← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: خطب رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله يوشك أن يغضب الله تعالى لكتابه، فيسرى عليه ليلا لا يترك في قلب ولا رق منه حرف إلا ذهب به، فقيل يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال من أراد الله تعالى به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال يسرى على كتاب الله فيرتفع إلى السماء فلا يبقى في الأرض آية من القرآن ولا من التوراة ولا من الإنجيل والزبور، فينزع من قلوب الرجال، فيصبحون في الضلال لا يدرون ما هم فيه. والسرى المشي آخر الليل، ومعنى يسرّى أي يرسل الله تعالى في آخر الليل ما به يرفع القرآن من صدور الناس، بدليل قوله فيصبحون في الضلال إلخ الحديث. هذا، وقدمنا في المقدمة بحثا يتعلق بحفظ القرآن وتهديد من ينساه فراجعه فلعل فيه إيماء إلى هذا. ولما قال النضر وأضرابه من مشركي مكة عند سماعهم تلاوة القرآن من سيدهم سيد ولد عدنان لو نشاء لقلنا مثل ما يقول محمد يعنون به القرآن، وقد أخبر الله نبيه بذلك بقوله جل قوله: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) الآية ٣١ من الأنفال في ج ٣، وهذه آية مكية مستثناة من سورتها المدنية أكذبهم الله تعالى بقوله «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء الأفاكين المتهورين «لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ» المنزل عليك من لدنّا «لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ» أبدا ولا يقدرون على ذلك البتة «وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» ٨٨ معاونا ومؤازرا في إرادة الإتيان بمثله، لأنه لا يشبه كلام الخلق وهو في أعلى طبقات البلاغة معجزا في نظمه معجزا في تأليفه، فضلا عن إعجازه بالإخبار عن الغيوب مما كون الله تعالى وأظهره للناس، ومما لم يظهره بعد. ولهذا البحث صلة في الآية ٧٨ من سورة يونس والآية ١٣ من سورة هود في ج ٢ والآية ٢٤ من سورة البقرة في ج ٣. وجملة لا يأتون جواب القسم الذي ينبىء عنه اللام الموطئة له، وسادّ مسدّ جزاء الشرط، ولو لاها لكان لا يأتون جزاء الشرط، وان كان مرفوعا بناء على القول بأن فعل الشرط إذا كان ماضيا جاز الرفع في الجواب، كما في قول زهير: وإن أتاه قليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم

стр. 1052

وقيل لا يأتون جواب قسم محذوف ولولا اللام الموطئة للقسم لجاز أن يكون جوابا للشرط كما في البيت. على أن أداة الشرط إذا لم تؤثر في الشرط ظاهرا مع قربه جاز أن لا تؤثر في الجواب مع بعده. قال تعالى «وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ» وكرّرنا فيه من العبر والوعد والوعيد والأحكام والقصص والأخبار والمعاني البديعة والأمور الغريبة والقضايا الغيبية، وجعلناه معجزة دائمة لا تنقطع إلا عند قرب خراب هذا الكون ليؤمنوا به «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً» ٨٩ به وإباء عن قبوله ونفورا منه، وهذا أبلغ من إبائهم في عدم الإيمان به لاحتماله هذا المعنى وزيادة أنهم لم يرضوا بخصلة ما سوى الكفر به «وَقالُوا» عند ظهور عجزهم عن الإتيان بمثله، متعللين بما لا تقتضي الحكمة وقوعه ومما هو محال عقلا «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ» في هذا القرآن ولا في غيره من الآيات «حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» ٩٠ عينا غزيرة من الماء نستقي منها كلنا وأنعامنا ودوابنا ونزرع عليها، وعلى أن تكون عين هذا الماء من أراضيهم المقيمين بها لأنها قليلة الماء «أَوْ تَكُونَ لَكَ» إذا لم تأتنا بذلك الماء «جَنَّةٌ» مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها» ٩١ كثيرا بين تلك الجنة هائلا، وهذا على وجه الخصوص له كالتي بعدها خلافا للطلب الأول، لأنه على وجه العموم إلا أن الاقتراح الأول لهم والثاني له، ولكن وجود أو يبعد هذا المراد «أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ» ونسبت إلى ربك بما تلوته عنه وهو (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) الآية ١٩ من سورة سبأ في ج ٢، وهذا يدل على أن هذه الآية نزلت قبل سورتها، بأن تصبها «عَلَيْنا كِسَفاً» قطعا متفرقة عظيمة «أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» يقابلونا فنراهم عيانا بأم أعيننا ويشهدون لك بصدق دعوتك، إذ ادعيت أنهم واسطة بينك وبين ربك الذي ادعيت رسالته «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ» مزين مرصّع بالذهب والفضة والأحجار الكريمة «أَوْ» تأتي لنا بآية ملجئة لنا على الإيمان قاسرة لا نستطيع ردّها، وهي بأن «تَرْقى فِي السَّماءِ» على مرأى منا «وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ» بأن تصعد إليها فقط، لأنا لا نصدّق ذلك ولا نعترف

стр. 1053

لك به ولو رأيناك عيانا تصعد إليها لانه قد يكون صوريا بما تخيله علينا وتسحرنا به فتزيغ أعيننا عن أن نرى الحقيقة في ذلك، بل نبقى منكرين جاحدين رقيّك «حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا» من السماء معك «كِتاباً نَقْرَؤُهُ» بلغتنا، ونرى فيه ما يدلّ على نبوتك، وإذا لم يكن كذلك فلا نؤمن لك أيضا بمجرد كتاب تأتينا به، لأنك قد تموّه علينا بما ليس بشيء وتسميه كتابا، واعلم أن السماء كل ما علاك فأظلك ويطلق على كل مرتفع، قال الشاعر: وقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر وهم لا يريدون هذا وإنما يريدون السماء الحقيقية التي ذكرها لهم في سورة ق المارة في الآية ٦ وهي قوله تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ) والتي أخبرهم بأنه عرج إليها ووصف لهم ما فيها كما مر أوائل هذه السورة، فيما أكرم الخلق «قُلْ» لهؤلاء الحمقى «سُبْحانَ رَبِّي» أنزهه عما لا يليق بقدسيته عن هذه المقترحات المستحيلات واستغفره عن طلب شيء منها، لأنه إذا كان على سبيل الفرض طلب تفجير الأرض بالأنهار أو تخصيص الجنة أو البيت المزخرف أو اجراء الأنهار بينها ممكنا فلا يمكن طلب إسقاط السماء قطعا متفرقة ولا مجتمعة، ولا الإتيان بالخالق، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولا الإتيان بالملائكة الآن، وإن كان هذا قد يقع يوم القيامة حقا لا مرية فيه بأمر الله تعالى وقدرته فقط كما جاء في الآيات المارة في سورة الفجر وفي غيرها من السور المارة والآتية، أما أنا فإني إنسان مثلكم عاجز عما يعجز عنه مثلي وما تظنون بي «هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً» أفعل ما يفعله البشر وأعجز عما يعجز عنه وإنما خصّني ربي بأن أكون «رَسُولًا» ٩٣ إليكم أبلغكم آياته فآمركم بالخير وأنها كم عن الشر، وجعلني من بينكم تعرفون حسبي ونسبي، كما خصّ الله الأنبياء قبلي واختارهم من أقوامهم، وإن ما اقترحتموه خارج عن طوق البشر والرسل منهم الإتيان به من عند أنفسهم، إلا ما شاء الله أن يظهره على يدي من المعجزات كأمثال الرسل السابقين، وإن إتيان المعجزات بيد الله تعالى إن شاء أوقعها على أيدي رسله، وإن شاء منعها. وسبب نزول هذه الآيات أن مشركي قريش استدعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 1054

وقالوا له إذا كنت تريد أن نؤمن بك ونصدقك ونجيب دعوتك فأتنا بكذا إلخ، اقتراحاتهم المذكورة المنطوية على العناد والمنفطرة عن العتوّ، وكان منهم من اقترح ما مر ذكره في الآيات ٧ و ٨ و ٢٠ و ٢١ من سورة الفرقان المارة، فلما رأى أباطيل أقوالهم هذه تركهم وقام، فتبعه عبد الله ابن أمية المتصدر لهذه المفترحات فنزلت هذه الآيات فيه وفي قومه. وإنما نسب القول إليهم جميعا لأنهم أصغوا لمقترحاته هذه ورضوا بها وكلفوا النبي بالإجابة عنها، ولهذا جاء الكلام بلفظ الجمع. وخرج هذا سعيد بن منصور عن ابن جبير، وكان ذلك الخبيث عبد الله بن أمية كرر هذا الكلام على حضرة الرسول، وقال له إن قومك عرضوا عليك ما عرضوه من الاقتراحات فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك عند الله ربك فلم تقبل، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فو الله لا نؤمن بك أبدا ولو فعلت ما طلبناه منك ولا نصدقك أبدا، ثم انصرف. وقد أسف ﷺ لما رأى من مباعدتهم عن الإيمان بعد نزول هذه الآيات وإعراضهم عنها. هذا وما قيل إن الله تعالى أنزل على هؤلاء المقترحين الآيتين ٣٢/ ٣٣ من الرعد في ج ٣ وهما: (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) الآية (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) الآية فغير وجيه لأن سورة الرعد مدنية ولم يستثنى منها هاتان الآيتان ولا غيرهما، وما نحن فيه من الوقائع في مكة، وسنأتي على ما يتعلق فيها في محلها إن شاء الله في القسم المدني، قال تعالى «وَما مَنَعَ النَّاسَ» الذين حكيت أباطيلهم آنفا من «أَنْ يُؤْمِنُوا» بربهم ويصدقوا رسوله «إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى» على يديه أن يهتدوا بهديه ويسترشدوا برشده ويتوصلوا إلى معرفة توحيده ويؤمنوا به «إِلَّا أَنْ قالُوا» جهلا منهم وعنادا بمن أرسل إليهم على طريق السخرية والاستهزاء «أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا» ٩٤ إلينا مثلنا ألّا يبعث ملكا من الملائكة يدعونا إليه لنطيعه ونؤمن به، فيا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء الباغين «لَوْ كانَ» على سبيل الفرض والتقدير «فِي الْأَرْضِ» التي أنتم عليها «مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ» فيها مثلكم «مُطْمَئِنِّينَ» آمنين متوطنين كآحاد الناس ليس لهم أجنحة

стр. 1055

يطيرون بها إلى السماء فيسمعون ما يقع فيها ويعلمون ما يجب عليهم، وقد مست الحاجة لإرسال من يرشدهم «لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا» ٩٥ مثلهم من جنسهم ليميلوا إليه، لأن الجنس لا يميل إلا لجنسه وأنتم بشر فأرسلنا إليكم بشرا من جنسكم، لأن البشر أيضا لا يميل إلا لجنسه، فلا يميل إلى الملك، والملك لا يميل إلى البشر ولا يأتلف معه لذلك لم نرسل ملكا، وهذا لا ينافي بعثته ﷺ إلى الجن، لأنه متى صح فيه ﷺ المناسبة الصحيحة للاجتماع مع الملك والتلقي منه صح فيه المناسبة المصححة للاجتماع مع الجن والإلقاء إليهم، كيف وهو ﷺ نسخة الله الجامعة وآيته الكبرى الساطعة، فضلا عن أن الجنّ تشكلوا اليه ﵊ بهيئة البشر كما تشكل له رئيس الملائكة السيد جبريل ﵇ بصورة دحية الكلبي وبصورة اعرابي، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عمر ﵁ حينما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وامارات الساعة، فعلى هذا لو أنزل الله تعالى لهم ملكا وتشكل بهيئة البشر فلا يجد شيئا، لأنهم يرونه بشرا مثلهم ويقولون ما قالوا ولو جاءهم بصورته الحقيقية لما أطاقوا مقابلته، بل لصعقوا أو ماتوا لأن حضرة الرسول مع ما هو عليه من الكمال والتأييد من الله لم يطق مقابلة جبريل بصورته كما مر في الآية ١٨ من سورة والنجم المارة وفي الآية ٢٣ من سورة التكوير أيضا ومما يؤيد إرساله ﷺ إلى الجن قوله تعالى (لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) الآية الأولى من سورة الفرقان المارة وما سوى الله تعالى كله عالم وخبر مسلم، أرسلت إلى الخلق كافة والجن من الخلق راجع الآية الأولى من سورة الجن المارة فما بعدها، أما محبة الملائكة له ﷺ مع انه من غير جنسهم فإنما هي بإلقاء الله تعالى في قلوبهم واعلامهم بأنه ﷺ وسيلة لهم فيما يسألونه منه ﷻ ، ولما جاء في الحديث إذا أحب الله عبدا نادى جبريل فقال له إني أحب فلانا فأحبوه، فينادي جبريل في الملائكة إن الله يحب فلانا فأحبوه ويلقي له القبول في الأرض، فيا أكرم الرسل إن لم يصدق هؤلاء المعاندين الجاحدين رسالتك فأعرض عنهم الآن و «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» على أنه أرسلني إليكم وخصني من بينكم برسالته، وقد اختارني من الأزل

стр. 1056

لذلك وهو شهيد على أني قمت بما أمرني به حسبما أمرني، وعلى أن أبلغكم ما أرسلني به إليكم، وهو شهيد أيضا على أنكم كذبتموني فهو الحكم العدل «بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» على ذلك كله «إِنَّهُ كانَ» ولا يزال «بِعِبادِهِ خَبِيراً» بظواهر المرسل والمرسل إليهم «بَصِيراً» ٩٧ يبواطنهم وخوافي أمورهم، وانه يجازي كلا على عمله. قال تعالى تسلية لرسوله ﷺ واعلاما بأن ما كان مطابقا لإرادته أزلا سيكون في الواقع لا محالة، وهو «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ» بهدايته على يد من شاء من خلقه «وَمَنْ يُضْلِلْ» منهم فهو الضال مهما أراد الناس هدايته فلن يقدروا لهذا يقول الله تعالى «فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ» ينصرونهم علينا أو يقودونهم إلى الهدى «مِنْ دُونِهِ» أي الهادي الحقيقي بل يبقى ضالا على ضلاله حتى يموت. مطلب الحشر على الوجوه وبقاء عجب الذنب: «وَنَحْشُرُهُمْ» أي هؤلاء الظالمين «يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ» منكوسين حالة كونهم «عُمْياً» لا يبصرون «وَبُكْماً» لا يتكلمون «وَصُمًّا» لا يسمعون كما كانت حالتهم في الدنيا، أي كما أن لم ينتفعوا بحواسهم هذه في الدنيا لما فيه خيرهم لم ينتفعوا فيها في الآخرة أيضا راجع الآية ٢٤ من سورة الفرقان المارة، وهؤلاء الذين هذا وصفهم «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ» يصيرون إليها بعد الموقف حالة كونها مسعرة «كُلَّما خَبَتْ» هدأ لهيبها وولى سعيرها وخمدت شعلتها «زِدْناهُمْ سَعِيراً» ٩٨ وقودا ليزداد بلاؤهم فيها «ذلِكَ» حشرهم على الصورة المارة فاقدي منافع جوارحهم حالة ازدياد إيقاد النار لزيادة عذابهم «بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا» برسلنا وكفروا أيضا «بِآياتِنا» القرآنية والآفاقيّة الدالة على صحة الاعادة بعد الموت وعلى صدق الرسالة بذلك «وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً» ٩٩ تقدم تفسيرها في الآية ٤٩ المارة أي مستأنفين الحياة مرة ثانية كما كنا، وما قيل إن المعنى يخلق الله غيرهم يعبدونه ويعترفون بربوبيته على حد قوله تعالى: (يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) الآية الأخيرة من سورة محمد ج ٤، وقوله تعالى (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) الآية ١٧ من سورة فاطر المارة، لا يتجه هنا لأنه لا يلائم السياق كما لا يخفي على ذوي الأذواق، وآية فاطر

стр. 1057

هذه مكررة في الآية ١٩ من سورة إبراهيم والآية ١٣٢ من سورة الأنعام في ج ٢ لفظا ومعنى والآية ١٣٢ من سورة النساء في ج ٣، فرد الله تعالى عليهم بقوله «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» وهما أكبر وأعظم من خلقهم كما سيأتي بيانه في الآية ٥٧ من سورة المؤمن في ج ٢ «قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ» من الإنس الذين هم أضعف من ذلك «وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا» لا يتجاوزونه محققا «لا رَيْبَ فِيهِ» ولا ينبغي أن يشك فيه «فَأَبَى الظَّالِمُونَ» المتوغلون في الظلم «إِلَّا كُفُوراً» ١٠٠ وجحودا بتلك الآيات الواضحات وهؤلاء هم الذين سألوا الاقتراحات المار ذكرها ومن حذا حذوهم داخل معهم، ولا تعد هذه الآية مكررة بسبب اختلاف اللفظ عن الآية الأولى ٨٩ وقدمنا في الآية ١٣٧ من سورة طه ما يتعلق بحشر الأعمى فراجعه. هذا، وقد أخرج الشيخان عن أنس قال: قيل يا رسول الله كيف يحشر الله الناس على وجوههم؟ قال الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم. وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف مشاة على العادة وصنف ركبان وصنف على وجوههم إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك أو سحبا عليها قال تعالى (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ) الآية ٤٨ من سورة القمر المارة، ويشهد لهذا ما أخرجه أحمد والنسائي عن أبي ذر أنه تلا هذه الآية ونحشرهم إلخ، فقال حدثني الصادق المصدوق ﷺ أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أنواع: نوع طاعمين كاسين راكبين، ونوع يمشون ويسعون، ونوع تسحبهم الملائكة على وجوههم. وما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله ﷺ إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم. وليعلم أن هذه الآية في حال أهل النار بعد دخولهم فيها، وكذلك الأحاديث ولا تعارض هذه الآية قوله تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) الآية ٥٥ من النساء في ج ٣، لأن تبديلها يكون بإحراقها وإفنائها وخلق غيرها، لأنها إذا أحرقت وبقيت لا يحسون بألم العذاب والله تعالى يقول (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) فوافقت هذه الآية قوله تعالى هنا (كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) الآية المارة في المعنى

стр. 1058

واعلم أن الله تعالى يعدم هذه الذرات بالكلية ثم يعيدها نفسها كما كانت. ولا يرد هنا بأن إعادة المعدوم محال، لأن المعيد لها الذي خلقها من العدم أولا فليس محالا عليه أن يعيد ما خلق إلى حالته الأولى. وما جاء في حديث الصحيحين: ليس في الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، منه خلق الخلق يوم القيامة. وفي رواية مسلم كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب. وصحح المزني أنه يفنى لقوله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) الآية الأخيرة من سورة القصص المارة، وقوله تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) الآية ٢٦ من سورة الرحمن في ج ٣، وعجب الذنب شيء على الأرض وعليه يكون تأويل الحديث أن كل الإنسان يبلى بالتراب ويكون سبب فنائه إلا عجب الذنب فإن الله تعالى يفنيه بلا تراب كما يميت ملك الموت بلا ملك موت والخلق منه والتركيب يمكن بعد إعادته فليس ما ذكر نصا في بقائه، وبذلك قال ابن قتيبة. قال تعالى «قُلْ» يا محمد لقومك وغيرهم «لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي» من المطر والرزق والنعم الكثيرة من خزائنه الغير متناهية إذ لا يعلمها غيره. واعلم أن إن أنتم هنا مرفوع بفعل يفسره الفعل بعده لأن لولا تدخل على الأسماء أي لو تملكون أنتم إلخ وهي حروف امتناع لا متناع بخلاف لولا فهي حرف امتناع لوجود، وعلى هذا قول حاتم وقد أسر فلطمته جارية فقال: لو غير ذات سوار لطمتني، أي لو لطمتني غير ذات سوار، وقول المتلمس: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين حيسما وقول أبي جهل حين قتل ببدر: لو غير أكار قتلني هذا. فمن جعل أنتم مبتدأ فقد أخطأ لأنه فاعل كما علمت. قال تعالى «إِذاً» أي لو ملكتم خزائن رحمة الله «لَأَمْسَكْتُمْ» على الناس أرزاقهم شحا بها عليهم فلم تعطوا أحدا منها شيئا «خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ» مخافة النفاد والخلاص لشدة حرصكم مهما كان مالكم كثيرا «وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً» ١٠١ شحيحا جدا يبخل على نفسه ويبخل على غيره أيضا من باب أولى. هذا، ولا يقال إن بعض الإنسان جواد فكيف جاء في هذه الآية التعميم وقد قال في حضرة الرسول ﷺ :

стр. 1059

له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر وكان أكثر آل البيت كريما وليسوا بأهل دنيا، ويصدق عليهم قول الشافعي ﵀: وهم ينفقون المال في أول الغنى ... ويستأنفون الصبر في آخر الفقر إذا نزل الحي الغريب تقارعوا ... عليه فلم يدر المقل من المثري لأن المقصود الأكثر من جنس الإنسان بخيل. وليعلم أن حضرة الرسول ﷺ غير داخل في هذه الآية المخاطب بها بلفظ الجمع، لأن الله تعالى يقول لحضرته قل لهم ذلك، أما غيره فإن الأصل في الإنسان الشح، لأنه خلق حينما خلق محتاجا لكل شيء فيمسك ما تصل إليه يده لنفسه ولأن بعض الكرم يكون منه السمعة والرياء ونشر الصيت، وقد يكون ابتغاء مرضات الله، وأهل هذا قليل وكل خير في القليل، وفي القليل بحث نفيس فإذا أردت أن تقف عليه فراجع الآية ٧٣ من سورة النمل المارة، ووجه مناسبة هذه الآية مع ما قبلها أن المشركين المشار إليهم أعلاء لما اقترحوا على حضرة الرسول طلب الينبوع والأنهار كان لتكثير أرزاقهم واتساع الدنيا عليهم من وجه وتعجيزا للرسول من وجه آخر، وهو المراد إذ أهمهم شأنه بعد أن رأوا آيات الإسراء والمعراج وشاع ذكره في الآفاق أكثر من ذي قبل، فبين الله تعالى في هذه الآية أنهم لو أعطوا ذلك وملكوا خزائن الأرض ومفاتح رحمة الله لبخلوا وشحوا ولم ينفعوا أحدا، وهذا غاية في التشنيع عليهم بالبخل، وأنه كما وصفهم بالآية الأولى بأنهم منكبون على الكفر، وصفهم في هذه أنهم أيضا متلبسون بالشح، وهما صفتان مذمومتان ضرر أولاهما قاصر عليهم، وضرر الأخرى متعد للغير. هذا، وبالجملة فإن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج من عهدة الواجب، فكان إنفاقه في الأصل بمقابل عوض أيضا، فكان بخلا حقيقة، والمراد بهذا الإنسان الجنس فيشمل جميع أفراده، وإذا أريد به المعهود بأن اعتبرت ال فيه للعهد يكون المراد به الذين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا.. الآية السابقة، والأولى جعله عاما ليدخل في مفهومه هؤلاء وغيرهم، ولما حكى الله تعالى عن قريش ما حكاه من التعنت والعناد تجاه رسوله ﷺ شرع يسليه بما جرى لأخيه موسى ﵇ مع فرعون اللعين وما صنع بفرعون وقومه

стр. 1060

لعدم إيمانهم بنبيهم إعلاما لحضرته بأنه سيكون مصير من لم يؤمن من قومه به مثل مصيرهم، فقال تعالى جده «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ» تقدم بيانها في الآية ١٧٢ من الأعراف مفصلة فارجعها. وهذه التسع وقعت في حق القبط قبل خروجهم من مصر أما الآيات الخاصة في بني إسرائيل، فقد وقعت بعد ذلك وهي كثيرة، قال ابن رشد سألت اليهود حضرة رسول الله ﷺ عن التسع آيات المبينات الواردة في القرآن، فقال لهم: ١ ألا تشركوا بالله شيئا ٢ ولا تسرقوا ٣ ولا تزنوا ٤ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ٥ ولا تمشوا يبريء إلى السلطان ليقتله ٦ ولا تسحروا ٧ ولا تأكلوا الربى ٨ ولا تقذفوا المحصنة ٩ ولا تولوا الفرار يوم الزحف ١٠ وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت. فقاموا فقبلوا يديه ورجله وقالوا نشهد أنك نبي، قال فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تفتلنا اليهود- قال الترمذي حديث حسن صحيح-. واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن من معجزات موسى ﵇ تسع عشرة معجزة منها ما هو خاص به، ومنها ما هو خاص بالقبط، ومنها ما هو خاص بني إسرائيل، أولها إزالة العقدة من لسانه حتى ذهبت عجمته وصار فصيحا، والثانية والثالثة والرابعة هي بياض اليد وإحياء النقباء والخسف بقارون ورفيقيه، والخامسة انقلاب العصا حية، والسادسة جعلها تلقف حبال السحرة وعصيهم مع كثرتها أي ما طلي فيها كما بيناه في الأعراف، والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، الثانية عشرة الإظلال بالغمام، والثالثة عشرة شق البحر، والرابعة عشرة إخراج الماء من الحجر بضربه له بعصائه، والخامسة عشرة رفع الجبل وإظلاله فوقهم، والسادسة عشرة إنزال المنّ والسلوى، والسابعة عشرة الجدب المعبّر عنه بالسنين، والثامنة عشرة نقص الثمرات، والتاسعة عشرة الطمس على الأموال. وكلها موضحة في سورة الأعراف والشعراء والقصص المارات وفي السور الآتية كيونس وهود وغيرها، وروي أن عمر ابن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله تعالى تسع آيات بينات فذكر في جملة التسع حل عقدة اللسان والطمس،

стр. 1061

فقال عمر هكذا يجب أن يكون الفقيه، ثم قال يا غلام أخرج ذلك الجراب، فأخرجه ففضه فإذا فيه بيص مكسور نصفين وجوز مكسور وفول وحمص وعدس كلها حجارة، أي أن هذه من بقايا ما طمس عليه من ثمرات بني إسرائيل وأموالهم. واعلم أن تخصيص الذكر هنا بالتسع لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليها، لما جاء في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد. وقد اتفق المفسرون على سبع من هذه التسع وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفت آراؤهم في الاثنتين الأخيرتين وأكثر الأقوال على أنها الأخذ بالسنين ونقص الثمرات كما بيناه في الأعراف لأن العقدة والعصا من خصائص سيدنا موسى ﵇ وليست لقومه، أما كونها تلقف ما يأفكون فهي لقومه، قال تعالى «فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ» الموجودين في زمنك من أهل الكتابين الذين ستقدم عليهم في المدينة لتعرف كذبهم ويعرفوا صدقك، وليس المطلوب من سؤالهم استفادة العلم منهم عنها، بل لنقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره لهم، وعليه فيكون السؤال سؤال استشهاد لأنهم أولاد أولئك اليهود الذين ظهرت لهم تلك الآيات على يد نبيهم، وقد تناقلوها أبا عن جد فضلا عن ذكرها في التوراة التي هي بين أيديهم، ولهذا حسن النكني بهم عن أسلافهم «إِذْ جاءَهُمْ» موسى بها دليلا على صحة رسالته من ربه إليهم «فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ» لما ظهر عجزه تلقاء تلك المعجزات «إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً» ١٠٢ مفعولا بالسحر الذي استولى على جوارحك فصرت مطبوبا مختل العقل بطلبك قوما هم تحت سلطتي قديما، فكيف أرسل معك بني إسرائيل وأنت على ما أنت عليه. وقال بعض المفسرين معنى مسحورا ماهرا بالسحر معطى علمه ومعلّمه، وهذه العجائب التي بينتها هي ناشئة عن مهارتك فيه، وظاهر الآية يدل على الأول، لأن المقام مقام ذم، والتفسير الثاني مقامه مقام مدح يأباه المقام بدليل ما فتحت به الآية الآتية التي جاوبه بها موسى ﵇، وهي «قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ» يا فرعون مما رأيت «ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» وجعل تلك الآيات «بَصائِرَ» مرئيّات ظاهرات لا تخفى على أحد من شدة وضوحها تبصرك في صدقي، وتعلمك أني

стр. 1062

لست كما تقول مخدوعا أو خادعا أو مخيلا إلي أو ساحرا ماهرا مما تتقول به قبلا، لا بل إني عالم حاذق بصحة ما أقول من الأمر والنهي لأني أتلقاه من ربي خالق السموات والأرض وما بينهما وما تحتهما وما فوقهما، الذي أنزل تلك الآيات دلالة على صدقي وطلبا لإيمانكم، فما ظننت به كله كذب محض وبهت بحت.. والقراءة الفصحى علمت بفتح التاء لأن علم فرعون بأنها آيات نازلات من رب السماء او كد في الحجة، ولأن احتجاج موسى ﵇ على فرعون بعلم فرعون او كد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه على قراءة الضم التي معناها أنه أخبر عن نفسه أنه عالم بها وأنه غير مسحور، ونسب هذا القول إلى سيدنا علي ﵇، وأنه قال والله ما علم عدو الله ولكن علم موسى وهو قول ضعيف لا يستند اليه، لأنه مروي عن كلثوم المرادي وهو مجهول، ولهذا لما بلغ ابن عباس نسبة هذا القول لسيدنا علي لم يرضه واحتج بقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) الآية ١٤ من سورة النحل المارة بما يدل على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى عليه كما أن بلقيس وقومها علموا معجزات سيدنا سليمان ﵇ «وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً» ١٠٢ هالكا مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر لانكارك ما عرفت صحته من آيات الله مكابرة وعنادا، وقد قارع الظن منه ﵇ بالظن من فرعون بالآية السابقة، لأنه لما وصفه بكونه مسحورا أجابه بكونه مثبورا لأن تلك المعجزات مبصرة نيرة لا يرتاب فيها عاقل ولا يقول بها إلا أنها من عند الله وانه أظهرها ليؤمن بها، قال تعالى «فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ» أي يخرج فرعون موسى وقومه ويطردهم «مِنَ الْأَرْضِ» أرض مصر أو يعدمهم من ظهر البسيطة لما رأى بقاءهم يهدد ملكه بالخراب وسلطنته بالزوال، ولما كان ثابت في علم أنه لو أمهل فرعون وقومه ما أمهلهم لم يؤمنوا ويبقوا مصرين على كفرهم لهذا أغراه الله تعالى باتباع موسى وقومه وأدخلهم جميعا البحر «فَأَغْرَقْناهُ» لهذه الحكمة «وَمَنْ مَعَهُ» من القبط الذين جنّدهم لاسترجاع موسى وقومه واسترقاقهم فأهلكهم في البحر «جَمِيعاً» ١٠٣ فلم يفلت منهم أحد، راجع كيفية إغراقهم في الآية ٤٠ من

стр. 1063

القصص والآية ٦٣ من الشعراء والآية ٧٨ من طه المارات، قال تعالى «وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ» بعد إهلاكهم وإرائة جثثعم؟؟؟ عائمة في البحر بما فيهم جثة فرعون «لِبَنِي إِسْرائِيلَ» بعد انجائهم من الغرق ومن فرعون وقومه «اسْكُنُوا الْأَرْضَ» أرض مصر والشام في حياتكم الدنيا «فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ» الحياة الثانية يوم القيامة «جِئْنا بِكُمْ» مؤمنكم وكافركم وبركم وفاجركم «لَفِيفاً» ١٠٤ مختلطين جميعا من هاهنا من محال وجودكم، واللفيف هو الجماعة من قبائل شتى وهو اسم جمع لا واحد من لفظه كالجميع أي من اخلاط شتى شريف ووضيع عالي ورديء مطيع وعاصي قوي وضعيف، قال تعالى في القرآن الذي قال فيه (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ إلخ) الآية ٨٨ المارة «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ» من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا دفعة واحدة كما أنزلنا التوراة والإنجيل والزبور «وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» نجوما متفرقة على قلب محمد الشريف بواسطة الأمين جبريل عليهما الصلاة والسلام من سماء الدنيا محفوفا بالرصد من الملائكة محفوظا بهم من تخليط الشياطين، هذا، ولما كان القرآن نزل بلغة العرب وعادة العرب فيما يتكلمون بشيء يستطردون لغيره، فتذكره ثم تعود إلى ما كانت تتكلم به، وهكذا بعد أن ذكر الله تعالى القرآن واستطرد لذكر غيره وأنهاه، ذكر ما يتعلق به تعظيما له وإجلالا، أي انا لم نرد بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق الذي أخبركم به المنزل عليه رسولنا محمد ﷺ وقد اشتملت هذه الآية على أربع فوائد، الأولى أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذي لا يثبت لأن ما جاء من الشرع لا يتطرق اليه النسخ والنقص والتحريف ولزيادة، فكان حقا في كل الوجوه الثانية ان الانزال في قوله (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) غير النزول الذي هو في قوله (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) فوجب أن يكون الخالق غير المخلوق على ما ذهب إليه بعض المتكلمين. الثالثة ان الباء في قوله وبالحق بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلامته أي أنزلناه مع الحق. الرابعة ان جملة (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) تفيد الحصر أي ان هذا القرآن ما نزل لقصد آخر سوى اظهار الحق فقط «وَما أَرْسَلْناكَ» يا خاتم الرسل «إِلَّا مُبَشِّراً» بهذا القرآن الطائع بالجنة «وَنَذِيراً» ١٠٥ به

стр. 1064

للعاصي في النار وما عليك من كفرهم شيء بعد أن تتقدم لهم بهذين الأمرين قال تعالى «وَقُرْآناً» نون للتعظيم والتفخيم وهو منصوب بفعل مقدر مثل «فَرَقْناهُ» فصّلناه وبيّنا الحق من الباطل وأنما أنزلناه عليك «لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ» تؤدة وتثبت وترسل فتتلوه عليهم خلال اثنتين وعشرين سنة وشهور وأيام، راجع المقدمة في بحث نزول القرآن تعلم مدى نزول سورة المكية والمدنية، أي لا تقرأه عليهم بالسرعة والعجلة فورا بل تمهّل به لعله يوقر في قلوبهم، أولا بأول، هذا ومن قرأ فرّقناه بالتشديد فقد أضاع المعنى المراد منه أعلاه وما معناه على قراءة التشديد إلا أنه أنزل متفرقا، ومكث بضم الميم وسكون الكاف وقرىء بفتح الميم وضم الكاف قراءة شاذة والمعنى الذي ذكرناه تحتمله القراءتان تدبر «وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا» ١٠٦ عظيما بحسب الحوادث والوقائع والأسئلة وعفوا حسبما هو كائن في أزلنا على الوصف المذكور فيه، وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة وتشديد الفعل يفيد التكثير، وذلك لأن تنزيله مفرقا مترادفا متقطعا ومتواليا فيه معنى التكثير، قال تعالى «قُلْ» يا أكرم الرسل للذين كفروا بهذا القرآن الجليل «آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا» اختاروا لأنفسكم أحد الأمرين، واعلموا أن في الإيمان به النعيم المقيم في الجنة الخالدة مع النبيين والصالحين، وفي الكفر به العذاب الأليم الدائم مع فرعون وهامان، وإن إيمانكم بالنسبة له ولمنزله والمنزل عليه وعدمه سواء، لأنه لا يزيده كمالا، وجحودكم لا يورثه نقصا. وفي الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى على حد قوله تعالى (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الآية ٢٨ من سورة الكهف في ج ٢، وقوله جل قوله (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية ٤٠ من سورة فصلت في ج ٢. مطلب آيات القرآن عامة مطلقة ونزولها بأشخاص لا يقيدها ولا يمنع شمولها غيرهم: وقد خص بعض المفسرين هذه الآية بالمقترحين المار ذكرهم وهذا أيضا يقيدها فيهم دون نص بالتقييد أو التخصيص، وليس بشيء وما هؤلاء الذين يريدون حصر معاني القرآن بأناس مخصوصين، والله تعالى أنزله عاما لكل البشر ونزوله في أناس لا يقيد عمومه ولا يخصص إطلاقه بل يبقى على عمومه أبدا شاملا للكل، لذلك فسرناها كغيرها على أنها عامة مطلقة، يدخل فيها المقترحون وغيرهم وهو أولى كما ترى،

стр. 1065

قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ» من قبل نزول القرآن وهم قراء الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف الذين عرفوا حقيقة الوحي وامارات النبوة وماهية الحق والباطل والتمييز بينها «إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ» هذا القرآن وسمعوه «يَخِرُّونَ» يسقطون حالا «لِلْأَذْقانِ» على وجوههم لأن الأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، ويطلق على ما ينبت عليها من الشعر، وكذلك يطلق على الوجه من إطلاق الجزء وإرادة الكل فيرمون بأنفسهم على الأرض «سُجَّداً» ١٠٧ تعظيما لأمر الله تعالى وشكرا لأنعامه عليهم بإنزاله وبعثة الرسل لإرشادهم وذلك لأن خوف الله تعالى مستول على قلوبهم، لهذا عند ما يسمعون ذكره يطرحون أنفسهم على الأرض خضوعا لعظمته وخشوعا لهيبته. وإنما لم يقل يسجدون لشدة مسارعتهم حتى كأنهم يسقطون سقوطا على الأرض «وَيَقُولُونَ» في سجودهم هذا «سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا» الذي وعد به خلقه على لسان رسله في الكتب القديمة المؤيدة بهذا القرآن «لَمَفْعُولًا» ١٠٨ كائنا واقعا لا محالة، وأنهم يقولون هذا في حالة السجود وغيرها لتعلق قلوبهم بربهم، ومن جملة وعده في الكتب القديمة إرسال محمد ﷺ وإنزال هذا القرآن عليه، وقد اختلف المفسرون بالمراد في هذه الآية فمنهم من قال إن المراد بها ورقة بن نوفل على أن ورقة لم يحضر إنزال هذه السورة لأنه توفي قبلها بكثير، ومنهم من قال عبد الله بن سلام، وهذا لم يسلم بعد حتى الآن، ومنهم من قال إنهم جماعة من أهل الكتاب، لان الوعد ببعثة محمد ﷺ مدون في كتبهم وقد كانوا بانتظاره وإنجاز هذا الوعد، فلما رأوا محمدا وسمعوا كتابه عرفوه أنه هو، فخروا سجودا لله تعالى أن أراهم إياه، وهذان القولان لا يصحان أيضا، لان إسلام عبد الله وقع بالمدينة كما سيأتي في الآية ٢٧ من سورة النساء في ج ٣، ولان أهل الكتاب لم يخالطوا محمدا في مكة أبدا، هذا والمقصود من هذه الآية تقرير تحقير أولئك المقترحين والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه، وإنهم إذا لم يؤمنوا فقد آمن به من هو خير منهم، قال تعالى «وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ» للرءوس ولم تتكرر هذه الكلمة في القرآن إلا في هذه السورة وفي الآية ٨ من سورة يس المارة، أي يرمون رءوسهم حالة

стр. 1066

كونهم «يَبْكُونَ» من خشية الله تعالى خضوعا لجلاله «وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» ١٠٩ لربهم وانقيادا لحضرته الكريمة ولا تكرار في هذه الآية، لان الأولى لتعظيم أمر الله وشكره لانجاز وعده والثانية لما أثر فيهم من مواعظ القرآن العظيم مما يلين القلب ويرعب الجوارح ويرطب العين ويرعد الأعضاء ويرجف الفؤاد ويرققه، بدليل بكائهم عند سماعه فالسبب مختلف فيها ويدخل في معنى الخرور قوله ﷺ إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يترك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه. ولا يمكن من وضعها قبل ركبتيه إلا بهذه الصورة تأمل، وهؤلاء العلماء الممدوحون هم ما ذكرنا آنفا جماعة من مؤمني أهل الكتاب كانوا يتطلبون ويترقبون بعثة الرسول قيل منهم زيد بن عمرو بن نفيل وأبو ذر، وعد بعضهم سلمان الفارسي والنجاشي واتباعه من اليهود والنصارى، والقول الأحسن إنهم طائفة من أهل الكتابين كانوا قبل البعثة عند ما يسمعون وصف الرسول محمد ﷺ يقع منهم ما يقع ﵃، وجاءت هذه الآية على طريق ضرب المثل على جهة التقريع أي أن أهل التوراة والإنجيل عند سماع ما يتلى عليهم من كتبهم من وصف حضرة الرسول كانوا يبكون ويودون أنهم يدركونه ليؤمنوا به، وأنتم حينما تسمعون كلام الله الذي أنزله عليه لا يندى لكم جبين ولا تستفز جوارحكم، بل تهزأون به وتسخرون، وهو إنّما أرسل رحمة لكم، وأحسن الأقوال أولها وهو ما بين في الآية المفسرة، روي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله ﷺ لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا اجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم. - أخرجه الترمذي والنسائي وزاد في منخري مسلم أبدا- وأخرج الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله. وأخرج أيضا عن النضر ابن سعد قال: قال رسول الله ﷺ لو أن عبدا بكى في أمته لأنجى الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد، وما من عمل إلا وله وزن وثواب إلا الدمعة فإنها تطفئ بحورا من النار، وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله تعالى إلا حرم الله تعالى جسدها على النار، فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة.

стр. 1067

وينبغي أن تكون هذه الحالة في العلماء أكثر من غيرهم، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الأعلى التيمي أنه قال من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه. لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ) الآيتين المارتين، وقال تعالى (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) الآية ٣٨ من سورة فاطر المارة وقدمنا فيها ما يتعلق في هذا البحث ما به كفاية، ومن الفقه الأخذ بما قاله ابن عباس ﵄: إذا كثر الطعام فحذروني ... فإن القلب يفسده الطعام إذا كثر المنام فنبّهوني ... فإن العمر ينقصه المنام إذا كثر الكلام فسكتوني ... فإن الدين يهدمه الكلام إذا كثر المشيب فحركوني ... فإن الشيب يتبعه الحمام ولما سمع أبو جهل عليه اللعنة أن النبي ﷺ يقول في دعائه يا الله يا رحمن، قال لقومه إن هذا ينهانا عن تعدد لآلهة وهو يدعو إلهين أنزل الله تعالى «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» أيها الناس فإنكم «أَيًّا ما تَدْعُوا» من أسماء الله تعالى فادعوه بها «فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» المشتملة على معاني التقديس كالخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية وقد مرّ بيانها في الآية ٨ من سورة طه المارة فراجعها. وما قيل إن اليهود قالوا لحضرة الرسول إنك تقل من ذكر الرحمن وقد ملئت التوراة من ذكره، فنزلت لا يصح، لأن الآية مكيّة بالاتفاق ولا يهود لهم صلة مع حضرة الرسول في مكة «وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها» بحيث لا تسمع نفسك أو تسمع من هو خارج المسجد «وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ» الجهر الزائد والمخافتة الكلية «سَبِيلًا» ١١٠ حالا وسطا بحيث تسمع نفسك إذا كنت منفردا ومن بجوارك إذا كنت إماما. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ مختفيا بمكة أي مخف عبادته فيها أو أنه كان وأصحابه إذ ذاك يخفون صلاتهم خوفا من تعدي الكفار عليهم، وكان إذا خلا بأصحابه رفع صوته، فإذا سمعه المشركون يسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال ﵎ لنبيه (ولا تجهر) . هذا، ولهذا

стр. 1068

البحث صلة في الآية ١٠٨ من سورة الأنعام في ج ٢ فراجعه، ورويا عن عائشة أنها نزلت في الدعاء، وأخرج الترمذي وابن قتادة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر مررت بك وأنت تقرأ القرآن وأنت تخفض من صوتك، فقال إني أسمعت من ناجيته فقال إرفع قليلا. وقال لعمر مررت بك وأنت تقرأ القرآن وأنت ترفع صوتك فقال إني أوقظ الوسنان فقال اخفض قليلا. فهذا على فرض صحته لا يصح أن يكون سببا للنزول لأن الآية صريحة في الصلاة، وعلى كل الجهر بالدعاء والصلاة زيادة على الحاجة وهي اسماع من وراءه إذا كان إماما مذموم والمخافتة بحيث لا يسمع نفسه مذمومة أيضا، والمستحب الوسط في ذلك. قال ابن مسعود من أسمع أذنيه لم يخافت والجهر بأن يسمع من هم وراءه في الصلاة، أو إمامه في الدعاء فقط، والعدل رعاية الوسط قال ﷺ خير الأمور أوساطها. وقال تعالى (جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) راجع الآية ١٤٣ من سورة البقرة في ج ٣، والآية المارة ٢٩ من هذه السورة، والآية ٦٧ من الفرقان المارة. وما قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) الآية ١٥٤ من الأعراف المارة بعيد عن الصحة لأن الأعراف نزلت قبل الإسراء، والمقدم لا ينسح المؤخر قولا واحدا، لا خلاف ولا معارضة فيه، ورحم الله علماء الناسخ والمنسوخ ما اغلاهم وأحرصهم على القول به لمجرد بادرة. فلا حول ولا قوة إلا بالله القائل «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» كما زعم بعض كفرة قريش وهم بنو مليح إذ يقولون إن الملائكة بنات الله، وكما زعم اليهود بأن عزيرا ابن الله، وكما افترى النصارى بأن المسيح ابن الله، وكلهم كاذبون أفاكون لأنه جل شأنه لم يتخذ ولدا «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» من الناس والملائكة والجن والأوثان، وهذا إبطال لقول كل من يزعم أن لله شريكا تعالى الله عن ذلك «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ» فيحتاج إلى من ينصره ويتعزز به لأنه لم يذل قط تعالى عن ذلك ولم يوال أحدا من أجل المذلة من الغير أو المنفعة لنفسه المقدسة، فنزهه عن ذلك كله وعظمه «وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً» ١١١ يليق بذاته العلية وبرأه عن جميع سمات خلقه وأعمالهم وعما يقول الكافرون وأهل الكتابين من اتخاذ الولد والصاحبة والشريك والمعين والولي،

стр. 1069

ونزه تنزيها كثيرا. وهذه الآية تسمى آية العز كما جاء في الحديث الصحيح، وإن من داوم عليها كان عزيزا محترما، ولهذا كان ﷺ يعلمها لكل غلام أفصح من بني عبد المطلب، فعلى الموفق أن يداوم عليها ليل نهار ليوقع الله في قلوب خلقه مهابته واحترامه ويضاعف له الأجر بتلاوتها. أخرج مسلم عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ أحب الكلام إلى الله أربع: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت. وعن ابن عباس قال: قال ﷺ أول ما يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء. عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده. وأخرج أبو يعلى وابن السّني عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ ويدي في يده فأتى على رجل رثّ الهيئة فقال أي فلان ما بلغ بك ما أرى؟ قال السقم والضر قال ﷺ ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ قال بلى، قال قل توكلت على الحي الذي لا يموت، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) إلخ الآية، فأتى عليه رسول الله ﷺ بعد مدة وقد حسنت حالته فقال مهيم أي مم أصابك هذا، فقال لم زل أقول الكلمات التي علمتني. وأخرج ابن ابي الدنيا في كتاب الفرج والبيهقي في الأسماء والصفات عن إسماعيل بن أبي فديك قال: قال رسول الله ﷺ ما كربني أمر إلا مثل لي جبريل ﵇، فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت و (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الآية. وأخرج ابن أنس والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قال لها إذا أخذت مضجعك فقولي الحمد لله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ما شاء الله قضى، سمع الله لمن دعا، ليس من الله ملجأ ولا وراءه ملتجى، توكلت على الله ربي وربكم، (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الْحَمْدُ لِلَّهِ) الآية. ثم قال ما من مسلم يقرأوها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فنضره. هذا، ولا يوجد سورة محتومة بمثل ما ختمت به هذه السورة، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده بمعونة الله تعالى وتوفيقه.

стр. 1070

تم الجزء الأول من هذا التفسير المبارك، وهو يحتوي على خمسين سورة من القرآن العظيم أولها اقرأ باسم ربك وآخرها الإسراء، بحسب ترتيب النزول، وقد نزلت متوالية متتابعة عدا الآيات المدنيات منها، وقد أثبتناها حسب نزولها كما وعدنا في المقدمة، وكان أول النزول في غار حراء في ١٧ أو ٢٧ رمضان السنة الأولى من البعثة الشريفة الحادية والأربعين من الولادة الكريمة، هو الخمس آيات الأولى من سورة العلق كما أوضحناه في المقدمة في بحث النزول وسورة بني إسرائيل التي هي آخر هذا الجزء نزلت في ٢٧ رجب السنة العاشرة من البعثة والحادية والخمسين من الولادة الشريفة، فيكون مجموع المدة التي نزلت فيها هذه السور عدا الآيات المدنيات المشار إليها في محالها ثماني سنين وعشرة أشهر إلا عشرة أيام على القول بأن مبدأ النزول كان في ١٧ رمضان، وعلى القول بأن المبدأ كان في ٢٧ رمضان تكون المدة ثماني سنين وعشرة أشهر تماما، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وقد وقع الفراغ منه يوم الاثنين من رجب الفرد سنة ١٣٥٦ الموافق ٦ أيلول سنة ١٩٣٧، ويليه الجزء الثاني أوله سورة يونس، وآخرة سورة المطففين، وبها ينتهي القسم المكي من هذا التفسير إن شاء الله، ويعين التاريخ وقع البدء في الجزء الثاني، وتتميما للفائدة ألحقنا بهذا ما اشتمل عليه من المطالب بيانا يسهل لمريد المطالعة ما يريده منه، والحمد لله على توفيقه والشكر له على الإرشاد إلى سلوك طريقه القويم الموصل إلى الصراط المستقيم، والهداية إلى ما به الاتصال بالعناية من الرب الكريم. هذا وليعلم القارئ أن ضعفي في فن الكتابة قد أدى إلى سقوط حرف أو زيادته أو زيادة نقطة في بعض الحروف أو نقصها، ومن هذا القبيل تكبير النقطة أحيانا حتى يظن أنها نقطتان، أو بعدها عن موقعها بما يؤدي للاختلاط «١» ، فأرجو ممن يطالع هذا إمعان النظر في ذلك كي لا يختلف عليه المعنى المراد. وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه وإلى ما به السداد في القول والعمل والنية، ومنّ علينا بألطافه القدسية، ونشر علينا رحمته وستره، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وصلّى الله وسلم على سيد محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين آمين آمين. الفقير إليه عبد القادر ملا هويش آل غازي

стр. 1071

[الجزء الثالث] [خطبة الكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نحمدك يا من وفقتنا لهذا الخير الجسيم، ونشكرك أن سخرتنا للقيام بهذا السفر الكريم، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فإني أشرع بالجزء الثاني من هذا التفسير متيمنا بفضله ولطفه، سائلا منه المعونة والتيسير على إتمامه، إنه بالإجابة جدير، وهو على كل شيء قدير. تفسير سورة يونس عدد ١- ٥١- ١٠ نزلت بمكة بعد سورة الإسراء عدا الآيات ٤٠، ٩٤، ٩٥، ٩٦ فإنها نزلت بالمدينة، وهي مائة وتسع آيات وألف وثمنمئة واثنتان وثلاثون كلمة، وتسعة آلاف وتسعة وتسعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: «الر» تقدم البحث مستوفيا أول سورة الأعراف في ج ١، ويوجد في القرآن خمس سور مبدوءة بما بدئت به هذه السورة، ويوسف وهود والحجر وابراهيم. قال سعيد بن جبير: الراء وحم ون حروف الرحمن مقطعه. وبه قال ابن عباس. وقال غيرهما كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، ولا يعلم المراد منها على الحقيقة إلا الله تعالى. لذلك فأحسن قول في تفسير هذه الحروف المبدوءة بها سور القرآن العظيم أن يوكل علمها إلى الله «تِلْكَ» الآيات المنزلة عليك يا أكرم الرسل هي «آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ١» الذي أودع الله فيه الحكم كلها، فلا رطب ولا يابس إلا في هذا القرآن يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، لأنه مأخوذ من علم الله المحيط بكل شيء، ولوحه المكنون الحاوي جميع المكوّنات، وهذه

стр. 1072

الآيات تخبر العارف بصواب الحكمة المتقنة، وتهيء المعاني للقلوب الطاهرة على تصديق ما تخبر به قومك، وتلهب قلوب أهل للعزم صادقي النيّة على تأييدك فيما تبشر به وتنذر. فيا أكمل الرسل «أَكانَ لِلنَّاسِ» أهل مكة وغيرهم «عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ» عظيم القدر جليل الخلق (بدلالة هذا التنوين المأتي به للتبجيل) وجعلنا ذلك الرجل الخطير الذي أهلناه لوحينا وللخلافة في أرضنا «مِنْهُمْ» من أحسنهم حسبا وأشرفهم نسبا، وقلنا له «أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ» قومك من أهل مكة وغيرهم من سائر الخلق العاقل بأن ينتهوا عما هم عليه من عبادة غير الله الواحد، ومن الأفعال والأعمال الذميمة ويرجعوا عن الكفر، أو ينزل بهم عذاب لا طاقة لهم به «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا» منهم بك وصدقوا ما تتلوه عليهم من هذا القرآن وأقلعوا عما هم عليه من الكفر ودواعيه. «أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ» منزلة ومكانة «صِدْقٍ» سابقة رفيعة أي قد سبق لهم عند الله خير. قال ذو الرّمة: وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة ... لهم قدم معروفة ومفاخر مطلب في معنى القدم: لأن القدم كل ما قدمت من خير وهو كناية عن العمل الذي يتقدم فيه الإنسان، وأطلق لفظ القدم على هذا المعنى لأن السعي والسبق يحصل به، فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وفي إضافة القدم إلى الصدق التنبيه على زيادة الفضل. وقال بعض المفسرين المراد به الشفاعة وأنشد: صل لذي العرش واتخذ قدما ... ينجيك يوم العار والزلل هذا، وكل عمل صالح ثوابه قدم صدق لفاعليه «عِنْدَ رَبِّهِمْ» راجع قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) آخر سورة القمر في ج ١، أي أن جزاء أعمالهم الحسنة مخبوءة لهم عند ربهم يوم يلقونه. والقدم هو العضو المخصوص، وقد يراد منه التقدم المعنوي أي المنازل الشريفة قال حسان: لنا القدم العليا إليك وخلقنا ... لأولنا في طاعة الله تابع

стр. 1073

وقال الآخر: لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمّت على البحر وهذا القدم الذي يتخذ عند الله هو ما يقدمه العاقل من أعمال صالحة بإخلاص صادق إلى ربه في دنياه ليدخرها له وينميها فيجد ثوابها عنده منازل رفيعة في جنة عالية دائم نعيمها، لهذا فإن كل فعل صالح وأمر طيب يسمى قدما من تسمية الشيء باسم آلته، وهذه الإضافة المشار بها آنفا من إضافة الموصوف إلى صفته مبالغة في تحقيقها، وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم أهله، إذ ليس للكافرين ما يبشرون به، بل لهم الإنذار والتهديد، وما جاء في بعض الآيات من لفظ البشارة لهم فهو من باب التهكم بهم قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية ٥ من سورة التوبة في ج ٣، أما الإنذار فإنه يصرف للفريقين المؤمنين والكافرين إذ قل من لا يستحق الإنذار «قالَ الْكافِرُونَ» لما سمعوا تلك الآيات البينات عتوا وعنادا «إِنَّ هذا» الذي تسمعونه من محمد ما هو إلا «سحر مبين ٢» لا خفاء فيه على أحد وقرىء لساحر، وعليه يكون قولهم إن محمدا الذي يأتيكم بالآيات ساحر ظاهر سحره فلا تلتفتوا إليه، وذلك أنهم تعجبوا من أن الله تعالى كيف خص محمدا ﷺ من بينهم وشرّفه برسالته إليهم، ويقولون الله أعظم من أن يكون له رسول بشر يتيم كيتيم أبي طالب، جهلا منهم بحقيقته ﷺ فهو الذي لا ريب فيه لأحد من ذوي العقول الكاملة بأن له القدّنح المعلّى وفيه غاية الغايات ونهاية النهايات؟؟؟ والله أعلم حيث يجعل رسالته، وقد قال رائبه فيه: وأحسن منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء وقال الآخر: ولو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع وقال الأبوصيري: فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم ولم يعلم هؤلاء المتعجبون الذين طمس الله على قلوبهم أن الحظوظ الدنيوية لا دخل

стр. 1074

لها في مختارات الله، ولكن هذا ليس بكثير على من سلب الله عقله. وقد لا تجتمع مع العقل، ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: ولكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق مطلب معنى التعجب والتدبر والأيام الست والعرش: هذا وإن التعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء خلاف العادة، وقد زعموا أن ضيرورة اليتيم الفقير نبيأ لم تجر به العادة فأنزل الله تعالى هذه الآية تهكما بهم. قال تعالى يا أيها الناس «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» تقدم البحث فيها في الآية ٥٩ من سورة الفرقان في ج ١، وله صلة في الآية ٩ من سورة فصلت الآتية إن شاء الله «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» المبسوط القابل لانعكاس أشعة أسمائه تعالى وصفاته، واستولى عليه استيلاء يليق بذاته، بلا أين ولا كيف ولا كم، بصرف النظر عما يتصور من معنى ثم في تراخي الزمن والمهلة، وقد تقدم تفسيره وما يتعلق به مفصلا في الآية ٥١ من سورة طه في ج ١، «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» كله فيهما مما يتعلق في جميع مكوناته العلوية والسفلية فلا يخرج شيء عن قضائه وتقديره مما يقع فيهما، ومن جملة ذلك اختيار سيدنا محمد ﷺ للرسالة ومعنى التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها وما ينتج عنها لتقع على الوجه المحمود، قال ﵊ إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته، والمراد هنا التقدير الجاري على وفق الحكمة والوجه الأتم الأكمل «ما مِنْ شَفِيعٍ» يشفع لأحد «إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ» لذلك الشفيع الذي يرتضيه ولا يشفع إلا لمن يرضاه راجع الآية ١٠٩ من سورة طه في ج ١، وله صلة في الآية ٢٥٥ من سورة البقرة في ج ٣، وهذا الشفيع عام يشمل الأنبياء والملائكة فمن دونهم، وقد جاء في معرض الرد لقول الكفرة بشفاعة الأوثان، فإذا كان الأنبياء فمن دونهم من كرام الخلق على الله لا يشفعون إلا بإذنه، وإلا لمن يرضاه، فكيف يتمنّى القول بشفاعة الأوثان التي كونتها أيديهم من أحجار وأخشاب وغيرها «ذلِكُمُ» الإله العظيم خالق السموات والأرض ومدبر أمورهما ومن فيهما المستولي

стр. 1075

على العرش العظيم هو «اللَّهُ رَبُّكُمْ» أيها الناس سيدكم ومولاكم ومسوي أموركم «فَاعْبُدُوهُ» وحده شكرا لنعمه الظاهرة والباطنة «أَفَلا تَذَكَّرُونَ ٣» عظمته وجميل صنعه إليكم فتعتبرون وتتعظون وتنقادون لهذا الربّ الذي «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» لا إلى غيره ولا مصير لأحد دونه «جَمِيعاً» إنسكم وجنكم وملككم، وقد وعدكم بالبعث بعد الموت على لسان رسله «وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» منجزا لا محيد لكم عنه «إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» يحييهم أولا كما أحيى أصلهم من العدم «ثُمَّ يُعِيدُهُ» على حالته الأولى بعد إماتته كما بدأه «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ» العدل بحيث لا ينقص من أجر أحد منهم شيئا بل يزبده من فضله وكرمه «وَالَّذِينَ كَفَرُوا» كذلك يجزيهم على أعمالهم بالعدل، فلا يزيد على ما يستحقونه شيئا ولا يعذّبهم على ما لم يفعلوا، وهؤلاء الكافرون «لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ» ماء متناء في الغليان بدل ما كانوا يتلذذون به من الأشربة المحرمة في الدنيا «وَلهم عَذابٌ أَلِيمٌ» فوق ذلك لا تطيقه أجسامهم «بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ٤» بالدنيا بالله وكتبه ورسله، وينكرون اليوم الآخر، وفي هذه الآية دلالة قاطعة على البعث بعد الموت والحشر والنشر والمعاد، وردّ صريح على منكري ذلك الإله العظيم «الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» خصّ القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء الذي خصّه بالشمس لقوّته وكماله، وفيه إشارة إلى أن هذا النور مستفاد من ذلك الضياء، وهذه الاستفادة حاصلة من الشمس إلى القمر، سواء كانت على سبيل الانعكاس من غير أن يصير جوهر القمر مستنيرا كما في المرآة، أو بأن يستنير نفس جوهره بصورة يعلمها الله، راجع الآية ١٢ من سورة الإسراء في ج ١. و «قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» يتنقل فيها بنظام بديع لا يتغير راجع الآية ٣٩ من سورة يس في ج ١ تعرف المنازل وغيرها، وإنما أعاد الضمير للقمر وحده لأن سيره في المنازل أسرع من سير الشمس، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين المعتبرة شرعا لابتنائها على الأهلة، وما قيل إنه يرجع إلى الشمس والقمر معا، وإنما وحده مع أنه عائد لهما للإيجاز اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) الآية ٦٨ من التوبة في ج ٣ بدل ترضوهما إيجازا

стр. 1076

واكتفاء، إلا أن الأول أولى لموافقته لظاهر الآية، وللسبب المذكور آنفا المؤيد بقوله تعالى «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ. مطلب السنين الشمسية والقمرية وما يتعلق بهما: والمراد بالسنين هنا القمرية التي هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وثماني ساعات، وثمان وأربعون دقيقة، راجع الآية ٣٢ من الأعراف في ج ١، على أنه لا مانع من أن تشمل جملة آية السنين والحساب السنة الشمسية أيضا التي هي ثلاثمائة وخمس وستون يوما، وخمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة أيضا، والفرق بينهما عشرة أيام وإحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة بمقتضى الرصد الأليخاني، وكل من السنتين تكون بسيطة وكبيسة ولهذا يكون شهر شباط في كل أربع سنين تسعا وعشرين يوما إذ ينضم إليه فروق ثلاث سنين لانتظام الحساب الجاري، والأشهر العربية تكون ثلاثين، وتسعا وعشرين يوما للسبب نفسه، فتكون السنة القمرية بانقضاء اثنى عشر شهرا قمريا، والشمسية عند وصول الشمس إلى النقطة التي فارقتها من البروج الاثني عشر التي ذكرناها أول سورة البروج المارة في ج ١، وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ١٦ من سورة الحجر الآتية إن شاء الله «ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ» الضياء في الشمس والنور في القمر وجعل منهما معرفة السنين والحساب، وما أظهر ما أظهر منها وأوجد ما أوجد في عالمي للغيب والشهادة من مظاهر أسمائه وصفاته «إِلَّا بِالْحَقِّ» الموافق للحكمة البالغة، إظهارا لقدرته وبرهانا لوحدانيته وجعلها دلائل على عظمته، فلم يخلق ذلك باطلا ولا عبثا بل هي حق لا مرية فيه كسائر مخلوقات ذلك الخالق الجليل الذي «يُفَصِّلُ الْآياتِ» تفصيلا وافيا ويكررها تكريرا شافيا «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٥» الحكمة التكوينية لهذا الكون العظيم المهمول فيستدلون على شئون مبدعها ويستنبطون منها البراهين على باهر قدرته ووحدانيته «إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» من كون أحدهما مضيئا والآخر مظلما، وكون كل منهما يخلف صاحبه فيجيء وراءه متصلا به دون فاصلة ما، وأخذ أحدهما من الآخر بصورة تدريجية ساعات ودقائق، ثم يتلوه صاحبه فيرجع إليه

стр. 1077

ليسترد ما أخذه منه حتى يبلغ الغاية المقدّرة في الأزل، وهكذا كل منهما يعيد الكرة على الآخر دواليك بصورة منتظمة لا تختلف قيد شعرة منذ خلقها الله تعالى إلى الآن، وإلى أن يأذن بخراب هذا الكون «وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» من الكواكب السيارة والثابتة والبحار والأنهار والمعادن الجامدة والسائلة، مما عرفه الخلق ومما لم يعرفه بعد، والآثار الحكمة والخلائق المتنوعة «لَآياتٍ» واضحات عظيمات دالات على وجود الصانع لهذه المصنوعات المتقنة، وعلى كمال قدرته وبالغ حكمته، وعلى ما أنكروه من البعث بعد الموت، وما تعجبوا به من إرسال الرسل وإنزال الكتب بتبيين طرائق الهدى وتعيين مهاوي الردى «لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ٦» الله ويحذرون عاقبة ما خوفهم به رسله، وخص المتقين لأن التقوى تدعو إلى النظر في عواقب الأمور والتدبر لنتائجها، وقد تحدو بهم إلى الفكر والتفكر في آيات الله والتذكر بها لتوصلهم إلى معرفة صانعها المكون هيكلها، فيزدادوا إيمانا وتصديقا وإذعانا، فينقادوا إلى الله ويؤمنوا برسله وكتبه واليوم الآخر، فيحصل لهم المقصود الذي خلقوا لأجله وهو عبادة الله تعالى القائل: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من الذاريات الآتية. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» ولا يتوقعون حصوله ولا يخطرونه ببالهم لتوغلهم بالغفلة عن لتفطن إلى الحقائق الراعنة، لأنهم لا يعتقدون بالثواب والعقاب لإنكارهم اليوم الآخر فلا يخافون وعيدنا وتهديدنا الواقع على لسان رسلنا «وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا» المستعارة الموقتة دار البلاء والمحن التي لم تدم ولم تصف لأحد بدلا من الآخرة الدائم نعيمها دار السعادة والصفاء، وآثروا الأدنى الفاني الخسيس، على الأعلى الباقي النفيس «وَاطْمَأَنُّوا بِها» وركنوا إليها ومالوا بكليتهم عليها وسكنت لها قلوبهم سكون من لا براح له عنها، آمنين من اعتراء المزعجات غافلين عما أعد لهم من العذاب، فبنوا القصور الفخمة القوية، وأملوا الآمال المغوية البعيدة، فأزال ذلك كله الوجل من قلوبهم وصرفها في الملاذ والملاهي حتى أنساهم ذكر الله زخارفها، وصاروا بحالة لم يصل معها إلى قلوبهم ما يسمعون من الإنذار والتخويف والوعيد «وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ٧» لا يتفكرون

стр. 1078

بها لاهون في ألعابهم، مقبلون على لذاتهم، معرضون عما يأتيهم من قبلنا «أُولئِكَ» الذين هذا شأنهم وهو مبتدأ و «مَأْواهُمُ» مبتدأ ثاني وخبره «النَّارُ» وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول والجملة خبر «إن» التي هي بصدر هذه الآية لذلك لا يوقف على (غافلون) ولو كانت إشارة الوقف عليها لأن الكلام لا يتم بها وإشارة الوقف عبارة عن فاصلة فمنها ما يتم بها الكلام فيوقف عليها ومنها ما يوقف عليها، فيرجع القارئ إليها فيصلها بما بعدها ويقف على ما يصح عليه الوقف، وهذا كثير في القرآن العظيم إذ لا يخفى أن الخبر محط الفائدة وهو الذي يوقف عليه لا المبتدأ، والمعنى أن الموصوفين المذكورين الذين لا يرجون لقاء الله مصيرهم ومثواهم نار جهنم جزاء «بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٨» من الأعمال الخبيثة في الدنيا والجار من/ بما/ متعلق بمحذوف تقديره جوزوا بكسبهم القبيح وجاء الرجاء بصدر هذه الآية بمعنى الخوف وهو كثير بلغة العرب، قال أبو ذؤيب: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها. أي لم يخفه والمراد من لقاء الله الرجوع إليه بالبعث بعد الموت والحساب المترتب عليه الجزاء بحسب الأعمال. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» في هذه الدنيا «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ» في الآخرة إلى الجنات العالية «بِإِيمانِهِمْ» الخالص المؤدي إلى ذلك، فتراهم على الطريق السوي في الدنيا مدة لبثهم فيها، ويجعلون بسببه في الآخرة بمكان «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» أي من تحت منازلهم ومن بينها لينظروا إليها من أعالي أصرّتهم وشرفات قصورهم. وقيل إنها تجري بين أيديهم وليس لشيء إلا أن يراد ما بين أيديهم (أمامهم) فإنه شيء يعتدّ به. وقيل يهديهم نور أعمالهم لما جاء في الحديث أن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، فيقول له أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار. وفي هذه الآية دليل على أن مجرد الإيمان منج، إذ قال بإيمانهم دون أن يضم إليه العمل الصالح، وهو لا شك ينجي من التخليد بالنار ويدخل الجنة من لم يتمكن من العمل كمن أسلم ومات قبل أن يقدم عملا صالحا، فإذا أمكنه تقديم العمل

стр. 1079

الصالح فهو من باب أولى «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ٩» الدائم لأمثالهم، وحرف الجر هنا متعلق بتجري وهو حال من الأنهار «دَعْواهُمْ» دعاءهم وهو مبتدأ و «فِيها» متعلق به وخبره «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ» أي أنهم يدعون الله تعالى وينادونه في هذه الجملة الدالة على التنزيه تلذذا بذكره تعالى لا عبادة، وانهم يقولون هذه الجملة كلما يعايتون شيئا من عجائب آثار قدرته ونتائج رحمته ورأفته «وَتَحِيَّتُهُمْ» فيما بينهم «فِيها» أي الجنة «سَلامٌ» أي يحيي بعضهم بعضا وتحييهم الملائكة في هذه الكلمة أيضا. وقيل إن جملة سبحانك اللهم علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، فإذا أرادوا شيئا قالوها، فيأنونهم بما تشتهي أنفسهم وتلذّ به أعينهم من الأطعمة التي لا يشبه بعضها بعضا في اللون والطعم والرائحة والآنية واللذة والكم والكيف والماهية والغداء. فإذا فرغوا حمدوا الله تعالى على ذلك بما يلهمهم المنعم عليهم من أنواع التحميد والتقديس التي منها ما حكاه الله عنهم بقوله عز قوله «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ١٠» فترجع الموائد عند ذلك واستدل القائل بهذا بما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح قال: أخبرت أن أهل الجنة إذا مرّ بهم الطائر يشتهونه قالوا سبحانك اللهم، وذلك دعاؤهم، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فإذا جاء الملك بسلم عليهم فيردون عليه وذلك قوله وتحيّتهم فيها سلام. فإذا أكلوا قدر حاجتهم قالوا الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) . وهذا ترتيب ذكري بحسب الترتيب الوقوعي، إلا أنه خلاف الظاهر، والأولى ما ذكرناه، لأن أهل الجنة يبتدئون أمورهم كلها بتعظيم الله تعالى وتنزيه، ويختمونها بشكره والثناء عليه، ويتكلمون بينهما بما أرادوا مما يلقيه ربهم على قلوبهم. أخرج مسلم عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون، قالوا فما بال الطعام يا رسول الله؟ قال جشاء (أي يخرج جشاء وعرقا) ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس وفي رواية التسبيح والحمد. وجاء في صحيح مسلم في وصف أهل الجنة يسبّحون الله تعالى بكرة وعشيا.

стр. 1080

مطلب كراهية الدعاء بالشر على النفس: قال تعالى «وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ» الذي يدعونه على أنفسهم فيجيب دعاءهم فيه ومنه قول أهل مكة (اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) الآية ٣٢ من سورة الأنفال في ج ٣، ومنه قولهم عند سماع الآيات التي فيها الوعيد (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الآية ٤٨ من سورة يس المارة في ج ١، ومثلها الآية ٣٨ الآتية وهي مكررة في القرآن كثيرا، قال ابن عباس المراد في هذه الآية دعاء الرجل على أهله وولده عند الغضب مثل قوله لعنك الله، لا بارك الله فيك، وكذا المرأة تقول لولدها قصف عمرك أعماك الله كسرك لا وفقك وشبهه، وقال قتادة المراد دعاء الرجل على نفسه وماله وأهله وولده بما يكره أن يستجاب له فيه. راجع الآية ١١ من سورة الإسراء في ج ١ أي لو يعجل الله للناس استجابة دعاءهم بالشر «اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ» أي كطلبه وإرادة إجابته «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ» حالا ولفرغ من إهلاكهم من كثرة ما تلوكه ألسنتهم من ذلك الدعاء السيء لكن الله تعالى بمنه وكرمه، قد يستجيب للداعي بالخير ولا يستجيب له بالشرّ، قال ابن قتبية إن الناس عند الضجر يدعون على أنفسهم وأهليهم بالموت وتعجيل البلاء كما يدعون بالرزق والرحمة، فلو بدلوا الدعاء حال الغضب بالشرّ على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، بالخير، لهم لكان أولى وأنفع لهم تحاشيا عن حصول الشر والوقوع بالملامة إذا صادقت الدعوة ساعة إجابة، حفظنا الله من ذلك. والتفسير الأول أولى وأحسن انطباقا على المعنى، لأن المراد بالناس في هذه الآية- والله أعلم- المذكورون في قوله تعالى (الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) الآية السابقة، ويؤيد هذا ما جاء أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث أحد رؤساء قريش مكة القائل (اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) الآية المارة آنفا، وعليه يكون المعنى ولو يعجل الله لهؤلاء الكافرين العذاب كما يعجل لهم الخير في المال والولد لعجل قضاء آجالهم فأماتهم جميعا، ويدل على هذا أيضا قوله تعالى تتمة هذه الآية «فَنَذَرُ» نترك ونهجر «الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» السابق

стр. 1081

ذكرهم ووصفهم «فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١» يترددون من الحيرة في تمردهم وعتوهم ولكنا بمقتضى الحكمة الأزلية لا نعجل الشر لهم ولا ننقص أجلهم عما هو مقدر لهم، بل نمهلهم ونستدرجهم، لا نتركهم ولا نهملهم، وسنفيض عليهم النعم ونغريهم بالمال والجاء حتى تلزمهم الحجة ويستكملوا جميع ما قدر لهم في أزلنا الذي لا يتبدل، ثم نأخذهم على غرة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ أللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وتقربة بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفارة له يوم القيامة. ولا يقال إن هذه الآية أي (اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) إلخ لم تنزل بعد، فلا يصح أن تكون الآية المفسرة سببا للنزول في حق القائل لأن الكفرة كانوا يتقولون بما في معناها كلما سمعوا آية وعيد أو تهديد أو تخويف من حضرة الرسول ﷺ بدليل طلبهم استعجال العذاب مثل قولهم (مَتى هذَا الْوَعْدُ) الآية المنوه بها آنفا وأمثالها، ولأن آية الأنفال لم يكن نزولها في المدينة المنورة كي يحتج بها هذا القائل لأنها نزلت بمكة منفردة عن سورتها وليست هي وحدها بل ما قبلها وما بعدها من الآية ٢٠ إلى ٢٦ نزلت بمكة حكاية عن حالتهم السابقة وتهكم بهم كما سنأتي على ذكرها وسببها عند تفسيرها في القسم المدني إن شاء الله وقد أعمي الله قلب النضر المذكور عن أن يقول اللهم إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه ووفقنا له بدلا من أن يقول (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً) إلخ، ولكن توغله في الضلال وتماديه في العناد أداء إلى قوله ذلك، لأن اللسان ينطق بما يتلقاه عن القلب والدنّ ينضح بما فيه من خذلان الله إياه، قال تعالى «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ» الشدة والضنك «دَعانا لِجَنْبِهِ» مضجعا «أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً» أي أنه يثابر على الدعاء في جميع أحواله وحالاته «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ» الذي أنهكه بعد أن التجأ إلينا ودعانا «مَرَّ» مضى واستمر على حالته الأولى من الإعراض عنا ونسي حالة الجهد والبلاء ولم يركن إلينا ويدعنا شكرا على رحمتنا به وإجابتنا لدعائه، وصار من شدة غفلته وعمهه وإعراضه وانهماكه في زخارف الدنيا وشهواتها

стр. 1082

«كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا» قبل «إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ» وكأنه لم يصبة شيء من الفقر والفاقة والمرض البتة «كَذلِكَ» كما زينا لهذا الإنسان جهله القبيح ونسيانه المليح «زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ» الذين تجاوزوا حدود الله وأفرطوا بكل صفة ذمية وفرطوا بكل خصلة ممدوحة فرأوا حسنا «ما كانُوا يَعْمَلُونَ ١٢» من القبائح والإعراض عن الله تعالى والانهماك في الشهوات والمثابرة على الكفر. ونائب فاعل زين هو لفظ ما الذي هو بمعنى الذي، أي العمل السيء الذي كانوا يعملونه بإغواء الشياطين وتسويلاتهم. وفي هذه الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهوع إليه في الشدة. ومما يليق بالكامل أن يتضرع إلى مولاء في السراء والضراء فهو أرجى للإجابة، وأن يكثر الخوف حالة الرخاء والصحة، والرجاء حالة الفاقة والمرض، فهو أجدر بالخضوع إلى الله. جاء عن أبي الدرداء: أدع الله تعالى يوم صرائك يستجب لك يوم ضرائك. وعن أبي هريرة: من صره أن يستجاب له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاء في الرخاء. وجاء عنه ﷺ : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في تفسير الآية ٨٣ من سورة الإسراء في ج ١ فراجعه. والمراد بالإنسان هنا من حيث اللفظ والمعنى الكافر بقطع النظر عن كونه معينا فتشمل الآية من نزلت فيه وغيره من كل من هذه صفته من الكافرين والعاصين غير المبالين بما يفعلون، لأن أل فيه للجنس ويدخل تحت الجنس عموم أفراده. هذا، واعلم أن المزين في الحقيقة للعمل هو الله تعالى، لأنه مالك الملك، والخلق كلهم عبيده يتصرف فيهم كيفما شاء وأراد. راجع قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) الآية ٥٧ من سورة الأنعام الآتية، وقوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩٦ من سورة الصافات، وقوله تعالى (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) الآية ١٣٥ من الأنعام أيضا، وإذا كان للشيطان سبب ظاهرى فيكون بإقدار الله تعالى إياه، وإلّا فهو عاجز أيضا عن أن يقسر الإنسان على فعل شيء أو عدمه، راجع قوله تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) الآية ٧٦ من سورة النساء في ج ٣، والآية ٣١ من سورة إبراهيم الآتية، وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في تفسير الآية ١٢١ من سورة طه المارة في ج ١، وفيها ما يرشدك

стр. 1083

إليه من المواضع التي فيها هذا البحث فراجعها. قال تعالى «وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ» السابقة كقوم نوح وعاد وثمود، وقد بينا ما يتعلق بالقرن في الآية ١٥ من سورة الإسراء المارة في ج ١ فراجعها «مِنْ قَبْلِكُمْ» يا أهل مكة وقد التفت بالخطاب تعالى خطابه إليهم مبالغة في التشديد والتهديد «لَمَّا ظَلَمُوا» أنفسهم بتكذيبهم آياتنا ونماديهم في الغي والبغي «وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» الواضحة فكذبوهم كما كذبتم محمدا يا أهل مكة الذي جاءكم بمثلها «وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» برسلهم مثلكم بل بقوا مصرّين على كفرهم «كَذلِكَ» مثل ما جزيناهم بالهلاك «نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ١٣» منكم فنهلككم أيضا وكذلك نجزي كل طائفة مجرمة لم ترجع عن كفرها بالهلاك «ثُمَّ جَعَلْناكُمْ» يا قريش بعد إهلاك القرون الماضية «خَلائِفَ» لهم «فِي الْأَرْضِ» لإعمارها ونشر السلام فيها وعبادة مكونها وحده «مِنْ بَعْدِهِمْ» أي الهالكين الذين أساؤا التصرف بها وعبدوا الأوثان «لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٤» هل تقتفون آثارهم فتستحقون الإهلاك مثلهم أو تعملون خيرا فتستوجبون النجاة في الدنيا من عذاب الاستئصال والجنة في الآخرة والنعيم الدائم. واعلم أن كلمة كيف منصوبة بتعلمون لا بننظر قبلها لأن معنى الاستفهام فيه يمنع تقدم عامله وعليه يكون المعنى أنكم أيها الناس بنظر منّا وتحت مراقبتنا فانظروا كيف تعملون أتعتبرون بمن قبلكم فتفوزون بالنجاح، أم تعترون بما أنتم عليه فتهلكون، والله تعالى لا ريب عالم بما يقع منهم قبل وقوعه ناظر إليه قبل شروعهم فيه، وإنما قال لهم ذلك إظهارا لقوله سبحانه لعباده بأن يعاملهم معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه على حد قوله تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الآية الثانية من سورة تبارك الملك الآتية فيظهره لخلقه ليتيقنوا أن من يعمل صالحا يجازى بأحسن منه، ومن يقترف طالحا يجازى بمثله. مطلب ذم الدنيا وحالة الرسول وعمر فيها: روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال إن الدنيا

стр. 1084

حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واحذروا فتنة النساء أي وفتنتها، ولا تعتروا بزخرفها وخذوا منها ما يكفيكم، ودعوا الفضل تكونوا فاضلين. قال تعالى (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) الآية ٧٧ من سورة النساء في ج ٣، وليعلم أنه لم يؤت الإنسان في هذا القليل إلا قليلا، وهذا القليل إن تمنّعت به فهو لهو ولعب، قال تعالى (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) الآية ٢١ من سورة الحديد في ج ٣، وقال تعالى (وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) الآية ١٤ من سورة العنكبوت ومثلها ٣٢ من سورة الأنعام الآتيتين ومثلها الآية ٣٦ من سورة محمد في ج ٣، فعلى العاقل أن لا يشري حياة قليلة فانية بحياة كثيرة باقية، قال ابن عياض لو كانت الدنيا ذهبا يفنى والآخرة خزفا يبقى لوجب أن نختار ما يبقى على ما يفنى، قال تعالى (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الآية ٢٤ من سورة لقمان الآتية. وقال ﷺ لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ألا أريك الدنيا بما فيها قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رءوس الناس وقذرات وخرق بالية وعظام البهائم، فقال يا أبا هريرة هذه الرءوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، وهي اليوم صارت عظاما بلا جلد ثم هي صائرة عظما رميما، وهذه القذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها في الدنيا، فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياسهم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام رءوس دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا. وروي أن عمر بن الخطاب دخل على النبي ﷺ وهو على سرير من الليف وقد أثر الشريط في جنبيه، فبكى عمر فقال ﷺ ما يبكيك يا عمر؟ فقال تذكرت كسرى وقيصر وما كانا عليه فيه من سعة الدنيا وأنت رسول الله وقد أثر الشريط في جنببك، فقال ﷺ هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا،

стр. 1085

وقد تمثل عند ما آلت له الخلافة بالآية الآتية الدالة على معنى قوله ﷺ هذا وذلك أن ضيفا جاءه ذات يوم وأمامه قصعة يأكل منها وبجانبه ضيفان يأكلان على قصعة أخرى، فجلس معه فرأى عظاما وعصبا، فقال ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال هذا الذي ترى إنا إذا ذبحنا الجزور بعثنا بمطايب اللحم إلى آل محمد، والذي يليه للمهاجرين والأنصار، والذي يليه للضيفان، وما بقي من عظم وعصب لعمر وآل عمر، فبهت الرجل ثم قال له عمر اعلم أيها الرجل أنا أعلم بصلاء الجداء منكم، ولكن نتركه لئلا يقال لنا غدا (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا) الآية ٢١ من سورة الأحقاف الآتية. قيل أن تيمور لنك لما أسر ببلد رم با يزيد قال له هل أنت آسف؟ قال وكيف لا، فقال لا تأسف فلو كانت الدنيا تساوي عند الله ذرة ما ملكها لمثلك أعور ومثلي أعرج، ثم قال له أتدري من الملك؟ قال أنت، قال لا، الملك من يشهد له الناس في اليوم والليلة على رءوس المنابر خمس مرات. فتدبر قوله هذا، واعلم أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. قال تعالى «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا» المعنيون بالآيات السابقة، وقد وضع الموصول فيها موضع الضمير إشعارا بالذّم لهم أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو محمد ﷺ إن كنت تريد أن نؤمن بك «ائْتِ» لنا «بِقُرْآنٍ» ليس فيه عيب آلهتنا ولا ترك عبادتها «غَيْرِ هذا» الذي تتلوه علينا المملوء بما نكره المحشو بتنديد ما نعبده «أَوْ بَدِّلْهُ» بأن تجعل الآية المشتملة على سب آلهتنا آية أخرى في مدحها، ومن هؤلاء الخبثاء عبد الله بن أمية المخزومي والوليد ابن المغيرة ومكرز بن حفص وعمر بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام، وقد قالوا هذا لحضرة الرسول على طريق التجربة والامتحان ليعلموا صدق قوله وعدمه، فأجابهم الله تعالى عن التبديل لأنه في طوق البشر بقوله «قُلْ يا محمد لهؤلاء العتاة «ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي» لأني لم آت به من جهة نفسي كي أتمكن من تبديل شيء منه، ولا ينبغي لي أن أفعل هذا «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» من ربي فلا أقدر أن أزيد فيه شيئا ولا أنقص البتة «إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي» بالإقدام على تبديل

стр. 1086

حرف أو زيادته أو نقصه «عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٥» هو يوم القيامة الذي لا أعظم منه هولا، وهذا جواب لكم عما طلبتموه من التبديل، أما الإتيان بقرآن آخر غير هذا فهو خارج عن طوق البشر، فلا أقدر أنا ولا غيري عليه البتة، وهذا وما بعده في الآية رد صريح على من يقول إن القرآن أتى به محمد من عند نفسه، وكثير من آيات هذه السورة جاءت بمعرض الرد على هذا وآيات غيرها في السور الأخرى أيضا صريحة بالردّ على هؤلاء الذين يشكون يكون هذا القرآن من عند الله، وقد أكد ذلك بقوله جل قوله لحبيبه «قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ» لأني أمي كما تعلمون لا أحسن القراءة والكتابة وإن تلاوتي له عليكم أمر غريب أبرزه لكم، وإن إظهار أمر عجيب خارج عن العادة وخارق لها وإن أمّيّا مثلي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء أو يجالسهم وقد قضى ردحا من عمره بين أظهركم وأنتم تعلمون ذلك إذ أنتم أميون مثلي فقراءتي عليكم كتابا بكلام فصيح يعلو على كل فصيح مشحونا بالأخبار الغيبية مما لا يعلمه إلا الله لمن أغرب الأمور وأعجبها إن كنتم تعقلون، واعلموا يا قومي أن الله تعالى لو شاء لم ينزله علي ولم يأمرني بتلاوته «وَلا أَدْراكُمْ بِهِ» ولا أعلمكم بذلك على لساني لأن الأمر منوط به وليس لي شيء منه أصلا، لأني عاجز عن الإتيان بشيء منه مثلكم وقرىء (ادرأتكم) بإسناد الفعل إلى حضرة الرسول عطفا على ما تلوته لتوحيد الضميرين، والقراءة المشهورة هي ما في المصاحف بإسناد الضمير إلى الله تعالى وهي أبلغ في المعنى «فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً» مدة أربعين سنة «مِنْ قَبْلِهِ» قبل إنزاله علي من قبل الله وتلاوتي إياه عليكم، فلو كان شيء منه في نفسي لتلوت عليكم خلالها شيئا منه وهذا دليل كاف على ردّ زعمكم بأن هذا القرآن من عندي أو أني تلقيته من الغير، أو أني أقدر على الإتيان بشيء منه، وإلا لوقع منّي ولو بعض آية على طريق السهو على الأقل طيلة تلك المدة. وبما أنكم يا قوم تعلمون عدم وقوع شيء مني من هذا القرآن، ولم أقل لكم إنه أنزل علي شيء منه، ولم أدّع النبوة التي شرفني الله بها إلا بعد مضي الأربعين من عمري، وإذا علمتم هذا وتحققتم عدم ادعائي شيئا من ذلك فاعلموا أنه من عند الله، وأن البشر كلهم عاجزون عن الإتيان بآية

стр. 1087

منه أو أقل، وعاجزون عن تبديل ما أوحي إلي منه أيضا، وإني أبرأ مما تتوهمونه وما تسندونه إلي مخافة عذاب الله ربي «أَفَلا تَعْقِلُونَ ١٦» ما وضحته لكم وتعترفون بأني نشأت بينكم ولم أغب عنكم لأنهم بالتعليم من الغير، فمن له منكم مسكة من عقل سليم وذهن مستقيم يعلم صحة ذلك، ويعرف بأن هذا الذي أتلوه عليكم منزل من عند الله العزيز الحكيم وكما أنكم عاجزون كلكم عن الإتيان بمثله فأنا مثلكم عاجز أيضا لأني من أحدكم فاتقوا الله وآمنوا به يا قوم لعلكم تفلحون. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة (أي بعد كما لها لأن النزول بدأ في الإحدى والأربعين من عام ولادته ﷺ فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه (أي القرآن إلا شهورا) ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث فيها عشر سنين (أي يوحى إليه أيضا) ثم توفي ﷺ ، فيكون عمره الشريف ثلاثا وستين سنة وهو الصحيح من أقوال ثلاثة، لأن من قال إن عمره ستون سنة اقتصر على العقود وترك الكسر وهو ما بين العقدين وكل عشر سنين يسمى عقدا، ومن قال خمس وستون حصل له اشتباه في مدة الإقامة بمكة والمدينة من حساب السنة مرتين، قال تعالى «فَمَنْ أَظْلَمُ» لا أحد أكثر ظلما ولا أعظم ذنبا «مِمَّنِ افْتَرى» اختلق من تلقاء نفسه «عَلَى اللَّهِ كَذِباً» فنسب إليه ما لم يكن من الشريك والصاحبة والولد «أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» المنزلة على أنبيائه فكان مجرما بافترائه هذا «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ١٧» المقترفون أوزارا توجب هلاكهم في الدنيا وإهلاكهم في الآخرة وإذا كان كذلك، فاعلموا يا قوم أن من أعظم الإجرام أن آتيكم بشيء ليس من عند الله وأقول لكم هذا من عنده فكيف يسوغ لي أن أجرؤ على ذلك أو يتسنى لي الإقدام عليه كلا لا يجوز لي ذلك أبدا فأكون مفتريا على الله مزورا عليكم بهتا واختلافا، ولكنكم أنتم افتريتم على الله تعالى فنسبتم له شريكا وصاحبة وولدا وهو منزه عن كله، ونسبتم لي الافتراء والسحر والكهانة والتعليم من الغير، وأنا بريء من ذلك كله، فكنتم مجرمين مستحقين عذاب الله، قال تعالى «وَيَعْبُدُونَ» هؤلاء الكفرة المكذبون أوثانا «مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ» إن تركوا

стр. 1088

عادتها «وَلا يَنْفَعُهُمْ» إن عبدوها لأنها حجارة لا تحس بالتعظيم والتبجيل والعبادة التي هي أعظم أنواع التعظيم لا تليق إلا لمن يضر وينفع بأن يقدر على الإحياء والإماتة والخير والشر والصحة والمرض والفقر والغنى «وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ» الأوثان جهلا منهم وسخافة بهم «شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» مع علمهم بأنها لا تضر من جحدها ولا تنفع من اعترف بها، ويقولون ما حكى الله عنهم في الآية ٣ من سورة الزمر الآتية (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) كما سيأتي بعد من أن هؤلاء العتاة توهموا أن عبادة الأوثان أشدّ وأكثر، في تعظيم عبادة الله وحده لزعمهم أنهم ليسوا بأهل لأن يعبدوا الله الإله الواحد رأسا، بل يعبدون هذه الحجارة والأخشاب، تقربا إلى الله تعالى، ويقولون إنها واسطة بينهم وبينه وإنها تشفع لهم عنده في الدنيا لإصلاح معاشهم، إذ جعلوها على صور رجال صالحين بزعمهم ذوي خطر عندهم ومكانة عالية، أما الآخرة فلا يحسبون لها حسابا لأنهم لا يعتقدون بالبعث بعد الموت، وقد حكى الله عنهم بقوله عز قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) الآية ٣٩ من سورة النحل الآتية، ومن يقول منهم على طريق الشك إن هناك آخرة فيعتقدون أنها تشفع لهم فيها أيضا عند الله إن كان هناك آخرة على ما يزعم محمد وأصحابه فيها بعث ونشور وحساب وعقاب وجزاء، وإن الشفاعات تنفع لأن محمدا يقول بها فإنا نتخذها لتشفع لنا أيضا وقد عبدناها في الدنيا لتكون شافعة لنا في الآخرة، أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحارث يقول إذا كان يوم القيامة شفعت اللّات والعزّى وفيه نزلت هذه الآية ونزولها فيه لا يقيدها بل تشمل كل من قال قوله بشفاعة الأوثان أو اشتراكها مع الرحمن «قُلْ» يا أكرم الرسل «أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ» وجوده «فِي السَّماواتِ» «وَلا فِي الْأَرْضِ» وتسمونه شريكا له وشفيعا عنده، وهو لا يعلم له شريكا البتة ولم يعط الشفاعة لديه أحدا من أهل السموات والأرض إلا لمن يرضاه ولم يفوض من يرضاه بالشفاعة إلا لمن يرتضيه « » من أن يتفوّه أحد بمثل ذلك عليه، وله البراءة والتنزيه «عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨» معه من الأنداد والأضداد، تعالى عن ذلك كله علوا كبيرا. قال تعالى «وَما كانَ النَّاسُ»

стр. 1089

في عهد آدم ﵇ «إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً» حنفاء لله متفقين على عبادته وطاعته واستمر الأمر كذلك إلى أن أغوى إبليس قابيل فقتل أخاه هابيل «فَاخْتَلَفُوا» بعد هذه الحادثة الأولى من نوعها لأنه أول شر وقع على وجه الأرض، فتفرقوا من أجلها، إذ أن قابيل أخذ أخته وهرب من وجه أبيه، وبقي آدم ومن معه على عبادة الله وطاعته، وكفر قابيل ومن معه، فصاروا قسمين مؤمنين وكافرين، وهذا التفسير أولى من القول بأن الناس كانوا أمة واحد متفقين على الكفر والمكر من زمن نوح ﵇، مستدلا بقوله تعالى (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الآية ١٣ من سورة البقرة في ج ٣، لأن هذه الآية تنطبق على قوم نوح ﵇ إذ بعث فيهم وكلهم كافرون، ولذلك عمهم الله بالعذاب ولم يبق على وجه الأرض منهم أحدا إلا نوحا ومن آمن به، كما فصلناه في الآية ٥٨ من الأعراف في ج ١، ولهذا البحث صلة في الآية ٢٤ من سورة هود الآتية. هذا إذا كان المراد بالناس على الإطلاق فيجوز أنهم كانوا كذلك وتفرقوا ببعثته ﵇، إذ خالفوا أمره واختلفوا فيما بينهم على إجابة دعوته، هذا إذا كان المراد بالناس العرب خاصة، فيكون المعنى أنهم كانوا على دين الإسلام من عهد إسماعيل ﵇، إذ أن أباه إبراهيم ﵇ سمى أتباعه المسلمين كما سيأتي في الآية الأخيرة من سورة الحج في ج ٣، وبقوا مسلمين إلى أن غيرّه عمرو بن لحى، إذ سن لهم عبادة الأوثان، وهو أول من عبدها، إذ أنهم كانوا على الفطرة السليمة الصحيحة أول الخلق، ثم اختلفوا في الأديان وإليه الإشارة بقوله ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه والمراد بالفطرة في الحديث فطرة الإسلام لأنه دين الفطرة دين الحق والصدق. والتفسير الأول أولى، لأن الاختلاف وقع بعد حادثة ابني آدم ﵇ كما ذكرناه آنفا. وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول ﷺ إذ يخبره ربه بأن لا مطمع لصيرورة الناس كلهم على دين واحد كما يريد لأن الله أراد ذلك كما سيأتي في الآيتين ١١٧/ ١١٨ من سورة هود الآتية، قال تعالى «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» وهي جعله لكل أمة أجلا وقضى بسابق أزله تأخير العذاب عن

стр. 1090

قومك وإمهالهم للإيمان به «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» بتعجيل عقوبة المكذبين وعدم إمهالهم، ولكان إنزال العذاب العاجل بهم فصلا بينهم «فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٩» ولأراهم المحق من المبطل وأهل النعيم من أهل الجحيم حالا، ولكن اقتضت حكمته ذلك التأخير ليبلغ كل منهم جهته المتجه إليها بأعماله التي يزاولها وإظهار ما خفي في نفسه إلى الناس، ليعلموا أن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، لأن من مفاد رحمته التي سبقت غضبه تأخير القضاء فيهم ليوم القضاء، قال تعالى حاكيا جنايتهم الأخرى «وَيَقُولُونَ» لبعضهم كفرة قومك يا سيد الرسل «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» محسوسة مشاهدة كآية موسى ﵇ اليد والعصا وآية عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص لآمنا به، وبما أنه لم يأت بشيء من ذلك ولا مما اقترحناه عليه مما ذكر في آية الفرقان ٦ فما بعدها، وآية الإسراء ٩٠ فما بعدها المارتين في ج ١ فلا نؤمن به «فَقُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء العمه القلوب الذين أعمى الطيش أبصارهم وملأ الحمق قلوبهم إنما تطلبونه من الغيب و «إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ» وحده اختص به نفسه وليس من خصائص البشر مثلي «فَانْتَظِرُوا» حصول ما تطلبونه من الآيات من الله الذي أعطاها للأنبياء قبلي «إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ٢٠» ذلك لأن الأنبياء لم يأتوا بالآيات من أنفسهم، وهذه الآية جواب لهم وتهديد ووعيد بأنهم إذا لم يكتفوا بما أنزل الله من القرآن والآيات الأخر كانشقاق القمر والأخبار بالغيبات فإن الله تعالى ينزل بهم عذابه فلينتظروه لأن سؤالهم هذا بعد ما أراهم الله من الآيات على يد نبيه محمد ﷺ عبارة عن تعنت وعناد، ولو أنصفوا لاكتفوا بالقرآن العظيم الباقي إعجازه على ممر الدهور، لأنه الآية الكبرى والنعمة العظمى، قال تعالى «وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً» من خصب وسعة وصحة وجاه «مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ» قحط وفقر ومرض وذلة «مَسَّتْهُمْ» حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، أسند جل شأنه ضمير إذاقة الرحمة إليه وضمير الضراء إليهم ليتعلمّ الناس الأدب بتعاليم الله تعالى المبينة في هذا القرآن، فيسندوا كل ما يدل على الخير إليه تعالى وما يدل على الشر إليهم أنفسهم، وليتأدبوا أيضا بعضهم مع بعضهم بمقتضى تفضيل الله
следующие страницы →