← Тафсир

Тафсир · id 23594

تفسير السمرقندي = بحر العلوم

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (1 849 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

سورة النازعات وآياتها ست وأربعون آية مكية [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) قوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً قال مقاتل يعني: ملك الموت ينزع روح الكافر من صدره، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف. فيخرج نفسه من حلقه منها العروق، كالغريق في الماء وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ملك الموت، ينشط روح الكافر من قدمه إلى حلقه. وقال الكلبي: وَالنَّازِعاتِ يعني: ملك الموت وأعوانه غَرْقاً كرهاً. يقال: غرقت نفسه في صدره وذلك، أنه ليس من كافر يحضره الموت، إلا عرضت عليه جهنم، فيراها قبل أن يخرج نفسه، فيرى فيها أقواماً، مرة ينغمسون، ومرة يرتفعون. فعند ذلك، تغرق روحه في جسده. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح المؤمنين بالتيسير، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت، إلا ويرى منزلته في الجنة. ويرى فيها أقواماً من أهل معرفته، وهم يدعون إلى أنفسهم، فعند ذلك ينشط إلى الخروج. ويقال النَّازِعاتِ الملائكة تنزع النفس أغراقاً، كما يغرق النازع في القوس وَالنَّاشِطاتِ الملائكة تقبض نفس المؤمن، كما ينشط العقال. وقال عطاء: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً يعني: ألقى وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الأوهاق. ثم قال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح الصالحين، يسلونها سلاً رقيقاً، ويتركونها حتى تستريح رويداً. ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: السفن تجري

стр. 1752

في الماء. ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة جعل نزولها في السماء كالسباحة. ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: النجوم الدوارة. كما قال: وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣] ثم قال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: الملائكة الذين يسبقون إلى الخير والدعاء. ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً بالخير يعني: أرواح المؤمنين يعرج بها إلى السماء، سراعاً يفتح لها أبواب السماء. ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: خيول الغزاة. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً يعني: الملائكة الذين جعل إليهم تدبير الخلق، وهم جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ﵈. أما جبريل فعلى الوحي، وإنزال الرحمة، والعذاب على الخلائق بأمر الله وأما ميكائيل فعلى الأمطار والنبات، يقسم على البلاد والعباد بإذن الله. وأما عزرائيل، وهو ملك الموت، فعلى قبض الأرواح عند انقضاء أجلهم بإذن الله تعالى. وإما إسرافيل، فعلى النفخ في الصور متى أمره الله تعالى، فهذا كله قسم، وجواب القسم مضمر، فكأنه أقسم بهذه الأشياء، أنهم يبعثون يوم القيامة، لأن في الكلام دليلاً عليه، وهو قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: لتبعثن يوم القيامة في يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: الصيحة الأولى. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ يعني: الصيحة الثانية، يعني: النفخة الأولى للصعق، والنفخة الأخرى للبعث. وروي عن يزيد بن ربيعة، عن الحسن في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال: هما النفختان، فأما الأولى: فيميت الأحياء، وأما الثانية: فتحيي الموتى. ثم تلا وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأصل الرجفة الحركة يعني: تزلزلت الأرض زلزلة شديدة عند النفخة الأولى، والرادفة كل شيء تجيء بعد شيء، فهو يردفه. ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ يعني: خائفة خاشعة من هول ذلك اليوم. ويقال: يعني: ذليلة. ويقال: زائلة عن مكانها. أَبْصارُها خاشِعَةٌ يعني: أبصار الخلائق ذليلة. ويقال: أبصار القلوب خاشعة. ثم ذكر قول الكفار، وإنكارهم البعث فقال: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ تعجباً منهم، وفي الآية تقديم ومعناه: أإنا لمردودون في الحياة بعد الموت. ويقال: أإنا لمردودون في الحافرة، أي: إلى أول أمرنا. يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته أي: رجع من حيث جاء. ثم قال: أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً يعني: بعد ما كنا عظاماً بالية. قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر إِذَا كُنَّا عظاما ناخرة بالألف، والباقون بغير ألف. قال بعضهم: معناهما واحد هما لغتان. وقال بعضهم: الناخرة التي أكلت أطرافها، وبقيت أوساطها، والنخرة التي قد فسدت كلها. وقال مجاهد: عظاماً نخرة، أو مرفوتة كما قال في قوله:

стр. 1753

عِظاماً وَرُفاتاً قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ يعني: إن كانوا كما يقولون، فنحن بخسران قوله تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني: يبعثهم صيحة واحدة، وهو نفخ إسرافيل في الصور فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يعني: على وجه الأرض يعني: هم قيام على ظهر الأرض. ويقال: سميت الأرض ساهرة، لقيام الخلق، وسهرهم عليها. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٥ الى ٢٦] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) ثم وعظهم بما أصاب فرعون في النكال في الدنيا فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى يعني: قد أتاك خبر موسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ يعني: بالوادي المطهر طُوىً اسم الوادي اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى يعني: علا وتكبر وكفر فقال الله تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى يعني: ألم يأن لك أن تسلم. ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك. قرأ ابن كثير، ونافع إلى أن تزكى بتشديد الزاء، لأن أصله تتزكى، وأدغمت التاء في الزاء، وشددت. والباقون بالتخفيف، لأنه حذف إحدى التائين، وتركت مخففة. ثم قال: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى يعني: أدعوك إلى توحيد ربك فتخشى. يعني: تخاف عذابه فتسلم فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى يعني: العصا، واليد، وسائر الآيات. فَكَذَّبَ وَعَصى يعني: كذب الآيات، ولم يقبل قول موسى- ﵇ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى يعني: أدبر عن التوحيد، وسعى في هلاك موسى فَحَشَرَ يعني: فجمع أهل المدينة فَنادى يعني: فخاطب فَقالَ لهم اعبدوا أصنامكم التي كنتم تعبدون، فإن هؤلاء أربابكم الصغار. أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى يعني: فعاقبه بعقوبة الدنيا والآخرة، وهي الغرق وعقوبة الآخرة وهي النار. ويقال: الآخرة والأولى. يعني: العقوبة بالكلمة الأولى، والكلمة الأخرى، فأما الأولى قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي والأخرى قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وكان بين الكلمتين أربعون سنة. ويقال: قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى كان في الابتداء، حيث أمرهم بعبادة الأصنام، ثم نهاهم عن ذلك، وأمرهم بأن لا يعبدوا غيره. وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في هلاك فرعون وقومه لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى يعني: لعظة لمن يريد أن يعتبر، ويسلم.

стр. 1754

[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٧ الى ٤١] أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) ثم وعظ أهل مكة فقال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يعني: أبعثكم بعد الموت أشد، أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس، خلق السماء أشد. فالذي هو قادر على خلق السماء، قادر على البعث. ثم قال: بَناها يعني: خلق السماء مرتفعة رَفَعَ سَمْكَها أي: سقفها بغير عمد فَسَوَّاها يعني: سوى خلقها. ويقال: خلقها مستوية، بلا صدع ولا شق وَأَغْطَشَ لَيْلَها يعني: أظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضُحاها يعني: أنوار ضحاها، وشمسها ونهارها، فإنها راجعة إلى السماء. ثم قال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعني: بعد خلق الأرض السماء، وبسط الأرض ومدها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يعني: من الأرض ماءها. يعني: عيونها للناس وَمَرْعاها للدواب والأنعام. قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتاً، ومتاعاً للأنعام من العنب، والشجر، والحب، والتمر، والملح والنار، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. ثم قال : وَالْجِبالَ أَرْساها يعني: أوتدها وأثبتها مَتاعاً لَكُمْ يعني: منفعة لكم وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يعني: الصيحة العظمى، وإنما سميت الطامة، لأنها طمت وعلت فوق كل شيء يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى يعني: يعلم بكل شيء عمله في الدنيا. ويقال: يوم ينظر الإنسان في كتابه، بما عمل في الخير والشر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني: أظهرت الجحيم لِمَنْ يَرى يعني: لمن وجب له فَأَمَّا مَنْ طَغى يعني: كفر وعلا وتكبر. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: اختار ما في الدنيا على الآخرة. ويقال: اختار العمل للدنيا على الآخرة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا. وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يعني: خاف المقام بين يدي ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني: منع نفسه عن معاصي الله تعالى، وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا. قال علي بن أبي طالب، ﵁ أخوف ما

стр. 1755

أخاف عليكم اثنان: طول الأمل، واتباع الهوى. فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٢ الى ٤٦] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ يعني: يسألونك عن قيام الساعة أَيَّانَ مُرْساها أي: وقت قيامها. وأصله أي: أوان ظهورها ووقتها. قال الله تعالى للنبي ﷺ : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها يعني: دع ما أنت وذاك دع ذلك إلى الله، ثم قال: إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها يعني: عند ربك علم قيامها. وروى سفيان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة- ﵂. قالت: لم يزل النبي ﷺ ، يسأل عن الساعة، حتى نزل فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها يعني: عند ربك علم قيامها، وانتهى عند ذلك. ثم قال : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها يعني: أنت مخوف بالقرآن، من يخاف قيام الساعة، وليس عليك أن تعرف متى وقتها. ثم قال : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها يعني: قيام الساعة لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها يعني: كأنهم لبثوا في قبورهم مقدار عشية، وهو قدر آخر النهار، أو ضحاها وهو قدر أول النهار. ويقال: كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، إلا مقدار العشية، أو مقدار الضحى. قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ بالتنوين، والباقون بغير تنوين. فمن قرأ بالتنوين، جعل من في موضع النصب. يعني: منذر الذي يخشاها. ومن قرأ بغير تنوين، جعل من في موضع خفض. بالإضافة. والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد.

стр. 1756

سورة عبس وهي اثنتان وأربعون آية مدنية [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أي: كلح وأعرض بوجهه. يعني: النبيّ ﷺ وروى هشام بن عروة قال: كان النبيّ ﷺ جالساً، ومعه عتبة بن ربيعة، في ناس من وجوه قريش، وهو يحدثهم بحديث. فجاء ابن أم مكتوم على تلك الحال، فسأله عن بعض ما ينفع به، فكره النبي ﷺ أن يقطع كلامه، وقال في رواية مقاتل، كان اسم ابن أم مكتوم عمر بن قيس. وقال في رواية الكلبي، كان اسمه عبد الله بن شريح. فقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله تعالى. فأعرض عنه شغلاً بأولئك القوم، لحرصه على إسلامهم فنزل عَبَسَ وَتَوَلَّى. وهو بلفظ المغايبة، تعظيما للنبي ﷺ عَبَسَ محمد ﷺ وجهه وَتَوَلَّى يعني: وأعرض أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى يعني: إن جاءه الأعمى. ويقال: حين جاء الأعمى، وهو ابن أم مكتوم. ثم قال: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يعني: وما يدريك يا محمد، لعله يصلي أو يفلح، فيعمل خيراً فيتعظ بالقرآن. ويقال: يعني: يزداد خيراً. أَوْ يَذَّكَّرُ يعني: يتعظ بالقرآن فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى يعني: العظة. ثم قال: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى يعني: استغنى بنفسه عن ثواب الله. ويقال: استغنى بماله ونفسه، عن دينك وعظمتك فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يعني: تقبل بوجهك عليه. ويقال تصدى يعني: تعرض. يقال: فلان تصدى لفلان، إذا تعرض له ليراه. قرأ عاصم أَوْ يَذَّكَّرُ تنفعه الذكرى بنصب العين، جعله جواباً لعله يتذكر فتنفعه الذكرى. وقرأ الباقون

стр. 1757

بالضم، جعلوه جواباً للفعل. قرأ نافع، وابن كثير تصدى بتشديد الصاد، لأن الأصل تتصدى، فأدغمت وشددت. والباقون بحذف التاء للتخفيف، فهذا كقوله فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] . ثم قال: وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى يعني: أي شيء عليك إن لم يوجد عتبة وأصحابه. ويقال: لا يضرك إن لم يؤمن، ولم يصلح. ثم قال : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يعني: يسرع إلى الخير، ويعمل به، وهو ابن أم مكتوم. ويقال: يعني: يمشي برجليه وَهُوَ يَخْشى ربه فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى يعني: تشتغل، وتتلاهى وتتغافل. وكان رسول الله ﷺ ، يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية قوله تعالى: كَلَّا يعني: لا تفعل، ولا تقبل على من استغنى عن الله تعالى بنفسه، وتعرض عمن يخشى الله تعالى. ثم قال: إِنَّها تَذْكِرَةٌ يعني: هذه الموعظة تذكرة. ويقال: هذه السورة تذكرة، يعني: موعظة فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ يعني: ذكر المواعظ وذكره بلفظ التذكير، ولم يقل ذكرها، لأنه ينصرف إلى المعنى، لأن الموعظة إنما هي بالقرآن. يعني: فمن شاء أن يتعظ بالقرآن فليتعظ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ يعني: أن هذا القرآن فى صحف مكرمة. يعني: مطهرة مبجلة معظمة، وهو اللوح المحفوظ مَرْفُوعَةٍ يعني: مرتفعة مُطَهَّرَةٍ يعني: منزهة عن التناقض، والكذب والعيب. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يعني: الكتبة الذين يكتبون في اللوح المحفوظ. ثم أثنى على الكتبة فقال: كِرامٍ على الله بَرَرَةٍ أي: مطيعين لله تعالى. ويقال: بررة من الذنوب. وقال القتبي: السفرة الكتبة. وأحدهما سافر، وإنما يقال للكاتب سافر، لأنه يبين الشيء ويوضحه. ويقال: أسفر الصبح، إذا أضاء البررة جمع بار، مثل: كفرة وكافر. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٧ الى ٣٢] قُتِلَ الْإِنْسانُ مآ أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) ثم قال تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ يعني: لعن الكافر بالله تعالى. يعني: عتبة وأصحابه، ومن كان مثل حاله إلى يوم القيامة. ما أكفره يعني: ما الذي أكفره، وهذا قول مقاتل. وقال الكلبي: يعني: أي شيء أكفره. قال نزلت في عتبة حيث قال: إني كفرت بالنجم إذ هوى. ويقال: ما أكفره، يعني: ما أشده في كفره. ثم قال: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ يعني:

стр. 1758

هل يعلم من أي شيء خلقه الله تعالى. ويقال: أفلا يعتبر من أي شيء خلقه، ثم أعلمه ليعتبر في خلقه، فقال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ يعني: خلقه في بطن أمه طوراً بعد طور. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ يعني: يسره للخروج من بطن أمه. ويقال: يسره طريق الخير والشر. وقال مجاهد: هو مثل قوله إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الدهر: ٣] ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ يعني: جعل له قبراً يوارى فيه. ويقال: أمر به ليعتبر، ويقال: فأقبره أي: جعله ممن يقبر، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض، كالبهائم ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ يعني: يبعثه في القبر إذا جاء وقته. ثم قال: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ يعني: لم يؤد ما أمره من التوحيد، وما هنا صلة كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩] . وقال مجاهد: لما يقضي ما أمره، يعني: لا يقضي أحداً أبداً، كما افترض عليه. ثم أمرهم بأن يعتبروا بخلقه فقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ يعني: إلى رزقه ومن أي شيء يرزقه، وليعتبروا به أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا يعني: المطر. قرأ أهل الكوفة أنا صببنا، بنصب الألف. والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب جعله بدلاً عن الطعام، يعني: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ومن قرأ بالكسر، فهو على الاستئناف أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا يعني: المطر على الأرض المطر بعد المطر. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا يعني: شققناها بالنبات والشجر فَأَنْبَتْنا فِيها يعني: في الأرض ومعناه: أخرجنا من الأرض حَبًّا يعني: الحبوب كلها وَعِنَباً يعني: الكروم وَقَضْباً قال ابن عباس- ﵄: القضبة وهو القت الرطب. وقال القتبي: القضب القت، سمي قضباً لأنه يقضب مرة بعد مرة، أي: يقطع. وكذلك الفصيل، لأنه يفصل أي: يقطع. ويقال: وقضبنا يعني: جميع ما يقضب مثل القت. والكرات، وسائر البقول التي تقطع، فينبت من أصله وَزَيْتُوناً وهي شجرة الزيتون وَنَخْلًا يعني: النخيل وَحَدائِقَ غُلْباً قال عكرمة: غلاظ الرقاب. ألا ترى أن الرجل إذا كان غليظ الرقبة، يقال أغلب. والحدائق واحدها حديقة غلباً أي: نخلاً غلاظاً طوالاً. ويقال: حدائق غلباً يعني: حيطان النخيل والشجر. وقال الكلبي: كل شيء أحبط عليه من نخيل أو شجر، فهو حديقة، وما لم يحط به فليس بحديقة. ويقال: الشجر الملتف بعضه في بعض. ثم قال : وَفاكِهَةً ويعني الثمر كلها وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ وَرُزِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ فَاسْجُدُوا لله عَلَى سَبْعٍ» ، وإنما أراد بقوله خلقتم من سبع يعني: مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ علقة، الآية والرزق من سبع وهو قوله: «فأنبتنا فيها حباً وعنباً» إلى قوله: «وفاكهة وأباً» ثم قال: وَأَبًّا يعني: العنب وقال مجاهد: ما يأكل الدواب والأنعام وقال الضحاك هو التبن. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ يعني الحبوب والفواكه منفعة لكم والكلأ والعشب منفعة لكم ولأنعامكم.

стр. 1759

[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٤٢] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ثم ذكر القيامة فقال: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يعني: الصيحة تصخ الأسماع أي: تصمها فلا يسمع إلا ما يدعا به ويقال الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة وكذلك الطامة والقارعة والحاقة ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وفراره أنه يعرض عنه بنفسه وقال شهر بن حوشب يوم يفر المرء من أخيه يعني: هو هابيل يفر من أخيه قابيل وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ يعني: محمدا ﷺ من أمه وأبيه وإبراهيم من أبيه وَصاحِبَتِهِ يعني: لوط- ﵇ من امرأته وَبَنِيهِ يعني: نوح- ﵇ من ابنه، ويقال هذا في بعض أحوال يوم القيامة أن كل واحد منهم يشتغل بنفسه يعني: فلا ينظر المرء إلى أخيه وإلى أبيه وإلى ابنه ثم قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يعني لكل إنسان شغل يشغله عن هؤلاء، وروي في الخبر أن عائشة- ﵂ قالت يا رسول الله كيف يحشر الناس قال: «حُفَاة عُرَاة» فقالت عائشة- ﵂ وا سوأتاه النساء مع الرجال حفاة عراة فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يعني: لكل واحد منهم عمل يشغله بنفسه عن غيره ثم قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ يعني: من الوجوه ما يكون في ذلك اليوم مشرقة مضيئة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ يعني: مفرحة بالثواب وهم المؤمنون المطيعون وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ يعني: من الوجوه ما يعلوها السواد كالدخان وأصل الغبرة يعني: الغبار ثم قال : تَرْهَقُها قَتَرَةٌ يعني: تلحقها قترة يعني: يغشاها الكسوف والسواد أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ يعني: أن أهل هذه الصفة هم الكفرة بالله تعالى الكذبة على الله تعالى ويقال ترهقها قترة يعني: المذلة والكآبة والفجرة يعني: الظلمة. والله الموفق بمنه وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

стр. 1760

سورة التكوير وهي تسع وعشرون آية مكية [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (١٤) قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال أبو الليث ﵀ حدثنا الحاكم أبو الفضل قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب المروزي حدثنا محمد بن حموية النيسابوري قال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا هشام عن عبد الله عن يحيى بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إليَّ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلْيَقْرَأْ إذَا الشَّمْسُ كُوِّرتْ» وعن ابن عباس- ﵄ في قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ يعني: ذهب ضوؤها وكذلك قال الضحاك وعكرمة يعني: اضمحلت وذهبت ويقال تكور كما تكور العمامة يعني: جُمِع ضوؤها ولُفَّ كما تُلف العمامة قوله تعالى: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ يعني: تناثرت وتساقطت وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ يعني: قُلعت عن الأرض وسُيِّرت في الهواء كقوله: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الكهف: ٤٧] يعني: خالية ليس عليها شيء من الماء والشجر وغيرها ثم قال: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ يعني: النوق الحوامل عطّلها أربابها اشتغالاً بأنفسهم وواحدها: عشراء وهي الناقة التي أتت على حملها عشرة أشهر وهي في الحمل فلا يطلعها أهلها إلا في يوم القيامة وهذا على وجه المثل لأن في يوم القيامة لا يكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل يعني: أن هول يوم القيامة بحال لو كان عند الرجل عشراء يعطلها واشتغل بنفسه ثم قال: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ يعني: جُمِعَتْ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ يعني: ضجرت بعضها إلى بعض فصارت بحراً واحداً فملئت وكثر ماؤها كقوله: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) [الطور: ٦] يعني:

стр. 1761

الممتلئ ويقال: سجرت أي أحميت بالكواكب إذا تساقطت وفيها قال ابن عباس إذا كان يوم القيامة كوَّر الله تعالى الشمس والقمر والنجوم في البحر ثم بعث الله تعالى ريحاً دبوراً فتنفخها فتصير ناراً وهو قوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي: أحميت. وقال قتادة: سجرت أي: غار ماؤها، وقال الزجاج وقد قيل إنه جعل مياهها ناراً يعذب بها الكفار فهذه الأشياء الست التي ذكرها قبل النفخة الأخيرة والتي ذكرها بعدها تكون بعد النفخة الأخيرة وهو قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال الكلبي ومقاتل: يعني: نفوس المؤمنين قرنت بالحور العين ونفوس الكفار بالشياطين. وقال عمر بن الخطاب- ﵁ في قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح وقال أبو العالية الرياحي قرنت الأجساد بالأرواح وقال القتبي الزوج القرين كقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢] يعني: قرناءهم ثم قال: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي: قرنت نفوس الكفار بعضها ببعض والعرب تقول زوجت إبلي إذا قرنت بعضها ببعض ويقال: وإذا النفوس زوجت يعني: الأبرار مع الأبرار في زمرة والأشرار مع الأشرار في زمرة ثم قال: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. وكان العرب إذا ولد لأحدهم ابنة دفنها حية وهي الموءودة فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلك أبوك وإنما يكون السؤال على وجه التوبيخ لقائلها يوم القيامة لأن جوابها قتلت بغير ذنب وهو مثل قوله تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] وإنما سؤاله وجوابه تبكيت على من ادعى هذا عليه وقال عكرمة الموؤدة المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكانت أوان ولادتها حفرت حفرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة وإن ولدت غلاما حبسته وقرئ في الشاذ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ يعني: المقتولة سئلت لأبويها بأي ذنب قتلتماني ولا ذنب لي قوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني تطايرت الصحف وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم، قرأ ابن كثير وأبو عمرو سجرت وسعرت مخففتين، ونشرت مشددة وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم سجرت وسعرت مشددتين ونشرت مخففة وقرأ حمزة والكسائي سجرت ونشرت مخففتين وسعرت مشددة فمن شددها فلتكثير ومن خففها فعلى غير التكثير قوله تعالى: وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ يعني: نزعت من أماكنها كما يكشف الغطاء عن الشيء يعني: كشفت عما فيها ثم قال : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ يعني: للكافرين وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قربت للمتقين فجواب هذه الأشياء قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما عملت من خير أو شر وهذا كقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران: ٣٠] الآية. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٥] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)

стр. 1762

ثم قال : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ يعني: الذي خنس بالنهار وظهر بالليل، ويقال الخنس النجوم التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل الْجَوارِ الْكُنَّسِ الجوار التي تجري والكنس التي ترتفع وتغيب، وقال أهل التفسير الخنس يعني: خمسة من الكواكب فهران، وزحل، ومشتري، وعطارد، وزهرة التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل، الجواري لأنهن تجري بالليل في السماء الْكُنَّسِ يعني: تستتر كما تكنس الظباء وقال أهل اللغة الخنس واحدها خانس كراكع وركَّع وقال بعضهم: الخنس أرادها هنا الوحوش والظباء وظباء الوحوش والجواري الكنس التي تدخل الكنائس وهذا غصن من أغصان الشجر ويكون معناه: أقسم برب هذه الأشياء وروى عكرمة عن ابن عباس: الخنس المعز، والكنس: الظباء ألم ترى إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت ببصرها؟ وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: الْجَوارِ الْكُنَّسِ هي بقر الوحش وقال علي بن أبي طالب: هي النجوم، وقال القتبي هي النجوم الخمسة الكبار لأنها تخنس أي ترجع في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء ثم قال : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ يعني: إذا أدبر وقال الزجاج: عَسْعَسَ إذا أقبل. وعسعس: إذا أدبر والمعنيان يرجع إلى شيء واحد وهذا ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره وقال مجاهد إِذا عَسْعَسَ أي إذا أظلم ثم قال : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ يعني: إذا استضاء وارتفع، ويقال إذا امتد حتى يصير النهار بيناً، فأقسم بهذه الأشياء، ويقال يخالف هذه الأشياء إِنَّهُ يعني: القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ على ربه يقرأ على النبي ﷺ وهو جبريل- ﵇ ثم أثنى على جبريل وبيَّن فضله فقال: ذِي قُوَّةٍ يعني: ذا شدة ويقال: أعطاه الله تعالى القوة ومن قوته أنه قلع مدائن قوم لوط بجناحه ثم قال : عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ يعني: عند رب العرش له منزلة مُطاعٍ يعني: يطيعه أهل السماوات ثَمَّ أَمِينٍ فيما استودعه الله من الرسالات ويقال: مُطاعٍ يعني: طاعته على أهل السموات واجبه كطاعة محمد ﷺ أمين على أهل الأرض أَمِينٍ على الرسالة والوحي، ويقال: أَمِينٍ في السماء كما أن محمد ﷺ أمين في الأرض ثم قال : وَما صاحِبُكُمْ الذي يدعوكم إلى التوحيد لله تعالى بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ يعني: رأى محمد ﷺ جبريل- ﵇ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ عند مطلع الشمس ثم قال: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي: ليس فيما يوحَى إليه من القرآن ببخيل وقرأ ابن مسعود- ﵁ بظنين بظاء وهكذا قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بظنين يعني: بمتَّهم أنه يزيد فيه أو ينقص والباقون بالضاد يعني: البخيل ثم قال: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ يعني: القرآن ليس بمنزلة قول الكهان.

стр. 1763

[سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) قوله : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ يعني: تذهبون عن طاعتي وكتابي ويقال: أنى تذهبون يعني: تعدلون عن أمري وقال الزجاج معناه فبأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني: ما هذا القرآن إلا عظة للجن والإنس. قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ يعني: لمن شاء أن يستقيم على التوحيد فليستقم وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فأعلمهم أن المشيئة والتوفيق والخذلان إليه وأن الأمور كلها بمشيئة الله ﵎ وإرادته والله الموفق وصلى الله على سيدنا محمد.

стр. 1764

سورة الانفطار وهي تسع عشرة آية مكية [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ يعني: انفجرت لهيبة الرب ﵎ ويقال: انفجرت لنزول الملائكة لقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥] وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ يعني: تساقطت وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ يعني: فتحت بعضها في بعض وصارت بحراً واحداً وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ يعني: بعثرت وأخرج ما فيه، ويقال: بعثرت المتاع وبعثرته إذا جعلت أسفله أعلاه ثم قال : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يعني: ما عملت من خير وشر يعني: ما عملت من سنة صالحة أو سيئة، وروى أبو هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إلَى الْهُدَى فَاتُّبِعَ فَلَهُ أَجْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ إلا أنه لا ينقص مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً وأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إلَى الضَّلاَلَةِ فَاتُّبِعَ فَلَهُ أَجْرُ مَنِ اتبعه إلا أنه لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئَاً» ويقال: مَّا قَدَّمَتْ أي: ما عملت وما أَخَّرَتْ يعني: أضاعت العمل فلم تعمل. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٦ الى ١٢] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) ثم قال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ يعني: يا أيها الكافر مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ يعني: لم يعجل بالعقوبة، وقال مقاتل: نزلت في كلدة بن أسيد حيث ضرب النبيّ ﷺ بقوسه

стр. 1765

فلم يعاقبه النبيّ ﷺ ، فبلغ ذلك حمزة فأسلم حمية لذلك ثم أراد أن يعود كلدة لضرب رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية فأسلم حمزة يومئذٍ» . ويقال نزلت في جميع الكفار ما غرك يعني: ما خدعك حين كفرت بربك الكريم المتجاوز لمن تاب الَّذِي خَلَقَكَ من النطفة فَسَوَّاكَ يعني: فسوى خلقك فَعَدَلَكَ يعني: خلقك معتدل القامة فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ يعني: شبهك بأي صورة شاء إن شاء بالوالد وإن شاء بالوالدة قرأ عاصم والكسائي وحمزة فعدلك بالتخفيف والباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف جعل في المعنى إلى فكأنه قال فعدلك إلى أي صورة شاء أن يركبك يعني صرفك إلى ما شاء من الصور من الحسن والقبح ومن قرأ بالتشديد فمعناه قومك ويكون ما صلة وقد تم الكلام عند قوله فعدلك ثم ابتدأ فقال: في أي صورة شاء ركبك، ويقال: في ما معنى الشرط والجزاء والمعنى أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ويكون شاء بمعنى يشاء ثم قال : كَلَّا يعني: لا يؤمن هذا الإنسان بما ذكره من أمره وصورته بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ يعني: تكذبون بأنكم مبعوثون يوم القيامة ثم أعلم الله تعالى أن أعمالكم محفوظة عليهم فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ من الملائكة يحفظون أعمالكم كِراماً كاتِبِينَ يعني: كراماً على الله تعالى كاتبين يعني يكتبون أعمال بني آدم- ﵇ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ من الخير والشر، وروى مجاهد عن النبيّ ﷺ قال: «أَكْرِمُوا الكِرَامَ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لاَ يُفَارِقُونَكُمْ إلاَّ عِنْدَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الجَنَابَةِ والغائط» . [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ثم قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني: المؤمنين المصدقين في أيمانهم لَفِي نَعِيمٍ يعني: في الجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحاب النبيّ ﷺ ورضي الله عنهم- ومن كان مثل حالهم وَإِنَّ الْفُجَّارَ يعني: الكفار لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ يعني: يدخلون فيها يوم القيامة وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ يعني: لا يخرجون منها أبداً وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ تعظيماً لذلك اليوم ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: كيف تعلم حقيقة ذلك اليوم ولم تعاينه يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً يعني: لا تنفع نفس مؤمنة لنفس كافرة شيئاً بالشفاعة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالضم والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم معناه يوم لا تملك ومن قرأ بالنصب فلنزع الخافض يعني في يوم ثم قال: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يعني: الحكم والقضاء لله تعالى وهو يوم القيامة.

стр. 1766

سورة المطففين مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية مكية [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ يعني: الشدة من العذاب للذين ينقصون المكيال والميزان وإنما سمي الذي يخون في المكيال والميزان مطففاً لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الخفيف الطفيف ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يعني: استوفوا من الناس لأنفسهم وعلى بمعنى عن بمعنى إذا اكتالوا عن الناس يستوفون يتمون الكيل والوزن وَإِذا كالُوهُمْ يعني: إذا باعوا من غيرهم ينقصون الكيل أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ يعني: ينقصون الكيل وقال بعضهم كالوهم حرفان يعني: كالوا ثم قال: هم وكذلك وزنوا ثم قال: هم يخسرون وذكر عن حمزة الزيات أنه قال هكذا ومعناه هم إذا كالوا أو وزنوا ينقصون وكان الكسائي يجعلها حرفاً واحداً كالوهم أي: كالوا لهم وكذلك وزنوا لهم وقال أبو عبيدة وهذه هي القراءة لأنهم كتبوها في المصاحف بغير ألف ولو كان مقطوعاً لكتبوا كالواهم بالألف ثم قال : أَلا يَظُنُّ يعني: ألا يعلم المطفف وألا يستيقن بالبعث قوله تعالى: أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يعني: يبعثون بعد الموت لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة هولها شديد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: في يوم يقوم الخلائق بين يدي الله تعالى وروى أبو هريرة- ﵁ إن النبيّ ﷺ قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفَ يَوْمٍ يَعْنِي: خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَذَلِكَ الْمَقَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَتَوَلِّي الشَّمْسَ» وروى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «يَقُومُ أَحَدُكُمْ ورشحه إلى أتصاف أُذُنَيْهِ» وقال ابن مسعود: إن الكافر ليلجم

стр. 1767

بعرقه حتى يقول أرحني ولو إلى النار ثم قال: كَلَّا يعني: لا يستيقنون البعث ثم استأنف، فقال: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ويقال: هذا موصول بكلا إن كتاب يعني حقاً إن كتاب الفجار لَفِي سِجِّينٍ يعني: أعمال الكفار لفي سجين قال مقاتل وقتادة: السجين الأرض السفلى، وقال الزجاج: السجين فعيل من السجن والمعنى: كتابهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وقال مجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السفلى فيجعل كتاب الفجار تحتها، وقال عكرمة: لَفِي سِجِّينٍ أي: لفي خسارة وقال الكلبي: السجين الصخرة التي عليها الأرضون وهي مسجونة فيها أعمال الكفار وأزواجهم فلا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ثم قال: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ ثم أخبر فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً ويقال: مكتوب مختوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يعني: شدة العذاب لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: شدة العذاب للمكذبين. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١١ الى ٢١] الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) ثم بيّن فقال : الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: يجحدون بالبعث وَما يُكَذِّبُ بِهِ يعني: بيوم القيامة إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يعني: كل معتد بالظلم آثم عاص لربه ويقال: كل مقيد للخلق أثيم يعني فاجر وهو الوليد بن المغيرة وأصحابه ومن كان في مثل حالهم ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم. ثم قال: كَلَّا يعني: لا يؤمن بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: ختم، ويقال: غطى على قلوبهم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: ما عملوا من أعمالهم الخبيثة، وروى أبو هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذَا أَذْنَبَ العَبْدُ ذَنْباً كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاء فِي قَلْبِهِ فَإِذَا تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإنْ زَادَ زَادَتْ وَذَلِكَ قَوْلِهِ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» ، وقال قتادة: الذنب على الذنب حتى مات القلب (أسود) ويقال: غلف على قلوبهم ويقال: غطا على قلوبهم وقال أهل اللغة الرين: هو الصدأ والصدأ هو اسم البعد كما قال: ويصدهم عن سبيل الله يغشى على القلب ثم قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ يعني: لا يرونه يوم القيامة ويقال عن رحمته لممنوعون ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ يعني: دخلوا النار ثُمَّ يُقالُ يعني: يقول لهم

стр. 1768

الخزنة هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني: تجحدون، وقلتم إنه غير كائن ثم قال : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ يعني: حقاً إن كتاب المصدقين لفي عليين وهو فوق السماء السابعة، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم ثم قال : وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ ثم وصفه فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً مختوماً في عليين يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني: يشهد على ذلك الكتاب سبعة أملاك من مقربي أهل كل سماء وقال بعضهم: الكتاب أراد به الروح والأعمال يعني: يرفع روحه وأعماله إلى عليين. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٢ الى ٣٣] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) ثم قال : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ يعني: المؤمنين الصالحين لفي نعيم في الجنة على الارائك ينظرون يعني على سرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار، ويقال: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يعني: أثر النعمة وسرورهم في وجوههم ظاهر يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ يعني: يسقون خمراً بيضاء، وقال الزجاج: الرحيق الشراب الذي لا غش فيه، قال القتبي: الرحيق الخمر العتيقة، ثم قال: مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ يعني: إذا شرب منه رجل وجد عند فراغه من الشراب ريح المسك قرأ الكسائي مسك، وروي عن الضحاك أنه قرأ مثله والباقون ختامه مسك ومعناهما واحد، والخاتم اسم والختام مصدر يعني: يجد شاربه ريح المسك حين ينزع الإناء من فيه ثم قال : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يعني: بمثل هذا الثواب فليتبادر المتبادرون، ويقال: فليتحاسد المتحاسدون ويقال: فليواظب المواظبون وليجتهد المجتهدون وهذا كما قال لمثل هذا فليعمل العاملون ثم قال: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ يعني: مزاج الخمر من ماء اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب في الجنة وإنما سمي تسنيماً لأنه يتسنم عليهم فينصب عليهم انصباباً، وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الرجل يقول إني لفي السنام من قومه فهو في السنام من الشراب، وقال القتبي أصله من سنام البعير يعني: المرتفع ثم وصفه فقال : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ يعني: التسنيم عيناً يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لأصحاب اليمين ثم

стр. 1769

قال : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ يعني: من ضعفاء المؤمنين يضحكون ويسخرون ويستهزءون بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ يعني: يطعنون ويغتابون وذلك أن علي بن أبي طالب- ﵁ مر بنفر من المنافقين ومعه نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، ويقال حكاية عن كفار مكة أنهم كانوا يضحكون من ضعفاء المسلمين وإذا مروا بهم وهم جلوس يتغامزون يعني: يتطاعنون بينهم ويقولون هؤلاء الكسالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني: رجعوا معجبين بما هم فيه وَإِذا رَأَوْهُمْ يعني: رأوا المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ يعني: تركوا طريقهم وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يعني: ما أرسل هؤلاء حافظين على أصحاب النبيّ ﷺ ليحفظوا عليهم أعمالهم، قال مقاتل: هذا كله في المنافقين يعني: ما وكل المنافقون بالمؤمنين يحفظون عليهم أعمالهم، قرأ عاصم في رواية حفص انقلبوا فكهين بغير ألف وفي رواية حفص والباقون بالألف ومعناهما واحد وقال بعضهم: فاكهين ناعمين فكهين فرحين. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٣٤ الى ٣٦] فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ثم قال : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ يعني: في الجنة يضحكون على أهل النار وهم على سرر في الحجال وأعدائهم في النار عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ إلى أعدائهم يعذبون في النار هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ يعني: جوزوا، ويقال: هل جوزي الكفار وعوقبوا إلا مَا كانُوا يَفْعَلُونَ يعني: إلا بما عملوا في الدنيا من الاستهزاء، وقال مقاتل: يعني: قد جوزي الكفار بأعمالهم الخبيثة جزاءً شراً والله الموفق.

стр. 1770

سورة الانشقاق وهي خمس وعشرون آية مكية [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ يعني: انفرجت لهيبة الرب ويقال انشقت لنزول الملائكة، وما شاء من أمره. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ يعني: أطاعت السماء لربها بالسمع والطاعة. وَحُقَّتْ يعني: وحق لها، أن تطيع لربها الذي خلقها. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أي: بسطت ومدت الأديم ليس فيها جبل، ولا شجر، حتى يتسع فيها جميع الخلائق. وروى علي بن الحسن عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ، مَدَّ الله تَعَالَى الأَرْضَ مَدَّ الأَدِيمِ، حَتَّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ، إلاَّ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ لِكَثْرَةِ الْخَلائِقِ فِيهَا» . وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ يعني: ألقت الأرض ما فيها، من الكنوز والأموات، وتخلت عنها وَأَذِنَتْ لِرَبِّها يعني: أجابت الأرض لربها بالطاعة، وأدت إليه ما مستودعها من الكنوز والموتى وَحُقَّتْ يعني: وحق للأرض، أن تطيع ربها الذي خلقها. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ٦ الى ١٣] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) ثم قال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ قال مقاتل: يعني: الأسود بن عبد الأسد. ويقال: أبي بن خلف، ويقال: في جميع الكفار. يعني: أيها الكفار إِنَّكَ كادِحٌ يعني: ساع بعملك. إِلى رَبِّكَ كَدْحاً يعني: سعياً، ويقال: معناه. إنك عامل لربك

стр. 1771

عملاً فَمُلاقِيهِ في عملك ما كان من خير أو شر. فالأول قول مقاتل، والثاني قول الكلبي، وقال الزجاج: الكدح في اللغة، السعي في العمل، وجاء في التفسير، إنك عامل عملاً فملاقيه. أي: ملاق ربك. قيل: فملاقي عملك. ثم قال : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: المؤمن فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني: حساباً هيناً وَيَنْقَلِبُ أي: يرجع إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً الذي أعد الله له في الجنة سروراً به. وروى ابن أبي مليكة، عن عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ» فقلت: أليس يقول الله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني: هيناً. قال: «ليس ذلك في الحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش للحساب يوم القيامة، عذب» . ويقال: حساباً يسيراً، لأنه غفرت ذنوبه، ولا يحاسب بها، ويرجع من الجنة مستبشراً. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ يعني: الكافر، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى كتابه بها فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً يعني: بالويل والثبور على نفسه. وَيَصْلى سَعِيراً يعني: يدخل في الآخرة ناراً وقوداً. قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة وَيَصْلى سَعِيراً بنصب الياء، وجزم الصاد مع التخفيف. والباقون ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد. فمن قرأ يَصْلى بالتخفيف، فمعناه: أنه يقاسي حر السعير وعذابه. يقال: صليت النار، إذا قاسيت عذابها وحرها. ومن قرأ بالتشديد، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار، حتى يقاصي حرها. إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً يعني: في الدنيا مسروراً، بما أعطي في الدنيا، فلم يعمل للآخرة. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٤ الى ١٩] إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) قوله : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ قال مقاتل: ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وهي لغة الحبشة، وقال قتادة: يعني: ظن أن لن يبعثه الله تعالى. وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الحبشي، إذا قيل له حر يعني: أرجع إلى أهلك. ثم قال: بَلى يعني: ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً يعني: كان عالماً به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه. قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ يعني: أقسم بالشفق، والشفق الحمرة، والبياض الذي بعد غروب الشمس. وهذا التفسير، يوافق قول أبي حنيفة ﵀. وروي عن مجاهد، أنه قال: الشفق هو ضوء النهار. وروي عنه أنه قال: الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهذا يوافق قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله.

стр. 1772

ثم قال: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ساق وجمع وضم. وقال القتبي أي: حمل وجمع منه الوسق، وهو الحمل، وقال الزجاج أي: ضم وجمع وقال مقاتل: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ما يساق معه من الظلمة والكواكب، وقال الكلبي يعني: ما دخل فيه وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ يعني: إذا استوى، وتم إلى ثلاثة عشرة ليلة، ويقال: إذا اتسق يعني: تم وتكامل. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي لتركبن بنصب التاء، والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب، فمعناه لتركبن يا محمد من سماء إلى سماء، ومن قرأ بالضم فالخطاب لأمته أجمعين، يعني: لتركبن حالاً بعد حال، حتى يصيروا إلى الله تعالى من إحياء، وإماتة، وبعث. ويقال: يعني: مرة نطفة ومرة علقة، ويقال: حالاً بعد حال، مرة تعرفون ومرة لا تعرفون، يعني: يوم القيامة. ويقال: يعني: السماء لتحولن حالاً بعد حال، مرة تتشقق بالغمام، ومرة تكون كالدهان. قرأ بعضهم ليركبن بالياء، يعني: ليركبن هذا المكذب طبقاً عن طبق، يعني: حالاً بعد حال، يعني: الموت ثم الحياة. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ٢٠ الى ٢٥] فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ثم قال : فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: كفار مكة لاَ يصدقون بالقرآن وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ يعني: لا يخضعون لله تعالى ولا يوحدونه. ويقال: ولا يستسلمون لربهم، ولا يسلمون ولا يطيعون. ويقال: لا يصلون لله تعالى. قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ يعني: يجحدون بالقرآن والبعث، أنه لا يكون. وقال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم. ويقال: هذا في جميع الكفار. ثم قال : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ يعني: يكتمون في صدورهم من الكذب والجحود. ويقال: مما يجمعون في قلوبهم من الخيانة. ويقال: معناه والله أعلم بما يقولون ويخفون. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يعني: شديداً دائماً، وقال مقاتل: ثم استثنى الاثنين اللذين أسلما فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا يقال: هذا الاستثناء لجميع المؤمنين، يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله تعالى. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: أدوا الفرائض والسنن. لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير منقوص، ويقال: غير مقطوع، ويقال: لهم أجر لا يمن عليهم، ومعنى قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يعني: اجعل مكان البشارة للمؤمنين بالرحمة، والجنة للكفار بالعذاب الأليم، على وجه التعبير، لأن ذلك لا يكون بشارة في الحقيقة، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 1773

سورة البروج وهي اثنتان وعشرون آية مكية [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ يعني: ذات النجوم والكواكب. ويقال: ذات القصور. وقال عطية العوفي: كان القصور في السماء على أبوابه. قال قتادة: البروج النجوم، وكذلك قال مجاهد: أقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، وجواب القسم قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] ثم قال: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يعني: يوم القيامة. قال مقاتل الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ الذي وعدهم أن يصيرهم إليه، وقال الكلبي: وعد أهل السماء وأهل الأرض، أن يصيروا إلى ذلك اليوم. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ذكر مقاتل، عن علي- ﵁ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر يَوْمَ الحج الأكبر. وروي عن ابن عباس، أنه قال: الشاهد محمد ﷺ كقوله تعالى: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] والمشهود يوم القيامة، كقوله تعالى: وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] . وروى جويبر، عن الضحاك مثله. وروى أبو صالح، عن ابن عباس قال: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يَوْمُ عَرَفَةِ» . وروى سعيد بن المسيب، عن رسول الله ﷺ قال: «سَيِّدُ الأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ شَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ يَوْمَ عَرَفَةِ» . وروى جابر بن عبد الله قال: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يَوْمَ عَرَفَةِ» . وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال عكرمة مثله. وقال بعضهم: الشاهد آدم، والمشهود ذريته. ثم قال : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ يعني: لعن أصحاب الأخدود النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ يعني: يصيرون إلى النار، ذات الوقود في الآخرة: وقال الكلبي: النار ارتفعت فوقهم

стр. 1774

أربعين ذراعاً، فوقعت عليهم وأحرقتهم وقتلتهم، وذلك قوله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ قال: حدثنا أبو جعفر، حدثنا علي بن أحمد قال حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: ذكر رسول الله ﷺ أصحاب الأخدود، فقال: كان ملكاً من الملوك، كان له ساحر فكبر الساحر، فقال للملك: إني قد كبرت، فلو نظرت غلاماً في أهلك فطناً كيساً، فعلمته على هذا فنظر إلى غلام من أهله كيس فظن، فأمره أن يأتيه ويلزمه، وكان بين منزل الغلام ومنزل الساحر راهب، فقال الغلام: لو دخلت على هذا الراهب، وسمعت من كلامه فدخل عليه فأعجبه قوله، وكان أهله إذا بعثوه إلى الساحر، دخل الغلام على الراهب، واحتبس عنده. فإذا أتى الساحر، ضربه وقال: ما حبسك؟ فإذا رجع من عند الساحر إلى أهله، دخل على الراهب فاحتبس عنده. فإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا ما حبسك؟ فشكى ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قالوا لك ما حبسك فقل: حبسني الساحر، وإذا قال لك الساحر: ما حبسك فقل: حبسني أهلي، فبينما هو ذات يوم يريد الساحر، إذا هو بدابة هائلة، يعني: كبيرة قد قطعت الطريق على الناس. فقال: اليوم يتبين لي أمر الراهب، فأخذ حجراً ودنا من الدابة، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب حقاً، فاقتل هذه الدابة، ورماها بالحجر، فأصاب مقتلها، فقتلها. فقال الناس: إن هذا الغلام قتل هذه الدابة، واشتهر أمره. فأتى الراهب، فأخبره، فقال: يا بني، أنت خير مني، فلعلك أن تبتلى لا تدلن عليَّ، فبلغ أمر الغلام أنه كان يبرئ الأكمه، والأبرص، ويداوي من الأرض، فعمي جليس الملك، فذكر له الغلام فأتاه فقال: يا بني، قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص، فقال الغلام: ما أنا بساحر، ولا أشفي أحداً، ولا يشفي إلا ربي. فقال له الرجل: «هذا الملك ربك، قال: لا ولكن ربي ورب الملك الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى به، دعوت الله تعالى فشفاك. فأسلم فدعا الله تعالى، فبرئ فأتى الملك فقال له الملك: أليس يا فلان قد ذهب بصرك، فقال: بلى، ولكن رده علي ربي، فقال: أنا، قال: لا، ولكن ربي وربك الله، قال: أولئك رب غيري، قال: نعم. وربك وربي الله تعالى، فلم يزل به، حتى أخبره بأمر الغلام، فأرسل إلى الغلام، فجاءه فقال: يا بني قد بلغ من سحرك، أنك تشفي من كذا وكذا، فقال: ما أنا بساحر، ولا أشفي أحداً، وما يشفي إلا ربي فقال: أنا، فقال: لا ولكن ربي وربك الله تعالى، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فدعي الراهب فأتي به، فأراد أن يرجع من دينه، فأبى وأمر بمنشار، فوضع في مفرق رأسه، فشق به حتى سقط شقاه. ثم دعا بجليسه، وأراد أن يرجع عن دينه فأبى، فأمر بمنشار، فشق حتى سقط شقاه،

стр. 1775

فأمر الغلام أن يفعل ذلك بمكانه، فقال: احملوه في سفينة. فانطلقوا به، حتى إذا لججتم به فغرقوه، فانطلقوا به حتى لجوا به، فلما أرادوا به ذلك فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فانكبت بهم السفينة، فغرقوا فجاء الغلام، حتى قام بين يدي الملك. فأخبره بالذي كان، فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فإذا كنتم في ذروة الجبل، دهدهه عنه فانطلقوا به، حتى إذا كانوا بذلك المكان. فقال اللهم اكفينهم بما شئت، فتدهدهوا عن الجبل يميناً وشمالاً، فجاء حتى قام بين يدي الملك، فأخبره بالذي كان. وقال: إن تجمع الملك إنك لا تقدر على قتلي، حتى تفعل بي ما آمرك به. فقال: وما هو؟ قال: تجمع أهل مملكتك في صعيد واحد، ثم تصلبني، وتأخذ سهماً من كتابي، فترميني به وتقول: بسم الله رب هذا الغلام، فأصاب صدغه، فوضع يده على صدغه فمات. فقال الناس: آمنا برب هذا الغلام. فقيل للملك وقعت فيما كنت تجاوز، وقد أسلم الناس. فقال: خذوا يا قوم الطريق، وخذوا فيها أخدوداً، وألقوا فيها النار. (فمن رجع) عن دينه وإلا فألقوه فيها، ففعلوا. فجعل الناس يجيئون، ويلقون أنفسهم في الأخدود، حتى كان آخرهم امرأة، ومعها صبي لها رضيع تحمله، فلما دنت من النار، وجدت حرها، فولت فقال لها الصبي: يا أماه امضي، فإنك على الحق، فرجعت وألقت نفسها في النار. فذلك قوله قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ وروي في خبر آخر، أن الملك كان على دين اليهودية، يقال له ذو نواس، واسمه زرعة ملك حمير، وما حولها فكان هناك قوم، دخلوا في دين عيسى- ﵇ فحفر لهم أخدوداً، فأوقد فيها النار، وألقاهم في الأخدود، فحرقهم وحرق كتبهم. ويقال: كان الذين على دين عيسى- ﵇ بأرض نجران، فسار إليهم من أرض حمير، حتى أحرقهم وأحرق كتبهم، فأقبل منهم رجل، فوجد مصحفاً فيها وإنجيلاً محترقاً بعضه، فخرج به، حتى أتى به ملك الحبشة فقال له: إن أهل دينك قد أوقدت لهم النار، فحرقوا بها وحرق كتبهم، فأراه الذي جاء به، ففزع الملك لذلك، وبعث إلى صاحب الروم، وكتب إليه يستمده بنجارين يعملون له السفن. فبعث إليه صاحب الروم، من يعمل له السفن، فحمل فيها الناس، فخرج به. فخرجوا ما بين ساحل عدن إلى ساحل جازان، وخرج إليهم أهل اليمن، فلقوهم بتهامة، واقتتلوا فلم ير ملك حمير له بهم طاقة، وتخوف أن يأخذوه، فضرب فرسه حتى وقع في البحر، فمات فيه. فاستولى أهل الحبشة على ملك حمير وما حوله، وبقي الملك لهم، إلى وقت الإسلام. وروي في الخبر، أن الغلام الذي قتله الملك دفن، فوجد ذلك الغلام في زمان عمر بن الخطاب- ﵁ واضعاً يده على صدغه، كما كان وضعها حين قتل، وكلما أخذ يده

стр. 1776

سال منه الدم، وإذا أرسل يده، انقطع الدم، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليهم، أن ذلك الغلام صاحب الأخدود، فاتركوه على حاله حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة على حاله. وذلك قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ يعني: لعن أصحاب الأخدود، وهم الذين خدوا أخدود النار ذات الوقود، يعني: الأخدود ذات النار الوقود. ويقال: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ يعني: أهل الحبشة قتلوا أصحاب الأخدود، أصحاب النار ذات الوقود. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ٦ الى ١١] إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) قوله : إِذْ هُمْ عَلَيْها يعني: القوم عند النار حضور. قال سفيان: إذ هم عليها على السرر قُعُودٌ عند النار وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يعني: أن خدامهم وأعوانهم، يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم هناك شهود. يعني: حضوراً. ويقال: يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم شهود. يعني: يشهدون بأن المؤمنين في ضلال، تركوا عبادة آلهتهم. ويقال: على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، يشهدون على أنفسهم يوم القيامة. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ يعني: وما طعنوا فيهم. إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يعني: سوى أنهم صدقوا بتوحيد الله تعالى الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ في فعاله. ويقال وما نقموا منهم يعني: وما أنكروا عليهم، إلا أن يؤمنوا بالله يعني: إلا إيمانهم بالله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثم بيّن ما أعد الله لأولئك الكفار. فقال : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا يعني: عذبوا وأحرقوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: في الدنيا ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يعني: لم يرجعوا عن دينهم، ولم يتوبوا إلى الله تعالى فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ يعني: العذاب الشديد. وقال الزجاج: المعنى والله أعلم، لهم عذاب بكفرهم، ولهم عذاب بما حرقوا المؤمنين. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ جزاءً لهم. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٢ الى ٢٢] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)

стр. 1777

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ يعني: عذاب ربك لشديد، وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي: إن أخذ ربك لشديد، ومعناهما واحد. ويقال: العقوبة الشديدة، وهذا موضع هذا القسم. ثم قال: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يعني: يبدأ الخلق في الدنيا، ويعيد في الآخرة من التراب. يعني: يبعثهم بعد الموت وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ يعني: الغفور لذنوب المؤمنين، ويقال: الغفور للذنوب الودود، يعني: المحب للتائبين. ويقال: المحب لأوليائه، ويقال: الودود يعني: الكريم. ثم قال: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ يعني: رب السرير الشريف. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الدال، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالخفض، جعله نعتاً للعرش، ومن قرأ بالضم، جعله صفة ذو يعني: ذُو الْعَرْشِ وهو الْمَجِيدُ الشريف والمجيد الكريم فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يعني: يحيي ويميت، ويعز ويذل. ثم قال : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ يعني: قد أتاك حديثهم. ثم فسر الجنود فقال: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يعني: قوم موسى، وقوم صالح أهلكهم الله تعالى في الدنيا. وهذا وعيد لكفار هذه الأمة، ليعتبروا بهم ويوحدوه. ثم قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ يعني: إن الذين لا يعتبرون، ويكذبون الرسل والقرآن وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ يعني: اصبر يا محمد على تكذيبهم، فإن الله عالم بهم. وقال الزجاج، في قوله والله من ورائهم محيط، يعني: لا يعجزه منهم أحد، قدرته مشتملة عليهم بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ يعني: إنهم وإن كذبوا، لا يعرفون حقه لا يقرون به، وهو قرآن شريف، أشرف من كل كتاب، أو يقال: شريف لأنه كلام رب العزة فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ يعني: مكتوباً في اللَّوح، الذي هو محفوظ عند الله من الشياطين، وهو عن يمين العرش من درة بيضاء. ويقال: من ياقوتة حمراء. قرأ نافع مَحْفُوظٍ بالضم، والباقون بالكسر، فمن قرأ بالضم، جعله نعتاً للقرآن، ومعناه قرآن مجيد، محفوظ من الشياطين في اللوح. ومن قرأ بالكسر، فهو نعت للوح. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس- ﵃ أنه قال: إن الله تعالى جعل لوحاً من درة بيضاء دفتاه، من ياقوتة حمراء، ينظر الله تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء. وروي عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه قال: حدثني فرقد في قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال: هو صدر المؤمنين، وقال قتادة: في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 1778

سورة الطارق وهي سبع عشرة آية مكية [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس- ﵃ عن قوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ فقال: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ وسكت فقلت له: مالك؟ فقال: والله ما أعلم منها، إلا ما أعلم ربي. يعني: تفسير الآية ما ذكر في هذه الآية، وهو قوله: والنجم الثاقب. يعني: هو الطارق. وروي عن ابن عباس، ﵄ في رواية أخرى. وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال الطارق الكواكب التي تطرق في الليل، وتخفى في النهار، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ على وجه التعجب والتعظيم. ثم بيّن فقال النَّجْمُ الثَّاقِبُ يعني: هو النجم المضيء. وقال مجاهد: الثَّاقِبُ الذي يتوهج. وقال الحسن البصري الثَّاقِبُ هو النجم، حين يرسل على الشياطين، فيثقبه، يعني: فيحرقه. وقال قتادة: النَّجْمُ الثَّاقِبُ يعني: يطرق بالليل، ويخنس بالنهار فأقسم الله تعالى بالسماء ونجومها. ويقال: بخالق السماء ونجومها إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ وهذا جواب القسم، يعني: ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ قولها وفعلها. قرأ عاصم وحمزة، وابن عامر، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها بتشديد الميم، والباقون لَمَّا عَلَيْها بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد، فمعناه ما من نفس إلا وعليها حافظ، فيكون لما بمعنى إلا، ومن قرأ بالتخفيف جعل ما مؤكدة، ومعناه كل نفس عليها حافظ. [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ٥ الى ١٠] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) ثم قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ يعني: فليعتبر الإنسان من ماذا خلق. قال بعضهم: نزلت في شأن أبي طالب، ويقال نزلت في جميع من أنكر البعث. ثم بين أول خلقهم ليعتبروا

стр. 1779

فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يعني: من ماء مهراق في رحم الأم، ويقال: دافق بمعنى مدفوق. كقوله فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: ٧] أي: مرضية ثم قال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ يعني: خلق من مائين، من ماء الأب يخرج من بين الصلب، ومن ماء الأم يخرج من الترائب. والترائب: موضع القردة كما قال امرؤ القيس: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل ثم قال: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يعني: على بعثه وإعادته بعد الموت لقادر، ويقال على رجعه إلى صلب الآباء، وترائب الأمهات لقادر، والتفسير الأول أصح لأنه قال: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ يعني: تظهر الضمائر. ويقال: يختبر السرائر فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ يعني: ليس له قوة يدفع العذاب عن نفسه، ولا مانع يمنع العذاب عنه. [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١١ الى ١٧] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) وقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ فهو قسم، أقسم الله تعالى بخالق السماء ذات الرجع، يعني: يرجع السحاب بالمطر، بعد المطر والسحابة بعد السحابة وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ يعني: يتصدع فيخرج ما بالنبات والثمار، فيجعلها قوتاً لبني آدم- ﵇ ويقال: ذات الصدع يعني: ذات الأودية، وهو قول مجاهد وقال قتادة: يعني: ذات النبات إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ يعني: القرآن قول حق وجد وَما هُوَ بِالْهَزْلِ يعني: باللعب ويقال لم ينزل بالباطل قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً يعني: يمكرون مكراً وهم أهل مكة في دار الندوة ويقال يكيدون كيداً يعني: يصنعون أمراً وهو الشرك والمعصية وَأَكِيدُ كَيْداً يعني: أصنع لهم أمراً، وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة قوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ يعني: أجل الكافرين ويقال: خل عنهم أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً يعني: أجلهم قليلاً أي إلى وقت الموت ويقال إنهم يكيدون كيداً بمعنى: الخراصون الذين يحبسون في كل طريق يعني: يصدون الناس عن دينه يعني يحبسون الناس في كل طريق يصدون الناس عن دينه. وروى عبد الرزاق عن أبي وائل عن همام مولى عثمان قال لما كتبوا المصحف شكوا في ثلاث آيات فكتبوها في كتف شاة وأرسلوها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت فدخلت عليهما فناولتهما أبياً فقرأها فكان فيها لا تبديل لخلق الله وكان فيها لم يتسن فكتب لم يتسنه وكان فيها فأمهل الكافرين فمحى الألف وكتب فمهل الكافرين ونظر فيها زيد بن ثابت فانطلقت بها إليهم فناولتها زيد بن ثابت إليهم فأثبتوها في المصحف أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً يعني: أجلهم قليلاً فإن أجل الدنيا كلها قليل.

стр. 1780

سورة الأعلى وهي تسع عشرة آية مكية [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال الكلبي: يعني: صلِّ بأمر ربك، ويقال سبح هو من التنزيه والبراءة يعني: نَزِّه ربك، والاسم صلة، ويقال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يعني: قل سبحان ربي الأعلى كما روي في الخبر أنه قيل: يا رسول الله ما نقول في ركوعنا فنزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى بمعنى العالي كقوله أكبر بمعنى الكبير والعلو هو القهر والغلبة يعني أمره نافذ على خلقه فلما نزل فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فقال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوها فِي رِكُوعِكُم» فقالوا: فما نقول في سجودنا؟ فنزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال- ﵇: «اجْعَلُوها فِي سِجُودِكُم» ، ويقال: «سبح اسم ربك» يعني: اذكر توحيد ربك الأعلى، ويقال كان بدء قوله: «سبحان ربي الأعلى» أي ميكائيل خطر على باله عظمة الرب جلا وعلا سلطانه فقال: يا رب أعطني قوة حتى أنظر إلى عظمتك، وسلطانك، فأعطاه قوة أهل السموات فطار خمسة آلاف سنة فنظر فإذا الحجاب على حاله واحترق جناحه من نور العرش ثم سأل القوة فأعطاه القوة ضعف ذلك فجعل يطير ويرتفع عشرة آلاف سنة حتى احترق جناحه وصار في آخره كالفرخ ورأى الحجاب والعرش على حاله فخر ساجداً وقال: «سبحان ربي الأعلى» يعني: تعالى من أن يكون محسوساً معقولاً ثم سأل ربه أن يعيده إلى مكانه إلى حاله الأولى ثم قال : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى يعني: الذي خلق كل ذي روح، وجميع خلقه، ويقال: سبح الله تعالى الذي خلقك فسوى خلقك يعني: اليدين والرجلين والعينين ولم يخلقك زمناً ولا مكفوفاً، كما قال وصوَّركم فأحسن صوركم قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى يعني: قدر لكل شيء شكله، يعني: لكل ذكر وأنثى من شكله وهداه للأكل والشرب والجماع، ويقال الذي قدر فهدى يعني فهداه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ويقال الذي قدر فهدى سبح لله الذي خلقك

стр. 1781

وقدر آجالك وأرزاقك وأعمالك وهداك إلى المعرفة والإسلام والأكل والشرب فصلّ بابن آدم وسبح لهذا المنعم المكرم السيد الذي هو الأحد الصمد، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣] ثم قال : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى يعني: أنبت الكلأ ويقال هو العشب والحشيش وألقت وما أشبه، قرأ الكسائي: وَالَّذِي قَدَّرَ بالتخفيف، والباقون بالتشديد ومعناها واحد يقال: قدره الأمر وقدرته قوله تعالى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى يعني: جعل المرعى يابساً بعد خضرته، وقال القتبي: غثاء يعني يابساً، أحوى يعني أسود من قدمه واحتراقه. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ٦ الى ١٣] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) ثم قال : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى يعني: سنعلمك القرآن وينزل عليك فلا تنسى إلا ما شاء الله، يعني: قد شاء الله أن لا تنسى القرآن فلم ينس القرآن بعد نزول هذه الآية. وكان النبيّ ﷺ يأخذ في قراءته قبل أن يفرغ جبريل- ﵇ مخافة أن ينساه ويقال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى يعني: سنحفظ عليك حتى لا تنسى شيئاً، ويقال أن جبريل- ﵇ كان ينزل عليه في كل زمان ويقرأ عليه رسول الله ﷺ ويبين له ما نسخ فذلك قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يعني: إلا ما شاء الله أن يرفعه وينسخه ويذهب من قلبك ثم قال تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى يعني: يعلم العلانية والسر، ويقال: ما يجهر به الإمام في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة وما يخفى يعني: في الظهر والعصر والسنن، ويقال: يَعْلَمُ ما يظهر من أفعال العباد وأقوالهم وَما يَخْفى من أقوالهم وأفعالهم، ويقال: يَعْلَمُ ما عمل العباد وَما يَخْفى يعني: ما لم يعملوه وهم عاملوه ثم قال : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى يعني: سنهوّن عليك حفظ القرآن وتبليغ الرسالة، ويقال: يعني: نعينك على الطاعة، قوله تعالى: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن الناس إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يعني: إن نفعتهم العظة ومعناه ما نفعت العظة بالقرآن إلا لمن يخشى ويقال إن نفعت الذكرى يعني إن قولك ودعوتك تنفع لكل قلب عاقل ويقال: نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى يعني: نهون عليك عمل أهل الجنة ثم قال: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى يعني: يتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ويسلم ويقال: معناه سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحاً من يخشى قلبه من عذاب الله تعالى يَتَجَنَّبُهَا يعني: يتباعد عنها يعني: عن عظتكْ َشْقَى يعني: الشقي الذي وجب في علم الله تعالى أنه يدخل النار مثل الوليد وأبي جهل ومن كان مثل حالهما الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى يعني: يدخل يوم القيامة النار الكبرى يعني: النار العظمى لأن نار الدنيا هي النار الصغرى ونار

стр. 1782

الآخرة هي النار الكبرى، وروى يونس عن الحسن عن النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ نَارَكُم هذه جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ غُمِسْتُ فِي النَّار مَرَتَين لِيُدْنَى مِنْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا وَلُولاَ ذَلِكَ مَا دَنَوتُم مِنْها» ويقال: إنها تستجير أن ترد إلى جهنم يعني: تتعوذ منها وقال بعض الحكماء: علامة الشقاوة تسع أشياء كثرة الأكل، والشرب، والنوم، والإصرار على الذنب، والغيبة، وقساوة القلب، وكثرة الذنوب، ونسيان الموت، والوقوف بين يدي الملك ، وهذا هو الشقي الذي يدخل النار الكبرى ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى يعني: لا يموت في النار حتى يستريح من عذابها ولا يحيا حياة تنفعه، وقال القتبي معناه: هو العذاب بحال من يموت ولا يموت. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١٤ الى ١٩] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) ثم قال : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ يعني: توحيد ربه فَصَلَّى مع الإمام الصلوات الخمس، ويقال قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: أدى زكاة الفطر وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى مع الإمام صلاة العيد. ويقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: أدى زكاة المال، يعني: نجا من خصومة الفقراء يوم القيامة وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى يعني: كبّر وصلى لله تعالى، ويقال: مَنْ تَزَكَّى يعني: تاب من الذنوب (وذكر اسم ربه) يعني: إذا سمع الآذان خرج إلى الصلاة ثم ذم تارك الجماعة لأجل الاشتغال بالدنيا فقال: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: تختارون عمل الدنيا على عمل الآخرة، قرأ أبو عمرو: بل يؤثرون بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال : وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى يعني: عمل الآخرة خير وأبقى من اشتغال الدنيا وزينتها، ويقال معناه يختارون عيش الدنيا الفانية على عيش الآخرة الباقية وإن عيش الآخرة خير وأبقى لأن في عيش الدنيا عيوباً كثيرة خوف المرض والموت والفقر والذل والهوان والزوال والحبس والمنع وما أشبه ذلك وليس في عيش الآخرة شيء من هذه العيوب، لأجل هذا قيل خير من الدنيا قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى يعني: الذي ذكر في هذه السورة كان في الصحف الأولى يعني: في الكتب الأولى ثم فسره فقال: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ويقال: الذي ذكر في آخر السورة أربع آيات لفي كتب الأولين وكل كتاب مكتوب يسمى الصحف يعني: في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلخ الآية.

стр. 1783

سورة الغاشية وهي ست وعشرون آية مكية [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لاَّ تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ هل استفهام، واستفهم الله تعالى نبيه ﷺ ، ولم يكن أتاه بعد، فكأنه قال: لا يأتيك خبره، ثم أخبره. ويقال: معناه: قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى الخلق كلهم. كما يقال: يوماً كان شره مستطيراً، ويقال: الغاشية النار، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى وجوه الكفار. كما قال: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم: ٥] أو كقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥] ويقال: الغاشية دخان النار، يخرج من النار يوم القيامة، عنق من النار، فيحيط بالكفار مثل السرادق، ويجيء دخانها، فيغشى الخلائق، حتى لا يرى بعضهم بعضاً، إلا من جعل الله تعالى له نوراً، بصالح عمله في الدنيا كقوله: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: ٣٣] وكقوله: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) [الواقعة: ٤٣] ويقال: تغشى الغاشية الصراط المنافقين. كقوله: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] الآية. ثم وصف ذلك اليوم وقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ يعني: من الوجوه، وجوه يومئذ خائفة، ذليلة في العذاب. وهي وجوه الكفار. ثم قال: عامِلَةٌ يعني: تُجَرُّ على وجوهها في

стр. 1784

النار ناصِبَةٌ يعني: من تعب وعذاب في النار. ويقال: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ يعني: تكلف الصعود على عتبة ملساء من النار، فيرتقيها في عناء ومشقة، فإذا ارتقى إلى ذروتها، هبط منها إلى أسفلها. ويقال: نزلت في رهبان النصارى، عاملة في الدنيا، ناصبة في العبادة، أشقياء في الدُّنيا والآخرة. ويقال: عاملة في الدنيا بالمعاصي والذنوب، ناصبة في الآخرة بالعذاب تَصْلى نَاراً حامِيَةً يعني: تدخل ناراً حارة، قد أوقدت ثلاثة آلاف سَنَةٍ، حَتَّى اسْوَدَّتْ. فَهِي سوداء مظلمة. قوله تعالى: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي: من عين حارة، قد انتهى حرُّها لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ وهذا في بضع دركها إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، بضم التاء تَصْلى نَاراً وقرأ الباقون، بالنصب. فمن قرأ بالضم لمعنى المفعول الذي لم يسم فاعله، ونصب ناراً على أنه مفعول ثان، ومن قرأ بالنصب، جعل الفعل الذي يدخل النار، وهو كناية عن الوجوه. ولهذا ذكره بلفظ التأنيث. ثم قال: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ والضريع نبات بين طريق مكة واليمن فإذا أكل الكفار منه بقي في حلقهم لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ يعني: غير الضريع لاَّ يُسْمِنُ يعني: لا يشبع الضريع وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ يعني: ولا ينفع من جوع، وهذا الجزاء، للذي يتعب نفسه للعمل في الدنيا والمعاصي، وما لا يحتاج إليه. ثم وصف مكان الذي يعمل لله تعالى، ويترك عمل المعصية، ويؤدي ما أمر الله تعالى، ويترك ما نهي عنه فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ يعني: من الوجوه ما تكون ناعمة، يعني: في نعمة وكرامة، وهي وجوه المؤمنين والتائبين، والصالحين. ويقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ يعني: مشرقة مضيئة، مثل القمر ليلة البدر لِسَعْيِها راضِيَةٌ يعني: لثواب عملها راضية. ويقال: لثواب سعيه، الذي عمل في الدنيا من الخير. يعني: رأى ثوابه في الجنة، راضِيَةٌ مرضية، ﵁ بعمله في الدنيا، ورضي العبد من الله تعالى في الآخرة. من الثواب فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: ذلك الثواب في جنة عالية، مرتفعة في الدرجات العلى. وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إنَّ المُتَحَابِّينَ لله تَعَالَى فِي غُرْفَةٍ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الأَرْضِ إلَى كَوَاكِبِ السَّمَاءِ» . ثم قال : لاَّ تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً يعني: لا يكون في الجنة لغو ولا باطل، وليس فيها غل ولا غش. قرأ نافع لا تُسمع بضم تاء التأنيث، لأن اللاغية مؤنثة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لا يسمع بضم الياء على معنى: فعل، ما لم يسم فاعله، وإنما ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى. يعني: إلى اللغو. وروي عن ابن كثير، ونافع في إحدى الروايتين، بنصب التاء، يعني: لا تسمع في الجنة أيها الداخل، كلمة لغو، لأن أهل الجنة، لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله تعالى.

стр. 1785

ثم قال: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يعني: في الجنة، عين جارية ماؤها أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ويذهب من قلبه الغل، والغش والحسد، والعداوة والبغضاء. ثم قال: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ يعني: مرتفعة وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ يعني: الكيزان التي لا عرى لها، مدورة الرأس وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ يعني: فيها وسائد، قد صف بعضها إلى بعض على الطنافس. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٦ الى ٢٦] وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قال القتبي: الزرابي الطنافس. ويقال: البُسُط واحدها زربي. ثم قال : مَبْثُوثَةٌ أي: كثيرة متفرقة أو مبسوطة، والنمارق الوسائد واحدها نمرقة، والمؤمن جالس فوق هذا كله، وعلى رأسه نور وضاء، كأنهن الياقوت والمرجان، جزاءً بما كانوا يعملون، فإن شك شاك فيها فتعجب، وقال: كيف هذا وهو غائب عنا، فقل انظر إلى صنعة الرب ﵎ في الدنيا. وهو قوله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ يعني: خلق من قطرة ماء خلقاً عظيماً، يُحْمَل عليها، وإنما خص ذكر الإبل، لأن الإبل كانت أقرب الأشياء إلى العرب. ثم قال : وَإِلَى السَّماءِ يعني: أفلا ينظرون إلى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد تحتها، وحبست في الهواء بقدرة الرب . ثم قال: وَإِلَى الْجِبالِ يعني: أفلا ينظرون إلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ على ظهر الأرض أوتاداً لها، وليس جبل من الجبال، إلا وله عرق من قاف، وملك موكل بجبل. فإذا أراد الله تعالى بأهل أرض شيئاً، أوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بذلك الجبل، فيحرك تلك العروق، فيتزلزل. ثم قال: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ يعني: بسطت على ظهر الماء. ثم قال: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ يعني: فذكر يا محمد ﷺ وخوفهم بالعذاب في الآخرة إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ يعني: مخوفاً بالقرآن لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ يعني: بمسلط تجبرهم على الإسلام، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. وقال مقاتل: في الآية تقديم يعني: فذكر إِلَّا مَنْ تَوَلَّى يعني: أعرض عن الإيمان وَكَفَرَ بالله تعالى فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ

стр. 1786

فيدخله النار، وهو العذاب الأكبر الدائم، وهو عذاب النار، حرها شديد، ومقرها بعيد، ومقامها حديد. قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ يعني: إن إلينا مرجعهم بعد الموت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ يعني: إن مرجعهم إلينا بعد الموت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ يعني: يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير كما قال: لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كبيرة، إلا أحصاها. ويقال: إن علينا حسابهم يعني: جزاءهم بأعمالهم، يعني: ثوابهم بما عملوا، والله أعلم بالصواب.

стр. 1787

سورة الفجر وهي ثلاثون آية مكيّة [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) قوله تعالى: وَالْفَجْرِ هو قسم، وجوابه: إن ربك لبالمرصاد أقسم الله تعالى بالفجر يعني: الصبح، والفجر فجران المستطيل، وهو من الليل والفجر، المعترض وهو من النهار. ويقال: أراد به أول يوم من المحرم. ثم قال : وَلَيالٍ عَشْرٍ يعني: عشر ذي الحجة، ويقال: إنها الأيام العشر، التي صام فيها موسى- ﵇ وهي قوله: وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [الأعراف: ١٤٢] . ويقال: هي أيام عاشوراء. ثم قال : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال قتادة: الخلق كله شفع ووتر، فأقسم الله تعالى بالخلق. وروى الحارث، عن علي ﵁، أنه قال: الشفع آدم وحواء، والوتر الله . قال ابن عباس: الوتر آدم فتشفع بزوجته حواء، وقال عطاء: الشفع الناس، والوتر الله . وقال الحسن: الشفع هو الخلق، والذكر والأنثى، والوتر الله تعالى. وقال: أقسم بالصلوات، والصلوات منها ما هو شفع، وهو الفجر، والظهر والعصر، والعشاء ومنها ما هو وتر وهو الوتر في المغرب. ويقال: إنما هو الأعداد كلها، شفع ووتر. وعن ابن عباس: الشفع أيام الذبح، والوتر يوم عرفة. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٤ الى ١٤] وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)

стр. 1788

قال : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قال الكلبي: يعني: ليلة المزدلفة، يسير الخلق إلى المزدلفة. وقال القتبي: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ يعني: يسرى فيه، كقوله: ليل نائم، أي: يُنام فيه. وقال الزجاج: أصله تسري يسري، إلا أن الياء قد حذفت منه، وهي القراءة المشهورة بغير ياء، يقرأ بالياء. قرأ حمزة، والكسائي، والشفع والوتر بكسر الواو. والباقون بالنصب، وهما لغتان. يقال: للفرد وَتْرٌ ووِتْر. وقرأ ابن كثير يسر بالياء، في حالة الوصل والقطع. وقرأ نافع بالياء، إذا وصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والقطع، لأن الكسرة تدل عليه. ثم قال : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ يعني: أن هذا الذي ذكرناه، قسماً لذي لب من الناس. ويقال: إن في ذلك قسم صدق، لذي عقل ولب ورشد، والحجر اللب. ثم قال : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني: ألم تعلم، ويقال: ألم تخبر، واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقدير، يعني: فذلك خبر عاد إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ يعني: عاقبة قوم عاد، وقال بعضهم: هما عادان، أحدهما عاد وإرم، والآخر هم قوم هود. وقال بعضهم: كلاهما واحد، ويقال: إرم اسم للجنة التي بناها، فمات قبل أن يدخلها، وذكر فيها حكاية طويلة عن وهب بن منبه. ثم قال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: الفساطيط، والعمود عمود الفسطاط. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ يعني: في القوة والطول، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: ذات القوة، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: دائم الملك، طويل العمر. ويقال: ذاتِ الْعِمادِ أي: ذات البناء الرفيع. وروى أسباط، عن السدي قال: عاد بن إرم، فنسبهم إلى أبيهم الأكبر. كقولك: بكر بن وائل. ويقال: لا ينصرف إرم، لأنه اسم قبيلة. وقال مقاتل: ذاتِ الْعِمادِ يعني: طولها اثنا عشر ذراعاً الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ في الطول والقوة، وإرم اسم أب قبيلة ينسب إليهم، وهو إرم بن سمك، بن نسمك، بن سام، بن نوح ﵇. وقال الكلبي: ذاتِ الْعِمادِ يعني: كانوا أهل ذات عمود وماشية، فإذا هاج العمود، يعني: يبس العشب، رجعوا إلى منازلهم. ويقال: عاد وإرم شيء واحد. ثم قال : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وهم قوم صالح، نقبوا الجبل، وقلعوا أحجاراً لا يطيق مائتا رجل بالوادي. وقال الكلبي: هو واد القرى. ثم قال : وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ يعني: قواد الكفرة الفجرة، الذين خلقهم الله تعالى أوتاداً في مملكته، ليكفوا عنه عدوه. ويقال: إن له بيتاً أوتد فيه أوتاداً، فإذا عذب أحد، طرحه فيها. ويقال: سمي بذي الأوتاد، لأنه كان إذا غضب على أحد، وثقه بأربعة أوتاد. ويقال: الأوتاد وهي الصلب، إذا غضب على أحد، صلبه كقوله لأصلبنكم ويقال ذو الأوتاد يعني ذا الملك الثابت الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يعني: عاداً وثمود وفرعون عصوا في البلاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ

стр. 1789

يعني: أكثروا في الأرض المعاصي فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ يعني: أرسل عليهم ربك سَوْطَ عَذابٍ يعني: شديد العذاب حتى أهلكهم إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: مرّ الخلق عليه. ويقال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: ملائكة ربك على الصراط، يعني: يرصدون العباد على جسر جهنم في سبع مواضع. وقال ابن عباس- ﵄: يحاسب العبد في أولها بالإيمان، فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء، نجا وإلا تردى في النار، وفي الثاني: يحاسب على الصلاة، فإن أتم ركوعها وسجودها في مواقيتها نجا، وإلا تردى في النار، والثالث: يحاسب على الزكاة، فإن النار. وفي الخامس في الحج والعمرة، وفي السادس بالوضوء والغسل من الجنابة، وفي السابع بر الوالدين، وصلة الأرحام، ومظالم العباد فإن أداها نجا وإلا تردى في النار. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٢٢] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) ثم قال : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ قال الكلبي: نزلت في أمية بن خلف ويقال: في أبي بن خلف، إذا ما ابتلاه، يعني: اختبره ربه فَأَكْرَمَهُ يعني: ورزقه وَنَعَّمَهُ يعني: أعطاه النعمة فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ يعني: اجتباني وفضلني، وأنا أهل لذلك وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ بالفقر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد أي: فقتر عليه رزقه، وأصابه الجوع والأمراض فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ يعني: طردني وعاقبني، شكاية لربه. قال الله تعالى: كَلَّا أي: حقاً يعني: ليس إهانتي وإكرامي، في نزع الماء والولد، والفقر، والمرض، ولكن إهانتي في نزع المعرفة، وإكرامي بتوفيق المعرفة، والطاعة. وقال قتادة: لم يكن الغنى من كرامة، ولم يكن الفقر من الذل. ولكن الكرامة مني، بتوفيق الإسلام، والهوان مني بالخذلان عنه. إنما المكرم من أكرم بطاعتي، والمهان من أهين بمعصيتي. ثم قال: بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ يعني: لا تعطون حق اليتيم، وكان في حجر أمية بن خلف، يتيم لا يؤدي حقه. فنزلت الآية بسببه، فصار فيها عظة لجميع الناس. قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

стр. 1790

ثم قال : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يحثون أنفسهم، ولا غيرهم على طعام المسكين. ويقال: لا تحاضون على إطعام المسكين. ويقال: لا يحض بعضهم بعضاً. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَلا تَحَاضُّونَ بالألف، يعني: لا يحث بعضهم بعضاً. وقرأ أبو عمرو، ولا يحضون بالياء يعني: لا يحثون، والباقون لا تحضون بالتاء على المخاطبة. ثم قال: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ يعني: الميراث أَكْلًا لَمًّا يعني: شديداً. كقولك: لممت الشيء إذا جمعته ومعناه يأكلون مال اليتيم، أكلاً شديداً سريعاً. وَتُحِبُّونَ الْمالَ يعني: كثرة المال وجمع المال حُبًّا جَمًّا يعني: شديداً. ويقال: كثيراً. قرأ أبو عمرو ويكرمون، ويأكلون، ويحبون كلها بالياء على معنى الخبر عنهم. والباقون بالتاء، على معنى الخطاب لهم. ثم قال : كَلَّا يعني: حقاً إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا يعني: زلزلت الأرض زلزالها، والتكرار للتأكيد. ثم قال: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ قال بعضهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر وقال أهل السنة وجاء ربك بلا كيف وقال بعضهم معناه وجاء أمر ربك بالحساب والملك صَفًّا صَفًّا يعني: صفوفاً، كصفوف الملائكة، وأهل الدنيا في الصلاة. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ثم قال : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تحضر وتدنو من الكفار، وروي عن عبد الرحمن بن حاطب قال: كنا جلوساً عند كعب يذكّرنا، فجاء عمر ﵁، فجلس ناحيته وقال: ويحك يا كعب خوّفنا، فقال كعب: إن جهنم لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتى إذا قربت ودنت، زفرت زفرة، لا يبقى نبي ولا صديق، إلا وهو يخر ساقطاً على ركْبتيه. فيقول: اللهم لا أسألك اليوم إلا نفسي، ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبياً، لظننت أن لا تنجو. فقال عمر ﵁: والله إن الأمر لشديد. ثم قال: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ يعني: يتعظ الكافر وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يعني: من تنفعه العظة، ويقال: يومئذ يتذكر الإنسان، يعني: يظهر الإنسان التوبة، يعني: أين له التوبة، يعني: كيف تنفعه التوبة يومئذ. يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي يعني: يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي الباقية. ثم قال : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قرأ الكسائي لا يعذب، بنصب الذال، ولا يوثق بنصب التاء. والباقون كلاهما بالكسر
следующие страницы →