← Тафсир

Тафсир · id 23594

تفسير السمرقندي = بحر العلوم

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (1 849 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقال : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ، أي حفظنا قلوبهم على الإيمان: وقيل: ألهمناهم الصبر حتى ثبتوا على دينهم. إِذْ قامُوا من نومهم: ويقال: قاموا بإثبات الحجة، ويقال: خرجوا من عند الملك. فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، أي لم نقل من دون الله ربا وإن فعلنا لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، أي كذباً وجوراً. ويقال: شَطَطاً، أي علواً، يقال: قد أشط إذا علا في القول، أي جاوز الحد. هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا، أي عبدوا. مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، يعني: هلا يأتون بحجة بينة على عبادة آلهتهم. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى، أي اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً أن له شريكاً. ثم قال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، يقول بعضهم لبعض: لو تركتموهم وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: لو تركتم ما يعبدون فلا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله. ويقال: لو اعتزلتم عبادتهم إلا الله، يعني: قولهم: الله خالقنا، ويقال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ هذا قولهم، ثم قال حكاية عن قولهم، فقالَ: وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: أَصحاب الكهف. فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ، أي فارجعوا إلى الكهف، ويقال: فادخلوا الكهف. يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، أي يهب لكم ربكم من نعمته، ويقال: يبسط لكم من رزقه. وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً، أي يجعل لكم من أَمركم الذي وقعتم فيه ما يرفق بكم ويصلحكم ويقال: مخرجا ونجاة ورزقا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٧ الى ١٨] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، أي تميل وتنحرف عن كهفهم. ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ، أي تجاوزهم. ويقال: تتركهم وتمر بهم، وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض. ذاتَ الشِّمالِ، أي شمال الكهف. وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، أي في ناحية من الغار، ويقال: في متسع منه. فأخبر أنه بوأهم كهفاً مستقبلاً بنات نعش، والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها، ولا يحلفهم سمومها فيغير ألوانهم وتبلى أبدانهم، وكانوا في متسع منه ينالهم نسيم الريح، وينفي عنهم غمة الغار، والغمة: الهواء العفن، ويجوز الرفع النصب فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ الغار وكربه. قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ، أي: ذلك الخبر والذكر، ويقال: ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ولطفه وكرمه. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي من يوفقه الله للهدى فهو المهتدي. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، أي موفقاً يرشده إلى

стр. 912

التوحيد. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً بنصب الميم وكسر الفاء، والباقون بكسر الميم ونصب الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تَتَزاوَرُ بتشديد الزاي مع الألف، لأن أصله: تتزاور أي: تميل، فأدغم وشدد الزاي. وقرأ ابن عامر تَزْورُّ بجزم الزاي وتشديد الراء، ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل. قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ، لأن عيونهم كانت مفتحة، ويقال: من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وذلك أن جبريل ﵇ كان يقلبهم في كل سنة مرة لكيلا تأكل الأرض لحومهم، وهو قول ابن عباس. وقال مجاهد: مكثوا ثلاثمائة عام على شق واحد، وقلبوا في التسع سنين. وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، أي مَاداً ذراعيه بفناء الباب. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً، أي لو هجمت عليهم اليوم، لأدبرت فراراً من هيئتهم. وروى سعيد بن جابر، عن ابن عباس أنه قال: «غزا معاوية غزوة نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع الله ذلك عمن هو خير منك، يعني: قال للنبي ﷺ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقال معاوية: «لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث أناسا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فلما ذهبوا ودخلوا، بعث الله تعالى ريحاً فأخرجتهم» . [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢١] وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) وقال: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ، أيقظناهم من نومهم. لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، ليتحدثوا. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، أي: كم مكثتم في نومكم؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً. فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: «كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل» . قرأ ابن كثير ونافع وَلَمُلِئْتَ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بِوَرِقِكُمْ بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.

стр. 913

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة، وهذا قول ابن عباس، ويقال: أي أهلها أزكى طعاماً. وقال عكرمة: أي أكثر وأرخص طعاما. فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، أي بطعام مِنْهُ. وَيُقَالُ: أَزْكى طَعاماً أي: لم يكن غصبا. وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: وليرفق في السؤال. وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، يعني: إن يطلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ، يقتلوكم. أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى. وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ، يقول: أطلعنا الملك عليهم. قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني: البعث بعد الموت. وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً، فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن. وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، يعني: إذ يختلفون فيما بينهم، وقال بعضهم: اختلفوا في عددهم وقال بعضهم: اختلفوا، فقال المؤمنون: فيما بينهم نبني مسجداً وقالت النصارى: نبني كنيسة، فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد. فذلك قوله: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي مسجداً. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي عالم بِهِمْ. قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون. لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً، والمسجد للمسلمين. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) ثم قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ قال بعضهم: اختلفوا في أمرهم ويقال: هذا الاختلاف في زمن النبيّ ﷺ . فاختلفوا وذلك أن أهل نجران: السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله ﷺ ، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانيا فسألهم النبيّ ﷺ عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ، أي العاقب وأصحابه: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، أي ظنا بالغيب. وَيَقُولُونَ، أي صنف منهم: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. قال الله تعالى للنبي ﷺ : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وهذا إخبار من الله تعالى أن عدتهم سبعة. قال ابن عباس وفي رواية أُخرى أنه قال: «أظن القوم كانوا ثلاثة.

стр. 914

قال واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يوم. فقال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم» . وروي عن ابن عباس أنه قال: «إنهم سبعة وذكر أسماءهم فقال: مكسلمينا وهو أكبرهم، وتمليخاً، ومطرونس، وسارينوس، ونوانس، وكفاشطهواس، وبطنبورسوس» . وذكر في رواية وهب أسماؤهم بخلاف هذا إلا تمليخا، فقد اتفقوا على اسمه. وقال ابن عباس: «كان اسم الكلب قطمير» وقال سعيد بن جبير: كان اسمه فرفدين ويقال: كان لونه خليج، ويقال: كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق، وقال بعض المحدثين: إن كلب أهل الكهف يكون معهم في الجنة، وقال بعضهم: يصير تراباً مثل سائر الحيوانات. وإنما الجنة للمؤمنين خاصة. ثم قال : فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً قال قتادة: فَلا تُمارِ يقول: حسبك ما أعلمناك من خبرهم. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لا تَسألْ عن أصحاب الكهف من النصارى أحداً. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أردت أن أفعله إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله. وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، يعني: إذا نسيت الاستثناء، فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن، وهذا في غير اليمين. وأما في اليمين، فاتفق الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولاً إلا رواية عن ابن عباس، روى عنه مجاهد قال: «يستثني الرجل في يمينه متى ذكر» . ثم قرأ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وهذه الرواية غير مأخوذة. وروى أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ مِائةُ امْرأَة، فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ الله، وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ امْرأَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِشِقِّ غُلامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَوُلِدَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَركاً له فِيْ حَاجَتِهِ» . ثم قال تعالى: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي، أي: يرشدني لِأَقْرَبَ، أي: لأسرع مِنْ هذا الميعاد الذي وعدت لكم، رَشَداً أي صواباً، وهذا قول مقاتل. وقال الزجاج: معناه عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلائل على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب الكهف. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَنْ يَهْدِيَنِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بحذف الياء. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) قال تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً قالت النصارى: أمّا ثلاثمائة فقد عرفنا، وأمّا تسعا فلا علم لنا فيه، فنزل وَازْدَادُوا تِسْعاً قرأ حمزة والكسائي ثَلاثَ مِائَةٍ بكسر الهاء بغير تنوين على معنى الإضافة، وقرأ الباقون بالتنوين. لَهُ غَيْبُ

стр. 915

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي عالم بما لبثوا في رقودهم. وقال الكلبي: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم. مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي أصحاب الكهف. وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً قرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: أنه قد جرى ذكر علمه وقدرته، وأعلم أنه لا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا. كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً [الجن: ٢٦] ، ومن قرأ بالتاء يقول: لا تنسبن أحداً إلى عالم الغيب، ومعناه: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بين رجلين بغير حكم الله تعالى، فيما حكم أو دل عليه حكم الله، فليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) ثمّ قال تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، يقول: اقرأ عليهم الذي أنزل إليك مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، يعني: القرآن. لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول: لا مغير لنزول القرآن ولا خلف له، ويقال: ولا ينقص منه ولا يزاد فيه. وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً، أي لا ملجأ يمنعك منه، ويقال: مُلْتَحَداً، أي: مانعاً يمنعك ويقال: معدلاً. وإنما سمي اللحد لحداً، لأنه في ناحية، ويقال: معناه وإن زدت فيه أو نقصت منه، لن تجد من عذابه ملجأ. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ، يقول: واحبس نفسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، أي يصلون لله تعالى بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يعني: الصلوات الخمس. قال ابن عباس: «نزلت الآية في سلمان، وصهيب، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قالوا: بينا رسول الله ﷺ جالس ذات يوم، عنده سلمان على بساط منسق بالخوص أي منسوج إذ دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري، فجعل يدفعه بمرفقه وينحيه، حتى أخرجه من البساط. وكان على سلمان شملة قد عرق فيها فقال عيينة: إنَّ لنا شرفاً، فإذا دخلنا عليك فأخرج هذا أو اضربه، فو الله إنه ليؤذيني ريحه، أما يؤذيك ريحه؟ فإذا خرجنا من عندك، فأدخلهم وأذن لهم بالدخول إن بدا لك أن يدخلوا عليك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فنزل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ... الآية يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، أي يطلبون رضاه. وقال: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، أي لا تجاوزهم ويقال: لا تحتقرهم ولا تزدرهم. تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي ما قال عيينة بن حصن الفزاري وأمثاله وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، أي عن القرآن، وَاتَّبَعَ هَواهُ في عبادة الأصنام. وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً، أي ضياعاً. وقال السدي: هلاكاً. قال أبو عبيدة: ندماً. وقال القتبي: أصله من العجلة والسبق. قال المفسرون: أي سرفاً. وقال الزجاج: تفريطا وهو العجز.

стр. 916

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٩ الى ٣١] وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) ثم قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، أي: القرآن. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، أي: من شاء فليقل: لا إله إِلا الله، ويقال: معناه من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر. ويقال: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ من لفظه لفظ المشيئة، والمراد به الأمر، يعني: آمنوا. وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ لفظه لفظ المشيئة والمراد به الخبر، ومعناه: ومن كفر. إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا، يعني: للكافرين أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها، يعني: أن دخانها محيط بالكافرين، قال الكلبي ومقاتل: يخرج عنق من النار، فيحيط بهم كالحظيرة. ثم قال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش، يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، أي أسودَ غليظاً كرديء الزيت، وهذا قول الكلبي والسدي وابن جبير. وروى عكرمة، عن ابن عباس مثله، ويقال: هو الصفر المذاب، أو النحاس المذاب إذ بلغ غايته في الحر. وروى الضحاك، عن ابن مسعود: «أنه أذاب فضة من بيت المال، ثم بعث إلى أهل المسجد وقال: من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا» وقال مجاهد: المهل القيح والدم الأسود كعكر الزيت. يَشْوِي الْوُجُوهَ، يعني: إذا هوى به إلى فيه أنضج وجهه. بِئْسَ الشَّرابُ المهل. وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، يقول: بئس المنزل النار، رفقاؤهم فيها الشياطين والكفار. وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، أي مجلساً. وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق. قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أي لا نبطل ثواب من أحسن عملاً في الآخرة. ثم بين ثوابهم فقال: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، العدن: الإقامة، ويقال: العدن بطنان الجنة، وهي وسطها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، السندس: ما لطف من الديباج، والاستبرق: ما ثخن من الديباج وقال القتبي: يقول قوم: هو فارسي معرب، أصله استبرك، وقال الزجاج في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: يجوز أن يكون خبره: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، كأنه يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن يكون الجواب قوله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ويجوز أن يكون جوابه لم يذكر.

стр. 917

وقد بيَّن ثواب من أحسن عملاً في موضع آخر، وهو قوله: مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً وقوله أَساوِرَ جمع أسورة، واحدها سوار والأسورة جمع الجمع. مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ، أي على السرر في الحجال، ولا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا على السرير والحجلة. نِعْمَ الثَّوابُ الجنة، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً، أي: منزلاً في الجنة، قُرناؤهم الأنبياء والصالحون. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) ثم قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ، أي صف لأَهل مكة صفة رجلين أخوين من بني مخزوم، أحدهما: مؤمن واسمه أبو سلمة بن عبد الأسد، والآخر: كافر ويقال له أسود بن عبد الأسود وهما من هذه الأمة. وآخرين أيضاً من بني إسرائيل مؤمن وكافر، فالمؤمن: اسمه تمليخا، ويقال يهوذا، والكافر: اسمه أبو قطروس. هكذا روي عن ابن عباس، ويقال: هذا المثل لجميع من آمن بالله، وجميع من كفر به. وروي عن ابن مسعود أنه قال: «كانا مشركين من بني إسرائيل، أَحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم» . وروي عن ابن عباس أنه قال: «كانا أَخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين» . وذلك قوله تعالى: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ، أي بساتين. قال السدي: كان بستاناً واحدا عليه جدار واحد، وكان في وسطه نهر، فلذلك قال: جَنَّتَيْنِ لمكان النهر الذي بينهما، وسماه جنة للمكان الدائر الذي عليه. وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ، يعني: الجنتين. ثم قال وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً، أي مزرعاً يقال: كان حول البستان نخيل وأشجار، وداخل الأشجار كروم، وداخل الكروم موضع الزرع والرطاب ونحو ذلك. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها، أي أعطت وأَخرجت حملها وثمارها. وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً، أي لم تنقص من ثمر الجنتين شيئاً. وقال الزجاج: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها، لأن لفظ كلتا واحد، والمعنى: أن كل واحدة منهما آتَتْ أُكُلَها، يعني: أعطت وَأَخْرَجَتْ حَمْلَهَا وَثَمَرَتَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً، يعني: لم ينقص من ثمر الجنتين شيئاً، ولو قال: أتت، لكان جائزاً. وَفَجَّرْنا خِلالَهُما، أي أجرينا وسطها نَهَراً، والنهر بنصب الهاء والجزم بمعنى واحد في اللغة، إلا أن قراءة النصب أصح. وقال: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قرأ أبو عمرو ثَمَرٌ بضم الثاء وجزم الميم، وقرأ الباقون غير عاصم بضم الثاء والميم، ومعناهما واحد، وقرأ عاصم بنصب الثاء والميم. فمن قرأ بالنصب، فهو ما يخرج من الشجر، ومن قرأ بالضم، فهو المال. يقال: قد أثمر فلان مالاً، ويقال: الثمر

стр. 918

جمع ثمار، ويقال: ثمرة وثمار، وجمع الثمار ثمر. فَقالَ لِصاحِبِهِ، يعني: قال الكافر للمؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ، أي يفاخره ويراجعه، وذلك أن أخاه احتاج فأتاه يسأله منه شيئاً، فلم يعطه شيئاً، وعاتبه بدفع ماله، وذلك قوله تعالى: فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً، يعني: وأكثر خدما. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٥ الى ٤٢] وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى مَآ أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وقال: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وهو آخذ بيد أخيه المسلم. وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالشرك، فمن كفر بالله فهو ظالم لنفسه، لأنه أوجب لها العذاب الدائم. قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، لأن أخاه المؤمن عرض عليه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فأجابه الكافر: فَ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، يعني: لن تفنى هذه أبداً. وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، أي كائنة. وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي، أي إن كان الأمر كما يقول، ورجعت إلى ربي في الآخرة، لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً في الآخرة، أي مرجعاً. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر خَيْرًا مِنْهُمَا لأنها كناية عن الجنتين، وقرأ الباقون مِنْها، لأنه كناية عن قوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ. قالَ لَهُ صاحِبُهُ، أي أخاه المسلم، وَهُوَ يُحاوِرُهُ، أي يكلمه ويعظه في الله تعالى: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ، يعني: آدم ﵇ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، يعني: خلقك معتدل القامة. قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي قرأ ابن عامر ونافع في إحدى الروايتين لكِنَّا بالألف وتشديد النون، لأن أصله: لكن أنا، فأدغم فيه. وقرأ الباقون لَكِنِ، وفي مصحف الإمام لَكِنِ أَنَاْ هُوَ الله رَبّى، فهذا هو الأصل في اللغة، ومعناه: لكن أنا أقول هو الله ربي. وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، يقول: فهلا إذ دخلت بستانك، قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يعني: بقوة الله أعطانيها لا بقوتي. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ ما شاء الله لا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، لَمْ ير فِيهِ مَا يَكْرَهُ» . ثم قال: إِنْ تَرَنِ، يعني: إن رأيتني أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً في الدنيا، فَعَسى رَبِّي

стр. 919

أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ هذه في الآخرة، وَيُرْسِلَ عَلَيْها أي على جنتك حُسْباناً مِنَ السَّماءِ، أي ناراً من السماء، وهذا وقول الكلبي والضحّاك ومقاتل، وقال قتادة: حُسْباناً، أي مرامي واحدها حسبانة. وقال الزجاج: الحسبان أصله الحساب كقوله: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرحمن: ٥] ، أي بحساب، وهكذا قال هنا: حُسْباناً أي حساباً بما كسبت يداك. وقال بعض أهل اللغة: الحسبان في اللغة سهم فارق وهو ما يرمى به. ثم قال: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً، أي فتصير تراباً أملس لا نبات فيها. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً، أي غائراً، يقال: غار ماؤها فلم يقدر عليه فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً، أي حِيلَةً. وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، أي: فأهلك جميع ماله، والاختلاف في الثمر كما ذكرنا. فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ أي يصفق يده على الأخرى ندامة عَلى مَآ أَنْفَقَ فِيها من المال، وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي ساقطة على سقوفها، وَيَقُولُ في الآخرة: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً في الدنيا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) وقال: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي جنداً وقوماً وأعواناً يمنعونه من عذاب الله. وَما كانَ مُنْتَصِراً، أي ممتنعاً هو بنفسه. قرأ حمزة والكسائي وَلَمْ يَكُن بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث وقال الزجاج: لو قال نصره، لجاز وإنما ينصره على المعنى، أي أقواماً ينصرونه. هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ، أي عند ذلك وهو يوم القيامة، يعني: السلطان والحكم لله الحق لا ينازعه أحد في ملكه يومئذٍ، وهذا كقوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] . فمن قرأ الْحَقِّ بكسر القاف جعله نعتاً لله ومن قرأ بالضم جعله نعتاً للولاية. قرأ حمزة هُنالِكَ الْوَلايَةُ بكسر الواو وضم القاف، وقرأ الباقون الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ الْوَلايَةُ بنصب الواو وكسر القاف، وقال بعضهم: الْوَلايَةُ بالكسر والنصب لغتان، وقيل: بالكسر مصدر الوالي، يقال: والي بين الولاية، وبالنصب مصدر الولي بين الولاية. هُوَ خَيْرٌ ثَواباً، أي خير من أثاب العبد وَخَيْرٌ عُقْباً، أي خير من أعقب. قرأ حمزة وعاصم عُقْباً بجزم القاف، وقرأ الباقون بضم القاف، ومعناهما واحد وهو العاقبة. فبيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا وبيّن حالهما في الآخرة في سورة الصافات في قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] إلى قوله: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] . ثم قال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي للمشركين، شبه ما في الدنيا من الزينة

стр. 920

والزهرة. كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، وهو المطر. فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي اختلط الماء بالنبات، لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به النبات، فكأنه اختلط به، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ. وفي الآية مضمر، ومعناه: فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن، حتى إذا بلغ أرسل الله آفة فأيبسته فصار هشيماً، أي صار يابساً متكسراً بعد حسنه. قال القتبي: وأَصْلُهُ من هشمت الشيء إذا كسرته، ومنه سمي الرجل هاشماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، أَي ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء، فكذلك الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، أي قادراً من البعث وغيره. قرأ حمزة والكسائي: الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون الرِّياحُ بلفظ الجماعة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٦ الى ٤٨] الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) قوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي غروراً لا يبقى كما لا يبقى الهشيم حين ذرته الريح، وإنما يبقى في الآخرة. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ، أي الصلوات الخمس، هكذا روي عن أبي الهيثم ومسروق. وقال مسروق: الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي الخمس صلوات، وهي الحسنات يذهبن السيئات، وكذلك قال ابن أبي مليكة. وروى سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قوله وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» . وروي عن رسول الله ﷺ أنه خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ وَقَالَ خُذُوا جُنَّتكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ، قَالَ: لاَ بَلْ مِنَ النَّارِ. قَالُوا: وَمَا جُنَّتُنَا مِنَ النَّارِ؟ قال: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أَكْبَرُ» . ويقال: كل طاعة يبقى ثوابها، فهي الباقيات الصالحات: الصلاة، والصدقة، والتسبيح، وجميع الطاعات. خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا، أي خير من هذه الزينة والغرور عند الله تعالى، وخير ما يثبت الله العبد، وَخَيْرٌ أَمَلًا أي خير ما يوصل العبد الصلاة والتسبيح، أي: أفضل رجاء مما يرجو الكافر، لأن ثواب الكافر النار ومرجعه إلى النار. وقال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ، أي نزيلها عن وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كقوله: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨] . وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً، أي ظاهرة من تحت الجبال، ويقال: بارِزَةً أي خالية مما فيها من الكنوز والأموات، كما قال: وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ [الانشقاق: ٤] . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وَيَوْمَ تسيّر الجبال بالتاء مع الضمة ونصب الياء وضم اللام، على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: نُسَيِّرُ بالنون ونصب اللام، كما قال: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لم نترك منهم أحداً ولا

стр. 921

نخلف منهم أحدا. عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ، يقول: جميعا، كقوله: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [طه: ٦٤] ، أي جميعاً. يقول الله تعالى ذكره: قَدْ جِئْتُمُونا فرادى عراة حفاةً، ما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بلا أهل ولا مال. لْ زَعَمْتُمْ ، أي قد قلتم في الدنيا: لَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ، أي لن نبعثكم في الآخرة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ، أي وضع كتاب كل امرئ منهم بيمينه أو بشماله، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ أي المشركين والمنافقين والعاصين. مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، أي خائفين مما في الكتاب من الإحصاء. وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا، يا ندامتنا مالِ هذَا الْكِتابِ لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؟ يعني: الزلل والكبائر، ويقال: تبسماً وضحكاً، إِلَّا أَحْصاها يقول: حفظها عليهم، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا في الكتاب حاضِراً من خير أو شر مكتوباً. وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزيد في سيّئاتهم. قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، قال بعضهم: كان أصله من الجن فلحق بالملائكة وجعل يتعبد معهم، وقال مقاتل: كان من الجن وهو جنس من الملائكة يقال لهم: الجن. روي عن ابن عباس: «أنه كان من الملائكة الذين هم خزان الجنان» ، ويقال: كانَ مِنَ الْجِنِّ أي: صار من الجن، كقوله: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: ٤٣] . فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أي تعظم من طاعة ربه وخرج عن طريق ربه. يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها. أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي؟ أفتطيعونه وتتركون أمر الله، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟ أي أعداء، كقوله: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤] بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، أي بئس ما استبدلوا عبادة الشيطان بعبادة الله تعالى، ويقال: بئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ولاية الشيطان. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥١ الى ٥٤] ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)

стр. 922

ثم قال: مَّا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي ما استعنت بهم على خلق السموات والأرض، يعني: إبليس وذريته وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، أي ولا استعنت بهم على خلق أنفسهم. وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ، أي ما كنت أتخذ الذين يضلون الناس عونا يعني: الشياطين، عَضُداً وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ، أي لعبده الأوثان وهو يوم القيامة نادُوا شُرَكائِيَ أي: ادعوا آلهتكم، الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أنهم لي شركاء، ليمنعوكم مني من عذابي فَدَعَوْهُمْ، يعني: الآلهة، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أي لم يجيبوهم. وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال مجاهد: وادٍ في جهنم، وهكذا قال مقاتل، وقال القتبي: أي مهلكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أَوبقته ذنوبه ويقال: موعداً، وقال الزجاج: وجعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي وجعلنا بينهم وبين شركائهم الذين أضلوهم مَوْبِقاً أي مهلكاً. قرأ حمزة ويوم نَّقُولُ بالنون وقرأ الباقون بالياء. ثمّ قال: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، أي رآها المشركون من مكان بعيد، فَظَنُّوا أي علموا واستيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي داخلوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي معدلاً ولا ملجأً ولا مفراً يرجعون إليه. قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا، أي بيّنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، أي من كل وجه ونوع ليتعظوا فلم يتعظوا، ويقال: بينا من كل وجه يحتاجون إليه. وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا من أمر الباطل، يعني: من أمر البعث مثل أبيّ بن خلف وأصحابه. قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا يحيى بن محمد الصاعد قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا الحجاج بن دينار قال، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ» . والدليل على أن الإنسان أراد به الكافر، ما قال في سياق الآية وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ... الآية. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٦] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) ثم قال: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا يقول: لم يمنع المشركون أن يصدقوا. إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى، يعني: الرسول والكتاب والدلائل والحجج، قوله: وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ، أي وما منعهم من الاستغفار والرجوع عن شركهم، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، أي عذاب الأمم الخالية. أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا، أي عياناً بالسيف. قرأ عاصم وحمزة والكسائي قُبُلًا بضم القاف والباء، وقرأ الباقون بكسر القاف ونصب الباء. فمن قرأ بالضم فهو بمعنى: فعل من

стр. 923

قبل، أي مما يقابلهم، ويجوز أن يكون جمع قبيل، هو أن يأتيهم العذاب أنواعاً، ومن قرأ بالكسر معناه: عيانا. وقال: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي للمؤمنين بالجنة، وَمُنْذِرِينَ أي للكافرين بالنار وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ أي يخاصموا بالباطل لِيُدْحِضُوا بِهِ أي ليزيلوا ويذهبوا به الْحَقَّ ومنه يقال: حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ، إذا زالت عن المحجّة وقال مقاتل: لِيُدْحِضُوا بِهِ أي ليبطلوا به الحقَّ، يعني: القرآن والإسلام، يعني: يريدون أن يفعلوا إن قدروا عليه. وَاتَّخَذُوا آياتِي، يعني: القرآن وَما أُنْذِرُوا، أي وما خوفوا به هُزُواً أي سخرية. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٧ الى ٥٩] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ، أي فلا أحد أظلم، ويقال: أشد في كفره مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، أي وعظ بالقرآن، فَأَعْرَضَ عَنْها. يقول: فكذب بها ولم يؤمن بها، وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ أي نسي ذنوبه التي أسلفها. إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، أي جعلنا أعمالهم على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، أي لكيلا يعرفوه ولا يفهموه. وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، أي صمماً وثقلاً مجازاة لكفرهم. وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى، أي إِلى الإسلام، فَلَنْ يَهْتَدُوا أي لن يؤمنوا. إِذاً أَبَداً وَرَبُّكَ الْغَفُورُ، أي المتجاوز إن رجعوا. ذُو الرَّحْمَةِ، أي بتأخير العذاب عنهم، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا أي لو يعاقبهم بكفرهم، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ، أي أجلاً. لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا، أي ملجأً يلجئون إليه ولا منجى منه. قوله : وَتِلْكَ الْقُرى، أي أهلها يعني: أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، يعني: القرون الماضية حين أقاموا وثبتوا على كفرهم. وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً، أي لهلاكهم أَجلاً يهلكون فيه. قرأ عاصم في رواية أبي بكر لِمَهْلِكِهِمْ بنصب الميم واللام، وقرأ عاصم في رواية حفص: بنصب الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون: بضم الميم ونصب اللام، ومعنى ذلك كله واحد. قال الزجاج: يكون للمصدر، ويجوز للوقت. وإن كان مصدراً، فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا. وإن كان للوقت فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٥] وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)

стр. 924

ثم قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ، أي لتلميذه وهو يوشع بن نون. وقال أَهل الكتاب: إنما هو موسى بن إفراتيم بن يوسف بن يعقوب، وذكر عن القتبي أنه قال: زعم أهل التوراة أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وقال عامة المفسرين: هو موسى بن عمران الذي هو أخو هارون. قال الفقيه ﵁: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن منبه: أن ابن عباس تمارى هو وجبر بن قيس الفزاري في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه، قال ابن عباس: «هو الخضر» ، إذ مر أبي بن كعب، فناداه ابن عباس فقال: تماريت أنا وهذا في صاحب موسى، فقال: سمعت رسول الله ﷺ «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلإِ بَنِي إسْرَائِيلَ، إذْ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ: لا، فَأَوْحَى الله إلَيْهِ بَلْ عَبْدِي الخَضِرُ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إلَى لِقَائِهِ، فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيةً. فَقَالَ: إذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا ما قَصَّ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ» . وروى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوف البكالي زعم أن موسى نبي بني إسرائيل، ليس هو موسى صاحب الخضر، فقال ابن عباس: «كذب عدو الله، أخبرنا أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «قَامَ مُوسَى خَطِيباً في بَنِي إسْرَائِيلَ» ، وذكر نحو الحديث الأول» «١» . وروى أسباط، عن السدي قال: بلغنا أن موسى بن عمران نبي الله خطب خطبة فأبلغ فيها، فدخله بعض العجب، وتعجبت بنو إسرائيل لبلاغته، فقالوا: يا نبي الله هل تعلم أحداً أبلغ منك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لي عبداً في الأرض هو أعلم منك فاطلبه قال: وما علامته؟ قال: تنطلق معك بزاد، فإذا تعبت في سفرك أي أعييت وفقدت زادك، فعند ذلك تلقاه. فانطلق موسى وفتاه يوشع بن نون وحملا معهما خبزاً وحوتاً، فذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ. قال الكلبي: وإنما سماه موسى فتًى لأنه كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه، وكان يوشع من أشراف بني إسرائيل، وهو الذي استخلفه موسى على بني إسرائيل. وقال مقاتل: كان فتاه يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى من سبط يوسف.

стр. 925

قوله: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، أي بحر الملح، وهو بحر فارس وبحر الروم والبحر العذب وقد قيل: معناه آتي الموضع الذي يجتمع فيه بين العالمين يعني: موسى والخضر، وهما بحران في العلم. والتفسير الأول أصح، لأنه ذكر بعد هذا حديث البحر. أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً، أي زمانا ودهرا. وقال الكلبي: الحقب الواحد ثمانون سنة. فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، أي موسى ويوشع بن نون مجمع البحرين، جلسا على شاطئ البحر فأصابا من طعامهما ونام موسى، وجعل يوشع يتوضأ من عين على شاطئ البحر، فانتضح من ذلك الماء على الحوت، الملح فحيي فعاش الحوت، وكانت تلك العين عين الحياة لا تصيب شيئا إلا عاش، فوثب الحوت في الماء، فجعل الحوت يضرب بذنبه في الماء، فلا يضرب في ذنبه في الماء إلا يبس. فأراد يوشع أن يخبر موسى بذلك، فلما استيقظ موسى نسي يوشع أن يخبر موسى، فذلك قوله: نَسِيا حُوتَهُما يعني: أن يوشع نسي أن يخبر موسى عن خبر الحوت. فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً قال الفراء: أي أخذ طريقه يبسا، وقال القتبي: اتخذ طريقه في البحر مذهبا ومسلكا، فذهبا عن ذلك الموضع في غدوتهما، حتى أصابهما التعب ولم ينصب موسى في سفره حتى كان يومئذ، فنصب فقال لفتاه يوشع. قوله: فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ يوشع: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي مشقة وتعبا. قالَ يوشع لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ، أي حين نزلنا عند الصخرة، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ يقول: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت. وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ لك وأمره. وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، أي طريقه عَجَباً، قال بعضهم: عَجَباً هو من كلام موسى، وقال بعضهم: من كلام يوشع قال: عَجَباً وذلك أن يوشع لما أخبره، فقال موسى عجبا فكأنه قال: أعجب عجبا. وقال بعضهم: هو كلام يوشع قال اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً أي يبسا وذلك حين يبس له الماء وأثره في الماء. ف قالَ موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، أي نطلب من حاجتنا. فَارْتَدَّا، أي رجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً، يقتصان أثر طريقهما الذي جاء فيه. وإنما سمي قاصا، لأنه يقص أثر الأمم، ومعناه: أنهما رجعا في الطريق الذي سلكاه، فلما انتهيا إلى الصخرة حيث قام الحوت، أراه يوشع مكان الحوت وأثره في الماء، فعجب موسى من أثره، فأبصر رجلا عند الصخرة قائما يصلي وعليه مدرعة صوف وكساء صوف. فلما فرغ من صلاته، قال موسى: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال: ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: أخبرني الذي أخبرك بمكاني، فذلك قوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، أي أعطيناه النبوة، وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أي علم بعض الكوائن. روي عن رسول الله ﷺ في قصة الخضر، في بعض الأخبار فقال: «كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه» .

стр. 926

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٦ الى ٧٠] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) ثم قال: قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ، أي أصحبك عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، أي هدى وصواباً. قرأ أبو عمرو وابن عامر رُشْداً بالنصب، وقرأ الباقون بالضم، وأختلف عن عاصم ونافع، ومعناهما واحد. فقال له الخضر: إن لك فيما في التوراة كفاية من طلب العلم في بني إسرائيل وفضل، وإنك سترى مني أشياء تنكرها، ولا ينبغي للرجل الصالح أن يرى شيئاً منكراً لا يغيره، فذلك قوله تعالى: قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، يعني: إنك ترى مني أشياء لا تصبر عليها. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟ أي ما لم تعلم به علماً. ويقال: معناه كيف تصبر على ما ظاهره منكر؟ قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً، أي لا أترك أمرك فيما أمرتني. قالَ الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي، أي صحبتني فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ فعلت، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً أي حتى أخبرك منه خبراً، يعني: إن أنكرته فلا تعجل عليّ بالمسألة. فأمر موسى يوشع أن يرجع إلى بني إسرائيل، وأقام موسى مع الخضر. قرأ نافع فَلا تَسْئَلْنِي بتشديد النون مع إثبات الياء والتشديد للتأكيد للنهي، وقرأ ابن عامر فلا تسألنّ بتشديد النون بغير ياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقرأ الباقون فَلا تَسْئَلْنِي بالتخفيف وإثبات الياء، وقرأ بعضهم بالتخفيف بغير ياء. [سورة الكهف (١٨) : آية ٧١] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) ثمّ قال: فَانْطَلَقا، يعني: موسى والخضر. وذلك أن موسى رد يوشع إلى بني إسرائيل وذهب موسى مع الخضر. حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ. وذلك أنهما لما أتيا السفينة: قال أهل السفينة لا يدخل علينا هذان الرجلان، فإنا لا نعرفهما ونخاف على متاعنا منهما. فقال الملاح: بل سيماهما سيما الزهاد، فحملهما في السفينة بغير نول أي مجاناً. فأخذ الخضر فأسا لما ركبا السفينة، وجعل يثقب السفينة ويخرقها. فقال أهل السفينة: الله الله لا تخرق سفينتنا فنغرق. فقال موسى: حملنا بغير نول وتخرق السفينة وتغرق أهلها؟ فذلك قوله حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها، أي ثقبها. قالَ موسى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها. قرأ حمزة والكسائي ليُغْرِقَ بالياء والنصب أَهْلَها بضم اللام، وقرأ الباقون بالتاء والضم وكسر الراء والنصب في اللام. فمن قرأ بنصب التاء فالأهل هو المفعول. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، أي

стр. 927

منكراً شديداً. قال القتبي: إِمْراً أي: داهية وكذلك نُكْراً، إلا أن النكر أشد استعظاماً بالعين وإنكاراً بالقلب. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٢ الى ٧٤] قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قوله تعالى: قالَ له الخضر: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. روي عن ابن عباس أنه قال: قال له موسى: يا عبد الله، إنه لا يحل لك أن تخرق سفينة القوم فتغرقهم. فلم يكلمه الخضر، وجعل يخرق السفينة حتى خرقها، فتنحى موسى وجلس فقال: وما كنت أصنع أن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء القوم، وقد كنت في بني إسرائيل أقرأ عليهم كتاب الله غدوة وعشية، ويقبلون مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم. فقال الخضر: يا موسى، أتدري ما حدثت به نفسك؟ فقال موسى: ما هو؟ قال الخضر: قلت: كنت في بني إسرائيل أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية، يقبلونه مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم. ثمّ قال له: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قال: فجاء عصفور فوقع على جانب السفينة، فنقر من البحر نقرة من الماء ثمّ طار، فقال الخضر: والله ما ذهبت أنا وأنت من العلم في علم الله تعالى، إلا مثل ما يغرف هذا العصفور من الماء من هذا البحر. قالَ موسى: لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ، أي بما تركت من وصيتك. وقال ابن عباس: هذا من معاريض الكلام، لأن موسى لم ينس، ولكن قال: لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ يعني: إذا كان مني نسيان فلا تؤاخذني به. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يعني: لا تكلفني من أمري شدة. فَانْطَلَقا، أي خرجا من السفينة ومضيا، حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً قال الكلبي: كان اسمه خشنوذ. وقال غيره: كان اسمه خربث بن كاذري فقتله، أي أخذ برأسه قرعة. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: كان رجلاً، إلا أنه لم يهتك بعد، وكان كافراً يقطع الطريق» . وقال سعيد بن جبير في رواية ابن عباس: كان صبياً غير مدرك فمر بغلمان يلعبون، فأخذ برأس غلام منهم فقطعه. وقال في بعض الروايات: خنقه، فذلك قوله: فَقَتَلَهُ. وروي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس أن النبي نهى عن قتل الصبيان في دار الحرب، وأن صاحب موسى قد قتل صبيّا فكتب إليه ابن عباس: «إنك لو علمت من الصبيان ما علم صاحب موسى، جاز لك أن تقتلهم» . قالَ له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، أي طاهرة بغير ذنب؟ ويقال: زَكِيَّةً لم تجن عليك بِغَيْرِ نَفْسٍ يقول: بغير دم وجب عليها. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو زَاكِيَةً بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد، مثل قاسية وقسية، وقال

стр. 928

القتبي الزكية المطهرة التي لم تذنب قط. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، أي منكراً، أي أَمراً فظيعاً. قال القتبي: إنما قال هاهنا نُكْراً، لأن قتل النفس أشد استعظاماً من خرق السفينة. وقال الزجاج: نُكْراً أقل من إمراً، لأن إغراقه من في السفينة كان أعظم عنده من قتل النفس الواحدة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٥ الى ٧٨] قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) قالَ الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وقد زاد هنا لَكَ للتأكيد، قيل: لأنه قد سبق منه الزجر مرة. قالَ موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي، يعني: إن طلبت صحبتك فلا تتابعني وقد قرئ فلا تصحبني أبدا. قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً يقول: قد أعذرت فيما بيني وبينك في الصحبة. فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: وهي أنطاكية، اسْتَطْعَما أَهْلَها، أي: استضافاً، قال بعضهم: سألاهم، وقال بعضهم: لم يسألاهم، ولكن كان نزولهما بين ظهرانيهم بمنزلة السؤال منهما. فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، يعني: لم يطعموهما. فَوَجَدا فِيها جِداراً يعني: في تلك القرية. يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ وهذا كلام مجاز، لأن الجدار لا يكون له إرادة، ومعناه: كاد أن يسقط، فَأَقامَهُ يعني: سواه الخضر. قالَ موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، أي جعلاً خبزاً تأكله. قرأ ابن كثير وأبو عمرو لَتَخِذْتُ بغير ألف وكسر الخاء، والباقون لَاتَّخَذْتَ ومعناهما واحد. وقرأ نافع مِن لَّدُنّى بنصب اللام وضم الدال وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو مِنْ لَدُنِّي بتشديد النون وهي اللغة المعروفة، والأول لغة لبعض العرب. واختلف الروايات عن عاصم. قالَ الخضر: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، أي هذا شرط الفراق بيني وبينك، وأنت حكمت على نفسك. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ، أي بتفسير مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً، أي تعلم ما رأيتني أصنع فأنكرت لتعرف أهلها وتأويله: [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) قال تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ أي يؤاجرون فِى البحر ويكسبون قوتهم، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أي أجعلها معيبة، وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ، أي: أمامهم

стр. 929

ملك. روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَّلِكٌ» : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وكان ابن مسعود يقرأ أيضاً: «كل سفينة صالحة غصباً» . أَي: كل سفينة بغير عيب. وكان اسم الملك جلندى، يعني: أنها لو كانت بغير عيب أخذها الملك، فإذا كانت مع العيب تبقى للمساكين. قال الفقيه أبو الليث: فيه دليل أن للوصي أن ينقض مال اليتيم إذا رأى فيه صلاحاً، وهو أنه لو كانت له دار نفيسة، فخاف أن يطمع فيها بعض السلاطين، فأراد أن يخرب بعضها ليبقيها لليتيم جاز. وروي عن أبي يوسف: أنه كان يجيز مصانعة الوصي في مال اليتيم، وهو يدفع من ماله شيئاً إلى السلطان ليدفعه عن بقية ماله. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٠ الى ٨٢] وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) ثم قال وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يقول: يكلفهما طُغْياناً وَكُفْراً، يقول: تمادياً وإثماً ومعصية. فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما قرأ نافع وأبو عمرو يُبْدِلَهُما بتشديد الدال، وقرأ الباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد. يقال: بدل وأبدل بمعنى واحد أي: يعطيهما ولداً غير هذا الولد رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ، أي أفضل. زَكاةً، أي ولداً صالحاً. وَأَقْرَبَ رُحْماً، أي أوصل رحماً، ويقال: رحماً. ويقال: أقرب رحمة وعطفاً عليهما. قال الكلبي: فولدت امرأته جارية فتزوجها نبي من الأنبياء، فهدى الله على يده أمة من الأمم. ثمّ قال: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ أحدهما أصرم والآخر صريم، وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال الكلبي: أي مالا لهما، وقال مقاتل ومجاهد: كل شيء في القرآن من كنز فهو مال غير هاهنا، فإنه الصحف التي فيها علم. وقال الضحاك: كَنْزٌ لَهُما أي علم لهما. قال الفقيه: حدّثني أبي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «وجد تحت الجدار الذي قال الله تعالى وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما لوح من ذهب والذهب لا يصدأ ولا ينقص مكتوب فيه بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد، رسول الله» . روي عن ابن عباس أنه قال: «كان في اللوح خمس كلمات» ، وذكر نحوه. قوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ذا أمانة واسمه كاشح، فحفظا بصلاح أبيها ولم يذكر منهما

стр. 930

صلاحاً. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تَعَالَى لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ الرَّجُلِ أهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَأَهْلَ الدُّوَيْرَاتِ حوله» . فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يبلغا مبلغ الرجال، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي نعمة من ربك. وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي من قبل نفسي ولكن الله أمرني به. ذلِكَ تَأْوِيلُ، أي تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. تستطع وتسطع بمعنى واحد، يقال: اسطاع واستطاع. قال الفقيه ﵁: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد الدوري قال: حدّثنا الحجاج الأعور قال: حدّثنا حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ «إذا دعا لأحد بدأ بنفسه وقال: «رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى فَلَوْ كَانَ صَبَرَ لَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا» «١» . وفي رواية أخرى: «لَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا العَجَائِبَ» فلما أراد موسى أن يرجع، قال للخضر: أوصني. فقال له الخضر: «إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين بخطاياهم، وابكِ على خطيئتك يا ابن عمران» . قال مجاهد: إنما سمي الخضر خضراً، لأنه لا يكون بأرض إلا اخضرت. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٨٦] وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) ثم قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وكان اسمه اسكندر. وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: لم سمي ذا القرنين؟ فقال: «اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقال بعضهم: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، فسماه الملك الذي عند قاف ذا القرنين، ويقال: رأى في المنام أنه دنا من الشمس وأخذ منها، فقصَّ رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين» ، وقال الزجاج: «سمي ذا القرنين لأنه كان له ضفيرتان» . وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: «ضرب على قرني رأسه، وقيل: لأنه بلغ قطر الأرض» وقال عكرمة: «كان ذو القرنين نبياً، ولقمان نبياً» ، والخضر نبياً، وروى مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «كان ذو القرنين نبياً» ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان رجلا صالحا، وهكذا قال ابن عباس وجمعة من الصحابة: «أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً، ولقمان كان رجلا حكيما» ،

стр. 931

وروي عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن ذي القرنين فقال: «هو ملك يسيح في الأرض» وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة، اثنان مؤمنان واثنان كافران. أما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر. قال تعالى: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، أي: خبراً وعلماً من الله تعالى. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، أي ملكناه وأعطيناه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، أي علماً. ويقال: أعطيناه علم الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها، ويقال: علماً بالطريق فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً فسار إلى المغرب، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر حَامِئَةٍ بالألف، وقرأ الباقون حَمِئَةٍ بغير ألف. فمن قرأ حَامِئَةٍ يعني: جائرة، ومن قرأ بغير ألف يعني: من طينة سوداء منتنة. وروي أن معاوية قرأ في عين حامة فقال ابن عباس: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: كما قرأتها. قال ابن عباس: «في بيتي نزل القرآن» ، فبعث معاوية إلى كعب يسأله: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: «في ماء وطين وقال: في مدرة سوداء» . قال القتبي حَمِئَةٍ ذات حمات، والحامية حارّة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع فَأَتْبَعَ بتشديد التاء وكذلك ما بعده، وقرأ الباقون فأتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد. وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، أي عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين وكافرين، فظهر عليهم. قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مقاتل: أوصى الله تعالى إليه، وقال ابن عباس: ألهمه الله تعالى. إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، يعني: أن تقتل من كان كافراً وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، يعني: تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمناً. وقال بعضهم: كانوا كلهم كفاراً، قيل له: إما أن تعذب من لم يؤمن، وإما أن تتخذ فيهم حسنا لمن آمن. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٧ الى ٩٣] قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالَ ذو القرنين: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر بالله، فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي: نقتله إن لم يتب. ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة، فَيُعَذِّبُهُ في النار عَذاباً نُكْراً يقول شديداً. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ يقول: صدق بالله، وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص جَزاءً بنصب الألف والتنوين، وقرأ الباقون

стр. 932

بضم الألف بغير تنوين. فمن قرأ بالنصب فمعناه: أن له الحسنى جزاء، صار الجزاء نصباً للحال. ومن قرأ بالضم جزاءً للإضافة، بغير جزاء إحسانه. وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً، أي سنعد له في الدنيا معروفاً عدة حسنة معروفة، ويقال: وسنقول له قولاً جميلا. ثمّ قال: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً. وقال القتبي: السبب أصله الحبل، ثمّ كل شيء توصلت به إلى موضع أو حاجة فهو سبب. تقول: فلان سببي إليك، أي وصلتي، وتسمى الطريق سبباً، لأنه يصل إلى الموضع الذي يريده. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، أي لم يكن لهم من دون الشمس شيء يظلهم، لا شجر ولا جبل ولا ثوب، إلا عراة عماة عن الحق وكانوا في مكان لا يستقر عليه البناء وقال قتادة: يقال إنهم الزنج، وكانوا في مكان لا ينبت فيه نبات، وكانوا يدخلون سرباً إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم ويخرجون في معايشهم. كَذلِكَ يعني: هكذا بلغ مطلع الشمس أيضاً، كما بلغ مغربها. ثم استأنف فقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً، أي بما عنده علماً. وهذا قول مقاتل كَذلِكَ أي: كما أخبرتك بهذا الخبر، كذلك كان علمنا محيطاً به قبل ذلك. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقا. ثم قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، أي بين الجبلين، قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: السَّدَّيْنِ بضم السين وكذلك الثاني، والذي في سورة يس، وروى حفص عن عاصم: أنه نصب كله، وابن كثير وأبو عمرو نصبا هاهنا ورفعا في يس، وحمزة والكسائي رفعا بين السدين ونصبا ما سوى ذلك. وقال بعض أهل اللغة: ما كان مسدوداً خلقة فهو سَد بالنصب، وما كان بعمل الناس فهو سد بالضم، وروي عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: إن المراد هاهنا طرفا الجبل. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما، أي من قبل الجبلين قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، أي كلاماً غير كلامهم ولساناً غير لسانهم. قرأ حمزة والكسائي يَفْقَهُونَ بضم الياء وكسر القاف، يعني: أن كلامهم لا يفهمه أحد غيرهم. وقرأ الباقون يَفْقَهُونَ بالنصب، يعني: أنهم لا يفقهون قول غيرهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٤ الى ٩٧] قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَاراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، أي يخرجون إلى أرضنا

стр. 933

ويأكلون رطبنا، ويحملون يابسنا، ويقتلون أولادنا. وكان يأجوج رجلاً ومأجوج رجلاً، وكانا أخوين من بني يافث بن نوح، فكثر نسلهما فنسب إليهما. ويقال: سمي يأجوج ومأجوج لكثرتهم وازدحامهم، لأنهم يموجون بعضهم في بعض. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ عاصم: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بهمز الألف، وقرأ الباقون بغير همز، وقرأ حمزة والكسائي خَرَاجاً بالألف وقرأ الباقون خَرْجاً بغير ألف، ويقال: الخراج هو الضريبة، والخرج هو الجعل، ويقال: أحدهما اسم والآخر مصدر. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، أي حاجزاً. ف قالَ ذو القرنين: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ قرأ ابن كثير مَا مكّنني بنونين وهو الأصل في اللغة، وقرأ الباقون مَكَّنِّي فأدغم إحدى النونين في الأخرى وأقيم التشديد مقامه، أي ما ملَّكني وأعطاني فيه ربي من القوة والمال خير من جعلكم، ويقال: ما يعطيني الله تعالى في الآخرة من الثواب خير من جعلكم في الدنيا. فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ قالوا: وما تريد؟ قال: آلة العمل وهي آلة الحدادين. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. قالوا: وما هي؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، أي قطع الحديد أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً قرأ عاصم في إحدى الروايتين ائتوني على معنى جيئوني، وقرأ الباقون آتُونِي بمد الألف أي أعطوني. فأتوه بقطع الحديد فبناه. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الصَّدَفَيْنِ بضم الصاد والدال، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر الصَّدَفَيْنِ بضم الصاد وجزم الدال، وقرأ الباقون بنصب الصاد والدال، وهما ناحيتا الجبل. فأخذ قطع الحديد وجعل بينهما حطباً وفحماً، ووضع المنافخ وقال: انفخوا. فنفخوه حتى صار كهيئة النار. ثم أتى بالصفر ويقال: بالنحاس، فأذابه وأفرغ عليه حتى صار جبلاً من حديد ونحاس، فذلك قوله حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي بين الجبلين. قالَ انْفُخُوا، فنفخوا. حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَاراً، أي صيَّر الحديد ناراً، قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً، وهو الصفر المذاب أصبُبْ عليه. قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة قالَ ائْتُونِي بجزم الألف والباقون بالمد فَمَا اسْطاعُوا، أي فما قدروا أَنْ يَظْهَرُوهُ، يعني: أن يعلوا فوق السد. وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً، أي ما قدروا على نقب السد. ويقال: مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي ما تحت السد في الأرض، لأنه بناه في الأرض إلى السماء. قال الفقيه ﵁: حدثنا عمرو بن محمد قال: حدثنا أبو بكر الواسطي قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ إن النبيّ ﷺ : قال: «إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ الرَّدْمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إذا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْس، قَالَ الذين عليهم: ارجعوا فسنحفره غَداً، فَيُعِيدُهُ الله كَمَا كَانَ. حَتَّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُه غَداً إنْ شَاءَ الله تَعَالَى. فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَإذا هُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِيَاهَ وَتُحَصَّنُ النَّاسُ فِي

стр. 934

حُصُونِهِمْ، فَيَبْعَثُ الله عَلَيْهِمْ نغفاً فِي أَقْفِيَتِهِمْ فَيُهْلِكُهُمُ الله بِهَا» «١» . وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «أن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يلد لصلبه ألف ابن، وذكر: أن يأجوج ومأجوج- كما ذكرنا- وهما ابنا يافث بن نوح، فإذا انكسر السد وذلك عند اقتراب الساعة، يخرجون فيمرون ببحيرة طبرية بأرض الشام وهي مملوءة ماء فيشربها أولهم، ثم يمر آخرهم فيقولون: لقد كان هاهنا مرة ماء. قال: والسد نحو بنات نعش، ثم يمرون بالبحر فيأكلون ما في جوفه من سمك وسرطان وسلحفاة أو دابة، ثم يأكلون ورق الشجر، ويأكلون ما في الأرض من شيء، ويهرب الناس منهم فيقتلون من قدروا عليه، ولا يستطيعون أن يأتوا أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد طور سيناء. ثم لا يرون على الأرض غيرهم، ثم يقولون: لقد قتلنا أهل الأرض وبقي أهل السماء، فيرمون سهامهم نحو السماء فتصيب الطير في جو السماء، فترجع سهامهم مختضبة بالدماء فيقولون: لقد قتلنا أهل السماء وأهل الأرض ولم يبقَ غيرنا. فيبعث الله تعالى عليهم دوداً يُسمَّى النغف، فيدخل في آذانهم فيقتلهم، فتنتن الأرض من جيفهم، ثم يرسل الله تعالى السّماء أربعين يوماً حتى يحمل السيل جيفهم فيرميها إلى البحر، ويعود البحر كما كان «٢» . قرأ حمزة فَمَا اسْطاعُوا بتشديد الطاء والباقون بالتخفيف. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٨ الى ١٠٢] قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) فلما فرغ ذو القرنين من بناء السد: قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، أي هذا السد رحمة من ربي عليكم. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي يقول: إذا جاء أجل ربي، جَعَلَهُ دَكَّاءَ يعني كسراً. قرأ أهل الكوفة دَكَّاءَ بالمد، وقرأ الباقون بالتنوين قال القتبي: جَعَلَهُ دَكًّا أي ألصقه بالأرض. وقرأ الباقون بالتنوين دَكّاً إذا لم يكن لها سنام. وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، أي صدقاً وكائناً بخروجهم. ثمّ قال: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، أي يجول في بعض وراء السد، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال أبو عبيدة: تنفخ الأرواح في الصور، وقال عامة المفسرين: يعني: ينفخ إسرافيل في الصور، وهذا موافق لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ

стр. 935

وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَهُ وحنا جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ وَيَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ» ؟ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً، أي يوم القيامة نجمع يأجوج ومأجوج وجميع الخلق. وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، أي: كشفنا الغطاء عنها قبل دخولهم جهنم. لِلْكافِرِينَ عَرْضاً، أي: كشفاً ويكون المصدر لتأكيد الكلام. ثم نعت الكافرين فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ، أي أعين الكافرين فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي، أي في عمى عن التوحيد والقرآن فلم يؤمنوا. وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي استماعاً إلى النبيّ ﷺ من بغضه وعداوته. قوله تعالى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ، يعني: أن يعبدوا غيري، ومعناه: لا يحسبن الكافرون بأن يتخذوا أولياء يعبدون معي شيئاً، لأن المشركين كانوا يدعون بعض المؤمنين إلى الشرك، وهذا كقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] ، ويقال: ومعناه أفيظن الذين كفروا أن يعبدوا عبادي، يعني: الملائكة وعزيراً والمسيح، مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ يعني: أرباباً؟ ومعناه: يظنون أنهم لو اتخذوهم أرباباً تنفعهم عبادتهم ويفوتون من عذابي. ثم بيّن عذابهم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا، أي منزلاً. روي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بجزم السين وضم الباء ومعناه: أيكفيهم مني ومن طاعتي أن يتخذوا عبادى من دوني أولياء فحسبهم جهنم إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا أي منزلا. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٨] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) وقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، يعني: الخاسرين أعمالهم، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أي بطلت أعمالهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي: يظنون أنهم يفعلون فعلاً حسناً. قال علي بن أبي طالب: «هم الخوارج» وهكذا روي عن أبي أمامة الباهلي، وروي عن سلمان الفارسي أنه قال: «هم رهبان النصارى أهل الصوامع» ، وهكذا قال مقاتل. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، أي بمحمد ﷺ والقرآن وَلِقائِهِ، أي البعث بعد الموت. فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، أي بطلت حسناتهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي لا توزن أعمالهم مثقال ذرة، ويقال: لا نقيم لأعمالهم ميزاناً. ذلِكَ جَزاؤُهُمْ، أي هكذا عقوبتهم. جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي، أي القرآن ومحمداً ﷺ هُزُواً، أي استهزاء.

стр. 936

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، أي منزلاً. وقال مقاتل: الْفِرْدَوْسِ بلغة الروم البساتين عليها الحيطان، وقال السدي: الأعناب بالنبطية. وروى الحسن، عن سمرة بن جندب قال: «الفردوس ربوة خضراء من الجنة هي أعلاها وأحسنها» . وقال الكلبي: جنات الفردوس من أدنى الجنان منزلاً. وروى أبو أمامة الباهلي قال: «الفردوس سرة الجنة» ، أي أوسطها. خالِدِينَ فِيها، أي دائمين فيها. لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، أي تحولاً رضوا بها وبثوابها. وقال بعض المفسرين: تمام النعمة أنهم لا يتمنون التحول لأنهم لو تمنوا التحول عنها لتنغّص النعم عليهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠] قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي وذلك أن اليهود قالوا: يزعم محمد أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً، ثم يزعم ويقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] فكيف نوافق الخير الكثير مع العلم القليل؟ فنزل: قل يا محمد: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي يكتب به، لَنَفِدَ الْبَحْرُ وتكسرت الأقلام، قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أي لا تنفد كلمات ربي. كما قال في آية أخرى: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] . وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، أي بمثل البحر. وقرأ بعضهم: وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً. وقراءة العامة مَدَداً ومعناهما واحد وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] وهو قليل عند علم الله تعالى. قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، أي من يخاف البعث بعد الموت. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، أي: خالصاً فيما بينه وبين الله تعالى، وَلا يُشْرِكْ أي لا يخلط ولا يرائي بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً. وقال سعيد بن جبير فَمَنْ كانَ يَرْجُوا، أي من كان يرجو ثواب ربه. وروي عن مجاهد: أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ وقال: إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله، وأحب أن يقال لي خيراً. فنزل: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً. قرأ حمزة والكسائي وابن عامر في إحدى الروايتين أن يَنفَدُ بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل إذا كان مقدماً على الاسم يجوز التأنيث والتذكير. قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمران قال: حدثنا أبو شهاب، قال: حدّثنا غنام بن يوسف، قال: حدثنا أبو عبد الله المديني، عن مخلد بن عبد الواحد، عن الخليل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زر بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ

стр. 937

قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فَهُوَ مَعْصُومٌ ثَمَانِيَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ فِي تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ أيَّامٍ، عَصَمَهُ الله مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمَنْ قَرَأ الآيةَ الَّتِي فِي آخِرِهَا قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إلى الخاتِمَةِ حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ فِي مَضْجعِهِ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذلك النور ملائكة يصلون عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَضْجَعِهِ. وَإنْ كَانَ مَضْجعُهُ بمكّة فتلاها، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ مِنْ مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذلكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ» . إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأخبار والآثار. وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار، آمين آمين آمين، والحمد للَّهِ رَبّ العالمين.

стр. 938

سورة مريم مكية وهي تسعون وثمان آيات [سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) قوله : كهيعص قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: بنصب الهاء والياء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي: بكسر الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء ونصب الياء، وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء، وقرأ نافع بين الكسر والفتح، وهو اختيار أبي عبيدة، ومعنى هذا كله واحد. قال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله: كهيعص، قال: «الكاف: فالله كاف لخلقه، والهاء: فالله الهادي لخلقه، وأما الياء: فيد الله مبسوطة على خلقه بالرزق لهم والعطف عليهم، وأما العين: فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم، وأما الصاد: فالله تعالى صادق بوعده» «١» . وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «هو اسم الله الأعظم» ، وروي عنه أنه قال: «هو قسم أقسم الله تعالى بكهيعص» ، ويقال: هي حروف تدل على ابتداء السور نحو الر والمر وغيرهما. ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، معناه على طريق ابن عباس: «باسم الله الكافي الهادي العالم الصادق» ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بالرحمة. ومن قال إنه قسم، فمعناه: ورب كهيعص إنه ذكر عبده زكريا بالرحمة. ومن قال: هو ابتداء السورة، فمعناه: اقرأ كهيعص. ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ومعناه: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، لأن ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، وهو زكريا بن ماثان إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، يقول: دعا ربه نداء خفيا، يقول:

стр. 939

أخفاه وأسره من قومه، ويقال: دعا ربه دعاء سراً، لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة، ويقال: دعا ربه نداءً خفياً يعني: خالصاً. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، أي ضعف عظمي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يعني: أخذ في الرأس شيباً وبياضاً. شَيْباً صار نصباً بالتمييز، والمعنى: اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جداً: قد اشتعل رأس فلان بالشيب. ثم قال: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، يعني: لم تكن تخيب دعائي عندك إذا دعوتك. ثمّ قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، يعني: خشيت، ويقال: يعني: الورثة، ويقال: بنو العم، ويقال: العصبة من ورائي، يعني: من بعد موتي، خاف أن يَرِثَهُ غير الولد. وروي عن قتادة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يَرْحَمُ الله تَعَالَى زَكَرِيَّا وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ» «١» . وروي عن سعيد بن العاص أنه قال: أملى علي عثمان ﵁ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء، ويقال: يعني: ذهبت الموالي. وقال أبو عبيدة: لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها. ثم قال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، يعني: عقيماً لم تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يعني: ولداً. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. وقال عكرمة: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وهكذا قال الضحاك. وقال بعضهم: يَرِثُنِي يعني: علمي وسنتي، لأن الأنبياء ﵈ لا يورثون مالاً. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» . وروى أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دَرَاهِمَ وَلا دَنَانِيرَ، وَإنَّمَا وَرَّثُوا هذا العِلْمَ» ويقال: لأنه رأى من الفتن وغلبة أهل الكفر، فيخاف على إفساد مواليه إن لم يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة. قرأ أبو عمرو والكسائي: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر، أي أنك إذا وهبت لي ولياً يرثني، وقرأ الباقون: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بالضم. وقال أبو عبيدة: وهذا أحب إلي. قال: معناه هب لي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة وغيرهم، فيقول: هب لي الذي يكون ورائي وارث النبوة. ثم قال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يعني: صالحاً زكياً. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١٠] يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى، يعني: أوحى الله تعالى وأرسل إليه

стр. 940

جبريل، وأن جبريل ﵇ أدى إليه الرسالة من الله . قال الله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ وقد بيَّن ذلك في سورة آل عمران فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [آل عمران: ٣٩] . ثم قال: هنا: بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، يعني: لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً يسمى يحيى، ويقال: لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم، ويقال: لم يكن بذلك الاسم في زمانه أحد، وإنما سمي يحيى: لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها. ويقال: لأنه حي به المجالس، ويقال: لأنه حيي به عقر أمه، ويقال لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي نظيراً ومثالاً. قرأ حمزة نبشرك بنصب النون وجزم الباء وضم الشين بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين نُبَشِّرُكَ. فقال زكريا عند ذلك لجبريل ﵇: قالَ رَبِّ، يقول: يا سيدي أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟ ويقال: إنما قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى، فقال: يا رب من أين يكون لي ولد؟ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً من الولد، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، يقول: تحول العظم مني يابساً، ومنه يقال: قلب عات، إذا كان قاسي القلب غير لين، ويقال لكل شيء انتهى: فقد عتى. ولم يكن زكريا شاكّاً في بشارة الله ، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون. قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي عِتِيًّا بكسر العين وكذلك صِلِيًّا وجِثِيًّا وَبُكِيًّا إلا أن عاصماً خالفهما في بُكِيًّا، وقرأ الباقون كلها بالضم، وكان أبو عبيدة اختار الضم، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي ﵁. قالَ جبريل لزكريا كَذلِكَ، يعني: هكذا كما قلت إنك قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يعني: كما قلت إنك قَدْ بلغت من الكبر عتيا ولكن الله قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل يحيى وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قرأ حمزة والكسائي وَقَدْ خلقناك بالنون مقدمة والألف مؤخره، وقرأ الباقون خَلَقْتُكَ وهو اختيار أبي عبيدة. قال زكريا ﵇: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً في الولد. روى أسباط، عن السدي قال: لما بشر زكريا ﵇ جاءه الشيطان عليه اللعنة فقال: إن هذا النداء الذي نوديت ليس من الله ، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله ، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك، ف قالَ عند ذلك: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أعلم بها أن هذا النداء منك. قالَ الله تعالى له: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي: علامتك أن لا تستطيع أن تُكَلِّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ وأنت صحيح سليم من غير خرس ولا مرض. ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووضع الولد في رحمها، فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس.

стр. 941

[سورة مريم (١٩) : الآيات ١١ الى ١٥] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ، يعني: من المسجد. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ، يعني: أشار وأومأ إليهم، ويقال: كتب كتاباً وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به. أَنْ سَبِّحُوا، يعني: صلوا لله تعالى بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: غدوة وعشياً. فعرف عند ذلك أنه آية الولد. قوله : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: أوحى الله تعالى إليه أن: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: بجد ومواظبة وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: أجرينا الحكم على لسانه في حال صغره، وذلك أنه مرّ بصبيان يلعبون، فقالوا له: تعال حتى نلعب. فقال لهم: ما للعب خلقنا. ويقال: خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، أي بجدّ وعون من الله تعالى، ويقال بكثرة الدرس. آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: النبوة والفقه والخير كله في صغره وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا، يعني: آتيناه رحمة من عندنا، وأصله: من حنين الناقة على ولدها وَزَكاةً، يعني: وصدقة منا، ويقال: التطهير، ويقال: صلاحاً في دينه. وقال سعيد بن جبير: الزكاة التزكية. وَكانَ تَقِيًّا، يعني: مطيعاً لربه، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، يعني: مطيعاً لهما ولا يعصيهما. وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ، يعني: لم يكن قتّالاً، والجبار الذي يقتل على الغضب، ويضرب على الغضب عَصِيًّا ، يعني: لم يكن عصياً لربه، والعصيّ والعاصي واحد. قوله : وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي السلام من الله والسعادة تناله يَوْمَ وُلِدَ ، أي حين ولد وَيَوْمَ يَمُوتُ ، يعني: حين يموت وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ، أي: حين يبعث حياً. وروى قتادة عن الحسن أن يحيى ﵇ قال لعيسى ﵇ حين التقيا: أنت خير مني. فقال عيسى صلوات الله عليه: بل أنت خير مني، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: «ما من الناس أحد إلا وهو يلقى الله يوم القيامة وهو ذو ذنب إلا يحيى بن زكريا ﵉» وروي عن الحسن، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما أَذْنَبَ يحيى ولا هم بامرأة» «١» . [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٢١] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١)

стр. 942

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، يعني: اذكر في القرآن خبر مريم، ومعناه: اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم إِذِ انْتَبَذَتْ يعني: اعتزلت وتنحت مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، يعني: مشرقة الشمس في دار أهلها. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، يعني: ضربت وأرخت من دونهم ستراً. فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، يعني: بعثنا إليها جبريل ﵇ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، يعني: تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلقة فدنا منها، فأنكرت مريم مكان الرجل. وقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، يعني: إن كنت مطيعاً لله . وإنما قالت: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، لأن التقي إذا وعظ بالله اتعظ وخاف، والفاسق يخوف بالسلطان، والمنافق يخوف بالناس، فالتقيّ يخوف بالله. ويقال: في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً قالَ لها جبريل ﵇: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ، يعني: ولداً صالحاً. قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين ليهب لَكَ بالياء، وقرأ الباقون لِأَهَبَ لَكِ بالألف. فمن قرأ لِيَهَبَ، فمعناه: ليهب الله تعالى لك. ومن قرأ لِأَهَبَ لَكِ يكون فيه مضمر، ومعناه: إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ فقال: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا يعني: قال ربك، وهذا اختيار أبي عبيدة، وهو موافق لخط المصاحف. قالَتْ مريم لجبريل ﵇: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، يعني: لم يقربني زوج، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يعني: لم أك فاجرة. قالَ لها جبريل ﵇: كَذلِكِ، يعني: هكذا كما قلت. قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يعني: عبرة للناس، يعني: لبني إسرائيل، وَرَحْمَةً مِنَّا يعني: ونعمة منا. وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا، يعني: قضاء كائناً. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٦] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) ثم قال : فَحَمَلَتْهُ، يعني: حملت مريم بعيسى ﵇. وقال وهب بن منبه: إن مريم حملت بعيسى ﵇ تسعة أشهر، وقال بعضهم: ثمانية أشهر، فتلك آية، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر. وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال: «ما هي إلا أن حملت ثم وضعت» ، وقال مقاتل: حملت في ساعة ووضعت في ساعة. فَانْتَبَذَتْ بِهِ

стр. 943

مَكاناً قَصِيًّا ، يعني: انفردت بولادتها مكاناً بعيداً. قال القتبي: القصيُّ أشد بعداً من القاصي. ثم قال: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ، يعني: جاء بها وألجأها المخاض، يعني: الطلق بولادة عيسى ﵇ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أي: أصل النخلة قال ابن عباس: النخلة اليابسة في شدة الشتا، يعني: الطلق. قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا، يعني: شيئاً متروكاً لم أذكر، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ. وقال قتادة: يعني، لا أعرف ولا أدري من أنا. وقال عكرمة: يعني: جيفة ملقاة، وهكذا قال الضحاك. وقال ربيعة بن أنس: يعني سقطاً. قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص نَسْياً بنصب النون والباقون نَسِيّاً بكسر النون، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرؤها، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها، وعليها أهل الحرمين والبصرة. ثم قال : فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص مِنْ تَحْتِها بكسر الميم، يعني: الملك، وهكذا قرأ مجاهد والحسن، وقرأ الباقون مِنْ تَحْتِها بالنصب يعني به عيسى ﵇ وقال أبو عبيد: بالأولى نقرأ يعني: بالكسر، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ، لأنه إذا قال: مِنْ تَحْتِها بالكسر فقد احتمل أن يكون الملك، ويكون عيسى. وإذا قرأ مِنْ تَحْتِها فإنما هو عيسى خاصة. أَلَّا تَحْزَنِي بولادة عيسى ومكان الحدث، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا يعني: نهراً صغيراً بحبال ويقال: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، أي بيتاً، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال: هو الجدول. ألا ترى أنه قال: فَكُلِي وَاشْرَبِي. قال مجاهد: السريّ بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: بالنبطية. ثم قال : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول: حركي أصل النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، يعني: غضاً طرياً. قرأ حمزة تُساقِطْ بنصب التاء وتخفيف السين، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء: ٤٢] وأصله تتسوى، وكقوله تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [البقرة: ٨٥] ، وكقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: ٢٥] وقرأ عاصم في رواية حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني: أن النخلة تساقط عليك، وقرأ الباقون بنصب التاء وتشديد السين ونصب القاف، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت. وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ يُسَاقِط بالياء يعني: أن الجذع يساقط عليك، وقرأ بعضهم: نُسَاقِطُ بالنون ومعناه: ونحن نساقط عليك، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فجعل الله لها رأساً، وأنبت فيها رطبا، فذلك قوله : تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي غضاً طرياً. قيل لها: فَكُلِي من الرطب، وَاشْرَبِي من النهر، وَقَرِّي عَيْناً يعني: طيبي نفساً بولادة عيسى ﵇. وقال الربيع بن خيثم: «ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب، ولا للمريض إلا العسل» .

стр. 944

ثم قال : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، يعني: إن رأيت أحداً من الناس، فَقُولِي إن سألك سائل شيئاً فقولي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، يعني: صمتاً. وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إِنّى نَذَرْتُ للرّحمن صمتا. فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٣] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ثمّ قال: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ وذلك أن مريم حملت عيسى ﵇ ودخلت على أهلها، وكان أهلها أهل بيت صالحين. قالُوا أي قال لها قومها: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا، يعني: أتيت وفعلت أمراً منكرا عظيما، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك. قوله : يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: هارون بن ماثان، وكان من أمثل بني إسرائيل يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: يا شبه هارون في الصلاة والصلاح، ويقال: كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون، ويقال: كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها، وذكر أن أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة؟ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ» ﵈ يعني: أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي ﵇. ثم قال: مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، يعني: زانياً وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، يعني: فاجرة. قوله : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ، يعني: أشارت إلى عيسى ﵇ أن كلموه، يعني: كلموا عيسى. قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟ يعني: من هو في الحجر رضيع. ويقال: معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد؟ ويقال: معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبياً؟ فأنطق الله عيسى، فتكلم وقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، فأول الكلام الذي تكلم به هو ردّ على النصارى، لأنه أقر بأنه عبد الله ورسوله. ثم قال: آتانِيَ الْكِتابَ روي عن ابن عباس أنه قال: «معناه علمني الكتاب في بطن أمي» ، ويقال: معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبياً، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً يعني: جعلني معلماً للخلق أَيْنَ ما كُنْتُ، يعني: حيث ما كنت، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ

стр. 945

يعني: أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي، يعني: جعلني رحيماً بوالدتي، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا يعني: لم يخذلني حتى صرت به جباراً عصياً. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يعني: السلام عليّ من الله يَوْمَ وُلِدْتُ يعني: حين ولدت، وَيَوْمَ أَمُوتُ يعني: حين أموت، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يعني: أبعث يوم القيامة. فكلمهم بهذا ثمّ سكت، فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٦] ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) ثم قال : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أي ذلك الذي قال: إني عبد الله، هو عيسى ابن مريم ﵇، لا كما يقول النصارى إنه إله. قَوْلَ الْحَقِّ، يعني: خبر الصدق. قرأ عاصم وابن عامر قَوْلَ الْحَقِّ بنصب اللام، وقرأ الباقون بالضم. فمن قرأ بالنصب فمعناه: أقول قول الحق، ومن قرأ بالضم معناه: وهو قول الحق. الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، يعني: يشكون في عيسى ﵇ ويختلفون فيما بينهم. ثم كذبهم في قولهم، فقال : مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، يعني: عيسى. ثم نزه نفسه عن الولد فقال: سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً يعني: إذا أراد أن يخلق خلقاً مثل عيسى، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بنصب النون، وقرأ الباقون بالضم، وقرأ بعضهم: تَمْتَرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة، وقراءة العامة بالياء، لأنها ليست فيها مخاطبة. ثم قال: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وَإِنَّ اللَّهَ بنصب الألف رَبُّكُمْ بالنصب على معنى البناء، وقرأ والباقون وَإِنَّ اللَّهَ بالكسر على معنى الابتداء وهي قراءة أبي عبيدة. وفي قراءة أبيّ إِنَّ اللَّهَ بغير واو فتكون قراءته شاهدة على الكسر. ثم قال: فَاعْبُدُوهُ، يعني: وحدوه وأطيعوه. هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، يعني: هذا الإسلام طريق مستقيم. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٣٩) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، يعني: الكفار من أهل النصارى مِنْ بَيْنِهِمْ يعني: بينهم في عيسى ﵇ وتفرقوا ثلاث فرق: قالت النسطورية: عيسى ابن الله، واليعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح، والملكانية قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. فَوَيْلٌ، يعني: شدة من

стр. 946

العذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، يعني: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة، بأن عيسى لم يكن الله ولا ولده ولا شريكه، ويقال: ويل صخرة في جهنم. قال : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني: أعلمهم وأسمعهم. وأبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنا يعني: يوم القيامة بأن عيسى لم يكن الله، ولا ولده، ولا شريكه، لكِنِ الظَّالِمُونَ يعني: المشركون. الْيَوْمَ، يعني: في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، يعني: في خطإ بين لا يسمعون الهدى ولا يبصرون ولا يرغبون فيه. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، يقول: خوفهم يا محمد بهول يوم القيامة، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ يعني: فرغ من الأمر، إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَدَخَلَ أهْلُ النَّارِ النار، وهو يوم الندامة. وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يعني: هم في الدنيا في غفلة عن تلك الندامة والحسرة. وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون بالبعث. قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الزهري، عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «يَؤْتَى بِالمَوْتِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيطلعُونَ. وَيُقَالُ: يا أهْلَ النَّارِ، فيطلعونَ. فيقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم يَا رَبَّنَا، هَذا المَوْتُ. قال: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ على الصَّرَاطِ، ثم يقالُ: للفريقينِ. خُلُودٌ لا مَوْتَ فِيهَا أبداً» . وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ نحوه، فذلك قوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ الآية. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٠ الى ٤٧] إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، يعني: نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ في الآخرة. قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، يعني: خبر إبراهيم. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً. وقال الزجاج: الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله وأنبيائه ﵈ وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام: يا أَبَتِ

стр. 947

لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ دعاءك وَلا يُبْصِرُ عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ من عذاب الله شَيْئاً قرأ ابن عامر: يَا أَبَتِ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده. والعرب تقول في النداء: يا أبت ولا تقول يا أبتي. ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من الله من البيان، مَا لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير الله ، عذبه الله في الآخرة بالنار. فَاتَّبِعْنِي، يعني: أطعني فيما أدعوك، ويقال: اتبع دين الله أَهْدِكَ، يعني: أرشدك صِراطاً سَوِيًّا، يعني: طريقاً عدلاً قائماً ترضاه. ثم قال: يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يعني: لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده. إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يعني: عاصياً. ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ، يعني: أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني: إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب. مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يعني: قريناً في النار. قالَ له أبوه: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يعني: أتارك أنت عبادة آلهتي؟ يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، يقول: إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك. وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا، فإن هاهنا أراد به السبُّ والشتم. وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، يعني: تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني وقال السدي: مَلِيًّا تعني أبداً، وقال قتادة: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني: تباعد عني سالماً، ويقال: لا تُكلِّمني دهراً طويلاً. قالَ إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، يعني: أكرمك الله بالهدى، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، يعني: سأدعو لك ربي. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، يعني: باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال: تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال: حَفِيًّا يعني: عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً، وكان يرجو أن يهديه الله ، فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) قوله : وَأَعْتَزِلُكُمْ، يعني: وأترككم وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: وأترك عبادة ما تعبدون من دون الله ، وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا يعني: لا يخيبني إذا دعوته، ثم هاجر إلى بيت المقدس. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، يعني: أكرمناه بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب ﵉. وقال بعض الحكماء: من هاجر لطلب رضاء الله ، أكرمه الله في

стр. 948

الدنيا والآخرة، كما أن إبراهيم ﵇ هاجر من قومه في طلب رضى الله تعالى عنه، فأكرمه الله تعالى بإسحاق ويعقوب ﵉ والثناء العمل الصالح. ثم قال تعالى: وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا، يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ أكرمناهم بالنبوة، وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يعني: من نعمتنا المال والولد في الدنيا، كما قال النبيّ ﷺ : «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح» . وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا، يعني: أكرمناهم بالثناء الحسن، وكل أهل دين يتولّون دين إبراهيم ﵇ بزعمهم. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٣] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) قوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً، يعني: أخلصه الله ، ويقال: مُخْلَصاً يعني: جعله الله مختاراً خالصاً. قرأ حمزة والكسائي وعاصم بنصب اللام يعني: أخلصه الله ويقال: معصوما من الكفر والمعاصي. وقرأ الباقون مُخْلَصاً بالكسر يعني: مخلصاً في العمل. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا إلى بني إسرائيل، وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، يعني: من يمين موسى ﵇ ولم يكن للجبل يمين ولا شمال وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا، أي كلمناه بلا وحي. وقال الكلبي: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا يعني: وقربناه حتى سمع صرير القلم في اللوح، وقال السدي: أدخل في السماء الدنيا وكلم، وقال الزجاج: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا مناجيا حتى سمع. ثم قال : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أي: من نعمتنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا، فكان هارون ﵇ معه وزيرا نبيا معينا. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٤ الى ٥٥] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ، يعني: اذكر في القرآن خبر إسماعيل. إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، إذا وعد أنجز. قال مقاتل: إن إسماعيل وعد رجلاً أنْ ينتظره، فقام مكانه ثلاثة أيام للميعاد، حتى رجع الرجل إليه. وقال في رواية الكلبي: كان ميعادُه الذي وعد فيه صاحبه انتظره حتى حال الحول، وقال مجاهد: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ يعني: لم يعد شيئاً إلا وفى به. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا، يعني: كانَ رَسُولًا إلى قومه، نَبِيًّا يُخبر عن الله . وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ، يعني: أهل دينه وقومه بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، يعني: بإتمام الصلاة وإيتاء الزكاة. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا، يعني: صالحاً ذكياً. [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)

стр. 949

قوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، يعني: خبر إدريس ﵇. إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله ، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: «إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ، ويقال: إلياس» . وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة. وقال مجاهد: يعني: في السماء الرابعة. قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب: «إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين. فأتاه ملك من الملائكة ﵈ يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له: هل لك من حاجة؟ قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً. فقال له: ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء. قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال: لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ ساعات، وقال: أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله: رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا. وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن إدريس جد أبي نوح» وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، فأذن له. قال: فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس، إني أحب أن أصحبك وأكون معك. فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك. قال: أنا أرجو أن يقويني الله على ذلك، فكان معه يصحبه. وكان إدريس ﵇ يسيح النهار كله وهو صائم، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه، ثم يحيي الليل كله. فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال: لا الله الذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة. وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس ﵇ يتعجب منه، ثم أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس. ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب، فقال: يا

стр. 950

إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا. فقال إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن. قال: فمضيا حتى مرا على غنم فقال: يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، فقال له إدريس: إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا، فلو كنت آدمياً لطعمت، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟ فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم. قال: أخبرني من أنت؟ قال: أنا ملك الموت. ففزع إدريس ﵇ حين قال أنا ملك الموت. قال: فإني أسألك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أن تذيقني الموت- فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا «١» -. قال ملك الموت ﵇: مالي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فأوحى الله إلَى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله. قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدة، فلقد كان أشد مما بلغني عنه. قال: فإني أسألك حاجة أُخرى. قال: ما هي؟ قال: أحب أن تُريني النار. قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت. فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل: من هذا؟ فقال: ملك الموت. فقال: مرحباً بأمين الله ، فهل أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس ﵇ سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه. ففتح باب منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه. فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك. قال: فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها. قال: ما هي؟ قال: أحب أن تريني الجنة. قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت. فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟ فقال: أنا ملك الموت. فقالوا: مرحباً بأمين الله ، هل أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه. قال: ففتح له الباب، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج. فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله هو الذي يخرجني. فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا. فأبى عليه، فقيض الله له ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال: نعم. قال الملك: ما
следующие страницы →