Полный текст (1 849 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
ثم قال : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: له خزائن السموات والارض.
يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. ويقال: معناه له نفاذ الأمر في السموات والأرض.
ثم قال: يُحْيِي وَيُمِيتُ يعني: يحيي للبعث، ويميت في الدنيا وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والإماتة.
ثم قال : هُوَ الْأَوَّلُ يعني: الأول قبل كل أحد وَالْآخِرُ بعد كل أحد وَالظَّاهِرُ يعني: الغالب على كل شيء وَالْباطِنُ يعني: العالم بكل شيء. ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: مؤول كل شيء وَالْآخِرُ يعني: مؤخر كل شيء وَالظَّاهِرُ يعني: المظهر وَالْباطِنُ يعني: المبطن. ويقال: هو الْأَوَّلُ يعني: خالق الأولين وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرين وَالظَّاهِرُ يعني: خالق الآدميين، وهم ظاهرون. وَالْباطِنُ يعني: خالق الجن، والشياطين الذين لا يظهرون. ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: خالق الدنيا وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرة. وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: عالم بالظاهر والباطن. ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ بلا ابتداء وَالْآخِرُ بلا انتهاء. وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: منه نعمة ظاهرة. ويقال: هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: هو الرب الواحد.
ثم قال: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني: من أمر الدنيا والآخرة.
ثم قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يعني: ما يدخل في الأرض من الماء، والكنوز، والأموات، وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات، والكنوز، والأموات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وهو المطر، والثلج، والرزق، والملائكة، وَما يَعْرُجُ فِيها يعني: ما يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد، والأرواح، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ يعني: عالم بكم، وبأعمالكم، أينما كنتم في الأرض وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً.
ثم قال : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ثم قال : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: يدخل الليل في النهار، إذا جاء الليل ذهب النهار. وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني: يُدخل النهار في الليل، إذا جاء النهار ذهب الليل. ومعنى آخر: يعني: يدخل زيادة الليل في النهار. يعني: يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة، والنهار أقصر ما يكون تسع ساعات. والليل والنهار أربع عشرون ساعة.
стр. 1612
ثم قال : وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ١١]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
ثم قال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا برسوله، وَأَنْفِقُوا يعني: تصدقوا في طاعة الله تعالى مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ يعني: مما جعلكم مالكين من المال. ويقال: معناه إن الأموال والدنيا كلها لله تعالى، فيجعل العباد مستخلفين على أمواله، وأمرهم بالنفقة، مما جعلهم خليفة فيها.
ثم بيّن ثواب الذين آمنوا فقال: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وتصدقوا، لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ يعني: عظيم وهو الثواب الحسن في الجنة. ويقال: إن هذه الآية نسخت بآية الزكاة. ويقال: إنها ليست بمنسوخة، ولكنها حث على الصدقة، والنفقة في طاعة الله تعالى.
ثم قال : وَما لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: ما لكم لا تصدقون بوحدانية الله تعالى وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ قرأ بعضهم: وَالرَّسُولُ بضم اللام. يعني: ما لكم لا تؤمنون بالله، وتم الكلام.
ثم قال: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ إلى توحيد الله تعالى. وقراءة العامة وَالرَّسُولُ بكسر اللام. يعني: ما لكم لا تصدقون بالله، وبرسوله حين يدعوكم، لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ يعني:
لتصدقوا بوحدانية الله تعالى وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ يعني: أخذ الله تعالى إقراركم، والميثاق حين أخرجكم من صلب آدم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين قرأ أبو عمرو: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ بضم القاف، وكسر الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: يعني: أخذ الله ميثاقكم.
стр. 1613
ثم قال: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ هو الذي ينزل جبريل على عبده محمد ﷺ ، يقرأ عليه آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: آيات القرآن، واضحات بين فيها الحلال، والحرام، والأمر، والنهي. لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: يدعوكم من الشرك إلى الإيمان. ويقال:
آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: واضحات. ويقال: آياتٍ يعني: علامات النبوة لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: ليوفقكم الله تعالى للهدى، ويخرجكم من الكفر. وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: هداكم لدينه، وأنزل عليكم.
ثم قال : وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: ما لكم ألا تصدقوا، أو ألا تنفقوا أموالكم في طاعة الله.
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: إلى الله يرجع ميراث السموات والأرض، أي:
شيء ينفعكم ترك الإنفاق، ميتون، تاركون أموالكم. ويقال: معناه: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا والأموال كلها لله تعالى وهو يأمركم بالنفقة. ويقال: أنفقوا ما دمتم في الحياة، فإنكم إن بخلتم، فإن الله هو يرثكم، ويرث أهل السموات. يعني: أنفقوا قبل أن تفنوا، وتصير كلها ميراثاً لله تعالى بعد فنائكم، وإنما ذكر لفظ الميراث، لأن العرب تعرف ما ترك الإنسان ميراثاً، فخاطبهم بما يعرفون فيما بينهم.
ثم قال: لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ يعني: لا يستوي منكم في الفضل، والثواب عند الله تعالى مَنْ أَنْفَقَ مَاله في طاعة الله مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني: قاتل العدو. وفي الآية: تقديم يعني:
من أنفق وقاتل مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني: فتح مكة. ونزلت الآية في شأن أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار. يعني: الذين أنفقوا أموالهم مع رسول الله ﷺ ، وقاتلوا الكفار، لا يستوي حالهم وحال غيرهم. ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر ﵁ كان جالساً مع نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فوقعت بينهم منازعة في شيء، فنزل في تفضيل أبي بكر ﵁ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ ماله مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني: من قبل ظهور الإسلام وَقاتَلَ يعني: وجاهد أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً يعني: أبا بكر ﵁ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا العدو مع النبيّ ﷺ . ويقال: هذا التفضيل لجميع أصحابه ﵃ أجمعين. وروى سفيان عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «سَيَأْتِي قَوْمٌ بَعْدَكُمْ يَحْقِرُونَ أعْمَالَكُمْ مَعَ أعْمَالِهِمْ» . قالوا: يا رسول الله نحن أفضل أم هم؟ فقال: «لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا أدْرَكَ فَضْلَ أحَدِكُمْ ولا نِصْفَهُ» . أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً قال الفقيه:
حدثني الخليل بن أحمد. ثنا الدبيلي. ثنا عبيد الله عن سفيان، عن زيد بن أسلم مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قرأ ابن عامر: وَكُلٌّ وَعَدَ الله الحسنى بضم اللام. والباقون: بالنصب. فمن قرأ بالضم، صار ضمّاً لمضمر فيه، فكأنه قال: أولئك وعد الله الحسنى. ومن نصب: معناه وعد الله كلّاً الحسنى يعني: الجنة.
стр. 1614
ثم قال: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني: ما أنفقتم.
ثم قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: من ذا الذي يعطي من أموال الله قرضاً حسناً. يعني: وفقاً بالإخلاص، وطلب ثواب الله تعالى: فَيُضاعِفَهُ لَهُ في الحسنات، ويعطي من الثواب ما لا يحصى وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الآخرة. ويقال: نزلت الآية في شأن أبي الدحداح. ويقال: هو حث لجميع المسلمين.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
ثم قال : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في يوم القيامة على الصراط يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يعني: بتصديقهم في الدنيا، وبأعمالهم الصالحة، فيعطى لهم النور، يمضون به على الصراط، فيكون النور بين أيديهم، وأيمانهم، وعن شمائلهم، إلا أن ذكر الشمائل مضمر. وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ يعني: أبشروا هذا اليوم بكرامة الله تعالى. جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعني: مقيمين في الجنة، ونجوا من العذاب ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يعني: نُصِبْ من نوركم، فتضيء معكم. وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: «بينما العباد يوم القيامة عند الصراط، إذ غشيتهم ظلمة. ثم يقسم الله تعالى النور بين عباده، فيعطي الله المؤمن نوراً، ويبقى الكافر والمنافق لا يعطيان نوراً، فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصر، كذلك لا يستضيء الكافر والمنافق بنور الإيمان، فيقولان: انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ، فيقال لهم: قِيلَ ارْجِعُوا حيث قسم النور فيرجعون، فلا يجدون شيئاً، فيرجعون، وقد ضرب بينهم بسور. وعن الحسن البصري قال: إِنَّ المنافقين يخادعون الله، وهو خادعهم، لأنه يعطي المؤمن والمنافق نوراً، فإذا بلغوا الصِّراط، اطفىء نور المنافق، فيقول: المنافقون انْظُرُونا
стр. 1615
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
قال: فيشفق المؤمنون حين طفئ نور المنافقين، فيقولون: عند ذلك رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا. قرأ حمزة انْظُرُونا بنصب الألف، وكسر الظاء المعجمة. والباقون:
بالضم. فمن قرأ: بالنصب، فمعناه: أمهلونا. ومن قرأ بالضم، فمعناه: انتظرونا. فقال لهم المؤمنون: ارجعوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً يعني: ارجعوا إلى الدنيا، فإنا جعلنا النور في الدنيا. ويقال: ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور، واطلبوا نوراً، فيرجعون في طلب النور، فلم يجدوا شيئاً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يعني: ظهر لهم. ويقال: بين أيديهم بسور.
يعني: بحائط بين أهل الجنة، وأهل النار، لَهُ بابٌ باطِنُهُ يعني: باطن السور فِيهِ الرَّحْمَةُ يعني: الجنة وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني: النار. ويقال: هو السور الذي عليه أصحاب الأعراف، فيظهر بين الجنة، والنار. باب يعني: عليه: باب فيجاوز فيه المؤمنون، ويبقى المنافقون على الصراط في الظلمة يُنادُونَهُمْ من وراء السور أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يعني: ألم نكن معكم في الدنيا على دينكم، وكنا معكم في الجماعات، والصلوات، فيجيبهم المؤمنون.
قالُوا بَلى يعني: قد كنتم معنا في الدنيا، أو في الظاهر. وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني:
قد أصبتم أنفسكم حيث كفرتم في السر. ويقال: فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني: ثبتم على الكفر الأول في السر وَتَرَبَّصْتُمْ يعني: انتظرتم موت نبيكم. ويقال: تَرَبَّصْتُمْ يعني: أخرتم التوبة، وسوّفْتُمْ فيها. وَارْتَبْتُمْ يعني: شككتم في الدين، وشككتم في البعث وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ يعني: أباطيل الدنيا حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: القيامة وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني:
الشياطين. وقال الزجاج: الْغَرُورُ على ميزان فَعُول، وهو من أسماء المبالغة، وكذلك الشياطين الْغَرُورُ لأنه يغري ابن آدم كثيراً.
ثم قال: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ يعني: في هذا اليوم وهو يوم القيامة. وقرأ ابن عامر: فاليوم لا تؤخذ بالتاء لأن الفدية مؤنثة. وقرأ الباقون: بالياء. وجمع على المعنى، لأن معنى الفدية فداء، ومعناه: لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ الفداء يعني: المنافقين وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين جحدوا بتوحيد الله تعالى، مَأْواكُمُ النَّارُ يعني: مَصِيرَكُمْ إِلَى النار يعني: المنافقين، والكافرين هِيَ مَوْلاكُمْ يعني: هي أولى بكم بما أسلفتم من الذنوب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع النار للكافرين، والمنافقين.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
стр. 1616
قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم. يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه. قال الفقيه:
حدثنا الخليل بن أحمد. ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي. قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله ﷺ ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله. فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب. فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام. قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف. والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.
ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ ﷺ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.
ويقال: خروج النبي ﷺ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون. ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم. وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.
قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. فمن قرأ بالتخفيف،
стр. 1617
فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ ﷺ . ومن قرأ: بالتشديد. يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت. وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.
ثم قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل. يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق. وقال ابن عباس ﵁: فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.
ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم. يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول. يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة. ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم. قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.
ثم وصف حال الكفار فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٣]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)
стр. 1618
ثم قال : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: باطلاً، ولهواً. يعني:
فرحاً يلهون فيها وَزِينَةٌ يعني: زينة الدنيا وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ عن الحسب وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ تفتخرون بذلك. وروى إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال:
«مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .
ثم ضرب للدنيا مثلاً آخر فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني: كمثل مطر نزل من السماء فينبت به الزرع، والنبات، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ يعني: فرح الزارع بنباته، ويقال: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ يعني: الكفار بالله، لأنهم أشد إعْجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين. ويقال: الْكُفَّارَ كناية عن الزراع، لأن الكَفْر في اللغة هو التغطية، ولهذا سمي الكافر كافراً لأنه يغطي الحق بالباطل.
فسمي الزراع كفاراً لأنهم يغطون الحب تحت الأرض، وليس ذلك الكفر الذي هو ضد الإيمان، والطريقة الأولى أحسن إن أراد به الكفار، لأن ميلهم إلى الدنيا أشد ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس فيتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يعني: يابساً. ويقال:
حُطاماً يعني: هالكاً، فشبّه الدنيا بذلك، لأنه لا يبقى ما فيها، كما لا يبقى هذا النبت فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن افتخر بالدنيا، واختارها وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن ترك الدنيا، واختار الآخرة على الدنيا. ويقال: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله لأوليائه.
ثم قال: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يعني: كمتاع الغرور، يعني: كالمتاع الذي يتخذ من الزجاج، والخزف، يسرع إلى الفناء ولا يبقى.
ثم قال : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: سارعوا بالأعمال الصالحة.
ويقال: بادروا بالتوبة. وقال مكحول: سابقوا إلى تكبيرة الافتتاح وَجَنَّةٍ يعني: إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: لو ألصقت بعضها على بعض. يعني: سبع سموات، وسبع أرضين، ومدت مد الأديم، لكان عرض الجنة أوسع من ذلك وإنما بين عرضها، ولم يبين طولها. ويقال: لو جعلت السموات والأرض لكانت الجنة بعد ذلك. هذا مثل يعني: إنها أوسع شيء رأيتموه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: خلقت، وهيئت للذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا برسله، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني: ذلك الثواب فضل الله على العباد يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء من عباده، وهم المؤمنون، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو العطاء العظيم، وذو المَنّ الجسيم.
قوله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني: من قحط المطر، وغلاء السعر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من البلايا، والأمراض، والأوجاع. إِلَّا فِي كِتابٍ يعني: إلا في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من
стр. 1619
قبل أن نخلق تلك النسمة. وذكر الربيع بن أبي صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحَجَّاج أراد قتله، فبكى رجل من قومه فقال سعيد: ما يبكيك؟ قال:
لما أصابك من مصيبة. قال: فلا تبك، قد كان في علم الله تعالى أن يكون هذا. ألم تسمع قول الله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من قبل أن نخلقها. ويقال: قبل أن نخلق تلك النفس إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: هيناً، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ يعني: لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلى مَا فاتَكُمْ من الرزق والعافية، إذا علمتم أنها مكتوبة عليكم قبل خلقكم، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ يعني: بما أعطاكم في الدنيا، ولا تفتخروا بذلك وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: متكبراً، فخوراً، بنعم الله تعالى، ولا يشكروه. قرأ أبو عمرو بما أتاكم بغير مد. والباقون: بالمد.
فمن قرأ: بغير مد، فمعناه: لكيلا تفرحوا بما جاءكم من حطام الدنيا، فإنه إلى نفاد. ومن قرأ: بالمد بما أعطاكم. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: ليس أحد إلا وهو يحزن، ويفرح. ولكن المؤمن من جعل الفرح والمصيبة صبرا.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)
ثم قال : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني: لا يحب الذين يبخلون. يعني: يمسكون أموالهم، ولا يخرجون منها حق الله تعالى وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ويقال: الذين يَبْخَلُونَ.
يعني: يكتمون صفة محمد ﷺ ، وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل. يعني: يكتمون صفة النبيّ ﷺ ونعته. وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن النفقة. ويقال: يعرض عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ
стр. 1620
الْحَمِيدُ
يعني: غنيٌّ عن نفقتهم، وعن إيمانهم، الْحَمِيدُ في فعاله. قرأ حمزة، والكسائي، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بنصب الخاء، والباء. وقرأ الباقون: بضم الباء، وإسكان الخاء، ومعناهما واحد. قرأ نافع، وابن عامر: فَإِنَّ الله الغنى الحميد الذي لا غني مثله. والباقون:
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بإثبات هو.
ثم قال: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر، والنهي، والحلال، والحرام، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ يعني: أنزلنا عليهم الكتاب ليعلموا أمتهم وَالْمِيزانَ يعني: العدل.
ويقال: هو الميزان بعينه، أنزل على عهد نوح ﵇ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يعني: لكي يقوم الناس بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني: وجعلنا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعني: فيه قوة شديدة في الحرب. وعن عكرمة أنه قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني:
أنزل الله تعالى الحديد لآدم ﵇، العلاة، والمطرقة، والكلبتين فيه بأس شديد.
ثم قال : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني: في الحديد مَنافِعُ لِلنَّاسِ مثل السكين، والفأس، والإبرة. يعني: من معايشهم. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يعني: ولكن يعلم الله من ينصره على عدوه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ بقتل أعداءه كقوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويقال:
لكي يرى الله من استعمل هذا السلام في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ بالغيب. يعني:
يصدق بالقلب إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ في أمره عَزِيزٌ في ملكه.
ثم قال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ يعني: بعثناهما إلى قومهما، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا يعني: في نسليهما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكان فيهم الأنبياء مثل موسى، وهارون، وداود، ويونس، وسليمان، وصالح، ونوح، وإبراهيم ﵈ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: كثير من ذريتهم تاركون للكتاب.
قوله : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ يعني: وصلنا، وأَتْبَعْنَا على آثارهم بِرُسُلِنا واحداً بعد واحد وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: وأرسلنا على آثارهم بعيسى ابن مريم وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يعني: أعطيناه الإنجيل وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يعني: الذين آمنوا به، وصدقوه، واتبعوا دينه، رَأْفَةً وَرَحْمَةً يعني: المودة. والمتوادين الذين يود بعضهم بعضاً. ويقال: الرأفة على أهل دينهم، يرحم بعضهم بعضاً، وهم الذين كانوا على دين عيسى، لم يتهوَّدوا، ولم يتنصروا.
ثم استأنف الكلام فقال: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني: ابتدعوا رهبانية مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: لم تكتب عليهم الرهبانية إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وذلك أنه لما كثر المشركون، خرج المسلمون منهم، فهربوا، واعتزلوا في الغيران، واتبعوا الصوامع، فطال عليهم الأمد، ورجع بعضهم عن دين عيسى بن مريم، وابتدعوا النصرانية. قال الله تعالى:
стр. 1621
ابْتَدَعُوها يعني: الرهبانية، والخروج إلى الصوامع، والتبتل للعبادة مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: ما أوجبنا عليهم، ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان الله. يعني: أمرناهم بما يرضي الله تعالى لا غير ذلك. ويقال: ابْتَدَعُوها لطلب رضى الله تعالى فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها يعني: لم يحافظوا على ما أوجبوا على أنفسهم. ويقال: فما أطاعوا الله حين تهودوا، وتنصَّروا.
قال الله تعالى: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ في الآخرة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصين. وهم الذين تهودوا. وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئاً، لم يكن واجباً عليه أن يتبعه، ولا يتركه، فيستحق اسم الفسق. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: عليكم بإتمام هذه التراويح، لأنها لم تكن واجبة عليكم. فقد أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
ثم قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: أطيعوه فيما يأمركم به، وفيما ينهاكم عنه، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ﷺ ، يعني: اثبتوا على الإسلام بعد نبيكم محمد ﷺ ويقال يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم: آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني: أجرين من فضله، ويقال: لما نزلت في أهل مكة أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: ٥٤] ، حزن المسلمون، فنزل فيهم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وأصل الكِفْل النصيب، يعني: نصيبين من رحمته، أحدهما: بإيمانه بنبيه قبل خروج النبيّ ﷺ ، والآخرة الإيمان بمحمد ﷺ .
ثم قال : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني: يجعل لكم سبيلاً واضحاً تهتدون به، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني: يغفر لكم ذنوبكم، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: يغفر الذنوب للمؤمنين رَحِيمٌ بهم، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ولا مؤكدة في الكلام، ومعناه لأن يعلموا أنهم لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من فضل الله ورحمته، يعني:
مؤمني أهل الكتاب، يعلمون أنهم لا يقدرون من فضل الله إلا برحمته لا برحمته، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يعني: الثواب من الله تعالى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من كان أهلا لذلك من العبادة وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: هو المعطي وهو المانع والله أعلم بالصواب.
стр. 1622
سورة المجادلة
وهي اثنتان وعشرون آية مكية
[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)
قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ يعني: تخاصمك، فِي زَوْجِها يعني:
من قبل زوجها. وروى أبو العالية الرياحي: أن الآية نزلت في شأن أوس بن الصامت وفي امرأته خويلة بنت دعلج، وعن عكرمة أنه قال: نزلت في امرأة اسمها خويلة بنت ثعلبة وفي زوجها أوس بن الصامت، جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه فقال النبيّ ﷺ : «مَا أرَاكِ إلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» . قالت: انظر يا نبي الله، جعلني الله فداك يا نبي الله في شأني، وجعلت تجادله، وعائشة ﵂ تغسل رأسي النبيّ ﷺ ، فقالت عائشة ﵂: اقصري حديثك ومجادلتك يا خويلة، أما ترين وجه رسول الله ﷺ قد تربّد ليوحى إليه، فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ.
وروى سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإيلاء، فلما جاء الإسلام جعل الله تعالى في الظهار ما جعل، وجعل في الإيلاء ما جعل.
ثم قال: وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ يعني: تتضرع المرأة إلى الله مخافة الفرقة وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما يعني: محاورتكما ومراجعتكما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يعني: سميعاً لمقالة خويلة بصير بأمرها، وقال مقاتل فهي خويلة بنت ثعلبة.
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٢ الى ٤]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)
стр. 1623
قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ قرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وكسر الهاء، والتخفيف من ظاهر يظاهر، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، يظهارون بنصب الياء، مع التشديد، وهو في الأصل يتظهرون، فأدغمت التاء في الظاء، والمعنى في هذا كله واحد، يقال: ظاهر من امرأته، وتظهَّر منها، وأظهر منها، إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي.
ثم قال: مَّا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وروى الفضل عن عاصم، أمهاتُهم بضم التاء، لأنه خبر ما، كقولك ما زيد عالم، وقرأ الباقون بالكسر، لأن التاء في موضع النصب، فصار خفضاً لأنها تاء الجماعة، وهي لغة أهل الحجاز، فينصبون خبر «ما» ، كقوله ما هذا بشراً، ما هن كأمهاتهم في الحرمة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ يعني: ما أمهاتهم إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ يعني: الأم التي ولدته، والأم التي أرضعته، لأنه قال في موضع آخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] .
ثم قال: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً يعني: قولاً منكراً وكذباً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يعني: ذو تجاوز غَفُورٌ، حيث جعل الكفارة لرفع الحرمة، ولم يجعل فرقة بينهما.
ثم قال: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعني: يعودون لنقض ما قالوا، ولرفع ما قالوا في الجاهلية فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: فعليه تحرير رقبة، ويقال ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فيه تقديم وتأخير، يعني: ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا ويقال: معناه ثم يعودون لما قالوا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يتكلمون بهذا القول فيرجعون إلى ذلك القول بعد الإسلام، وقال بعضهم: لا تجب الكفارة حتى يقول مرتين، لأنه قال: ثم يعودون لما قالوا، يعني: يعودون مرة أخرى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ هذا القول خلاف جميع أهل العلم، وإنما تجب الكفارة إذا قال مرة واحدة. والكفارة ما قال الله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: ٩٢] يعني:
عتق رقبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني: من قبل أن يجامعها. ويقال من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ يعني: هذا الحكم الذي تؤمرون به وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الوفاء وغيره. وقوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ يعني: من لم يجد الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ يعني: فعليه صيام شهرين مُتَتَابِعَيْنِ، لا يفصل بينهما مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
стр. 1624
يعني: من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه. وفي الآية دليل أن المرأة لا يسعها أن تدع الزوج يقربها قبل الكفارة، لأنه نهاهما جميعاً عن المسيس قبل الكفارة، واتفقوا على أنه إذا أفطر في شهرين يوماً بغير عذر عليه أن يستقبل، واختلفوا فيمن أفطر لمرض، أو عذر، أو غيره.
قال عطاء إذا أفطر من مرض، فالله أعذره بالعذر يبدله، ولا يستأنف، وقال طاوس:
يقضي ولا يستأنف، وهكذا قال سعيد بن المسيب: فهؤلاء كلهم قالوا: لا يستقبل، وقال إبراهيم النخعي والزهري والشعبي: يستقبل، وهكذا قال عطاء الخراساني، والحكم بن كيسان، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ﵃.
ثم قال: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً يعني: فعليه في قول أهل المدينة لكل مسكين صاع من الحنطة. أو التمر.
وفي قول أهل العراق منوان من حنطة، أو صاع من تمر، بدليل ما روى سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياض، قال: كنت أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من أهلي، فتظاهرت من أهلي حتى ينسلخ الشهر، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، إذ انكشف لي منها شيء، فواقعتها، فلما أصبحت أخبرت قومي، فقلت: اذهبوا معي إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما نذهب وما نأمن أن ينزل فيك قرآن، فأتيته فأخبرته، فقال: «حَرِّرْ رَقَبَةً» ، فقلت ما أملك إلا رقبتي، قال: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ» ، قلت: وهل أصابني إلا من قبل الصيام، قال: «فأَطْعِمْ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِيناً» ، قلت: والذي بعثك بالحق نبياً لقريش ما لنا طعام. ثم قال: «انْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ» فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم، فقد بين في هذا الخبر أنه يجب وسقاً من تمر، والوسق ستون صاعاً، بالاتفاق.
ثم قال: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني: لتصدقوا بوحدانية الله تعالى وَرَسُولِهِ يعني:
وتصدقوا برسوله وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: هذه فرائض الله، وأحكامه وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وبرسوله، وروي عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي النبي ﷺ يسمع بعض كلامها، ويخفى عليه بعضه، إذا أنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وهكذا قال الأعمش.
стр. 1625
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ١٠]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون، ويشاقون الله ورسوله، ويقال يشاقون أولياء الله ورسوله، يعني: الذين يشاقون أولياء الله، لأن أحداً لا يعادي الله، ولكن من عادى أولياء الله فقد عادى الله تعالى.
ثم قال: كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل: أخذوا كما أخذ الذين من قبلهم من الأمر ويقال: عذبوا كما عذب الذين من قبلهم، وقال أبو عبيد: أهلكوا ويقال: غيظوا كما غيظ الذين من قبلهم والكبت هو الغيظ، ويقال: أحزنوا، وقال الزجاج: أذلوا وغلبوا وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: القرآن فيه بيان أمره ونهيه ويقال: آيات واضحات وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه، ثم قال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين يبعثهم الله من قبورهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر ليعلموا وجوب الحجة عليهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يعني:
حفظ الله عليهم أعمالهم وهم نسوا أعمالهم ويقال: وَنَسُوهُ يعني: وتركوا العمل في الدنيا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يعني: شاهداً بأعمالهم ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ يعني: ألم تعلم، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يعني: أنك تعلم، ويقال: معناه إني أعلمتك أن الله يعلم. ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. يعني: سر أهل السموات وسر أهل الأرض
стр. 1626
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني: لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني: عالم بهم وبأحوالهم أَيْنَ ما كانُوا في الأرض. ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر. وذلك أن نفراً كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض: لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد ﷺ . ويقال إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، فامتنعوا من ذلك ثم عادوا إلى النجوى.
يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني: عن قول السر فيما بينهم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني: بالكذب وَالْعُدْوانِ يعني: بالجور والظلم، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الله وأمر الرسول ﷺ . قرأ حمزة وينتجون، والباقون وَيَتَناجَوْنَ وهما لغتان، يقال: تناجى القوم وانتجوا.
ثم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: إذا جاءك اليهود حيوك بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول الله ﷺ : السام عليكم. فيقول: وعليكم.
فقالت عائشة- ﵂ وعليكم السام، لَعَنَكُم الله وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ. فقال النبي ﷺ :
«مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ. وَإيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» . قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال:
«أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» . فقالت اليهود فيما بينهم: لو كان رسول الله ﷺ كما يقول، لا ستجيب دعاؤه علينا حيث قال: عليكم، فنزل وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: سلموا عليك بما لم يحيك به الله يعني: بما لم يأمرك به الله أن تحيي به، ويقال: بما لم يسلم عليك به الله.
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: فيما بينهم. لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يعني: هلا يعذبنا الله بِما نَقُولُ لنبيه، يقول الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يعني: مصيرهم إلى جَهَنَّمُ، يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ما صاروا إليه.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ قال مقاتل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- باللسان دون القلب- إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وذلك أن النبيّ ﷺ كان إذا بعث سرية، كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين. وهذا الخطاب للمخلصين في قول بعضهم، لأن الله تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان، كفعل المنافقين يعني: بالعداوة والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الرسول أي: لا تخالفوا أمره وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: بالذي أمركم الله تعالى به، بالطاعة والتقى يعني:
ترك المعصية.
стр. 1627
ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، فلا تتناجوا بمثل ما تتناجى اليهود والمنافقون. الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم. ثم قال : إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ يعني: نجوى المنافقين من تزيين الشيطان. قال قتادة: إذا رأى المسلمون المنافقين جاءوا متناجين، فشق عليهم، فنزل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ نجوى المنافقين في المعصية من الشيطان. لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ نافع لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بضم الزاء، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد. ثم قال: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً يعني: ليس نجوى المنافقين يضر شيئاً للمؤمنين، أي: لا يضرهم إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، إلا أن يشاء. الله ثم أمر المؤمنين بأن يتوكلوا على الله، وهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١١ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)
ثم قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ. قرأ عاصم فِي الْمَجالِسِ بلفظ الجمع، والباقون في المجلس يعني: في مجلس النبي ﷺ . نزلت في ثابت بن قيس، وكان في أذنيه شيء من الثقل، فحضر مجلس النبيّ ﷺ وقد أخذوا مجالسهم، فبقي قائما فقال النبيّ ﷺ : «رَحِمَ الله مَنْ وَسَّعَ لأَخِيهِ» ، فنزلت الآية. وروى معمر، عن قتادة أنه قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ ﷺ فقيل لهم: إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس، فَافْسَحُوا يعني: وسعوا المجلس. يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يعني: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.
وروى معمر، عن الحسن قال: هذا في الغزاة وقال مجاهد: تَفَسَّحُواْ في المجلس يعني: مجلس النبيّ ﷺ خاصة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا إلى كل خير وقتال عدو وأمر بالمعروف.
وروي عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ،
стр. 1628
ولكن تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» . قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين انْشُزُوا بالضم للشين، والباقون بالكسر وهما لغتان. يقال: نشز ينشز يعني: إذ قيل لكم انهضوا يعني: قوموا لا تتثاقلوا، ويقال: انْشُزُوا يعني: قوموا للصلاة وقضاء حق أو شهادة فانشزوا يعني:
انهضوا.
ثم قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني: من كان له إيمان وعلم، وكان له فضائل على الذين يقومون وليس بعالم. قال الضحاك: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وقد تم الكلام. ثم قال: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني: لأهل العلم درجات، أي: الذين أوتوا العلم في الدنيا ولهم درجات في العقبى. قال: وللعلماء مثل درجة الشهداء، وقال مقاتل: إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة بعملك، ويقال للعالم: أقم على باب الجنة واشفع للناس. وقال ابن مسعود: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ على الذين آمنوا منكم ولم يؤتوا العلم درجات. ثم قال:
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من التفسح في المجلس وغيره.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ يعني: إذا كلمتم الرسول سراً، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يعني: تصدقوا قبل كلامكم بصدقة. ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصدق خير لكم من إمساكه، وَأَطْهَرُ لقلوبكم وأزكى من المعصية. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ لم يجد الصدقة. وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي ﷺ ، ولم يمكنوا الفقراء من سماع كلامه، وكان يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند المناجاة، فانتهوا عن ذلك، فقدرت الفقراء على سماع كلام النبيّ ﷺ ومجالسته.
وقال مجاهد: نُهوا عن مناجاة النبيّ ﷺ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إِلاَّ عَليُّ بن أبي طالب- ﵁ قدم ديناراً تصدق به وكلم النبيّ ﷺ في عشر كلمات، ثم أنزلت الرخصة بالآية التي بعدها وهو قوله: أَأَشْفَقْتُمْ يعني: أبخلتم يا أهل الميسرة أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؟ فلو فعلتم كان خيرا لكم، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتكرهوا ذلك، فإن الله تعالى غني عن صدقاتكم. وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يعني: تجاوز عنكم. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، فَنَسَخَت الزكاةُ الصدقة التي عند المناجاة. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر والتصدق والنجوى.
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ١٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَّا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)
стр. 1629
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: المنافقين اتخذوا اليهود أولياء وتولَّوهم وناصحوهم، وهم اليهود، وغضب الله عليهم- ثم قال: مَّا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ يعني: ليسوا منكم في الحقيقة ولا من اليهود في العلانية، وهذا كقوله: لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إلى هؤلاء. وكانوا إذا سألهم المسلمون: إنكم تتولون اليهود، كانوا يحلفون بالله إنهم من المؤمنين، كما قال الله تعالى في آية أخرى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ فأخبر الله تعالى إنهم لكاذبون في أيمانهم، فقال: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني: يحلفون أنهم مصدقون في السر وهم يعلمون أنهم مكذبون.
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بئس ما كانوا يعملون بولايتهم اليهود وكذبهم وحلفهم، ثم قال : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يعني: جعلوا حلفهم بدلاً عن القتل، ليأمنوا بها عن القتل والسبي فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صَدُّوا وصرفوا الناس عن دين الله تعالى في السر. فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه.
قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني:
دائمين. ثم قال : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني: المنافقين واليهود، فَيَحْلِفُونَ لَهُ يعني: يحلفون لله تعالى في الآخرة، كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا وحَلفهم في الآخرة ما قال الله تعالى في سورة الأنعام وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] ، وروى معمر، عن قتادة قال: المنافق يحلف لله تعالى يوم القيامة، كما كان حلف لأوليائه في الدنيا.
ثم قال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ يعني: يحسبون أن يمينهم تنفعهم شيئاً، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في قولهم، ويقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين، ويقال:
وَيَحْسَبُونَ يعني: يحسب المؤمنون أنهم على شيء، يعني: إن المنافقين على شَىْء من الدين، يعني: إذا سمعوا حلفهم. قال الله تعالى: مِنْ الدين يعني: إذا سمعوا حلفهم، قال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في حلفهم وهم كافرون في السر. ثم قال: اسْتَحْوَذَ
стр. 1630
يعني: غلب عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، ويقال: استولى عليهم الشيطان. أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ يعني: جند الشيطان أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: خسروا أنفسهم وأموالهم في الآخرة.
[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون الله ويخالفون الله ورسوله أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ يعني: في الأسفلين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار، وهم المنافقون ويقال: أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ يعني: في الهالكين.
قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ يعني: قضى الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي يعني: لأغلبن في الدنيا بالحجة والدلائل في الآخرة، ويقال: لَأَغْلِبَنَّ يعني: لأقهرن أنا ورسلي، فتكون العاقبة للمؤمنين. إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، ويقال: كَتَبَ اللَّهُ يعني: قضى الله ذلك قضاء ثابتاً لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، وغلبة الرسل تكون على نوعين: من بعث منهم في الحرب، فغلب في الحرب ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحجة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: مانع حزبه من أن يذل والعزيز الذي لا يغلب ولا يقهر.
ثم قال: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: البعث بعد الموت. يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يتخذون خلة وصداقة مع الكافرين. نزلت في «حاطب بن أبي بلتعة» وفيه نزل لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ثم قال :
وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ يعني: لا تتخذوا مع الكافرين صداقة، وإن كانوا من أقربائه.
ثم قال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ يعني: الذين لا يتخذون مع الكافرين صداقة. هم الذين جعل في قلوبهم الإيمان يعني: التصديق وَأَيَّدَهُمْ، يعني: أعانهم بِرُوحٍ مِنْهُ
стр. 1631
أي: قَوَّاهم بنور الإيمان وبإِحياء الإيمان، وذلك يوصلهم إلى الجنة، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، يعني: في الآخرة خالِدِينَ فِيها، يعني: في الجنة. ﵃ بإيمانهم وطاعتهم، وَرَضُوا عَنْهُ بالثواب والجنة. أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ يعني: جند الله. أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني: جند الله هُمُ الناجون، الذين فازوا بالجنة وبنعمة الله تعالى وفضله والله أعلم بالصواب.
стр. 1632
سورة الحشر
وهي أربع وعشرون آية مدنية
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)
قوله ﵎: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ، يعني: صلى لله، ويقال: خضع لله، ويقال: هو التسبيح بعينه مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة. وَما فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق. وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره. ثم قال : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: يهود بني النضير. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ. وكان بدأ أمر بني النضير، أن النبيّ ﷺ بعث ثلاثة بعوث، أحد البعوث مرشد بن أبي مرشد الغنوي، وأمره على سبعة نفر إلى بعض النواحي، فساروا حتى جاءوا بطن الرجيع، فنزلوا عند شجرة، فأكلوا من تمر عجوة كانت معهم، فسقطت نوايات بالأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، فكمنوا بالجبل.
فجاءت امرأة من هذيل ترعى الغنم، فرأت النوايات التي سقطت في الأرض، فأنكرت صفرهن فعرفت أنها تمر المدينة، فصاحت في قومها: أنتم أتيتم. فجاؤوا يطلبونها، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فقالوا لهم: انزلوا ولكم الأمان. فقالوا: لا نعطي بأيدينا. فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عبد الله بن طارق، فجرحوه وحسبوا أنه قد مات، فتركوه فنجا من بينهم.
وبقي أخوهم عاصم بن ثابت بن الأفلح، ففرغ جعبته ثم جعل يرميهم ويرتجز، ويقاتلهم حتى فنيت سبله ثم طاعن بالرمح حتى انكسر الرمح وبقي السيف. ثم قال: اللهم
стр. 1633
إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم جسدي في آخره. وكانوا يجردون من قتل أصحابه، فلما قتلوا عاصماً، حمته الدبر وهي الذنابير، حتى جاء السيل من الليل، فذهب به الدبر.
وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة، فأما خبيب فذهبوا به إلى مكة، فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش- قتل لهم قتيل يوم بدر- فلما جيء بخبيب أتي به في الشهر الحرام، فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه، فقال لهم: اتركوني أصلي ركعتين، فصلاهما. ثم قال: لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت، لازددت. فقال: اللهم ليس هاهنا أحد أن يبلغ عني رسولك السلام، فبلغ أنت عني السلام.
ثم التفت إلى وجوههم، وقال: اللهم أحصهم عدداً وأهلكهم بدناً يعني: متفرقين، ولا تبقي منهم أحداً. ثم صلبوه. وأما صاحبه، الذي أسر معه، اشتراه صفوان بن أمية.
وأما البعث الثاني، فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه، فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق، وارتث هو من وسط القتلى فنجا.
وأما البعث الثالث، فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث إليَّ رجالاً يعلموننا القرآن، ويفقهوننا في الدين، فهم في ذمتي وجواري. فبعث النبيّ ﷺ المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار، فساروا نحو بئر معونة. فلما ساروا ليلة من المدينة، بلغهم أن عمرو بن مالك مات، فكتب المنذر بن عمرو إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمده ﷺ بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، ورجل آخر فساروا حتى بلغوا بئر معونة، وكتبوا إلى ربيعة بن عامر بن مالك:
نحن في ذمتك وذمة أبيك، أفنقدم إليك أم لا؟ فقال: أنتم في ذمتي وجواري فأقدموا.
فخرج إليهم عامر بن الطفيل، واستعان برعل وذكوان وعصية فخرجوا إلى المسلمين.
فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، كانوا تخلفوا. فنزلوا تحت شجرة إذ وقع على الشجرة طير، فرمى عليهم بعلقة دم، فعرفوا أن الطير قد شرب الدم، فقال بعضهم لبعض: قد قتل أصحابنا. فصعدوا أعلى الجبل، فنظروا فإذا القوم صرعى، وقد اعتكفت عليهم الطير، فقال الحارث بن الصمة: أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع أصحابي.
فخرج إليهم فقاتل القوم، فقتل منهم رجلين. ثم أخذوه فقالوا له: ما تحب أن نصنع بك؟ فقال لهم: ابلغوا بي مصارع قومي. فلما بلغ مصارع أصحابه، أرسلوه فقاتلهم، فقتل منهم اثنين. ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري، ورجع معه الرجلان الآخران إلى رسول الله ﷺ ، فخرج رجلان من عند رسول الله ﷺ مستأمنين، قد كساهما وحملهما رسول الله ﷺ ، فقال: من أنتما؟ قال: كلابيان. فقتلهما عمرو بن أمية الضمري، وأخذ سلبهما، ودخل على رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، فقال: بئس ما صنعت حين قتلتهما.
стр. 1634
فلما جاء إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة، صلى الصبح في ذلك اليوم، وقال في الركعة الثانية: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان، اللهم غفار، غفر الله لها وسالم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله.
فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول الله ﷺ دية الكلابيين، وكان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبيّ ﷺ في عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال:
أعينوني في عقل أصابني، فقال: هؤلاء حلفائي. فخرج رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي- ﵃ إلى بني النضير، فقال حيي بن أخطب: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا. فجلس النبيّ ﷺ في صفه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي- ﵃ فقال حيي بن أخطب لأصحابه: إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن، فاقتلوه لا تروا شراً أبداً.
فنزل جبريل- ﵇ وأخبره، فقام النبيّ ﷺ كأنه يريد حاجة، حتى دخل المدينة فجاء إنسان، فسألوه عنه فقال: رأيت النبيّ ﷺ دخل أول البيوت. فقاموا من هناك، فقال حيي بن أخطب: عجل أبو القاسم عليه، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله. فلما رجع النبي ﷺ إلى المدينة، جمع الناس وجاء بالجيش، واختلفوا في قتل كَعْب بن الأشرف، فقال بعضهم لبعض: قد كان قتل قبل ذلك، وقال بعضهم: قتل في هذا الوقت. فبعث محمد بن سلمة، فخرج محمد بن سلمة، وأبو نائلة، ورجلان آخران، فأتوه بالليل، وقالوا: أتيناك نستقرض منك شيئاً من التمر. فخرج إليهم فقتلوه، ورجعوا إلى النبيّ ﷺ ، فخرج إليهم.
النبيّ ﷺ مع الجيش إلى بني النضير، فقال لهم: اخرجوا منها. فإذا جاء وقت الجذاذ، فجذوا ثماركم. فقالوا: لا نفعل.
فحاصرهم النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، نحن نعطيك الذي سألتنا. قال: «لاَ ولكن اخْرُجُوا مِنْهَا، وَلَكُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إلاّ الحَلَقَةُ» ، يعني: السلاح، قالوا: لا. فحاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، وأمر بقطع نخيلهم، ونقب بيوتهم. فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت، آخر ينتظرون المنافقين. وقد قال المنافقون لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم. فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم، قال بعضهم لبعض: ليس لنا مقام بعد النخيل، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج، فأجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.
стр. 1635
فأخذ أموالهم، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعطها أحداً من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين، وهما سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة، فنزلت هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ يعني: بني النضير لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، يعني: أول الإجلاء من المدينة. وقال عكرمة: من شك بأن الحشر هو الشام، فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. فلما قال لهم: اخرجوا من المدينة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر. فقال لهم: إنهم أول من يحشر، وأخرج من ديارهم.
ثم قال: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، يعني: ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم. وذلك إن بني النضير كان لهم عز ومنعة، وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ، يعني: وحسبوا بني النضير أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: أن حصونهم تمنعهم من عذاب الله. فَأَتاهُمُ اللَّهُ، يعني: أتاهم أمر الله، ويقال:
فَأَتاهُمُ اللَّهُ بما وعد لهم. مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، يعني: لم يظنوا أنه ينزل بهم، وهو قتل كعب بن الأشرف، ويقال: خروج النبي ﷺ مع الجيش إليهم. وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يعني: جعل في قلوبهم الخوف.
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ. وذلك أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب، وكان المسلمون ينقبون بيوتهم، ويدخلونها، وكان اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها. ويقال: كان اليهود ينقبون بيوتهم، ليرموا بها على المسلمين وكان المسلمون يخربون نواحي بيوتهم، ليتمكنوا من الحرب. ويقال: كان اليهود أنفقوا في بيوتهم، فلما علموا أنهم يخرجون منها، جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون وكان المؤمنون يخربونها، ليدخلوا عليهم. قرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد. والباقون بالتخفيف. قال بعضهم: هما لغتان:
خرب وأخرب. وروي عن الفراء أنه قال: من قرأ بالتشديد، فمعناه يهدمون ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يعطلون. ثم قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، يعني: من له البصارة في أمر الله.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٣ الى ٥]
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)
قوله : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، يعني: لولا أن قضى الله عليهم
стр. 1636
الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا يعني: لعذبهم بالقتل والسبي.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ، يعني: ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، يعني: خالفوا الله ورسوله في الدين، ويقال: عادوا الله ورسوله. وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وأصله من يشاقق الله، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت، يعني: من يخالف الله ورسوله في الدين، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: إذا عاقب، فعقوبته شديدة.
قوله : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يعني: من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله. وقال عكرمة: لما دخل المسلمون على بني النضير، أخذوا يقطعون النخل، فنهاهم بعضهم، وتأولوا قوله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة: ٢٠٥] وقال بعضهم: يقطع ويتأول قوله تعالى:
وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة: ١٢٠] ، فأنزل الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ. وقال الزهري في قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العجوة، وقال الضحاك: اللينة: النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة، وقال مجاهد: اللينة: الشجرة المثمرة.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها، وبتحليل من قطعها، وإنما قطعها وتركها بإذن الله تعالى. وعن ابن عباس أنه قال: أمر النبي ﷺ بقطع النخل، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة، فقالوا للمؤمنين: تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض، فدعوها قائمة فإنما هي لمن غلب، فنزل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها وهي العجوة فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: القطع والترك بإذن الله.
وروي عن النبيّ ﷺ أنه أمر عبد الله بن سلام، وأبا ليلى المازني بقطع النخل، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون، فقيل لأبي ليلى: لِمَ تقطع العجوة؟
قال: لأن فيه كبت العدو. وقيل لابن سلام: لِمَ تقطع اللون، قال: لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين. فأنزل الله تعالى رضاً بما فعل الفريقان، فقال الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ. ثم قال : وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعني:
وليذل العاصين الناقضين العهد.
стр. 1637
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)
ثم قال : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ ﷺ ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها. ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا. وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا ﷺ عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.
ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني:
من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر. فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب. وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي ﷺ خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين. ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول ﷺ . وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي ﷺ ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.
فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه. وأما فدك، فكانت لابن السبيل. وأما خيبر، فجزأها
стр. 1638
ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة. فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.
ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال. دُولَةً. قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم. فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا. وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.
بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.
ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ ﷺ من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.
ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ ﷺ . ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني:
اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.
فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي ﷺ وأصحابه.
قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ. يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني:
المهاجرين. ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا. وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين. وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.
وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة- ﵁ إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ. ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج
стр. 1639
مني، فبعث إليه. ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني:
ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين. وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ ﷺ أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .
وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين. يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار. وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.
وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة. ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين. ثم نزل في شأن المنافقين:
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١١ الى ١٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لاَ يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)
стр. 1640
فقال : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يعني: منافقي المدينة. يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: من بني النضير. لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً يعني: ولا نطيع محمدا ﷺ في خذلانكم. وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يعني:
لنعينكم. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم، وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم، فقال الله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ يعني: لئن أخرج بنو النضير، لا يخرج المنافقين معهم. وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ يعني: لا يمنعونهم من ذلك. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: رجعوا منهزمين. ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، ثم لا يثبتون يعني: لا يُمْنَعون من الهزيمة.
ثم قال : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً يعني: أنتم يا معشر المسلمين أشد رهبة فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يعني: خوفهم منكم أشد مِنْ عَذَابِ الله في الآخرة. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، يعني: لا يعقلون أمر الله تعالى.
ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب، فقال : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً، يعني:
لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم. إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ، يعني: حصينة أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ، يعني: يقاتلونكم من وراء جدر، فحذف الألف وهو جمع الجدار. قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء جدار بالألف، والباقون جُدُرٍ بحذف الألف وهو جماعة وممن قرأ جدار، فهو واحد يريد به الجمع. ثم قال: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، يعني: قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد، وأما مع المؤمنين فلا. ثم قال تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً، يعني: تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، يعني: قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الاختلاف بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ يعني:
لا يعقلون أمر الله تعالى.
ثم ضرب لهم مثلا، فقال : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم، يعني: أهل بدر. قَرِيباً يعني: كان قتال بدر قبل ذلك بقريب، وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا. ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعني: عقوبة ذنبهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة، وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم. كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: برصيصا الراهب.
وروى عدي بن ثابت، عن ابن عباس- ﵄ قال: كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى زمانا من الدهر، حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم، فيبرءون
стр. 1641
على يديه. وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له، حتى وقع عليها، فحملت. فلما استبان حملها، لم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له، حتى قتلها ودفنها. ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في صورة رجل، حتى لقي أحدا من أخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا. فبلغ ذلك ملكهم، فسار الملك مع الناس، فأتوه فاستنزلوه من الصومعة فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به، فصلب. فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه، فهل لك أن تطيعني: فيما أقول لك، وأخلصك مما أنت فيه؟ فقال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة.
فسجد له، فذلك قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: اسجد.
فَلَمَّا كَفَرَ يعني: سجد. قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، قال ذلك على وجه الاستهزاء، كذلك المنافقون خذلوهم اليهود كما خذل الشيطان الراهب، فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني: عاقبة الشيطان والراهب، أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها يعني: مقيمين فيها.
وكان ابن مسعود يقرأ خالدان فيها، وقراءة العامة بعده خالِدَيْنِ فِيها بالنصب. وإنما هو نصب على الحال. وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يعني: الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، ويقال: أطيعوا الله.
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: ما عملت لغد، وأسلفت لغد أي ليوم القيامة، ومعناه:
تصدقوا واعملوا بالطاعة، لتجدوا ثوابه يوم القيامة. ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر.
ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود. ويوحدوه في السر والعلانية، ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا أمر الله
стр. 1642
تعالى. فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: خذلهم الله تعالى، حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي:
تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال:
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: أنساهم حالهم، حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الناقضين للعهد.
ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، يعني: لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة، لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معتصمون، وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة، وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة. ويقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الآخرة، لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم، وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان. ثم قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يعني: المستعدون الناجون، وأصحاب النار الهالكون.
ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن، فقال : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ يعني:
القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يعني: خاضعا متصدعا، ويقال: يندق من خوف عذاب الله، فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع؟ ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تميز عقل، لتصدع من الخشية.
ثم قال : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: نبينها للناس، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا في أمثال الله، يعني: يعتبرون ولا يعصون الله تعالى. ثم قال:
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني:
عالم السر والعلانية، ويقال: الغيب: ما غاب عن العباد. والشهادة: ما شاهدوه وعاينوه ويقال: عالم بما كان وبما يكون، ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا. ثم قال: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يعني: العاطف على جميع الخلق بالرزق، الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
ثم قال : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ يعني: مالك كل شيء،
стр. 1643
وهو الملك الدائم الذي لا يزول ملكه أبدا. ثم قال: الْقُدُّوسُ يعني: الطاهر عما وصفه الكفار ولهذا سمي بيت المقدس يعني: المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. ثم قال:
السَّلامُ يعني: يسلم عباده من ظلمه، ويقال: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء. ثم قال: الْمُؤْمِنُ يعني: يؤمن أولياؤه من عذابه ويقال:
الْمُؤْمِنُ أي: يصدق في وعده ووعيده ويقال: الْمُؤْمِنُ يعني: قابل إيمان المؤمنين. ثم قال: الْمُهَيْمِنُ يعني: الشهيد على عباده بأعمالهم، ويقال: الْمُهَيْمِنُ يعني: المويمن فقلبت الواو هاء، وهو بمعنى الأمين. ثم قال: الْعَزِيزُ يعني: الذي لا يعجزه شيء عما أراد ويقال: الْعَزِيزُ الذي لا يوجد مثله. ثم قال: الْجَبَّارُ يعني: القاهر لخلقه على ما أراده، ويقال: الغالب على خلقه ومعناهما واحد. ثم قال: الْمُتَكَبِّرُ يعني: المتعظم على كل شيء، ويقال: الْمُتَكَبِّرُ الذي تكبر عن ظلم عباده. ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ يعني: تنزيها لله تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: عما وصفه الكفار من الشريك والولد، ويقال: سُبْحانَ اللَّهِ، بمعنى: التعجب يعني عجبا عما وصفه الكفار من الشريك.
قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ يعني: خالق الخلق في أرحام النساء، ويقال: خالق النطف في أصلاب الآباء، المصور للولد في أرحام الأمهات ويقال: الْخالِقُ يعني:
المقدر. الْبارِئُ الذي يجعل الروح في الجسد، ويقال: الْبارِئُ يعني: خالق الأشياء ابتداء. ثم قال: الْمُصَوِّرُ للولد في أصلاب الآباء. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى، ويقال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهي تسعة وتسعون اسما، مائة غير واحد. مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ. وروى أبو هريرة- ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً غير واحد مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: يخضع له ما في السموات والأرض، يعني: جميع الأشياء، كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، فما الحكمة في أنه نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه؟ قيل له: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير فهو ناقص، وإن كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه- والله تام الملك والقدرة، فيستوجب به المدح. فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه- وجواب آخر: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير، فتلك الخصال أفضال من الله تعالى، ولم يكن ذلك بقدرة العبد، فلهذا لا يجوز له أن يمدح نفسه. والله إنما قدرته وملكه له، ليس لغيره، فيستوجب به المدح. ومثال هذا أن الله تعالى نهى عباده أن لا يمنوا على أحد بالمعروف، وقد من الله تعالى على عباده للمعنى الذي ذكرناه في المدح والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 1644
سورة الممتحنة
وهي ثلاث عشرة آية مدنية
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة العبسي ذلك أن النبيّ ﷺ كان يجهز الجيش للخروج إلى فتح مكة، وكان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى الغزو، ورى بغيره يعني: يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى، وكان الناس لا يعلمون إلى أي ناحية يريد الخروج. فأمر الناس بأن يتجهزوا للخروج إلى الغزو، ولم يعلموا إلى أين يخرج، إلا الخواص من أصحابه. فبينما الناس يتجهزون، إذ قدمت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة مغنية، فقال لها النبيّ ﷺ : لماذا جئت؟ فقالت: جئت لتعطيني شيئا.
فقال لها النبيّ ﷺ : ما فعلت بحطباتك من شبان قريش؟ فقالت: منذ قتلهم ببدر، لم يصل إلي شيء إلا القليل. فأمر النبيّ ﷺ بأن تعطى شيئا لترجع. فلما أرادت الخروج، أتاها حاطب بن أبي بلتعة، فقال لها: إني معطيك عشرة دنانير وكساء، على أن تبلغي إلى أهل مكة كتابا.
فأجابته إلى ذلك، فخرجت إلى مكة، فنزل جبريل- ﵇ في أثرها بالخبر،
стр. 1645
فقال النبيّ ﷺ لعلي والزبير والمقداد: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها. فخرجوا حتى أتوا الروضة، فإذا هي سارة هناك، فقالوا لها: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فألحوا عليها، فحلفت أنه ليس معها كتاب، فلم يصدقوها حتى نزعت جميع ثيابها، فرمت بها إليهم. فنظروا إلى ثيابها، فلم يجدوا فيها الكتاب ونظروا في راحلتها وأمتعتها، فلم يجدوا فيها الكتاب. فقال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نرجع. فقال علي بن أبي طالب- ﵁ إن جبريل نزل على رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فقول المرأة أصدق أم قول جبريل؟ فو الله لا أرجع، حتى آخذ منها الكتاب، ولأحملن رأسها إلى رسول الله ﷺ . وسل السيف ليضرب رأسها، فأخرجت الكتاب من عقاصها.
فأتوا به النبيّ ﷺ ، فقرأ الكتاب. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، وأخبرهم بأن النبيّ ﷺ يريد الخروج إليهم، وذكر: أن محمدا يقصدكم، فخذوا حذركم وإنه أراد بالكتاب إليهم مودتهم، فقام إليه عمر- ﵁ وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيّ ﷺ : ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله. إني كنت ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكل من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهاليهم، فأردت أن أتخذ فيهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت هذا كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام. وقد علمت أن الله تعالى منجز وعده ما وعد، إلا نصر نبيه محمد ﷺ . قال النبيّ ﷺ : «دعوه إنه شهد بدرا، وما يذريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم» ، فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فسماهم مؤمنين لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ يعني: في العون والنصرة.
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: تكتبون وتبعثون إليهم بالصحيفة والنصيحة ويقال: معناه تخبرونهم كما يخبر الرجل أهل مودته، حيث توجهون إليهم بالكتاب والمودة والنصيحة.
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يعني: من القرآن والرسول. يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ يعني: أخرجوكم من مكة. أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ يعني: لأجل الإيمان بربكم يعني:
بوحدانية رَبِّكُمْ. إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: لا تلقون إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وطلب رضاي. وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ يعني: ما أسررتم وما أظهرتم، يعني: أسررتم من المودة لأهل الكفر وأعلنتم الإقرار بالتوحيد. وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني: من يفعل منكم بعد هذا، فقد أخطأ قصد الطريق.
ثم قال : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ، وهذا إخبار من الله تعالى للمؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، لكيلا يميلوا إليهم، فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يعني: أن يظهروا عليكم ويقال: إن يأخذوكم ويقال: إن يقهروكم ويغلبوكم. يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً يعني: يتبين لكم أنهم
стр. 1646
أعداؤكم، فيظهر لكم عداوتهم عند ذلك. وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والتعذيب، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني: بالشتم. وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ يعني: تمنوا أن ترجعوا إلى دينهم، فإن فعلتم ذلك بسبب قرابتكم. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ يعني: قرابتكم، وَلا أَوْلادُكُمْ الذين كانوا بمكة.
يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يعني: يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة. قرأ عاصم يَفْصِلُ بنصب الياء وكسر الصاد مع التخفيف يعني: يفصل الله بينكم يوم القيامة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التخفيف، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والمعنى مثل الأول وقرأ حمزة والكسائي: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء وكسر الصاد مع التشديد يعني: يفصل الله بينكم والتشديد للتكثير وقرأ ابن عامر: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والتشديد للتكثير ويقال الفصل هو القضاء، يعني: يقضي بينكم على هذا. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: عالم بأعمالكم.
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٤ الى ٦]
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)
قوله : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ يعني: هلا فعلتم كما فعل إبراهيم، تبرأ من أبيه لأجل كفره؟ ويقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: قدوة حسنة وسنة صالحة في إبراهيم فاقتدوا به. وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: من كان مع إبراهيم من المؤمنين.
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ أي: لمن كفر من قومهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ يعني: من دينكم، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: برآء مما تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة. كَفَرْنا بِكُمْ يعني: تبرأنا منكم. قرأ عاصم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بضم الألف، والباقون بالكسر، وهما لغتان إسوة وأُسوة وهما بمعنى الاقتداء.
ثم قال: وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ يعني: حتى تصدقوا بالله وحده، فأعلم الله تعالى أن أصحاب إبراهيم تبرؤوا من قومهم، وعادوهم، لأجل
стр. 1647
كفرهم، فأمر الله تعالى أصحاب النبيّ ﷺ أن يقتدوا بهم. ثم قال: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ، يعني: اقتدوا بهم إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ يعني: لأدعون لك أن يهديك الله ويكون على هذا التفسير إلا بمعنى لكن قَوْلَ إبراهيم لاًّبِيهِ لاّسْتَغْفِرَنَّ لك يعني: لأدعون لك أن يهديك الله يعني: هذا التفسير إلا بمعنى لكن قول إبراهيم لأبيه بالهدى. ثم قال: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: إبراهيم تبرأ من قومه، لكنه يدعو لأبيه لاستغفرن لك يعني: لأدعون لك أن ثم علَّمهم ما يقولون، فقال: قولوا رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليك وأمر أهالينا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا يعني: أقبلنا إليك بالطاعة وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع في الآخرة. قوله تعالى: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، فتقتر علينا الرزق وتبسط عليهم، فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي قراءة عبد الله بن مسعود- ﵁ إِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم.
وقال بعضهم: هذا كله حكاية عن قول إبراهيم أنه دعا ربه بذلك، ويقال: هذا تعليم لحاطب بن أبي بلتعة هلاّ دعوت بهذا الدعاء، حتى ينجو أهلك، ولا يسلط عليهم عدوك. قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: في إبراهيم وقومه في الاقتداء. لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ يعني: لمن يخاف الله ويخاف البعث ويقال: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا
ثواب الله وثواب يوم القيامة. وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن الحق ويقال: يأبى عن أمر الله تعالى. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني: الغني عن عباده الحميد في فعاله.
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٧ الى ١٠]
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)
ثم قال : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ يعني: لعل الله أن يجعل بينكم وَبَيْنَ
стр. 1648
الَّذِينَ عادَيْتُمْ
، كفار مكة. مِنْهُمْ مَوَدَّةً وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه، فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم، فشق ذلك على بعضهم، فنزل عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يعني: صلة. قال مقاتل: فلما أسلم أهل مكة، خالطوهم وناكحوهم، فتزوج النبيّ ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأسلمت وأسلم أبوها.
ويقال: يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام وهذا القول أصح، لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك. وَاللَّهُ قَدِيرٌ على المودة ويقال: قَدِيرٌ بقضائه وهو ظهور النبيّ ﷺ على أهل مكة. وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب منهم، رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.
ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم، وهم خزاعة وبنو مدلج، فقال : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني: عن صلة الذين لم يقاتلوكم فى الدين، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ يعني: أن تصلوهم، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ يعني: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني: العادلين بوفاء العهد، يقال: أقسط الرجل، فهو مقسط إذا عدل. وقسط يسقط، فهو قاسط إذا جار.
ثم قال : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني: عن صلة الذين يقاتلوكم في الدين، وهم أهل مكة، ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب. وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ يعني: عاونوا على إخراجكم من دياركم. أَنْ تَوَلَّوْهُمْ يعني: أن تناصحوهم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ يعني: يناصحهم ويحبهم منكم، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: الكافرون الظالمون لأنفسهم.
قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ وذلك أن النبيّ ﷺ صالح أهل مكة يوم الحديبية، وكتب بينه وبينهم كتاباً: «إِنَّ مَنْ لَحِقَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَحِقَ منهم بالنّبيّ ﷺ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ» . فجاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ ، اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فجاء زوجها في طلبها، فقال للنبيّ ﷺ : ارْدُدْهَا فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شرطا. فقال النبيّ ﷺ : «إنَّمَا كَانَ الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّسَاءِ» . فأنزل الله تعالى: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ نصب على الحال فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني: اختبروهن، ما أخرجكن من بيوتكن؟ فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني: اسألوهن، ويقال: استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصاً على الإسلام، ولم تكن لكراهية الزوج، ولا لغير ذلك اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ يعني:
أعلم بسرائرهن.
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ يعني: إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام، ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: لا تردوهن إلى أزواجهن. لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ يعني: لا تحل مؤمنة لكافر، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ يعني: ولا نكاح كافر لمسلمة.
стр. 1649
قوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يعني: أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر. قال مقاتل: يعني: إن تزوجها أحد من المسلمين، يدفع المهر إلى الزوج فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين، فليس لزوجها الكافر شيء. ثم قال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعني: لا حرج على المسلمين أن يتزوجوهن. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني:
مهورهن، فرد المهر على الزوج الكافر منسوخ. وفي الآية دليل أن المرأة إذا خرجت من دار الحرب، بانت من زوجها. وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة: أنَّهُ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا. وفي أقوال أبي يوسف ومحمد: عليها العدة.
ثم قال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ. قرأ أبو عمرو وَلا تُمْسِكُوا بالتشديد، والباقون بالتخفيف. فمن قرأ بالتخفيف، فهو من أمسك يمسك، ومن قرأ بالتشديد فهو من مسك بالشيء يمسكه تمسيكاً، ومعناهما واحد، وهو أن المرأة إذا كفرت، ولحقت بدار الحرب، فقد زالت العصمة بينهما. فنهى أن يقبضها من بعد انقطاعها، وجاز له أن يتزوج أختها أو أربعاً سواها. وأصل العصمة الحبل، ومن أمسك بالشيء فقد عصمه. وقال: معناه لا ترغبوا فيهن ولا تعتدوا فيهن ويقال: لا تعتد بامرأتك الكافرة، فإنها ليست لك بامرأة. وكان للمسلمين نساء في دار الحرب، فتزوجن هناك. ثم قال: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ يعني: اسألوا من أزواجهن ما أنفقتم عليهن من المهر. وَلْيَسْئَلُوا منكم مَّا أَنْفَقُوا يعني: ما أعطوا من مهر المرأة التي أسلمت. وهذه الآية نسخت، إلا قوله: لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ثم قال: ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يعني: أمره ونهيه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يعني: يقضي بينكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١١ الى ١٣]
وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)
قوله : وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: إذا ارتدت امرأة
стр. 1650
ولحقت بدار الحرب، فعاقبتم يعني: فغنم من المشركين شيئاً، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا من الغنيمة، مثل الذين أعطوا نساءهم من المهر. وهذه الآية منسوخة بالإجماع. قرأ إبراهيم النخعي: فعاقبتم بغير ألف، وعن مجاهد أنه قرأ:
فَعاقَبْتُمْ وقراءة العامة فَعاقَبْتُمْ فذلك كله يرجع إلى معنى واحد يعني: إذا غلبتم العبد واعتصمتم، واصبتموهم في القتال. وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم.
الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: مصدقين. ثم قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ يعني: النساء إذا أسلمن، فبايعهن عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، يعني: لا يعبدن غير الله.
وَلا يَسْرِقْنَ، يعني: لا يأخذن مال أحد بغير حق. وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني:
ولا يقتلن بناتهن، كما قتلن في الجاهلية ويقال: لا يشربن دواءً، فيسقطن حملهن.
ثم اختلفوا في مبايعة النساء، وقال بعضهم: وضع رسول الله ﷺ ثوباً وأخذ في الثوب، وقال بعضهم: كان يشيرهن رسول الله ﷺ ويصافحهن عمر، وذكر أن النبيّ ﷺ لما فتح مكة، وفرغ من مبايعة الرجال، وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب- ﵁ أسفل منه، فبايع النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن. فقالت هند، امرأة أبي سفيان: إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنْ مَالِ أبِي سُفْيَان، فَلاَ أدْرِي أَحَلاَلٌ أمْ لا؟ فقال أبو سفيان: نَعَمْ مَا أَصَبْتِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا غَبَرَ. فقال النبيّ ﷺ : عَفَا الله عَمَّا سَلَف.
وفي خبر آخر، أنها قالت: أرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي وَلِوَلَدي، هَلْ يَحِلُّ لِي أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ؟ فقال النبيّ ﷺ : «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَلِوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ» . ثم قال: وَلا يَزْنِينَ فلما قال ذلك، قالت هند: أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟ فضحك عمر عند ذلك، ثم قال: تَعَالَيْ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني: لا يقتلن بناتهن الصغار، فقالت هند: ربيناهم صغاراً أفنقتلهم كباراً؟ فتبسم النبيّ ﷺ ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعني: لا تجيء بصبي من غير زوجها، فتقول للزوج: هو منك. فقالت هند: إنَّ البُهْتَانَ أَفْحَشُ وَمَا تَأْمُرْنَا إلاَّ بالرّشد.
ثم قال : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: في طاعة مما أمر الله تعالى، ويقال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب، أو تخلو مع الأجنبي، أو نحو ذلك، فقالت هند: ما جَلَسْنَا هَذَا المَجْلِسِ وَفِي أَنْفُسِنَا أَنْ نَعْصِيكَ فِي شَيْءٍ ثم قال فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ يعني: إذا بايعن على ذلك، فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لهن ما كان في الشرك رحيم فيما بقي.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين، يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من
следующие страницы →