← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

المبالات بهم وإلا فإن الله تعالى يعلم أن ما لنبيّه من حاجة لمشورة أحد من خلقه ولكن أراد استجلاب عطفهم على رسوله وانفراز مودته في قلوبهم وجعل المشورة سنة لمن بعده على الإطلاق وعلى كل الرأي بعد المشورة له خاصة وليس عليه أن يتقيد برأيهم لأنه أوسع فكرا منهم وأصوب رأيا وأكبر تدبيرا وتدبرا في العواقب. وهذا في الأمور التي لم ينزل فيها وحي أما ما نزل فيها الوحي فلا خيار له هو نفسه فيه فضلا عن أخذ رأي غيره. واعلم أن المشاورة في الأمور ممدوحة مطلوبة ومحمودة قال بعضهم: وشاور إذا شاورت كل مهذب ... لبيب أخى حزم لترشد بالأمر ولا تك ممن يستبد برأيه ... فتعجز أو لا تستريح من الفكر الم تر أن الله قال لعبده ... وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر وعلى المستشير ألا يشاور من لا يثق به ولا يحبه ولذلك قالوا سبعة لا يشاورون: ١- جاهل لأنه يضل ٢- وعدو لأنه يريد الهلاك ٣- وحسود لأنه يتمنى زوال النعمة ٤- ومراء لأنه يقف مع رضاء الناس ٥- وجبان لأنه يهرب من كل ما يرعب فلا يميل إلا إلى سفاسف الأمور ٦- وبخيل لأنه يحرص على ماله فهو على نفسه أحرص فلا رأي له في العز ٧- ذوي هوى لأنه أسير هواه فلا خير في رأيه. وقالوا أيضا لا يشاور معلم الصبيان الذي لا يخالط الناس لقصر رأيه ولا راعي غنم يقوم معها وينام معها، ومن يخالط النساء دائما، وصاحب الحاجة لأنه أسير حاجته فيلائم صاحبها على رأيه، ويشاور من عناهم القائل بقوله: عليم حكيم ما هو عند رأيه ... نظار إلى ما تبدوا إليه مذاهبه بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه عن كل أمر عواقبه وقال ﷺ المستشار مؤتمن وعليه يجب على العدو إذا استشاره عدوه أن يسديه نصحه هذا، وإذا استشرت صاحبك فأشار عليك بما لم تره موافقا أو لم تحمد عاقبته فلا تلمه أو تعاقبه لأنه أدى لك ما يحبه لنفسه وأنت غير ملزم برأيه. قال تعالى «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» أي إذا قطعت الرأي بعد المشورة التي هي كالاستيناس والاستطلاع لأن في احتكاك الآراء يظهر القصد الأحسن من الحسن

стр. 2627

وتستبين الغاية المنشودة كالنار الناشئة من تصادم الحجرين وعلى كل فليكن توكلك على الله في تنفيذ ما تصمم عليه «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» ١٥٩ عليه في كل أمورهم، وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية ٧٢ من سورة النحل ج ١ والآية ٢٨ من سورة الشورى في ج ٢، وتشير هذه الآية إلى أن الرأي للأمير والفقرة الأخيرة منها تؤكد عدم التقيد برأي الغير. قال تعالى «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فيما بعد كما نصركم في بدر «فَلا غالِبَ لَكُمْ» البتة «وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ» كما وقع لكم في أحد «فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ» أي لا أحد أبدا «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (١٦٠) لا على غيره وقد بينا ما يتعلق بالتوكل في الآية ٤٠ من سورة الواقعة في ج ١، ولم تنته بعد الآيات النازلة في واقعة أحد إذ لم يذكر الله في حادثة مثل ما أنزل فيها لأنها أول فاجعة أصابت المسلمين. وما قيل إن هذه الآيات الأخيرة بعد آية الرّبا نزلت في حادثة بدر لا صحة له ولا ينطبق على شيء منها وإنما الآية الآتية قد يكون لها علاقة في غنائم بدر فقط وهي قوله تعالى «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» أي ما صح ولا استقام لأي نبي أن يخون في الغنائم البتة لمنافاته مرتبة النبوة التي هي أعلى المراتب وأسمى الكمال الإنساني وأشرفه، وهذا للامتناع العقلي مثله في قوله تعالى (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) الآية ٢٥ من سورة مريم وقوله (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) الآية ٦٠ من سورة النمل في ج ١، وقرئ يغل على البناء للمجهول على أنها من أغللته إذا نسبته للغلول كما تقول أكفرته إذا نسبته للكفر قال الكميت: وطائفة قد أكفرتني بحبكم ... وطائفة قالت مسيء ومذنب أي لا يجوز لأحد أن ينسبه للغلول «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ» حاملا له على عنقه في النار ليزداد فضيحة «ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ» إن خيرا فخير وإن شرا فشر «وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» (١٦١) فتيلا من جزاء أعمالهم والصحيح أنها أيضا في حادثة أحد لأن الرماة لما رأوا هزيمة المشركين ظنوا أن يقول الرسول من أخذ شيئا فهو له كما فعل في بدر، وهذا الذي حدا بهم إلى ترك مراكزهم لا غير فعاتبهم الرسول وقال لهم أظننتم ذلك فيّ

стр. 2628

فأنزل الله هذه الآية. قال تعالى «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ» كالمهاجرين والأنصار الذين جاهدوا ولم يبرحوا مكانهم ولم يتركوا رسولهم «كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ» أي رجع من ساحة الحرب لخذلان الرسول وأصحابه وهم المنافقون المار ذكرهم «وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (١٦٢) هي لأهلها لأن عبد الله ابن سلول وأصحابه ماتوا على الكفر وان المعبر عنهم برضوان الله «هُمْ» الذين اتبعوا الرسول لأن رضاء الله باتباعه ﷺ «دَرَجاتٌ» في التفضيل عند الله والذين تخلفوا عنه باءوا بسخط الله فهم دركات في غضبه والكل منهم متفاوتون «عِنْدَ اللَّهِ» في الثواب والعقاب «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» (١٦٣) عليم بما يستحقه كل منهم، لأن البصير لا تخفى عليه خافية مهما دقت وخفي حجمها وأمرها، قال تعالى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ» فأحسن وتفضل وأنعم «عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» خاصة والعرب عامة «إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» من جنسهم ولسانهم وليسهل عليهم الأخذ منه وليثقوا به، قال أبو طالب في خطبة خديجة ﵂ إلى محمد ﷺ : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وإن ابني هذا محمد بن عبد الله لا يوزن بفتى إلا رجح، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل، وقد صدق والله ﵀ وحقق فراسته، إذ أرسله إليهم «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ» من دنس الشرك ودرن الخبث ونجاسة المحرمات ووسخ الأرجاس «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» في تضاعيف تعليمهم مدارك آيات الله المنزلة عليه ومعاني السنة التي يسنها لهم «وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ» بعثته إليهم «لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (١٦٤) لا يخفى على أحد. قال تعالى «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ» بحادثة أحد من هزيمتكم وقتل خمسة وسبعين من رجالكم فإنكم «قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها» من أعدائكم يوم بدر إذ قتلتم سبعين وأسرتم سبعين وهزمتموهم أيضا يوم أحد أولا وقتلتم منهم نيفا وعشرين عدا الجرحى «قُلْتُمْ أَنَّى هذا» أي كيف نغلب ولم أصابنا هذا وقد وعدنا النصر، ومن أين جاءنا هذا الخذلان

стр. 2629

والرسول معنا «قُلْ» لهم يا سيد الرسل إن هذا الانكسار «هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» بسبب مخالفتكم رأي رسولكم أولا بالخروج، إذ كان رأيه البقاء بالمدينة حتى يجابهوهم فيها فيقاتلهم، وثانيا مبارحتكم أمكنتكم التي أمركم الثبات فيها في ساحة الحرب وحذركم وقال لكم إذا رأيتمونا تخطفنا الطير أو رأيتمونا هزمناهم ووطأناهم فلا تتركوها، ولذلك خذلتم «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١٦٥) ومن قدرته قدر خذلانكم على مخالفتكم تلك ولم ينصركم عليهم تأديبا لكم كي لا تعودوا لمثلها «وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» من قتل وهزيمة في هذه الحادثة «فَبِإِذْنِ اللَّهِ» وإرادته وتقديره «وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ» (١٦٦) منكم من يصبر على الأذى في سبيل الله، ومن يجزع ويظن بالله ما لا يليق به، أي يختبر الله ذلك منهم فيظهره لعباده «وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا» فيظهر نفاقهم للناس أيضا ويفضحهم بينهم، وإلا فإن الله عالم بذلك كله ومدون في أزله، وإن ما وقع هو طبق علمه. وكلمة النفاق لم تعرفها العرب قبل، أخذت من نافقاء اليربوع، لأن حجره له بابان إذا طلب من أحدهما هرب من الآخر، فوضع في الإسلام علامة على تلك الطائفة التي تبطن الكفر وتظهر الإسلام وتكمن الغيظ والبغض وتعلن الرضاء والمودة وتضمر الحقد والحسد وتجهر بخلافهما «وَقِيلَ لَهُمْ» والقائل هو جابر بن عبد الله بن جزام الأنصاري والمقول له عبد الله أبي سلول وأصحابه «تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ» أعداء الله إعلاء لكلمة الله «أَوِ ادْفَعُوا» الأعداء عن المجاهدين إخوانكم وكثروا سوادهم إن لم تقاتلوا «قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» ولم نرجع، وقال عبد الله ما ندري علام نقاتل أنفسنا «هُمْ» المنافقون القائلون هذا القول «لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ» يوم مقالتهم هذه لجابر جوابا لقوله يا قوم اذكروا الله فلا ترجعوا وتخذلوا نبيكم عند حضور عدوه «أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ» لأنهم أظهروا نفاقهم وجاهروا بعنادهم وكانوا «يَقُولُونَ» كلمة الإيمان أمام الأصحاب «بِأَفْواهِهِمْ» قولا خارجيا «ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» المحشوة بالكفر الخالية من الإيمان «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ» (١٦٧) في قلوبهم قبل تكلمهم بالإيمان نفاقا، وهؤلاء هم «الَّذِينَ

стр. 2630

قالُوا لِإِخْوانِهِمْ» المنافقين في المدينة «وَقَعَدُوا» عن الجهاد بقصد خذلان الرسول، ثم بين ما قالوه لإخوانهم بقوله «لَوْ أَطاعُونا» أولئك المؤمنون الذين خرجوا مع الرسول وقعدوا معنا «ما قُتِلُوا» في واقعة أحد فرد الله عليهم بقوله «قُلْ» يا سيد الرسل «فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (١٦٨) أن قعودكم يمنعكم منه لأن المقتول ميت بعمره، وإذا كان الموت لا بد منه فليمت العاقل في سبيل الله، راجع الآية ١٥٨ المارة. وتفيد هذه الآية أن المنافق شر من الكافر، وأن الحذر لا يغني عن القدر، وأن الموت في سبيل الله أشرف من الموت على الفراش وهو كذلك. مطلب في حياة الشهداء، وخلق الجنة والنار، وقصة أهل بنو معونة، وما قاله معبد الخزاعي: قال تعالى «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً» كغيرهم ينقطع ذكرهم بالدنيا كلا «بَلْ أَحْياءٌ» يخلد ذكرهم فيها بما نالوه بسببه من الشهادة في الذب عن دينهم وعرضهم وبلادهم وكيانهم، لذلك يبقى ذكرهم الحسن شائع في الدنيا وفي الآخرة «عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (١٦٩) رزقا كريما لا نعرفه كما أن حياتهم حياة لا نعقلها، إذ اختصهم الله بها، لا نطلع على كنهها بالحس، ولا ندركها بالبصر، لأنها من أحوال البرزخ، ولا طريق للعلم بها إلا الاعتقاد الجازم بما ذكره الله، فلو رأيتهم أيها الرائي هناك «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» من الكرامة والإحسان والنعيمه يفرحون «وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ» من إخوانهم الأحياء بأنهم إذا نالتهم الشهادة ولحقوهم إلى دار العزة يكونون مثلهم، وإذا رأيتهم تيقنت «أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» من أحوال الآخرة «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (١٧٠) على ما فاتهم من الدنيا لأن الخير الذي رأوه أنساهم إياها «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ» والتنوين في هاتين النكرتين يدل على التكثير فيكون المعنى نعمة كبيرة وفضل عظيم بما رزقوا من خير مقيم، كما أنهم يستبشرون لإخوانهم المار ذكرهم. ولا تكرار هنا لأن الأول لغيرهم والثاني لهم «وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» (١٧١)

стр. 2631

الآخرين الذين جاهدوا ولم يتوفقوا للشهادة لأنهم سعداء مدّ الله في آجالهم ليكثر ثوابهم، فلهؤلاء ما ذكر الله، أما الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر أقعدهم أو أمر من الرسول بالبقاء للمحافظة على المدن ومن فيها من العاجزين والأطفال والنساء والقيام بشئونهم فإن الله تعالى يثيبهم على حسب نياتهم وإخلاصهم. روى البخاري ومسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن عمر عن هذه الآية (وَلا تَحْسَبَنَّ) إلخ فقال أما انا قد سألنا عن ذلك (يدلّ على أن هذا الحديث مرفوع) فقال (يعني محمد ﷺ أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال هل تشتهون شيئا؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاثا، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا يا رب نريد أن ترد علينا أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى (وهو راء) أن ليس لهم حاجة تركوا. هذا إخبار الله ورسوله عن المقتول في سبيل الله بأنه حي، وعليه فلا يجوز الدخول في هذا وأمثاله بالعقل، فإن العقل لمثله عقال يفسد ولا يصلح، بل يجب الدخول على هذا وأمثاله بالإيمان الصرف الذي من ورائه الإيقان الذي من ورائه العيان، فالعقل هذا كالملح المفسد لبعض، المصلح لآخر، تأمل وتروّ وتأنّ، ولا تقل هنا بالتأني تضيع الفرص والله يرشدك للصواب، راجع ما قدمناه في نظير هذه الآية الآية، ١٥١ من سورة البقرة المارة. واعلم أن في هذا الحديث دلالة على وجود الجنة وأنها مخلوقة خلافا لمن قال بخلافه، ودليل أيضا على عدم فناء الروح، وعلى أن المحسن ينعم في الآخرة وفي البرزخ، والمسيء يعذب فيهما، وهذا هو المذهب الحق، وإن ما جاء في هذا الحديث ليس بمستحيل على الله لأنه قادر على أن يصوّر أرواحهم على هيئة الطير. أما القول بحياة الجسد فهو وإن لم يكن بعيدا على من يحيي العظام وهي رميم ويخلق البشر من النطفة وآدم من الطين وحواء من اللحم وعيسى من غير أب، وكون هذا الكون علويه وسفليه بلفظ كن، إلا أنه لم تجر عادة الله جلت قدرته بذلك، وليس فيه مزيد فضل أو عظيم منّة، ولا إليه حاجة، بل فيه ما فيه من إيقاع الشكوك والأوهام،

стр. 2632

وتكليف ضعفة المؤمنين بالإيمان به دون جدوى. وما حكي عن مشاهدة بعض الشهداء الأقدمين كاملي الأجساد وأن قروحهم تشخب دما عند رفع أيديهم عنها أو نقلهم من محلهم فلعله مبالغة أو حديث خرافة عند بعض الناس الذين يعدون ناقله أو قائله في هذا الزمن من سفهة الأحلام وسخفاء العقول، راجع الآية ٤٣ من سورة الزمر في ج ٢ وما تشير إليه من المواضع التي لها علاقة لما في هذا البحث وإلى هنا انتهت الآيات النازلة في حادثة أحد. وما قيل إن هذه الآية الأخيرة نزلت في شهداء بدر لا يصح، لأن الذي نزل فيهم هي آية ١٥٤ من سورة البقرة المارة. وقال بعض المفسرين إنها نزلت في أهل بئر معونة، ويستدل بما رواه البخاري ومسلم قال: بعث رسول رسول الله ﷺ أقواما من بني سليم إلى بني عامر، وفي رواية: بعث خالي أخا لأم سليم واسمه خزام، في سبعين راكبا، فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن آمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله وإلا كنتم مني قريبا، فتقدم، فأمنوه، فبينما هو يحدثهم عن رسول الله إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه، فأنقذه، فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا منهم أعرج صعد الجبل، قال همام وأراه آخر معه، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم، قال فكنا نقرأ (أن بلغوا عنا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) وهذا إن صح فهو من كلام جبريل لحضرة الرسول وليس من القرآن، إذ لو كان منه لأثبت فيه، وقد ذكرنا أن كل ما هو من هذا القبيل ليس من القرآن، يدل على هذا قوله) ثم نسخ بعد (أي أنهم نهوا عن قراءة تلك الجملة) فدعا عليهم رسول الله أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني عصبة الذين عصوا الله ورسوله. وفي رواية. رعلا وذكوان وبني لحيان استمدوا لرسول الله بسبعين رجلا من الأنصار كنا نسيهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة (أرض ببني عامر وحرة بني سليم) قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقنت عليهم شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصيه وبني لحيان، قال أنس فقرأنا فيهم قرآنا ثم رفع (أي ما ذكر أعلاه) وليس

стр. 2633

بشيء إذ ليس كل ما يخبر به جبريل حضرة الرسول يكون قرآنا، أما قوله فكنا نقرأ فهو عبارة عن تكرار ما قاله جبريل ﵇ لحضرة الرسول ﵊ بشأنهم، وقراءته حكايته، إذ لو كان قرآنا لدون في الصحف كغيره فيما كان يكتب عليه التي كانت في بيت عائشة ثم حفصة التي نقلها القراء في زمن عثمان إلى المصاحف، وحفظت كغيرها من قبل الكتبة، لذلك فلا معنى لقوله ثم نسخ، يدل عليه عدم بيان ما نسخ به، إذ لكل منسوخ ناسخ بما يدل على أن ذلك ليس من القرآن، ومن هنا شرع القنوت عند نزول كل حادثة بالمسلمين في الصلوات. وفي رواية لمسلم: جاء أناس إلى النبي ﷺ فسألوه أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار وذكر نحو ما تقدم، وذلك في شهر صفر السنة الرابعة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، وهذا الخبر على فرض صحته كما جاء ليس نصا في سبب النزول، إذ قيل إن الذي نزل فيهم هو قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) الآية المارة، وكذلك لا يكاد يصح لأن السبب في نزولها قد ذكرناه في الآية ١٢٧ المارة، وقد بينا غير مرّة أن لا مانع من تعدد الأسباب، وأن آية واحدة قد تكون لعدة حوادث، والله أعلم. قال تعالى «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا» وسارعوا بالإجابة «مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» (١٧٢) عند الله لانقيادهم لأمر رسولهم. نزلت هذه الآية في غزوة حمراء الأسد بعد الانصراف من غزوة أحد، روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في هذه الآية قالت لعروة يا ابن أختي كان أبوك منهم والزبير وأبو بكر لما أصاب نبي الله ما أصاب يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير، قال فمر برسول الله ﷺ معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبه رسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله أعفاك فيهم، ثم خرج معبد من عند رسول الله حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا

стр. 2634

على الرجعة إلى رسول الله وقالوا قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرّن على بقيتهم ولنفرغنّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد؟ قال محمد قد خرج عليكم بطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال أبو سفيان ما تقول؟ قال والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل، قال فو الله لقد أجمعنا على الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، فقال والله إني أنهاك عن ذلك، فو الله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا قال وما قلت، قال قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل توري بأيد كرام لا تبابلة ... عند اللقاء ولا ميل معاذيل فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطغطت البطحاء بالخيل أتى نذير لأهل السيل ضاحية ... لكل ذي اربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وحش تقابله ... وليس يوصف ما أنذرت بالفيل قالوا فثنى ذلك أبو سفيان ومن معه. ومن هنا يعلم أن الكذب لمصلحة جائز كما بينته في الآية ٢٦ من سورة الأحزاب الآتية، وبأثناء هذا مر ركب من عبد القيس فقال أين تريدون؟ قالوا المدينة لأجل الميرة، قال فهل أنتم مبلغون عنا محمدا رسالة وأحمل لكم آبالكم زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال إذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان إلى مكة. مطلب غزوة حمراء الأسد، وبدر الصغرى، وأحاديث في فضل الجهاد والرباط: ومرّ ركب رسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال ﷺ وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله راجعا إلى المدينة بعد ثالثة، فنزل قوله تعالى «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ» أي ركب عبد القيس المار ذكره «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» يعني أبا سفيان وقومه «فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ» هذا القول «إِيماناً» على إيمانهم وفي هذه

стр. 2635

الجملة دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص كما بيناه في الآية الثانية من سورة الأنفال المارة «وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (١٧٣) قال عكرمة نزلت هذه الآية في بدر الصغرى، لأن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى نقابل إن شئت، فقال ﷺ بيننا وبينك ذلك إن شاء الله، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل بمجنة من ناحية مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، وفي خلف وعده هذا قال عبد الله بن رواحة: وعدنا أبا سفيان وعدا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم الشيء الذي كان غاويا وأني وإن عنفتموني لقائل ... فدّى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان يا نعيم إني وأعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي يوم بدر الصغرى، وهذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن وبدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير لا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يد سهل ابن عمرو وهو يضمنها لك وبعد أن استدعاه وتعهد له بذلك أتى المدينة فوجد الناس متجهزين لميعاد أبي سفيان، فقال لهم لو عدلتم عن خروجكم لكان خيرا لكم، إني والله قد رأيتهم وما أعدوه لكم، والله لإن أتوكم في دياركم وقراركم لم يفلت منكم إلّا الشريد، أفتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم ما ليس لكم بطاقة لمقابلته، وو الله إن أخذوا بكم لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب الرسول الخروج، فقال ﷺ والذي نفسي بيده لأخرجنّ لهم ولو وحدي، فرجع الجبان وتأهب

стр. 2636

الشجاع، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج في أصحابه حتى وافوا بدرا، وأقاموا فيها، ولما قضي الموسم ولم يحضر أبو سفيان وأصحابه وكان معهم تجارات ونفقات فباعوها وربحوا بالدرهم اثنين وكان مدة سوق بدر ثمانية أيام، وسيأتي لهذه الغزوة بحث في الآية ٤٧ من سورة النساء الآتية إن شاء الله، وعليه فإن سياق الآية يفيد الارتباط بما قبلها، وإنها قصة واحدة، وقد يجوز الوجه الآخر، والله أعلم. روى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا) أي الفقرة الأخيرة فيها وهي (حَسْبُنَا اللَّهُ) إلخ قالها إبراهيم حين ألقي بالنار، وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، ويؤيد الحادثتين قوله تعالى «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» (١٧٤) وعلى اعتبار نزولها في بدر الصغرى يكون المراد بالناس أبا نعيم هذا إذ يجوز في لسانهم إطلاق الناس على الواحد باعتبار أنه إذا قال قولا ورضي به غيره، حسن إضافة ذلك القول إليهم كلهم، وعليه يكون قوله تعالى «إِنَّما ذلِكُمُ» الذي خوفكم بجمع أبي سفيان هو «الشَّيْطانُ» أبو نعيم الذي رشاه أبو سفيان بعشرة من الإبل على أن يفتري تلك الفرية ولم يفز ببغيته، وقد خسر الدنيا والآخرة، وعلى المعنى الأول ركب عبد القيس الذي مرت الإشارة إليه في الآية ١٧٢ وهي المعبر عنه بالشيطان الذي «يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» المنافقين إخوان المشركين «فَلا تَخافُوهُمْ» أيها المؤمنون لأنهم ضعفاء لا يستنصرون بالله ولا يعتمدون عليه، وكذلك المنافقون الّذين يأخذون بقوله، جبناء، لا يثقون بالله ويشكون في وعده ودعوة نبيه، فانبذوهم «وَخافُونِ» أنا وحدي الجبار القاهر عظيم البطش «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (١٧٥) بي وبرسولي، ثم التفت يخاطب سيد المخاطبين بقوله «وَلا يَحْزُنْكَ» يا حبيبي «الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ» من المنافقين والمشركين فإنهم لا يضرونك والله معك «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» بمسارعتهم لقتالك الذي هو نفسه كفر، وإنما يضرون أنفسهم «يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ» ويكلهم إلى الدنيا «وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (١٧٦) لا تطيقه قواهم لأنه من إله عظيم.

стр. 2637

هذا، وعلى القول الأول تكون هذه الآية آخر قصة أحد لأنها متعلقة بما قبلها، وغزوة حمراء الأسد تبع لها وعلى الثاني يكون آخرها قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) ومن قوله تعالى (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) الآيات إلى هنا تعتبر نازلة في واقعة بدر الصغرى، والله أعلم. روى البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. ورويا عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها. ورويا عن أبي سعد قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال أي الناس أفضل؟ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال ثم من؟ قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى، وفي رواية يتقي الله ويدع الناس شره. ورويا عن أنس بن مالك قال: إن رسول الله ﷺ قال ما بأحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما في الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين. راجع ما يتعلق في بحث الدين في الآية ٢٨٠ من البقرة المارة. وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء قال: قال ﷺ يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته. وأخرج الترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما يجد الشهيد مس القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرحة. وروى البخاري عنه أن رسول الله ﷺ قال من احتبس فرسا في سبيل الله، الحديث تقدم في الآية ٦٠ من سورة الأنفال المارة ومعه أحاديث كثيرة في هذا البحث. وأخرج الترمذي وأبو داود عن فضالة بن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ قال كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل، فإنه ينمّي له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر. ورويا عن سهل بن سعد المذكور من الحديث الثاني في هذه الأحاديث المارة بزيادة: والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما فيها. وروى مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن

стр. 2638

مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ» أي المنافقين لأنهم كفروا بعد إيمانهم فغبنوا وخابوا وخسروا أنفسهم لأنهم ببيعتهم الخاسرة «لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» بل خسروا أنفسهم وحدها في الدنيا «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (١٧٧) في الآخرة، ولا تكرار في جملة (لن يضروا الله) وفي جملة (ولهم عذاب أليم) لأنها في الآية الأولى في جميع الكفار وهذه في المنافقين المتخلفين فقط وتلك مختومة بلفظ عظيم وهذه بلفظ أليم. قال تعالى «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» بتاء الخطاب لحضرة الرسول وبالياء على الغيبة لعموم الكفار، ولا يخصصها قول من قال إنها نزلت بالمشركين وبعض يهود بني قريظة والنضير الذين سبق ذكرهم وسبق في علم الله عدم إيمانهم «أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ» نمهلهم ونؤخرهم ليعتقدوا أن ذلك «خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ» كلا لا يظنوا ذلك بل هو شر لهم بدليل قوله عز قوله «إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً» فتكثر أوزارهم في الدنيا «وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» (١٧٨) في الآخرة ينسون بكبير هوانه عز الدنيا وما فيها لو كانت كلها لهم. روى البغوي بسنده عن عبد الرحمن عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله، قيل فأي الناس شر؟ قال من طال عمره وساء عمله. وقال ابن الأنباري: قال ﷺ إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله لخلقه، ثم تلا هذه الآية. قال تعالى «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» بحيث لم يعرف المخلص من غيره «حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» وذلك أن المؤمنين سألوا رسول الله آية يعرفون بها المخلص من المنافق، فأنزل الله هذه الآية أي لم يترككم على هذا الاختلاط والالتباس بل لا بد وأن يبين المؤمن الموقن والكافر المصر. وهذا بعد واقعة أحد، لأن المؤمن ثبت على إيمانه وازداد إخلاصا، والمنافق جاهر في نفاقه وازداد كفرا فظهر للناس حال الطرفين «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» أيها المؤمنين توا لتميزوا بين الطرفين لأن هذا من الغيب وهو من خصائص الله. واعلم أن فعل يذر لا ماضي له، راجع الآية ٢٧٨ من البقرة المارة، ت (٢٨)

стр. 2639

ولا تنوهموا أن رسولكم يعلم شيئا دون تعليمنا إياه لأن شأنه في الغيب شأن غيره «وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ» فيطلعه على ما يشاء من غيبه دلالة على نبوته لخلقه لئلا يبطنوا له خلاف ما يظهرونه «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» كلهم محمد فمن قبله «وَإِنْ تُؤْمِنُوا» بالرسل كلهم «وَتَتَّقُوا» جميع ما نهيتم عنه «فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (١٧٩) من الرب العظيم الذي يعطي العظيم «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» زيادة على كفايتهم «هُوَ خَيْراً لَهُمْ» كلا أيها الإنسان الكامل «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ» بالدنيا بالذم وبالآخرة سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ» على رءوس الأشهاد «يَوْمَ الْقِيامَةِ» فيراهم أهل الموقف، لأنهم لم ينفقوا ما أعطيناهم في طرق الخير ثم تركوه لغيرهم وتحملوا عقابه «وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» لأن أهلهما يموتون وهو الباقي الوارث لهم «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (١٨٠) . مطلب في الزكاة وعقاب تاركها، وتحذير العلماء من عدم قيامهم بعلمهم، وحقيقة النفس: نزلت هذه الآية في مانعي الزكاة بدليل تشديد الوعد فيها، لأن منع صدقة الشرع لا تستلزم هذا التهديد، يؤيد هذا ما جاء في تخريج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاع أقرع (حية عظيمة) له زبيبتان (شعرتان في لسانه) بطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهمزتيه (شدقه) ثم يقول أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية. وهذا الحديث مفسر لقوله تعالى (سيطوقون ما بخلوا به) وروى البخاري عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال هم الأخسرون ورب الكعبة، قال فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت (وهذا من كمال أدبه ﵁ إذ لم يرد أن يتجاسر على سؤال حضرة الرسول وهو قاعد) ومن هنا ين التمسك بالأدب مع العلماء لمن يسألهم عن أمر دينه أكثر من غيرهم، فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم، ما من

стр. 2640

صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت عليه وأسمن تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس- لفظ مسلم- وخرجه البخاري بمعناه في موضعين، وتتمة هذا الحديث تأتي بالآية ٢٦ من سورة التوبة الآتية. هذا ومن قال إن هذه الآية نزلت في الذين يكتمون نعت محمد ﷺ من اليهود وغيرهم فقد ذهل القصد وأغفل المطلوب وأخطأ المرمى، لأن الله تعالى لما بين الباذلين أموالهم وأنفسهم في الجهاد أتبعه في الباذلين المال لأنه من لوازم الجهاد وضرورياته، وقد سبقت آيات كثيرة في الكاتمين نعت الرسول، فلا حاجة لأن تؤول غيرها على خلاف ظاهرها ولا نجهد الفكر بأن هذه ناسخة وهذه منسوخة من حيث لا ناسخ ولا منسوخ كما اعتاد بعض المفسرين حتى تجارءوا على مخالفة ظاهر التنزيل بلا جدوى، وحتى ان بعضهم جرؤا على النظم الكريم مثل صاحب الجمل عفا الله عنه، راجع الآية ٥ من سورة الحج الآتية وما ترشدك إليه من سورة يونس في ج ٢، ألا فليحذر العالم أن يخرج عن حد الاعتدال اغترارا بما آتاه الله من ذرة علم، فكثير ممن هو أعلم منه وأعلم هوى به علمه إلى أسفل سافلين، أعاذنا الله تعالى من ذلك ووقانا ممّا هنالك. قال تعالى «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ» نكتب أيضا «قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ» من قبل أسلافهم «بِغَيْرِ حَقٍّ» عدوانا محضا «وَنَقُولُ» لهم في الآخرة عند ما يطرحون بالنار ويستغيثون بنا فيها «ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» (١٨١) فيها «ذلِكَ» العذاب الشديد ينالكم «بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» من أعمال منكرة «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (١٨٢) فلا يعذب أحدا بلا جرم، قال دخل أبو بكر ﵁ بيت المدارس فقال لحبر اليهود فنخاص بن عازوراء على ملإ من قومه قد جاءكم محمد بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فاتق الله وآمن وصدق واقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض إذن هو الفقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر وضربه وقال والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم

стр. 2641

لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب وشكاه إلى الرسول فاستدعاه وقال ما حملك يا أبا بكر على ما صنعت؟ قال يا رسول الله إنه قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وهم أغنياء، فجحد فنخاص ذلك، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا له وتصديقا لأبي بكر، وقد سمع الله قول «الَّذِينَ قالُوا» أي فنخاص المذكور وأضرابه لمالك بن الصيفي ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوت وحيي بن أحطب وكعب بن الأشرف «إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا» في التوراة على لسان موسى «أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ» آية نبوته حتى نصدقه كما وقع لابن آدم هابيل ومن بعده من الأنبياء فأنزل الله ﷻ «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ» كزكريا ويحيى وعيسى «وَبِالَّذِي قُلْتُمْ» من القربان وغيره «فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ» بعد أن أتوكم بما طلبتم منهم «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (١٨٣) في دعواكم «فَإِنْ كَذَّبُوكَ» يا حبيبي في هذا مع علمهم بصدقه فلا تحزن ولا تضجر «فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» نوح وصالح وهود وإبراهيم وغيرهم مع أنهم «جاؤُ بِالْبَيِّناتِ» لأقوامهم «وَالزُّبُرِ» الكتب، يقال لكل كتاب فيه حكمة زبور، والقربان لكل ما يتقرب به، والزبر هي الكتب وبه سمي زبور داود ﵇، لأنه يزبر به الناس أي يزجرهم عن الباطل ويدعوهم إلى الحق «وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ» (١٨٤) الواضح كالتوراة والإنجيل ويطلق القربان على كل عبادة مالية أو بدنية وعلى الأقوال والأفعال المادية والمعنوية يدل على هذا قوله ﷺ : الصوم جنة والصلاة قربان وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل فإذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جمعوها فتجيء نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون دليلا على القبول، وإذا لم يقبل منهم يبقى على حاله ولم تنزل عليه نار تأكله. ولهذا البحث صلة في الآية ٢٧ من سورة المائدة الآتية قال السدي إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة أن من جاءكم يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، وحتى يأتيكم المسيح ومحمد، وكانت هذه العادة باقية إلى بعثة المسيح، ثم ارتفعت وزالت. ولما قال بعض الأصحاب

стр. 2642

يا رسول الله إن الله أنزل (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) وهذا خاص في بني آدم لأن الخطاب لهم فأين ذكر موت الجن والأنعام والوحوش والملائكة والطيور وغيرها، فأنزل الله كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» ووجه المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها التهديد للكفرة بالمعاد، وهذه الجملة مكررة في الآية ٢٥ من سورة الأنبياء والآية ٢٧ من سورة العنكبوت في ج ٢ وفي غيرهما أيضا، أي لا ليهمنك تكذيبهم فمرجعهم إليّ بعد الموت وسأجازيهم على تكذيبهم وأكافئك على صبرك بدلالة قوله «وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قليلها وكثيرها خفيها وظاهرها «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» بالسعادة الأبدية لأن كل أحد قبل الدخول فيها خائف فزع منتظر ما يفعل به. ومن هنا يعلم حقيقة ما ذكرناه في الآية ٤٥ من سورة الأعراف ج ١ بأن لا دار غير الجنة والنار «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» (١٨٥) لمن آثرها على الآخرة أما من طلبها للآخرة فهي متاع بلاغ لها جائز طلبه، والمتاع كل ما يمنع به الإنسان من مال أو غيره، والغرور كل ما يغتر به أنه دائم وهو بال فإن، شبّه الدنيا بمتاع معيب دلّسه البايع على المشتري حتى إذا ظهر له عيبه وتبين غبنه فيه ندم، لأنه غرّ به. واعلم أن العلماء اختلفوا في حقيقة النفس والروح فمن قائل إنهما اسمان مترادفان لمعنى واحد، وعرّفوه بأنه جسم لطيف له مادة خاصة خلق منها وجعل على شكل معين وصورة معينة توجد داخل هذا البدن وهو مخالف لماهيته وينفذ في الأعضاء ويسري فيها سريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم مشابها لهذه الأعضاء وأفادها منه الحسّ والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها خرجت عن قبول تلك الآثار وفارقت الروح البدن فانتقلت إلى العالم الثاني. ولا يجاريهم في هذا الرأي بعض أهل العلم والتصوف الذين يقولون إن للإنسان غير بدنه حياة وروحا ونفسا، وإن ما سبق من التعريف إنما ينطبق على النفس فقط لا على الروح، أما الروح فقال بعضهم ما قاله الله (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الآية ٨٦

стр. 2643

من سورة الإسراء ج ١ لأن الله أخفى حقيقتها وعلمها عن خلقه. وقال بعضهم إنها نور من نور الله وحياة من حياته. وقال بعضهم إنها معنى مرتفع عن الوقوع تحت النسق واللون، وإنها جوهر بسيط مثبت في العالم كله من الحيوان على جهة الأعمال له والتدبير، وانه لا يجوز عليه صفة قلة ولا كثرة، وهي على ما وصفت من انبعاثها في هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية، وانها في كل حيوان العالم بمعنى واحد، فلا طول لها، ولا عرض، ولا عمق، ولا لون، ولا بعض، ولا وزن، ولا هي في العالم ولا خارجة عنه، ولا مجانبة، ولا مباينة، وتعلقها بالبدن لا بالحلول فيه، ولا بالمجاورة، ولا بالمساكنة، ولا بالالتصاق، ولا بالمقابلة، وإنما هو بالتدبير له فقط، وما الحياة إلا المظهر الخارجي للدلالة على وجود الروح. هذا وإن الباحث في القرآن عن حقيقة الأمر يرى أن الله سبحانه قد أطلق النفس على الذات بجملتها كما في قوله تعالى (فسلموا على أنفسكم) الآية ٦١ من سورة النور الآتية، وقوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) الآية ٢٨ من سورة النساء الآتية، وقوله تعالى (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) الآية ١١١ من سورة النحل في ج ٢، وقوله تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة) الآية ٣٨ من سورة المدثر في ج ١ إلى غيرها من الآيات، ولم تطلق الروح بالقرآن على البدن ولا على النفس ولا عليهما معا، وإنما أطلق الروح في القرآن على الوحي الإلهي في قوله تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) الآية ٥٣ من الشورى ج ٢ وقال (يلقي الروح من أمره على من يشاء) الآية ٦١ من سورة المؤمن أيضا وأطلقت أيضا على القوة في قوله تعالى (وأمدهم بروح منه) الآية ٢٢ من سور المجادلة الآتية ولم تقع تسمية روح الإنسان في القرآن إلا بالنفس قال تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة) الآية ٢٨ من سورة والفجر، وقال (ولا أقسم بالنفس اللوامة الآية الثانية من سورة القيامة، وقال تعالى (ونفس وما سواها) في ج ١، وقال تعالى (إن النفس لأمارة بالسوء) وقال (أخرجوا أنفسكم اليوم) الآيتين من سورة يوسف و ٩٣ من سورة الأنعام في ج ٢، والآية المارة (كل نفس ذائقة الموت) وغيرها من أول سورة النساء الآتية وشبهها. إلا أن الثابت في القرآن

стр. 2644

والسنة أن النفس ذات قال بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن، وقد وصفها الله تعالى بذلك بآيات متعددة، فقال جل قوله (والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم) وقال (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) الآيتين المشار إليهما أعلاء وما ضاهاهما من الآيات، مما يدل ذلك، وأن حضرة الرسول سئل عن الروح فأنزل الله (قل الروح من أمر ربي) الآية المارة أيضا، ولم يسأل عن النفس ولم يخبر عنها أنها جوهر أم عرض، وأن قوله تعالى (الله يتوفى الأنفس) الآية ٤٢ من سورة الزمر ج ٢ لأكبر برهان على النفس غير الروح وأن الوفاة بمعنى القبض للنفس، وأنه يفقد عاقليتها وشعورها، وأما الموت فهو للبدن بانتزاع الروح منه، فيتخلص من هذا كله أن الإنسان مكوّن من جوهرين فقط هما النفس وهي الجوهر الشفاف الذي لا يرى وهي الأصل في الإنسان وهي موضع التكليف والسؤال والثواب والعقاب. الثاني البدن وهو الهيكل الجثماني والمظهر الخارجي لها، وعليه فتكون الروح أمرا خارجيا عن تكوين الإنسان إلا أنه قائم به، ومظهرها الخارجي الحياة، لأن الروح قوة إلهية خصصت لحركة المخلوقات ونحوها، فهي موجودة في كل إنسان وحيوان وشجر، تبعث فيهم الحياة والنشاط، فهي أشبه بقوة الكهرباء، لأن وسائل توليدها ظاهرة ومظهرها في الخارج واضح، إلا أن حقيقتها سرّ من أسرار الله لم يعرف بعد، فقوة الحياة في جميع الخلق واحدة لا تتجزأ، يهبها الله لمن قدرت له الحياة منحة منه تعالى، ولا نعرف إلا أن اسمها الروح وأنها أمر من أمر الله وسر من أسراره الخفية كالذي نفخه بآدم بعد خلقه، والذي نفخ في مريم حتى حملت بعيسى وولدته. هذا وكما وقع الخلاف في معنى الروح اختلفوا في مصيرها، فمنهم من قال إنها تفنى لقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) الآية الأخيرة من سورة القصص في ج ١، ومنهم من قال بخلوها لكونها روحانية خلقت من الملكوت وترجع إليه خالدة لأنها من قوى الله ، فهي خالدة بخلوده، وإن اتصالها بالإحياء عبارة عن اتصال القدرة بالمقدور. أما النفس فإنها تفنى لأنها مخلوقة ولها بداية وكل ماله بداية له نهاية، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ

стр. 2645

الْمَوْتِ) الآية المفسرة، وعلى هذا يكون تفسير الآية ١٢ من سورة المؤمن في ج ٢ أن الموقة الأولى للبدن بزوال الحياة عنه، والثانية للنفس يوم ينفخ في الصور، والحياة الأولى هذه الحياة الدنيا، والثانية في الآخرة التي أولها يوم البعث ولا آخر لها. وقال بعض العلماء إن العلاقة بين الروح والنفس والبدن على أنواع قد تجتمع كلها في حياتنا هذه العادية وتنفرد الروح بالبدن دون النفس حالة النوم، والنوم قد يكون طبيعيا وقد يكون بسبب آخر كالبنج والتنويم المغناطيسى، وقد تتصل النفس بالبدن من غير الروح بعد مفارقة الروح له حالة الموت وتظل سابحة بمفردها في العالم غير المنظور إلى نهاية هذه الحياة الدنيا، وذلك يوم النفخ في الصور المشار إليه بقوله تعالى بالآية ٦٩ من سورة الزمر في ج ٢ ثم تبدأ الحياة الأخرى. ثم فصلوا هذا فقالوا إن الله تعالى جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، ووضع لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأنفس تبعا لها، ولذلك جعل أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافها، وجعل أحكام البرزخ على الأنفس والأبدان تبعا لها، فكما تبعت النفوس الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت لألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان النفوس البرزخ في نعيمها وعذابها، وكما كانت النفوس هنا خفية والأبدان ظاهرة تكون هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها، وتجري أحكام البرزخ على النفوس التي باشرت أسباب النعيم والعذاب فتسري منها إلى الأبدان. وضربوا لذلك مثلا بحال النّائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على نفسه أصلا والبدن تبعا لها، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فتراه يقوم من نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، إلا أنه حينما يفيق تراه متأثرا مما يلاقي خيرا كان فيكون منبسط النفس أو شرا فتراه منقبضا منكمشا. والسر في هذا أن الحكم لما جرى على النفس استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس كما يقع أحيانا فتراه يقوم مرعوبا من الخوف فيفيق من نومه. ويعلم من هذا أن النفس كما أنها تتألم وتنعم في نومها

стр. 2646

ويصل ذلك إلى بدنها بطريق التبعية فكذلك في البرزخ إلا أنه أعظم لأن تجرد النفس هناك أكمل وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم الحشر في دار القرار تتحد النفوس بأبدانها فيشتركان في الشعور بالعذاب والنعيم ويصير الحكم عليهما مباشرة ظاهرا باديا. وما استدلوا به على التمييز بين النفس والروح قوله تعالى (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) الآية ٦٠ من سورة الأنعام ج ٢. وليعلم أن فعل جرح هذا واجترحوا في الآية ٢٠ من سورة الجاثية في ج ٢ لم يكرر في القرآن، وقوله تعالى (الله يتوفى الأنفس) الآية المارة آنفا، أي أنه تعالى ينتزع النفوس من أبدانها التي فقدت الحياة وهي التي لم تمت في منامها أي ينتزع النفوس من أبدانها الحية في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت فلا يعيدها لبدنها ويرسل الأخرى أي يعيد نفس النائم إلى بدنه الحي فتبقى فيه إلى بلوغ أجلها المقدر لمفارقتها بدنها. هذا وإن إمساكه تعالى النفس التي قضى عليها الموت لا يمنع ردها إلى جسدها الميت في وقت ردّا عارضا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا، فكما أن النائم تكون روحه في جسده وهو حي حياة غير حياة المستيقظ لأنها من غير نفس فلا يحس ولا يشعر مع أنه يتحرك وقد يمشي ويتكلم كما هو مشاهد في بعض الأشخاص، فكذلك الميت إذا أعيدت نفسه إلى جسده كانت له حياة أخرى عكس حياة النائم فإنه يحس ويشعر ولكنه لا يتحرك لأنه من غير روح، وقد وردت آيات وأحاديث تدل على بقاء النفس وتعارفها بعد مفارقة أبدانها إلى أن يرجعها الله تعالى إلى أجسادها في الحياة الأخرى، قال تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) الآيات ١٦٩/ ١٧٠/ ١٧١ المارات آنفا، وفي الحديث الذي رواه جرير قال أصحاب رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك فإذا مت رفعت فوقنا فلم نرك، فأنزل الله (ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) الآية ٦٩ من سورة النساء الآتية، كما مر في الآيات المذكورة، وسيأتي في تفسير هذه الآية، وقد ثبت عن رسول الله أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وأنه قال: ما من رجل يزور قبر أخيه إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم. وفي حديث آخر لما

стр. 2647

مات بشر بن البداءة بن معمر وجدت عليه أمه وجدا شديدا وقالت يا رسول الله لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال ﷺ نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما يتعارف الطير في رءوس الشجر. وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا أرسلت معه أم بشر السلام إلى ابنها. وجاء في حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال: إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشر أهل الدنيا، فيقولون أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد، فيسألونه ماذا فعل فلان، وماذا فعلت فلانة، وهل تزوجت فلانة، وناهيك حديث الصحيحين لما أمر ﷺ بإلقاء قتلى بدر في القليب ثم وقف عليهم وناداهم بأسمائهم، فقال له عمر ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟! فقال له والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يستطيعون جوابا. وقد كان الأقدمون يتصلون بالعالم غير المنظور بواسطة المنام، ثم توصل العلم أخيرا إلى مخاطبة النفوس بواسطة التنويم المغناطيسي بما يدل على اتصال النفوس بعضها ببعض بعد الوفاة، وأنها حية حياة برزخية لا نعلم كنهها وقد مر أن تكلمنا على أن النفس والروح هل هما شيء واحد أم لا في الآية ٨٦ من سورة الإسراء في ج ١ فراجعها. مطلب إخبار الله تعالى عما يقع على المؤمنين وقتل كعب بن الأشرف والاعتبار والتفكر والذكر وفضلهما وصلاة المريض: ثم التفت جل شأنه يخاطب المؤمنين بما يصيبهم بعد مما هو أشد مما حل بهم في أحد فقال مقسما وعزتي وجلالي «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ» فيما بستقبل من الزمان فتنهبون وتسلبون وتهانون «وَأَنْفُسِكُمْ» فتقتلون وتؤسرون وتعذبون «وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» اليهود والنصارى «وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» بالله غيره فيدخل فيه الكفرة كافة «أَذىً كَثِيراً» متنوعا قولا وفعلا «وَإِنْ تَصْبِرُوا» على ذلك مع محافظتكم على دينكم «وَتَتَّقُوا» الله فتعملوا بما يأمركم وينهاكم «فَإِنَّ ذلِكَ» الصبر على ذلك الأذى مع المحافظة على التقوى «مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (١٨٦) بشير صدر

стр. 2648

هذه الآية إلى قول الفلاسفة إن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما أشرنا إلى هذا المعنى آنفا في بحث النفس، وإنما خاطب الله تعالى حضرة الرسول وأصحابه المؤمنين كافة بهذا ليوطنهم على احتمال ما سيلقونه من الشدائد التي لا تقابل إلا بالصبر لئلا يرهقوا عند نزولها بهم على غرة فيجزعوا أو يشمئزوا، وهي عامة اللفظ والمعنى محكمة ثابتة الحكم بين الناس إلى يوم القيامة، وقد ظهر مصداقها في زماننا هذا بتولية الإفرنسيين علينا وفعل بعضهم كما ذكر الله في الآية ٢٤ من سورة النمل ج ١، وها نحن أولاء صابرون على أذاهم، وعسى الله أن يزيحهم عنا بتقوى أهل التقوى منا وهو على كل شيء قدير، إذ أصاب بعض المؤمنين منهم ما ذكره الله ولم يجدوا بدا إلا الصبر، فنسأله أن يقيض لنا من يجمع كلمة المسلمين ويرد لهم مجدهم ويدفع عنهم من يتسلط عليهم، ولا لوم إلا على أنفسنا، لأن ذلك كله بما كسبت أيدينا من ظلمنا بعضنا لبعض وتعاظمنا وانتصارنا للقوي والغني وعدم التفاتنا للضعيف والفقير والسكوت على المعاصي وهدر الحقوق والتقاطع ولا حول ولا قوة إلا بالله. روى البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، قال محمد ابن سلمة أتحب أن أقتله؟ قال نعم، قال فأذن لي فلأقل، قال قل، فأتاه فقال له وذكر ما بينهم، وقال إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وقد عنانا، فلما سمعه قال وأيضا والله لتبلغه، قال إنا قد اتبعناه ونكره الآن أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء بصير أمره، قال وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال فما ترهن عندي تأمينا لما تستلفه؟ فقال له ما شئت، قال أترهنني نساءكم، قال أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا، قال له ترهنون أولادكم؟ قال يسب ابن أحدنا فيقال رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللّامة (أي السلاح) قال نعم، وأوعده أن يأتيه بالحارث وأبي عيسى بن جبير وعباد بن بشير، قال فجاءوا فدعوه ليلا، فنزل إليهم، قالت امرأته إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم، قال إنما هو محمد ورضيعي أبو ناثلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب، قال محمد لأصحابه إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استحكمت منه فدونكم، قال فلما نزل وهو متوشح

стр. 2649

قالوا نجد منك ريح الطيب، قال نعم نحن فلأنه أعطر نساء العرب، فال فتأذن لي أن أشم منه؟ قال نعم، فتناول فشم، ثم قال أتأذن لي أن أعود، قال نعم، قال فاستمكنني من رأسه، ثم قال دونكم فقتلوه. وزاد أصحاب السير فاختلف عليه أسيافهم فلم تغن شيئا، قال محمد بن سلمة فذكرت معولا في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار، قال فرضعته في شذروته (صرّته) (والشذر خرز معروف وقطع من الذهب المتلقطة من معدنه قبل إذابته) ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ووقع عدو الله، وأصيب الحارث بن إدريس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا وقد أبطأ علينا، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة حتى أتانا فحملناه وجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه وأخبرناه وجئناه برأسه وتفل على جرح صاحبنا فبرىء، وأنزل الله في شأنه هذه الآية. وعلى فرض صحة نزولها فيه لا يمنع شمولها لغيره وعمومها لآخر الزمان، وكعب هذا من ألدّ الخصوم لحضرة الرسول وقد أشرنا إليه في الآية السابقة وما قبلها. قال تعالى «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» عن أحد منهم لا كلّا ولا بعضا بل تبينوه كله لكل أحد بلا عوض فلم يفعلوا ولهذا قال تعالى «فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ» أي الكتمان لما في الكتاب «ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» (١٨٧) هذه الآية وإن كانت خاصة في اليهود والنصارى فلا يبعد أن يشمل مضمونها علماء هذه الأمة، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولأنهم أشرف أهل الكتب السماوية كما أن كتابهم أشرف الكتب ورسولهم أشرف الرسل. أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من سئل علما فكتمه الجم بلجام من نار. ولأبي داود: من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة. والمراد بالعلم هنا علم الدين وما يتعلق به والتنكير فيه للتعظيم بما يدل على ذلك ولأن هذا الجزاء الكبير لا يترتب إلا على العلوم الدينية البحتة بدليل قول أبي هريرة لولا ما أخذ الله (أي من العهد والميثاق) على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء وتلا هذه الآية، والعهد الذي أخذ هو على الإيمان

стр. 2650

بالله وجميع أنبيائه كما في الآية ٨١ المارة. قال تعالى «لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا» من حطام الدنيا على ما زينوه للناس من الضلال بكتمان الحق وإظهار غيره باطلا «وَيُحِبُّونَ» مع عملهم القبيح ذلك «أَنْ يُحْمَدُوا» عليه وعلى تسميتهم علماء «بِما لَمْ يَفْعَلُوا» من الوفاء بميثاق الله وعهده على الإخبار بما في كتبهم من الحق والصدق بأنهم ناجون من العذاب كلا «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ» ونجاة منه بل لا بد من انغماسهم فيه «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (١٨٨) جدا فلا تظننّ عذابهم بسيطا بل هو شديد لا تطيقه قواهم، وهذه الآية أيضا وإن كانت خاصة بالمذكورين فمعناها عام شامل لكل من هذا شأنه، لأن العبرة دائما لعموم اللفظ إلا ما خصص أو قيد «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» هذا تفريع على قوله آنفا (إن الله فقير) الآية، أي كيف يكون فقيرا وهو مالك لما بين السموات والأرض وما فوقهما وتحتهما «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١٨٩) ومن كان كذلك فلا يليق أن يسمى فقيرا قاتل الله قائل ذلك. قال تعالى «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ» عظيمات على قدرتنا «لِأُولِي الْأَلْبابِ» (١٩٠) الذين خلص لبتهم عن الهوى خلوص اللب عن القشر فمن أراد عبرة فليعتبر فيهما والويل كل الويل لمن يقرأ ولم يتفكر وينظر ولا يعتبر لأن المراد بأولي الألباب هم أهل القلوب الحية المطهرة، أما الذين صدأت قلوبهم وغشى عليها الرّين بسبب كثرة المعاصي فلا يفهمون من التفكر والنظر شيئا. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: بت في بيت خالتي ميمونه فتحدث رسول الله وأهله ساعة ثم وقد، فلما كان ثلث الليل الأخير قعد فنظر إلى السماء فقال (إن في خلق السموات والأرض) الآية، على أنه كان في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه لعلك فرطت منك فرطة في مدتك قال ما أذكر، قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر، قال لعل، قالت فما أوتيت إلا من ذلك. ولهذا وصف الله أولي الألباب بقوله «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ» مضطجعين «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»

стр. 2651

بكيفية اختراعهما وعظمهما وبناء السموات وبسط الأرض وإبداعهما على غير مثال سابق وما فيهما من الكواكب المسخرة لمنافع الخلق والجبال التي لولاها لمادت بأهلها والوديان والأنهر والمعادن المختلفة والنظر في كيفياتها وكمياتها وأشكالها وألوانها واختلاف سيرها، ويديمون هذا في جميع أحوالهم دون غفلة، ثم يقولون «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا» ولا عبثا ولا لعبا بل لحكم أردتها «سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» (١٩١) وهذا تعليم من الله لعباده بأن يقولوا هكذا ويثنوا على الله بما هو أهله وينزهونه عما لا يليق بحضرته الكريمة كلما نظروا إليهما ثم يذكرون حاجتهم. وفي الآية دلالة على صحة صلاة المريض والرخصة فيها. روى البخاري عن عمران ابن حصين قال كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب. ودليل على ندب ذكر الله تعالى في كل حال والمداومة عليه، روى مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه. وأخرج أبو ذر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة (نقص وتبعة) ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة وما مشى ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت من الله عليه ترة أي حسرة وندامة مستمرة لا تتلافى. والفكر اعمال الخاطر في الشيء وتردد القلب فيه، وهو قوة متطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل ولا يمكن التفكر إلا فيما له صورة في القلب، ولهذا قالوا تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله لأنه منزه عن الصورة، ولذا قال تعالى (ويتفكرون في خلق) الآية أي في عجائبها وغرائب صنعها، وكون السماء بلا عمد أو بعمد لا ترى، وكون الأرض على الماء أو الهواء راكدة أو متحركة بيضوية أو مدورة أو مربعة أن مستطيلة للاستدلال بذلك على قدرة القادر وحكمته البالغة، وليعلموا أن خالقهما عظيم ومدبرهما حكيم وان عظم الخلق يدل على عظم الخالق وعظمة آياته: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ولينظر إلى آثار قدرته في هذين الهيكلين العظيمين وإلى من فيهما من الخلق:

стр. 2652

إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار وقدمنا ما يتعلق في تفسير هذه الآية ٥٠ من سورة الروم ج ٢ فراجعها، وقولوا في دعائكم يا ذوي العقول «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» أهنته وأذللته وفضحته وهذا خاص للمخلدين فيها بدليل قوله «وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» (١٩٢) في ذلك اليوم ولا تمسك في هذه الآية للقائلين أن كل مؤمن لا يدخل النار احتجاجا بقوله تعالى (يوم لا يخزي الله النبي) الآية ٦ من التحريم الآتية لأن هذه الآية محمولة على نفي الإخزاء حينما يكونون معه ﷺ وفضلا عن هذا فإن مذهب أهل السنة جواز دخول بعض المؤمنين النار وخروجهم منها، لأن مرتكب الكبيرة مؤمن وإن كان فاسقا، وهذا الجواب لا يتجه على مذهبهم لأنهم يقولون الفاسق يخلد في النار ومرتكب الكبيرة كافر، ويجوز حملها على العموم لأن مجرد إدخال النار خزي وعار سواء أخرج منها أو لا وهذا أولى إذ لا مقيد ولا مخصص لها نصا، ولأن لفظ الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك، والمشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معتبيه جميعا فيسقط الاستدلال به لأحدهما وقولوا أيضا «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ» وهو محمد سيد الأكوان لقوله تعالى (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) الآية من أواخر سورة النحل ج ٢ ومن قال إن المنادي هو القرآن قال ليس كل أحد سمع النبي والقرآن مقروء ومسموع إلى الأبد ويقول ذلك المنادي «أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ» أيها الناس وأجيبوه بقولكم «فَآمَنَّا» بربنا وما أنزل إليها على لسان رسولنا «رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا» صغيرها وكبيرها خفيها وجليها قصدها وخطأها وسهوها وتعمدها وجميع أنواعها اعفوها لنا يا ربنا «وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» (١٩٣) واحشرنا في زمرتهم، قال المفسرون إن اغفر وكفّر بمعنى واحد وكررا لفظا للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوبة ومطلوبة، مع أن الغفران مصدر غفر بمعنى الستر، والتكفير مصدر كفّر بمعنى الفداء لأن الكفارات شرعت لذلك، يقال كفر عن يمينه إذا أدى الكفارة، والألفاظ العربية وإن كانت متقاربة في المعنى ففيها تفاوت، وقل أن تجد كلمتين تدل على معنى واحد فقط من كل وجه إلا في اختلاف

стр. 2653

اللغات مثل (كل) بمعنى ثقيل في العربية وهو في التركية بمعنى أقرع وما أشبه ذلك فهكذا. قال تعالى آمرا عباده بأن يقولوا في دعائهم أيضا «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى» لسان «رُسُلِكَ» من الخير في الدنيا والآخرة، ولا يقال كيف سألوه انجاز وعده وهو لا يخلف الميعاد وهم معترفون بذلك لأنهم التوفيق فيما يحفظ لهم انجاز وعده، ولهذا اتبعوهم بقولهم «وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» (١٩٤) لأن المقصود منه طلب التوفيق على الطاعة والعصمة ممّا يحول دون تأهلهم، لذلك فلا يقال أيضا لا حاجة إليه لأنه متى حصل الثواب اندفع العقاب، وإن طلب عدم الخزي خوفا من أن تظهر لهم أعمال ليست بالحسبان مما سيكون لغيرهم. قال تعالى (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الآية ٤٧ من سورة الروم ج ٢، أي وهم يظنون أنهم على عمل صالح فقط، قال ﷺ : إن أحدكم ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أربعين خريفا. الا فليتق الغافل ولا يهرف بما لا يعرف، ولا يتكلم بمعصية قصد إضحاك الناس أو سرورهم فيقع بمثل هذا المبين في الآية والحديث. قال تعالى «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ» دعاءهم، وقال لهم «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ» أيها المؤمنون وأثببكم على أعمالكم القولية والفعلية كلكم «مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» لا أفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» وأثيبكم عليها أيضا على ما تعملونه من الخير فيما بينكم فمن قضي لأخيه حاجة قضيت له حوائج، ومن رحمه رحمته وأكرمته، ومن عفى عنه زلته أقلت عثرته يوم القيامة وعفوت عنه «فَالَّذِينَ هاجَرُوا» منكم بطوعهم «وَ» الذين «أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ» قهرا من قبل أعدائهم «وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي» بسبب إسلامهم ومتابعتهم رسولي وجهادهم معه لإعلاء كلمتي «وَقاتَلُوا» أعداءه وأعداءهم «وَقُتِلُوا» بسبب ذلك «لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» مهما كانت ولا أؤاخذهم عليها وأبد لها لهم حسنات «وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً» لهم ورحمة بهم وتفضلا ولطفا وإحسانا عليهم وكرامة لهم «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ» (١٩٥) على أحسن الأعمال وثوابا مطلقا على غيرها.

стр. 2654

أخرج الترمذي عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله ما أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله هذه الآية، ثم خاطب سيد المخاطبين بقوله «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ» (١٩٦) على حد (إياك أعني واسمعي يا جارة) لأنه ﷺ لا يغتر بذلك وإنما أراد به غيره كما في أمثال هذه الآية من الآيات آخر سورة القصص في ج ١ وشبهها أي لا تغتر أيها الإنسان بما ترى من ذلك لأنه «مَتاعٌ قَلِيلٌ» يتمتعون به في هذه الدنيا الفانية القليلة ثم يتركونه فيها وبالا عليهم «ثُمَّ مَأْواهُمْ» في الآخرة «جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ» (١٩٧) هي لأهلها. قيل إن بعض المؤمنين لما رأى حالة الكفار قال أرى أعداء الله في سعة من العيش ونحن أصحاب محمد وأحباب الله في جهد منه، فأنزل الله هذه الآية تنديدا بسعة الكفرة وأنزل بعدها ما يسر المؤمنين بقوله «لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ» عنده في الآخرة خير مما أعطاه لأعدائه في الدنيا وهو «جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» أبدا، ويقول الله تعالى جعلناها لهم «نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» إكراما لهم وتقدمة لقراهم «وَما عِنْدَ اللَّهِ» المعطي هذا النزل لعباده أولا من النعيم الدائم والخير الوافر ما هو «خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» (١٩٨) من الدنيا وما فيها جزاء أعمالهم الحسنة وإحسانهم لغيرهم وهو خير مما يتقلب به الكافرون من حطام الدنيا وزخارفها الزائلة المنغمصة بالأكدار، روى البخاري عن عمر بن الخطاب قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة غرفة أو علية وانه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وعند رجليه قرط مصبور (القرط ورق السلم نبات معروف، ومصبور معناه مجموع كالصبرة من الطعام) وعند رجليه أهب (أي جلود) معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت، فقال ما يبكيك؟ قلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هم فيه وأنت رسول الله؟ فقال أما ترضى يا ابن الخطاب أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال بلى يا رسول الله. قال تعالى «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ» يؤمن ب «ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» من القرآن «وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ» من التوراة والإنجيل «خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» كغيرهم ممن ت (٢٩)

стр. 2655

يحرف ويبدل لقاء ما يأخذه من حطام الدنيا من الرعاع ولحب بقاء الرياسة والمال «أُولئِكَ» الذين هذا وصفهم «لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» (١٩٩) يحاسب الخلق كلهم بآن واحد محاسبة رجل واحد كطرفة عين أحدكم من حيث لا يعلمون هذه السرعة. هذا ولا يفهم من لفظ (قليلا) أن الذين يبيعونها بكثير غير مذمومين، بلى هم مذمومون مدحورون أيضا، وإنما سماه الله قليلا لأنه مهما كان كثيرا فهو قليل بالنسبة للمبيع الذي لا يوازى بالدنيا وما فيها ولا بحرف منه. وهذه الآية عامة في جميع أهل الكتاب الذين حسن إسلامهم، لا ينافي عمومها ما قالوه بأنها نزلت في النجاشي الذي اسمه أصحمة بالحبشية ومعناه بالعربية عطية، إذ آمن على يد من هاجر سنة خمس من البعثة من أصحاب رسول الله قبل نزول سورة والنجم. مطلب فيما وقع للنجاشي مع أصحاب رسول الله ووفد قريش. ومأخذ قانون عدم تسليم المجرمين السياسيين. والصلاة على الغائب: وخلاصة قصته أن قريشا لما عادت من بدر مكسورة جمعت مالا وأهدته إلى النجاشي مع عمرو بن العاص وحمادة بن معيط ليسلمهم جعفر بن أبي طالب وأصحابه الذين هاجروا إليه قبلا لينتقموا منهم، فلما وصلا دخلا عليه ساجدين إذ كان تحيته السجود، وبعد أن قدما له الهدايا وتحية قومهم قالا إن قومنا شاكرون لك ولأصحابك محبون لكم ويؤيدون شعائركم، وإنهم يحذرونك من هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل منا يزعم أنه رسول الله لم يتبعه إلا السفهاء وقد بعثهم إليك ليفسدوا دينك وملكك ورعيتك، فادفعهم إلينا لنكفيكهم، وآية ما قلنا أنهم لن يسجدوا لك إذا استدعيتهم، فأمر بهم، فلما حضروا قال جعفر يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي مروه فليعد كلامه، ففعل، فقال النجاشي نعم ليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر عمرو إلى صاحبه وقال ألا تسمع كيف يرطنون (الرطانة الكلام بالأعجمية) فدخلوا وسلموا ولم يسجدوا، فقال ألا ترى استكبارهم، فقال النجاشي لم تحيّوني بالسجود، وقد علمتم أنه تحيّتي، فقالوا كان السجود تحيّتنا ونحن نعبد الأوثان، فلما شرفنا الله بنبينا الصادق علمنا تحية أهل الجنة، وهي السلام

стр. 2656

فحييناك بها لأن السجود لا ينبغي إلا لله الذي ملكك، فعرف النجاشي ذلك لما يعلمه من التوراة والإنجيل، ثم ذكر لهما ما جاء به عمرو وصاحبه وقال لجعفر تكلم، قال أنت ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا تريد الظلم، وأنا أجيب عن أصحابي فمر أحد هذين يتكلم وليصمت الآخر فتسمع محاورتنا، ففعل فقال سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار، فإن كنا عبيدا أبقنا فردنا إلى أسيادنا، فسأله فقال أحرار كرام، فقال النجاشي نجوا من العبودية، فقال سلهما هل أرقنا دما بغير حق فوجب علينا القصاص به فتردنا من أجله إليهم ليقتصّوا منا، فسألهم فقالا لا، فقال سلهما هل أخذنا أموال أحد بغير حق فوجب علينا قضاؤها ولم نؤدها وهربنا من أجل ذلك، فسألهما وقال لهما أي النجاشي إن كان قنطار فعلي قضاؤه، قالا لا ولا قيراط، فقال سلهم إذا ما يريدون منا؟ فقال النجاشي إذا ما تطلبون منهم؟ قالا كنا وإياهم على دين واحد دين آبائنا فتركوه واتبعوا غيره، فبعثنا قومنا لتدفعهم إلينا فتردهم إلى دينهم، فقال جعفر أما الدين الذي كنا عليه فهو دين الشيطان، وقد كنا نعبد الحجارة ونكفر بالله، فقيض الله لنا نبيا منا فهدانا إلى دين الإسلام دين إبراهيم ﵇، وانزل الله عليه كتابا ككتاب ابن مريم، فقال النجاشي تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، فأمر بضرب الناقوس فاجتمع إليه القسس والرهبان، فقال أنشدكم بالله هل تجدون بين عيسى والقيامة مرسلا؟ قالوا نعم، اللهم بشرنا به عيسى وقال من آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ قال يأمرنا بالمعروف وبحسن الجوار وصلة الرحم وأن نعبد الله وحده، وينهانا عن المنكر، قال اقرأ علي شيئا مما يقرأ عليكم، فقرأ سورة العنكبوت والروم، ففاضت عيناه وأصحابه من الدمع، وقالوا زدنا، فقرأ سورة الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال انهم يشتمون عيسى وأمه، فقال على رسلكم هذا شيء عظيم ثم قال لهما ما تقولون في عيسى وأمه؟ قال اسمع أيها الملك ما أمرنا الله ورسوله أن نقول فيهما، فقرأ عليهم سورة مريم، فرفع النجاشي من سواكه قدر ما يقذي العين وقال والله ما زاد المسيح على ما تقولون بقدر هذا، ثم قال لجعفر وأصحابه أنتم سيوم بأرضي، (أي آمنون) من سبكم أو أذللكم أو آذاكم غرم، ابشروا

стр. 2657

ولا تخافوا فلا دهورة على حزب ابراهيم، أي لا تبعة، وهذه الكلمة وكلمة سيوم بلغة الحبشة ومعناها ما ذكر، قالوا ثم رد الهدية على عمرو ورفيقه، وقال هذه رشوة، والله ملكني بلا رشوة، فلا سبيل إلى إجابة طلبكم، ومن ذلك اليوم عرف عدم جواز تسليم المجرمين السياسيين إلى الدولة الخارجين عنها واتخذت الحكومات عمله هذا دستورا، ونظمت فيه قوانين عليها عملهما حتى الآن، ورجعا خائبين، ولما مات النجاشي ﵀ نعاه جبريل لحضرة الرسول ﷺ فأخبر أصحابه بوفاته وصفهم وصلّى بهم عليه صلاة الغائب، فلما رأى ذلك المنافقون قال بعضهم لبعض انظروا إلى محمد يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط، ولم يعلموا أنه أسلم على يد رسل رسول الله، وانه مات مسلما. ومن هنا شرعت الصلاة على الميت الغائب، وأخذ بها الأئمة عدا أبي حنيفة، إذ عدها خصوصية للنجاشي، وقيل نزلت هذه الآية في أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى ﵇ فأسلموا، والآية صالحة لهذا كله ولغيره مما ينطبق على معناها إلى يوم القيامة، فقال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا» على ما أنتم عليه والصبر على ترك الشكوى وقبول القضاء والقدر وصدق الرضاء «وَصابِرُوا» غيركم من الكفار والمنافقين وغالبوهم على الصبر في الشدائد كلها وخاصة الجهاد وانفاق المال في سبيله «وَرابِطُوا» على ثغوركم بأن تكونوا مستعدين لقتال متهيئين للهجوم على من يريد قربها ساهرين على محافظتها، راجع ما يتعلق في بحث الرباط الآيتين ١٦٧ المارة و ٦٠ من سورة الأنفال المارة أيضا. «وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٢٠٠) بلقائه وتسرون برضائه وتفرحون بعطائه. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يكن في زمن النبي ﷺ غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة، واستدل بما روي عن أبي هريرة قال: قال ﷺ الا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره (البرد ونحوه) وكثرة الخطا الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط- أخرجه مسلم- ولا مقال في هذا الحديث لأنه صحيح ورجاله ثقات، ولكن في هذا التأويل صرف اللفظ عن ظاهره دون صارف، فإذا لم يكن رباط في زمنه ﷺ فقد كان بعده، ويكون

стр. 2658

من جملة إخباره ﵊ بالغيب، على أنه كان هناك رباط وهو سهر الاصحاب على الخندق لئلا يقتحمه المشركون فهو الرباط بعينه. هذا وقد ذكر رسول الله ﷺ أحاديث صحيحة في ثواب الرباط ذكرنا قسما منها في الآيتين المذكورتين آنفا، وفيها ما يرشدك لغيرهما، فإذا أجلت النظر ركنت إلى عدم العدول عن الظاهر وجعلت معنى الرباط الوارد في هذا الحديث مجازا، وأن للقائم بما فيه ثواب المرابط في سبيل الله. قال أهل المعاني اصبروا أيها المؤمنون على الدنيا ومحنتها رجاء الراحة في القيامة وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة رجاء النصر والعز والسلامة، ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة واتقوا ما يعقبكم الندامة تفوزوا عند الله في دار الكرامة وقالوا على لسان ذي الجلال ﷻ اصبروا على بلائي، وصابروا على نعمائي، ورابطوا على مجاهدة أعدائي، واتقوا محبة سوائي تربحوا بلقائي، وقالوا اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء، ورابطوا على دور الأعداء، واتقوا إله الأرض والسماء تنجوا في دار البقاء. ومعنى قوله ﷺ فذالكم الرباط أي معظمه، لأن الرباط انتظار مراقبة العدو على ثغور المسلمين، ومنعه من اقتحامها، وفي الحديث انتظار دخول وقت الصلاة بعد الصلاة، فيكون فيه مجازا كما ذكرنا هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين، حمدا دائما كثيرا يوافي نعمه ويكافي مزيده. تفسير سورة الأحزاب عدد ٤- ٩٠ و ٣٣ نزلت بالمدينة بعد سورة آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية، والف ومئتان وثمانون كلمة، وخمسة آلاف وسبعمئة وتسعون حرفا، لا يوجد مثلها في عدد الآي، وتقدم في سورة الكافرين ج ١ السور المبدوءة بما بدئت به. «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ» فيما يعرضانه عليك أو يطلبانه منك لأنك لا تعلم دخائلهم «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» (١) لا يخفى على علمه شيء

стр. 2659

زمانا ولا مكانا ولا كما ولا كيفية. واعلم ان كان لاتصاف المخبر عنه بالخبر والدوام والاستمرار، لأنه لم يزل ولا يزال كذلك في الماضي والحال والاستقبال، وهي إذا كانت عاملة فيعود اسمها على الله تعالى ولا تسمى ناقصة تأدبا بل تسمى الرافعة للمبتدأ الناصبة للخبر، وإذا لم تكن عاملة سميت تامة فقط لأن الفعل إذا أضيف لله تعالى تجرد عن الزمان وصار معناه الدوام بخلاف قولك كان الشيخ شابا، لأن الشبوبة تنقطع بالشيخوخة، فتكون في مثله بلا انقطاع قال تعالى «وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» من الأوامر والنواهي والوفاء بالعهد وغيرهما مما أمرناك به «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (٢) يستوي عنده السر والجهر «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (٣) عن كل خلقه فتمسك به أنت وأصحابك. اعلم أنه بعد حادثة أحد وبدر الصغرى المارتين طلب أبو سفيان الأمان من محمد ﷺ ليقدم إلى المدينة فيتحادث معه بما يتعلق بعقد معاهدة سلم، فأعطاه الأمان، فحضر هو وعكرمة بن أبي جهل وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي ونزلوا على رأس المنافقين ابن سلول، ثم ذهبوا معه وعبد الله بن أبي سرح وملعجة بن أبيرق إلى حضرة الرسول ليقابلوه، وكان عنده عمر بن الخطاب، فقالوا له ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل ان لها شفاعة وندعك وربك، فشق ذلك على حضرة الرسول، فقال تأذن يا رسول الله بقتلهم؟ قال لا قد أتونا بالأمان، فقال لهم عمر إذن اخرجوا في امنة الله وغضبه، فخرجوا وأمر عمر بأن يخرجهم من المدينة آمنين كما دخلوها آمنين، فأنزل الله مبدأ هذه السورة كأنه يقول أيها المخبر عنا المأمون على أسرارنا المبلغ أحبابنا دم على التقوى التي أنت عليها والتوكل الذي أنت متحل به ونحن نكفيك من ناوأك، ولم يسمه تشريفا له وتنويها بتصريح اسمه فيما بعد. قال تعالى «ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» ينتفع بهما معا فإذا وجدا على خلاف العادة ولله خرق العادات فيكون أحدهما زائدا كالأصبع الزائدة في اليد أو الرجل أو كلاهما بمثابة واحد بسبب الاتصال كالأصبعين المتلاصقين، وعدم وجود قلبين في شخص واحد محقق شائع قال المجنون في هذا فلو كان لي تقليان عشت بواحد ... وتركت قلبا في هواك يعذب

стр. 2660

وقال أبو دلامة: لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فردا فلم أجد «وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ» لأنهن لم يلدنكم «وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ» الأولاد الذين تربونهم «أَبْناءَكُمْ» لأنكم لم تلدوهم فلا يليق تسمية المظاهرات أمهات ولا الذين تربونهم أولادا ولا يجوز نسبتهم هذه إليكم ولا نسبتكم إليهم «ذلِكُمْ» القول بوجود قلبين ينتفع بهما وجعل الزوجة الظاهرة اما والمربى ابنا «قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ» مجرد عن الصحة لا يرتكز على حقيقة، ولا يستند إلى دليل لأن الله تعالى لم يخص أحدا بقلبين ينتفع بهما ولم يجعل امرأة قط زوجة من جهة وأمّا من أخرى ولم يجمع بين البنوة والدعي في رجل واحد «وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ» لكم ظاهرا وباطنا فاسمعوا له وأطيعوا «وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (٤) العدل الموصل إلى الرشد والسداد فاتبعوه ولا تزيغوا عنه. واعلم أن لكل جملة من هذه الآية سببا في نزولها فالأولى كانت العرب تسمي أبا معمر الفهري ذا القلبين لشدة حفظه وكان يدعي أن له قلبين فأكذبه الله وأظهر كذبه لقومه حين انهزم المشركون في حادثة الأحزاب الآتية إذ رآه أبو سفيان وإحدى نعليه في رجله والأخرى في يده، فقال له ما بالك هكذا؟ قال ما شعرت إلا أنها في رجلي فقالوا لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وأخرج الترمذي عن ابن عباس ان المنافقين قالوا إن لمحمد قلبين قلبا معنا وقلبا مع أصحابه ولذلك يخبر عما يقع منا، فأكذبهم الله وبين أنه يتبع ما يخبر به ما يوحى إليه من ربه وإنما قلنا لو وجد لأحد قلبين على سبيل الفرض والتقدير لا ينتفع إلا بأحدهما، لأنه لا يخلو إما أن يعقل بأحدهما ما يعقل بالآخر من الحسّ وافعال القلوب فيكون الآخر فضلة لا حاجة إليه، واما أن يعقل بأحدهما ما لا يعقله بالآخر فيؤدي إلى اتصافه بكونه مريدا كارها عالما جاهلا موقنا شاكا في حالة واحدة وهما حالتان متنافيتان لا ينتفع بهما البتة. والجملة الأخرى في الظهار وسيأتي تفصيله أول سورة المجادلة الآتية إن شاء الله، والجملة الثالثة في التبنّي وذلك أن زيد بن حارثة من بني كلب سبي صغيرا فاشتراه حكيم بن خزام إلى عمته خديجة فلما تزوجها حضرة الرسول وهبته إليه

стр. 2661

فجاء أبوه وعمه يطلبانه من الرسول فخيره بين أن يذهب معهما أو ان يبقى عنده، فاختار البقاء عند رسول الله عليهما فأعتقه ﷺ وتبناه على عادة العرب قبل الإسلام، إذ لم ينزل قرآن بشأن التبنّي، ثم زوجه زينب بنت جحش، ولما طلقها كما سيأتي بيانه في هذه السورة وتزوجها رسول الله قال المنافقون تزوج زوجة ابنه، فأنزل الله هذه الجملة تكذيبا لهم، وأعلمهم فيها ان المتبنى ليس بولد صلبي ولا مثله في تحريم الزواج. وما قيل ان هذه الآية نزلت في نسخ التبني لا صحة له. لأن الله لم يسمه ابنا قط فيما أنزل على رسوله قبل، ولم يمنع التبني في هذه الآية وانما منع اسم البنوة عنه فقط، فلا محل لدعوى النسخ، قال تعالى «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» إذا كانوا معروفين وهذا «هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» واعدل من أن تنسبوهم لأنفسكم كذبا لأنهم لهم آباء غيركم «فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ» أي ادعوهم بلفظ الأخ، فتقول يا أخي ويا ابن أخي على عادة العرب أيضا في نداء بعضهم بعضا، وهذا أحسن من قول الناس الآن لابن الغير يا ولدي يا ابني، واصدق لأن الناس كلهم أخوة «فِي الدِّينِ» واخوة في الخلق إذا لم يكونوا على دين واحد «وَمَوالِيكُمْ» بأن تقولوا إذا ساقتكم الأنفة من تسميتهم إخوانا فقولوا يا مولاي، والمولى يطلق على السيد والعبد لغة، وقيل فيه: ولن يتساوى سادة وعبيدهم ... على أن اسماء الجميع موالي قال تعالى «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ» قبل النهي قصدا لأنكم لا تعلمون انه ينهى عنه كما لا يؤاخذكم إذا أخطأتم بعد النبي سهوا أو نسيانا «وَلكِنْ» الذي يؤاخذكم عليه هو «ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ» عليه وعملتم به بعد النهي ففيه الإثم عليكم «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً» ولم يزل لمن يخطىء أو يجرم إن شاء «رَحِيماً» (٥) بعباده يعاملهم بعفوه وحلمه. روى البخاري ومسلم عن سعد ابن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي ﷺ قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة حرام عليه. وجاء عنه ملعون من ادعى الى غير مواليه، ملعون من انتسب لغير آبائه. ولهذا ورد عنه ﷺ الناس مأمونون على أنسابهم. وبعد ان تبين ان الذي ينتسب الى غير آبائه ملعون لا يتصور أن يجرؤ قصدا على الانتساب زورا لغير آبائه، ويختار

стр. 2662

اللعن استحقاقا بنصّ الحديث المار ذكره، وعليه فان من أراد أن يكذب وينتسب قصدا أو رياء ليظهر للناس انه ذر نسب فيستحق اللعن وما هو بنافعه، لأن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور لا بنسب ولا بغيره، على أن الأدب قد يغني عن النسب فيما يريده. قال غسان بن سعيد في ذلك: من خانه حسب فليطلب الأدبا ... فقيه منيته إن حل أو ذهبا فاطلب لنفسك آدابا تعزّ بها ... كيما تسود بها من يملك الذهبا أما النسب فلا يغني عن الأدب، راجع الآية ١٠١ من سورة المؤمنين في ج ٢ وما ترشدك اليه. ورويا عن ابن عمر قال ان زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزلت هذه الآية فانتهينا. قال تعالى «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أي بعضهم من بعض فتكون طاعتهم له أولى من طاعة أنفسهم، لأنه لا يدعوهم إلا الى ما فيه نفعهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال ان رسول الله ﷺ قال: ما مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا ان شئتم هذه الآية، فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا (بفتح الضاد عيالا) فليأتني فأنا مولاه. أي أوف عنه دينه وأعول عياله. وهو ﷺ لقد وكل خير اهل «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» لأن نكاحهن محرم على المؤمنين كافة بعده على التأييد كما سيأتي فمن هذه الجهة جاز تسميتهنّ أمّا ويستفاد من الآية انهن لسن بأمهات للنساء بل للرجال خاصة، لما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة، يا أمة، فقالت لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكن والآية خاصة فيهن لا تتناول أخواتهن أو بناتهن، ولا جميع أقاربهن لجواز زواجهن بهم «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» على ترتيب الإرث، وكذلك في الميراث، وهذه كالآية من آخر سورة الأنفال المارة. قالوا كان المسلمون يتوارثون بينهم لأن الرسول آخى بينهم، وبقي ذلك إلى نزول آية الأنفال، فصار الإرث للأقرب نسبا أو رحما، وذلك لأن المسلمين كثروا وجاءوا بأهاليهم من دار الحرب إلى دار الإسلام، فصاروا يتوارثون بينهم بالأولوية ومن جهة الدين، لأن أقاربهم كانوا كفارا أو في دار الحرب، وان اختلاف الدين

стр. 2663

والدار مانعان من الإرث كالرق والكفر، وقبل نزولها كانوا يتوارثون فيما بينهم لأن إخوانهم المؤمنين الذين هم معهم في دار الإسلام أولى بإرثهم من أقاربهم الكفرة والذين في دار الحرب. ولا نسخ في هذا البتة لأن الأمر كما ذكر، ولأن ما كانوا يتعاملون به بينهم لم ينزل فيه قرآن، ولأن آية الأنفال لم تعقب بما تعقبت به هذه الآية بل ختمت بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وان اختلاف الدار مانع من الإرث عند أبي حنيفة وعليه العمل حتى الآن والأولوية هذه ثابتة ازلا «فِي كِتابِ اللَّهِ» بسابق حكمه ومدون في لوحه إن أولي الأرحام أولى «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ» المتآخين قبلا في حق الولاية الدينية التي وقعت بعد الهجرة، وهذا هو الأولى والأحق بالإرث «إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً» بأن توصوا إليهم بشيء من أموالكم فلا جناح عليكم بذلك، وهذا الحكم محق ثابت مستمر إلى الأبد، إذ يجوز للرجل أو المرأة أن يوصيا بشيء من مالهما لأقاربهما الذين لا يرثون ولخدمهما وعبيدهما وأصدقائهما وغيرهم من الأقارب غير المسلمين راجع الآية ١٨٠ من سورة البقرة المارة، وقوله ﷺ لا وصية لوارث «كانَ ذلِكَ» المذكور في هذه الآية من التوارث وغيره «فِي الْكِتابِ» الأزلي المحفوظ عند الله «مَسْطُوراً» (٦) مثبتا، وقد أنزلناه عليكم الآن لتعملوا به. وهذا أيضا من التدريج في الأحكام الملمع إليه في المقدمة جريا على سنن الكون وتغيراته، والله أعلم بما ينزل، واعلم بحاجة الناس ومصلحتهم. قال تعالى «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ» بتبليغ ما أرسلوا به ردعوة الناس إليه «وَمِنْكَ» يا سيد الرسل «وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» وسائر النبيين أيضا أخذنا هذا العهد، وإنما خص هؤلاء الخمسة على جميعهم الصلاة والسلام لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم المتفق عليهم، راجع آخر سورة الأحقاف ج ٢ في بحثهم وقدّم محمدا في الذكر مع أنه آخرهم بعثا ووجودا تشريفا له وتفضيلا واشارة إلى أنه أول الخلق معنى وذكرا، فقد روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال كنت أول النبيّين في الخلق وآخرهم في البعث وهذا الحديث مستقى من هذه الآية لأنها تدل على أنه أول خلق الله بدليل أخذ هذا العهد «وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً

стр. 2664

غَلِيظاً» (٧) على الوفاء بما عهد إلى جميع النبيين الذين هم أولى خلق الله به «لِيَسْئَلَ» الله تعالى يوم السؤال في الموقف العظيم «الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ» لله وفي الله وبالله ولأنفسهم والمرسل إليهم «وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ» بهم الجاحدين ما جاؤهم به «عَذاباً أَلِيماً» (٨) في الآخرة عدا عذاب الدنيا، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ» قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير حينما تحزبوا على المؤمنين في منتصف شوال السنة الخامسة من الهجرة بعد غزوة بني النضير الواقعة في السنة الرابعة منها التي سيأتي ذكرها أول سورة الحشر الآتية إن شاء الله «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ» أي الجنود المتحزبة الباغية عليكم «رِيحاً» شديدة بدليل التنكير كما سترى من فعلها في القصة الآتية «وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها» ولم تعلموها وإنما تشاهدون أثرها وفعلها فيهم «وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً» (٩) ناظرا لما عملتموه من الخندق كي تتحصنوا به من عدوكم وعالما بثباتكم وحسن نيتكم وثقتكم برسولكم واعتصامكم معه بحبل الله هذا على القراءة بالتاء على الخطاب، وعلى القراءة بالياء على الغيبة يكون المعنى بصيرا بما يعمله الكفار من السعي لإطفاء نور الله الذي أظهره على أرضه ببعثة محمد واذكروا أيها المؤمنون «إِذْ جاؤُكُمْ» بنو غطفان وأسد ويهود قريظة برياسة مالك بن عون النضري وعيينة بن حصن الفزاري وطلحة ابن خويلد الأسدي وحيي بني احطب «مِنْ فَوْقِكُمْ» من أعلى الوادي من قبل المشرق «وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» من بطن الوادي من قبل المغرب وهم قريش وكنانة برياسة أبى سفيان بن حرب وجاء أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي ومن تبعه من قبل الخندق. واذكروا أيها المؤمنون تلك الحالة التي صورتكم بها أعداؤكم من الكفار والمنافقين واليهود إذ ضاقت صدوركم ذرعه «وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ» عن مستوى نظرها لشدة الرعب وعظم الرهب «وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ» لأن الرنة تتنفخ من كثرة الفزع بسرعة الزفير والشهيق فيرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة وصرتم تختبطون «وَتَظُنُّونَ» أيها المؤمنون «بِاللَّهِ» ربكم الذي وعدكم النصر والظفر «الظُّنُونَا» (١٠) المختلفة من كل على حسب يقينه وعقيدته ونيته والمخلصون منكم قد جزموا بنصر الله والذين دونهم سكتوا وضعيفو الإيمان

стр. 2665

ترددوا والمنافقون قطعوا بأن المؤمنين سيغلبون ويستأصلون والكافرون واليهود تهيأوا للفنك والغنيمة لأنهم رأوا أن المؤمنين صاروا بحوزتهم ففرحوا وصفّقوا وتكلموا بينهم كيف يقتسمون الرجال والمال والأنعام والأثاث «هُنالِكَ» في تلك الساعة الرهيبة في تلك اللحظة العسرة «ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ» بالصبر والثبات والتوكل على الله ولكنهم ازعجوا «وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً» (١١) واضطربوا اضطرابا بليغا وماج بهم الخوف موجا عظيما بسبب احاطة العدو بهم ولولا قوة إيمان حلت بهم من الله لسلموا ولكن كبير ثقتهم بالله وعظيم صدقهم بوعده أحدثا في قلوبهم السكينة وتوقع نصر الله لهم دون تفككهم لأن منهم من جاهر بما يغضب الله ورسوله وهم المشار إليهم بقوله «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ» عبد الله بن سلول ومتعب بن قشير وأضرابهم «وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» شك وريبة لضعف إيمان وعقيدة وقلة يقين وتصديق منهم، وقالوا «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ» بالنصر على الأحزاب وبملك كسرى وقيصر واليمن «إِلَّا غُرُوراً» (١٢) أي إنهما غرونا بقولهم ذلك وموهوا علينا بتوسيع بلادنا لأن أحدنا الآن لا يستطيع أن يجاوز رحله «وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ» أي المنافقين ومن والاهم كأوس بن قبطي وأصحابه «يا أَهْلَ يَثْرِبَ» اسم لأرض المدينة وما حولها سميت باسم يثرب من العماليق، وقد نهى ﷺ أن تسمى المدينة بهذا الاسم لأن معناه غير لايق بها بعد أن شرفت بسيد الكائنات لأنه مأخوذ من التثريب بمعنى التقريع والتوبيخ، وسماها ﷺ طيبة لأنها كانت وخمة كثيرة الأمراض فطابت بسكنى الطيبين بها وزال عنها ما كان فيها «لا مُقامَ لَكُمْ» في هذا المكان أي محل القتال «فَارْجِعُوا» إلى منازلكم واتركوا معسكر الرسول ولا تقاتلوا معه إذ لا قبل لكم بهذه الأحزاب المحيطة بكم «وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ» من الذين مع الرسول أيضا وهم بنو حارثة وبنو سلمة «النَّبِيَّ يَقُولُونَ» ينتحلون سببا للمغادرة من موقع القتال «إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ» خالية لا أحد فيها وهي مما يلي العدو ونخشى عليها السرقة، فأذن لنا نذهب نحافظها، فكذبهم الله بقوله «وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً» (١٣) من القتال وتقليل سواد المسلمين والغدر بهم «وَلَوْ دُخِلَتْ» تلك
следующие страницы →