ثم قال: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن دين الإسلام. وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، يعني: عالم بهم وبأعمالهم.
قوله تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٨ الى ٥١]
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)
قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم. ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم. ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير، أرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، فقال لهم: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل.
ثم قال: وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، يعني: لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم. وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يعني: معين لكم، وهؤلاء بنو كنانة تأتيكم وهم على أثرى.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ، يعني: اجتمع الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يعني: راجعاً «١» وراءه فقال له الحارث بن هشام: أين ما ضمنت لنا؟
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ. فقال له الحارث: وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟ والجعاشيش: جمع جعشوش، وهو الرجل الحقير الدميم القصير. فقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. قال ابن عباس: «خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيراً، فيعرفه الناس، فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك، فلا يطيعونه، ولم يخف على نفسه الموت والقتل، لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ فى الصور» . قال إبليس: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي: أرى جبريل معتجراً بردائه يقود الفرس، فلما تولى قالوا: هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة، وقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم. فقالوا له: ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟
فحلف أنه لم يحضر، فلما أسلموا، علموا أنه كان إبليس.
وقال مقاتل: لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء
стр. 597
بنفسه، وحضرت الشياطين، وحضر كفار الجن كلهم، وتسعمائة وخمسين من المشركين، وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن، وألفا من الملائكة. وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة، كان يقول: «طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله ﷺ ، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وجاسوسهم أمين الله، وثوابهم رضوان الله» .
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني شكا ونفاقاً. قال الحسن: هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين. وقال الضحاك:
نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه ويقال: معناه إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم الذين فى قلوبهم مرض. قال ابن عباس: «نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرهاً، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا، وقالوا لأهل مكة: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ. وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم» .
يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني يثق بالله ولا يثق بغيره، فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم الهزيمة على المشركين. فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فنزل: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا حين يقبض أرواحهم الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ عند قبض أرواحهم ويضربون، وَأَدْبارَهُمْ يعني: ويضربون ويقول لهم الملائكة يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ولم يذكر الجواب، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه: لو رأيت ذلك لرأيت أمراً عظيماً. قرأ ابن عامر إذ تتوفّى الذين بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون يَتَوَفَّى بلفظ التذكير. وروي عن ابن مسعود أنه كان يُذَكِّر الملائكة في جميع القرآن، خلافاً للمشركين لقولهم: الملائكة بنات الله.
ثم قال تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، يعني ذلك العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يقول: لم يعذبهم بغير ذنب:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
ثم قال : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، يعني: صنيعهم كصنيع آل فرعون، ويقال:
كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية. كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، يعني: جحدوا بعذاب الله في الدنيا إنه غير نازل بهم، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يعني: عاقبهم
стр. 598
وأهلكهم بِذُنُوبِهِمْ وشركهم. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: قَوِيٌّ في أخذه، شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.
قوله تعالى: ذلِكَ العذاب الذي نزل بهم، بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ في الدين والنعم. فإذا غيّروا، غيّر الله عليهم ما بهم من النعمة وهذا قول الكلبي. وروى أسباط، عن السدي في قوله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ قال:
أنعم الله تعالى بمحمد ﷺ على أهل مكة وكفروا به، فنقله إلى الأنصار. ويقال: أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، فلم يشكروا، فجعل لهم مكان الأمن الخوف، ومكان الرخاء الجوع.
وهذا كقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى قوله فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] وقال الضحاك: ما عذب الله قوماً قط ولا سلبهم النعمة، ولا فرق بينهم وبين العافية، حتى كذبوا رسلهم، فلما فعلوا ذلك ألزمهم الذل وسلبهم العز، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ثم قال:
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ لمقالتهم، عَلِيمٌ بأفعالهم.
ثم قال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ في الهلاك. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، يعني: بكفرهم، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعني: فرعون لادعائه الربوبية، ولأنهم عبدوا غيري. وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ، يعني: مشركين. ومعناه: كصنيع آل فرعون وقد أعطاه الله تعالى الملك والعز في الدنيا، ولم يغير عليه تلك النعمة، حتى كذب بآيات الله، فغيَّر الله عليه النعمة وأهلكه مع قومه.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، قال ابن عباس:
«نزلت في بني قريظة، كعب بن الأشرف وأصحابه، لأنهم عاهدوا رسول الله ﷺ ، ثم نقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبيّ ﷺ ، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم مرة أُخرى، فنقضوا العهد» ، فذلك قوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يعني: في كل حين وفي كلّ وقت وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ نقض العهد.
قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ يقول: إن تظفر بهم في الحرب، يعني: في
стр. 599
القتال، ويقال: إن أدركتهم في القتال «١» ، فَشَرِّدْ بِهِمْ يقول نكّل بهم في العقوبة مَنْ خَلْفَهُمْ، يعني: ليتَّعِظْ بهم من بعدهم الذي بينك وبينهم عهد، ويقال: افعل بهم فعلاً من العقوبة والتنكيل يفرق به من وراءهم من أعدائك. وقال أبو عبيدة: فَشَرِّدْ بِهِمْ إنها لغة قريش، أي: سمع بهم من خلفهم. والتشريد في كلامهم: للتشديد والتفريق. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، يعني النكال فلا ينقضون العهد.
قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، يعني: وإن علمت من قوم نقض العهد.
والخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة، وسمي ناقض العهد خائناً، لأنه اؤتمن بالعهد فغدر ونكث. فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، يعني: فأعلمهم بأنك قد نقضت العهد، وأعلمهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء. وقال القتبي: إذا أردت أن تعرف فضل العربية على غيرها، فانظر في الآية، وقد ترجموا سائر الكتب، ومن أراد أن يترجم القرآن إلى لغة أُخرى فلا يمكنه ذلك، لأنك لو أردت أن تنقل قوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً لم تستطع بهذا للفظ، ما لم تبسط مجموعها وتظهر مستورها فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضاً، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، يعني: الناقضين للعهد.
قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: لا يظنن الذين كفروا من العرب وغيرهم من الذين جحدوا بوحدانية الله تعالى سَبَقُوا، يعني: فاتوا بأعمالهم الخبيثة إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ، يقول: لن يفوتوا الله حتى يعاقبهم، ويقال: لا يجدون الله تعالى عاجزاً عن عقوبتهم. قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: وَلا يَحْسَبَنَّ بالياء على وجه المغايبة ونصب السين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلاَ تَحْسَبَنَّ بالتاء على وجه المخاطبة ونصب السين، وقرأ الباقون على وجه المخاطبة وكسر السين، وقرأ ابن عامر أَنَّهُمْ بالنصب على معنى البناء، وقرأ الباقون بالكسر على معنى الابتداء. فمن قرأ بالنصب، معناه: لأنهم لا يعجزون، يعني: لا يفوتون. وقرأ بعضهم بكسر النون لاَ يُعْجِزُونَ يعني: لا يعجزونني وهي قراءة شاذة.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٣]
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)
стр. 600
قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، يعني: السلاح. وروى عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: «أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثاً. وفي خبر آخر زيادة: «لَهْوَ المُؤْمِنِ فِي الخَلاءِ وَقُوَّتُهُ عِنْدَ القِتَالِ» . وروي عن عكرمة قال أي ثلاثا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: الحصون. وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، قال:
الإناث من الخيل.
ثم قال: تُرْهِبُونَ بِهِ، يعني: تخوفون بالسلاح عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، يعني: كفار العرب، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، يعني: بني قريظة. لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، يعني: لا تعرفونهم. اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، يعني: يعرفهم ويعرفكم، فأعدوا لهم أيضا. وقال مقاتل: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي:
من دون كفار العرب، يعني: اليهود. وقال السدي: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أهل فارس.
ثم قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: السلاح والخيل. يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه. وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ، أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم. ويقال: إن الجن لا يدخل في بيت فيه قوس وسهام.
قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، يقول: إن أرادوا الصلح ومالوا إليه، فَاجْنَحْ لَها يعني: مل إليها وأرده يعني: صالحهم. قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بالكسر، وقرأ الباقون بالنصب. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني: ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح، فإني أنصرك ولا أخذلك. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، يعني السَّمِيعُ بمقالتهم، الْعَلِيمُ بنقض العهد.
قال الفقيه: إنما يجوز الصلح إذا لم يكن للمسلمين قوة القتال، فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم، وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب. وإنّما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غير العرب، حتى لا تبقى بقية الكفر في أنساب النبيّ ﷺ ، لأن العرب كلهم من نسبه، ولا توضع حتى يسلموا أو يقتلوا. وإنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح، حين كانت الغلبة للمشركين، وكانت بالمسلمين قلة.
ثم قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح، يعني: يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك.
قال الله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، يعني: إن أرادوا إن يخدعوك، حسبك الله بالنصرة لك. هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ، وأعانك وقواك بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يعني: الأنصار وهم قبيلتان:
الأوس والخزرج.
стр. 601
قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ليّن قلوبهم من العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية. لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ما قدرت أن تؤلف بينهم، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بالإسلام. إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة، وحكم بالنصر على أعدائه.
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: «نزلت هذه الآية في المتحابين في الله» لَوْ أَنْفَقْتَ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقال عبد الله: «المؤمن متألف يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» .
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ بالنصر والعون لك، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قال بعضهم: مَنِ في موضع الرفع، ومعناه: حسبك من اتبعك من المؤمنين خاصة وهم الأنصار. ويقال: يعني عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: هذه الآية خاصة من هذه السورة، نزلت بمكة، حين أسلم عمر وكان المسلمون تسعة وثلاثين، فلما أسلم عمر ﵁ تمّ أربعون، وظهر الإسلام بمكة بإسلام عمر «١» . وقال بعضهم: مَنِ في موضع النصب، يعني: حسبك ومن اتبعك من المؤمنين. وقال الضحاك: ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، وهو ناصرهم في الدنيا والآخرة.
ثم قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، يعني: حثَّهم على قتال الكفار. إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، يعني: محتسبين في الجهاد، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ يعني: يقاتلون مائتين، ويثبتوا على القتال لينصرهم الله. وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرة يعني:
محتسبة يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفاً يوم بدر، جعل على كل رجل منهم قتال عشرة، فرفعوا أصواتهم بالدعاء فضجوا، فجعل على كل رجل قتال رجلين تخفيفاً من الله، وهو قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يعني: هوَّن الله عليكم القتال الذي افترض الله عليكم
стр. 602
يوم بدر. وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يعني: عجزاً عن القتال. فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ، يعني: محتسبة صادقة، يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من المشركين. وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ من المشركين بِإِذْنِ اللَّهِ، يعني: بأمر الله تعالى وبنصرته. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة لهم على عدوهم.
وقال مقاتل: لم تكن فريضة، ولكن كان تحريضاً، فلم يطق المؤمنون، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فنزل: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: «فرض على المسلمين أن لا يفر رجل من عشرة، ولا عشرة من مائة، فجهد الناس وشقّ عليهم، فنزلت هذه الآية «١» : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين، ولا قوم من مثلهم، فنقص من النصرة بقدر ما نقص من العدد. وروى عطاء، عن ابن عباس قال: «من فرّ من رجلين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة لم يفر» . قال الفقيه: إذا لم يكن معه سلاح ومع الآخر سلاح، جاز له أن يفر، لأنه ليس بمقاتل.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى يقول: ما ينبغي وما يجوز للنبيّ أن يبيع الأسارى، يقول: لا يقبل الفدية عن الأسارى، ولكن السيف حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، يعني:
حتى يغلب في الأرض على عدوه. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: فَانٍ تَكُنْ كلاهما بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ جماعة العدد مؤنث، وقرأ أبو عمرو الأولى خاصة بالياء، والأخرى بالتاء. وقرأ الباقون كلاهما بالتاء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم. وقرأ حمزة وعاصم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بنصب الضاد وجزم العين، وقرأ الباقون بضم الضاد، ومعناهما واحد: ضَعْف وضِعْف، وهما لغتان. وقرأ بعضهم ضعفا بضم الضاد ونصب العين، وهي قراءة أبي جعفر المدني يعني: عجزة.
قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: الفداء وروي عن ابن عباس قال: «لما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: «ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسَارَى» ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى لهم أن تأخذ منهم الفدية فتكون لنا عدة على الكفار، ولعل الله يهديهم الإسلام. وقال عمر: أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم. فهم رسول الله ﷺ أن يفعل ما قال أبو بكر، قال عمر: فلما كان من الغد
стр. 603
جئت إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله، من أي شيء تبكي؟ فقال: «أبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَيَّ لأَصْحَابِكَ مِنْ أخْذِهِمُ الفِدَاءَ» . فنزل مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَوْ نَزَلَ من السماء عذاب ما نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ» . قرأ أبو عمرو أَن تَكُونَ لَهُ أسرى بلفظ التأنيث، والباقون بالياء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم.
ثم قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني: عزة الدين. وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ في أمره.
قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ، يقول: لولا أن الله أحلّ الغنائم لأمة محمد ﷺ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ يعني: لأصابكم فيما أخذتم من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ، ثم طيّبها- وأحلها لهم فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً. وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان تنزل نار من السماء فتأكلها، حتى كان بدر، فوقعوا في الغنائم فأحلت لهم» فأنزل الله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وقال النبيّ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ قَبْلِي، بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، وَجُعِلَتْ لِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» .
وللآية وجه آخر. روى الضحاك في قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وذلك: أنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين، أسرع أصحاب رسول الله ﷺ في أخذ أسلاب المشركين ممن قتل يوم بدر، وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، فقال عمر ﵁: يا رسول الله، ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك؟ تركوا قتال العدو، وأقبلوا على أسلابهم، وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين فنزل:
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: أتطلبون الغنائم وتتركون القتال وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني:
قهر المشركين وإظهار الإسلام، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يعني: لولا ما سبق في الكتاب أن الغنائم تحلّ لهذه الأمة، لأصابكم عَذابٌ عَظِيمٌ وقال النبيّ ﷺ : «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ، لأَنَّهُ لَمْ يترك القتال» «٢» .
стр. 604
وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: سبقت من الله الرحمة لهذه الأمة قبل أن يعملوا بالمعصية» وقال الحسن: سبقت المغفرة لأهل بدر. وعن الحسن أنه قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: في الكتاب السابق من الله تعالى أن لا يعذب قوماً إلا بعد قيام الحجة عليهم. وقال سعيد بن جبير: لَوْلاَ ما سبق لأهل بدر من السعادة، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ. ويقال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أن لا يعذب قوماً، حتى يبين لهم ما يتقون.
ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اتقوا الله فيما أمركم به ولا تعصوه. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، متجاوز يعني: ذو تجاوز فيما أخذتم من الغنيمة قبل حلها رَحِيمٌ إذ أحلها لكم.
[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٠]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى، قرأ أبو عمرو من الأسارى بالضم وزيادة الألف، وقرأ الباقون الْأَسْرى بالنصب وبغير الألف. فمن قرأ بالأسرى فهو جماعة الأسير، يقال: أسير وأسرى، مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وقتيل وقتلى. من قرأ بالأسارى فهو جمع الجمع ويقال: هما لغتان بمعنى واحد.
وذلك أن النبيّ ﷺ لما وضع الفداء على كل إنسان من الأسارى أربعين أوقية من ذهب، فكان مع العباس عشرون أوقية من ذهب، فأخذ منه ولم يحسبها من فدائه، وكان قد خرج بها معه ليطعم بها أهل بدر من المشركين لأنه كان أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وقد جاءت توبته فأراد أن يطعمهم، فاقتتلوا يومئذ فلم يطعمهم، حتى أخذ وأخذ ما معه فكلَّم العباس رسول الله ﷺ أن يجعل العشرين أوقية من فدائه، فأبى عليه وقال: «هذا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنَا فَلا أتركه لَكَ» ، فوضع عليه فداءه وفداء ابن أخيه عقيل، فقال العباس: «أتترك عمك يسأل الناس بكفه؟» فقال له رسول الله ﷺ : «أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي أعْطَيْتَ لأمِّ الفَضْلِ، وَقُلْتَ لَهَا كَيْتَ وَكَيْتَ» ؟ فقال له: من أعلمك بهذا يا ابن أخي؟ قال: «الله أخْبَرَنِي» . فأسلم العباس وأمر ابن أخيه أن يسلم «١» فنزل: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى يعني العباس وابن أخيه.
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً، يعني: معرفة وصدقاً وإيمانا، كقوله: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [هود: ٣١] يعني: إيماناً. يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ، يعني يعطيكم في الدنيا من الفداء، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم. وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك، رَحِيمٌ به في الإسلام.
روى سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: بعث العلاء بن الحضرمي إلى رسول
стр. 605
الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفاً، ما أتاه من مال أكثر منه لا قبل ولا بعد، قال: فنثرت على حصير ونودي بالصلاة، فجاء رسول الله ﷺ ، فمثل على المال قائماً وجاء أهل المسجد، فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا قبضا. قال: فجاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر، ولم يكن لعقيل مال، فأعطني من هذا المال. فقال: خُذْ مِنْ هذا المَالِ، قال: فحثى في خميصته فأراد أن يقوم فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله، ارفع عَلَيَّ. فتبسم رسول الله ﷺ فقال: «أعِدْ مِنَ المَالِ طَائِفَةً وَقُمْ بِمَا تُطِيقُ» .
قال: ففعل، فجعل العباس يقول وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ندري ما يصنع في الأُخرى وهو قوله: يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وعن أبي صالح أنه قال: رأيت للعباس بن عبد المطلب عشرين عبداً، كل واحد منهم يتجر بعشرة آلاف، قال العباس: أنجزني الله أحد الوعدين، فأرجو أن ينجز الوعد الثاني «١» .
ويقال: يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني الجنة.
[سورة الأنفال (٨) : آية ٧١]
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
قوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ، يعني خلافك ويميلوا إلى الكفر بعد إسلامهم، فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يعني: عصوا الله وكفروا من قبل. فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، يعني: فأمكنك منهم وأظهرك عليهم يوم بدر، حتى قهرتهم وأسرتهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه، حَكِيمٌ حيث أمكنك عليهم، يعني: إن خانوك أمكنك منهم، لتفعل بهم مثل ما فعلت من قبل.
[سورة الأنفال (٨) : آية ٧٢]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: صدّقوا بتوحيد الله وبمحمد ﷺ والقرآن، وَهاجَرُوا من مكة إلى المدينة، وَجاهَدُوا العدو بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني:
في طاعته وفيما فيه رضاء الله.
ثم ذكر الأنصار فقال: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا، يعني: آووا رسول الله ﷺ ونصروه والمهاجرين، يعني: أنزلوهم وأسكنوهم ديارهم، ونصروا رسول الله ﷺ بالسيف. أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، يعني: في الميراث وفي الولاية، ليرغبهم في الهجرة فريضة في ذلك الوقت.
стр. 606
ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا إلى المدينة. مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ في الميراث. قرأ حمزة وَلايَتِهِمْ بكسر الواو، وقرأ الباقون وَلايَتِهِمْ بالنصب، يعني:
النصرة، ومن قرأ بالكسر فهو من الإمارة والسلطان. ثم قال حَتَّى يُهاجِرُوا، يعني: إلى المدينة قالوا: يا رسول الله، هل نعينهم إذا استعانوا بنا على المشركين؟ يعني: الذين آمنوا ولم يهاجروا، قال الله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ، يعني استغاثوا بكم على المشركين فانصروهم، فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ على من قاتلهم، إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني: إلا أن يقاتلوا قوماً بينكم وبينهم ميثاق عهد، فلا تنصروهم عليهم وأصلحوا بينهم. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في العون والنصرة.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٣ الى ٧٥]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، يعني: في الميراث، يرث بعضهم من بعض. إِلَّا تَفْعَلُوهُ، يعني: إن لم تفعلوا، يعني: ولاية المؤمن للمؤمن، والكافر للكافر، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ يعني: بلية وَفَسادٌ كَبِيرٌ، يعني: سفك الدماء، فافعلوا ما أمرتم واعرفوا أن الولاية في الدين. وقال الضحاك: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة وكفار ثقيف بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ، يعني: إن لم تطيعوا الله في قتل الفريقين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. وقال مقاتل: وفي الآية تقديم ومعناه: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، إِلَّا تَفْعَلُوهُ يعني: إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ يعني: كفر وفساد كبير في الأرض.
ثم قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا، يعني: أنزلوا وأوطنوا ديارهم المهاجرين، وَنَصَرُوا النبيّ ﷺ . وإنما سُمِّي المهاجرون مهاجرين، لأنهم هجروا قومهم وديارهم. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، يعني: صدقاً. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يعني: ثواب حسن في الجنة.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا، يعني: من بعد المهاجرين وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ يعني: على دينكم. وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ، يعني: في الميراث من المهاجرين والأنصار.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة
стр. 607
وبالمؤاخاة التي آخى بينهم النبيّ ﷺ ، وكانوا يتوارثون بالإسلام وبالهجرة وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخاه، فنسخ ذلك قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وروى محمد بن سالم عن الشعبي قال: كان عبد الله بن مسعود لا يعطي مولى نعمة مع ذي رحم شيئا، ويتأوّل هذه الآية وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وروى الحسن بن صالح، عن ابن عباس أنه قال: «هيهات هيهات، أين ذهب عبد الله بن مسعود؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزل أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ثم قال: فِي كِتابِ اللَّهِ، يعني: في حكم الله، كقوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ [المجادلة: ٢١] يعني: حكم الله تعالى. ويقال: فِي كِتابِ اللَّهِ مبين في القرآن، ويقال: فِي كِتابِ اللَّهِ يعني: في اللوح المحفوظ. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من قسمة المواريث، عَلِيمٌ بما فرض الله من المواريث والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.
стр. 608
سورة التوبة
مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس: كلها مدنية وقال مقاتل: كلها مدنية إلا قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية. قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرني أسامة قال: حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: حدثني يزيد الفارسي وهو كاتب ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لعثمان: «ما حملكم على أن عدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المائين، فقرأتموهما معا ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال» ؟ فقال عثمان: «كان النبيّ ﷺ تنزل عليه السورة ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب له ويقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» . وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة في آخر القرآن، وكانت قصتهما يشبه بعضها بعضا فظننت أنها منها، وقبض النبيّ ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» .
وذكر عن الكلبي أنه قال: براءة من الأنفال، فلذلك لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» وهي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذلك، فقال: «لأنها نزلت في السيف، وليس في السيف أمان» ، «وبسم الله الرّحمن الرّحيم» من الأمان. وروي عن عائشة أنها قالت: نسي الكاتب أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول هذه السورة، فتركت على حالها.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٢]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)
قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي: تبرؤ من الله ورسوله- لمن كان له عهد من المشركين من ذلك العهد ويقال: بَراءَةٌ أي قطع من الله ورسوله إلى من كان له عهد في المشركين من ذلك العهد «١» - ويقال: هذه السورة بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ- ويقال: هذه الآية بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» - إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وقال ابن عباس: «البراءة
стр. 609
نقض العهد إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول: من كان بينه وبين رسول الله عهد، فقد نقضه «١» ، وذلك أن المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل، وأمر الله تعالى نبيه فيمن كان له عهد أربعة أشهر، أن يقره إلى أن يمضي أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك أن يحطه إلى أربعة أشهر.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل أبا بكر وعلياً، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم، ثم لا عهد لهم «٢» فذلك قوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، يعني: فسيروا في الأرض أربعة أشهر آمنين غير خائفين، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: غير سابقي الله بأعمالكم، وغير فائتين بعد الأربعة الأشهر. ومعناه: إنكم وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر إنكم لن تفوتوا الله. وَأَنَّ اللَّهَ يعني: واعلموا أن الله مُخْزِي الْكافِرِينَ، يعني: مذل الكافرين. ويقال: معذب الكافرين في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣ الى ٤]
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)
ثم قال : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إعلام من الله ورسوله. وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ببراءة، فقيل: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك» .
ويقال: «بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ومعه عشر آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات» ويقال: إنما أمر علياً بالقرآن، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى:
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. وروي الأعمش، عن عبد الله بن
стр. 610
أبي سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر، وقال: «هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر» وقال الحسن: إنما سمي الحج الأكبر، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، فلذلك سمي الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم.
وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: «الحج الأكبر يوم النحر» . وروي عن قيس بن مخرمة أن النبيّ ﷺ قال: «الحج الأكبر يوم عَرَفَةَ» وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر «١» ، لأنه يوقف بعرفة» . ويقال: الحج الأكبر هو الحج، والحج الأصغر هو العمرة. كما قال ابن عباس:
«العمرة هي الحجة الصغرى» وقال ابن أبي أوفى: «يوم الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر، وهو يوم النحر» .
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، يعني: ورسوله أيضاً بريء من المشركين. وقرأ بعضهم وَرَسُولِهِ بنصب اللام ومعناه: أن رسوله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذة.
ثم قال: فَإِنْ تُبْتُمْ، يعني: رجعتم من الكفر، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإقامة عليه.
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ، يعني: أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: لن تفوتوا من عذابه.
ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو القتل في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهودكم، وَلَمْ يُظاهِرُوا يقول: ولم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، يعني: إلى تمام أجلهم. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون نقض العهد.
[سورة التوبة (٩) : آية ٥]
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يقول: إذا مضى الأشهر التي جعلتها أجلهم، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم، يعني: المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل. ويقال: إن هذه الآية فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف، مثل قوله قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: ٦٦] وقوله:
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] ، وقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: ٦٣] ، وقوله:
стр. 611
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة بهذه الآية.
قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ، يعني: ائسروهم وشدوهم بالوثاق، وَاحْصُرُوهُمْ يعني:
إن لم تظفروا بهم، فاحصروهم في الحصن والحصار. قال الكلبي: يعني: واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه. وقال مقاتل: وَاحْصُرُوهُمْ يعني: التمسوهم، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يعني: ارصدوا لهم بكل طريق. وقال الأخفش: يعني: اقعدوا لهم على كل مرصد.
وكلمة «على» محذوفة من الكلام، ومعناه: واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه. فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ، يعني: وأقرّوا بالصلاة. وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: وأقروا بالزكاة المفروضة. فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، يعني: اتركوهم ولا تقتلوهم. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: غَفُورٌ لما كان من الذنوب في الشرك، رَحِيمٌ بهم بعد الإسلام.
فقال رجل من المشركين: يا عليّ، إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي محمدا ويسمع كلامه، أو يأتيه لحاجة، أيقتل؟ فقال عليّ: «لا» .
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٦ الى ٧]
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)
قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، يعني: استأمنك. ويقال: فيه تقديم، ومعناه: وإن استجارك أحد من المشركين، يقول: وإن طلب أحد من المشركين منك الأمان، فَأَجِرْهُ، يقول: فأمنه، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يعني: اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك بكلام الله، فإن أبى أن يسلم ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ يقول: فرده إلى مأمنه من حيث أتاك. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ، يعني: أمرتك بذلك، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى. وفي الآية دليل: أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه.
ثم قال على وجه التعجب: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ويقال:
على وجه التوبيخ، يعني: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: بني كنانة وبني ضمرة، وهم لم ينقضوا العهد، فأمر الله تعالى بإتمام عهدهم. ويقال: هم بنو خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة. فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على وفاء العهد، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بالوفاء على التمام. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٨ الى ١٠]
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)
стр. 612
قوله تعالى كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقول: كيف تقاتلوهم «١» . ويقال: كيف يكون لهم عهد، وقد سبق في الكلام ما يدل على هذا الإضمار وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يقول: يغلبوا عليكم ويظفروا بكم. لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، يعني: لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهداً.
وقال سعيد بن جبير: الإل هو الله تعالى. وقال ابن عباس: «الإل القرابة والذمة والعهد» .
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: بألسنتهم مثل قول المنافقين. وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ، يعني: وتنكر قلوبهم، يقولون قولاً بغير حقيقة. وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ، يعني: عاصون بنقض العهد.
قوله تعالى: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا قال مقاتل: باعوا الإيمان بعرض من الدنيا وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء، ليصد بذلك الناس عن متابعة النبيّ ﷺ .
وقال الكلبي: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يقول: كتموا صفة رسول الله ﷺ في كتابهم بشيء من المآكلة، يأخذونه من السفلة. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله.
قوله تعالى: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، يعني: لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهداً. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ بنقض العهد وترك أمر الله تعالى.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١ الى ١٢]
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)
قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا من الشرك. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: أقروا بهما، فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، يعني: هم مؤمنون مثلكم. وَنُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى.
قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني: نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني:
بعد أجله، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقول: وعابوا فِى دِينِكُمْ الإسلام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني: قادة أهل الكفر ورؤساءهم. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ. قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري يعني: لا إسلام لهم، والباقون لا أَيْمانَ بالنصب يعني: لا عهد لهم. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَئِمَّةَ بهمزة، واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ، يعني: لعلهم ينتهون عن نقض العهد.
стр. 613
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٣ الى ١٦]
أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)
ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال : أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.
ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.
قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد «١» - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ : «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن
стр. 614
نقضتم؟ «١» فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:
ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:
اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتين هجدا «٢» ... وقتلونا ركّعا وسجّدا
إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا «٣»
فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن النبيّ ﷺ قال: «والله، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً» «٤» . وقال: «والله لا نُصِرْتُ، إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ» . فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل، ثم رجعنا إلى حديث عكرمة قال: فتجهزوا. وأقبل رسول الله ﷺ بالناس، حتى نزلوا برمال الظهران، فخرج أبو سفيان من مكة، فرأى العسكر والنيران فقال: ما هذه؟ فقيل: هؤلاء بنو تميم. فقال: والله هؤلاء أكثر من أهل منًى. فلما علم أنه رسول الله ﷺ ، تنكَّر وأقبل يقول:
دلوني على العباس، فأتاه فانطلق به إلى رسول الله ﷺ ، حتى أدخله عليه، فقال له: رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَسْلِمْ تسلم» . فقال أبو سفيان: كيف أصنع بالَّلات والعزى؟
قال حماد بن زيد: حدثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير، أن عمر قال وهو خارج من القبة، وفي عنقه السيف: «أخر عليهما، أما والله لو كنت خارجاً عن القبة ما سألت عنهما أبدا،
стр. 615
قال: من هذا؟ فقالوا: عمر بن الخطاب، فأسلم أبو سفيان، فانطلق به العباس إلى منزله، فلما أصبح رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة، فقال أبو سفيان للعباس: يا أبا الفضل، أو أمروا فيَّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فتوضأ ثم انطلق به إلى رسول الله ﷺ ، فلما قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة قاموا، فلما كبر كبروا، فلما ركع ركعوا، فلما سجد سجدوا. فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، ما رأيت كاليوم طاعة قوم، لا فارس الأكارم، والروم ذات القرون.
قال حماد بن زيد: فزعم يزيد بن حازم، عن عكرمة أنه قال: يا أبا الفضل، أصبح ابن أخيك عظيم الملك، فقال له العباس: إنه ليس بملك ولكن نبوة. قال: هو ذاك. فقال حماد:
قال أيوب ثم قال: «واصباح قريش» فقال العباس: يا رسول الله، لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم، وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئاً يذكر به. قال ﷺ : «فَافْعَلْ» فركب العباس بغلة رسول الله ﷺ ، ودخل مكة فنادى: يا أهل مكة أسلموا تسلموا فقد استبطأتم بأشهب باذل، قد جاءكم الزبير من أعلى مكة، وجاء خالد من أسفل مكة، وخالد وما خالد، والزبير وما الزبير، ثم قال:
من أسلم فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل وأغلق بابه فهو آمن ومن تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن. ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم، فآمن الناس جميعاً إلا بني بكر من أجل خزاعة، فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله تعالى:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وهم خزاعة. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ يعني: حقد قلوب خزاعة. وروى مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة، آمن الناس إلا ستة نفر: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وامرأتين فقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» .
وروى عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حين سار إلى مكة، ذكر إلى أن قال: «دخل صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة، وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فطاف رسول الله ﷺ بالبيت فصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تَقُولُونَ وما تظنّون؟» قالوا: نقول أخ كريم، وابن عم حليم رحيم. قال: أقول كما قال يوسف:
«لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام، وخرج رسول الله ﷺ من الباب الذي يلي الصفا فخطب والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما إن الرجل أخذته الرأفة بقومه وأدركته الرغبة في قرابته، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : «أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَالله إِنِّي رَسُولُ الله حَقّاً، إنّ محياه لمحياكم، وإنّ مماته لَمَمَاتُكُمْ» .
فقالوا: يا رسول الله، قلنا مخافة أن تفارقنا ضناً بك. قال: «أَنْتُمْ الصَّادِقُونَ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ» .
قال الله تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، يعني: من أهل مكة يهديهم الله لدينه.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن يؤمن من خلقه، حَكِيمٌ في أمره.
стр. 616
قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، وذلك أنه لما أمرهم الله تعالى بالقتال، شق ذلك على بعض المؤمنين، فنزل قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، يعني: أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون، ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، يعني:
لم يميز الله الذين جاهدوا مِنكُمْ من الذين لم يجاهدوا. وقد كان يعلم الله ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل أن يخلقهم، ولكن كان علمه علم الغيب، ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك العلم، وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد. ويقال: معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس؟ وهكذا قال في آية أخرى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] . وكما قال في آية أُخرى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: ٢] الآية.
ثم قال: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ، يعني: لم يتخذوا أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله تعالى ولا رسوله، يعني: ولا من دون رسوله، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ، يعني: يميِّزهم من غيرهم، وَلِيجَةً يعني: بطانة من غير أهل دينه، ليفشي إليه سره. وقال الزجاج: الوليجة البطانة، وهي مأخوذة من ولج الشيء في الشيء إذا دخل، يعني: ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خُلَّةً ومودة. ويقال: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بأن النبيّ ﷺ يريد الخروج إليهم، وأراد بذلك مودة أهل مكة، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١] الآية.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، يعني: من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ١٨]
مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد. وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني:
المسجد الحرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني:
المسجد الحرام. ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: ٥١] ، يعني به: النبي ﷺ .
ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان. أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل
стр. 617
ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.
ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ ﷺ وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ ﵁: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.
قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني:
يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.
[سورة التوبة (٩) : آية ١٩]
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)
قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: كإيمان من آمن بالله وَجاهَدَ في طاعة الله. وقال القتبي:
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ، يعني: صاحب سقاية الحاج كمن آمن بالله؟ ويقال: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟ كما قال في آية أخرى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج: ٤٠] والصلوات لا تهدم، وإنما أراد به بيوت الصلوات، كما قال مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣] ، يعني: أهل قريتك. كذلك هاهنا سقاية الحاج، أراد به صاحب السقاية. قرأ بعضهم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام يعني: جمع الساقي والعامر، وهي قراءة شاذة.
стр. 618
ثم قال: لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: لا يستوون في الثواب والعمل عند الله. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشد المشركين إلى الحجة، ويقال: لا يكرمهم بالمعرفة ما لم يتركوا كفرهم. كما قال في آية أُخرى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩] .
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا، يعني: صدقوا بوحدانية الله، وَهاجَرُوا إلى المدينة. وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج. وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين من النار.
قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، يعني: يفرحهم بِرَحْمَةٍ، يعني: بجنة مِنْهُ وَرِضْوانٍ رضي الله تعالى عنهم كما قال في آية أخرى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: ٢٢] بالثواب الذي أعطاهم.
ثم قال تعالى: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، يعني: دائماً لا ينقطع عنهم. خالِدِينَ فِيها، يعني: مقيمين دائمين في الجنات أَبَداً، هو تأكيد للخلود. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وهي الجنة.
[سورة التوبة (٩) : آية ٢٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ، يعني: الذين بمكة أولياء. قال مقاتل: نزلت الآية في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهاهم الله تعالى عن ولايتهم. وقال في رواية الكلبي: لما أُمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فجعل الرجل يقول لامرأته ولأخيه: إنا قد أمرنا بالهجرة. فيخرج معه، ومنهم من تعلّق به زوجته وعياله فيرقّ لهم، فيقولون له: لمن سوف تدعنا حتى نضيع؟ فيرق لهم ويجلس معهم، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ في الدين والعون إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ، يعني: إن اختاروا الكفر عَلَى الْإِيمانِ، ويقال: اختاروا الكفر عَلَى الإيمان، ويقال: اختاروا الجلوس مع الكفار على الجلوس مع المؤمنين. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ بعد نزول هذه الآية، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي: الضارون بأنفسهم.
стр. 619
[سورة التوبة (٩) : آية ٢٤]
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)
قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ، يعني:
قومكم. قرأ عاصم في رواية أبي بكر وعَشِيرَاتُكُمْ بالألف بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون وَعَشِيرَتُكُمْ بغير ألف. وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها، يعني: اكتسبتموها بمكة، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها يعني: تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها يعني: منازلكم بمكة تعجبكم الإقامة فيها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: أن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ يعني: في طاعة الله فَتَرَبَّصُوا، يعني: فانتظروا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، يعني: فتح مكة، ويقال: الموت والقيامة. وقال الضحاك: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ يعني: حتى يأمر الله بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم.
ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم يهاجروا، ويقال: من أول سورة براءة إلى قوله: وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: ١١] نزلت بعد فتح مكة. ثم من قوله: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ [التوبة: ١٢] إلى هاهنا، كان نزل قبل فتح مكة فوضع هاهنا.
[سورة التوبة (٩) : آية ٢٥]
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
ثم بعد هذا، نزلت بعد فتح مكة وهو قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة: ٥] ، فأمرهم الله تعالى بأن يقاتلوا ويتوكلوا على الله، ويطلبوا النصرة منه، ولا يعتمدوا على الكثرة والقلة، لأن النصرة من الله تعالى فذلك قوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، يعني: من مشاهد كثيرة وهو يوم بدر، ويوم بني قريظة، ويوم خيبر، ويوم فتح مكة، وخاصة يوم حنين يعني: نصركم الله في مواطن كثيرة. إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، يعني: جماعتكم، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً يعني: عن قضاء الله تعالى لم تغن كثرتكم شيئاً. وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين في اثني عشر ألفاً، وعشرة آلاف خرجوا معه من المدينة إلى فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فَقَالَ رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة: لن نغلب اليوم من قلة. وقد كان فتح مكة في شهر رمضان، وبقيت عليه أيام
стр. 620
من رمضان، فمكث حتى دخل شوال. فبعث رسول الله ﷺ رجلاً من بني سليم عيناً له يقال له عبد الله بن أبي حدرد، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا جفون سيوفكم، فو الله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئاً إلا أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبيّ ﷺ ، فأخبره بمقالتهم، فقال رجل من المسلمين: فو الله يا نبيّ الله ﷺ لا نغلب اليوم من كثرة، فساء رسول الله ﷺ كلمته، وابتلى الله المؤمنين بكلمته تلك.
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا الفقيه علي بن أحمد الفارسي قال: حدثنا نصير بن يحيى قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا الفقيه محمد بن الحسن، عن مجمع بن يعقوب، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «لما انتهى رسول الله ﷺ إلى وادي حنين، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن جيش لا والله ما رأيت مثله في ذلك قط من السواد والكثرة، وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم. ثم صفوا، فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والغنم وراء ذلك لكيلا يفروا بزعمهم. فلما رأينا ذلك السواد، حسبناهم رجالاً كلهم. فلما انحدرنا بالوادي، وهو وادي حدور، فبيَّنا نحن فيه إذ شعرنا، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه، فحملوا علينا حملة رجل واحد. وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبيّ ﷺ أن يخرجوا معه إلى حنين، فلم يقل لهم لا ولا نعم، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس. قال أنس: فولوا دبرهم، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء. فسمعت رسول الله ﷺ يومئذ يقول، والتفت عن يمينه وعن يساره: «يَا أَنْصَارَ الله وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ، أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ صَابِرٌ اليَوْمَ» ، ثم تقدم بحربته أمام الناس، فو الذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح، حتى هزمهم الله تعالى. ثم رجع النبيّ ﷺ إلى المعسكر، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم «١» .
وجعلت هوازن تولي، وثاب من انهزم من المسلمين. قال الراوي: فقالت أم سليم وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول: أرأيت يا رسول الله الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إن أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. فقال رسول الله ﷺ : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عَفْوُ الله أَوْسَعُ» .
وروي في خبر آخر: أن دريد بن الصمة كان شيخاً كبيراً في عسكر مالك بن عوف، وكان صاحب تدبير، وكان لا يبصر شيئا ما لم يرفع حاجباه. فقال: ما لي أسمع رغاء الإبل
стр. 621
وثغاء الغنم وصوت الصبيان؟ فقالوا له: إن مالك بن عوف أمرنا بإخراج الأموال لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله. فقال لهم: هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج فقال: هل يرى المنهزم شيئا؟ فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا حملة رجل واحد. ففعلوا ذلك، فانهزم المسلمون، ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العباس، وأبو سفيان بن حرب بن عبد المطلب، وعدة من الأنصار. فنزل رسول الله ﷺ عن بغلته، وأخذ السيف نحو العدو، وجعل ينادي: «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ إِليَّ إليّ» فأمدّه الله بخمسة آلاف من الملائكة، ورجع إليه المسلمون، وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون أموالهم، وهو الذي يسمى يوم أوطاس، فنزلت هذه الآية لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم، ولكن بنصر الله تعالى، وكان ذلك مِنْ آيات الله.
ثم قال: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ يعني: برحبها وسعتها من خوف العدو، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ يعني: منهزمين لا تلوون على أحد.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)
قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: رحمته وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً، يعني: خمسة آلاف من الملائكة لَمْ تَرَوْها وفي الآية دليل: أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة، لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين، فسماهم الله تعالى مؤمنين. وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: بالقتل والهزيمة.
وَذلِكَ يعني: ذلك العذاب جَزاءُ، عقاب الْكافِرِينَ.
قوله: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ من أصحاب مالك بن عوف، من كان أَهْلاً للإسلام. - وروي عن محمد بن كعب القرظي «١» - قال: لما انهزم مالك بن عوف، سار مع ثلاثة آلاف، فقال لأصحابه: هل لكم أن تصيبوا من محمد مالاً؟ قالوا: نعم. فأرسل إلى النبي ﷺ : إني أريد أن أسلم، فما تعطيني؟ فأرسل إليه النبيّ ﷺ : «إِنِّي أُعْطِيكَ مِائةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا» . فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة، فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم، رق لذلك فقال له رسول الله ﷺ : «يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِي لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ؟» فقال: يا رسول الله، أمثلي يأخذ على الإسلام شيئاً؟ قال: فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة
стр. 622
الشام، ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك، رَحِيمٌ بهم في الإسلام.
[سورة التوبة (٩) : آية ٢٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، يعني: قذر ورجس، ولم يقل أنجاس، لأن النَّجَس مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم علي بن أبي طالب بمكة، يعني: لا يدخلوا أرض مكة، وقال مقاتل: يعني: الحرم كله، وقال مالك بن أنس: لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد.
وقال الزهري: له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام، وهو قول الشافعي ﵀، وقال أبو حنيفة ﵁ وأصحابه: يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة إذا قدموا وافدين من قومهم. وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب: إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية البيت. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «لا يدخلون المسجد الحرام إلا بإذن أو عهد» .
ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، يعني: حاجة وفقراً. وقال الزجاج: العيلة الفقر، كما قال الشاعر:
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ... وَلاَ يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
ثم قال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه وذلك أنه لما منع المشركون من مكة، قال أناس من التجار لأهل مكة: من أين تأكلون؟ فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
، يعني: من رزقه، ففرحوا بذلك، فأسلم أهل جدة وصنف من أهل اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر، وأغناهم الله بذلك، يعني: أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين. ثم قال: إِنْ شاءَ، يعني: يدوم لكم بمشيئة الله. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره.
[سورة التوبة (٩) : آية ٢٩]
قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)
قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، يعني: لا يصدقون بتوحيد الله، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ بالبعث بعد الموت، وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، في التوراة والإنجيل والقرآن، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، يقول: لا يخضعون لدين الحق، ولا يقرون بشهادة لا إله
стр. 623
إلا الله. ومعناه: لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله، ولكنهم قالوا: لله ولد، وأقروا بالبعث، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة، ولأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع ولا يقرّون كما أعلم الله تعالى فليسوا يدينون بدين الحق، يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله تعالى، لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية. وهو قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ قال بعضهم: عن قهر وذلّ، كما تقول: اليد في هذا لفلان، يعني: الأمر النافذ لفلان. ويقال: عَنْ يَدٍ، يعني: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم. ويقال: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. ويقال: عَنْ يَدٍ يعني: عن قيام، يمشون بها صاغرين، تؤخذ من أيديهم. وقال الأخفش: يعني: كرهاً. وَهُمْ صاغِرُونَ، يعني: ذليلين.
قال الفقيه: قتال الكفار على ثلاثة أنواع: في وجه: يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم. وفي وجه: يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وهم اليهود والنصارى والمجوس. فأما اليهود والنصارى فبهذه الآية، وأما المجوس فبالخبر، وهو قوله ﷺ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ» «١» وفي الوجه الثالث: اختلفوا فيه، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب، مثل الترك والهند ونحو ذلك، في قول الشافعي: لا يجوز أخذ الجزية منهم، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه: يجوز أخذ الجزية منهم، كما يجوز من المجوس، لأنهم من غير العرب.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)
قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قرأ عاصم والكسائي عُزَيْرٌ بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين، فلأنّ الابن خبر، وليس بنسبة، ومن قرأ بغير تنوين فلالتقاء الساكنين، كما قرأ بعضهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١] بغير تنوين. فلا اختلاف بين النحويين: أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة. وإنما قالت اليهود ذلك، لأنه لما خرّب بخت نصّر بيت المقدس وأحرق التوراة، حزنوا على ذهاب التوراة، فأملاها عليهم عزير صلوات الله عليه عن ظهر قلبه، فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون قد
стр. 624
زاد فيها أو نقص منها شيئاً. فبينما هم كذلك، إذ وقعوا على خوابي مدفونة في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها ما كتبوا من عزير، فلم يزد شيئاً ولم ينقص حرفاً، فقالوا عند ذلك: ما علم عزير هذا، إلا وهو ابن الله.
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وإنما قالوا ذلك، لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقالوا: لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله. ويقال:
إنّ الإفراط في كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى ﵇ وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك. واليهود أفرطوا بحب عزير، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا، كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما» .
ثم قال تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: ذلِكَ كذبهم بألسنتهم، ويقال: معناه يقولون بأفواههم قولاً بلا فائدة، ولا برهان، ولا معنى صحيح تحته.
ثم قال: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يوافقون قول الذين كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ، حين قالوا: الملائكة بنات الله. وقال قتادة: يشبهون قول الذين كفروا، يعني: قول اليهود موافق قول النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود. ويقال: يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم، يعني: إنما قالوا اتباعاً لهم، بدليل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ. قرأ عاصم يضاهئون بكسر الهاء مع الهمزة، وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة، وهي اللغة المعروفة. وقال القتبي: يُضاهِؤُنَ يعني: يشبهون، قول من كان في عصر النبيّ ﷺ من اليهود والنصارى، قول أوليهم الذين كانوا قبلهم.
ثم قال تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، يعني: لعنهم الله. أَنَّى يُؤْفَكُونَ، يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى. ثم قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ، يعني: أهل الصوامع والمتعبدين منهم. أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي الله.
قال الفقيه الزاهد: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال:
حدثنا محمد بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن يزيد الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعيد، عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ من سورة براءة اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، ولكن كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوا، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئَاً حرّموا» «١» .
стр. 625
ثم قال: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، يعني: اتخذوا المسيح رباً من دون الله. وَما أُمِرُوا، يقول وما أمرهم عيسى ﵇ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، يعني: إلا قوله:
الله ربي وربكم ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها يعني: ليوحدوا الله تعالى إلها واحداً. ثم نزه نفسه فقال تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يعني: يعبدون من دونه.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
ثم قال : يُرِيدُونَ، يعني: اليهود النصارى أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: يريدون أن يردوا القرآن تكذيباً بألسنتهم ويقال: يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم، ويقال: يريدون أن يبطلوا كلمة التوحيد بكلمة الشرك. وَيَأْبَى اللَّهُ، يعني: لا يرضى الله ولا يترك إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، يعني: يظهر دينه الإسلام. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ فيظهره.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى، يعني: بالقرآن والتوحيد، وَدِينِ الْحَقِّ يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حتى: يظهره بالحجة على الدين كله ويقال: بالقهر والغلبة والرعب في قلوب الكفار وقال ابن عباس:
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: بعد نزول عيسى ﵇ لا يبقى أحد إلا ودخل في دين الإسلام، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ، قال السدي: الأحبار اليهود، والرهبان النصارى. وقال ابن عباس: «الأحبار العلماء، والرهبان أصحاب الصوامع» .
لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، يعني: بالظلم بغير حق، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني:
يصرفون الناس عن دين الله. ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين لكي يحذروا منهم ولا يطيعونهم.
стр. 626
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني:
يجمعون ويمنعون زكاتها. قال بعضهم: هذا نعت للأحبار والرهبان، وقال بعضهم: هذا ابتداء في حق كل من جمع المال ومنع منه حق الله، وقال ابن عباس: «الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته» «١» .
وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة وما كان في الأرض تؤدى زكاته، فليس بكنز» . وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر منها فهو كنز» .
ثم قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى. وقال: وَلا يُنْفِقُونَها ولم يقل: ينفقونه، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفقون الكنوز، ويقال: لا ينفقون الأموال، ويقال: يعني الفضة.
وقال بعضهم: نزل هذا في شأن الكفار، وقال بعضهم: كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال بعضهم: كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية، وهو قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، يعني: يوقد على الكنوز، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ يعني: ما جمعتم لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال: «والذي لا إله غيره، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على جسده وكل دينار على خدّه» «٢» . وروى أبو أمامة الباهلي قال: «مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في مؤتزره دينار، فقال ﷺ : «كية» . ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبيّ ﷺ :
«كيتان» «٣» ، والمعنى في ذلك: أنه قد أصاب ذلك من الغلول، ولو لم يكن أصابه من الغلول لكان لا يستحق العقوبة، لأن الزكاة لا تجب في أقل من عشرين ديناراً. وقال بعضهم: كان هذا في الوقت الذي وجب عليه أن ينفق الفضل.
стр. 627
[سورة التوبة (٩) : آية ٣٦]
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)
قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، فأعلم الله تعالى أن عدة الشهور للمسلمين التي يعدون: اثنا عشر شهرا على منازل القمر، فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا العدد. فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء، ومرة في الصيف. وكانت أعياد أهل الكتاب في متعبداتهم، وسنتهم على حساب دوران الشمس على كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، فجعل شهور المسلمين بالأهلة، كما قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] ويقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ، يعني: عدد الشهور التي وجبت عليكم الزكاة فيها اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ، يعني: في اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، كتبها عليكم. مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، يعني: رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، يعني: ذلك الحساب المستقيم، لا يزاد ولا ينقص.
وقال مقاتل بن حبان: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: ذلك القضاء البيِّن، وهكذا قال الضحاك.
ثم قال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، قال بعضهم: في الأربعة أشهر، وقال قتادة:
الظلم في الشهر الحرام أعظم وزراً مما سوى ذلك، وإنْ كان الظلم على كل حال غير جائز، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. ويقال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، يعني: في هذه الاثني عشر شهراً، ويقال: هو على وجه التقديم: إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً، فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ، منها أربعة حرم، يعني: وخاصة في الأربعة أشهر.
ثم قال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، يعني: جميعاً في الشهر الحرام وغيره. وكان القتال في الشهر الحرام محرماً، فنسخ بهذه الآية وصار مباحاً في جميع الشهور. وقال بعضهم: هو غير مباح، ومعنى هذه الآية: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً إن قاتلوكم في الشهر الحرام، وإن لم يقاتلوكم فلا يجوز. والقول الأول أصح، لأن النبيّ ﷺ قد حاصر الطائف في الشهر الحرام، ثم فتحها بعد ما مضى الشهر الحرام، فلو كان القتال حراماً لم يحاصرهم في الشهر الحرام. ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني: معينهم وناصرهم.
[سورة التوبة (٩) : آية ٣٧]
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يعني: تأخير المحرم إلى صفر زيادة الإثم في كفرهم. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: «كانوا يحجون في ذي الحجة عامين،
стр. 628
ثم يحجون في المحرم عامين، ثم يحجون في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر ﵁ الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبيّ ﷺ ، ثم حج النبيّ ﷺ من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته: «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات والأَرْضِ» «١» .
وروى أسباط، عن السدي أنه قال: «كان رجل من بني مالك بن كنانة، يقال له:
جنادة بن عوف، يكنى أبا أمامة، ينسئ عدد الشهور. وقال في رواية الكلبي: كان اسمه نعيم بن ثعلبة من بني كنانة. وقال في رواية مقاتل: كان اسمه ثمامة الكناني، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أرادوا أن يغيروا، قام الكناني يوم منى وخطب الناس وقال: إني قد أحللت لكم المحرم، وحرمت صفر لكم مكانه، فقاتل الناس في المحرم. فإذا كان صفر، غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة، ثم يقوم من قابل ويقول:
إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم «٢» . يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بتأخير المحرم إلى صفر، فذلك قوله: يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ قرأ ابن كثير «٣» : إِنَّمَا النَّسِيءُ بتشديد الياء بغير همز، وقرأ الباقون بالتخفيف والهمزة ومعناها واحد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء ونصب الضاد على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون يُضَلُّ بِهِ بفتح الياء وكسر الضاد، ويكون معناه: تأخيرهم عمل يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويقاتلون فيه، ويحرمونه عاماً ولا يقاتلون فيه، لِيُواطِؤُا يعني: ليوافقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، يعني: حسن لهم قبح أعمالهم. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، يعني: لا يرشدهم إلى دينه مجازاة لكفرهم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٣٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: في الجهاد اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، يعني: تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وحذفت الألف لتسكين ما بعدها يعني: قعدتم ولم تخرجوا. وذلك أن النبيّ ﷺ أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك،
стр. 629
وكان في أيام الصيف، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال، فكانوا يتثاقلون عن الخروج، فعاتبهم الله تعالى فقال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، يقول: آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: منفعة الدنيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، يعني: بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة، ويقال: معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة.
ثم خوفهم فقال تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله، وأصله: إن لا تنفروا، فأدغم النون في اللام، ومعناه: إن لم تنفروا، يعني: إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم يُعَذِّبكُمْ. عَذاباً أَلِيماً، يعني: يسلط عليكم عدوكم أو يهلككم، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ خيراً منكم وأطوع لله تعالى. وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً، يقول: ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أن يستبدل بكم قوما غيركم.
[سورة التوبة (٩) : آية ٤٠]
إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، يعني: إن لم تنصروه ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك، فالله ينصره كما نصره، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: كفار مكة من مكة.
ثانِيَ اثْنَيْنِ، يعني: كان واحداً من اثنين، يعني: رسول الله ﷺ وأبا بكر ولم يكن معهما غيرهما، فنصرهما الله تعالى. إِذْ هُما فِي الْغارِ وذلك حين أراد أهل مكة قتله، فهاجر النبيّ ﷺ من مكة إلى المدينة فجاء النبيّ ﷺ إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فجلس إلى أن جاء أبو بكر، فقبّل رأس النبيّ ﷺ فقال: ما لك، بأبي أنت وأمي. قال: «مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ» .
فقال أبو بكر: دمي دون دمك، ونفسي دون نفسك، لا يصنع بك شيء، حتى يبدأ بي. فقال:
«اخْلُ بِي» . قال أبو بكر: ليس بك عين، إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة. قال: «قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ» مِنْ مَكَّة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج، فخذ إحداهما واركبه. قال: «لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ» فأخذه بالثمن، وهي ناقته القصواء. فأمر النبيّ ﷺ علي بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبيّ ﷺ ومعه أبو بكر، حتى أتيا ثورا، جبلا بأسفل مكة «١» .
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال:
стр. 630
حدثنا يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال: حدثنا الفرات، عن ميمون بن مهران، عن ضبّة بن محصن، عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: «والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآله» . قيل: وأيه ليلة هي؟ قال: «لما خرج رسول الله هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبعه أبو بكر، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه، ومرةٌ عن يمينه، ومرةٌ عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ : «مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك وعن يسارك، لا آمن عليك» . قال:
«فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه، حتى حفيت، فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت، حمله على عاتقه وجعل يشتد به، حتى أتى فم الغار فأنزله ثمّ قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا تدخله حتى أدخله أنا، فإن كان من شيء نزل بي قبلك. فدخل فلم ير شيئاً، فحمله وأدخله» «١» .
وقال في رواية محمد بن إسحاق: «كان الغار معروفاً بالهوام، فجعل أبو بكر يسد الجحر، حتى بقي جحران، فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر: «وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله ﷺ ، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه، وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم الذي يجده ورسول الله ﷺ يقول: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: الطمأنينة لأبي بكر» ، وهذه ليلته.
قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمرو بن عليّ قال: حدثنا عون بن عمرو القيسي، عن مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون النبي ﷺ ليلة الغار، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبيّ ﷺ ، فسترت وجه النبيّ ﷺ ، وإن الله تعالى بعث العنكبوت، فنسجت ما بينهما، فسترت وجه رسول الله ﷺ ، وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تزقان، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من النبيّ ﷺ على قدر مائتي ذراع قال الدليل سراقة بن مالك: انظروا في هذا الحجر، ثم قال: أين وضع رجله؟ قال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة أثره، حتى إذا أصبحنا قال للفتيان: انظروا إلى فم الغار- فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبيّ ﷺ على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بغم الغار «٢» -، فرجعوا فقالوا:
رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد. فسمعهم النبي ﷺ ، فعرف أن الله درأ
стр. 631
بهما عنه، فشمّت لهما، يعني: بارك عليهما، وأحرزهما الله تعالى في الحرم، فأفرختا كما هما إلى الآن «١» .
وفي خبر آخر زيادة: وقد كان أمر أبو بكر عامر بن فهيرة أن يريح إليه غنمه بثور، وكان يريح إليهما غنمه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم ويحلبان كل ليلة ما أرادا. فلما نفدوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر وعامر بن فهيرة، واستأجر رجلاً من بني الدّيل يهديهم الطريق، يقال له عبد الله بن أريقط، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة. ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان، ففطن سراقة بن مالك بن جعثم آثارهم، فلبس لأمته، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله ﷺ . فدعا عليه رسول الله ﷺ فرسخت قوائم فرسه فقال: يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي، فإني أرى الحي قد التمسوني، فأن أكون وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس. فقال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ» فانطلق فرسه. فقال: يا محمد خذ سهماً من كنانتي، فمر به على إبلي، فإن أردت حمولة فخذ، وإن أردت لبونا فخذ.
فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون رسول الله ﷺ ، قال لهم: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم من بصيرتي وقفوّي بالآثار. قال: فرجعوا عنه، فقدم النبيّ ﷺ مع أبي بكر المدينة، فذلك قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإنما كان أبو بكر يخاف على نفس رسول الله ﷺ ، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، لا على نفسه إِنَّ اللَّهَ مَعَنا في الدفع عنا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، يعني: طمأنينته عَلَيْهِ. يعني: طمأنينته على أبي بكر. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال في رواية الكلبي فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني:
«على رسول الله ﷺ ، حتى سكن واطمأن» .
قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا أبو سوار، عن أبي العطوف، عن الزهري قال قال: رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت الأنصاري: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً؟» قال: نعم. قال: «فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ» ، فقال:
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد ... طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا
وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رجلا
стр. 632
قال: فضحك رسول الله ﷺ ، حتى بدت نواجذه وقال: «صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ» «١» .
ثم قال تعالى: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني: يوم بدر والأحزاب وحنين وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، يعني: الشرك بالله. وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، يعني: شهادة أن لا إله إلا الله. قرأ الأعمش ويعقوب الحضرمي وَكَلِمَةُ اللَّهِ بالنصب، يعني: وجعل كلمة الله.
وقراءة العامة بالضم على معنى الاستئناف وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)
قوله تعالى انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال الكلبي: خِفافاً يعني: أهل العسرة من المال، وقلة العيال، وثِقالًا يعني: أهل الميسرة في المال والصبية والعيال. وقال الكلبي: ويقال فيها وجه آخر: انْفِرُوا خِفافاً، يقول: نشاطاً في الجهادِ وَثِقالًا غير نشاط في الجهاد، وكذا قال مقاتل. ويقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا يعني: شباناً وشيوخاً. وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، فقال: ما أرى الله تعالى إلا يستنفرنا شبابا وشيوخا، جهزوني فقلنا: قد غزوت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وأنت اليوم شيخ. قال: جهزوني، فجهزناه، فركب البحر فمات في غزاته. وروى سفيان، عن منصور، عن الحكم قال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال: مشاغيل وغير مشاغيل. وروى مسروق، عن أبي الضحى قال: أول ما نزلت من سورة براءة هذا انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ثم نزل أولها وآخرها. وروي عن ابن عباس أنه قال: «نسختها هذه الآية» : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢] وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، ولكنها في الحالة التي وقع فيها النفير عاما، وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد، وإذا لم يكن النفير عاماً، لا يكون فرضاً عاماً. فإذا خرج بعض الناس، سقط عن الباقين، وبه نأخذ.
ثم قال تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، يعني: الجهاد خير لكم من الجلوس، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تصدقون بثواب الله. ويقال: معناه إن كنتم تعلمون أن الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود، فَانْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً.
ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً، يعني: غنيمة
стр. 633
قريبة، ويقال: سهلاً قريباً. وَسَفَراً قاصِداً، يعني: هيناً، لَاتَّبَعُوكَ يعني: لو علموا أنهم يصيبون مغنماً، لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ والشقة: السفر، يعني: ثقل عليهم السفر. وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ الذين تخلفوا. لَوِ اسْتَطَعْنا، يعني: لو قدرنا، ولو كانت لنا سعة في المال والزاد، لَخَرَجْنا مَعَكُمْ إلى الغزو.
وقال الله تعالى: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، يعني: بحلفهم كذباً. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ بحلفهم، وأن لهم سعة للخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٣ الى ٤٥]
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)
قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وذلك أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ بالتخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، وأذن لهم رسول الله ﷺ فقال الله تعالى للنبي ﵇ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يا محمد لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وقال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب. ويقال: إن النبي ﵇ فعل فعلين قبل أن يؤذن له، فعاتبه الله تعالى على ذلك وعفا عنه، أحدهما: في فداء أسارى بدر، والثاني: في إذنه للمنافقين بالتخلف. فقال له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ وَلم يعاقبك لم أذنت لهم في التخلف والقعود.
قال الفقيه: سمعت من يذكر، عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: معناه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يا سليم القلب لم أذنت لهم، فيقال: إن الله تعالى إذا قال لعبده: لم فعلت كذا وكذا؟ يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرةً، لهيبة قوله: لم فعلت كذا؟ ولو أنه بدأ للنبي ﷺ بقوله: لم أذنت لهم، لكان يخاف على النبي ﷺ أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام. ألا إن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو، حتى سكن قلبه، ثم قال لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بالقعود عن الجهاد. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يعني: معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم. وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ في عذرهم وإيمانهم ويقال: معناه، حتى يتبين لك المؤمن المخلص من المنافق.
ثم بيّن له علامة المؤمنين والمنافقين، فقال الله تعالى: لاَ يَسْتَأْذِنُكَ، يعني: بغير عذر الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني: صدّقوا بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في السر والعلانية أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، يعني: بالمؤمنين المخلصين.
ثم ذكر علامة المنافقين فقال: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ، يعني: في القعود عن الجهاد. الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: لا يصدقون في السر، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: شكت
стр. 634
قلوبهم ونافقت قلوبهم. فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، يعني: في شكهم ونفاقهم يتحيرون ولا يتوبون ولا يرجعون عن ذلك.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٩]
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)
قوله تعالى: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ معك إلى الغزو، لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً يعني: اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح. معناه: إن تركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف. ثم قال وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، يعني: لم يرد الله خروجهم معك لجبنهم وسوء نياتهم، فَثَبَّطَهُمْ يعني:
حبسهم وأقعدهم عن الخروج، ويقال: ثقلهم عن الخروج، ويقال: جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج. وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ، يعني: ألهموا أو خيّل إليهم القعود مع المتخلفين.
ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم، بل عليهم مضرة منهم، ثم قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ يعني: المنافقين لو خرجوا معكم مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، يعني: فساداً، ويقال: شراً وجبنا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، ويقال ساروا بينكم ويقال: والإيضاع في اللغة هو إسراع الإبل، كما قال ﷺ حين أفاض من عرفات: «أيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، فَإنَّ البِرَّ لَيْسَ فِي إيضَاعِ الإبِلِ وَلا فِي إيجَافِ الخَيْلِ» . يعني: إن المنافقين لو خرجوا معكم، يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤذونكم.
ثم قال: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، يعني: يطلبون منكم الشرك، ويطلبون هزيمتكم وعيوبكم، ويفشون سركم. وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، يعني: وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين، ويقال: وفيكم من يسمع ما يقوله المنافقون ويقبلون منهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني:
بالمنافقين. وهذا وعيد لهم، يعني: عَلِيمٌ بعقوبتهم.
ثم قال : لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، يعني: من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبيّ ﷺ قبل كثرة المؤمنين. ويقال: طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، يعني: احتالوا في قتلك وفي هلاكك من كل وجه. ويقال: قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ظهراً لبطن، فانظر كيف يصنعون. حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، يعني: كثر المسلمون ويقال: حتى جاء
стр. 635
الحق يعني: الإسلام وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: ظهر دين الله الإسلام. وَهُمْ كارِهُونَ، يعني:
كارهون للإسلام.
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، يعني: جد بن قيس كان من المنافقين، حرّضه النبي ﷺ على الخروج إلى الغزو، فقال: يا رسول الله، إن قومي يعلمون حرصي على النساء، فأخشى أني لو خرجت وقعت في الإثم، ولا تفتني ببنات الأصفر. وكان الأصفر رجلاً من الحبش ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية، فولدت له بنات اجتمع فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكنّ فتنة، فقال جد بن قيس: لا تفتني ببنات الأصفر، فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على الحرام، فأذن له النبيّ ﷺ بالقعود، فنزل. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يعني: من المنافقين ائْذَنْ لِي في التخلف وَلا تَفْتِنِّي، يعني: ولا توقعني في الفتنة والإثم.
ثم قال الله تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، يعني: ألا في الكفر والنفاق وقعوا. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، يعني: جعلت جهنم للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)
قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، يعني: إن أصابك الغنيمة والنصر ساءهم ذلك.
وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ، يعني: الشدة والنكبة الهزيمة. يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، يعني:
حذرنا بالقعود والتخلف عن الخروج من قبل المصيبة. وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ بما أصابك وبتخلفهم.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، يعني: إلاَّ ما قضي الله لنا وقدر علينا من شدة أو رخاء، ويقال: إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، يعني: في اللوح المحفوظ، ويقال: إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا في القرآن وهو قوله تعالى: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١] .
ثم قال: هُوَ مَوْلانا، أي ولينا وناصرنا وحافظنا. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، يعني: وعلى المؤمنين أن يتوكلوا على الله، ويقال: وعلى الله فليثق الواثقون.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٢ الى ٥٥]
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)