← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

مطلب كيفية الصلاة على النبي، وهل يجوز إطلاقها على غيره، والذين لعنهم الله ومن يؤذي أولياءه: روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية، إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ورويا عن أبي حميد الساعدي بزيادة وعلى أزواجه وذريته. وروى مسلم عن ابن مسعود البدري بزيادة في العالمين. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من صلّى علي واحدة صلّى الله عليه بها عشرا. وأخرج الترمذي في رواية أنس زيادة وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات. وله عن أبي طلحة أن رسول الله قال: أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا. وله عن ابن مسعود قال: إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام. وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من سره أن يكتال له بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل أللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد. فعلى من أراد هذا الأجر العظيم وأن يسلم عليه النبي الكريم، فليكثر من الصلاة والسلام على الرسول الحليم بإحدى هذه الصفات، لأن العمل بالوارد أفضل من غيره وأكثر ثوابا وأعظم أجرا. قال أهل العلم: إن الصلاة خاصة بالأنبياء، والترضي بالأصحاب، والترحم والسلام بسائر الأمة. وهناك آيات تدل على خلاف ذلك بجواز إطلاق لفظ الصلاة أو السلام على الانفراد على غير الأنبياء، أما جمعهما فلا يجوز أبدا. ومما يدل على إفراد الصلاة دون السلام على غير الأنبياء قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ) المارة في الآية ٤٣، ومنها قوله تعالى (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) الآية ١٥٧ من البقرة المارة.

стр. 2697

وجاء عنه ﷺ أنه قال: اللهم صل على آل أبي أوفى. وكان يصلي على من يأتيه بالصدقة امتثالا لقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) الآية ١٠٣ من سورة التوبة الآتية، تأمل وتيقظ تفز وتنجح. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» بكل ما يسمى أذى قل او كثر قولا أو فعلا رمزا أو إشارة «لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (٥٧) لهم يلقونه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ووصفه بالإهانة يدل على شدة عقابه وكبير عذابه، ألا فليتق الله الذين يؤذون آل البيت لأنه يؤدي لإيذاء حضرة الرسول في قبره الشريف، كيف وقد قال حبهم إيمان وبغضهم كفر. وقال ﷺ : من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم. هذا في العرب كافة فكيف بآله ﵌، فاتقوا الله أيها الناس فيهم واعلموا أن كل من يؤذي اولياء الله فكأنما آذى الرسول ومن آذى الرسول فكأنما آذى الله واستحق هذه اللعنة وهذا العذاب راجع الآية ٦١ من سورة يونس، واعلم أن الله تعالى منزه من أن يلحقه أذى ما من خلقه، ومعنى إيذائه مخالفة أوامره قولا أو فعلا أو إشارة، فكل من خالف أمر الله أو عمل ما نهى الله عنه فقد آذاه ومنه نسبة الولد والصاحبة والشريك إليه تعالى عن ذلك وإنكار البعث ونسبة ما يقع في ملكه للدهر أو للنجوم أو لأحد من خلقه ونسبة الكذب لرسوله أو السحر أو الكهانة أو الشعر، والسخرية والاستهزاء بأوليائه أو التعرض لهم والإنكار عليهم، كله مما يؤذي الله تعالى ورسوله. قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، ومن أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فيقول لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي لقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. روى البخاري ومسلم عنه قال: قال رسول الله ﷺ قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل والنهار. راجع الآية ٢٤ من

стр. 2698

سورة الدخان ج ٢ فيما يتعلق بهذا. ورويا عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول قال الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرّة وليخلقوا حبة أو شعرة. ولهذا عدوا تصوير ذي الروح وتجسيمه من المنهيات الكبائر. قال تعالى «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا» من الإثم وهذا مقيد ببراءة المؤذى، أما إذا كان يحق القصاص فهو واجب، وإن كان بغير حق فهو حرام مطلقا ممنوع فعله، وكذلك نسبة شيء لم يعمله قولا كان أو فعلا أو إشارة لغيره وهو فاعله ممنوع وحرام، راجع الآية ١١٢ من سورة النساء الآتية، أما إيذاء الله ورسوله فهو حرام مطلقا، لأنه بغير حق وهؤلاء المؤذون «فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً» افتراء محضا لأنهم نسبوا إليهم شيئا لم يفعلوه «وَإِثْماً مُبِيناً» (٥٨) فوق ذلك البهتان، ولذلك فإن الله سيجازيهم فوق جزائهم جزاء فعلهم، ومثله لبهتهم، راجع الآية ٨١ من سورة النحل في ج ٢. وهذه الآية عامة يدخل فيها كل مؤذ لغيره بغير حق. وما قيل إنها نزلت في أناس يؤذون عليا أو فيمن يتبعون النساء عند خروجهن إلى المبترز فإن سكتت لاحقوها وإن زجرتهم رجعوا، فعلى فرض صحته لا يقيدها فيهم، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. مطلب تفطية وجه المرأة، والنهي عن نقل القول، وما اتهم به موسى من قومه والأمانة: قالوا ولما كان لباس النساء الحرائر والإماء واحدا وكان من الواجب تمييزهن عنهن لشرفهن وامتهان الإماء إذ ذاك أنزل الله «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ» يضربن ويرخين «عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ» أي يغطين أنفسهن بملاءتهن لأن الجلباب هو الملاءة التي تشتمل فيها المرأة فوق ثيابها فتجعل بعضه على رأسها وبعضه على صدرها وظهرها وهو الملفع الكبير الذي يستعمله الآن النساء الدرزيات والبدويات من عترة وشمر وغيرهما وغالب أهل القرى والأرياف والأكراد والعراقيات غير المتمدنات على لغة العامة، ومن فوقه تكون الملحفة في البلاد السورية والعباءة في البلاد العراقية أي من دير الزور إلى البصرة،

стр. 2699

«ذلِكَ» تقريب الملفع لستر الوجه حتى لا يبقى منه إلا ما توجه به طريقها «أَدْنى» أقرب «أَنْ يُعْرَفْنَ» بأنهن حرائر مصونات يتباعد عنهن أهل الفساد ويهابهن كل أحد «فَلا يُؤْذَيْنَ» من قبل أولئك الخبثاء ويجتنبون متابعتهن ولا يظن بهن أنهن إماء مبذولات فلا يتعرض لهن أحد ولا يقذفن بما يقذفن به المشبوهات. هذه غيرة الله عليكم أيها المؤمنون فغاروا على أنفسكم وحافظوا على مروءتكم وصونوا شهامتكم بحفظ نساءكم إن الله حي ستير يحب الحي والستر «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (٥٩) يعفو عما سبق منكم إذا رجعتم إليه وامتثلتم أوامره في تحجب نسائكم وغيره. وفي هذه الآية دلالة صريحة على ستر الوجه خلافا لما يقوله بعضهم لأن المعرفة المنهي عنها لا تحقق إلا بالوجه، ولذلك أمر الله تعالى بتقريب الجلباب وإدنائه منه على المرأة لئلا تعرف ولو لم يكن المراد به تغطية الوجه لما بقي لهذا القيد من حاجة، ولا بأس بإبداء العين إذا كان الجلباب ثخينا لتتمكن من النظر إلى طريقها أما إذا كان الغطاء شفافا فلا. وقد نهى الله عن النظر إلى المحرمات كما سيأتي تفصيله في الآية ٣١ وما بعدها من سورة النور الآتية، قال إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان: يغطين وجوههن كلها. وقال غير واحد إلا عينا واحدة لتنظر بها طريقها، أي إذا لم يكن الغطاء شفافا. وفي قوله تعالى (ذلك أدنى) إلخ، دليل واضح على لزوم الستر للوجه، ولا يحول عن هذا القول إلا قليل المروءة والغيرة الذي يريد أن يسوي بين الحرة والجارية والطاهرة والمشبوهة والمسبلة، قال أنس مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة وقال لها يا لكاع أتتشبهين بالحرائر، ألق القناع. قال هذا عمر لعلمه أنها ممتهنة خسيسة مملوكة، ومن كانت كذلك فإن وجهها وذراعيها ليس بعورة، وليظهر ميزة الحرائر اللائي نص الله عليهن في كتابه فلم يبق من حجة لمدعي السفور بعد أمر الله تعالى في هذه الآية العامة لنساء النبي وغيرهن، ألا فليتق الله الرجال لأنهم هم القوامون على النساء القادرون على منعهن من الخلاعة التي هي أكبر من السفور والوزر عليهم إن لم يفعلوا. قال تعالى «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ» عن قذفهم المؤمنين سرا كان أو جهرا «وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» فجور وهم الزناة لقوله تعالى

стр. 2700

(فيطمع الذي في قلبه مرض) أي ريبة زنا من أن يتابعوا النساء ويطلعوا على عوراتهن حبا بإشاعة الفاحشة. وهذا بمناسبة المقام على الإطلاق فيكون المراد بهم الذين في قلوبهم شك وضعف يقين وشبهة اعتقاد في الإسلام «وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ» بنشر أخبار سوء كاذبة عن أحوال المؤمنين ليوقعوا الاضطراب في قلوبهم ويثبطوهم عن الخروج مع حضرة الرسول، ولذلك أقسم الله بقوله تعالى «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ» أي والله لنسلطنك عليهم ونأمرنك بقتلهم والتحرش بهم، وهذا القسم الجليل في الأصناف الثلاثة على أنهم إذا لم يرجعوا عنها ويتركوها يهلكهم الله على يد رسوله، ثم عطف على جواب القسم قوله «ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها» أي المدينة «إِلَّا قَلِيلًا» (٦٠) بقدر مدة ارتحالهم عنها ولا شك أن الجلاء أمر عظيم ما فوقه إلا القتل، وكثيرا ما يفضل القتل عليه لما فيه من المذلة والاحتفار والهوان «مَلْعُونِينَ» هؤلاء الأصناف الثلاثة مطرودين «أَيْنَما ثُقِفُوا» وجدوا وأدركوا فإن لم يتوبوا ويؤمنوا «أُخِذُوا» قبض عليهم وأسروا فإن أصروا عذبوا «وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا» (٦١) كثيرا بدلالة التشديد «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ» أي أن أخذ أمثال هؤلاء وقتلهم وإجلاءهم إن يبقوا مصرين على حالهم هي عادة الله في خلقه السالفين «وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (٦٢) أبدا بل تبقى مطردة جارية مجراها لا يحول دونها شيء. ولما كان المشركون حينما كان حضرة الرسول في مكة يديمون سؤالهم عن الساعة استهزاء لأنهم لا يعتقدون وجودها صار اليهود يسألونه عنها أيضا امتحانا لأنهم يعرفونها من المغيبات ويعتقدون بها، أنزل الله تعالى «يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ» متى تكون «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء «إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» لا علم لي بها ولا لأحد غيري «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً» (٦٣) وهذا تهديد وإسكات والإتيان يذكر بالظاهر بدل المضمر تعظيم لشأنها، راجع الآية ١٧٧ من سورة الأعراف في ج ١ وأول سورة النبأ في ج ٢ وما ترشدك إليه في بحث الساعة، «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ» بوجود الساعة الذين ينكرون اليوم الآخر والحياة الآخرة «وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً» (٦٤) تحرقهم وسيبقون «خالِدِينَ فِيها أَبَداً

стр. 2701

لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (٦٥) يمنعهم من عذابها ويخلصهم وينقذهم من بلائها، وإن هؤلاء الجاحدين سيصدقون فيها «يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ» وإذ ذاك «يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا» (٦٦) فصدقناه ولم نكفر بما جاءنا به ولم نجحد ما أخبرنا به «وَقالُوا» أتباع الكفرة «رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا» بإنكار هذا اليوم لأنهم موهوا علينا إنكاره وجحده «فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا» (٦٧) إذ يقولون لنا لا بعث ولا حساب ولا عقاب ولا ثواب، وكذلك لم نتبع الهدى الذي جاء به رسلك «رَبَّنا آتِهِمْ» الآن جزاء إضلالهم إيانا في الدين «ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ» لإضلالنا وإضلال أنفسهم وانتقم لنا منهم «وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً» (٦٨) كثيرا بأبلغ ألفاظه، وبعد أن أبدوا عذرهم ولم ينفعهم أظهروا أسفهم وندمهم ولات حين مندم فزجوا في النار وأطبقت عليهم أبوابها وتزايد عليهم عذابها. ثم إن الله تعالى لمح لعباده بعدم التصدي لأذية الرسول بذكر ما وقع من اليهود لسيدنا موسى ﵇، فقال عز قوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى» فتؤذون رسولكم بما يصدر منكم من القول والفعل فإن الله تعالى يغضب لأذيته فتؤذون من أجله وذلك أن جماعة من بني إسرائيل رموه بأنه آدر لأنه كان حين يغتسل يغتسل بثوبه لشدة حيائه بحضور قومه، ثم إنه ذات يوم لم يكن عنده أحد فنزع ثوبه ووضعه على حجر ونزل ليغتسل، فلما عاد ليلبسه فر الحجر به فتبعه وكانوا يراقبونه فنظروا إليه فلم يجدوا فيه بأسا، فظهر كذبهم، ثم إنهم اتهموه بقتل هرون فأكذبهم الله إذ أراهم إياه جبريل ﵇ كما سيأتي في الآية ٢٦ من سورة المائدة، ثم أغروا به المومسة بأن تعزو له مواقعتها كما سبقت القصة في الآية ٨٢ من سورة القصص في ج ١ فكذبتهم بما ألقى الله في قلبها «فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا» في حقه راجع الآية ٤٨ المارة، وفي هذه الآية تحذير للمؤمنين بأن لا يتجاسروا على ما فيه أذية رسولهم ولا يتهموه بشيء مخالف أو سيىء ولا يظنوا به حيفا لأحد فإن الله تعالى يبرؤه مما يجرءون أو يتفوهون عليه به لأنه كريم على ربه مثل موسى الذي يقول ربه في حقه «وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» (٦٩) مقبولا موقرا

стр. 2702

عظيما، وان محمدا أكبر وجاهة وأجل حرمة عند ربه وأعظم درجة وأقرب منزلة منه وأزيد فضلا من الرسل كافة، وما جاء عنه ﷺ من قوله لا تفضلوني على موسى، هو من قبيل هضم النفس والتحدث بالنعمة، وإلا فهو يعلم بإعلام الله إياه أنه أفضل وأكمل خلق الله الرسل فمن دونهم. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» من أن يقع منكم شيء يغضب الله ورسوله «وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» (٧٠) صوابا عدلا وإياكم والخوض فيما لا يعنيكم وإنكم إذا امتثلتم وانقدتم إلى الله «يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً» (٧١) في الآخرة لا يضاهيه فوز. ولما أرشد الله كمل عباده إلى مكارم الأخلاق وبين عظيم شأن طاعته وطاعة رسوله أعقبه ببيان ما يوجب ذلك وصعوبة الوصول إليه بقوله عز قوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ» التي ملاكها طاعة الله ورسوله، وجماعها امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وقوامها مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، فيدخل فيها الامتثال لكل شيء حسن والاجتناب عن كل شيء، كالوفاء بالوعود والعهود وعدم نقضها والغدر فيها وأداء الودائع والأمانات والكف عن كتمها والمماطلة بأدائها ومنع الحواس عن غير ما خلقت لها وصرفها فيما أباحه الله تعالى ووضع الشهوات في محالها المباحة وكفها عما حرم الله وغير ذلك. وكان هذا العرض «عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ» ليحملنها وخص الله تعالى هذه الثلاثة دون غيرها لكمال شدتها وصلابتها فامتنعن لأنهن وإن كن في غاية القوة إلا أن أمانه الله فوق ذلك، ولهذا حكى حالهن بقوله «فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها» خوف الإضاعة فيكنّ قد خنّها لأن حملها عبارة عن خيانتها لتحقق عدم القيام بها كما يريده الله وأن عدم القيام بأوامره خيانة كالإقدام على نواهيه «وَأَشْفَقْنَ مِنْها» خفن من أن لا يقمن بها فلا يؤدينها كما أراده الله منهن فيلحقهن عذابه وينلهن عقابه «وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ» لفظ عام في آدم وغيره إلى قيام القيامة، فالإنسان المركب من اللحم والدم والعظم على ما هو عليه في غاية الضعف بالنسبة لتلك أقدم على حملها مع وهنه، وتلك الأجرام العظيمة أبت أن تقدم على حملها، وما ذلك إلا لأنه كما ذكر الله «إِنَّهُ كانَ» ت (٣٢)

стр. 2703

ولم يزل «ظَلُوماً» لنفسه «جَهُولًا» (٧٢) لخطأه جهولا لما يراد منه جهولا بعاقبته إلا من وفقه الله لرشده. هذا ولما كان ما من عموم إلا وخص منه البعض فإن الأنبياء والكاملين من خلق الله مستثنون من ذلك، لأنهم هم الآمرون الناهون بلسان الله تعالى. روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر (أصل) قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال ينلم الرجل النومة فتقبض الأمانة من قبله فيظل أثرها مثل الوكت (أي الأثر اليسير) ثم ينام الرجل النومة فيقبض الأمانة من قبله فيظل أثرها مثل المجل (أي غلظ الجلد من أثر العمل) كجمر دحرجته على رجلك فتنقض فتراه منبترا (منتفخا) وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله (تمثيلا لهم) فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال من حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه (أي رئيسه الذي يصدر عن رأيه ولا يمضي أمرا دونه والوالي الذي ينصف من التعدي ومن ولي أمر قوم فهو ساع عليهم) وأما اليوم فما كنت لأبايع فيكم إلا فلانا وفلانا. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم فجاء اعرابي فقال متى الساعة؟ فمضى ﷺ يحدث فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة؟ قال ها أنا يا رسول الله، قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة. قال تعالى «لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ» الذين ماتوا على ما هم عليه من نفاق وشرك، ولم يتوبوا ونقضوا عهد الله المأخوذ عليهم بطاعته وطاعة رسوله، وخانوا ما ائتمنوا عليه لله ولخلقه ولم يوفوا بما وعدوا «وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ»

стр. 2704

فيرحمهم ويحسن إليهم ويتفضل عليهم لوفائهم بما عاهدوا الله عليه وآمنوا بما بلغهم عن رسوله وصدقوا بما جاءهم من عنده «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (٧٣) لأمثالهم من عباده، ولا يزال كذلك. هذا آخر سورة الأحزاب وهي بحذافيرها كما أنزلها الله على رسوله بواسطة أمينه، فمن قال إن الأرضة أكلت قسما منها وهي في بيت عائشة، وان الكتاب دونوا ما وجدوه منها فهو ملحد منافق قد افترى على الله ورسوله بما قال وكلامه مردود عليه من وجوه، أولا إذا كان طرأ على شيء منها في بيت عائشة فهل طرأ على ما كان عند الكتاب من النسخ، لأنهم كانوا يكتبون لرسول الله ويحتفظون بنسخ عندهم، ثانيا هل رفعت من قلوب الحفاظ الذين كانوا يحفظون القرآن كما تلقوه من حضرة الرسول ويتدارسونه بينهم صباح مساء، ثالثا هل يخفى ذلك على الخلفاء الراشدين الذين يقرأون القرآن آناء الليل وأطراف النهار وهلا اطلعوا عليه حينما نقلوا الصحف من بيت عائشة إلى بيت حفصة إلى أن أعطاها الخليفة عثمان إلى القراء الأمناء حين نسخوه على المصاحف والإسلام ناشر رواقه، رابعا أغفل هذا الخبيث عن قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) الآية ٩ من سورة الحجر ج ٢ ويتفوه بذلك مع تعهد الله بحفظه وهل يشك في هذا العهد إلا كافر مارق؟ ألا لا يلتفت إلى أقوال هؤلاء لأنهم لا أمانة لهم ولا صدق عندهم وهم أشبه باليهود الذين يحرفون كلام الله بعد ما عقلوه، قاتلهم الله وأضرابهم وجعل سجين مأواهم ومثواهم. هذا وقد أشرنا في المقدمة في بحث النزول وفي الآية المذكورة آنفا والآية ٤٢ من سورة حم السجدة في ج ٢ إلى ما يتعلق بهذا البحث فراجعه. ويوجد ثلاث سور محتومة بما ختمت به هذه السورة من اللفظ العظيم هذه والأنعام والمزمل. هذا والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تفسير سورة الممتحنة عدد ٥- ٩١ و ٦٠ نزلت بالمدينة بعد الأحزاب وهي ثلاث عشرة آية وثلاثمائة وأربعون كلمة، وألف وخمسمائة وعشرة أحرف، ويوجد في القرآن عشر سور مبدوءة بيا أيها: هذه والنساء

стр. 2705

والأحزاب والمائدة والحج والحجرات والطلاق والتحريم والمدّثر والمزمل. ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، ولا مثلها في عدد الآي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ» من دوني دون المؤمنين، فتغتروا بهم، وتصيروا «تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» فتفشون أسراركم إليهم وتعلمونهم بأخبار رسولكم وجيوشكم وتطلعونهم على أموركم، كيف يليق بكم أن تفعلوا هذا «وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» على لسان رسولكم، وهو القرآن المنزل إليكم من ربكم، ويريدون بكل جهدهم «يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ» من أوطانكم ودياركم لشدة عداوتهم لكم لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله من أجل «أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ» وترككم ما هم عليه من الذين ليس لسبب آخر فاحذروا أيها المؤمنون من أن توالوهم «إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ» من مقركم مكة وتركتم أموالكم وأتباعكم «جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي» فإن لم يكن خروجكم وجلاؤكم لهذين السببين فشأنكم وإياهم. واعلموا أني أنا الله ربكم غني عنكم وعن الخلق أجمع، أقول لكم على سبيل التقريع والتعنيف لتذكروا أمركم وتدبروا عاقبته كيف «تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» وتظهرون لهم المحبة وتبدون لهم النصيحة بقصد الصحبة معهم خفية عن نبيكم «وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ» من ذلك واني مخبر نبيكم بما يقع منكم، فانتهوا عن هذا ولا تفعلوه أبدا «وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ» بعد هذا النهي فيسر إليهم بشيء من ذلك «فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» (١) وبقي تائها في عماه لا يهتدي إلى خير. مطلب الاخبار بالغيب في كتاب حاطب لأهل هكة ونصيحة الله للمؤمنين في ذلك: وسبب نزول هذه الآية هو ما رواه البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه قال بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (بقرب حمراء الأسد من أرض المدينة) فان بها ظعينة أي المرأة المسافرة سارة مولاة ابي عمرو بن صيفي بن هاشم حليف بني أسد بن عبد العزى معها كتاب فخذوه منها

стр. 2706

قال فانطلقنا تتعادى بنا الخيل حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي من كتاب، فقلنا أخرجي الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله قالوا وفيه أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم، فقال ﷺ يا حاطب ما هذا؟ فقال يا رسول الله لا تعجل علي اني كنت أمرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام، فقال ﷺ انه صدقكم، فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ انه شهد بدرا وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وهذا من الإخبار بالغيب ودلائل النبوة ومعجزاتها. وجاء في خبر أنهم لما قالت لهم ما عندي من كتاب رجعوا، ثم قالوا كيف وقد قال ﷺ ان معها كتابا وهو لا ينطق عن هوى؟ فرجعوا إليها وقالوا لها ما قالوا بالحديث من التهديد، فأخرجته لهم. والمراد بإلقاء الثياب ما عندها من أشياء ولباس كي يتحروه لا غير، إذ لا يظن بأصحاب رسول الله ما يتصوره الغير من هذا الكلام، قال تعالى مبيّنا ما ننطوي عليه قلوب الكفرة على المؤمنين «إِنْ يَثْقَفُوكُمْ» يظفروا بكم هؤلاء الذين تتقربون إليهم «يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً» ولا يقدرون مودتكم لهم بل يعدونها نفاقا منكم لهم وخوفا منهم لأنهم يتربصون بكم الدوائر وعند سنوح الفرصة ينتقمون منكم «وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ» بالقتل والسلب والسبي «وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ» من سب وشتم وتحقير وإهانة ونسبة الكذب والخيانة، لأن العدو إذا عرفكم خنتم قومكم بما تطلعونه عليه من أخباركم لا يأمن لكم ولا يولونكم من أمرهم شيئا ويقولون لكم إن الذي يخون قومه فهو لغيرهم أخون فلا يركن إليكم ولا يأمنكم، فتبقون محقرين عندهم أذلاء مهانين مهددين بالقتل والسبي إن لم يقتلوكم حالا «وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ» (٢) وترجعون إلى دينهم، وانهم لاسمح الله لو ظفروا بكم لقسروكم على الكفر لتكونوا

стр. 2707

مثلهم وإذ ذاك «لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ» ولا أقاربكم وأصحابكم الذين يحتجون بهم في الدنيا، إذ لا فائدة لكم منهم ولا ينفعونكم أبدا «يَوْمَ الْقِيامَةِ» غدا عند الله ولا يقونكم شيئا من عذابه، فلا يحملنكم وجود أحد عندهم من ذويكم على الرأفة بهم وتخونون رسول الله من أجلهم، فإنهم لن يغنوا عنكم من الله شيئا هو الذي «يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ» وبينهم يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه، وليعلم أن من في الأرض جميعا لا ينجيه من الله «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٣) لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإذا أحببتم أيها المؤمنون بما فيكم حاطب المخصوص في هذه الآيات أن تتأسوا بمن قبكلم في أعمال الخير فإنه «قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ» خليل الله «وَالَّذِينَ مَعَهُ» من المؤمنين به «إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ» المشركين «إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» حيث تبين لهم كفرهم وقالوا «كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» وقاطعوهم في كل شيء فكيف توادونهم وأنتم خير أمة أخرجت للناس، ألا تعتقدون بأفعال هؤلاء الكرام كلها «إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ» فلا تتأسوا به إذ لا يجوز الاستغفار للمشركين، لأن هذه الجملة مرتبطة بما قبلها من ذكر ابراهيم ﵇ وما بينهما اعتراض تدبر، وإن ابراهيم لم يقل هذا إلا بعد أن وعده بالإيمان، قال تعالى دفاعا عن خليله (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) الآية ١٠٥ من سورة التوبة الآتية، وأنتم قد تبين لكم أن المشركين أعداء الله ورسوله واعداء لكم فكيف تواصلونهم وتفشون إليهم أسراركم؟ وقد قال ابراهيم لأبيه بعد أن وعده بالاستغفار «وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» لأنه هو ولي التوفيق وكان ابراهيم وأصحابه يقولون في دعائهم «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (٤) في الآخرة الدائمة ويقولون أيضا «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» في الدنيا لأنهم يعذبوننا إذا تسلطوا علينا ليصرفونا عن ديننا، ولهذا فإنا نبرأ إليك منهم يا ربنا لا تجعل لهم علينا يدا «وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ

стр. 2708

أَنْتَ الْعَزِيزُ» الغالب لكل أحد «الْحَكِيمُ» (٥) بما يقع منك على عبادك «لَقَدْ كانَ لَكُمْ» أيها المؤمنون حاطب فمن دونه إلى يومنا هذا، وما بعد إلى قيام الساعة «فِيهِمْ» أي إبراهيم وأصحابه «أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» وقدوة جميلة نافعة «لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ» فيخاف عذابه ويأمل ثوابه أن يقتدي بهم لا بأفعال الكفار وما يؤدي إلى الكفر بأي قصد كان «وَمَنْ يَتَوَلَّ» عن نصح الله وارشاد رسله، ولم ينزجر عن موالاة الكافرين «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ» عنه وعن غيره فليفعل ما يشاء وإن مرده إليه وهو يعلم كيف يعاقبه على ذلك، وهو «الْحَمِيدُ» (٦) لفعل أهل طاعته فيثيبهم ثوابا كريما فلما سمع المؤمنون هذه الآيات اشتدت عداوتهم لأقربائهم الكفار ووجدوا عليهم وتبرؤوا منهم، وأراد الله تعالى أن يطمعهم فيهم، فأنزل «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ» من أقاربكم الكفار وغيرهم «مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ» على إنشاء المودة بينكم «وَاللَّهُ غَفُورٌ» لمن تاب منهم وأصلح «رَحِيمٌ» (٧) بعباده كلهم يحببهم بعضهم لبعض، وقد حقق الله لهم ذلك وأسلم كثير منهم، ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين بقوله عز قوله «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ» بقصد صدكم عنه أو عدم القيام به والتحلي بشعائره ولا يخاصمونكم من أجله «وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ» قسرا فيجلوكم عنها «أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» وتعاملوهم بالإحسان والعدل والإنصاف وتصلوهم بالسراء والضراء «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (٨) العادلين في ذلك الذين يقابلون المعروف بمثله وأحسن. روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت قدمت عليّ أمي (فتيلة بنت عبد العزى) وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله وحدتهم فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال نعم صليها، زاد في رواية فأنزل الله هذه الآية. أنظر أيها القارئ إلى عظيم إيمان هذه المرأة إذ لم يمل قلبها إلى صلة أمها الكافرة ولا قبولها في بيتها إلا بعد إفتاء الرسول لها بذلك. وقال ابن عباس نزلت في خزاعة إذ صالحوا حضرة الرسول على أن

стр. 2709

لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، وقد ذكرنا غير مرة أن لا مشاحة في تعدد أسباب النزول وإن آية واحدة قد تكون لعدة حوادث، ثم ذكر الله الذين لا تجوز صلتهم ولا مقاربتهم وهم في ذلك الزمن أهل مكة. فقال جل قوله «إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا» اليهود وغيرهم «عَلى إِخْراجِكُمْ» من المدينة واستئصالكم. إذ جاءت الآية عامة فيدخل فيها كل من يفعل ذلك مع المؤمنين إلى آخر الزمان، فلا يجوز للمؤمن مصافاة من هذا شأنهم فيحرم عليكم أيها المؤمنون «أَنْ تَوَلَّوْهُمْ» أبدا وتفكروا فيما هدد به تعالى من يواليهم بقوله «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ» منكم «فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (٩) أنفسهم الآيسون من رحمتي الآئبون بالندم وسوء العاقبة لأنهم وضعوا ثقتهم في غير محلها فلا يلومون إلا أنفسهم عند حدوث ما يسوءهم منهم. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ» اختبروهن لتعلموا هل هن مؤمنات حقا أم لا فإن ظهر لكم أنهن مؤمنات فاقبلوهن ولا تقولوا إنهن باطنا غير مؤمنات «اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ» منكم لأن لكم الظاهر والله عليم بما في الصدور «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ» بعد الفحص «مُؤْمِناتٍ» بحسب الظاهر ولم تروا ريبة في مجيئهن وإبقائهن بين أظهركم «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ» بعد ذلك «إِلَى الْكُفَّارِ» أزواجهن الأول «لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ» لأنهم مشركون «وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» لأنهن مسلمات، فتقع الفرقة بينهم، راجع الآية ٢٢٢ من سورة البقرة المارة «وَآتُوهُمْ» أي أزواجهم الكفار «ما أَنْفَقُوا» عليهن من المهور لأنه حقهم ولم يعطوه إلا لحق الزوجية، وقد انقطعت بغير إرادة الأزواج، فيكون بمثابة بدل الخلع «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» بعد ذلك «إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» مهورهن «وَلا تُمْسِكُوا» أيها المؤمنون «بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» اللاتي بقين مشركات في دار الحرب أو اللاتي قد ارتددن ولحقن بدار الحرب «وَسْئَلُوا» من يتزوجهن من الكفّار أن يعطوكم «ما أَنْفَقْتُمْ» عليهن من المهر «وَلْيَسْئَلُوا» الكفار أيضا فيطلبوا منكم «ما أَنْفَقُوا» على نسائهم المهاجرات اللاتي تزوجتم بهن من

стр. 2710

المهور أيضا «ذلِكُمْ» الأمر الذي أمرتم به بإعادة المهر منكم ومنهم على السواء هو «حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ» بالعدل لأنه رب الكل «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (١٠) نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية، ولذلك أمر الله تعالى بالتسوية بين المؤمنين والكافرين رعاية لعهد الصلح الواقع بينهم ولولاه لم يرد لهم الصداق كما منع فيمن جاء من المسلمات قبل المعاهدة، لأن الوفاء بالعهد واجب قديما، وقد اشتد وجوبه في الإسلام. مطلب من جحد عهد الحديبية وما يتعلق بالنسخ ونص المعاهدة وما وقع فيها من المعجزات: روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله قال لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد ولو كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، وكره المؤمنون ذلك، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي على ذلك فرد يومئذ أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته، أي رسول الله يومئذ أحد من الرجال إلّا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ وهي عاتق شابة بأول عمرها وإدراكها، ويقال للّتي بين الإدراك والتّعنيس أو التي لم تتزوج عاتق أيضا، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها لهم فلم يرجعها حتى أنزل الله فيهن هذه الآية، قال عروة قالت عائشة ان رسول الله كان يمتحنهن بهذه الآية (أي الآتية بصيغة المبايعة) ، قال عروة قالت عائشة فمن أقرت بهذه الشروط (المذكورة في الآية) منهن قال لها قد بايعت، كلاما يكلمها، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ولا بايعهن إلا بقوله. قال ابن عباس امتحانهنّ أن يستحلفهن ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لحدث أحدثته ولا لا لتماسي دينا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحب الله ورسوله، وهذا هو الصواب في معنى الامتحان، وما جاء عن عائشة فهو صيغة المبايعة ليس إلا، وإنما كان كذلك لأن رد النساء المؤمنات لم يدخل في المعاهدة، وما قيل

стр. 2711

إن النساء كن داخلات فنسخ الله ردهن فهو تعسف عفا الله عن أمثال هذا القائل لأنه وأمثاله شديد والرغبة في النسخ، وقد استقصوا فيه قدرتهم من كل ما تصورته أذهانهم حتى حدا بهم الحال إلى هنا، وما أرى هذا إلا من باب الجرأة على الله لأن من يتورع أو يقارب الورع يبعد عليه هذا الخوض إلى هذا الحد. هذا وقد امتثل المؤمنون ما أمر الله به حتى أن عمر طلق زوجتيه المشركتين القاطنتين في مكة وهما فاطمة بنت أميه بن المغيرة وتزوجها معاوية، وكلثوم بنت عمرو الخزاعية وتزوجها أبو جهم بن حذافة، وطلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة وتزوجها بعد في الإسلام خالد بن سعد بن العاص، وأسلمت زينب بنت رسول الله فتركت زوجها أبو العاص بن الربيع على كفره في مكة ولحقت بالمدينة ثم أتى وأسلم فردها إليه رسول الله ﷺ . ولما أبى المشركون أن يقروا بحكم الله ورسوله في ذلك أنزل الله جل شأنه «وَإِنْ فاتَكُمْ» أيها المؤمنون «شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ» بأن ذهبن مرتدات ولم يردوا إليكم مهوركم لاهن ولا أوليائهن ولا الذين تزوجوا بهن بعدكم «فَعاقَبْتُمْ» به المشركين بأن غزوتموهم وغنمتم منهم أموالا وغيرها «فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا» عليهن من هذه الغنيمة وما بقي فاقسموه بينكم كما أمر الله «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» (١١) واعلموا أنكم محاسبون على عملكم إذا خالفتم أمره فاعملوا بحكمه فيكم تفوزوا وتنجحوا. قالوا إن النساء اللاتي ارتددن ستة، أم الحكم بنت أبي سفيان تركت زوجها عاصي بن شداد الفهري وفاطمة بنت أمية تركت زوجها عمر بن الخطاب ومروع بنت عقبة تركت زوجها شماس بن عثمان وعبدة بنت عبد العزى تركت زوجها عمرو بن عبد ودّ هند بنت أبي جهل تركت زوجها هشام بن العاص وكلثوم بنت عمرو تركت زوجها عمر بن الخطاب لأنها لما أبت الإسلام وأصرت على الكفر طلقها هي وزوجته الأولى فاطمة كما مرت الإشارة إليها آنفا، فأعطاهم رسول الله مهورهن من الغنيمة، فلو فرض وقوع معاهدة كهذه بين المسلمين والكافرين فيكون العمل بحق النساء اللاتي يتركن أزواجهن من الطرفين على هذا، لأن الآية محكمة ولا دليل على نسخها البتة. وخلاصة القصة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم

стр. 2712

بعد أن وفقه الله في حادثة الأحزاب وفعل ما فعل في بني قريظة وبرد ظهره من الأعداء المجاورين له اشتاق لزيارة البيت الشريف وأمر الناس أن يتجهزوا ففعلوا وخرج بهم من المدينة يوم الاثنين من ذي القعدة سنة ست من الهجرة الشريفة في بضع عشر مئة من أصحابه بقصد الزيارة وساقوا معهم البدن، فلما وصلوا ذا الخليفة قادوا الهدى وأشعروه وأحرموا بعمرة وبعث عينا (جاسوسا) يخبره عن قريش، ولما بلغوا غدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه عتبة الخزاعي، وقال إن قريشا قد بلغها مقدمك، وقد هاجت وماجت وأجمعت على صدك عن البيت فأمر ﷺ بالنزول، ونزل القوم، فقال وهو عازم على زيارة الحرم رغم كل مقاومة أشيروا علي أيها الناس، أتريدون أن أميل أولا على ذراري من انضمّ إلى قريش من الأحابيش وغيرهم يوم الخندق دعا وعاونوهم علينا، فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله أو تريدون أن نؤم البيت أولا لا نريد قتالا ولا حربا فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر يا رسول الله إنما جنت عامدا للزيارة فتوجه لقصدك فمن صدنا قاتلناه، قال امضوا على اسم الله. ثم إن رسول الله قال لقومه ان خالد بن الوليد بالتنعيم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فأخذوا قال المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم والله ما شعر خالد إلا وهو في قترة أي غبار الجيش، وهذه معجزة له ﷺ لأنه أخبرهم به قبل أن يصلوا إليه، فلما رآهم انطلق ينذر قريشا، وكان ذلك قصد الرسول، ولما وصلوا إلى الثنية التي يهبط منها بركت راحلته فقالوا فلأت القصوى أي حرنت ناقة رسول الله، فقال ما فلأت ولكن حبسها حابس الفيل، ثم زجرها فوثبت وعدل عن الثنية، ونزل بأقصى الحديبية وهي قرية بينها وبين مكة مرحلة سميت باسم بئر فيها قليل الماء، فنزلوا ونزح الماء وشكوا العطش، فقال ﷺ إلى ناجية سائق بدنه خذ هذا السهم واغرزه فيها ففعل ففاضت وما زالت تجيش بالري أي الماء حتى صدروا، وهذه معجزة أخرى ثم قال لأصحابه لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها وأجبتهم إليها وإن كان فيها مشقة. وفي هذه الجملة تعليم لأمته وإرشاد لها إلى مكارم الأخلاق ولو كانت من أحرج المواقف، فلما

стр. 2713

رأى بديل بن ورقاء الخزاعي خروج قريش إلى اعداد مياه الحديبية وتصميمهم على صد محمد وأصحابه وعرف عزم محمد ﷺ على دخول البيت، وكانت خزاعة حليفة لبني هاشم، جاء بنفر من قومه إلى حضرة الرسول وأخبره خبر قريش وانهم أخرجوا معهم النياق ذوات اللبن وذوات الحيران بما يدل على عزمهم على طول الإقامة وقصدهم القتال وإنك غوّرت أي بعدت عن المدينة ولا سلاح معك، فقال ﷺ إنا لم نأت لقتال وإن قريشا نهكتهم الحرب وقد جئنا معتمرين، فإن شاءوا ماددتهم مدة تترك فيها الحرب، وإلا فإن لم يفعلوا وأصروا على صدي فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على هذا حتى تنفرد سالفتي (السالفة صفحة العنق وكنى عنها بالموت) ولينفّذن الله أمره. فرجع بديل إلى قومه وعرض عليهم ما قاله، فقال عمرو بن مسعود الثقفي قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقالوا له ائته وكلمه، فجاء عروة وقال يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أو أوقع المكروه في أصله قبلك؟ ثم قال له إن المسلمين أصحابك ليسوا من قبيلة واحدة فلا رابطة بينهم ولا يؤمن فرارهم وعظم من قريش، فقال له أبو بكر ﵁ امضض بظر اللات (البظر من المرأة كالقلقة من الرجل) فقال لولا يدك عندي لأجبتك يا أبا بكر، وكان المغيرة بن شعبة مصلتا سيفه وعليه المغفر واقفا على رأس رسول الله، وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله يتودده بالكف والرجوع حقنا للدماء ضربها بنصل السيف، ويقول أخر يدك عن لحية رسول الله فقال له عروة أغدر، وإنما قال له هذه الكلمة لأنه صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم أسلم، فقال له ﷺ أقبل إسلامك، أما المال فلست منه في شيء، وصار عروة يرمق أصحاب رسول الله ورجع إلى قومه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك فما وجدت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحاب محمد، وما هو يملك، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل فيدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، وإني رأيت قومه لا يسلمون بشيء أبدا، وما أراكم إلا

стр. 2714

ستصيبكم قارعة، فانظروا رأيكم فقال رجل من كنانة دعوني آته فقالوا ائته، فلما أشرف قال ﷺ هذا رجل من قوم يعظمون البدن فابعثوها إليه، فلما رآها واستقبله الناس يلبون وقد بعثت إليه البدن قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه وقال إن البدن قلدت وأشعرت فلا أرى أن يصدوا عن البيت، ثم بعثوا رئيس الأحابيش الحليس بن علقمة، فلما رآه ﷺ قال هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه فبعثت، فلما رأى الهدي يسيل بالوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش وقال لهم إني رأيت ما لا يحلّ صده، لأن القوم زائرون معتمرون ليسوا بمقاتلين ولا محاربين، فقالوا له أنت أعرابي لا علم لك بشيء، فغضب وقال ما على هذا حالفناكم، والذي نفسي لنخلّين بين محمد وبين ما جاء به أو لأنفرنّ بالأحابيش، فقالوا له كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا من محمد ما نرضى به. وأرسلوا إليه مكرز بن حفص، فلما أشرف قال ﷺ هذا رجل فاجر، فلما وصل وصار يكلم محمدا فلم ينته بشيء، ورجع فلما رأى رسول الله اخفاق مساعي سفراء قريش الخمسة المذكورين، استدعى عمر بن الخطاب وأمره بالذهاب إلى مكة لاستطلاع خبر أهلها، فقال يا رسول الله ليس بمكة من بني عدي أحد، وقد علمت قريش عداوتي لها، وإن عثمان أعزّ بها مني، فبعث أولا خراشة بن أمية الخزاعي فانبعث عليه عكرمة ابن أبي جهل وعقر ناقته وهمّ بقتله، فتداركه القوم وأنقذوه وردوه إلى قومه، وهذا الفرق بين الكفر والإيمان خمسة سفراء من قريش لم يتعرض لهم المسلمون وسفير واحد فعلوا به ذلك، فدعا ﷺ عثمان وبعثه إلى أبي سفيان بأن يخبره سبب قدومهم، وزوده بكتاب شرح فيه ما وقع، وأمره أن يزور المسلمين بمكة ويغريهم ويصبرهم حتى يأتي فرج الله، فذهب وفعل ما أمره به، وغاية ما سمحوا له أن يطوف البيت، وحبسوه عن الرجوع، وأشيع أنهم قتلوه، فقال ﷺ إن كان حقا فلا نبرح حتى نتاجزهم، ودعا الناس إلى البيعة على مقاتلتهم، فأجابوه، وأول من بايعه سنان الأسدي وقال أبايعك على ما في نفسي، قال وما في نفسك؟ قال سنان أضرب بسيفي حتى يظهرك الله أو أقتل، وبايعه الآخرون على مثل هذا، ومنهم من

стр. 2715

بايعه على أن لا يفر وقبل ﷺ مبايعتهم كلها. روى البخاري ومسلم عن يزيد بن عبيد قال قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله؟ قال على الموت وروى مسلم عن معقل بن يسار قال لقد رأيتني يوم الشجرة (التي وقعت تحتها المبايعة في الحديبية) والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربعة عشر مائة، قال لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرّ. وروى البخاري عن ابن عمر قال إن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبة وتفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس يحدقون بالنبي ﷺ ، فقال عمر يا عبد الله أنظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله؟ فذهب فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع، وكان أول من بايع سفيان بن وهب من بني أسد، وهذا بالنسبة لما رأى فلا تنافي بين القول بأن أول من بايع سنان الأسدي، ولم يتخلف إلّا جدّ بن قيس من بني سلمة مختفيا بإبط ناقته. ولما بلغ قريشا خبر هذه المبايعة خفضت من غلوائها وأمرت بإطلاق عثمان، وأرسلت سهيل ابن عمرو العامري، وحويطب بن عبد العزى لعقد معاهدة بينهم وبين محمد ﷺ ، فلما رآهما ورأى عثمان جاء سالما قال لقومه لقد سهل الله لكم من أمركم. وبعد المداولة معهما تم الصلح على وضع الحرب عشر سنين على الشروط المبينة في نص المعاهدة، وهي هذه (باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سهيل ابن عمرو العامري، على أن تخلي قريش بيننا وبين البيت نطوف به من العام المقبل، وان من جاءنا منهم رددناه، وإن كان مسلما، ومن جاء قريشا ممن اتبعنا لا يرد إلينا) وان من دخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن دخل في عقد قريش وعهدها دخل (أي بان يقر كل على ما هو عليه قبل هذه المعاهدة) . فانتقد المسلمون هذه المعاهدة لا سيما وإن سهيلا لم يرض أن يكتب المعاهدة كاتب النبي أوس بن خولة، ولا ان يكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم لأنهم لا يعرفون هذه الجملة، ولا يذكر فيها أن محمدا رسول الله، لأنهم لو علموا أنه رسوله ما صدوه ولا حاربوه، وكان المتفق عليه عليا كرم الله وجهه فأبى أن يمحو اسم رسول الله، فقال ﷺ أرنيه، فأراه فمحاه بيده قاتلا أنا رسول الله وان كذبتموني، وهذا يدل دلالة كافية على أنه ﷺ لم يحسن

стр. 2716

القراءة، وإلا لما قال لعلي أرنيه، راجع الآية ٤٨ من سورة العنكبوت في ج ٢ وإنما وافق ﷺ على هذه المعاهدة مع ما فيها من الحيف وعدم رضاء أصحابه بها وفاء بقوله لا تدعوني قريش إلى خطة فيها صلة رحم وشيء من حرمات الله إلا أجبتهم إليها. ومن الشروط أن يرجعوا دون زيارة، وانهم إذا أتوا من العام القابل لا يدخلون البيت إلا بجلباب السلاح والقوس. هذا ولم يكد يستلم كل فريق نسخة من هذه المعاهدة التي أغاظت أصحاب محمد لأنها أمليت بإرادة سفير قريش الذي أصر على عدم دخولهم البيت لئلا يقال ان محمدا ضغط عليهم، وإذا أبو جندل بن السفير نفسه جاء يرسف بحديدة، لأن أباه حبسه بسبب إسلامه، ولما سمع بمقدم رسول الله وأصحابه صار هو ورفقاؤه وضعفاء المسلمين يتدبرون الحيل للهرب من مكة والالتحاق بنبيهم، فقال سهل هذا أول واحد ترّده، فقال أبو جندل يعذبوني يا رسول الله، فطلبه منه فلم يفعل، فقال ﷺ له احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا، لأنا عقدنا الصلح ولا نغدر، فازداد غضب المسلمين حتى قال عمر والله ما شككت مذ أسلمت إلا يومئذ. ورسول الله يثبطهم ويعدهم بحسن العاقبة وهم يتمزقون غيظا مما لحقهم من الحيف في هذه المعاهدة، ويقولون نحن على الحق فلم نرض الدنية؟ فقال أبو بكر إن محمدا لن يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسكوا بغرزه فإنه على الحق. وبعد أن تكفل حويطب بن عبد العزّى بأبي جندل وأجاره من أبيه وتعهد بأن لا يوقع به أذى، قال يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين وجئت مسلما؟ فتأثر المسلمون من ذلك، وقالوا يا رسول الله كيف ترد من جاءنا ولا يردون من جاءهم؟ قال نعم من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله ومن جاء منهم فسيجعل الله له بعد عسر يسرا. وأمرهم بنحر الهدي والرجوع إلى المدينة. وقد ذكر الله هذه الحادثة في سورة الفتح عند قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) الآية ١٠ الآتية وسترى نتيجة هذه المعاهدة وما ينتج عنها وأول خير وقع بسببها كما سيأتي بيانه في الآية ٧٥ من سورة النساء الآتية، ونزلت هذه السورة بعد رجوعهم كما نبيّنه إن شاء الله تعالى في الآيتين المذكورتين آنفا.

стр. 2717

مطلب مبايعة النساء، وبقاء أثر نياحة الجاهلية حتى الآن في الفرات وغيرها: قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ» من بيوتهن ولا بيوت غيرهن شيئا «وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ» وأدا ولا بصورة أخرى «وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ» بأن يلصقن أولادهن بغير آبائهم افتراء «بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ» أمامهن، لأن كل ما هو بين يديك فهو أمامك «وَأَرْجُلِهِنَّ» تحتهن، وذلك أن الولد إذا وضعته أمه يكون ساقطا بين يديها ورجليها، فإذا قالت ولدي منك وليس منه فقد أتت ببهتان بين يديها ورجليها فضلا عن قولها وهذا زيادة في التحريض لهن على العفاف والصدق «وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ» تأمرهن به «فَبايِعْهُنَّ» يا سيد الرسل على هذه الشروط «وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ» عما مضى منهن مهما كان «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» لما سبق من عباده «رَحِيمٌ ١٢» بمن اتبع دينه وآمن بنبيه. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مسّت يده يد امرأة لا يملكها. ورويا عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله فقرأ علينا الآية (أي هذه) ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت فلانة اسعدتني (أي بكت وناحت معها على فقيد لها) أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئا، فانطلقت ثم رجعت فبايعها. وهذه العادة التي ذكرتها أم عطيه موجودة حتى الآن في محافظة الفرات، حتى أن النائحة تقول (يا من تدبني دموع أبكاها اليوم تبكي لي وغدا ابكى لها) وكذلك يوجد كلمات من كلمات الجاهلية مثل (يا عزاه) وغيرها، وكذلك في أعراب البادية وبعض المدن، حتى ان الدروز إذا مات رجل معروف ألبسوا ثيابه خشبة وزينوا فرسه وصاروا يندبون عليه، الرجال والنساء، فيخمشون وجوههم ويسخمونها ويشقّون ثيابهم ويقصون شعورهم ويصيحون بالويل والثبور ويعددون صفات الميت بما فيه وما ليس فيه ويتقابلون بالسيوف، حتى ان نساء العراق يسلخن ثيابهن لحد الصّرة حالة الندب، وهناك عوائد أخرى من بقايا الجاهلية سنأتي على ذكرها في الآية الثانية فما بعدها من سورة النساء إن شاء الله، وقد ألمعنا إلى شيء منها في

стр. 2718

الآية ١٣٦ من سورة الأنعام فما بعدها ج ٢، وإنما ذكرنا الضمير لأن الرجال يشتركون معهن عند موت كبير فيهم فيندبون ويثأرون بالسيوف والرماح. ورويا عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. وأخرج أبو داود عن أسيد عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله من المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجهها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا. وأخرج النسائي عن أنس أن رسول الله ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن يا رسول الله نساء أسعدتنا في الجاهلية فنسعدهن، فقال رسول الله ﷺ لا إسعاد في الإسلام. وروى مسلم عن مالك الأشعري قال: قلال رسول الله ﷺ البائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: لعن رسول الله النائحة والمستمعة. وأخرج الترمذي عن أمية بنت رقية قالت: بايعت رسول الله في نسوة فقال لنا فيما استطعتنّ واطعتن، قلنا الله ورسوله ارحم بنا منّا بأنفسنا، قلت يا رسول الله بايعنا (قال سفيان يعني صافحنا) فقال ﷺ إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة. وهذه الآية نزلت مع سورتها في المدينة. وما قيل أنها نزلت بمكة بعد الفتح لا صحة له وهو أوهى من بيت العنكبوت، وما استند إليه صاحب هذا القيل من أن هند زوجة أبي سفيان فيما بايعت رسول الله مع نساء مكة على الصفا قالت وهي مقنعة لئلا يعرفها حضرة الرسول بسبب ما فعلت بحمزة ﵁ في واقعة أحد المارة في الآية ١٢٢ من آل عمران، إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال وقالت إن البهتان لقبيح وإنك تأمرنا بالرشد ومكارم الأخلاق، وقالت وما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، ثم قالت ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا حينما قال (وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ) وقالت إن أبا سفيان لشحيح وأنا أحتسب في ماله قالوا وإن الرسول عرفها فقال إنك لهند قالت نعم فاعف يا رسول الله قال قد عفا الله عنك، وما قيل إنه قال لها هند أكالة الكبود، وإنها قالت له أني وحقود قد لا يصح، وقد يصح، والميل لعدم

стр. 2719

الصحة أولى، لأن مثلها كاملة لا تجابه رسول الله بمثل هذا الكلام، كما أن حضرة الرسول لا يعنف أحدا بعد إسلامه، فهذا وإن كان واقعا إلا أنه لا يدل على أن هذه الآية نزلت هناك، وإنما بايعهن بمقتضى هذه البيعة التي بايع عليها النساء في المدينة لأن الله تعالى لم ينزل بكل حادثة آية، فيكرر نزول الآيات بتكرار الحوادث بل آية واحدة لحوادث شتى وتطبيقها على ما يحدث بعد نزولها بتلاوتها من قبل النبي لا يعني أنها نزلت ثانيا وسبق أن بينا في سورة الفاتحة ج ١ عدم صحة نزول آية أو سورة مرتين، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» من اليهود وغيرهم «قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ» وحرموا من ثوابها لتكذيبهم محمدا ﷺ مع علمهم بأنه مرسل من الله حقا لهم ولغيرهم «كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» (١٣) الذين ماتوا على كفرهم من أن يرجعوا إليهم وأن يبعثوا ثانيا لأنهم ينكرون البعث، وقد ختم الله هذه السورة بالمعنى الذي بدأها به تشديدا للكفّ عن موالاة الكافرين والمنافقين لأنها تعود على المسلمين بالضرر، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت هذه السورة في القرآن كله هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذرياته أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين آمين. تفسير سورة النساء عدد ٦ و ٩٢ و ٤ نزلت بالمدينة بعد سورة الممتحنة، وهي مئة وست وأربعون آية، وثلاثة آلاف وخمس وأربعون كلمة، وسنة عشر الف وثلاثون حرفا، لا يوجد مثلها في عدد الآي، وقدمنا في سورة الممتحنة السور المبدوءة بلفظ يا أيها. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» نفس آدم ﵇ «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» حواء ﵍ من ضلع من أضلاعه سئل جراح لم خلقت المرأة من ضلع الرجل؟ فقال إنما أخذت من جانبه لتكون مساوية له، ومن تحت ذراعيه

стр. 2720

ليحميها، ومن أقرب مكان لقلبه ليحبها ويحترمها، ولم تخلق من رأسه لئلا تتسلط عليه ولا من قدميه لئلا يدوسها عند الغضب. قال تعالى «وَبَثَّ مِنْهُما» ما تفرع عنهما بطريق الولادة «رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» أكثر، وإنما لم يصفهن بالكثرة مع أنهن أكثر من الرجال إشارة إلى الاختفاء المقتضى لهن، وتنبيها على أن الرجال أكمل منهن وأتم وأفضل، وعلى القاعدة بجواز الحذف من الثاني لدلالة الأول وبالعكس ومثله كثير «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ» بين بعضكم كقولك أسألك بالله أن تفعل كذا وأحلف عليك بالله وأستشفع إليك بالله أن تعفو عن كذا وأرجوك بالله وأستجيرك بالله من أن تقول كذا وما أشبه ذلك، «وَالْأَرْحامَ» اتقوا الله فيهم أيها الناس صلوهم لا تفطعوهم وقربوهم لا تبعدوهم، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر يكون المعنى واتقوا الله الذي تساءلون به وبالرحم كما تقول ناشدتك الله والرحم، وسألتك بالله وبالرحم، وكان الناس يعتادون هذا تنبيها لشدة المحافظة على الأرحام ودوام الاعتناء بهم. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله. ورويا عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسا له في اثره فليصل رحمه. ورويا عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم. «إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولمل يزل «عَلَيْكُمْ رَقِيباً» ١ لا يغيب عنه شيء من أموركم الباطنة والظاهرة قبل أن تقع منكم، فجدير بكم أن تنقوه أيها الناس وتحذروا مخالفته. قال تعالى «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» بأعيانها وما تولد منها ونمى عنها عند ما تستأنسون منهم الرشد وإمكان قيامهم بها كما سيأتي في الآية ٥. نزلت هذه الآية في أولياء الأيتام إذ كانوا زمن الجاهلية يبدلون أحسن أموالهم بأقبح ما عندهم، ولهذا قال تعالى «وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ» أي مال اليتيم وسمي خبيثا مع أنه طيب لأن تناوله حرام ولا أخبث من الحرام «بِالطَّيِّبِ» بمالكم الحلال لأنه مهما كان قبيحا ودنيئا أو خبيثا فهو طيب لأنه حلال ولا أطيب من الحلال «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ» المحرمة عليكم وتضموها «إِلى أَمْوالِكُمْ»

стр. 2721

فتنفقوا منها جميعا، لأنه لا يجوز الإنفاق من مال اليتيم وفي حال خلطها مع أموالكم عدم مبالاة في حفظها ومدعاة للإنفاق منها على أنفسكم دونهم، إذ يجب على ولي اليتيم أن يفرق بين أمواله وأموال يتيمه وأن ينفق على نفسه وغيره من ماله فقط، وعلى اليتامى من أموالهم إنفاقا بالمعروف إذا لم تسمح نفسه بالإنفاق عليهم من ماله وعدهم من جملة عياله «إِنَّهُ» الأكل من مال اليتيم أو تبديله بأحسن منه «كانَ» عند الله ولا يزال «حُوباً كَبِيراً» (٢) إثما عظيما عقابه عظيما عند الله. مطلب في أخلاق الجاهلية وفوائد السلطان للبلاد والعباد. وأكل مال اليتيم: كان رجل من غطفان معه مال كثير لابن أخيه، فلما بلغ منعه عمه منه، فترافعا إلى رسول الله ﷺ فتلا عليهما هذه الآية فقالا أطعنا الله والرسول ونعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع إلى اليتيم ماله. هكذا كانت طاعة العرب الذين يسمونهم بعض الناس في خطبهم أجلافا، وما كانوا بأجلاف وإنما هم شم الأنوف، وقد هذبهم الإسلام فألانهم، وإلا فإن الخصال التي كانت عندهم من المروءة والشهامة والكرم ومكارم الآداب والأخلاق والعفو والصفح والعطف، لم تتحل بها أمة من الأمم الراقية لا قبل ولا بعد، وإنما يتأسى بهم من يفعل فعلهم، نعم كانت عندهم عصبية بعضهم لبعض وكان بينهم ظلم وفحش وجور وغلظة وقساوة من مقتضيات عاداتهم الجاهلية التي طبعوا عليها من مئات السنين، وقد محاها الإسلام وحرمها وأبدلها بأضدادها، ورب شيء محمود بالجاهلية مذموم في الإسلام، كما يكون ممدوحا في الشرع ومذموما بالطب وبالعكس، راجع ص ١٧ من حاشية الباجوري على ابن قاسم في كتاب الطهارة، وقد بقي آثار من أعمالهم الجاهلية في البوادي ووصلت إلى القرى، وقد توجد الآن عند بعض الأرياف فإنهم لا يورثون اليتيم ولا المرأة بل يرثونها، وذلك لقلة علمهم وعدم وجود العلماء عندهم وكثرة طمعهم، والقصور كله على الحكومة التي أهملتهم وتركتهم على ما هم عليه، وإلا لو أرسلت إليهم النصاح والمرشدين والمعلمين لما بقي لهذه العوائد من أثر، اللهم بصرهم لينفعوا عبادك وينشروا القسط في بلادك، لأن زمام الأمور بيد السلطان، وانه ليزع به أكثر مما يزع بالقرآن، فهو القطب الذي عليه مدار الدنيا، وقوام

стр. 2722

الحدود، ونظام الحقوق، وهو حمى الله، وظله الممدود على عباده وبلاده، به يمتنع صريخهم، وينتصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم. على أن غير العرب في ذلك الزمن كان أكثر وحشية منهم وأشد ظلما وأعظم تكبرا، وحتى الآن توجد فيهم هذه الخصال وأشنع وأقبح وأفظع، كما يذكرونه في جرائدهم. قال تعالى «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى» الذين هم تحت تربيتكم إذا أردتم الزواج بهن «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» غيرهن وزوجوهن لغيركم وتزوجوا من شئتم من غيرهن «مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» أي اثنتين اثنتين أو ثلاثا ثلاثا أو أربعا أربعا فحسب، أما الزيادة على الأربع فحرام عليكم، وليس لكم أن تقتدوا بحضرة الرسول فيما هو من خصائصه، وهذا هو الحكم الشرعي. ولا دليل في هذه الآية على التسع بزعم جواز ضم الأعداد الثلاثة أي جمعها لأنها تكون عشرا لا تسعا بضم الواحدة التي قبل الاثنتين، لأنها مبدأ العدد، ولأن الخطاب للجميع، وسبب التكرار ليصيب كل ناكح يريد الجمع الذي أراده من العدد الذي أطلق له، كما إذا قلت لجماعة اقتسموا هذه الألف درهمين درهمين، أو عشرة عشرة، أو مئة مئة، فإن الواحد يناله أحد هذه الأعداد لا مجموعها، تدبر، يدل على هذا ما أخرجه أبو داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال اختر أربعا (أي واترك الباقي) . وما أخرجه الترمذي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره رسول الله أن يختار منهن أربعا فقط. ومن هنا تعلم أن ما عليه بعض الإمامية ومن حذا حذوهم من تجويز الجمع بين التسعة لا يتفق وصريح الآية المؤيدة بهذه الأحاديث الصحيحة، ومخالف للإجماع، راجع أول سورة فاطر في ج ١. «فَإِنْ خِفْتُمْ» أيها الراغبون في زواج أكثر من واحدة «أَلَّا تَعْدِلُوا» بينهن «فَواحِدَةً» فقط فتقتصرون عليها «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من الجواري إذ لا يجب العدل بينهن «ذلِكَ» الاقتصار على الواحدة مع تحقق عدم العدل بين الأكثر أقرب و «أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» (٣) تميلوا عن الحق الذي أوجبه الله عليكم من القسمة

стр. 2723

بين الأزواج فتجوروا على بعضهن، من عال يعول بمعنى مال يميل، وبمعنى جاوز يجاوز، ومنه عول الفرائض إذا جاوزت المسألة سهامها تسمى عولية، وعليه يكون المعنى الاكتفاء بالواحدة أقرب من أن لا تجاوزوا ما فرضه الله لكم. وقال الشافعي وهو حجة في اللغة كغيرها: من عال صار ذا عيال أي أن لا تكثر عيالكم فتعجزوا عن القيام بهم، وقد خطأه أبو بكر الرازي باعتبار أن سياق الآية يبعد المعنى المراد من العيال وسباقها كذلك، إلا أنه قد لا يؤخذ بقوله لأنه لا وقوف له على كلام العرب مثله، على أنه يجوز استعمال كلمة في معنيين ومعان أيضا بما يناسبها، وهذا مما يؤسفني لأنه قد فتح بابا لبعض الحمقى فصاروا يعترضون على أسلافهم الكاملين من حيث لم يفهموا أقوالهم وليسوا بأهل لنزالهم، فقال سامحه الله إدا كان من كثرة العيال فيقال عال يعيل لا عال يعول، ولا يعلم أن العرب تقول عال الرجل عياله يعولهم، كما يقال مان ويمونهم إذا أنفق عليهم، وقد روى الأزهري عن الكسائي قال: عال الرجل إذا اقتصر، وأعال إذا كثر عياله. وروى الأزهري أيضا في كتاب تهذيب اللغة عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في قوله (ألا تعولوا) أي لا تكثر عيالكم، وعليه فيكون هو المخطئ لا الشافعي ولكنه استعجل ولم يتثبت. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره بعد أن فند قول المخطئ: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة، وذلك لأن اللغة العربية واسعة ولكلماتها معان كثيرة وان مجيئها لمعنى لا يعني أنها لا تكون لمعنى آخر، وإن من وقف على روحها وطاف على معناها وتفقأ في الإحاطة بمبانيها قد لا يخطىء أحدا لأنه يرى لكل وجهته، ولو أنه قال تكون بمعنى كذا وبمعنى كذا والأول أولى لمناسبة ما قبلها وما بعدها لكان خيرا له من أن يخطىء من هو أعلم منه، عفا الله عنه ووفقه لما به الصواب. هذا وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري ومسلم عن عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ) الآية قالت يا ابن أخي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها (أي وهي ممن تحل له) فيرغب في جمالها أو مالها ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن (أي إذا لم يعدلوا في صداقهن

стр. 2724

مثل أمثالهن) قالت عائشة فاستفتى الناس رسول الله بعد ذلك، فانزل (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) الآية ١٢٧ الآتية، وسيأتي تمام البحث في تفسيرها إن شاء الله تعالى القائل «وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً» عطية وهبة عن طيب نفس ورغبة جنان «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً» فوهبة لكم بلا تكليف منكم «فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» (٤) هذا خطاب لأولياء النساء اليتامى وغيرهم، بالنظر لإطلاقها، أي أن الله يأمركم أيها الناس أن تعطوا النساء مهورهن كلها ولا تأخذوا منه شيئا إلا إذا سمحن لكم بشيء منه عن طيب نفس بعد أن يتسلمنه فلا مانع من أن تأخذوه، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا زوجوا المرأة لمن معهم في العشيرة لم يعطوها من مهرها شيئا بل يأخذونه كله إلا ما يمنحونها به من ركوبة أو لباس، وإذا زوجوها غريبا عنهم حملوها على بعير إليه وأكرموها بلباس لا يعطونها غيره، فنهاهم الله عن ذلك، وهذه العادة القبيحة لها بقية أيضا حتى الآن في عرب الأرياف والبادية، وكذلك عند الأكراد والجراكسة، وأيضا الشغار لا زال جاريا بينهم إلا أنهم يعطونها ركوبة ولباسا سواء كانت لقريب أو لغريب لا على الخيار في القريب كما هو في الجاهلية الأولى. الحكم الشرعي: وجوب إعطاء تمام المهر للزوجة في الشغار وغيره، إذ يجب إعطاء البديلة مهر مثلبا على من يبدلها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الشغار بما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن الشغار في العقد، وما روياه عن عقبة بن عامر قال: قال ﷺ أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم من الفروج. وذلك لأنهم لا يراعون حقوق البلديات بل يأكلون مهورهن، والأنكى من هذا أنه إذا لم تمتزج إحداهن مع زوجها فتركته أجبرت الأخرى على ترك زوجها أيضا من قبل وليها بصورة لا يرضاها الشرع ولا المروءة، وهذا مما نفت في روع حضرة الرسول ﷺ حتى نهى عن المبادلة بالحديثين المارّين وغيرهما. واعلم أن ماجرينا عليه من كون الخطاب للأولياء أولى مما مشى عليه الغير بجعله للأزواج، لأن الخطاب فيما قبلها للناكحين مع أن ذكر الناكحين جاء استطرادا في بحث اليتامى الذي حذر الله أولياءهم من أكل أموالهم، فجعل الخطاب إليهم أيضا بتحذيرهم من أكل المهور

стр. 2725

أولى وأنسب بالمقام، وأليق للسياق، وأحسن بالسباق، ولأن العادة المطّردة أن الأولياء هم الذين يأكلون صداق بناتهم الأزواج، تدبر. ثم خاطب أولياء اليتامى أيضا بقوله عز قوله. مطلب في الوصايا وأموال الأيتام وحفظها وتنميتها ورخصة الأكل منها للمحتاج: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ» وهذا عام في أموال اليتامى وغيرهم وإن السياق يعرفه إليهم، لأن العبرة لعموم اللفظ، أي لا تعطوا أموالكم مداينة أو تجارة أو أمانة أو شركة أو بأي وجه كان سواء كان المال لكم خاصة أو للأيتام الكائن تحت حفظكم وتنميتكم إلى السفهاء الذين لا يؤمل منهم الأداء ولا حسن التدبير فيها لعدم قدرتهم على إصلاحها بأنفسهم، والصغير وغير المجرب والمبذر وضعيف العقل والملكات كلهم في حكم السفيه، فلا يجوز إعطاء المال لهم بالوجوه الأربعة المذكورة آنفا أو غيرها لمظنة التفريط فيه وإتلافه وأكله، وإنما يدخل في هذه مال اليتيم بالإضافة لوليه لأنه تحت يده وبتصرف فيه بحق الولاية عليه، فكما أنه لا يجوز أن يسلم ماله للسفيه لا يجوز أن يسلم مال يتيمه إليه بل من باب أولى أن يحافظ عليه أكثر من ماله لأنه من قبيل الأمانة، وكونه لليتيم، وقد علمت ما ذكر الله عن الأمانة في سورة الأحزاب، وما سيأتي في الآية ١٠ بحق أموال اليتامى، ولهذا لا يجوز تسليم مال اليتيم لليتيم إلا إذا تحقق لديه رشده وقدرته على تنميته والمحافظة عليه والانتفاع به بالمعروف، لأن لفظ السفيه يدخل في عمومه اليتيم وغيره، وسواء كان كبيرا أو صغيرا لأن حكمه حكم المجنون والمعتوه والرقيق والمديون المستغرق والمكاري المفلس، فهؤلاء كلهم ومن كان على شاكلتهم لا يجوز إعطاؤهم المال، لأنه لا يؤمل استيفاؤه منهم ولا الإصلاح فيما يأخذونه، ولهذا نهى الشارع عن معاملة هؤلاء الأصناف، لأن المال كما يجب حفظه يجب صرفه في مصارفه، ومن هنا منعت المادة ١٥٧ فما بعدها من المجلة الجليلة معاملة هؤلاء، ثم بين جل بيانه قيمة الأموال بقوله «الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» فيها لأبدانكم ومعاشكم ومكانتكم أنتم ومن تمونونه، لأنه قوام الناس وملاك أمرهم. ومما يدل

стр. 2726

على أن الخطاب في الأصل في هذه الآيات المتقدمة لأولياء الأيتام، وأن المال المذكور مالهم قوله جل قوله «وَارْزُقُوهُمْ فِيها» بأن تتجروا فيها وتنفقوا عليهم من أرباحها لامن أصلها، لأنها إذا لم تزد تنقص وتخلص وتأكلها الزكاة فيصبحون فقراء عالة عليكم وكلا على الناس، وقد جاء بالخبر اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة «وَاكْسُوهُمْ» أيضا من نمائها بحسب أمثالهم «وَقُولُوا لَهُمْ» أيها الأولياء الكاملون عند ما يريدون منكم زيادة على المعتاد من النفقة واللباس «قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٥) بأن هذا المال لكم وربحه لكم فإذا كبرتم وكنتم صالحين راشدين سلمناكم إياه، فتتصرفون فيه كيفما شئتم وأردتم من طرق التجارة ومن النفقة والكسوة وغيرها، لأنا مكلفون بالاقتصاد بها، وأن لا نتفق عليكم إلا بقدر الكفاية وبنسبة أمثالكم لتسكن أنفسهم ويرغبوا بأن يكونوا أهلا لاستلامها، وهكذا من الكلام الطيب والقول الحسن والأعمال المرغبة شرعا وعقلا لأن الفعل الجميل والكلام اللين يؤثر في القلب فيسبب إزالة السفه عنهم، ولهذا يقول الله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتامى» البالغين الكبار، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من قبل، أي اختبروهم وامتحنوهم قبل أن تسلموهم أموالهم، ولا تغتروا بكبرهم وشقشة ألسنتهم وأدبهم أمامكم، فإنهم قد يكونون على خلافه مع غيركم. وقد ذكرنا قبلا اليتيم الذي مات أبوه، ومعناه المنفرد، ومنه الدرة اليتيمة، والعجي من ماتت أمه، واللطيم من فقد أبويه «حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» وزال عنهم اسم اليتيم وصاروا أهلا للزواج بأن أكملوا الثامنة عشرة من عمرهم «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» بالاختبار الذي أجريتموه وتحققتم رزانة عقولهم وقدرتهم على إصلاح أموالهم وأمانتهم عليها «فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» ليتصرفوا فيها بأنفسهم لأنكم أديتم ما عليكم نحوهم وقمتم بواجبكم في أموالهم، أما إذا لم يتحقق لكم رشدهم ولا صلاحيتهم للانتفاع بأموالهم فلا تعطوهم إياها، والأولى بالولي أن يدفع لليتيم أولا بعض ماله ويأمره بالاتّجار به، فإن تبين له صلاحه ولياقته واقتصاده ووضع ما يصرفه موضعه المقبول أعطاه بقية ماله لأنه راشد يتمكن من التصرف به، وإن رأى العكس فهو سفيه لا يسلمه شيئا، ثم يختبره بالدين فإن رآه مجتنبا الفواحش

стр. 2727

والمعاصي من كل ما يسقط العدالة الشرعية فهو صالح لتسلّم ماله، وإلا فلا، والاختبار الفعلي كهذا أوثق من الاختبار القولي والنظري، وإذا سلم الولي أو الوصي اليتيم شيئا قبل الاختبار والتحقيق عن حاله فيكون ضامنا كما هو موضح بكتب الفقه والمجلة الجليلة. الحكم الشرعي عدم جواز دفع المال إلى السفيه مطلقا بقطع النظر عن عمره وعلمه وعقله وجواز دفعه إلى من يثبت رشده وسن الرشد من واحد وعشرين سنة إلى خمس وعشرين، وسن بلوغ البنت سبع عشرة سنة على رأي أبي حنيفة وعليه العمل في المحكمة الشرعية، أو يحتلمان لقوله تعالى (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) الآية ٦٠ من سورة النور الآتية، وهذان الشرطان للنساء والرجال ويختص النساء بشرطين آخرين الحيض والحبل، وهذا هو المفتى به، وقالوا إن المرأة حكمها حكم السفيه لنقصان عقلها وقلة تدبيرها، فلا يسلم إليها مال ابنها وزوجها وغيرهما، وهذا على الغالب لأن منهن من هي أدرى من بعض الرجال وأوفر عقلا وأحسن تدبيرا «وَلا تَأْكُلُوها» أيها الأولياء فتسرفوا فيها «إِسْرافاً» بغير حق «وَ» لا تبادروا في إنفاقها «بِداراً» قبل «أَنْ يَكْبَرُوا» فتفرطوا بها وتستعجلوا بإنفاقها عليهم. واعلم أن كلمة إسرافا وبدارا لم تكرر في القرآن ثم أشار إلى تحذير الأولياء من أكل مال اليتيم بقوله «وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ» عن قربان مال اليتيم، فلا يأكل ولا يأخذ منه شيئا ما لقاء الاشتغال بتنميته وحفظه، بل يحتسب ذلك ويطلب أجره من الله الذي لا يضيع عمل عامل. «وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ» من مال اليتيم بقدر أجر مثله فيما لو كان نصب فيما عليه بالأجرة، أو أنه اشتغل بمال اليتيم فلا يأخذ من ربحه إلا بقدر أمثاله «بِالْمَعْرُوفِ» الذي هو جار عادة بين الناس ومتعارف بينهم كالربع من الربح أو الثلث على الكثير، روى أبو داود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم، فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متاثل. المتأثل الذي ينفق على أهله ونفسه ويكسوهم أفضل وأحسن من أمثاله. الحكم الشرعي جواز أخذ الولي من مال اليتيم إذا كان محتاجا على سبيل القرض دون فائدة ما بقدر كفايته

стр. 2728

فقط، على أنه إذا كان ممن تجب عليه نفقته وكان غير كسوب فله أن يطلب فرض نفقة له في مال اليتيم الغني الذي هو تحت وصايته على أن يرجع اليتيم عليه بما أخذه أو النفقة عند يساره، وإذا لم يوسر فلا قضاء عليه، على أن تكون النفقة نفقة، فإذا تجاوزها فهو آثم وعليه قضاء المتجاوز فقط «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» بعد ما تحققتم صلاحهم على الوجه المار ذكره «فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» وهذا الأمر على طريقة الندب لإزالة التهمة، وإلا فحكم الولي حكم الأمين يصدق بقوله على براءة ذمته، وجاز إقامة البينة تحاشيا عن الحلف. ومما يدل على أن الأمر هنا للندب قوله تعالى «وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً» (٦) على ما ادعى به من الإنفاق على اليتيم من ماله حال صغره وعلى ما ربح به وعلى ما أكل من ربحه إذا كان اشتغل به أو من نفس المال إذا كان عاجزا فقيرا ممن تلزمه نفقته، وطنه بقدر الحاجة مثل نفقة الفقراء، ويكتفي بيمينه بان أكله لم يكن لطمع فيه وإنه لم يبذر ولم يسرف في جميع ذلك وإنه قد حافظ عليه بقدر الاستطاعة، وعلى هذا العمل الآن وإلى آخر الدوران إن شاء الله إذا قيض لهذه الأمة من يحكم بشرعه هذا، ولو لم يصدق الولي أو الوصي بقوله فقط لما قبل أحد أن يكون وصيا على يتيم أو قيما على سفيه أو غائب أو مجنون أو شبهه، قال تعالى «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» مقدر في علم الفرائض وأما أصوله فستأتي بعد «وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» أيضا مبين أصله في الكتاب، وفرعه في السنة واجتهاد الفقهاء المجمع عليه «مِمَّا قَلَّ مِنْهُ» من المال المتروك «أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (٧) لكل منهم كما سيأتي بعد. قالوا كان توفي أوس بن ثابت الأنصاري فترك زوجته أم كهّة وثلاث بنات، فأخذ أبناء عمه سويد وعرفجه ماله ولم يعطياها ولا بناتها شيئا لأنهم كانوا لا يورثون النساء، وهذه أيضا باقية من بقايا الجاهلية حتى الآن لدى عرب الأرياف والبوادي وبعض الأعاجم على اختلاف مللهم ونحلهم، فشكت أمرها إلى النبي ﷺ فاستدعاهما فقالا إن ولدها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلّا ولا ينكبن عدوا، وإن العادة المتعارفة عندنا عدم توريث مثلهم وانحصار الإرث فيمن يقاتل ويجوز الغنيمة

стр. 2729

ويحمي الحوزة، فأنزل الله هذه الآية، وإذ لم يبين فيها ما هو نصيب كل منهم أوعز إليهما أن لا يفرطا بشيء من المال حتى ينزل الله مقدار النصيب المار ذكره أول هذه الآية. أما ما جاء بقوله ﷺ ساووا بين أولادكم بالعطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء، الا فاستوصوا بالنساء خيرا، فهو بعد نزول مقدار لنصيب الفرائض. قال تعالى «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ» للميراث «أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ» الذين لا حظّ لهم في الإرث «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» أيها الوارثون وجودوا عليهم بما تسمح به نفوسكم إذا كان المال لكم وحدكم وأنتم كبار وإلّا فإن كان فيمن يستحق الإرث صغير أو سفيه أو غائب فليس لكم أن تعطوا منه شيئا إلا محسوبا على نصيبكم «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٨) عند ما تعطونهم ولا تعنفوهم على حضورهم ولا تمنوا عليهم بما تعطونه لهم واعتذروا من القليل إن لم تسمح نفسكم بأكثر منه وإذا كان الميراث للصغار أو الغائبين أو السفهاء فاعتذروا إليهم بعدم جواز إعطائهم شيئا منه لأنهم لا حق لهم بالتصرف به ولا دليل لقول من قال إن هذه الآية منسوخة بآية الميراث الآتية، لأن الأمر على طريق الندب لا الوجوب ولأنهم غير وارثين، لأن قريب الوارث أو الوصي على القاصرين أو اليتيم على الغائبين والسفهاء لا يكون وارثا دائما إذ قد يكون غير وارث «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ» يحرضون المريض على الإيصاء بماله أو الإعطاء منه حالة المرض أو التصدق بأكثر من الثلث أو بالثلث على قول كما مرت الإشارة إليه في الآية ١٨٢ من سورة البقرة، ويحبذون له ذلك فيسببون فاقة أولاده من بعده، وليحذر أيضا الأوصياء الذين لا يحافظون على أموال القاصرين، وليعلموا أنه كما أنهم «لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ» وراءهم، وقد لمحت الآية ٢٦٧ من سورة البقرة إلى هذا المعنى أي خلفوا «ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ» من حيث لا يرضونه لأنفسهم، فلا يجوز أن يرضوه لغيرهم، قال ﷺ لا يكمل ايمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يجب لنفسه «فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ» أمثال هؤلاء وليتباعدوا عما نهوا عنه، فلا يحملوا المريض على ما يئول لفقر أولاده، بل يأمرونه بالنظر لحالة ولده ويمنعونه من الوصية والصدقة والعطية بالثلث فما فوق، وإن كان ولا بد

стр. 2730

فيما دون الثلث، لأن حضرة الرسول قال والثلث كثير راجع الآية ١٨٢ من البقرة «وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» (٩) عدلا صوابا لا يحيف المريض به في الوصية ولا يمنعونه عنها بتاتا فيحرمون الفقراء والأقارب من فضله إن كان له مال كثير كما ألمعنا إليه في الآيتين المذكورتين من سورة البقرة، بل يحبذون له الإيصاء للأقربين الفقراء غير الوارثين والعلماء الصالحين والأيتام والأرامل المحتاجين، ليجد ثوابه عند ربه وليستفيد من ماله في الآخرة كما استفاد منه في الدنيا. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً» بغير حق فهو ظلم ولهذا هددهم الله بقوله «إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (١٠) نزلت هذه الآية في مرشد بن زيد الغطفاني إذ أكل مال ابن أخيه القاصر. وإنما سماه الله نارا لأنه يفضي لدخولها وهي عامة في كل من يأكل مال اليتيم أو يتصرف به بغير حق فينقصة أو يتلفه. ألا فليحذر الأولياء والأوصياء والقضاة ومدير والأيتام وغيرهم من أن يتسببوا لنقص مال اليتيم فيدخلوا في حكم هذه الآية، أجارنا الله تعالى ووقانا وحفظنا وحمانا. قال تعالى مبينا أيضا الوارثين جل بيانه «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» بصورة مطّردة في العصبات «فَإِنْ كُنَّ» الوارثات كلهن «نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» للمورث يقسم بينهن بالسوية والباقي للعصبة فإذا لم يكن هناك عصبة يأخذن الباقي بطريق الردّ على السوية أيضا «وَإِنْ كانَتْ» الوارثة أنثى «واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» فرضا والباقي ردا عند عدم العصبة وإلا فهو لعصبة الميت «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ» إن كانا أحياء، وهذا «إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» فإذا لم يكن له ولد فالمال كله لهما «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ» فقط «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» والباقي للأب «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» والباقي للأب، أما إذا لم يكن له أبو لا جد فيأخذون خمسة أسداس المال يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وتأخذ الأم السدس فقط وذلك كله «مِنْ بَعْدِ» أداء «وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها» من قبل الميت «أَوْ دَيْنٍ» كان عليه ثابت في ذمته، لأن الميت يتعلق بميراثه أربعة حقوق، تجهيزه

стр. 2731

وتكفينه ودفنه وإيفاء ديونه وتنفيذ وصاياه، فيبدأ أولا بتجهيزه، ثم إيفاء ديونه ثم تنفيذ وصاياه، وما بقي يقسم بين الورثة حسبما أمر الله، ولا تعترضوا أيها الناس على زيادة النصيب ونقصه فهو الموافق لمصلحتكم إذا أجلتم النظر وتدبرتم العاقبة. هذا من جهة ومن أخرى فالأمر أمر الله ولا معقب لأمره «آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ» في حق الإرث لهم أنصباء معلومة مقدرة عند الله، وأنتم «لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» لتخصوه بزيادة ولا أكثر ضرا لتحرموه من الميراث فكم من أنثى أحسن من ذكور، وكم من بعيد خير من قريب، ولكن الله يعلم ذلك وقضت كلمته أن يكون تقسيمه الإرث على ذلك وكان هذا «فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ» لا محل للاعتراض عليها «إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولم يزل «عَلِيماً حَكِيماً» (١١) فيما فرض وحكم وقسم «وَلَكُمْ» أيها الأزواج «نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ» هذا «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ» والولد هنا يشمل الذكر والأنثى والواحد والمتعدّد، فإن كان واحدا ذكرا أخذ المال كله من فرض الأب والأم فرضا إذا كانا حيين لأنهما أصحاب فروض لا ينقطعون بعد بحال من الأحوال ولا يحرمون بتاتا من الإرث، بل قد يحجبان حجب نقصان في بعض الأحوال المعلومة في كتب الفرائض، ولنا رسالة مسماة أصح القول في الردّ والعول فيها كفاية لمن يراجعها، وإن كان اثنان فأكثر اقتسموه بينهم على السواء. وإن كانت أنثى أخذت النصف فرضا والباقي ردا، إذا لم يكن هناك عصبة كما تقدم، وإن كن أكثر أخذن الثلثين والباقي للعصبة، وإن كانوا ذكورا وإناثا اقتسموه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً» أي لا ولد له ولا والد ولا حفيد ولا جد. والوارث الذي ليس بولد ولا والد يسمى كلالة «أَوِ امْرَأَةٌ» تورث كلالة «وَلَهُ» لهذا الميت رجل كان أو امرأة «أَخٌ أَوْ أُخْتٌ» لأم «فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ

стр. 2732

فَإِنْ كانُوا» الإخوة لأم «أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ» ثلاثة فما فوق «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» ذكورهم وإناثهم على السواء لأن الشركة تقتضي التسوية وما يفضل يعطى للعصبة المبين تفصيلهم ومقدار إرثهم في علم الفرائض، وهذا أيضا يعطى لهم «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها» من قبل الميت ذكرا كان أو أنثى «أَوْ دَيْنٍ» وقد كررت هذه الجملة أربع مرات بحسب اختلاف الموصيين، ولهذا لا يعد تكرارا إذ لا بدّ منها لئلا يتوهم عدم القيام بالوصية أو الدين في بعض الأحوال فيظن أن حكمها غير جار في الآية المتروكة منها، مع أن إيفاء الوصية وأداء الدين مقدم على الإرث في كل الأحوال، ويجب على الموصي أن يكون بوصية «غَيْرَ مُضَارٍّ» بورثته بان يوصي بأكثر من الثلث أو يخصص وارثا بغير ما يخص به الآخر زيادة على فرضه أو يحرم وارثا، وذلك بأن يقسم تركته حال مرضه عليهم، لأن هذا كله من الإضرار المنهي عنه شرعا الموجبة للعقوق وحنق بعض الورثة على بعض، لأن الأمر بهذا التقسيم وعدم الإضرار كله صادر «وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» لعباده ليتقيدوا فيها ويعملوا بأحكامها وليحافظوها «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بنياتكم فيحذركم من أن تتضارّوا وخاصة في آخر رمق من حياتكم لأنكم أحوج ما تكونون إلى الوفاق فيه بأن تتركوا ورثتكم منآلفين وأنتم بوقت ترجون فيه الدعاء والرضاء ورجاء فضل الله فتعملوا ما يغضبه وتقعوا بالإثم الذي أوله مخالفة الله وآخره الخلاف بين ورثتكم بما يعود عليكم بالسبّ والشتم، ونتيجته عذاب الله في الآخرة والله «حَلِيمٌ» (١٢) لا يعجل عقابه وإلا لأنزل البلاء حالا بمن يخالف وصاياه. تشير هذه الآية إلى استدراك ما هفا به المريض قبل موته ليرجع عما فعله من الحيف بذلك لئلا يستحق وعيد الله، ولعله ينال وعده، ولذلك يسن لمن يعود المريض وقد علم بما وقع منه من المخالفة في الوصية أو غيرها أن يرشده إلى ما به رضاء الله ورضاء خلقه، ويحذّره عاقبة الأمر، راجع ما بيناه في الآية ١٨٢ من البقرة «تِلْكَ» الأحكام المذكورة في الإرث والوصايا واليتامى هي «حُدُودُ اللَّهِ» التي يجب عليكم الوقوف عندها فلا تعتدوها أيها الناس، وأطيعوا الله فيما يأمركم وينهاكم وأبقوا ورثتكم متآخين، وارجوا دعاءهم لكم بالخير، «وَمَنْ يُطِعِ

стр. 2733

اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (١٣) ولا أعظم فوزا من الخلود في الجنة أبدا فتحصلوا على رضاء الله أيها الناس، وإياكم أن تعصوه «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ» التي بينها في الإرث وغيره «يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» (١٤) لا تطيقه قواه مع الخزي والعار. هذا، وإن حضرة الرسول ينتظر أمر الله في بيان نصيب كل من ورثة أوس بن ثابت المار ذكره في الآية ٧ وكان سعد بن الربيع استشهد بأحد وترك بنين وامرأتين وأمّا، وكانت زوجته راجعت حضرة الرسول أيضا بأن عما أخذ مالها ولم يدع لها شيئا، وكان قال لها ليقض الله في ذلك كما رواه البخاري ومسلم عن جابر، فأنزل الله هذه الآيات المبينة ما سألتا عنه فاستدعاهما وأعطى كلا منهم نصيبه حسبما أمر الله. أما من ليس له فرض في كتاب الله فيدخل في قوله ﷺ الذي رواه البخاري عن ابن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأدنى رجل ذكر. وهذا ما يسمونه تعصيبا في علم الفرائض الواجب وتعلمه وجوبا كفائيا، لأنه من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا لأن الله تعالى تولى بيان تقسيمها بنفسه جلت ذاته وعظمته، أخرج بن ماجة والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنه (أي علم الفرائض) نصف العلم وهو أول علم ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي. وكان من برع في هذا العلم زمن الرسول زيد بن ثابت، وبعده ابن مسعود وقال ﷺ مخاطبا أصحابه رضوان الله عليهم أفرضكم زيد. وكان سئل أبو موسى عن بنت وبنت ابن وأخت فأفتى بالنصف للبنت والنصف للأخت وأمر السائل ان يسأل ابن مسعود، فسأله فأعطى للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت ما بقي، فعرضوه على أبي موسى فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم تنويها بفضله ومن هنا أخذت قاعدة اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة، هذا وبعد أن بين الله تعالى لزوم الإحسان إلى النساء وإمساكهن بالجميل أو تسريحن بإحسان فيما تقدم من الآيات في سورة البقرة في الآية ٢٤١ فما قبلها وفي أوائل هذه

стр. 2734

السورة ضم إلى ذلك لزوم التغليظ عليهن ليجتنين ما يدنس كرامتهن وليحافظن على شرفهن، فهو من جملة الإحسان إليهن بحسب العاقبة. مطلب حد الزنى واللواطة. وأصول التشريع. والمراد بالنسخ. وإيمان اليأس والتوبة: فقال جل قوله «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ» سواء كن زوجات أو غيرهن على الإطلاق «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» أيها المؤمنون كلهم رجال لا من غيركم ولا من النساء، لأن هذا من الأمور الهامة فلا يؤتمن أبدا عليها غيركم بخلاف بعض الحقوق التي تجوز فيها الشهادة من غيركم بما فيهم النساء، كما سنبينه في الآية ١١٠ من سورة المائدة الآتية، وقد مرّ لها بحث في الآية ٢٨١ من سورة البقرة فراجعه «فَإِنْ شَهِدُوا» شهادة لا غبار عليها أربعتهم أمام الإمام والقاضي بأنهن فعلن الفاحشة عيانا «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ» إحبسوهن فيها جزاء لإقدامهن على تلك الفعلة القبيحة حالا لئلا يكررنه وان تبقوهن محبوسات «حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ» فتخلصوا منهن «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» (١٥) طريقا آخر فينزل فيهن حكما آخر قبل أن يمتن، وهذا كان موجودا في الجاهلية وفي بداية الإسلام واستمر حتى أنزل الله بيان السبيل الذي ذكره هنا في سورة النور الآتية، وهذا يعد من المجمل الذي يحتاج إلى البيان فلا تعد هذه الآية منسوخة كما قاله بعض المفسرين بالحديث الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت من أنه كان نبي الله إذا أنزل عليه حكم كرب لذلك، وتريد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فبقي كذلك، فلما سرّى عنه قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرّجم. فإن هذا هو السبيل المجمل الذي بينه ﷺ في هذا الحديث فصار بيانا للآية، لا ناسخا، لأن الحديث لا ينسخ القرآن كما بيناه في تفسير الآيتين ١٠٧ و ١٨٠ من سورة البقرة المارة فراجعها، وسيأتي زيادة تفصيل في تفسير أول آية من سورة النور المذكورة إن شاء الله تعالى. ويعلم من هذا أن أمر الله بالإحسان إلى النساء لا يكون سببا لترك إقامة الحد عليهن، لأنه يسبب إيقاعهن ت (٣٤)

стр. 2735

بالمفاسد، فكان إقامة الحد عليهن حكما قاطعا لذلك، روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة- لفظ البخاري- ولمسلم: ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين. قال تعالى «وَالَّذانِ» أي الفريقان، المحصنون وغير المحصنين وقيل إنهما اللائط والملوط به ولا شك أن اللواطة أفحش من الزنا لخروج الآتي والمأتى فيه عن مقتضى الحد الإلهي، وانحطاطهما عن رتبة الكمال الإنساني مما يخالف المروءة ويسقط العدالة. وهذان الناقصان اللذان «يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» أيها الرجال «فَآذُوهُما» أيها الحكام وحقروهما وعيّروهما وأنبوهما أيها الناس على فعل هذه الفاحشة الشنيعة ولا تقيسونها على النساء فتحبسونها، لأن الحبس يمنعهما عن القيام بمعاشهما ومن تلزمهما نفقته لذلك جعل الله عقوبتهما الأذى أي الضرب بالنعال والتقريع والتوبيخ، أما النساء فلا صالح لهن بالخروج، لذلك جعل جزائهن الحبس إلى أن يتوبا «فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» بسبب خضوعهما وإنابتهما بعد ذلك الضرب والتأنيب «إِنَّ اللَّهَ كانَ» ولا يزال «تَوَّاباً» على من يتوب وينيب إليه «رَحِيماً» (١٦) بمن يرجع إليه حكيما فيما يشرع لعباده، وهذا أيضا كان أول الإسلام واستمر إلى أن نزلت آية الحد أول سورة النور الآتية، لأن الله تعالى جعل تشريعه لهذه الأمة تدريجا، والتدريج هو الأصل الثالث من أسس التشريع التي اعتبرها الفقهاء من أصول الدين التي أشرنا إليها في بحث التدريج للأحكام في المقدمة فراجعه، ولهذا سوغ الأخذ بالرخصة كقصر الصلاة وفطر الصائم واليتيم وإباحة المحرّم عند الضرورة بقدر الحاجة والنطق بكلمة الكفر عند خوف القتل مع اطمئنان القلب وجواز شرب الخمر بالإكراه وما أشبه ذلك كما نبهنا عنه في الآية ١٠٧ من سورة النحل في ج ٢. والأصل الثاني تقليل التكاليف، وهو
следующие страницы →