما بين الكوفة والبصرة. ويقال: تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني: سلك الطريق الذي تلقاء مدين ويقال: لما قال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ استجاب الله تعالى دعاءه، فجاءه جبريل ﵇ وأمره بأن يسير تلقاء مدين، فسار إلى مدين في عشرة أيام وهو قوله: قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ يعني: يرشدني قصد الطريق إلى مدين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُكُما قالَتا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)
قوله : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وكان مدين بن إبراهيم ﵉، وكانت البير تنسب إليه، وكان ينسب الماء إليه، وصار مدين اسم قبيلة وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ يعني: وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أنعامهم وأغنامهم. ويقال: هم أربعون رجلاً ويقال: عشرة رجال وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ يعني: من دون الناس امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي:
تطردان قال سعيد بن جبير: يعني: حابستان ويقال تحسبان غنمهما. وقال القتبي: تَذُودانِ، أي تكفان غنمهما، وحذف الغنم اختصاراً. ويقال كانتا تحبسان الغنم لكيلا تختلط بغيرها.
ويقال: تحبسان الغنم لتصدر مواشي الناس، وتسقيان بفضل الماء، ومما فضل من أغنام الناس، وهما ابنتا شعيب ﵇ قالَ ما خَطْبُكُما يعني: قَالَ لهما موسى: مَا شأنكما ترعيان الغنم مع الرجال، وما بالكما لا تسقيان مع الناس قالَتا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ قرأ أبو عمرو وابن عامر يُصْدِرَ بنصب الياء، وضم الدال. وقرأ الباقون يُصْدِرَ بضم الياء، وكسر الدال. فمن قرأ بالنصب، فهو من صدر يصدر إذا رجع من الماء، ومعناه: لا نسقي حتى يرجع
стр. 1175
الرعاء عن الماء، ونسقي بفضلهم، لأنا لا نقدر أن نستقي، وأن نزاحم الرجال، وإذا صدروا سقينا من فضل مواشيهم. ومن قرأ يُصْدِرَ بالضم، فهو من أصدر يصدر، والمعنى: حتى يصدر الرعاة أغنامهم وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لم يقدر على الخروج، وليس له عون يعينه غيرنا، فرجع الرعاة ووضعوا صخرة على البئر، فانتهى موسى إلى البئر وقد أطبقت عليها الصخرة، فاقتلعها ثم سقى لهما حتى أروتا أغنامهما.
وقال في رواية الكلبي: كان للبئر دلو يجتمع عليه أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر، فأتى موسى أهل الماشية، فسألهم أن يهيئوا له دلواً من الماء. فقالوا: إن شئت أعطيناك الدلو على أن تسقي أنت، فقال: نعم، فأخذ موسى ﵇ الدلو، فسقى بها وحده، فصب في الحوض، ثم قربتا غنمهما فشربت، فذلك قوله : فَسَقى لَهُما يعني: أغنامهما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ يعني: تحول إلى ظل الشجرة فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أي: لما أنزلت إلي من الطعام، فأنا محتاج إلى ذلك وهو أنه كان جائعاً، فسأل ربه ، ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة، فقال أبوهما: هذا رجل جائع. وقال لإحداهما: اذهبي فادعيه، فلما أتته عظمته، وغطت وجهها وقالت: إنّ أبي يدعوك فذلك قوله : فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ. يعني: على حياء، لأنها كانت مقنعة، ولم تك متبرجة. ويقال: عَلَى اسْتِحْياءٍ يعني: على حياء واضعة يدها على وجهها. ويقال عَلَى اسْتِحْياءٍ، يعني: مستترة بكم درعها- قال: فالوقف على: تَمْشِي إذا كان قولها على الحياء. فأما إذا كان مشيها على الحياء، فالوقف على اسْتِحْياءٍ والقول بالحياء أشبه من المشي بالحياء، فكيف ما يقف يجوز بالمعنى «١» - فقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، ويقال: أقل من ذلك.
فتبعها، فلم يجد بداً من أن يتبعها، لأنه كان بين الجبال خائفاً مستوحشاً، فلما تبعها هبت الريح، فجعلت تصفق ثيابها، وتظهر عجيزتها، وجعل موسى ﵇ يعرض مرة، ويغض مرة، فلما عيل صبره ناداها: يا أمة الله كوني خلفي، وأريني السمت بقولك. يعني: دليني الطريق. فلما دخل على شعيب ﵇ إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: اجلس يا شاب، فتعش. فقال له موسى: أعوذ بالله. فقال له شعيب: لم لا تأكل، أما أنت جائع؟ فقال:
بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من ديننا بملء الأرض ذهباً. فقال: لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي إنا نقري الضيف، ونطعم الطعام. فجلس موسى فأكل، وأخبره بقصة القتل والهرب، فذلك قوله : فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: خرجت من ولاية فرعون،
стр. 1176
ولا سلطان له في أرضنا. وقال في رواية الكلبي: كان هذا الرجل اسمه نيرون ابن أخي شعيب، وشعيب كان توفي قبل ذلك. وقال عامة المفسرين: إن هذا كان شعيبا.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَاراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
قوله : قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ يعني: قالت إحدى الابنتين التي جاءت به.
وقال في رواية مقاتل: هي الكبرى. وقال في رواية الكلبي: هي الصغرى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ يعني: استأْجر موسى ليرعى لك الغنم إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ يعني: خير الأجراء من يكون قوياً في العمل، أميناً على المال والعورة.
ثم قال: إيش تعلمين أنه قوي أمين؟ فأخبرته بالقصة. قال الفقيه أبو الليث ﵀:
حدثنا محمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج. عن الحكم قال: كان شريح لا يفسر شيئاً من القرآن إلا ثلاث آيات. قوله: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] قال: أي الزوج وقوله: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: ٢٠] قال: الْحِكْمَةَ الفقه والعلم، وَفَصْلَ الْخِطابِ البينة والإيمان، وقوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال: كانت قوته أن يحمل صخرة لا يقوى عليها إلا عشرة رجال، وكانت أمانته أن ابنة شعيب كانت أمامه، فوصفتها له الريح فقال لها: تأخري وصفي لي الطريق.
قالَ شعيب لموسى ﵉: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ يعني: أزوجك إحدى ابنتي على أن ترعى غنمي ثمان سنين، وهذا الحكم في هذه الأمة جائز أيضاً، لو تزوج الرجل المرأة على أن يرعى غنمها كذا وكذا سنة، أو يرعى غنم أبيها، يجوز النكاح، ويكون ذلك مهراً لها فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً يعني: عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ يعني: فإن أتممت عشر سنين فبفضلك، وليس بواجب وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ في السنتين يعني: أنت بالخيار في ذلك. ويقال: بأن أشرط عليك العشر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الوافين بالعهد. وقال مقاتل: يعني، من الوافين بك كقوله:
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: ١٤٢] يعني: ارفق بهم. قالَ موسى: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
стр. 1177
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
يعني: أتممت لك، إما الثماني وإما العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي: لا سبيل لك علي. ويقال: لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منه، فإن قيل: كيف تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم؟ قيل له: العقد قد وقع على الثماني، وهو قوله:
أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ وإنّما خيّره في الزيادة، والإجارة بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضاً، ثم قال: وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني: شهيد فيما بيننا. ويقال: شاهد على ما نقول، وعلى عقدنا.
وذكر مقاتل: أن رجلاً من الأزد سأل رسول الله ﷺ : أيما الأجلين قضى موسى؟ قال:
«الله أَعْلَمُ» حتى أسأل جبريل ﵇» ، فأتاه جبريل، فسأله. فقال: «الله أعلم، سأسأل إسرافيل ﵇» فسأله فقال: «حتى اسأل رب العزة» ، فأوحى الله تعالى إلى إسرافيل ﵇: «أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما» «١» .
وروي عن ابن عباس أنه قال: «قضى موسى أتمَّ الأجلين» ، وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولداً أبلق، فهو له، فولدت في ذلك العام كلها بلقاً، فأخذ الغنم البلق وقيل: مثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب، إلا أن الوعد من الأنبياء ﵈ واجب، فوفاه بوعده، فلما أراد أن يخرج قال لشعيب ﵇: يا شيخ أعطني عصا أسوق بها غنمي. فقال لابنته: التمسي له عصا، فجاءت بعصا شعيب ﵇. فقال شعيب ﵇: ردي هذه، وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان، وكانت من عود آس الجنة، فردتها والتمست غيرها، فلم يقع في يدها غيرها، فأعطته، فخرج مع أهله فضل الطريق، وكانت ليلة باردة مظلمة، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ يعني:
بِامرأتِهِ آنَسَ يعني: أبصر مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَاراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا يعني: قفوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي: خبر الطريق أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ قرأ عاصم جَذْوَةٍ بنصب الجيم، وقرأ حمزة جَذْوَةٍ بضم الجيم، وقرأ الباقون جَذْوَةٍ بالكسر، فهذه لغات معناها واحد، يعني: قطعة من النار. ويقال: شعلة، وهو عود قد احترق بعضه لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي: لكي تصطلوا من البرد، فترك امرأته في البرية وذهب.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)
стр. 1178
فَلَمَّا أَتاها يعني: النار نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ يعني: من جانب الوادي الأيمن عن يمين موسى ﵇ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ يعني: من الموضع المبارك الذي كلم الله تعالى فيه موسى ﵇ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يعني:
الذي يناديك رب العالمين.
قوله : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: ونودي بأن ألق عصاك فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ وقد ذكرناه. قال الله : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ يعني: من الحية يعني: قد آمنت أن ينالك منها مكروه اسْلُكْ يَدَكَ أي: أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ يعني: يدك.
قال بعضهم: هذا ينصرف إلى قوله: وَلَمْ يُعَقِّبْ من الرهب، يعني: لم يلتفت من الخوف. ويقال: كان خائفاً، فأمره بأن يضم يده إلى صدره، ففعل حتى سكن عن قلبه الرعب.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مِنَ الرَّهْبِ بنصب الراء والهاء، وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الراء، وجزم الهاء، والباقون بضم الراء، وجزم الهاء، ومعنى ذلك كله واحد، وهو الخوف. وقال بعضهم: هو الكدر.
ثم قال: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ يعني: اليد والعصا آيتان وعلامتان من ربك، وحجتان لنبوتك. قرأ ابن كثير وأبو عمرو. فَذانِكَ بتشديد النون. وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان، وهو الإشارة إلى شيئين. يقال للواحد: ذلك وذاك، وللإثنين ذانك وذايك. إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ومعناه: أرسلناك إلى فرعون بهاتين الآيتين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني:
عاصين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)
قالَ موسى رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً يعني: أبين مني لساناً، وكانت في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها فاه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي عوناً يُصَدِّقُنِي يعني: لكي يصدقني، ويعبر عن كلامي. قرأ نافع ردا بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، فمن قرأ بالهمز، فهو الأصل، ومن قرأ بغير همز، فإنما ألقى فتحة الهمزة على الدال، وليّن الهمزة. وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بضم القاف، وقرأ
стр. 1179
الباقون بالجزم. فمن قرأ بالجزم، جعله جواب الأمر، ومن قرأ بالضم جعله صفة ردءاً، أي ردءاً مصدقاً.
ثم قال: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ أي فرعون وآله قالَ الله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي: نقويك بأخيك وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً يعني: حجة ثانية، وهي اليد والعصا فَلا يَصِلُونَ بسوء إليكما أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا يعني: من آمن بكما الْغالِبُونَ في الحجة.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)
قوله : فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ يعني: جاء إلى فرعون وقومه بعلاماتنا، وذكر في رواية مقاتل: أن فرعون لم يأذن لهما إلى سنة أن يدخلا عليه. وقال في رواية السدي وغيره: أنه لما جاء إلى الباب، لم يأذن له البواب، فضرب عصاه على باب فرعون ضربة، ففزع من ذلك فرعون وجلساؤه، فدعا البواب وسأله، فأخبره أن بالباب رجلاً يقول: أنا رسول رب العالمين، فأذن له، فدخل فأدى الرسالة وأراهم العلامة. فقالوا هذا سحر، فذلك قوله : قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً يعني: ما هذا إلا كذب مختلق يعني: الذي جئت به ما هو إلا سحر قد اختلقته من ذات نفسك وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ.
قوله : وَقالَ مُوسى قرأ ابن كثير قالَ مُوسى بغير واو. وقرأ الباقون بالواو، فمن قرأ بالواو، فهو عطف جملة على جملة، ومن قرأ بغير واو، فهو استئناف قالَ مُوسى: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ يعني: أنا جئت بالهدى من عند الله وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعني: هو أعلم بمن تكون له عاقبة الجنة أو النار. ويقال: بمن يكون له عاقبة الأمر والدولة. قرأ حمزة والكسائي، وَمِنْ يَكُونَ بلفظ التذكير وقرأ الباقون تَكُونُ بلفظ التأنيث.
ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: لا يأمن الكافرون من عذابه وَقالَ فِرْعَوْنُ لأهل مصر يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فلا تطيعوا موسى وهذه إحدى كلمتيه التي أخذه الله بهما. والأخرى: فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] .
ثم قال: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ يعني: أوقد النار على اللبن حتى يصير آجراً.
قال مقاتل: وكان فرعون أول من طبخ الآجر وبنى به فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً أي: قصرا طويلا
стр. 1180
مشرفا، وهو المنارة لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى يعني: أنظر إليه وأقف عليه. فبنى الصرح، وكان بلاطه خبث القوارير، وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله مخافة أن تنسفه الرياح، وكان طوله في السَّماء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع. فلما فرغ من بنائه، جاء جبريل ﵇ فضرب جناحه على الصرح، فهدمه وقال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني: أحسب موسى مِنَ الْكاذِبِينَ بما يقول أن في السماء إلها.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٩ الى ٤٢]
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لاَ يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)
قوله : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ يعني: استكبر فرعون عن الإيمان هو وقومه بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: بغير حجة وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يعني: وحسبوا أنهم إِلَيْنا لاَ يُرْجَعُونَ بعد الموت. قرأ نافع وحمزة والكسائي لاَ يُرْجَعُونَ بنصب الياء، وكسر الجيم على فعل لازم. وقرأ الباقون بضم الياء نصب الجيم، يعني: لا يردون بمعنى التعدي.
يقول الله تعالى: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ يعني: عاقبناه وجنوده فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ يعني:
أغرقناهم في البحر. وقال مقاتل: في النيل فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ يعني:
المشركين.
قوله : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يعني: خذلناهم حتى صاروا قادة ورؤساء للضلال والجهال يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يعني: إلى عمل أهل النار. ويقال: إلى الضلالة التي عاقبتها النار وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون من عذابي وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً عقوبة:
عقوبة وهي الغرق وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ أي: من المهلكين. والعرب تقول: قبحه الله أي: أهلكه الله. ويقال: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وذلك أنهم لما أهلكوا لعنوا، فهم يعرضون على النار غدوة وعشية إلى يوم القيامة، ويوم القيامة هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يعني: من الممقوتين المهلكين. ويقال: مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، يعني: من المعذبين ويقال: إنه يقبّح صورتهم. ويقال: مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، يعني: من المشوهين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٣ الى ٤٥]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)
стр. 1181
قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطيناه التوراة مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بالعذاب يعني: مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وعاد وثمود بَصائِرَ لِلنَّاسِ يعني: هلاكهم بصيرة للناس وعبرة. ويقال: بَصائِرَ يعني الكتاب بياناً لبني إسرائيل، ومعناه: ولقد آتينا موسى الكتاب بَصَائِرَ أي مبيناً للناس وَهُدىً من الضلالة لمن عمل به وَرَحْمَةً لمن آمن به من العذاب لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا، فيؤمنوا بتوحيد الله تعالى.
قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ يعني: ما كنت يا محمد بناحية الجبل من قبل المغرب إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ يعني: إذ عهدنا إليه بالرسالة. ويقال: أحكمنا معه، وعهدنا إليه بأمرنا ونهينا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يعني: الحاضرين لذلك الأمر وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً يعني: أحدثنا وخلقنا أمما، فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ يعني: الأجل فنسوا عهد الله وتركوا أمره.
وقال: وَما كُنْتَ ثاوِياً يعني: مقيماً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يعني: تتلو على أهل مكة القرآن يعني: أن الله تعالى أعلمك أخبار الأمم الماضية من حديث موسى وشعيب ﵉ ليكون علامة لنبوتك حيث تخبرهم بخبر موسى، ولم تكن حاضراً هناك، ولم تكن تقرأ القرآن وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ إليك لتخبرهم بخبر أهل مدين، وبخبر موسى ﵇. ويقال: وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني: أرسلناك رسولا، وأنزلنا عليك هذه الأخبار لتخبرهم، ولولا ذلك لما علمتها.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٦ الى ٤٧]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يعني: بناحية الجبل الذي كلّم الله تعالى به موسى. يعني: عن يمين موسى ولولا ذلك: إِذْ نادَيْنا يعني: كلمنا موسى. ويقال: إِذْ نادَيْنا يعني: أمتك، وذلك أن الله تعالى لما وصف لموسى نعت أمة محمد ﷺ ، فأحب موسى أن يراهم، قال الله تعالى لموسى: إنك لن تراهم وإن شئت أسمعتك كلامهم، فأسمعه الله تعالى كلامهم، وقال أبو هريرة ﵁ معنى قوله: إِذْ نادَيْنا يعني: «نودوا، يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل أن تدعوني» .
وروى الأعمش عن ابن مدرك عن أبي زرعة قال: رفع الحديث في قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا- قال: نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتم قبل أن تسألوني. وعن عمرو بن شعيب قال: سألت النبيّ ﷺ عن قوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ما كانَ النِّدَاءُ، وَمَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ؟ قَالَ: كِتَابٌ كَتَبَهُ الله تَعَالَى قَبْل أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ بألْفَيْ
стр. 1182
عَامٍ وَسِتِّمائَةِ عَامٍ عَلَى ورقة آس، ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ ثُمَّ نَادَى: يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، أعطيتكم قبل أن تسألوني وَغَفَرْتُ لَكُمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَغْفِرُونِي، فَمَنْ لَقِيَنِي مِنْكُمْ يَشْهَدُ أنْ لاَ إله إلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ أَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ «١» -.
ثم قال: وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن نعمة من ربك حيث اختصصت به.
نصب رَحْمَةً لأن معناه: فعلنا ذلك للرحمة، كقوله: فعلت ذلك ابتغاء الخير، يعني: لابتغاء الخير. ثم قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أَتاهُمْ يعني: لم يأتهم مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم رسول من قبلك، وهم أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.
قوله : وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ يعني: عقوبة ونقمة، وفي الآية تقديم ومعناها: لولا أن يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا، فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين، لعذبوا في الدنيا ولأصابتهم مُّصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وهذا هو قول مقاتل. ويقال: معناه لولا أن يصيبهم عذاب فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لعذبوا في الدنيا، فيكون جوابه مضمراً. ويقال: معناه لو إني أهلكتهم قبل إرسالي إليك، لقالوا يوم القيامة: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ يقول: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل، فأرسلناك لكي لا يكون لهم حجة عليّ.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)
ثم قال : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني: الكتاب أو الرسل قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى من قبل يعني: هلا أعطي محمد ﷺ القرآن جملة واحدة، كما أعطي موسى التوراة جملة.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ يعني: بالتوراة، فقد كفروا بآيات موسى، كما كفروا بآيات محمد ﷺ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا يعني: تعاونا. وذلك أن أهل مكة سألوا اليهود عنه فأخبروهم أنهم يجدون في كتبهم نعته وصفته، فأمروهم بأن يسألوه عن أشياء، فلما أجابهم قالوا: سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ يعني: جاحدين.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم سِحْرانِ بغير ألف، عنوا محمداً وموسى ﵉ ويقال:
التوراة والفرقان. ويقال: التوراة والإنجيل. وقرأ الباقون بالألف ساحران عنوا محمدا
стр. 1183
وموسى ﵉. وقال سعيد بن جبير: يعني موسى وهارون ﵉» ويقال:
موسى وعيسى ﵉. واحتج من يقرأ بغير ألف بما في سياق الآية. قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ واحتج من قرأ بالألف بقوله تعالى: تَظاهَرا تعاونا، والتظاهر يكون بالناس. يقول الله تعالى للنبي ﷺ قل لهم فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه: يعني: من التوراة، والقرآن أتبعه، أي أعمل به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنهما كانا ساحرين فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ يعني: إن لم يجيبوك إلى الإتيان بالكتاب فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان. ويقال: يؤثرون أهواءهم على الدين وَمَنْ أَضَلُّ يعني: ومن أضر بنفسه مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ يعني: بغير بيان من الله إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يريد كفار مكة يعني: لا يرشدهم إلى دينه.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
قوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: بيّنّا لكفار مكة لهم في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عذبوا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: أرسلنا لهم الكتب بعضها ببعض، يعني بعثنا بعضها على إثر بعض. ويقال:
وَلَقَدْ وَصَّلْنا أي: أوصلنا لهم القول. يعني: أنزلنا لهم القرآن آية بعد آية هداية، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.
ثم وصف مؤمني أهل الكتاب فقال: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ يعني: من قبل القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ يعني: مؤمني أهل الكتاب، وهم أربعون رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد ﷺ : اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة قدموا مع جعفر الطيار، وثمانية من أهل الشام. ويقال: إنهم ثمانية عشر رجلاً وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ أي صدقنا إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا يعني: القرآن، وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت النبيّ ﷺ وصفته وكتابه فقالوا: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ يعني: مِن قَبْلِ هذا القرآن، ومن قبل محمد ﷺ كنا مخلصين.
قوله : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ يعني: يعطون ثوابهم ضعفين: مرة إيمانهم بكتابهم، ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد ﷺ بِما صَبَرُوا يعني: بصبرهم على ما أوذوا، ويقال: بصبرهم على دينهم الأول، وبصبرهم على أذى المشركين، فصدقوا وثبتوا على
стр. 1184
إيمانهم. حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه: ما رأينا أحداً أجهل منكم، تركتم دينكم، وأخذتم دينه. فقالوا: ما لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله، فذلك قوله : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يعني:
يدفعون قول المشركين بالمعروف. ويقال: يدفعون الشرك بالإيمان. ويقال: يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح. ويقال: يدفعون ما تقدم لهم من السيئات بما يعملون من الحسنات وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون.
قوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ يعني: إذا سمعوا الشتم والأذى والقبيح لم يردوا عليهم، ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه، يعني: إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا يعني: ديننا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: دينكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: ردّوا معروفاً عليهم ليس هذا تسليم التحية، وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة، أي: بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال. ويقال: السلام عليكم يعني: أكرمكم الله تعالى بالإسلام لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي: لا نطلب دين الخاسرين، ولا نصحبهم. ويقال: هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد الله بن سلام.
وروى أسباط عن السدي قال: لما أسلم عبد الله بن سلام ﵁ فقال: يا رسول الله، ابعث إلى قومي فاسألهم عني. فبعث إليهم رسول الله ﷺ ، وقد ستر بينهم وبينه ستراً.
وقال: «أَخْبِرُونِي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلامِ كَيْفَ هُوَ فِيكُمْ؟» قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا. قال:
«أَرَأَيْتُمْ إنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَتُؤْمِنُونَ بِي وَتُصَدِّقُونِي؟» قالوا: هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك.
قال: «أَرَأَيْتُمْ إنْ فَعَلَ؟» قالوا: لا يفعل. قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ فَعَلَ؟» قالوا: إنه لا يفعل، ولو فعل إذاً نفعل. فقال ﵇: «أخْرُجْ يا عَبْدَ الله» . فخرج. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فوقعوا فيه وشتموه وقالوا: ما فينا أحد أقل علماً ولا أجهل منك. قال: «أَلَمْ تُثْنُوا عَلَيْهِ آنِفاً؟» قالوا: إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم، فجعلوا يشتمونه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ فقال: ابن يامين وكان من رؤساء بني إسرائيل: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك يا محمد، فبسط يده، فبايع ابن يامين مع رسول الله ﷺ فنزل:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ إلى قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وإلى قوله: لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «١» .
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٥٧)
стр. 1185
قوله : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ يعني: لا ترشد من أحببته إلى الهدى.
ويقال: من أحببت هدايته إلى دينك، وذلك أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله ﷺ ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقال له رسول الله ﷺ : «يَا عَمَّاهُ قُلْ لا إله إِلا الله كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى» . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا به يكلمانه ويكلمه النبيّ ﷺ حتى مات على الكفر، فنزل إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ بهدايته وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يرشد من يشاء إلى دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يعني: بمن قدر له الهدى.
قوله : وَقالُوا يعني: مشركي مكة إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ يعني: الإيمان بك نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا يعني: نسبى ونخرج من مكة لإجماع العرب على خلافنا، وهذا قول الحارث بن عامر النوفلي حين قال للنبي ﷺ : ما كذبت كذبة قط، فنتهمك اليوم، ولكن متى ما نؤمن بك تختلسنا العرب من أرضنا. يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يعني: أو لم ننزلهم مكة حرماً آمناً يعني: كان الحرم أمناً لهم في الجاهلية من الغارة والسبي، وهم يعبدون غيري، فكيف يخافون إن أسلموا أن لا يكون الحرم أمناً لهم؟ فذلك قوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ يعني أو لم ننزلهم مكة حرماً آمناً من الغارة والسبي يُجْبى إِلَيْهِ بالتاء يعني: يحمل إليه ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي: من ألوان الثمرات مؤنثه قرأ نافع تجبى بالتاء لأن الثمرات مؤنثة.
وقرأ الباقون بالياء لتقديم الفعل. ثم قال: رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا يعني: من عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يأكلون رزقي، ويعبدون غيري، وهم آمنون في الحرم، ويقال: لا يعلمون أن ذلك مِن فَضْلِ الله عليهم.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ فيما مضى بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: كفرت برزق ربها. ذكر القرية، وأراد به أهل القرية يعني: أنهم كانوا يتقلّبون في رزق الله تعالى فلم يشكروه في نعمته. ويقال: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها يعني: طغوا في نعمة الله، فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا. ويقال: عاشوا في البطر وكفران النعم فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ يعني: انظروا واعتبروا في بيوتهم وديارهم بقيت خالية لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وهم المسافرون ينزلون بها يوماً أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ يعني: نرث الارض ومن عليها.
стр. 1186
قوله : وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى يعني: لم يعذب أهل القرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يعني: في معظمها ويقال: في أكبر قراها. ويقال: أم القرى مكة. قرأ حمزة والكسائي فِي أُمِّها بكسر الألف، وقرأ الباقون أُمِّها بالضم، ومعناهما واحد، يبعث في أمها رسولا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يعني: القرآن وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
يعني: لم نهلكها إلا بظلم أهلها.
ثم قال : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني ما أعطيتم من مال. ويقال: ما أعطيتم من الدنيا فهو فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: فهو متاع الحياة الدنيا، يعني: ينتفعون بها أيام حياتهم وَزِينَتُها يعني: وزهراتها ولا تبقى دائماً وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب والجنة خَيْرٌ وَأَبْقى يعني: أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الباقي خير من الفاني. قرأ عمرو يَعْقِلُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم. وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦١ الى ٦٦]
أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)
قوله : أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني: الجنة فَهُوَ لاقِيهِ يعني: مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا بالمال ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار هل يستوي حالهما؟ قال في رواية الكلبي: نزل في عمار بن ياسر، وأبي جهل بن هشام وقال غيره: هذا في جميع المؤمنين، وجميع الكافرين ويقال نزلت في النبيّ ﷺ ، وفي أبي جهل، يعني: من كان له في هذه الدنيا شدّة مع دين الله، خير ممن كان له سعة وفرج مع الشرك، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ. يعني: من المعذبين في النار.
وقال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: واذكر يوم يدعوهم يعني: المشركين فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ يعني: المشركين: كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجبت عليهم الحجة فوجب عليهم العذاب ويقال وجب عليهم القول وهو قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: ١٨] رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ يعني: القادة يقولون: ربنا هؤلاء الذين أضللنا يعني: السفلة أغويناهم كَما غَوَيْنا أي: أضللناهم كما كنا ضالين.
ويقال: يقول الكافرون رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا يعني: الشياطين. فقالت الشياطين:
أغويناهم. يعني: أضللناهم كما غوينا، أي أضللنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ من عبادتهم مَا كانُوا إِيَّانا
стр. 1187
يَعْبُدُونَ
يعني: ما كانوا يأمرونا بعبادة الآلهة وَقِيلَ للكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني آلهتكم التي تعبدون من دون الله فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ.
يقول الله : وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ يعني: يودون لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا. ويقال: يودون أن لم يكونوا اتبعوهم. فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي: لم يجيبوهم بحجة تنفعهم فيودون أنهم لم يعبدوهم لما رأوا العذاب.
ثم قال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: يسألهم يوم القيامة فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ في التوحيد فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني: ألبست عليهم الحجج يَوْمَئِذٍ من الهول فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ يعني: لا يسأل بعضهم بعضاً عما يحتجون به، رجاء أن يكون عنده من الحجة ما لم يكن عند غيره، لأن الله تعالى أدحض حجتهم، وفي الدنيا إذا اشتبهت عليه الحجة، ربما يسأل عن غيره، فيلقنه الحجة، وفي الآخرة آيس من ذلك.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٧ الى ٧٥]
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)
ثم قال : فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي: من الناجين الفائزين بالخير.
قوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول:
لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ للرسالة من يشاء مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ يعني: ليس الخيار إليهم. ويقال: هو ربك يخلق ما يشاء، ويختار لهم ما يشاء، مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي ما كان لهم طلب الخيار، والأفضل. ويقال: ما كان لبعضهم على بعض فضل، والله تعالى هو الذي يختار. وقال الزجاج: الوقف على قوله وَيَخْتارُ. والمعنى:
стр. 1188
وربك يخلق ما يشاء، ويختار. ثم قال: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله، ويكون ما للنفي. قال: ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي، يعني: وربك يخلق ما يشاء، ويختار الذي لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته، ما لهم فيه الخيرة. ويقال: ما كان لهم الخيرة. يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله ، وليس إليهم الاختيار، والمعنى: لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم.
ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيهاً لله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: ما تضمر وتسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من القول وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: في الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الجنة ويقال: له الألوهية في الدنيا والآخرة، وله الحكم، يعني نفاذ الحكم، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ يعني: ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق، فلو جعل عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائماً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ المواعظ، وتعتبرون بها.
قوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: دائماً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يعني: تقرّون وتستريحون فيه أَفَلا تُبْصِرُونَ من يفعل ذلك بكم، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي ومن نعمته وفضله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: في الليل وجعل لكم النهار وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا من رزقه في النهار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون رب هذه النعمة.
ثم قال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: أَنذَرَهُمْ بذلك اليوم ويقال: معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم يعني: يدعوهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها لي شريك وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها شَهِيداً بالرسالة والبلاغ فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني: أن عبادة الله هي الحق. ويقال: علموا أن التوحيد لله. ويقال: إن الحق ما دعا إليه الله، وأتاهم به الرسول وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: اشتغل عنهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون في الدنيا يعني: الأصنام. ويقال: الشياطين.
ويقال: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله.
стр. 1189
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٧٨]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)
قوله : إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني: من بني إسرائيل. ويقال: كان ابن عم موسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول وتكبر على بني إسرائيل، وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون، وأغرق الله تعالى فرعون وجنوده، ورجع موسى ﵇ ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أُخرى وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ٥٩] وجعلت الحبورة لهارون، وهو الرأس الذي يقرّب القربان. فقال قارون لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح، وأنا لست في ذلك من شيء. فقال له موسى: أنا لم أفعل ذلك، ولكن الله تعالى فعل ذلك. فقال له قارون: لا أصدقك على هذا، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل، وكان كثير المال والتبع.
وروي عن الحسن أنه قال: إنّ أول من شرف الشرف قارون، لما بنى داره وفرغ منها، وشرفها وصنع للناس طعاماً سبعة أيام، يجمعهم كل يوم ويطعمهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون: إن الله تعالى أمرني أن آخذ من مالك الزكاة، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فلم يرض بذلك ثمّ قال له: اعط من كل مائتي درهم درهماً، فلم يرض بذلك، فقال له: اعط من كل ألف درهم درهماً، فلم يرض بذلك. وقال لبني إسرائيل: إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم، فما ترون؟ قالوا: رأينا لرأيك تبع. قال: فإني أرى أن ترموه فتهلكوه، فبعثوا إلى امرأة زانية، فأعطوه حكما على أن ترميه بنفسها، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا: يا موسى، ما على من يسرق من الحرز؟ قال: تقطع يده. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قالوا: وما على الزاني إذا زنى؟ قال: يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قالوا: فأنت قد زنيت. قال: أنا، وجزع من ذلك، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت وعظها وعظم عليها موسى الحلف بالله، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التَّورَاة على موسى إلا صدقت.
قالت: أما إذا حلفتني، فإني أشهد أنك بريء، وإنك رسول الله. وقالت: أرسلوا إليَّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي. قال: فخرّ موسى ﵇ لله ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى
стр. 1190
إليه: ما يبكيك؟ قد أمرت الأرض أن تطيعك، فأمرها بما شئت. فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم» .
وفي رواية الحسن: خرج موسى ﵇ مغضبا، فدعا الله ، وقال: عبدك قارون الذي عبد غيرك وجحدك، فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني قد أمرت الأرض بأن تطيعك، فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره. فقال: يا عدو الله كذبتني في كلام له غيظ، حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد، وهّم به. فلما رأى موسى ذلك قال: يا أرض خذيهم. قال: وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض أقدامهم، وغاب سريره ومجلسه، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، فأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة. فلما رأى القوم ما نزل بهم، عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم به قوة، فنادوا: يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون إليه ويطلبون رضاه، وهو لا يزداد إلا غضباً وتوبيخاً لهم ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يتضرعون إليه ويسألونه، وهو يوبخهم. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ويسألونه. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم، ولم يبق من الدار إلا شرفها. وقال قارون: يا موسى أنشدك بالله وبالرحم. فقال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار. فانطلق موسى وهو فرح بذلك، فأوحى الله تعالى إليه، يا موسى يتضرع إليك عبادي، ودعوك وسألوك فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني، واستغاثوا بي لرحمتهم، ولكن تركوا أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي، وجعلوها إليك، فتركتهم فذلك قوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني: تطاول على بني إسرائيل، وعلى موسى وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ يعني: من المال مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ يعني: خزائنه لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ قال مقاتل: العصبة من العشرة إلى الأربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة. يقول: لتعجز العصبة أولو القوة عن حمل مفاتيح الخزائن.
وقال أهل اللغة: ناء به الحمل إذا أثقله. وقال القتبي: تنوء بالعصبة، أي تميل بها العصبة، إذا حملتها من ثقلها، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «العصبة في هذا الموضع أربعون رجلاً، وخزائنه كانت أربعمائة ألف، يحمل كل رجل عشرة آلاف ويقال مَفاتِحَهُ يعني: مفاتيح خزائنه يحملها أربعون رجلاً. ويقال: أربعون بغلاً.
وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال: كان مفاتيح كنوز قارون من جلد، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين بغلاً، كل
стр. 1191
بغل أغر محجل إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ يعني: بني إسرائيل لاَ تَفْرَحْ يعني: لا تفخر بما أوتيت من الأموال. ويقال: لا تفرح بكثرة المال إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ يعني: المرحين المفاخرين.
ويقال: البطرين ويقال: لا تَفْرَحْ أي: لا تأشر، والأشر: أشد الفرح الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر، يعني: يطغى وقالوا له: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ يعني: اطلب مما أعطاك الله تعالى من الأموال والخير الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا يعني: لا تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك وَأَحْسِنْ العطية من الصدقة والخير كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يعني:
أعط الناس كما أعطاك الله. ويقال: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ يعني: أنفقه في طاعة الله تعالى، ولا تنفقه في معصية الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المنفقين في المعصية- وقوله: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي: لا تضيع عمرك فإنه نصيبك من الدنيا «١» -. قالَ قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال مقاتل: يعني على خير علمه الله عندي. وقال في رواية الكلبي: يعني علم التوراة، وكان قارون أقرأ رجل في بني إسرائيل بالتوراة، فأعطيت ذلك لفضل علمي، وكنت بذلك العلم مستحقا لفضل المال. ويقال: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي يعني: علم الكيميا، وكان يعمل كيميا الذهب. وقال الزجاج: الطريق الأول أشبه، لأن الكيميا لا حقيقة لها.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً من الأموال منهم: نمرود وغيره وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: لا يسأل الكافرون عن ذنوبهم، لأن كل كافر يعرف بسيماه، وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل: لا يسأل الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة، بل يسألون سؤال العذاب والمناقشة.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)
قوله : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ يعني: خرج قارون على بني إسرائيل فِي زِينَتِهِ.
стр. 1192
قال مقاتل: وهو على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب، عليه أرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس، وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض، عليهن من الحلل والثياب الحمر على البغال الشهب. وقال قتادة: خرج معه أربعة آلاف دابة عليها ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف أرجوان. وقال في رواية الكلبي: خرج على ثلاثمائة دابة بيضاء عليها أنواع من الكساء، وعليها ثلاثمائة قطيفة حمراء، عليها جواري وغلمان قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وكانوا من أهل التوحيد يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ يعني: مثل ما أعطي من الأموال قارون إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يقول: ذو نصيب وافر في الدنيا.
قوله : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أكرموا بالعلم بما وعد الله تعالى في الآخرة للذين تمنوا ذلك وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ يعني: ويحكم ثواب الآخرة خَيْرٌ يعني: أفضل لِمَنْ آمَنَ يعني: صدق بتوحيد الله تعالى وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى مما أعطى قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يوفّق ولا يرزق في الجنة إِلَّا الصَّابِرُونَ في الدنيا على أمر الله تعالى. ويقال: وَلا يُلَقَّاها، يعني: لا يعطى الأعمال الصالحة إلاَّ الصابرون على الطاعات وعن زينة الدنيا ويقال: وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يلقّن ولا يوفّق لهذه الكلمة إلاَّ الصابرون عن زينة الدنيا.
يقول الله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ يعني: قارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ يعني: بقارون وبداره وأمواله، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: لم يكن له جند وأعوان يمنعونه من عذاب الله وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يعني: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من عذاب الله.
قوله : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ حين رأوه في زينته، وقالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ قال القتبي: قد اختلف في هذه اللفظة. فقال الكسائي: معناها ألم تر اللَّهَ يَبْسُطُ، وَيْكَأَنَّهُ يعني: ألم تر إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون.
روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، يعني: أو لا يعلم أن الله يَبْسُطُ وهذا شاهد لقول الكسائي. وذكر الخليل بن أحمد: أنها مفصولة وي ثم يبتدئ فيقول: كأن الله. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «كان الله يَبْسُطُ» الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ كأنه لا يفلح الكافرون. وقال: وي صلة في الكلام، وهذا شاهد لقول الخليل. وقال الزجاج: الذي قاله الخليل أجود، وهو أن قوله: وي مفصولة من كان، لأن من ندم على شيء يقول: وي كما تعاتب الرجل على ما سلف تقول: وي، كأنك قصدت مكروهي. وقال مقاتل: معناه، ولكن اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يوسعه على من يشاء من عباده وَيَقْدِرُ يعني:
يقتر ويقال: ويضيق على من يشاء لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: لولا أن من الله علينا، لكنا مثل قارون في العذاب لَخَسَفَ بِنا معهم. ويقال: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: عصمنا مثل ما
стр. 1193
كان عليه من البطر والبغي، لَخَسَفَ بِنا كما خسف به. قال قرأ عاصم في رواية حفص بنصب الخاء، وكسر السين يعني: لَخَسَفَ الله بِنَا وقرأ الباقون بضمّ الخاء وكسر السين على فعل ما لم يسم فاعله وَيْكَأَنَّهُ يعني: ولكنه لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ الجاحدون للنعم.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٥]
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)
قوله : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ يعني: الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ يعني: نعطيها للذين لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ يعني: تعظيماً وتكبراً وتجبراً فيها عن الإيمان وَلا فَساداً في الأرض يعني: لا يريدون المعاصي في الدنيا.
وروى وكيع، عن سفيان، عن مسلم البطين لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ. يعني:
التكبر بغير حق، وَلا فَساداً قال: أخذ المال بغير حق. ويقال: العلو الخطرات في القلب، والفساد فعل الأعضاء وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني: الجنة للذين يتقون الشرك والمعاصي. ويقال:
عاقبة الأمر، وما يستقر عليه للمتقين الموحدين. ويقال: والعاقبة المحمودة للمتقين.
قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بكلمة الإخلاص وهي قول لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وقد ذكرناه وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى يعني: لا يثاب الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: يصيبهم بأعمالهم.
قوله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يعني: أنزل عليك القرآن. ويقال: أمرك بالعمل بما في القرآن لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «الموت» .
وقال السدي: إِلى مَعادٍ يعني: الجنة. وهكذا روي عن مجاهد.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: «يعني: إلى مكة» . وقال القتبي: معاد الرجل بلده، لأنه يتصرف في البلاد، وينصرف في الأرض ثم يعود إلى بلده. والعرب تقول: ردّ فلان إلى معاده، يعني: إلى بلده، وكان النبيّ ﷺ حين خرج من مكة إلى المدينة اغتم لمفارقته مكة، لأنها مولده وموطنه ومنشأه وبها عشيرته، واستوحش، فأخبر الله تعالى في طريقه أنه سيرده إلى مكة، وبشره بالظهور والغلبة.
ثم قال تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يعني: بالرسالة والقرآن، وذلك حين قالوا له: إنك في ضلال مبين فنزل قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يعني: فأنا الذي جئت بالهدى، وهو أعلم بمن هو في ضلال مبين نحن أو أنتم.
стр. 1194
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٦ الى ٨٨]
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
ثم قال : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ يعني: أن ينزل عليك القرآن إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: إلا كان الكتاب رَحْمَةً مّن رَّبّكَ. ويقال: في الآية تقديم، ومعناه:
إن الذى فرض عليك القرآن يعني: جعلك نبياً، ينزل عليك القرآن، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبياً بوحي إليك، لرادك إلى معاد، إلى مكة ظاهراً قاهراً. ويقال: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني: لكن دين ربك رحمة، واختارك لنبوته، وأنزل عليك الوحي.
ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ يعني: عوناً للكافرين حين دعوه إلى دين آبائه.
ثم قال : وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ يعني: لا يصرفنك عن القرآن والتوحيد بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ يعني: بعد ما أنزل إليك جبريل ﵇ بالقرآن وَادْعُ إِلى رَبِّكَ يعني: ادع الخلق إلى توحيد ربك وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعني: لا تكونن مع المشركين على دينهم قوله : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: لا تعبد غير الله.
ثم وحد الربّ نفسه فقال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني: كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله . ويقال:
كل شيء متغير إلا ملكه، فإن ملكه لا يتغير، ولا يزول إلى غيره أبداً لَهُ الْحُكْمُ يعني: له القضاء، وله نفاذ الحكم يحكم ما يريد وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: إليه المرجع في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم- وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ سُورَةَ القَصَصِ كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ صدق موسى وكذبه، وَلَمْ يَبْقَ مَلَكٌ فِي السموات وَالأرْضِ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، أنَّهُ كَانَ صَادِقاً فِي قَوْلِهِ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «١» - صَدَقَ الله جَلَّ رَبُّنا، وَهُوَ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ، وَصَدَقَ رُسُلُهُ قَوْلُهُ صِدْقٌ وَوَعْدُهُ حقّ «٢» - والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَحَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ، ولاَ حَوْلَ ولا قوة إلا بالله «٣» -.
стр. 1195
سورة العنكبوت
مكية وهي ستون وتسع آيات مكية
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)
قوله : الم أَحَسِبَ النَّاسُ يعني: أظنّ الناس أَنْ يُتْرَكُوا يعني: أن يمهلوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا أي: صدقنا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ يعني: لا يبتلون. قال في رواية الكلبي:
لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ [الأنعام: ٦٥] فقال رسول الله ﷺ : «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أمَّتِي عَلَى هذا» فقال له جبريل ﵇: فادع الله لأمتك، فقام فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم سأل ربه أن لا يبعث عليهم العذاب. قال: فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد أن الله قد أجار أمتك من خصلتين، وألزمهم خصلتين، فعاد رسول الله ﷺ فتوضأ ثم صلى، فأحسن الصلاة، ثم سأل ربه لأمته أن لا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد قد سمع الله مقالتك، فإنه يقول: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، فصدقهم مصدقون، وكذبهم مكذبون، ثم لم يمنعنا أن نبتليهم بعد قبض أنبيائهم ببلاء يعرف فيه الصادق من الكاذب، ثم نزل قوله الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون الآية.
قال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب ﵁، أول قتيل قتل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة، فجزع أبواه وامرأته وقد كان الله بيّن للمسلمين أنه لا بد لهم من البلاء والمشقة في ذات اللَّهُ فَنَزل الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.
وقال بعضهم: لما أصيب المسلمون يوم أحد، وكانت الكرة عليهم، فعيرهم اليهود والنصارى والمشركون، فشقّ ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية. ويقال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وفي نفر معه أخذهم المشركون وعذبوهم على الإسلام، فنزلت هذه الآية. ويقال: نزلت في جميع المسلمين. ومعناه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ثم لا يفرض عليهم الفرائض. وقال الزجاج: هذا اللفظ لفظ الاستخبار، والمعنى به تقرير وتوبيخ،