← Тафсир

Тафсир · id 23594

تفسير السمرقندي = بحر العلوم

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (1 849 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي فيما تستقبلون وَلا تَقْرَبُونِ يعني: ولا تستقبلوا إليَّ مرة أخرى، فإني لا أعطي لكم الطعام. قال الزجاج: القراءة بالكسر يعني: بكسر النون وهو الوجه. ويجوز وَلا تَقْرَبُونِ بفتح النون، لأنها نون الجماعة كما قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤] بفتح النون. قال: ويكون وَلا تَقْرَبُونِ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: معنى النهي. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦١ الى ٦٤] قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) قوله تعالى: قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ يعني: سنطلب من أبيه أن يبعثه معنا وَإِنَّا لَفاعِلُونَ يعني: لصانعون ذلك فنطلبه من أبيه ليبعثه. ويقال: وإنا لضامنون ذلك وَقالَ لِفِتْيانِهِ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص لِفِتْيانِهِ بالألف والنون، وقرأ الباقون لِفِتَيْتِهِ. فقال أهل اللغة: الفتيان والفتية بمعنى واحد، وهم الغلمان والخدم. يعني: قال يوسف لغلمانه وقومه الذين يكيلون، يعني: الطعام واجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ يعني: دسوا دراهمهم في رحالهم. يعني: في جواليقهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها يعني: يعرفون كرامتي عليهم إِذَا انْقَلَبُوا يعني: إذا رجعوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الثانية. قال الفراء: فيها قولان. أحدهما: أن يوسف خاف ألا يكون عند أبيهم دراهم، فجعل البضاعة في رحالهم لعلهم يرجعون، ولا يتأخرون عن الرجوع بسبب الدراهم. والآخر: أنهم إذا عرفوا بضاعتهم وقد اكتالوا الطعام، ردوها عليه ولا يستحلون إمساكها، لأنهم أنبياء الله تعالى لا يستحلون إمساك مال الغير فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فيما نستقبل يعني: الحنطة، وأخبروه بالقصة قالوا: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ يعني: يشتري هو ويكيلون لنا وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الضيعة حتى نرده إليك. قرأ حمزة والكسائي يَكْتَلْ بالياء، وقرأ الباقون بالنون. فمن قرأ بالياء، يعني: هو يكتال لنفسه، لأنهم كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقراً واحداً. ومن قرأ بالنون، فمعناه: أن الملك قد أخبر أنه لا كيل لنا في المستقبل، فلو أرسلته معنا، فإنا نكتال منه. فلما أخبروه بذلك قالَ يعقوب ﵇ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ يعني: هل أئتمنكم عليه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ ومعناه: هكذا قلتم لي في أمر يوسف، ولا أقدر أن آخذ عليكم من العهد أكثر ما أخذت عليكم في يوسف من قبل. قرأ ابن مسعود: هل تحفظونه إلا كما حفظتم من قبل أخاه يوسف فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً منكم إن أرسلته معكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حين خلصه من الجوع ولا بد من

стр. 772

أن أرسله. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حافِظاً بالألف، وقرأ الباقون حفظا بغير ألف، والحافظ الاسم، والحفظ المصدر. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني: أوعيتهم وجواليقهم وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ يعني: دراهمهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا لأبيهم يا أَبانا مَا نَبْغِي يعني: ما نكذب، إنه ألطف علينا وأكرمنا هذِهِ بِضاعَتُنا أي: دراهمنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا يعني: نمتار لأهلنا، يعني: مار أهله، وأمار لأهله، إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده، يعني: ابعثه معنا لكي نحمل الطعام لأهلنا وَنَحْفَظُ أَخانا من الضيعة وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي: حمل بعير من أجله. روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان يقرأ رُدَّتْ إِلَيْنا بكسر الراء، لأن أصله رددت، فأدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ونقل الكسر إلى الراء، وهي قراءة شاذة. ثم قال: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ يعني: سريع، لا حبس فيه إن أرسلته معنا ويقال: ذلك أمر هين الذي نسأل منك. قالَ لهم يعقوب لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: تعطوني عهداً وثيقاً من الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ قال الكلبي: إلا أن ينزل بكم أمر من السماء، أو من الأرض. وروى معمر عن قتادة أنه قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. وقال مجاهد: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ يعني: تهلكوا جميعاً. وقال الفراء: إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم. فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ يعني: أعطوه عهودهم قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني: كفيلاً. ويقال: شهيداً. ثم قال تعالى: قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ يعني: قال يعقوب لبنيه حين أرادوا الخروج: يا بني لا تدخلوا من باب واحد، يعني: إذا دخلتم مصر، فلا تدخلوا من سكة واحدة، ومن طريق واحد. ويقال: من درب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ يعني: من سكك متفرقة، ومن طرق شتى، لكي لا يظن بكم أحد أنكم جواسيس. ويقال: خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم وقوتهم، وهم كلهم بنو رجل واحد. فإن قيل: أليس هذا بمنزلة الطيرة،

стр. 773

وقد نهي عن الطيرة؟ قيل له: لا، ولكن أمر العين حق. وروي عن رسول الله ﷺ : «أنه كان يرقي من العين، ويتعوذ منها للحسن والحسين» . ثم قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: من قضاء الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ يعني: ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ إن شاء أصابكم العين، وإن شاء لم يصبكم. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري وأمركم إليه وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يعني: فليثق الواثقون. [سورة يوسف (١٢) : آية ٦٨] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٦٨) قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ من السكك المتفرقة مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: حذرهم لا يغني من قضاء الله مِن شَىْء، يعني: إن العين لو قدرت أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم وهم مجتمعون. ثمّ قال: إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ يعني: حزازة في قلبه، وهي الحزن قَضاها يعني: أبداها وتكلم بها. ويقال: معناه لكن لحاجة في نفس يعقوب قضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ يعني: علم يعقوب أنه لا يصيبهم إلا ما أراد الله تعالى وقدر عليهم. وعلم أن دخولهم في سكك متفرقة لا ينفعهم من قضاء الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ. ويقال: معناه أنه عالم بما علمناه، ويقال: لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي: لتعليمنا إياه. ويقال: لذو حظ لما علمناه. ثم قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أنه لا يصيبهم إلا ما قدر الله تعالى عليهم. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٩ الى ٧٥] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ يعني: إخوته اوَى إِلَيْهِ أَخاهُ يعني: ضمّ إليه أخاه بنيامين قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال بعضهم: أخبره في السر أنه أخوه. وقال بعضهم: لم يخبره، ولكن معناها: إني لك كأخيك الهالك. فأنزلهم يوسف منزلاً، وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل أتاهم بالفرش، وقال: لينام كل أخوين منكم على فراش واحد. ففعلوا، وبقي الغلام وحده فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات معه يوسف، يشم ريحه.

стр. 774

ويقال: لما كان عند الطعام، أمر كل اثنين أن يأكلا في قصعة واحدة، وبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي في الأحياء، لأكلت معه. فقال له يوسف: إني أنا أخوك، يعني: بمنزلة أخيك فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول: لا تحزن بما يعيرون يوسف وأخاه بشيء. قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني: كال لهم كيلهم جَعَلَ السِّقايَةَ يعني: وضع ودس الإناء فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين فخرجوا وحملوا الطعام، وذهبوا. فخرج يوسف على أثرهم حتى أدركهم ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ يعني: نادى منادٍ بينهم، واسم المنادي أفرايم من فتيان يوسف. قال: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ إناء الملك، فانقطعت ظهورهم، وساء ظنهم. قوله تعالى: قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ يعني: وأقبلوا إليهم وقالوا: مَّاذَا تَفْقِدُونَ يعني: ماذا تطلبون قالُوا يعني: قال المنادي والغلمان نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ قال قتادة: صُواعَ إناء الملك الذي يشرب فيه. وقال عكرمة: هو إناء من فضة «١» . وقال سعيد بن جبير: هو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، وكانت الأعاجم تشرب فيه «٢» . وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «كان إناء من فضة مثل المكوك، وكان للعباس واحد منها في الجاهلية» . وروي عن أبي هريرة أنه قرأ: صاع الملك يعني: الصاع الذي يكال به الحنطة «٣» . وقرأ بعضهم: صوع الملك. وقرأ يحيى بن عمرو صوغ الملك بالغين. يعني: إناء مصوغاً. وقراءة العامة: صُوَاعَ الملك يعني: الإناء وهي المشربة من فضة. وكان الشرب في إناء الفضة مباحاً في الشريعة الأولى، وأما في شريعتنا فالشراب في إناء الفضة حرام. ثم قال: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ يعني: قال المنادي: من جاء بالصوع فله حمل بعير من بر، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي أنا كفيل بتسليم ذلك إليه، لأن الملك يتهمني في ذلك. قالُوا أي: أخوة يوسف تَاللَّهِ والله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يعني: ما جئنا لنعمل بالمعاصي في أرض مصر، ونخون أحداً. وَما كُنَّا سارِقِينَ وكان الحكم في أرض مصر للسارق: الضرب والتضمين، وكان الحكم بأرض كنعان: أنهم يأخذون السارق ويسترقونه، ففوضوا الحكم إلى بني يعقوب ليحكموا بحكم بلادهم قالُوا يعني: المؤذن وأصحابه لأولاد يعقوب فَما جَزاؤُهُ يعني: فما جزاء السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا يعني: إخوة يوسف جَزاؤُهُ يعني: عقابه مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ يعني: في وعائه فَهُوَ جَزاؤُهُ يعني: الاستعباد جزاء سرقته كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يعني: هكذا نعاقب السارق في سنة آل يعقوب.

стр. 775

[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٦ الى ٧٧] فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) ثمّ قال: فَبَدَأَ يعني: المنادي، ويقال: يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ يعني: أوعية إخوته، وطلب في أوعيتهم قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلم يجد فيها شيئا. وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل، استغفر الله تائباً مما صنع، حتى بقي متاع الغلام، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، قالوا: بلى، فاستبرأه، فطلب، فوجد فيه، فاستخرجها من وعاء أخيه، فلما استخرجت من رحله انقطعت ظهور القوم وتحيروا وقالوا: يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاءً ما لقينا من ابني راحيل. فقال بنيامين: بل لقي ابنا راحيل منكم. فأما يوسف فقد فعلتم به ما فعلتم، وأما أنا فسرقتموني. قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟ قال: الذي جعل الدراهم في متاعكم. فسكتوا، فذلك قوله ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني: كذلك صنعنا ليوسف، والكيد: الحيلة. يعني: كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة. ثم قال: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ يعني: في قضاء ملك مصر، لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته. ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه. ويقال: ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم، إلا بمشيئة الله تعالى. ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف. ثم قال: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ يعني: من نشاء بالفضائل. وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بتنوين التاء. وقرأ الباقون: درجات مَّن نَّشَاء بغير تنوين، على معنى الإضافة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى. وروى وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، أن رجلاً سأل علياً عن مسألة. فقال فيها قولاً، فقال الرجل: ليس هو كذا، ولكنه كذا. فقال: عليّ «أصبتَ وأخطأت» وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وروي عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدث بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى هو العالم، وهو فوق كل عالم» . ثم قال تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ يعني: قال إخوة يوسف: إن يسرق بنيامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون: يوسف فَأَسَرَّها يُوسُفُ يعني: فأضمر الكلمة يوسف فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ يعني: لم يعلن لهم جواباً قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً من يوسف، لأن يوسف سرق الوثن، وأنتم تسرقون الصواع. وذلك أن يوسف كان سرق صنماً من

стр. 776

ذهب، من خاله لاوي، وقال قتادة: ذكر لنا أنه سرق صنماً، كان لجده أبي أمه، فعيّروه بذلك. قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً لأن سرقتكم قد ظهرت، وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم، ولا ندري أنتم صادقون في مقالتكم أم لا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ يعني: بما تقولون. وروى عكرمة عن ابن عباس. قال: «عوقب يوسف ثلاث مرات: حين همّ بها فسجن. وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وحين قال: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فردوا عليه وقالوا: فقد سرق أخ له من قبل» . [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٨ الى ٨١] قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) قوله تعالى: قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يعني: ضعيفاً حزيناً على ابن له مفقود فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ رهناً إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إن فعلت ذلك إلينا، فقد أحسنت إلينا الإحسان كله. ويقال: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى من أتاك من الآفاق فأحسن إلينا. فقال يوسف ﵇: قالَ مَعاذَ اللَّهِ يعني: أعوذ بالله أَنْ نَأْخُذَ رهناً إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ لو أخذنا غيره. قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يعني: أيسوا من بنيامين أن يرد عليهم، ويقال: أيسوا من الملك أن يقضي حاجتهم خَلَصُوا نَجِيًّا يعني: اعتزلوا يتناجون بينهم، ليس فيهم غيرهم. قالَ كَبِيرُهُمْ يعني: كبيرهم في العقل وهو يهوذا. ولم يكن أكبرهم في السن، وهذا في رواية الكلبي ومقاتل. وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي: أعلمهم وهو شمعون، وكان رئيسهم. وقال في قوله تعالى: كَبِيرُهُمْ أي كَبِيرُهُمْ في السن روبيل، وهو الذي أشار إليهم ألا يقتلوه أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يعني: عهداً من الله في هذا الغلام لَتَأْتُنَّنِي بِهِ أي: لتردنه إليَّ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ يعني: ما تركتم وضيعتم العهد في أمر يوسف من قبل هذا الغلام فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يعني: فلن أترك أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أي: حتى يبعث إليَّ أحداً أن آتيه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي فيرد عليّ أخي بنيامين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يعني: أعدل العادلين، وأفصل الفاصلين. وروى أسباط، عن السدي. أنه قال: كان بنو يعقوب إذا غضبوا، لم يطاقوا. فغضب

стр. 777

روبيل، فقال: أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا تبقى امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها، وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه. وقال ابن عباس: «كان يهوذا إذا غضب وصاح، لم تسمع صوته امرأة حامل إلا وضعت حملها، وتقوم كل شعرة في جسده، فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فيسكن. فقال يوسف لابن له صغير: اذهب وضع يدك عليه، فذهب ووضع يده عليه، فسكن غضبه، فقال: إن في هذا الدار أحداً من آل يعقوب» . ثم قال لإخوته: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ يعني: قال يهوذا فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ أي: سرق الصواع، يعني: إناء الملك. وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ بضم السين وكسر الراء مع التشديد، يعني: اتهم بالسرقة وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي: وما قلنا إلا ما رأينا حين أخرج من رحله وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ يعني: وما كنا نرى أنه سرق، ولو علمنا ما ذهبنا به. ويقال: إنا لم نطلع على أنه سرق، ولكنهم سرّقوه. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٢ الى ٨٤] وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعني: سل أهل القرية. قال الكلبي: وهي قرية من قرى مصر. ويقال: هي مصر بعينها. ويقال: هو المنزل الذي أذن المؤذن فيه، إنكم لسارقون وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها يعني: سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا. فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول، فاتهمهم يعقوب فقال: كلما خرجتم من عندي، نقصتم واحداً، ذهبتم مرة فنقصتم يوسف. وذهبتم مرة فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن ونقصتم بنيامين، فقد صرتم كالذئاب يأكل بعضهم بعضاً. ثم قال تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يعني: قال يعقوب: اشتهت وزينت لكم قلوبكم أَمْراً فصنعتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل حسن، من غير جزع، لا أشكو فيه إلى أحد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني: لعل الله أن يرد عليّ يوسف ويهوذا وبنيامين إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بمكانهم الْحَكِيمُ أن يحكم بردّهم عليّ. قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عن بنيه وخرج عنهم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ يعني: يا حزنا على يوسف، والأسف: أشد الحسرة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ يعني: من البكاء فَهُوَ كَظِيمٌ يعني: مغموماً مكروباً، يتردد الحزن في جوفه. والكظيم والكاظم بمعنى واحد، مثل القدير والقادر. وهو الممسك على حزنه، لا يظهره ولا يشكوه. وروي عن الحسن أنه قال: مكث يعقوب ثمانين سنة ما تجف دموعه، ولا يفارق قلبه الحزن يوماً، وما كان على الأرض يومئذٍ أحد أكرم على الله منه. قال: وألقي يوسف في الجب وهو

стр. 778

يومئذٍ ابن سبع سنين، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما جمع الله شمله ثلاثاً وعشرين سنة. وروي عن ابن عباس أنه قال: «غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة» . وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ١٥٦] غير هذه الأمة، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله أدخلني الجنة، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه، حيث لم يكتب إليه كتابا، ولم يعلمه حاله، ليسكن ما به من الغم. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ يعني: أن بنيه قالوا ليعقوب: لا تزال تذكر يوسف حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أي: دنفاً من الوجع. ويقال: حتى تبلى وتهرم. وقال القتبي: لا تحذف من الكلام، ويراد به إثباتها، لقوله تَفْتَؤُا أي: لا تفتأ، أي لا تزال تذكر يوسف كقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: ٢] أي: لكيلا تحبط أعمالكم حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً. وقال الربيع بن أنس: حتى تكون بالياً، يابس الجلد، وقال محمد بن إسحاق: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً يعني: لا عقل لك أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ يعني: من الميتين. وقال مجاهد: الحرض ما دون الموت، والهالك الميت الَ يعقوب نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي يعني: همي وغمي لَى اللَّهِ لما رأى من فظاظتهم، وسوء لفظهم، ولا أشكو ذلك إليكم. وقال القتبي: البث أشد الحزن، إنما سمي الحزن البث، لأن صاحبه لا يصبر عليه، حتى يبثه أي: يفشوه. ثم قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أن يوسف حي، وليس بميت. وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف، حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً، أن ذلك سيكون. ويقال: إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام، وسأله: هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال: لا، ولكن هو في الدنيا حي، فلذلك قال: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. ثم قال تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يعني: انطلقوا إلى مصر، فاطلبوا خبر يوسف وَأَخِيهِ قالوا له: أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره، وأما يوسف فإنه ميت، وإنا لا نطلب الأموات. فقال لهم يعقوب: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يعني: لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ يعني: الجاحدين لنعمة الله. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)

стр. 779

قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ يعني: رجعوا إلى يوسف، ودخلوا عليه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ يعني: أصابنا وأهلنا الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قال الحسن يعني: قليلة. وقال: المزجاة النفاية. وكان لا يؤخذ في الطعام إلا جيدا في ذلك الوقت، لأن الطعام كان عزيزاً، فلا يؤخذ فيها إلا الجيد. وعن عبد الله بن الحارث في قوله: وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قال: متاع الأعراب الصوف والسمن واللبن، ونحو ذلك. وعن ابن عباس قال: «يعني جئنا بدراهم رديئة» . وقال سعيد بن جبير: بدراهم زيوف فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ يعني: أتمم لنا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا يعني: وتصدق علينا ما بين الثمنين. يعني: ما بين الجيد والرديء إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ يعني: يثيبهم في الآخرة بما صنعوا. وقال ابن عباس: «لو علموا أنه مسلم لقالوا: إن الله يجزيك بالصدقة» . يعني: إنه كان يلبس عليهم فلا يعرفون حاله ومذهبه. فأخرج يوسف الكتاب الذي كان كتبه يهوذا حين باعوا يوسف، ودفعه إليهم، فعرف يهوذا خطه، وقالوا: نحن بعنا هذا الغلام إذ كنا نرعى الغنم. فقال لهم: ظلمتم، وبعتم الحر. فدعا يوسف بالسيافين وأمرهم بأن يقتلوا إخوته جميعاً، فاستغاثوا كلهم، وصرخوا، وقالوا: إن لم ترحمنا فارحم الشيخ الضعيف، فإنه قد جزع على ولد واحد، فكيف إن هلك أولاده كلهم. قالَ لهم يوسف هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ يعني: مذنبون ووصف لهم ما فعلوا به. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرأ ابن كثير إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ بهمزة واحدة، وكسر الألف، يعني: حققوا أنه يوسف. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: أإنّك بهمزتين على معنى الاستفهام. يعني: إنك يوسف أم لا؟ وقرأ نافع وأبو عمرو، آينك بهمزة واحدة مع المد. ومعناه: مثل الأول على معنى الاستفهام قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: أنعم علينا بالصبر إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله تعالى وَيَصْبِرْ على البلاء فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي: ثواب الصابرين. قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: إخوة يوسف اعتذروا إليه فقالوا: لقد فضلك الله علينا، واختارك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ يقول: وقد كنا لعاصين لله تعالى فيما صنعنا بك

стр. 780

قالَ يوسف ﵇ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يعني: لا تعيير عليكم اليوم، ولا عيب، ولا عار عليكم. وأصل التثريب: الإفساد. ويقال: ثرب الأمر علينا علينا إذا أفسد. ثم قال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيما فعلتم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ من غيره. ثم قال تعالى: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا وروي عن وهب بن منبه قال: كان القميص من الجنة، وهو القميص الذي ألبس جبريل لإبراهيم، حين ألقي في النار، فبردت عليه النار، فصار عند إسحاق، ثم صار عند يعقوب، فجعله يعقوب في عوذة، وعلقه في عنق يوسف، فكان معه حين ألقي في الجب، ونزع عنه قميصه، فبشره جبريل، وألبسه في الجبّ، وكان القميص معه، وقال لإخوته: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي: يعود إليه بصره. وذلك أنه سألهم فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فارقه بنيامين، عمي من الحزن. قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فألقوه على وجه أبى، يأت بصيراً، كما كان أول مرة. ثم قال: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ فاختلفوا فيما بينهم، فقال كل واحد منهم: أنا أذهب به، فقال يوسف: يذهب به الذي ذهب بقميصي الأول. فقال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص الأول، وهو ملطخ بالدم وأخبرته بأنه قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص فأخبره أنه حي وأفرحه كما أحزنته. وأمر لهم بالهدايا والدواب والرواحل، فتوجهوا نحو كنعان. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٤ الى ٩٨] وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ يعني: خرجت العير من مصر قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ قال ابن عباس: «لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال، فقال يعقوب: إني لأشم ريح يوسف» لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ يقول لولا أن تعيروني وتجهلوني. يقال: فنده الهرم، إذا خلط في كلامه قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يعني: ولد ولده قالوا ليعقوب: إنك مختلط في الكلام كما كنت في القديم من ذكر يوسف. قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ يعني: جاء يهوذا بالبشارة أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ يعني: دفع القميص إليه، ووضعه على وجهه، فذلك قوله: فَارْتَدَّ بَصِيراً يعني: رجع بصيراً كما كان قالَ يعقوب لولد ولده أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ويقال: قال لولده: ألم أقل لكم حين قلت لكم: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لاَ تَعْلَمُونَ

стр. 781

أن يوسف في الأحيا قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا فاعتذروا إليه لما فعلوا به، وطلبوا منه أن يستغفر لهم، واعترفوا بذنبهم أنهم كانوا خاطئين حيث قالوا: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ. قالَ لهم يعقوب ﵇ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ يعني: عند السحر استغفر لكم. ويقال: معناه سوف استغفر لكم إن شاء الله على وجه التقديم في قوله: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فأخّر الاستغفار، إلى أن قدموا مصر، فاستغفر لهم ليلة الجمعة عند السحر إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن تاب ورجع وندم على ما فعل. فخرجوا كلهم بأثقالهم وأهاليهم ومواشيهم، وكانوا اثنين وسبعين رأساً، وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان أهل بيت يعقوب حين دخلوا مصر ثلاثة وسبعين إنساناً، رجالهم ونساؤهم، فخرجوا مع موسى ﵇ وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، فلما دنوا من مصر، خرج يوسف بجماعته وحاشيته حتى أدخلهم مصر. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أي: ضمّ إليه أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ قال أبو عبيدة: هذا من كلام يعقوب، حيث قال: سوف استغفر لكم إن شاء الله، وكذلك قال ابن جريج. ويقال: هذا من كلام يوسف. قال لهم حين دخلوا مصر: انزلوا بأرض مصر. ويقال: إنما قال لهم قبل أن يدخلوها ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من الجوع. ويقال: من الخوف، لأنها أرض الجبابرة. قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ يعني: على السرير. أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. قال مقاتل: يعني أباه وخالته، وكانت أمه راحيل قد ماتت، وخالته تحت يعقوب أبيه. وعن وهب بن منبه قال: أبوه وخالته. وعن سفيان الثوري مثله، وهو قول ابن عباس. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الخالة أم» . ويقال: إن أمه راحيل قد ماتت في ولادة بنيامين، ولذلك سمي بنيامين، واليامين وجع الولادة بلسانهم. ثم قال: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً على وجه التقديم، يعني: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وكانت تحيتهم: أن يسجد الوضيع للشريف، فسجد له إخوته وأبوه وخالته. وَقالَ يعني: يوسف عند ذلك يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يعني: هذا السجود تحقيق رؤياي من قبله قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا يعني: جعل رؤياي صدقاً. ويقال: كائنا. وروي

стр. 782

وَقالَ يعني: يوسف عند ذلك يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يعني: هذا السجود تحقيق رؤياي من قبله قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا يعني: جعل رؤياي صدقاً. ويقال: كائناً. وروي عن ابن عباس أنه قال: «كان بين رؤياه وبين ذلك: اثنان وعشرون سنة» . وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان أنه قال: «كان بين رؤياه، وبين أن رأى تأويلها، أربعون سنة» . وعن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: «وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة، وإليه ينتهي الرؤيا» . وقال السدي: «كان بينهما تسع وثلاثون سنة» . وقال: حين رأى رؤياه: كان يوسف ابن تسع سنين، فظهر تأويلها وهو ابن أربعين سنة. ثم قال تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ يعني: جاء بكم معافين سالمين من البادية. يعني: أرض كنعان ومِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ يعني: من بعد أن أفسد وألقى الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ من الفرقة، والجماعة. ويقال: لَطِيفٌ في فعاله، إن يشأ فرق، وإن يشأ جمع إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بما صنعوا الْحَكِيمُ إذ رد عَليّ أبي، وجمع بيني وبين إخوتي. [سورة يوسف (١٢) : آية ١٠١] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ قال الفقيه أبو الليث رَّحْمَةِ الله: إِنَّ الله تعالى مدح يوسف في هذه السورة، في ثمانية مواضع. أولها: أن أخوته لما فعلوا به ما فعلوا، صرف العداوة من إخوته إلى الشيطان. فقال: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي والثاني: حين راودته المرأة، قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ فعرف حرمة سيده، ولم يهتك حرمته. الثالث: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فاختار السجن على الشهوة الحرام. والرابع: قال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بعد ما ظهر أن الذنب كان من غيره. والخامس: لما اعتذر إليه إخوته، قال لهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ والسادس: أنه بعث القميص على يد إخوته كما أدخلوا على أبيهم الحزن في الابتداء، أراد أن يدخلوا عليه السرور، فقال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا والسابع: لما لقي أباه، لم يذكر عنده ما لقي من الشدة، وإنما ذكر المحاسن حيث قال: يَا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ. والثامن: لما تمّ أمره، تمنى الموت وترك الدنيا، قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي: أعطيتني من الملك. يعني: بعض الملك، وهو ملك مصر وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: بعض التأويل. ويقال: مِنَ هاهنا لإبانة الجنس، لا للتبعيض. ومعناه رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: تعبير الرؤيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ

стр. 783

يعني: وليّ نعمتي في الدُّنيا والآخرة، ويقال: أنت حافظي وناصري وربّي فِي الدُّنْيَا وَاْلآخِرَة، تَوَفَّنِي مُسْلِماً يعني: أمتني مخلصاً بتوحيدك وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني: بآبائي المرسلين. ويقال: عاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكان عمره مائة وسبعاً وأربعين سنة. وعاش يوسف بعده ثلاثاً وعشرين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. ويقال: ابن مائة وعشر سنين. وأوصى يعقوب بأن يدفن عند آبائه، فحمل إلى الأرض المقدسة، فدفن مع أخيه عيصو بن إسحاق ﵈. فلما مات يوسف، أرادوا أن يحملوه إلى الأرض المقدسة، فلم يتركهم أهل مصر، واختلفوا في دفنه، وأراد أهل كل محلة أن يدفن في مقابرهم، وكاد أن يقع بينهم قتال، حتى اصطلحوا واتفقوا على أن يدفن عند قسمة مياههم في أعلى مصر، لكي يصيب بركته أهل مصر، وكان هناك إلى زمن موسى ﵇، فرفعه موسى، وحمله إلى الأرض المقدسة، ووضعه عند آبائه، وقد كان يوسف أوصى إلى بني إسرائيل أن يحملوا عظامه من أرض مصر إذا خرجوا من أرض مصر. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٦] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يقول: من أخبار ما غاب عنك علمه يا محمد نُوحِيهِ إِلَيْكَ يعني: ننزل عليك جبريل بالقرآن ليقرأه عليك وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني: وما كنت عند إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ يعني: قولهم أن يطرحوا يوسف في البئر وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي: يحتالون ليوسف. ثم قال: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ في الآية تقديم ومعناه: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت لعلم الله السابق فيهم. ويقال: وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. يعني: من قدرت عليه الكفر، وعلمت أنه أهل لذلك، لا يؤمن بك. ثم قال تعالى: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الإيمان يعني: إن لم يجيبوك، فلا تبال، لأنهم لا ينقصون من رزق ربك شيئاً إِنْ هُوَ يعني: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ من الجن والإنس. قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ يعني: وكم من علامة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الشمس والقمر والنجوم، وفي الأرض الأمم الخالية، والأشياء التي خلقت في الأرض، يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ يعني: مكذبين، لا يتفكرون فيما قال.

стр. 784

ثم قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال ابن عباس: قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فهذا إيمان منهم. ثم هم يشركون» . وقال القتبي وهم في غيره مشركون، قد يكون في معان، فمن الإيمان تصديق ببعض، وتكذيب ببعض. قال الله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] يعني: مقرون أن الله خالقهم، وهم مع ذلك يجعلون لله شريكاً. وقال الضحاك: كانوا مشركين في تلبيتهم. وقال عكرمة: يعلمون أنه ربهم، وهم مشركون به من دونه. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨] أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) ثم قال تعالى: أَفَأَمِنُوا يعني: أهل مكة أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ يعني: يغشاهم العذاب، ويقال: غاشية قطعة مِنْ عَذابِ اللَّهِ في الدنيا أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بقيامها قُلْ يا محمد هذِهِ سَبِيلِي يعني: ديني الإسلام، ويقال: هذه دعوتي أَدْعُوا الخلق إِلَى اللَّهِ تعالى. ويقال: أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته عَلى بَصِيرَةٍ أي: على يقين وحقيقة. ويقال: على بيان أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي يعني: من اتبعني على ديني، فهو أيضاً على بصيرة وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهاً له عن الشرك وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ يعني: الأنبياء كانوا من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة. قرأ عاصم في رواية حفص: نُوحِي إِلَيْهِمْ بالنون. وقرأ الباقون بالياء يُوحَى إِلَيْهِمْ، ومعناهما واحد مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني: منسوبين إليها. ثم أمرهم بأن يعتبروا، فقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا يعني: يسافروا فِي الْأَرْضِ ويقال: يقرءوا القرآن فَيَنْظُرُوا يعني: يعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر المنذرين من قبلهم من الأمم الخالية وَلَدارُ الْآخِرَةِ وهي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة أفضل من الدنيا. ثم رجع إلى حديث الرسل الذين كذبهم قومهم، فقال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ يعني: أيسوا من إيمان قومهم أن يؤمنوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قرأ أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي كُذِبُوا بتخفيف الذال. وقرأ الباقون: بالتشديد. وروى الأعمش، عن أبي

стр. 785

الضحى، عن ابن عباس، أنه قرأ: كُذِبُوا بتخفيف الذال. ويقال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم بالنصرة. وروى ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: «كانوا بشراً فضعفوا وسئموا وظنوا أنهم قد كذبوا، وأشار بيده إلى السماء» . قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة. فقال: قالت عائشة ﵂: «معاذ الله ما حدث رسوله شيئاً إلا وعلم الله أنه سيكون قبل أن يموت. قالت: ولكن نزل بالأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين كذبوهم وكانت تقرأ قَدْ كُذِبُوا بالتشديد. وعن عائشة قالت: «استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنوا أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذبوهم» «١» . وقال القتبي: الذي قالت عائشة أحسنها في الظاهر، وأولاها بأنبياء الله تعالى جاءَهُمْ نَصْرُنا أي: للأنبياء بالنصرة. ثم قال: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ يعني: من آمن بالأنبياء. قرأ عاصم وابن عامر: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ بنون واحدة مع التشديد، وقرأ الباقون بالنونين إلا أن من قرأ بنون واحدة، أدغم إحداهما في الأُخرى ثم قال: وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا يعني: عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكافرين. [سورة يوسف (١٢) : آية ١١١] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ يعني: في قصة يوسف وإخوته عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: لذوي العقول. يعني: عجيبة لمن له عقل، لكيلا يحسد أحد أحداً. ويقال: لمن أراد أن يعتبر بيوسف، ويقتدي به، ولا يكافئ أحداً بسيئة. ويقال: عِبْرَةٌ يعني: دلالة لنبوة محمد ﷺ لمن أراد أن يؤمن به مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى يعني: مثل هذا الكلام لا يكون اختلاقاً وكذباً وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب التوراة والإنجيل وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يعني: بيان الحلال والحرام وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً يعني: رحمة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون بتوحيد الله تعالى، وبمحمد ﷺ ، وبالقرآن والله أعلم.

стр. 786

سورة الرعد وهي: أربعون وخمس آيات كلها مكية، غير آيتين: قوله تعالى وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ. ويقال: كلها مكية [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) قوله تعالى: المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى، ويقال: معناه أنا الله أعلم وأرى ما تحت العرش إلى الثرى، وما بينهما. ويقال: أنا الله أعلم وأرى ما لا يعلم الخلق، وما لا يرى. ويقال: أنا الله أعلم، وأرى ما يعملون ويقولون. ويقال: هذا قسم أقسم الله به تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قال قتادة: يعني: التي قبل القرآن، من التوراة والإنجيل وَالَّذِي يعني: القرآن أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: الكتب التي قبل القرآن، والقرآن الذي أُنزل إليك، كله من الله تعالى وهو الحق، والإيمان به واجب. وقال ابن عباس: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: تلك «آيات القرآن» . ومعناه: هذه آيات الكتاب. وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: القرآن. ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: الأحكام والحجج والدلائل وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: جبريل، ليقرأ عليك من ربك الحق. يعني: اتبعوه واعملوا به. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني: أهل مكة لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون أنه من الله تعالى. فلما ذكر أنهم لا يؤمنون، بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق، فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يعني: ليس لها عمد ترونها، يعني: بلا عمد تبصرونها، وهذا قول الحسن وقتادة: وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: معناه، «لها عمد، ولكن لا ترونها. يعني: أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة، ولكن لها عمد» . وكلا التفسيرين معناهما واحد، لأن من قال: إن لها عمداً ولكن لا ترونها، يقول: العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال ابن عباس: «كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض» ، وقد ذكرناه من قبل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ضوء الشمس بالنهار، وضوء

стр. 787

القمر بالليل، ذلك لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يقول: يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل، حتى ينتهي إلى أقصى منازله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يعني: يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي والتنزيل يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول: يبيّن العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ يعني: تصدقون بالبعث. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣ الى ٤] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ يعني: بسط الأرض من تحت الكعبة على الماء، وكانت تكفي بأهلها كما تكفي السفينة، فأرساها الله بالجبال الثقال، وهو قوله تعالى وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت من فوقها وَأَنْهاراً يعني: خلق في الأرض أنهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: خلق فيها من ألوان كلّ الثمرات جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يعني: خلق من كل شيء لونين من الثمار، حلواً وحامضاً. ومن الحيوان ذكراً وأنثى. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني: يعلو الليل على النهار، ويعلو النهار على الليل، واقتصر بذكر أحدهما إذا كان في الكلام دليل عليه. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: يُغْشِي بنصب الغين، وتشديد الشين. وقرأ الباقون: بالجزم والتخفيف. ثم بيّن أن ما ذكر من هذه الأشياء، فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها، فقال: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر من صنعه لَآياتٍ يعني: لعبرات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اختلاف الليل والنهار، فيوحّدونه. ثم بيّن أن في الأرض علامات كثيرة، ودلائل كثيرة لوحدانيته، لمن له عقل سليم فقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ يعني: بالقطع الأرض السبخة، والأرض العذبة. مُتَجاوِراتٌ يعني: ملتصقات متدليات قريبة بعضها من بعض، فتكون أرضا سبخة، وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة. وقال قتادة: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي: قرى متجاورات، ويقال: العمران، والخراب، والقرى والمفاوز. وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ يعني: الكروم وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قرأ بعضهم: بضم الصاد. وقراءة العامة: بالكسر. وهما لغتان ومعناهما واحد. قال مجاهد وقتادة: الصنوان النخلة التي في أصلها نخلتان، وثلاث أصلهن واحد. وقال الضحاك: يعني: النخل المتفرق والمجتمع ويقال: صِنْوانٌ النخلة التي بجنبها نخلات وَغَيْرُ صِنْوانٍ يعني: المنفردة. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لاَ تُؤْذُونِي فِي العَبَّاسِ، فإِنَّهُ

стр. 788

بَقِيةُ آبَائي، وإنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ كلها بالضم على معنى الابتداء. وقرأ الباقون: بالكسر على معنى النعت للجنات، ويقال: على وجه المجاورة، لأن الزرع لا يكون في الجنات. ثم قال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ يعني: أن الماء والتراب واحد، وتكون الثمار مختلفة في ألوانها وطعومها، فدلّ على نفسه وبراهينه على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب، لوجب في القياس أن لا تختلف الألوان والطعوم، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير. وقال مجاهد: هذا مثل لبني آدم، أصلهم من أب واحد، ومنهم صالح ومنهم خبيث. ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: فيما ذكر لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أنه من الله تعالى. قرأ حمزة والكسائي: يُسْقى بالياء ويفضّل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين: يُسْقى بالياء بلفظ التذكير، وَنُفَضِّلُ بالنون. وقرأ الباقون: تُسْقَى بالتاء وَنُفَضِّلُ بالنون. [سورة الرعد (١٣) : آية ٥] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) ثم قال تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ قال الكلبي: يعني: إن تعجب من تكذيب أهل مكة لك، وكفرهم بالله، فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ يقول: أعجب من ذلك قولهم. أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وقال مقاتل: وَإِنْ تَعْجَبْ مما أوحينا إليك من القرآن، فعجب. قولهم: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إكذاباً منهم بالبعث. قرأ الكسائي: أإذا بهمزتين على وجه الاستفهام. وقرأ عاصم وحمزة كليهما: بهمزتين. وقرأ أبو عمرو: آيِذَا بهمزة واحدة مع المد، وكذلك في قوله: أَيُّنَا بالمد. وقرأ ابن كثير: أَيِذَا بالياء، وكذلك أَيُّنَا، وقرأ ابن عامر إيذا كُنَّا بهمزة واحدة بغير استفهام، أَيُّنَا بالهمزة والمد. قال: لأنهم لم يشكوا في الموت، وإنما شكوا في البعث، فينبغي أن يكون الاستفهام في الثاني دون الأول. ثم قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يعني: جحدوا بوحدانية الله تعالى وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ يعني: تغل أيمانهم على أعناقهم بالحديد في النار وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: دائمون فيها، ولا يخرجون منها. [سورة الرعد (١٣) : آية ٦] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)

стр. 789

قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال ابن عباس: «سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم العذاب استهزاءً منهم بذلك، فنزل» وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ يعني: بالعذاب قبل العافية وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ يعني: قد مضت من قبلهم العقوبات والنقمات قبل قريش فيمن هلك، وأصل المثلة: الشبه وما يعتبر به، وجمعه المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ يقول: تجاوز لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ يعني: على شركهم إن تابوا. ويقال: بتأخير العذاب عنهم وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ لمن مات منهم على شركه. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٧ الى ٨] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد ﷺ علامة من ربه لنبوته. قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق. وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي. وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله. وقال عكرمة: محمد ﷺ هو النذير، وهو الهادي. يعني: يدعوهم إلى الهدى. وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي. قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: ٣٧] وقرأ الباقون: بغير ياء. قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي. ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» . وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» . وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد. فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ. فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى. قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً. ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة. قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة. قال: حدثنا عليّ. قال: حدثنا

стр. 790

إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر ﵁ يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» «١» . [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٩ إلى ١٢] عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) ثم قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. ويقال: عالم بما كان، وبما لم يكن. ويقال: عالم السر والعلانية الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ يعني: هو أكبر وأعلى من أن تكون له صاحبة وولد. قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ يعني: سواء عند الله من أسر القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ يعني: من أخفى العمل، ومن أعلن بالعمل وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ يعني: في ظلمة الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي: منصرف في حوائجه. يقال: سَرَبَ يَسْرُبُ إذا انصرف، ومعناه: المختفي، والظاهر عنده سواء. وقال مجاهد: المستخفي بالمعصية، والسارب يعني: الظاهر بالمعاصي لَهُ مُعَقِّباتٌ قال ابن عباس: «له حافظات» مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله حتى ينتهوا به إلى المقادير. فإذا جاءت المقادير، خلوا بينه وبين المقادير المعقبات يعني: الملائكة يعقب بعضهم بعضاً في الليل والنهار، إذا مضى فريق يخلفه بعده فريق. وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة لَهُ مُعَقِّباتٌ قال: الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله. ويقال: للمؤمن طاعات وصدقات يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: من عذاب الله عند الموت، وفي القبر، وفي يوم القيامة. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ يعني: لا يبدل ما بقوم من النعمة التي أنعمها عليهم حَتَّى يُغَيِّرُوا يقول: يبدلوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ بترك الشكر. قال مقاتل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ يعني: كفار مكة، نظيرها في الأنفال: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ [الأنفال: ٥٣] ، إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، فلم يعرفوها، فغيّر ما بهم، فجعل ذلك لأهل المدينة. قال الفقيه أبو الليث ﵀: في الآية تنبيه لجميع الخلق، ليعرفوا نعمة الله عليهم، ويشكروه لكيلا تزول عنهم النعم.

стр. 791

ثم قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ يعني: إذا أراد بهم عذاباً أو هلاكاً فلا مردّ لقضائه وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يعني: ليس لهم من عذابه ولي، ولا قريب يمنعهم، ولا ملجأ يلجئون إليه. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً يعني: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم الحاضر، ويقال: خَوْفاً لمن يخاف ضرر المطر، وَطَمَعاً لمن يحتاج إلى المطر، لأن المطر يكون لبعض الأشياء ضرراً، ولبعضها رحمة. ثم قال: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ يعني: يخلق السحاب الثقال من الماء. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يعني: بأمره. قال: حدثنا عمرو بن محمد. قال: حدثنا أبو بكر الواسطي. قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف. قال: حدثنا وكيع، عن عمرو بن أبي زائدة أنه قال: سمعت عكرمة يقول: «الرعد ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل» . وروى وكيع، عن المسعودي، عن سلمة بن كهيل، أنه سئل عن الرعد فقال: «هو ملك يزجر السحاب» . وسئل عن البرق فقال: «هو مخاريق بأيدي الملائكة» . وسئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: «ثلاث ما أظن أحداً يعلمهن إلاَّ الله : الرعد، والبرق، والغيث، وما أدري من أين هن، وما هن» . فقيل له: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء قال: نعم. ولا ندري أنزل من السماء أو من السحاب، فتلقحت فيه، أو يخلق في السحاب فيمطر، وسمى السحاب سماء. وروي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرعد فقال: «هُوَ مَلِكٌ فِي السَّمَاءِ، وَاسْمُهُ الرَّعْدُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ هوُ زَجْرُ السَّحَابِ، وَيُؤَلِّفُ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ فَيَسُوقُهُ» «١» . ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقول: يسبح الملائكة كلهم خائفين لله تعالى وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار من السماء لا دخان لها فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من خلقه وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال ابن عباس يعني: الله تعالى، شَدِيدُ الْمِحالِ. ويقال: أصله في اللغة الحيلة، وقال قتادة: يعني: الحيلة والقوة لله. ويقال: هو شديد القدرة والعذاب. ويقال: الْمِحالِ في اللغة هو الشدة. وقال بعضهم: هو كناية عن الذي يجادل، ويكون معناه فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني: يصيبهم في حال جدالهم. وقال مجاهد: جاء يهودي إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد أخبرني من أي شيء ربك، أمن لؤلؤ هو؟

стр. 792

فأرسل الله عليه صاعقة فقتلته، فنزل وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ يعني: شديد العداوة. وقال قتادة: دخل عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ وقال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر. يعني: لك ولاية القرى، وليَ ولاية البوادي، فقال النبيّ ﷺ : «أَنْتَ مِنْ المُسْلِمِينَ لَكَ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ» ؟ قال عامر: لك الوبر ولي المدر. فأجابه بمثل ذلك. قال عامر: ولي الأمر من بعدك. فأجابه بمثل ذلك. فغضب عامر وقال: لأملأنها عليك رجالاً ألفا رجل أشعر، وألفا أمرد، فخرج ولقي أربد بن قيس فقال له: ادخل على محمد وإلهه بالكلام حتى أدخل فأقتله! فدخلا عليه، فجعل عامر يسأله ويقول: أخبرنا يا محمد عن إلهك، أمن ذهب هو أم من فضة؟ فلما طال حديثه قاما وخرجا، فقال عامر: مالك لم تقتله؟ قال: كلما أردت أن أقتله وجدتك بيني وبينه. فجاء جبريل، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك، فدعا عليه، فأصابته صاعقة فقتلته «١» . فنزل وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ. قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ يعني: كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، يدعو الخلق إليها. ويقال معناه: له على العباد دعوة الحق أن يدعوه فيجيبهم وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: الأصنام والأوثان لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يقول: لا ينفعهم بشيء إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ يعني: كمادٍ يديه إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ والعرب تقول لمن طلب شيئاً لا يجده: هو كقابض الماء. يعني: كمن هو مشرف يدعو الماء بلسانه، ومشرف يدعو الماء بلسانه فلا يجيبه أبداً، أو يشير باليد وَما هُوَ بِبالِغِهِ يقول: فلا يناله أبداً. وقال مجاهد: كالذي يشير بيده إلى الماء، فيدعوه بلسانه، فلا يجيبه أبداً. هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها آخر، أنه لا يجيبه الصنم ولا ينفعه، كمثل العطشان الذي ينظر إلى الماء من بعيد ولا يقدر عليه وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ يقول: ما عبادة أهل مكة إِلَّا فِي ضَلالٍ يضل عنهم، إذا احتاجوا إليه في الآخرة. [سورة الرعد (١٣) : آية ١٥] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق طَوْعاً وَكَرْهاً قال قتادة: أما المؤمن فيسجد لله طائعاً، وأما الكافر فيسجد كرهاً، ويقال: أهل الإخلاص يسجدون لله طائعين، وأهل النفاق يسجدون له كرهاً- ويقال: من ولد في الإسلام يسجد طَوْعاً ومن سبي في دار الحرب يسجد كَرْهاً «٢» - ويقال: يَسْجُدُ لِلَّهِ يعني: يخضع له مَن فِى السموات والأرض، ولا يقدر أحد أن يغير نفسه عن خلقته وَظِلالُهُمْ يعني: تسجد ظلالهم،

стр. 793

وسجود الظل دورانه. ويقال: ظل المؤمن يسجد معه، وظل الكافر يسجد لله تعالى إذا سجد الكافر للصنم. بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني: أول النهار وآخره، وقال أهل اللغة: الأصيل ما بين العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل، والآصال جمع الجمع. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٦ الى ١٧] قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: قل يا محمد لأهل مكة من خالق السموات والأرض؟ فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ. ثم قال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: أفعبدتم غيره لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ويقال: الْأَعْمى الجاهل الذي لا يتفكر، ولا يرغب في الحق، وَالْبَصِيرُ العالم الذي يتفكر، ويرغب في الحق. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي: كما لا تستوي الظلمات والنور، فكذلك لا يستوي الإيمان والكفر. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يَسْتَوِي بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، فيجوز أن يذكر ويؤنث، ولأن الفعل مقدم على الاسم. ثم قال: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: بل جعلوا لله شركاء من الأصنام. ويقال: معناه أجعلوا لله شركاء، والميم صلة. ثم قال: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعني: هل خلق الأوثان خلقاً كما خلق الله فاشتبه عليهم خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ خلق غيره؟ فلما ضرب الله مثلاً لآلهتهم سكتوا. قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قل يا محمد، الله خالق جميع الموجودات وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: الذي لا شريك له القاهر لخلقه، القادر عليهم. ثم ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون الكلام بالمثل، وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب، فأوضح لهم الحق من الباطل بالمثل فقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء يعني: المطر فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها يعني: سال في الوادي الكبير بقدره، وفي الوادي الصغير بقدره، فشبه القرآن بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، وشبه الهدى بالسيل فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً يعني: عالياً على الماء. فشبه الزبد بالباطل يعني: احتملته القلوب

стр. 794

على قدر أهوائها باطلاً كبيراً. فكما أن السيل يجمع كل قذر، كذلك الأهواء تحتمل الباطل، وكما أن الزبد لا وزن له، فكذلك الباطل لا ثواب له. فذلك قوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يعني: يذهب كما جاء. ويقال يذهب: جُفاءً أي سريعاً. وقال مقاتل: جُفاءً أي: يابساً فلا ينتفع به، ويقذفه السيل. وقال القتبي: الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته. ويقال: جفأت القدر بزبدها، إذا ألقته عنها وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ يعني: يبقى الماء الصافي في الأرض، فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة، كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا، والباطل لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم ضرب مثلاً آخر بالذهب والفضة، فقال تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ من الذهب والفضة ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني: التماس حِلْيَةٍ تلبسونها، يخرج منها الخبث، ويبقى الذهب والفضة خالصاً. ثم ضرب مثلاً آخر فقال: أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ يعني: النحاس والحديد والصفر يزول عنها الخبث، ويبقى الصفر والحديد خالصاً، فيتخذ منها المتاع. فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، كما يضمحل هذا الزبد، ويبقى خالص الماء، وخالص الذهب والفضة والحديد والصفر فكذلك يضمحل الباطل عن أهله. وكما يمكث الماء في الأرض ويخرج نباتها، وكما يبقى خالص الذهب والفضة حين يدخلان النار، فكذلك يبقى الحق وثوابه لصاحبه. وقال القتبي في قوله: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل. يقول الحق: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلا، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، مثل مطر سال في الأودية بقدرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي: عالياً على الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق. ومن جواهر الأرض التي تدخل الكور، توقدون عليها، يعني: الذهب والفضة للحلية. أَوْ مَتاعٍ يعني: الشبه والحديد والآنك يكون للآنية، له خبث يعلوها مثل زبد الماء. فأما الزبد، فيذهب جفاء يتعلق بأصول الشجر، وكنبات الوادي، وكذلك خبث الفلز يعني: الجوهر يقذفه، فهذا مثل الباطل. وأما ما ينفع الناس وينبت المرعى، فيمكث في الأرض. فكذلك الصفر من الفلز يبقى صالحاً فهو مثل الحق. ثم قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ على وجه التقديم والتأخير. يعني: هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل. ويقال: معناه هكذا يبيّن الله الحق من الباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ على معنى التقديم والتأخير، وقد ذكرناه من قبل كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ يعني: يبيّن الله الأشباه، ويوضح الطريق، ويقيم الحجة. [سورة الرعد (١٣) : آية ١٨] لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)

стр. 795

ثم قال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى يعني: للذين أجابوا ربهم بالطاعات في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة. ثم قال: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يعني: لم يجيبوه، ولم يطيعوه في الدنيا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يوم القيامة وَمِثْلَهُ مَعَهُ يعني: وضعفه معه لَافْتَدَوْا بِهِ يقول: لفادوا به أنفسهم مِن العذاب، ولو فادوا به لا يقبل منهم أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يعني: شديد العقاب. ويقال: سُوءُ الْحِسابِ المناقشة في الحساب. وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أتدرون ما سوء الحساب؟ قالوا لا. قال هو الذنب يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له. وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب قال: يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب. ثم قال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: الفراش من النار، ويقال: بئس موضع القرار في النار. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٩ الى ٢٥] أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: يعلم أن القرآن الذي أنزل من الله تعالى هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن هو لا يعلم. ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أن ما ذكر من المثل حق كمن لا يعلم. وهذا كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٢٦] يعني: المثل. ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ يقول: أفمن يرغب في الحق أي يعلم، أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن لا يرغب فيه ثم قال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يتعظ بما أنزل إليك من القرآن ذوو العقول من الناس، وهم المؤمنون. ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ يعني: العهد الذي بينهم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينهم وبين الناس وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ يعني: الميثاق الذي أخذ عليهم يوم الميثاق. ويقال: يعني: الميثاق الذي أخذ على أهل الكتاب في كتابهم. قوله: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: يصلون الأرحام ولا يقطعونها،

стр. 796

وقال: يعني: الإيمان بجميع الأنبياء وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يمتنعون عما نهاهم الله تعالى عنه، والخشية من الله: الامتناع عن المحرمات والمعاصي وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ يعني: شدّة الحساب. قوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا يعني: صبروا عن المعاصي، وصبروا عن أداء الفرائض، وصبروا على المصائب والشدائد، وصبروا على أذى الكفار والمنافقين ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ يعني: صبروا على ما ذكر ابتغاء مرضاة الله تعالى وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموها بركوعها وسجودها في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: يتصدقون في الأحوال كلها، ظاهراً وباطناً. ويقال: مرة يتصدقون سراً مخافة الرياء، ومرة يتصدقون علانية لكي يقتدى بهم. ويقال: يتصدقون صدقة التطوع في السر، ويتصدّقون صدقة الفريضة في العلانية وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يقول: يدفعون بالكلام الحسن السيئة. يعني: الكلام القبيح، فهذا كله صفة ذوي الألباب، وهم الذين استجابوا لربهم. ثم بيّن ثوابهم ومرجعهم في الآخرة فقال: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: هؤلاء لهم الجنة، وهم المهاجرون والأنصار، ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ يعني: ومن آمن وأطاع الله تعالى مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ يدخلون أيضاً جنات عدن وهذا كقوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ويسلمون عليهم، ويقولون لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ على أمر الله تعالى وطاعته فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ يعني: نعم العاقبة الجنة. فقد بيّن حال الذين استجابوا لربهم، والذين يعلمون أن الذى أُنزِلَ إليك هو الحق. ثم بيّن حال الذين لم يستجيبوا له، وهم الذين ينقضون الميثاق، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يعني: من بعد تأكيده وتغليظه، يعني: بعد إقرارهم بالتوحيد يوم الميثاق وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: الأرحام. ويقال: الإيمان بالنبيّين وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالدعاء إلى عِبادة غير الله تعالى أي عبادة الأوثان م أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة يعني: يلعنهم في الدنيا والآخرة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: سوء المرجع. ويقال: لَهُمُ اللَّعْنَةُ. يعني: هم مطرودون من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: عذاب النار في الآخرة. [سورة الرعد (١٣) : آية ٢٦] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، وَيَقْدِرُ يعني: يقتر في الرزق. يعني: يختار للغني الغنى، وللفقير الفقر في رزق الله تعالى، لأنه يعلم أن صلاحه فيه. وروي عن ابن عباس أنه قال: «إن الله تعالى خلق الخلق، وهو بهم

стр. 797

عليم، فجعل الغنى لبعضهم صلاحاً، وجعل الفقر لبعضهم صلاحاً، فذلك الخيار للفريقين» وقال الحسن البصري: ما أحد من الناس يبسط الله له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، - وما أمسكها الله من عبد فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه «١» -» . ثم قال: وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا يقول: استأثروا الحياة الدنيا عَلَى الاخرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ يعني: الدنيا بمنزلة الأواني التي لا تبقى مثل السكرجة والزجاجة، وأشباه كل ذلك التي يتمتع بها ثم يذهب، فكذلك هذه الدنيا تذهب وتفنى. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ كَمَثَلِ ماء يجعل أحدكم إصبعه فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجعُ» . وقال مجاهد: إِلَّا مَتاعٌ أي: قليل ذاهب، وهكذا قال مقاتل. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل عليه آية من ربه، يعني: علامة لنبوته قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ يعني: من عباده عن الهدى، يعني: إذا لم يرغب فيه وَيَهْدِي إِلَيْهِ يعني: يرشد إلى دينه مَنْ أَنابَ يعني: من رجع إلى الحق. ويقال: رجع عن الشرك. ثم قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا هذا مقرون بالأول، يعني: ويهدي الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ يعني: تسكن قلوبهم وترضى بِذِكْرِ اللَّهِ يعني: إذا ذكروا الله تعالى بوحدانيته، آمنوا به غير شاكين. وقال الكلبي: يعني: وتسكن وترضى قلوبهم لمن يحلف لهم بالله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ يعني: تسكن وترضى قلوب المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا يعني: صدَّقوا بالله وبمحمد وبالقرآن، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات طُوبى لَهُمْ يعني: غبطة لهم. قال مجاهد: طُوبى لَهُمْ يعني: الجنة. ويقال: طُوبى شجرة في الجنة. قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل. قال: حدثنا محمد بن جعفر. قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف. قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي اليسر، عن أبي أوفى، عن مغيث بن سمي في قوله تعالى طُوبى لَهُمْ قال: «طوبى شجرة في الجنة ليس لأهل الجنة من دار إلا ويظلّهم غصن من أغصانها، - قال ابن عباس: طُوبى شجرة في الجنة ساقها من ذهب، الورقة منها تغطي الدنيا، ليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن من أغصانها «٢» -. وقال أبو

стр. 798

هريرة، طُوبى «شجرة في الجنة» . وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك إذا أصبت خيراً. وقال عكرمة: طُوبى لَهُمْ أي: نعمى لهم. ويقال: طُوبى لَهُمْ أي: خير لهم. ثم قال تعالى: وَحُسْنُ مَآبٍ يعني: حسن المرجع في الآخرة. [سورة الرعد (١٣) : آية ٣٠] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) قوله تعالى: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ يقول: هكذا بعثناك في أمة كما بعثنا إلى من كان قبلك من الرجال في الأمم الخالية قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ يعني: قد مضت من قبل قومك أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ يعني: أرسلناك لتقرأ عليهم الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ يعني: يجحدون ويكذبون، وذلك أن عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه قالوا: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب. قال الله تعالى: قُلْ هُوَ رَبِّي يعني: قل يا محمد، الرحمن الذي تكفرون به هو الله ربي الذى لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري إليه وَإِلَيْهِ مَتابِ يعني: وإليه أتوب وأرجع. [سورة الرعد (١٣) : آية ٣١] وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وذلك أن عبد الله بن أمية وغيره من كفار مكة قالوا للنبي ﷺ : سيّر لنا جبال مكة ذهباً وفضة حتى نعلم أنك صادق في مقالتك، أو قرب أسفارنا كما فعل سليمان بن داود بريحه، أو كلم موتانا كما فعل عيسى بدعائه، فنزل وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ غُدُوُّهَا شَهْرٌ، وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فلم يذكر جوابه، لأن في الكلام دليلاً عليه. يعني: لو فعلنا ذلك بقرآن قبل قرآن محمد ﷺ ، لفعلنا ذلك بقرآن محمد ﷺ . ويقال: لو فعل أحد من الأنبياء ما سألتموني، لفعلت لكم، ولكن الأمر إلى الله تعالى، أن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فذلك قوله تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ويقال: معناه، ولو أن قرانا سيرت به الجبال عن أماكنها، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لم يؤمنوا به، وهذا كقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الأنعام: ١١١] الآية إلى قوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١] بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً إن شاء هدى من كان أهلاً لذلك، وإن شاء لم يهد من لم يكن أهلاً لذلك.

стр. 799

قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن وقتادة: أفلم يعلم الذين آمنوا وقال الفراء: لم أجد في العربية مثل هذا، ويقال: معناه أفلم يتبيّن للذين آمنوا. ويقال: هو من الإياس. ومعناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً يعني: إنهم لم يكونوا أهلاً لذلك، فلم يهدهم. وروى ابن أبان بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنَ للذين آمنوا فقيل له: إنها أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا فقال: «إني أرى الكاتب كتبها وهو ناعس» . وروي في خبر آخر: أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس عن قوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ قال: أفلم يعلم الذين آمنوا. وقال ابن عباس: أما سمعت مالك بن عوف وهو يقول: قد يئس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا ثم قال: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ يعني: نكبة وشدة. ويقال: قارِعَةٌ داهية تقرع، ويقال: لكل مهلكة قارعة، ويقال: نازلة تنزل لأمر شديد. فالمراد هنا: سرية من سرايا رسول الله ﷺ تأتيهم، وتصيبهم من ذلك شدة أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ يعني: تنزل أنت يا محمد بجماعة أصحابك قريباً من دارهم، يعني: من مكة، وذلك أن النبيّ ﷺ سار بجنوده حتى أتى عسفان، ثم بعث مائتي راكب حتى انتهوا قريباً من مكة، ثم قال: حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ يعني: فتح مكة. قالوا: هذه الآية مدنية. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي: بفتح مكة على النبيّ ﷺ . [سورة الرعد (١٣) : آية ٣٢] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزأ بك قومك فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أمهلتهم بعد الاستهزاء، ولم أعاقبهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب عند المعصية بالتكذيب، فأهلكتهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ يعني: فكيف رأيت إنكاري وتعييري عليهم بالعذاب؟ لم ير النبيّ ﷺ عقوبتهم، إلا أنه علم بحقيقته فكأنه رأى عيانا. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يقول: هو الله القائم على كل نفس برة وفاجرة بالرزق لهم، والدفع عنهم، وجوابه مضمر، يعني: كمن هو ليس بقائم على ذرة، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ [النحل: ١٧] ثم قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: قالوا ووصفوا لله شركاء. وقال مقاتل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يقول: يعني: السواء أنا القائم

стр. 800

على كل نفس بأرزاقهم، وأطعمتهم، كالذين يصفون أن لي شريكاً. معناه: لا تكون عبادة الله كعبادة غيره قُلْ سَمُّوهُمْ يعني: قل يا محمد، سموا هؤلاء الشركاء. يعني: سموا دلائلهم وبراهينهم وحججهم. ويقال: سموا منفعتهم وقدرتهم. ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يعني: تخبرونه بما علم أنه لا يكون. ويقال: معناه أتشركون معه جاهلاً لا يعلم ما فِى الارض. ويقال: معناه أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم. يعني: يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يعني: أتقولون قولاً بلا برهان ولا حجة. ويقال: بباطل من القول. يعني: إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلاً. وقال قتادة: الظاهر من القول الباطل، وكذلك قال مجاهد. ثم قال: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ يقول: ولكن زين للذين كفرُوا من أهل مكة كفرهم، وقولهم الشرك وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ بنصب الصاد. يعني: إن الكافرين صدوا الناس عن دين الله الإسلام. وقرأ الباقون: وَصُدُّوا بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله. مثل قوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ [فاطر: ٨] . ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: من يخذله الله عن دينه الإسلام، ولا يوفقه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: ما له من مرشد إلى دينه غير الله تعالى. قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: لهم في الدنيا الشدائد والأمراض. ويقال: عند الموت. ويقال: القتل على أيدي المسلمين، والغلبة عليهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ يعني: أشدّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يعني: ملجأ يلجئون إليه يقيهم من عذاب الله. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٧] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال بعضهم: المثل هنا أراد به الصفة، ولم يرد به التشبيه، لأنه قد ذكر من قبل حديث الجنة، وهو قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الرعد: ١٨] وقال بعد ذلك: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [الرعد: ٢٣] ثم بيّن هاهنا صفة الجنة. يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، الذين يتقون الشرك، والفواحش. روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقرأ أمثال الجنة التى وُعِدَ المتقون يعني: صفاتها وأحاديثها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ يعني: حملها ونعيمها لا ينقطع عنهم أبداً وَظِلُّها

стр. 801

يقول: وهكذا ظلها دائم أبداً، ليس فيها شمس. وقال بعضهم: أراد به التشبيه، لأن الله عرفنا نعيم الجنة وأمورها، التي لم نرها، ولم نشاهدها بما شهدنا من أمور الدنيا، ومعناه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ جنة تجرى من تحتها الانهار. ثم قال: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني: تلك الجنة، جزاء الذين اتقوا الشرك والفواحش وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يعني: مصيرهم وجزاؤهم النار. ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي: التوراة يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وهم مؤمنو أهل الكتاب، يعجبون بذكر الرحمن وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن، ويقولون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب. ويقال: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ يعني: مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم قُلْ يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعني: أمرت أن أقيم على التوحيد وَلا أُشْرِكَ بِهِ شيئاً. ثم قال: إِلَيْهِ أَدْعُوا يقول: أدعو الخلق إلى توحيده وَإِلَيْهِ مَآبِ يعني: المرجع في الآخرة. ثم قال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ يعني: القرآن أنزلنا جبريل ليقرأ عليك القرآن حُكْماً يعني: القرآن حكماً على الكتب كلها. ويقال: محكماً عَرَبِيًّا يعني: القرآن بلغة العرب وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال الكلبي: يعني: لئن صليت إلى قبلتهم، نحو بيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من بعد ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة. ويقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ يعني: أهل مكة فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ يعني: من عذابه مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا واقٍ يقيك من عذاب الله، والخطاب للنبي ﷺ والمراد به أصحابه. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وذلك أن اليهود عيّروا رسول الله ﷺ وقالوا: لو كان هذا نبيّاً كما يزعم، لشغلته النبوة عن تزوج النساء. فنزل وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً قال الكلبي: كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ ﵇ ثلاثمائة امرأة مهرية، وتسعمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة. ثم قال: وَما كانَ لِرَسُولٍ يعني: ليس ينبغي لرسول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلى قومه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله تعالى. ويقال: معناه ما كان أحد يقدر أن يأتي بآية من الآيات إلا بإذن الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي: لكل أجل من آجال الدنيا كتاب مكتوب، لا يزاد عليه، ولا ينقص

стр. 802

منه. ويقال: لكل أجل وقت قد كتب فيه. وقال الفراء: هذا مقدم ومؤخر أي: لكل كتاب أجل مثل قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] أي: سكرة الحق بالموت، وكذلك قال ابن عباس. ثمّ قال تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ روى شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن قريشاً لما نزلت هذه الآية وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: ٣٨] قالوا: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفاً، ووعيداً لهم. فإنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء، فيمحو الله مَا يَشَآءُ، وَيُثْبِتُ ما يشاء من أرزاق العباد، ومصايبهم فيما يعطيهم وبما يرزقهم ويقسم لهم «١» . وروى وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل إنه كان يقول في دعائه: «اللَّهم إن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، وإن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء. فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت ما تشاء، وعندك أم الكتاب» . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ «إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة» «٢» . وروى منصور عن مجاهد أنه قال: «الشقاوة والسعادة لا يتغيران» . ويقال: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: من أعمال بني آدم، وما كتبت الحفظة ما ليس فيه جزاء خير ولا شر وَيُثْبِتُ ما فيه جزاء خير أو شر. وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن الحفظة إذا رفعت ديوان العبد، فإن كان في أوله وآخره خير، يمحو الله ما بينهما من السيئات، وإن لم يكن في أوله وآخره حسنات، يثبت ما فيه من السيئات» . وقال مقاتل: يَمْحُوا اللَّهُ يعني: ينسخ الله ما يشاء من القرآن، وَيُثْبِتُ يقول: ويقر المحكم الناسخ ما يشاء فلا ينسخه. ويقال: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: المعرفة عن قلب من يشاء وَيُثْبِتُ في قلب من يشاء. وهو مثل قوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [الرعد: ٢٧]- وفي آية أخرى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يمحو من الشرائع والكتب الممحوّة: التوراة، والإنجيل والزبور، والمثبت هو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، وهذا القول هو المختار «٣» - ويقال: يقضي على العبد البلاء، فيدعو العبد، فيزول عنه كما روي في الخبر «الدُّعَاءُ يَرُدُّ البَلاَءَ» . ثم قال تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يعني: أصل الكتاب وجملته، وهو اللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء قبل أن يخلقهم. [سورة الرعد (١٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٢] وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)

стр. 803

قوله تعالى: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب والزلازل والمصائب في الدنيا إذ كذبوك وأنت حي أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يقول: أو نميتنّك قبل أن نرينك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بالرسالة وَعَلَيْنَا الْحِسابُ يعني: الجزاء. ثم قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني: نفتحها من نواحيها. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «هُوَ ذَهَابُ العُلَمَاءِ» . وقال ابن عباس: «ذهاب فقهائها، وخيار أهلها» . وعن ابن مسعود نحوه. وقال الضحاك: أو لم ير المشركون أنا ننقصها من أطرافها يعني: يأخذ النبيّ ﷺ ما حولهم من أراضيهم وقراهم وأموالهم، أفهم الغالبون؟ يعني: أو لا يرون أنهم المغلوبون والمنتقصون؟ وعن عكرمة. أنه قال: الأرض لا تنقص، ولكن تنقص الثمار، وينقص الناس. وعن عطاء أنه قال: «هو موت فقهائها وخيارها» . وقال السدي: يعني: ينقص أهلها من أطرافها، ولم تهلك قرية إلا من أطرافها. يعني: تخرب قبل، ثم يتبعها الخراب. وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ يقول: لا راد لحكمه، ولا مغير له، ولا مرد لما حكم لمحمد ﷺ بالنصر والغنيمة وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ إذا حاسب فحسابه سريع. قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: صنع الذين من قبلهم كصنيع أهل مكة بمحمد ﷺ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يعني: يجازيهم جزاء مكرهم، وينصر أنبياءه، ويبطل مكر الكافرين. ثم قال: يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ برّة أو فاجرة وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: الجنة. [سورة الرعد (١٣) : آية ٤٣] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا يعني: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر اليهود. ويقال: يعني، أهل مكة قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يقول: كفى بالله شاهداً بيني وبينكم على مقالتكم وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يعني: ومن آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأصحابه شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لأنهم وجدوا نعته وصفته في كتبهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ بجزم الثاء والتخفيف. وقرأ الباقون: بنصب الثاء، وتشديد الباء ومعناهما واحد. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: وسيعلم الكافر بلفظ الجماعة. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ وَمَنْ عِنْدَهُ بالكسر،

стр. 804

يعني: القرآن من عند الله تعالى. وروي عنه أيضاً: وَسَيَعْلَمْ الكافرون. وقرأ أبي بن كعب: وَسَيَعْلَمْ الذين كَفَرُواْ. وقال عبد الله بن مسعود: هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بعد ذلك بمدة، فكيف يجوز أن يكون المراد به عبد الله بن سلام؟ وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأ: بالكسر. وقرأ بعضهم وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب بضم العين، وكسر اللام، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: هذه الآية مدنية، وكان يقرأ وَمَنْ عِنْدَهُ بالنصب والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

стр. 805

سورة إبراهيم مكية وهي: اثنتان وخمسون آية إلا آيتين مدنيّتين [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) قال الله : الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يعني: هذا كتاب أنزلنا جبريل ليقرأ عليك، وهو القرآن لِتُخْرِجَ النَّاسَ أي: لتدعو الناس مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: من الكفر إلى الإيمان. وسمى الكفر ظلمات، لأن الكفر طريق الضلالة، فمن وقع فيه ضلّ الطريق. وسمى الإيمان نوراً، لأنه طريق واضح مبين بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يقول: بأمر ربهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: دين الإسلام العزيز، المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسول، الْحَمِيدِ لمن وحده. ويقال: الْحَمِيدِ في فعاله. ويقال: الْحَمِيدِ لأفعال الخلق. يشكر لهم اليسير من أعمالهم، ويعطي الجزيل. ثم قال الله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق. قرأ ابن عامر ونافع: اللَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ الباقون: اللَّهِ بالكسر على معنى البناء. ثم قال: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ يعني: الكافرين بوحدانية الله تعالى مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي: غليظ دائم. والويل: الشدة من العذاب. ويقال: الويل وادٍ في جهنم. ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: يستأثرون ويختارون الدنيا الفانية عَلَى الْآخِرَةِ الباقية، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن ملة الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً يعني: يريدون بملة الإسلام غيراً وزيغاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الحق. يعني: في خطأ طويل بعيد عن الحق. [سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ يعني: بلغة قومه ليفهموه وليكون

стр. 806

أبيَنَ لهم. يعني: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ طريق الهدى فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ عن دين الإسلام من لم يكن أهلاً لذلك وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى دينه الإسلام من كان أهلاً لذلك وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره وقضائه، ويقال: الْحَكِيمُ حكم بالضلالة والهدى لمن يشاء. [سورة إبراهيم (١٤) : آية ٥] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني: باليد والعصا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ يعني: ادع قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: من الكفر إلى الإيمان وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ يعني: خوّفهم بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا فليؤمنوا. وقال مجاهد: أيام نعمه، وكذلك قال قتادة والسدي. يعني: ذكرهم نعمائي ليؤمنوا بي. وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن حببني إلى عبادي، قال: رب كيف أحببك إلى عبادك، والقلوب بيدك؟ فأوحى الله إليه أن ذكرهم نعمائي» . ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: في الذي فعلت بالأمم الخالية، وما أعطيتهم من النعم لعلامات لِكُلِّ صَبَّارٍ على طاعة الله، والصبار: هو المبالغ في الصبر شَكُورٍ يعني: شكور لنعم الله تعالى، وهو على ميزان فَعُول، وهو المبالغة في الشكر. [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٦ الى ٨] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) ثم قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعني: من فرعون وآله، كما قال في آية أخرى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ [الأنفال: ٥٤] يعني: فرعون وآله. يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يقول: يعذبونكم بأشد العقاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الصغار وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني: يستخدمون نساءكم وَفِي ذلِكُمْ يعني: ذبح الأبناء، واستخدام النساء، بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يعني: بلية عظيمة لكم من خالقكم. ويقال: في إنجاء الله نعمة عظيمة لكم. قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ يعني: قد قال ربكم. ويقال: أعلم ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي عليكم لَأَزِيدَنَّكُمْ من النعمة وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ بتوحيد الله وجحدتم نعمتي عليكم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ في الآخرة. قال الفقيه: حدثنا أبي ﵀ بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: «من رزق ستاً لم يحرم ستاً. من رزق الشكر لم يحرم الزيادة لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

стр. 807

ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب لقوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: ٢٥] ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: ١٠] ومن رزق الدعاء لم يحرم الإجابة لقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ومن رزق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩] . قوله تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: إن جحدتم نعمة الله ولم تؤمنوا به فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ يعني: غنيا عن إيمانكم وطاعتكم حَمِيدٌ لمن عبده منكم بالمغفرة. [سورة إبراهيم (١٤) : آية ٩] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول: ألم يأتكم في القرآن خبر الذين من قبلكم من الأمم الماضية، كيف عذّبهم الله تعالى عند تكذيب رسلهم قَوْمِ نُوحٍ كيف أهلكهم الله بالغرق، وَعادٍ كيف أهلكهم الله بالريح، وَثَمُودَ كيف أهلكهم بالصيحة، فهذا تهديد لأهل مكة ليعتبروا بهم. قوله تعالى: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كيف عذبوا لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ يعني: لا يعلم عددهم إلا الله. قال ابن مسعود: «كذب النسابون وقرأ هذه الآية: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: الأمم الخالية جاءتهم رسلهم بالأمر والنهي» فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ قال مقاتل: وضع الكفار أيديهم على أفواههم، فقالوا للرسل: اسكتوا فإنكم كذبة، وإن العذاب غير نازل بنا. وروى هبيرة بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في قوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ قال: «جعلوا أصابعهم في فيهم» . وقال القتبي: أي: عضوا عليها حنقا وغيظاً. قال مجاهد وقتادة: يعني: ردّوا عليهم قولهم وكذبوهم، ويقال: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ يعني: نِعَم رسلهم، لأن مجيئهم بالبينات نعم. يعني قوله: فِي أَفْواهِهِمْ أي: بأفواههم. أي: ردوا تلك النعمة بالنطق بالتكذيب وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا فهذا هو ردهم بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ يعني: بما تدعونا إليه وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ وهو المبالغة في الشك يعني: ظاهر الشك.

стр. 808

[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٠ الى ١٢] قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) قوله تعالى: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ يقول: أفي وحدانية الله شك، وعلامات وحدانيته ظاهرة؟ وهو قوله: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أتشكون في الله خالق السموات والأرض يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ يعني: يدعوكم إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى ليتجاوز عنكم مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: منتهى آجالكم، فلا يصيبكم فيه العذاب. فأجابهم قومهم قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يقول: ما أنتم إلا آدميون مثلنا، لا فضل لكم علينا بشيء. تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا أي: تصرفونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الآلهة فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: بحجة بينة. قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يقول: ما نحن إلا آدميون مثلكم كما تقولون وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ويختاره للنبوة وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ جواباً لقولهم: فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: لا ينبغي أن نأتيكم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأن الأمر بيد الله تعالى وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله. قوله: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا يعني: وفقنا لطريق الإسلام، ويقال: أكرمنا بالنبوة وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي فليثق الواثقون. [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يقول: لتدخلن في ديننا، فهذا كله تعزية للنبي ﷺ ليصبر على أذى المشركين كما صبر من قبله من الرسل فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ يقول: أوحى الله تعالى إلى الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ فهذا لام القسم، ويراد به: التأكيد للكلام، أن يهلك الكافرين من قومهم وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ يقول: لننزلنكم في الأرض من بعد هلاكهم. فأهلك الله تعالى قومهم، فسكن الرسل ومن معهم من المؤمنين ديارهم ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي يقول: ذلك الثواب لِمَنْ خافَ مَقامِي يعني: مقامه يوم القيامة بين يدي رب العالمين. وروي عن أبيّ بن كعب أنه قال: «يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدون، أما المؤمنون فيهون عليهم، كما تهون عليهم الصلاة المكتوبة» . وروي عن منصور عن خيثمة أنه

стр. 809

قال: كنا عند عبد الله بن عمر فقلنا: أن عبد الله بن مسعود كان يقول: «إن الرجل ليعرق حتى يسبح في عرقه، ثم يرفعه العرق حتى يلجمه. فقال ابن عمر: هذا للكفار، فما للمؤمنين؟ فقلنا: الله أعلم. فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، حدثكم أول الحديث، ولم يحدثكم آخره، إن للمؤمنين كراسي يجلسون عليها، ويظلل عليهم بالغمام، ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهار» . ثم قال تعالى: وَخافَ وَعِيدِ أي: وخشي عذابي عليه. قرأ نافع في رواية ورش: وخاف وعيدي بالياء يعني: خاف عذاب الله. وقرأ الباقون: بغير ياء، لأن الكسرة تقوم مقامه، وأصله الياء. [سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٥ الى ١٧] وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) ثم قال تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا يقول: واستنصروا. قال قتادة: استنصرت الرسل على قومهم، وقال مقاتل: يعني، قومهم دعوا الله فقالوا: اللهم إن كانت رسلنا صادقين فعذبنا. ويقال: استنصر كلا الفريقين وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يقول: خسر عند الدعاء كُلّ مُتَكَبّرٍ عن الإيمان، معرض عن التوحيد. وقال الزجاج: الجبار، الذي لا يرى لأحد عليه حقا، والعنيد: الذي يعدل عن القصد. ويقال: الجبار الذي يضرب عند الغضب، ويقتل عند الغضب. وقال مجاهد: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي: المعاند للحق مجانبه. ويقال: هذه الآية نزلت في أبي جهل. قوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يقول: من قدامه جهنم، يعني: بعد الموت. ويقال: من بعده جهنم. ويقال: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يعني: أمامه. كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] يعني: أمامهم. ثم قال: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يعني: بماء يسيل من جلودهم من القيح والدم. ويقال: ماء كهيئة الصديد. قوله تعالى: يَتَجَرَّعُهُ يعني: يردّه في حلقه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يقول ولا يقدر على ابتلاعه لكراهيته، وقال ابن عباس: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ يعني: يجترّه من كل مكان من جسده. ويقال: من كل ناحية، ومن كل عرق، ومن كل موضع شعرة يجد طعم الموت وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، يعني: لا يموت أبداً وَمِنْ وَرائِهِ يعني: من بعد الصديد عَذابٌ غَلِيظٌ يعني: شديد لا يفتر عنه.

стр. 810

[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٨ الى ٢٠] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ يقول: صفة الذين كفروا. ويقال: مثل أعمال الذين كفروا بربهم يوم القيامة كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ يقول: ذرته الريح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ يعني: عاصف شديد الريح. فكذلك الكفار أحبط الله ثواب أعمالهم، وهذا كقوله وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣] لأن أعمالهم كانت بغير إيمان، ولا تُقبل الإيمان إذا لم يكن بالإخلاص، ولا تُقبل الأعمال إلا بالإيمان، ولا ثواب لهم بها. - قرأ نافع اشتدت بِهِ الرياح بالألف. وقرأ الباقون: بغير ألف «١» -. لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ يقول: لا يقدرون على ثواب أعمالهم ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يعني: الخطأ البعيد عن الحق. قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ يقول: ألم تعلم أن الله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قرأ حمزة والكسائي خالق السماوات والارض بكسر الضاد على معنى الإضافة. وقرأ الباقون: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بنصب الضاد على معنى الفعل الماضي. وقوله: بِالْحَقِّ يعني: بالعدل. ويقال: ببيان الحق إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يقول: يميتكم، ويهلكهم إن عصيتموه وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: قوماً غيركم، خيراً منكم، وأطوع لله تعالى. فهذا تهديد من الله تعالى ليخافوه. ثم قال: وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: إهلاككم ليس على الله بشديد. [سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢١] وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً يقول: وخرجوا من قبورهم لأمر الله تعالى. يعني: القادة والأتباع اجتمعوا للحشر والحساب، وهذا كقوله: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: ٤٧] فَقالَ الضُّعَفاءُ يعني: الأتباع والسفلة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا نطيعكم فيما أمرتمونا به فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا يقول: هل أنتم حاملون عنا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا يعني: القادة للسفلة لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ يقول: لو أكرمنا الله
следующие страницы →