← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وسعته عقولهم، ولأدى ذلك إلى عدم إيمان بعضهم، ولو سمعوا منه ما هو أقرب من ذلك للعقل لو صموه بالسحر والكهانة ولم يصدقوه، اللهم عدا خواص الأصحاب كأبي بكر ﵁ إذ صدقه بالإسراء وما رآه فيه، والمعراج وما وقع له فيه وهو أعظم من هذا، ولذلك سمي الصّدّيق، وقد ارتد بعض النّاس حينما قص عليهم ما كشف له في الإسراء والمعراج، مع أنه أظهر لهم الدّلائل عليه، فكيف لو أباح لهم بما هو من هذا القبيل؟ قالت عائشة: كان ﷺ يحرس فلما نزلت هذه الآية استغنى عن الحراسة. وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت سخر رسول الله ﷺ مقدمة المدينة ليلة، فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسنى اللّيلة، قالت فبينما نحن كذلك سمعت خشخشة السّلاح، فقال من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص، فقال له ﷺ ما جاء بك؟ فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له ﷺ ثم نام. ويدل هذا الحديث على صلاح المؤمى إليه وكونه من أهل المعرفة والكشف وهو كذلك، وهو من عرفت حادثته مع أمه في إسلامه، وقد بشره الرّسول بالجنة، إذا فلا ينكر على بعض السّادة الصّوفية العارفين ما يخبرون به من هذا القبيل أسوة بذلك والله تعالى واسع الفضل يمن بما يشاء على من يشاء من عباده، وهو الجواد الكريم. أخرج في الصّحيحين عن جابر ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ بذات الرّقاع فإذا أتينا شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ، فجاء رجل من المشركين (وقال البخاري هو غورث بن الحارث) وسيف رسول الله معلق بالشجرة، فاخترطه، فقال تخافني؟ فقال لا، فقال من يمنعك؟ قال الله، فتهدده أصحابه وعصمه الله كما عصمه من الحوادث التي ذكرناها في الآية ١١ المارة، كيف وقد قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرّسل لهؤلاء المكابرين من اليهود والنّصارى «يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ» يعتد به من الدّين ولستم على شيء مما تدعونه مما جاءكم به موسى وعيسى ﵉ لأنكم غيرتم وبدلتم، وإنما أنا بريء مما أحدثتموه بعدهما في أمر دينكم «حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» كما أنزلا، وتعملوا بما فيهما حقيقة، وترجعوا عن كل

стр. 3187

ما حرّفتموه وغيّرتموه منهما «وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» من الكتب الأخرى فتقيمونها أيضا على ما كانت عليه. واعلموا أن إقامتها لا تكون إلّا بإعادتها على ما كانت عليه عند نزولها ومراعاتها والمحافظة عليها والعمل بما فيها الذي من جملته الايمان بمحمد ﷺ وكتابه الذي أنزل إليه من ربه الذي أنزل تلك الكتب على أنبيائكم الأوّل، فإذا لم تؤمنوا بمحمد وتصدقوا كتابه فلستم بمؤمنين بشيء منها، ولهذا قال تعالى «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» وهو القرآن «طُغْياناً وَكُفْراً» زيادة على ماهم عليه لعدم الإيمان به، وإذا كانوا كذلك وأصروا على ماهم عليه فهم كفرة «فَلا تَأْسَ» يا حبيبي ولا تحزن «عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» (٦٧) بك وبكتابك، فإن ضرر كفرهم عليهم وإن عدم إيمانهم بك وجحدهم كتابك وعدم إقامتهم ما في كتبهم كفر، والكافر لا يعبأ به، وقدمنا في سورة فصلت الآية ٤٢ ج ٢ أن القرآن نور لأناس، ضلال لآخرين، فراجعها. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم كالمنافقين «وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ» قال في شذور الذهب رفع باعتباره معطوفا على محل ان الّذين آمنوا إلخ، لأنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره كذلك، فكأنه قيل إن الّذين آمنوا بألسنتهم من آمن منهم بقلبه إلخ فلا خوف عليهم إلخ والصّابئون والنّصارى من آمن منهم إلخ فلا خوف إلخ، وقد حذف من الثاني بدلالة الأوّل، ومثل هذه الآية من جهة أشكال الإعراب الآية ١٦٢ من سورة النّساء المارة، وهي (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ) إلخ، فإنها نصبت على المدح، تقديره وأمدح المقيمين، وإنما قطعت هذه الصّفة عن بقية الصّفات لبيان فضل الصّلاة على غيرها. وقرأ أبي بن كعب الصّابئين بالياء، وعلى قراءته لا أشكال في الاعراب وهناك أوجه أخرى في إعراب هاتين الكلمتين من الآيتين المذكورتين أعرضنا عنها لأنها دون ما جرينا عليه كما سيأتي، ونظير هذه الآية ٦٢ من البقرة المارة وكذلك آية طه ٦٣ وهي (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) فيها أشكال من حيث الاعراب بيناه فيها، فراجعه. واعلم أن من يعرف العربية يجد لكل وجهة في الاعراب فلا

стр. 3188

يغلّط أحدا ولا ينتقد كلاما. «وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ» إيمانا مخلصا «بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وثبت على إيمانه «وَعَمِلَ صالِحاً» معه وآمن بمحمد ﷺ لأن الإيمان لا يتم إلّا به وماتوا على هذا الإيمان الجامع «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في هذه الدّنيا «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) » على مافاتهم فيها في الآخرة لما يرون من نعيمها الدّائم لأنه ينسيهم الدّنيا وما فيها. وإنما خص اليوم الآخر في هذه الآية لأن الايمان به بعد الايمان بالله ورسوله وهو أشرف الإيمان، ومن لم يؤمن به لا يسمى مؤمنا، وإن أهل الملل السّت المبينين في الآية ١٧ من سورة الحج المارة ليسوا على شيء إذا لم يؤمنوا به مع الإيمان بالله ورسوله وكتبه، لأنه أحد أصول الدين الثلاثة التي لا يقبل الإيمان إلّا بها، وقراءة كلمة الصّابئين بالرفع على الابتداء هي قراءة الجمهور من القراء وجارية على نيّة التأخير، أي والصّابئون كذلك إذا آمنوا، فقدم المبتدأ وحذف الخبر على حد قوله: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّار بها لغريب أي فإني لغريب وقيار كذلك، وإنما كان رفع الصّابئين مع أن الحالة تقتضي نصبها لأنهم أشد الفرق ضلالا، وسموا صابئين لأنهم خرجوا عن كلّ الأديان إلى اتباع هواهم وشهواتهم. وحبا بمعنى خرج، وقد ذكرنا أن صاحب شذور الذهب أرى العطف على محل أن الّذين إلخ. وقال غيره لا يصح هذا العطف ولا يجوز ارتفاع الصّابئين بالعطف على محل ان واسمها، وعلى قوله بأن العطف على المحل يصح إذا فرغ من الخبر فيجوز أن تقول أن زيدا منطلق وعمرو بالعطف على محل أو اسمها، ولا يجوز أن تقول أن زيدا وعمرو منطلقان، وقرأ أبي بن كعب وابن كثير بالنصب تخلصا من هذه الإشكالات، وهم إنما قرأوها بالتلقي لا من أنفسهم، ولذلك ينبغي قراءتها على ما هي عليه. ونظير هذه الآية الآية ٦٢ من البقرة المارة وما يقاربها في المعنى الآية ١٧ من سورة الحج بزيادة المجوس والمشركين قال تعالى «لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ» على العمل بالتوراة وامتثالهم أمر رسولهم «وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا» بعد موسى وهرون لا قامة أحكامها، فنقضوا الميثاق وصاروا لشدة تعنّدهم وكثرة تعنتهم «كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ

стр. 3189

بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ» من الأحكام والأوامر والنّواهي فترى «فَرِيقاً كَذَّبُوا» بعيسى ومحمد ومن تقدمهما من الرّسل «وَ» كتبهم «فَرِيقاً يَقْتُلُونَ ٧٠» الأنبياء كيحيى وزكريا وبعض من تقدمهم من الرّسل بغيا وعدوانا وجرأة على مخالفة أمر الله ورسوله. راجع نظير هذه الآية الآية ٨٧ من البقرة المارة وما يقاربها في المعنى الآية ٢٩ من الأعراف في ج ١. وهذا دأبهم في كتب الله وديدنهم في رسله، إذ يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، راجع الآية ٨٥ من البقرة «وَحَسِبُوا» علموا وتحققوا، ويدل على أن معنى حسب هنا علم تعقيبا بأن المخففة من الثقيلة لأن فعل الظّن بمعناه لا يدخل على التحقيق تدبر. على أن هنا نافية لا مخففة لأن المخففة يعقبها اللام ولا لام هنا، تدبر. أي إلى هؤلاء الّذين كذبوا الرّسل وقتلوهم تيقنوا «أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» بلاء وعذاب بذلك عليهم كلا بل يكون بأشد مما يتصوره العقل «فَعَمُوا» عن الحق وقتلوا زكريا ويحيى وبزعمهم عيسى فكذبهم الله وأخزاهم وأعم قلوبهم وأعمى أبصارهم عنه بدلالة ما جاء في الآية ١٥٨ المارة من سورة النّساء وكذبوا محمدا بزعمهم أن كلّ رسول يأتيهم بغير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله قاتلهم الله «وَصَمُّوا» عن سماع الحق منهم كما صموا عن سماع قول هارون ﵇ ومن معه حينما نهاهم عن عبادة العجل، راجع الآية ٩٠ من سورة طه في ج ١ «ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بعد ذلك «ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا» زمن الرّسل من بعد موسى ولم يصغوا لأوامرهم، ثم أبدل من ضمير عموا وصموا على طريق بدل البعض من الكل قوله جل قوله «كَثِيرٌ مِنْهُمْ» أي أن أكثر اليهود كانوا كذلك، وإن القليل منهم رأى وسمع وأذعن وآمن «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) » لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأقوالهم. قال تعالى «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» تقدمت هذه الجملة بعينها في الآية ١٥ المارة وكررت بمناسبة تبرأ عيسى من قولهم هذا كما حكى الله عنه بقوله عز قوله «وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» لا فرق بيني وبينكم في عبوديته وربوبيته فاعبدوه مثلي لأني عبد له، واعترفوا بربوبيته، لأنه ربي وأنتم كذلك ثم حذرهم

стр. 3190

عن الإشراك به بما حكى الله عنه «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ» غيره أو أشركه في عبادته فعبد غيره من إنسان وحيوان وجماد وكوكب وملائكة وجن وانس «فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» إذا مات على شركه ومن يحرم الله عليه الجنّة يغضب عليه «وَمَأْواهُ النَّارُ» في الآخرة بسبب كفره وظلمه لنفسه «وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) » يمنعونهم من عذاب الله ويحولون دون تنفيذه فيهم ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من كفرهم فقال «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» وهم عند نزول القرآن المرقوسية والنّسطورية من فرق النصارى ويريدون بقولهم هذا أن الله تعالى ومريم وعيسى آلهة ثلاثة والإلهية مشتركة بينهم، وكلّا منهم إله، كما سيأتي تفصيله آخر هذه السّورة عند قوله تعالى (أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) الآية الآتية، فيكون المعنى على قولهم هذا أن الله أحد ثلاثة آلهة أو واحد منها، وفي تفسير آخر أنه جوهر وأحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح قدس، وقدمنا ما يتعلق في هذا في الآية ١٧ من سورة النّساء المارة، والأقنوم هو الأصل، فيكون المعنى أن مجموع هذه الثلاثة إله واحد كما تقول إن الشّمس تتناول القرص والشّعاع والحرارة وكلها شمس، ويعنون بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبروح القدس الحياة، وإن الكلمة التي هي قول الله اختلطت بعيسى اختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله والابن إله والرّوح إله والكل واحد، وكلّ من هذين التفسيرين باطل بداهته لأن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة «وَما» في الوجود «مِنْ إِلهٍ» البتة يعبد بحق «إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ» وهو الله الفرد الصّمد لا ثاني له ولا شريك ولا ولد ولا صاحبة ولا والد له وهو واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له ولا ند ولا ضد ولا وزير ولا معين أبدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ثم هددهم بقوله عزّ قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ» من الإشراك بالذات الواحدة المقدسة المبرأة المنزهة عن كلّ شيء «لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) » لا تطيقه قواهم، وإنما قال تعالى منهم لسابق علمه بإيمان بعضهم، قال تعالى فيها لهم بالكف عن خطتهم هذه «أَفَلا

стр. 3191

يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ» من مقالتهم هذه القبيحة وعقيدتهم الخبيثة فيفردون الإله بالعبودية ويؤمنون به وحده ايمانا خالصا حقيقيا ويصدقون رسوله محمد بكل ما جاءهم به من عنده ليغفر الله لهم ما سبق منهم «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٧٤) بعباده التائبين يريد لهم الخير لتنالهم رحمته ، قال تعالى ردا لمزاعمهم الفاسدة «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» ليس بإله ولا بابن للإله كما أن الرّسل كلهم لم يدعوا دعوى الافتراء هذه البتة «وَأُمُّهُ» مريم بنت عمران ليست بإله ولا بأم للإله، وإنما هي «صِدِّيقَةٌ» مخلصة لربها وليست بنبية ولم يرسل الله من النّساء نبيا قط: ولم تكن نبيا قط أنثى ... ولا عبد وشخص ذو افتعال وهي وابنها «كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ» كسائر النّاس والذي يحتاج إلى الطّعام لا بد أن يبول ويتغوط ويمرض ويحتاج لغيره، ومن كان هذا شأنه لا يصح أن يكون إلها إذ لا يليق بالإله أن يتصف بما يتصف به خلقه، لأنه نقص، والإله مبرأ من النّقص، ومن كان محتاجا لغيره كان عاجزا والعجز لا يليق بالإله القادر على كلّ شيء فيا محمد «انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ» الدالة على فساد عقولهم وآرائهم وقلة إدراكهم وقصر نظرهم «ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (٧٥) ويصرفون أنفسهم عن استماع هذه الآيات البديعة واعلم أن إعراضهم عنها أبدع وأعجب «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» وتدعون عبادة الله المالك لذلك المحي المميت «وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لأقوال عباده خفيها وجليها «الْعَلِيمُ» (٧٦) بما في ضمائرهم ونياتهم فهل يكون هذا ممن له عقل «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» فتجاوزوا الحدود التي حدها لكم «غَيْرَ الْحَقِّ» الذي هو بين الافراط والتفريط راجع الآية ١٧١ من النّساء المارة نظيرة هذه الآية في المعنى لأن مجاوزة الحق مذمومة كالتقصير فيه، وإن المغالاة في الدّين مذمومة كالاهمال فيه والصّد عنه، لأن ذلك من هوى النّفس، ولذلك يقول الله تعالى «وَلا تَتَّبِعُوا» يا أهل الكتابين «أَهْواءَ قَوْمٍ» من قبلكم «قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ» ضلالكم واضلالكم هذين لأن مغالاة النّصارى أوصلتهم إلى أن قالوا إن عيسى ابن الله وإله

стр. 3192

أيضا، ومغالاة اليهود حدت بهم إلى أن قالوا عزير بن الله، ووصموا حضرة الإله بالبداء أي النّدم، تعالى عن ذلك كله، فزاغوا عن طريق الحق «وَأَضَلُّوا» أناسا «كَثِيراً» غيرهم بذلك عن أتباعهم ومواليهم «وَضَلُّوا» هم أيضا «عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» (٧٧) ببغيهم واتباعهم أهواءهم. تشير هذه الآية إلى أن كلّا من اليهود والنّصارى بغوا على الله بتقولاتهم تلك، وتفيد أن المغالاة في الدّين قد تؤدي إلى الكفر، ولهذا نهى الله ورسوله عن المغالاة وأمرا بالقصد، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال إن الدّين يسر ولن يشاء الدّين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة. قال تعالى «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ» حيث قال لهم لما اصطادوا الحيتان بالحيلة، اللهم العنهم واجعلهم خنازير وقردة، فكانوا بأمر الله تعالى حالا، وقدمنا ما يتعلق بلعنهم وبعض أعمالهم التي استحقوا عليها اللعن في الآية ٦٤ المارة والآية ١٦٤ من الأعراف في ج ١ فراجعهما «وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» لعنوا على لسانه أيضا وهم أصحاب المائدة حين أكلوا منها وادخروا ولم يؤمنوا ويصدقوا، فقال اللهم العنهم واجعلهم خنازير، فكانوا أيضا، كما سيأتي في الآية ١١٥ الآتية إن شاء الله، ولأن داود وعيسى بشرا أمتهما بمحمد ﷺ ولعنا من يكفر به فكفروا به «ذلِكَ» اللعن الواقع عليهم «بِما عَصَوْا» أنبياءهم «وَكانُوا يَعْتَدُونَ» (٧٨) أي بسبب اعتدائهم عليهم وعلى أتباعهم «كانُوا» هؤلاء الملعونون «لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» فيما بينهم ولا ينهى بعضهم بعضا عنه «لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (٧٩) ويقولون. وهؤلاء اليهود «تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ» أيها الرّائي «يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ويطلعونهم على خبيئة أمرهم، وهؤلاء الخبثاء الّذين هذا شأنهم «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ» من العمل لآخرتهم «أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بأعمالهم تلك في الدّنيا «وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ» (٨٠) في الآخرة تشير هذه الآية إلى نوع من أعمال المنافقين بموالاتهم الكافرين، لأنهم مثلهم بل أقبح، لأن أولئك كافرون ظاهرا وباطنا يجتنبهم النّاس، فلا يركنون إليهم، ولا يفشون لهم أسرارهم

стр. 3193

ولا يغترون بهم، وهؤلاء بحسب إيمانهم الظّاهر قد يغتر بهم النّاس فيفشون لهم أسرارهم فينقلونها للكفار فيكونون أشد فتنة على المسلمين من الكافرين، ولهذا قال تعالى «وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ» محمد ﷺ «وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ» من الكتاب «مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ» يتقوون بهم على المؤمنين الصّادقين، ولما استمالوهم لكشف أسرارهم لينقلوها لهم «وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (٨١) خارجون عن طاعة الله ورسوله غير مؤمنين بهما، راجع الآية ٥١ المارة، ولهذا اتخذوا الكفار أولياء مع علمهم بأن المؤمنين خير لهم منهم. مطلب أشد النّاس عداوة وأقربهم مودة للمسلمين وان التشديد في الدّين غير مشروع ولا ممدوح وكفارة اليمين: قال تعالى يا سيد الرّسل «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» لأن هذين الصّنفين أكثر عداوة للمسلمين من غيرهم «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ» القرب لمودة المسلمين «بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً» يأمرونهم بالخير وينهونهم عن الشّر، ومنهم من يعترف بأحقية دين الإسلام فيركن لأهله ويميل لطاعته، ومنهم من يعتقد به ويعمل بما فيه خفية عن قومه «وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (٨٢) عن قول الحق بل يذعنون له ويتواضعون لأهله ويستكينون لمجالستهم «وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ» من كلام الله يؤثر في قلوبهم ولشدة تأثيره فيهم «تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» لرقة أفئدتهم وخشوعها لسماعه و «مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» فيه، ولذلك فإنهم فيما بينهم «يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا» به وبمن أنزل عليه «فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» (٨٣) عليه بأنه حق وصدق «وَ» يقولون عند سماعه أيضا «ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ» وحده ونترك التثليث وغيره، لأن عيسى بشر وقد بشر بمحمد لنؤمن به «وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ» على لسان رسوله محمد لنؤمن به أيضا «وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» (٨٤) من أتباعه وأمته فنكون مثلهم «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا» من الإيمان بالله وحده والتصديق برسوله محمد وما جاء به «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ» الجزاء الحسن والثواب

стр. 3194

الكريم هو «جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» (٨٥) عند الله تعالى في الآخرة الدّائمة إذا فعلوه بأنفسهم وإخوانهم وجميع الخلق في الدّنيا «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا» المنزلة على أنبيائنا «أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» (٨٦) في الآخرة لا يبارحونها. قال بعض المطلعين إن مذهب اليهود وجوب إيصال الأذى بأي طريق كان إلى من خالف دينهم وخاصة المسلمين حكى الله عنهم في قوله (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» الآية ٧٦ من آل عمران المارة، والنّصارى بخلاف ذلك فإنه يحرم عليهم أذى الناس أجمع، وإن أول ما دخل فيه اليهود من الخوض بآيات الله تغاضيهم عن إقامة حدوده في التوراة، أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرّجل يلقى الرّجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم لعنهم بالآية المارة، والمراد بالمعنى الطّرد من رحمة الله تعالى والعياذ بالله، ثم قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظّالم ولتأطرنه (أي تردنه) على الحق أطرا وتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم. ويدخل في هذه الآية من آمن من النّصارى قبلا كالنجاشي وأصحابه ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وإن المدح فيها بحق النّصارى ليس على إطلاقه لأنه في مقابلة ذم اليهود والمشركين. ولا يتجه قول من قال إن هذه الآية نزلت في النّجاشي حين الهجرة الأولى الواقعة سنة خمس من البعثة، وقد أشرنا إليها في الآية ٢٠٣ من آل عمران المارة فراجعها لأنها عامة فيهم وفي غيرهم ممن هذا شأنه، والنّجاشي بأولهم. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» من الطّاعم الطّيبة والمشارب اللّذيذة والرّوائح الكريمة والملابس الفاخرة والمساكن الواسعة والمطايا المطهمة الجميلة والسّلاح المحلى «وَلا تَعْتَدُوا» ما حده الله لكم مما أحله إلى ما حرمه «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (٨٧) حدوده فتحرموا حسب أهوائكم ما لم يحرمه ربكم، وتحللوا ما حرمه، راجع الآية ٩٣ من آل عمران المارة «وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ

стр. 3195

حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ» تأكيدا للوصية بما أمروا به، وأكد هذا التأكيد بقوله «الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» (٨٨) تدل هذه الآية على أن الله تعالى تكفل برزق خلقه، ولذلك قال كلوا، وإذا كان كذلك وهو كذلك فعلى العبد أن يجمل في طلب الرّزق، قال ﷺ أجملوا في طلب الرّزق. وفي رواية في طلب الدّنيا فإن كلا ميسّر لما كتب له منها. يعني أن الرّزق المقدر للعبد سيأتيه سواء ألحف بطلبه أو أجمل، وإذا كان كذلك فليرفق بالسعي وليتعفف بالطلب فهو أحسن له وأحشم وأوقر. قال علماء التفسير إن النّبي ﷺ ذكر النّاس يوما وشدد في وصف القيامة حتى رق النّاس وبكوا فاجتمع أبو بكر وعلي وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون الجهني واتفقوا على أن يترهبوا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدّهر ويقوموا اللّيل ولا يأكلوا اللّحم والودك ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتى دار عثمان فلم يجدهم فقال لا مرأته أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب، وكرهت أن تبدي سرّ زوجها، فقالت، يا رسول الله إن كان أخبرك أحد فقد صدق، فلما سمعوا بمجيء الرّسول إليهم ذهبوا إليه، فقال لهم ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا بلى يا رسول الله وما أردنا إلّا الخير، فقال إني لم أومر بذلك ثم قال إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا، وقوموا وتاموا، فإني كذلك وآكل اللّحم والدّمم، وآتي النّساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، ثم جمع الناس وخطبهم وقال ما بال أقوام حرموا النّساء والطّعام والطّيب وشهوات الدّنيا فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللّحم والنّساء، ولا اتخاذ الصّوامع، وسياحة أمتي الصّوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الدّيار والصوامع ، فأنزل الله هذه الآية راجع الحديث المار في الآية ٧٧ هذا وما يرى من بعض الزاهدين في ترك الطّيبات

стр. 3196

من الأكل والشّرب واللّباس والتجافي عن الحلال لا بطريق التحريم وحاشاهم من ذلك، وإنما يكون ذلك من بعضهم هضما لأنفسهم وكراهة في الدّنيا فيتركون التنعم فيها أملأ بما عند الله لهم من النّعيم الدّائم، لأنهم يرون التنعم في الدّنيا يشغلهم عن دوام ذكر الله والقيام بما يقتضي له من الخشوع والخضوع والإنابة لحضرته الكريمة ليس إلا، فعلى العاقل ألا يعترض عليهم، ويجالسهم، ويتبرك بهم فهم القوم الّذين لا يشقى جليسهم كما جاء في الحديث الصّحيح، قال تعالى «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» راجع نظيرتها في الآية ٢٢٥ من البقرة المارة ولما كانت هذه الجملة عامة استدرك بما يخصصها بقوله «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ» أي إذا حلفتم وعظمتم حلفكم وتعمدتم عقدها وقصدتم به اليمين المستوجبة الكفارة (وقرىء عقدتم بالتخفيف) وأردتم أن تخنثوا في يمينكم المعقد لما رأيتم أن الخير في عدم الإصرار عليه، فعليكم أن تكفّروا عنه وتفعلوا المحلوف عليه، فإذا أردتم الخلاص من هذا اليمين الذي حنثتم فيه «فَكَفَّارَتُهُ» لتحليل ما حلفتم عليه قصدا لا خطأ ولا نسيانا ولا إكراها هو «إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» غداء وعشاء بحالة وسطى غير ملتفتين لمن يسرف في إطعام أهله أو يقتر عليهم وخير الأمور أوساطها «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» بحالة وسطى أيضا «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» عتقها من الرّق «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» شيئا من ذلك يكفّر به عن يمينه لفقره «فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» فقط عليه يكفر بها عن يمينه «ذلِكَ» المتلو عليكم أيها المؤمنون «كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ» وخلاصكم من الحنث فيها «إِذا حَلَفْتُمْ» وحنثتم باختياركم ورضاكم لأن الكفارة لا تجب إلّا بعد الحنث حقيقة «وَاحْفَظُوا» يا أيها النّاس «أَيْمانِكُمْ» من الحنث ما استطعتم وقدرتم، والأحسن لكم والأليق بكم ألّا تحلفوا أبدا تعظيما لاسم الله وتكريما لجلاله، ولهذا حذركم بالتحفظ عليها، وكانت العرب تحمد قليل الحلف والبار بحلفه المحافظ عليه، قال قائلهم: قليل ألا يا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الاليّة برّه راجع تفصيل هذا في الآية ٢٢٥ المذكورة آنفا من البقرة، هذا واعلم أن

стр. 3197

العلماء استنتجوا من هذه الآية وآية البقرة حرمة القسم على ترك الطّاعة وإن عدم المؤاخذة المشار إليه في الآية عدم إيجاب الكفارة به، وإن اللّغو باليمين هو ما يجري على لسانك من غير قصد مثل لا والله، وبلى والله على قول الشّافعي وأحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة ومالك هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه وقع بالفعل، ولكل وجه، والله أعلم بما يريد. وقد قابل جل شأنه اللغو بالقصد لينفي ما هو غير مقصود مما قالاه وغيره «كَذلِكَ» مثل ما بينا لكم كفارة أيمانكم «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ» في جميع ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (٨٩) نعمه عليكم، قال ابن عباس ﵁ لما نزلت الآية السّابقة قال الّذين اتفقوا على الرّهبانية يا رسول الله كيف نفعل بأيماننا التي تحالفنا عليها؟ فأنزل الله هذه الآية وبين لهم المخرج وسهله عليهم، الحكم الشّرعي يجب أن يكون الصّيام متتابعا قياسا على كفارة الظّهار والقتل، وجوز الشّافعي تفرقها لأن كفارة الظّهار والقتل جاءت بالنص ولا نص على تتابع كفارة اليمين، أما ما احتج به من أنه ورد في بعض القراءات ثلاثة أيّام متتابعات لا قيمة لها ولا عبرة بها لأنها لم تكن متواترة، ويشترط في القرآن التواتر. وقال بعض المفسرين قراءة شاذة والشّاذ لا يصلح للاحتجاج إلّا إذا ثبتت أو رويت كتابا أو سنة، وإذ لم تثبت فهي قراءة لا أصل لها، وقد ذكرنا غير مرة أن مثل هذه الزيادات التي يعدها بعض العلماء أنها قراءة أو من القرآن لا تعد قراءة ولا تسمى قرآنا وذلك أن بعض القراء كانوا يكتبون كلمات تفسيرية على هامش مصاحفهم أو بين سطوره فيظن من لا يعرف قصدهم أنه من القرآن، فيقول قرأ ابن مسعود كذا من حيث لم يقرأ هو ولا غيره إلّا ما هو بين الدّفتين، ويحرم عد غيره قرآنا، لذلك فلا يجوز القول بذلك بتاتا، فكل ما ليس في القرآن الموجود الثابتة قراءته بالتواتر لا يكون قرآنا أبدا، راجع آخر سورة الأحزاب المارة في هذا الشّأن. هذا، وللحانث الخيار بين الصّوم والإطعام والإكساء والعتق، وتصرف هذه الكفارة إلى مسلم محتاج غير عبد مملوك. روى البخاري ومسلم عن عبد الرّحمن بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ يا عبد الرّحمن لا تسأل الإمارة فإنها

стр. 3198

إن أتتك عن مسألة وكلت إليها، وإن أتتك من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك. مطلب تحريم الخمر بتاتا وأسباب هذا التحريم وذم الخمر والميسر وشبههما والحكم الشّرعي فيه وضرره في الوجود: قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ» راجع الآية ٣ المارة من هذه السّورة عن معناها ومعنى «وَالْأَزْلامُ» أيضا وكيفية استعمالها فكل هذه الأربعة «رِجْسٌ» خبث نجس مستقذر «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» الذي يزبنه للناس يغويهم بها ويدعوهم إليها «فَاجْتَنِبُوهُ» تباعدوا عن هذه الأشياء كلها ولا تقربوها، وأفرد الضّمير بسبب عوده إلى الرّجس المشتمل عليها كلها «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٩٠) في أموركم وتفوزون بأعمالكم وتنجحون بأقوالكم وتتحفظون من كلّ ما يضركم «إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ» بتزيينه لكم هذه القبائح الأربعة الخبيثة «أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي» شرب «الْخَمْرِ وَ» لعب «الْمَيْسِرِ» القمار «وَيَصُدَّكُمْ» بسببها «عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» الذي ينبغي لكم المداومة عليه قياما وقعودا وعلى جنوبكم «وَعَنِ الصَّلاةِ» المكتوبة عليكم يريد صدكم عنها فيشغلكم بذلك «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (٩١) عن ذلك كله أيها النّاس وتاركو هذه الأرجاس المضرة في دينكم ودنياكم وعاقبة أمركم؟ وهذا أبلغ من قوله (انْتَهُوا) لأن الله تعالى يقول قد بينت لكم ما فيها من المضار والصّوارف والموانع والزواجر بعد أن ذممتها لكم قبلا، أفلا تنتهون عنها بعد ذلك كأنكم لم توعظوا بعد! ثم أعقب ذلك الزجر بقوله جل قوله «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه «وَاحْذَرُوا» كل الحذر من مخالفتهما، لأنهما لم يأمراكم إلّا بما فيه نفعكم، ولم ينهياكم إلّا عما يضركم، فضلا عن وجوب الطّاعة لهما عليكم مطلقا «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» بعد هذا البلاغ وهذا الانذار ولم تنتهوا عن شرب الخمر ولعب الميسر «فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» (٩٢) وعليكم منا العقاب الأليم إذا أصررتم على تعاطيهما. ففي هذه الآية من التهديد والوعيد والزجر الشّديد والتخويف العظيم ما لا يخفى. واعلموا

стр. 3199

أيها النّاس لما أنزل الله الآية السّالفة (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) إلخ وكانت مما يستطاب عندهم قبل الإسلام وعند من لم ينكف عنها بعد نزول الآيات الثلاث المتقدم ذكرها والتي سنشير إليها بعد، ولم ينكفوا عن الميسر أيضا لشدة توغلهم فيهما وإن بعض صغار العقول لم ينتبهوا إلى مغزاها الذي أشرنا إليه في الآية ٢١٩ من سورة البقرة، بين الله تعالى في هذه الآية الأخيرة الرّابعة الحاسمة لما في هذا الباب أنهما ليستا من الطّيبات بل من الخبائث الموبقات، ولذلك قال تعالى (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) لأن السّكر يفحش كلام الرّجل فيفضي إلى النّزاع ويولد العداوة والبغضاء، وكذلك المقامر قد يؤدي قماره إلى أن يلعب على أثاث بيته وملكه بل وداره التي يسكن فيها، حتى يتوصل إلى أن يلعب على بنته وزوجته بعد فراغ ذات يده، ونفاد ملكه، بل قد يفضي إلى الانتحار فينتج عنه العداوة والبغضاء والخزي والعار أيضا، فأراد الله تعالى أن يحفظ عباده من هاتين الشّائنتين فحرمهما عليهم كما أراد صون الألوهية عن الإشراك بها، وأراد صرف عباده إلى التوكل عليه في أمورهم كلها، فحرم عليهم الأنصاب والأزلام المتقدم ماهيتها في الآية السّابقة من هذه السّورة. وكان عمر ﵁ يقول اللهم بين لنا في الخمر والميسر بيانا شافيا، كما جاء في الحديث الذي رواه ميسرة عنه، وأخرجه الترمذي من طريقين، وقال رواية ميسرة هذه أصح، وأخرجه أبو داود والنّسائي بأبسط منه وإنما قال ما قال ﵁ وأرضاه لما يرى ما يتولد عنهما من القبائح، وكرر مقالته هذه بعد نزول الآيات الثلاث الأولى ٦٧ من سورة النّحل المارة في ج ٢ والثانية من سورة البقرة الآية ٢١٩ والثالثة ٤٣ من سورة النّساء المارتين وكانت أحكام الله تعالى جارية على التدريج في تشريعه لعباده، راجع بحثه في المقدمة ج ١ في التدريج بالأحكام فأنزل الله هذه الآية الرّابعة القاطعة بالتحريم فلما سمعها عمر ﵁ قال: انتهينا انتهينا. وروى مصعب بن سعد عن أبيه قال صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا وشربنا، وذلك قبل التحريم زاد حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن أفضل منكم فقال سعد بن أبي وقاص المهاجرون خير منكم

стр. 3200

فأخذ رجل لحي جمل فضرب به أنف سعد فغرزه أي نخسه، فجرحه، فأتى سعد رسول الله ﷺ فأخبره، فنزلت. وقال ابن عباس ﵄ نزلت هذه الآية في قبيلتين شربوا وثملوا وعبثوا ببعضهم، ولا منافاة بين هذه الرّوايات لجواز صدورها كلها، وجواز تعدد الأسباب للنزول. وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال قال ﷺ من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرّابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال. قالوا يا أبا عبد الرّحمن وما نهر الخبال؟ قال صديد أهل النّار. وأخرجه النسائي وعنه قال قال ﷺ لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه- أخرجه أبو داود- وقد جاء من حديث عائشة ﵂ أن النّبي ﷺ قال كلّ شراب أسكر فهو حرام- أخرجاه في الصّحيحين- وزاد الترمذي وأبو داود: ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام (والفرق إناء يسع ستة عشر رطلا برطل المدينة وهو عبارة عن مئة وثمانية وعشرين درهما) فلم يبق مع هذا قول مقبول بشرب ما لم يسكر كثيره فقليله لا بأس به، لأنه لو شرب هذا القدر لبنا لأسكره. وقيل إن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار قالوا أفتنا يا رسول الله في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للمال والعقل فنزلت آية البقرة. وقد بينا الآيات النّازلة في الخمر على الترتيب آنفا وإن الإسلام عند نزول آية النّحل شربوها حلالا في مكة إذ ليس فيها ما يدل على التحريم إلّا ما يفهم من عدم وصفها بالحسن وخلاف الحسن مكروه، والمكروه يتساهل فيه النّاس. وجاء في فقه الشّافعي ﵀: وفاعل المكروه لم يعذب. ثم لما أنزلت آية البقرة في المدينة تركها أناس كثير نفوسهم طاهرة عرفوا منها مغزى وصف الإثم بالكبر، فانتهوا من تلقاء أنفسهم، وتسامح الغير فلم يقتفوا لما يتقفى ولم ينتبهوا لما انتبه له أولئك الكرام، فداوموا على شربها، ثم لما نزلت آية النّساء حين أولم عبد الرّحمن بن عوف لجماعة من أصحابه وسقاهم، فقاموا إلى

стр. 3201

الصلاة فقرأ أحدهم (أعبد ما تعبدون) حرّم الله السّكر في الصّلاة فقط، فصاروا بشربونها بعد العشاء والفجر لبعد المدة بين الصّلاتين بحيث يزول أثر السّكر، ثم لما أولم عتبة بن مالك لجماعة من المسلمين منهم سعد بن أبي وقاص وسوى لهم رأس بعير وبعد ان أكلوا وشربوا ووقع بينهم ما وقع كما مر آنفا أنزل الله هذه الآية التي نحن بصددها، فكانت الحاسمة لتعاطي شرب الخمر واللّعب بالقمار، وكان نزولها بعد وقعة الأحزاب. وعلى صحة هذا فتكون هذه الآية متقدمة في النّزول على سورتها كبعض الآيات المار ذكرها ويروى أن حمزة بن عبد المطلب شرب ورأى أنصاريا بيده ناضح ويتمثل في هذين البيتين من نظم كعب بن مالك: بلغنا مع الأبواء نصرا وهجرة ... فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر فأحياؤنا من خير أحياء من مضى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر فقال له حمزة أولئك المهاجرون، فقال الأنصاري بل نحن (وذلك أن الأنصار أول من آمن منهم بالنبي ﷺ اثنان وسبعون رجلا وامرأتان، وهم الّذين بنوا الإسلام بالمدينة وصاروا مأوى للمهاجرين من أهل مكة، وساووهم بمالهم ومسكنهم وتخلوا لهم عن بعض نسائهم كما ألمعنا إليه في الآية ١٠٣ من آل عمران المارة لهذا قال ما قال) فتنازعا فجرّد حمزة سيفه، فهرب الأنصاري، فضرب ناضحه (القرب التي تنضح الماء فيترشح منها مقطعه) فشكاه الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقال عمر مقالته المنوه بها آنفا، فنزلت هذه الآية، وقد يستبعد صحة هذه الرّواية، لأن حمزة ﵁ قتل في حادثه أحد قبل نزول هذه الآية، وعند فرض صحتها تنطبق على آية البقرة لا على هذه، لأن سورة البقرة من أول القرآن نزولا في المدينة، وسورة المائدة هذه من آخر نزوله، إذ لم ينزل بعدها إلّا التوبة والنّصر، وقد أشرنا في المقدمة إلى حكمة ترتيب هذا التحريم من الله تعالى جلت قدرته، ليعلم النّاس أن أوائل هذه الأمة قد الفوا شربها وكثرة انتفاعهم يبيعها وشرائها فلم يمنعهم من تعاطيها دفعة واحدة لعظم الثقل على النّفوس إذ ذاك، وأن التدريج في الأحكام هو أحد أسس التشريع الإسلامي الثلاث ألمعنا إليها في المقدمة أيضا، ولهذا ذكرنا أن النّسخ الذي تغالى به بعض علماء النّاسخ والمنسوخ ومشى

стр. 3202

عليه بعض المفسرين في هذه الآيات وشبهها هو عبارة عن التقييد والتخصيص ونفي الملزوم في المعنى كما هو في الآية الثالثة ليس إلا، تدبر. روى البخاري ومسلم عن أنس قال ما كان لنا خمر غير فضيحتكم، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب وفلانا وفلانا، إذ جاء رجل فقال حرمت الخمرة، فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس فما سألوا عنها، ولا راجعوها، ولا تأخروا عن تركها وإهراق أوانيها لحظة واحدة بعد خبر هذا الرّجل، فانظروا رحمكم الله إلى هذا الإيمان الكامل وهذه الطّاعة والانقياد لأمر الله كيف هي، فهل من مزدجر، فهل من متعظ. وقيل في ذمها: خذوا كأسها عني فما أنا شارب ... ولا أنا عن ديني ودنياي راغب لقد حرم الله المدام وانني ... إلى الله مما تستحلّون تائب أأشرب سما ناقعا في زجاجة ... تحوم حوالي شاربيها المصائب لئن شبهوا كاساتها بكواكب ... فقد أنذرتنا في النّحوس الكواكب وان عصروها من خدود كواعب ... فكم من رزايا جرهن الكواكب وقال يزيد بن محمد المهلبي في ذمها: لعمرك ما يخفى على الكأس شرها ... وإن كان فيها لذة ورضاء مرارا تريك الغي رشدا وتارة ... تخيل أن المحسنين أساءوا وان الصّديق الماحض النّصح مبغض ... وان مديح المادحين هجاء وجرّبت اخوان النّبيذ فقاما ... يدوم لاخوان النّبيذ إخاء وكيف يدوم والجامع بينهما معصية الله، والاخوة لا تكون دائمة ونافعة إلا إذا كانت على تقوى الله. راجع الآية ٦٧ من سورة الزخرف في ج ٢. والحاصل أن ما حرم من الشّراب هو أول الخراب ومفتاح الشّر لكل باب، يمحق الأموال ويهرم الرّجال، ويذهب الجمال، ويهدم المروءة، ويوهن القوة، ويمحي الشّهامة فيضع الشّريف، ويهين الظّريف، ويذلّ العزيز، ويفلس التجار، ويهتك الأستار، ويورث العار والشّنار، فالسعيد من اجتنبه، والشّقي من ألفه، والهالك من اعتاده وتوغل فيه. الحكم الشّرعي أجمعت الأمة على التقيد بأمر الله القاضي

стр. 3203

بتحريمها وحدّ شاربها وتفسيقه، وإكفار مستحلها، ووجوب قتله حدا. قال ابن وهبان في منظومته: وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا ... طلاقا لمن من مسكر الحب يسكر وعن كلهم يروى وأفتى محمد ... بتحريم ما قد قلّ وهو المحرر وروي عن جابر أن رجلا قدم من جيشان- وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، فقال ﷺ أو مسكر هو؟ قال نعم، قال ﷺ كلّ مسكر حرام وإن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال عرق أهل النّار أو عصارة أهل النّار. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال كلّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدّنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. والحكمة في تحريم الخمر والميسر ما بيناه آنفا لأنهما من الآفات التي تسبب أضرارا مادية ومعنوية، فتوجد الخصومات والأحقاد بين النّاس، وتفقد العدالة والثقة في المعاملات، وينشأ منها شقاء العامة. ولقاعدة الشّرعية إذا تعارض دفع الضّرر وجلب النّفع قدم دفع الضّرر على جلب النّفع. والخمرة المحرمة التي يكفر مستحلها هي المنصوص عليها في القرآن الحاصلة من عصير العنب فقط على رأي أبي حنيفة ﵀. وإن كلّ مسكر من غيره لا يسمى خمرا ولا يكفر مستحله إلّا أنه حرام إذا أسكر، مستدلا بقوله ﷺ كلّ شراب أسكر فهو حرام، ولأن علّة التحريم هو ما جاء في الآية المفسرة هذه (إنما يريد الشّيطان إلخ، وذهب مالك والشّافعي وأحمد إلى أن كلّ مسكر من عصير العنب أو غيره كله حرام لقوله ﷺ ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولما قدمنا من الأحاديث الأخر، وشمّلوا الميسر في كلّ الألعاب من نرد وغيره لقوله ﷺ من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله. والمراهنة من القمار أيضا لما روي عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لآخر إذا أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى علي كرم الله وجهه فقال هذا قمار، أما الرّهان في السّباق بين الخيل والإبل

стр. 3204

وغيرها فجائز إذا كان الذي يستحق الجائزة السّابق فقط لقوله ﷺ لا سبق إلّا في خفّ حافر ونعل، ورخصوا المسابقة في الرّمي أيضا، أما ما جاء في ضررها المادي فقد أجمعت الأطباء على أن مدمن الخمر يكون كثير النّسل وأولاده عقيمين أو لا تعيش لهم ذرية وما ضرّ تناوله طبا حرم تعاطيه شرعا، ولهذا حرمته أميريكا وتركيا برهة من الزمن ثم رجعتا إليه لما يدرّ عليهم من حطام الدّنيا، وأهل الدنيا لا يتركونها من أجل الله، قاتلهم الله وإنها ستتركهم يوما ما حتما، وإذ ذاك يندمون ولات حين مندم. والمراد بالخمر هو ما يستخلص من عصير العنب وغيره نيئا قاذفا بالزبد وهي التي يسمونها الآن (انبيت) وهو ما لم تمسه النّار أصلا فهذا هو الذي قليله وكثيره حرام ويكفر مستحله. أما المطبوخ من عصير العنب والرّطب والتمر والزبيب وغيرها كالعرق من جميع المسكرات الحديثة فهي حرام أيضا على القطع، إلا أنه لا يكفر مستحلها بل يفسق ويجري عليه الحد الشرعي، وإنها إنما تفارق الخمرة المنصوص عليها في القرآن من تكفير مستحلها فقط وتشاركها في بقية الأحكام، ويحرم بيعها بسائر أنواعها وجميع أجناسها، كما يحرم تعاطيها لأنها من الأشياء النّجسة التي يحرم تناولها كالخنزير. راجع الآية الثالثة المارة من هذه السّورة. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشّحوم فحملوها فباعوها. ورويا عن عائشة قالت خرج علينا رسول الله ﷺ فقال حرمت التجارة في الخمر. وروي عن ابن عمر أن عمر ﵄ قال على المنبر منبر رسول الله ﷺ أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشّعير والخمر ما خامر العقل كرر ثلاثا، ووردت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه. يحدد الكلالة وأبواب من أبواب الرّبا أخرجه البخاري ومسلم راجع الآية ١٦ من سورة النّساء المارة والآية ٢٣٥ من سورة البقرة أيضا واعلم أن الخمر يختلف تأثيرها باختلاف كمية الغول الذي فيها، وهذه الكلمة استعملها الأجانب بلفظ (آلكول) ثم عربها العرب بلفظ (الكحول) ولم يرجعوا إلى

стр. 3205

أصلها المذكور في القرآن العظيم وهو (الغول) وإذ كان حرف الغين لا يوجد باللغة الأجنبية، فقد قلبوها كافا، ونحن بدل من أن نقلب هذه الكاف غنيا ونعيدها لأصلها قلبناها حاء فصارت الكحول، وحتى الآن ينطقون بها. وإنما سماه الله تعالى (غولا) في قوله جل قوله (لا فِيها غَوْلٌ) الآية ٤٧ من الصّافات ج ٢ لأنه يذهب العقل، أي ليس فيها ما يذهب العقل ويغتاله كخمرة الدّنيا، راجع تفسير الآية ٦٨ من الصّافات أيضا تجد الفرق بين خمر الدّنيا وخمرة الآخرة التي يقول فيها ابن الفارض: وفي سكرة منها ولو عمر ساعة ... ترى الدّهر عبدا طائعا ولك الحكم وقال: على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم واعلم أنه كلما ازدادت كمية الغول فيها ازداد ضررها وعظم شرها، وقد يتعرض شارب الخمر أحيانا إلى القيء والصّداع المؤلم ويصحبه التهاب معدوي حادّ وما قيل أن قليل الخمر يزيد في قوة التفكير لا صحة له، بل تقلل الذكاء وتضعف القوة المفكرة لأنه ينافض الواقع، وذلك أن من يهاب الإقدام على أمر أو لا تواتيه شجاعته على عمل في حالة الصّحو يقدم عليه في حالة السّكر، وهذا الإقدام في الظاهر يكون لعدم إدراكه عاقبة الأمر، فهو يفعله عن قلة عقل لا عن عقل، ومقدرته حالة السّكر دون مقدرته حالة الصّحو وقوته كذلك، ألا ترى السّكران تلعب به الجهال وبمجرد دفعة بسيطة يقع على الأرض بخلاف ما لو كان صاحيا، وذلك لأنه ينقص من قوة الاحتمال الجسماني كما ينقص من قوة الإدراك العقلي، ومما هو مشاهد ان متناول الخمرة يكون قليل النّشاط حاملا لأن قوة الجسم على مقاومة التغيرات الجوية ومقدرته على ضبط درجة حرارته تضعف من تأثير الخمر، فكثيرا ما أودت ضربة الشّمس بحياة كثير من مدمني الخمر. هذا، ومن جملة أضرار الخمر الالتهاب المزمن في الحنجرة والمعدة وقد يصاب الكبد بنوع من هذا الالتهاب المزمن ويسمونه (سروزس الكحول) وهو مرض يكثر عند مدمني الخمر، وكثيرا ما يؤدي إلى الموت إذا انحبست الدّودة اليابية في الكبد، لأن

стр. 3206

شدة حرافته تهري هذه الأعضاء مع الرّئة أيضا فيحصل له الموت آنيا كالمسلول المنتهي. وقد ثبت طبا أن أعمار مدمني الخمر وقدرتهم على مقاومة الأمراض أقل بكثير من غيرهم، وقد جرب هذا في طائفة من الأرانب واتضح أن مقاومة الطائفة التي ألفها شراب الخمر مع الماء لهذا المرض اقل بكثير من مقاومة طائفة الأرانب التي لم يعطوها ذلك وأقل أعمارا منها وثبت أيضا أن نسل مدمني الخمر أضعف من غيرهم، وإن القلب يتأثر من كثرة الغول، وإن إدمان الشّرب يصلّب الشرايين بحالة قد تقضي إلى الموت. وثبت أيضا أن مدمن الخمر معرض لمرض عصبيّ يسبب الموت بأول صدمة ويسمّونه (ولربم ترنز) وقد يؤدي هذا المرض إلى الرّعشة والهذيان وقلة النّوم، بل يفضي لعدمه، وإذا لم يسارع إلى التداوي فإنه يجره إلى الموت المقدر له على ذلك، وقد يعتريه هذا المرض لعدم حصوله على ما يكفيه من الشّرب الذي اعتاده، أجارنا الله، لأنه كلما زاد من الشّراب تخرقت تلك الأعضاء الكريمة، فيحتاج إلى ملئها ومتى ما نقّص فرغت تلك الحروق، فيحتاج إلى أن يشرب أكثر من معتاده لملئها، إذ قد يفضي فراغها إلى وقف الدّم فتبطل حركته فيحصل الموت وهلة. وما قيل أن الخمر تدفىء الجسم حتّى يكاد شاربها يتصبب عرقا من الحرارة فهو قيل عار عن الصّحة، لأن المشاهدات الطّيبة والعادية أثبتت خلاف هذا، وعدم فائدة الجسم بالتدفئة، لأن هذه المسألة عرضت على بساط البحث في المؤتمر الدّولي التاسع عشر في بلجيكا، وظهر أن تأثير الخمر الظاهر في تدفئة الجسم عقيب تناولها إنما هو شعور كاذب، إذ يعقبه انخفاض في درجة حرارة الجسم حتى عن حالته الطّبيعية، وقد أثبت هذه الحقيقة بصورة جلية المشاهدات الحسية في جزيرة (ايسلندا) التي هي من أشد البلاد بردا، وقد كثر بين أهليها الوفيات لدرجة عظيمة وتبين أن السّبب في ذلك استغناؤهم عن مكافحة البرد بشرب الخمر الذي سبّب صعود الدّم بتأثير الغول من داخل الجسم إلى سطح الجلد فأبادته برودة الجو تدريجا وانتهت الحياة بانتهاء الحرارة من الجسم. وهذا كمن يستعمل المقويات للجماع فإن ما يراه من القوة الحسية منحوتة من دمه بسبب تلك المقويات لا منها، وهؤلاء كثيرا ما يفلجون أو يموتون فجأة. ومما يؤيد هذا

стр. 3207

ما حدث لأصحاب الرّحالة العالمي الدّكتور (سكوت) حينما وصل بهم إلى القطب الجنوبي وكان نهاهم عن الشّرب لما شاهد من تأثيره المميت في تلك الأجواء الباردة، وان منهم حينما اشتد عليه البرد لجأ إلى الشّراب خلافا لتعاليمه التي ذكرهم بها فما كان منهم إلّا أن لقوا حتمهم، والّذين تقيدوا بتعاليمه فلم يشربوا نجوا من الموت. وجاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح، وفي رواية من الذرة، ونتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال هل يسكر؟ قلت نعم، قال فاجتنبوه، قلت إن النّاس غير تاركيه، قال إن لم يتركوه فقاتلوهم. وهذه معجزة خالدة في هذا. ومن جملة معجزاته قوله ﷺ إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها. وذلك لما أطلعه الله على ما ذكر من تأثيرها فيما سبق في هذا وغيره مما سيظهر بعد، وإنما لم يذكر حضرة الرّسول لهذا السّائل ضررها المادي لعدم إدراكهم إيّاه في زمنه، ولأنه يريد ألا يسألوا عن العلل لما أمر الله به ونهى عنه، ويريد أن يمتثلوا ما يأمرهم به من نفسه كأمر الله تعبدا وانقيادا وإذعانا لأمره أيضا دون فتح باب للسؤال عن العلّة والسّبب، لأنه لا ينطق عن هوى، بل بما يلهمه ربه، ولهذا قال تعالى (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية ٧ من سورة الحشر المارة، فكان أمره أمر الله ونهيه نهيه، وان كثيرا من أفعال الله لا تعلل، وهو لا يسأل عما يفعل، وهذا ما أردنا ذكره في الخمر، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وسيرى ندم الآخرة على عدم الامتثال أشد من ندم الدّنيا. وأما الميسر فقد قدمنا ما يتعلق به من المضار في الآية ٢٢ من سورة البقرة بصورة واضحة فراجعها، وهو مشتق من اليسر، لأنه أخذ المال بسهولة، وكان النّاس في الجاهلية يقامرون على أموالهم وأهليهم، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله، ولذلك نهى الله عنه وأكد رسوله نهيه، ألا فليعلم العاقل أن الله تعالى لم ينهنا عن شيء إلّا بقصد نفعنا لكونه مضرا لنا في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا، ولم يأمرنا بشيء إلّا لنفعنا في الأحوال الثلاثة أيضا، وقد أباح الله لنا الطّيّبات واللهو في غير ما حرم، وليس

стр. 3208

بعد الحلال إلّا الحرام، ولا بعد الحق إلّا الضّلال فنحمده ونشكره، وهو القائل جل قوله «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» أكلوا وشربوا مما حرم عليهم أو لعبوا بالقمار وشربوا الخمر وأكلوا من الكسب الحرام أو فعلوا كلّ محرم قبل نزول تحريمه، فكله عفو لهم لأنهم لم يخالفوا فيه إذ لم يحرم عليهم أولا «إِذا مَا اتَّقَوْا» هذه المحرمات واجتنبوها بعد تحريمها، وما هنا صلة لتقوية الكلام وتحسينه أي إذا اتقوا وسنأتي على بحثها في الآية ١٣٦ من سورة التوبة الآتية إن شاء الله، فإذا امتنعوا عنها «وَآمَنُوا» بالله ورسوله إيمانا خالصا وأذعنوا لما نهوا عنه أولا وآخرا «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» بعد إيمانهم واجتنابهم المنهيات «ثُمَّ اتَّقَوْا» جميع ما حرم عليهم في مستقبل زمنهم «وَأَحْسَنُوا» عملهم فيما بينهم وبين ربهم وخلقه أجمع فقد أحسنوا لأنفسهم وغيرهم «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (٩٣) من خلقه وهنيئا لمن أحبه الله. وقد ذكرنا في سورة البقرة عند قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) الآية ٢٣ المارة وفي الآية ٣٨ من سورة يونس ج ١ وفي مواضع أخرى أنه لا يوجد في القرآن حرف زايد أصلا، وأن كل حرف فيه يؤدي معنى خاص، كما أن ما هنا أي في قوله تعالى (إِذا مَا اتَّقَوْا) ليست بزائدة كما يقول البعض لأنها تؤدي معنى أنهم غير واثقين بالتقوى لعدم الاعتماد على النّفس، وهذا شأن المؤمن، فقد جاء في البخاري أن بعض السّلف الصّالح عرف عددا من الاصحاب يخشون النّفاق على أنفسهم لشدة تقواهم وقلة وثوقهم بأنفسهم، فتأمل رحمك الله فائدة الإتيان بما في هذه الآية ومثلها في أمكنة أخرى، وضرر القول بزيادتها لفوات هذا من المعنى المراد فيها، عصمك الله، وسنزيدك توضيحا عن مثلها في آية التوبة الآتية إن شاء الله، أما إذا لم يتقوا وفعلوا هذه المحرمات والعياذ بالله بعد تحريمها عليهم ومعرفتهم بالتحريم وعلمهم به فهم في خطر عظيم إذا لم يتداركهم الله برحمته بإلهامهم التوبة النّصوح عنها، ويدخل في هذه الآية من يدخل بالإسلام بعدها فإن الله تعالى يعفو عما وقع منه قبله ويصير حكمه حكم المؤمنين. واعلم أن كلمة (طعم) تطلق على الأكل والشّرب والنّوم، وعلى هذا قوله:

стр. 3209

فإن شئت حرمت النّساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ الماء والبرد النّوم ومثلها كلمة طبخ تطلق على المأكول والملبوس وعليه قوله: قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا أخرج الترمذي عن البراء بن عازب قال مات ناس من الأصحاب وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ كيف بأصحابنا الّذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية. وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال لما أنزلت هذه الآية ليس على الّذين إلخ، قال رسول الله ﷺ قيل لي أنت منهم يعني قبل لرسول الله ان ابن مسعود منهم، والقائل والله أعلم جبريل ﵇، وليس هذا بكثير على صاحب رسول الله وحواريه. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ» يختبركم ويمتحنكم به حال إحرامكم بالحج أو العمرة، وذلك أن الله تعالى ابتلاهم بالصيد فصارت الوحوش تغشي رحالهم، فهموا بأخذها لأنها كانت منهم، كما قال تعالى «تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ» لقربه منكم كالأفراخ والبيوض وما لا يقدر أن يفرّ أو يهرب «وَرِماحُكُمْ» تنال كبار الصّيد كحمر الوحش والغزلان والطّيور لأن الله تعالى جعله عليهم بكثرة وأوقع عليه السّكينة، وهذا كابتلاء بني إسرائيل بالحيتان إذ جعلها في يوم السّبت تعوم على وجه الماء وشاطئه ليختبرهم أيضا، فلما أجرموا عليها وأخذوها هلكوا راجع الآية ١٦٢ من الأعراف في ج ١ وذلك بسبب احتيالهم على صيدها «لِيَعْلَمَ اللَّهُ» أي ليعلم عباده لأنه عالم من قبل بما يقع منهم قبل إظهاره لهم «مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» ممن لم يخفه أي من ينفذ أمره من حيث لم يره، فلم يصطد حالة الإحرام ممن يخالف أمره فيصيد، ولهذا قال تعالى «فَمَنِ اعْتَدى» أي صاد حالة الإحرام، وقال تعالى اعتدى بدل صاد لما فيه من التعدي على حدود الله إن صاد «بَعْدَ ذلِكَ» الاختبار والنّهي «فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» (٩٤) في الآخرة لأن التعرض للصيد والاعتداء عليه خروج عن طاعة الله تعالى وانخلاع عن خشيته ومكابرة وعدم مبالاة في أمره ونهيه وإن لم يراع أحكام الله في هذه المسائل الهينة لا يهابه في الأمور العظيمة، ولهذا

стр. 3210

شدد العقوبة على مرتكبها كما شددها على بني إسرائيل، وإذ مسخهم قردة وخنازير ولكن الله لطف في هذه الأمة المحمدية ورفع عنها المسخ الظّاهري حرمة لنبيها ﷺ . قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ» أيها المحرمون مناوئا أمر الله «مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ» في الدّنيا أن يتقرب إلى الله تعالى «مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» أي مثل الذي صاده في الخلقة والجثة، وإذا لم يكن له مثل فمثل قيمته. واعلم أن مثل النعامة الجمل، ومثل حمار الوحش البقرة، ومثل الضّبع الكبش، ومثل الظّبي الشاة والأرنب السّخل والضّب السّخلة واليربوع الجفيرة وهي التي بلغت أربعة أشهر من ولد الشّاة والجفر الذكر، ومثل الحمامة وكلّ ما عب وهدر من الطّيور كالفاخقة والقمري وذوات الأطواق شاة، وما سواها من الطّير ففيه القيامة بالمكان الذي أصيب فيه، وهذا الحكم عام. وما قيل أن سببه أبو اليسر كأن شد على حمار وحش وهو محرم فقتله على فرض صحته لا يخصصه فيه ولا يقيده به، فهو حكم مطلق عام إلى يوم القيامة، وعليه فلا يحل الصّيد ولا التقيد ولا التعرض له مادام الرّجل محرما وفي الحرم ولو غير محرم، والمرأة كذلك. روى البخاري ومسلم عن أبن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال خمس من الدّواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. ورويا عن عائشة مثله. ويستفاد منه أن لا شيء في قتل السّباع من البهائم الضّارية قياسا على الكلب العقور كالذئب والنّمر والفهد وغيرها، ولا الحشرات المضرة كالحيّة والرّتيلة وغيرها. وظاهر القرآن أن الصّيد خطأ لا جزاء فيه، وبه قال سعيد ابن جبير، وعامة الفقهاء والمفسرين على خلافه على أن الحق والله أعلم معه إذ لا قياس في الكفارات، ولأن الله تعالى خصه بالتعمد صراحة، والمخطئ غير المتعمد فكيف يوجبه عباده، وقد جاء في الحديث الصّحيح عنه ﷺ رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه، فلماذا نوجبه نحن؟ قال تعالى «يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» إذا اختلفتم في مثله عينا أو قيمة، فحكموا أيها المسلمون العادلين منكم بذلك وافعلوا ما يحكمان به وسوقوه «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» وأصلا إلى الحرم

стр. 3211

داخلا فيه ويذبح هناك ويتصدق به إن شاء. قالوا تفيد الآية أن المثل القيمة لا العين، لأن التقويم مما يحتاج إلى النّظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة، ولأن المثل المطلق في الكتاب والسّنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى أو بالمعنى لا بالصورة أو بالصورة لا بالمعنى، ولأن القيمة أريدت فيما لا مثل له اجماعا فلم يبق غيرها إجماعا مرادا، ولا عموم للمشترك، إلا أن قوله تعالى من النّعم يوجب المثل لا القيمة، وهو ظاهر القرآن، ولا موجب للانصراف عنه. أما إذا أتلف شيئا لا مثل له من النّعم فيصار إلى القيمة حتما. قال تعالى «أَوْ كَفَّارَةٌ» على الصّائد عند عدم القدرة على أداء المثل أو القيمة وهي «طَعامُ مَساكِينَ» بقدر الكفاية لكل مسكين نصف صاع «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» بما يقابل الإطعام لعدم قدرته عليه فإنه يصوم عن كلّ نصف صاع يوما واحدا، وهذا الجزاء الذي رتبه الله تعالى على المخالف في الدّنيا «لِيَذُوقَ وَبالَ» عقابه وجزاء «أَمْرِهِ» جرمه الذي اقترفه في عدم امتثاله أمر الله هذا إذا وقع بعد التحريم، أما ما كان قبله فقد «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ» منكم من الاقدام على الصّيد في الحرم مطلقا سواء كان محرما أو غير محرم لأن الله تعالى لا يعاقب على ما لم يأمر به عند مخالفته كما أنه لم يعاقب على فعل الصّيد خارج الحرم أو المحرم حال الإحرام «وَمَنْ عادَ» بعد أن صاد وكفّر عن فعله فصاد في الحرم أو حال الإحرام «فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» في الآخرة انتقاما عظيما «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» بالغ القوة والعظمة «ذُو انْتِقامٍ» (٩٥) شديد فظيع ممن عصاه إذا لم يعف عنه. وتفيد هذه الآية أن لا كفارة في العود على المخالفة يعني أن من صاد وكفّر عن ائمة ثم صاد ثانيا حال الممنوعية لا تكفيه الكفارة ولا تطهره، لأن عوده بعد النّهي جريمة اقترفها باختياره تطاولا على الله تعالى، لأن عوده يعد جرأة عليه تعالى وعدم مبالاة بالكفارة التي أوجبها عليه، والله تعالى يغتاظ من عدم مراعاة حرماته. هذا، والحكم الشّرعي كذلك، والكفارة هنا على التخيير أيضا، فإن شاء ذبح من النّعم مثل الصّيد وتصدق به على مساكين الحرم، وإن شاء قوم المثل دراهم وأنفقها، أو قوم الدراهم طعاما، وتصدق به، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع يوما واحدا. قال

стр. 3212

تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» حلوه ومالحه «وَطَعامُهُ» أكله حل لكم أيضا سواء كنتم محرمين أو في الحرم ولكم أن تتمتعوا به «مَتاعاً لَكُمْ» أيها المقيمون تنتفعون به حال إقامتكم «وَلِلسَّيَّارَةِ» المسافرين يتزودون منه أيضا حال سفرهم كما فعل موسى ﵇ حيث تمتع بالحوت الذي قصه الله علينا في الآية ٦١ فما بعدها من سورة الكهف في ج ٢ «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» على أن لا تصيدوه في الحرم ولا في غيره ما دمتم محرمين وقد كرر الله تعالى تحريم الصّيد ثلاث مرات: أول السّورة في الآية الرّابعة، وهنا مرتين تأكيدا للتقيد بتحريمه، وعدم التعدّي على ما حده الله تعالى، وحذر عليه أولا بالنهي عن إحلال شعائر الله، وعدد ثانيا بالانتقام ممن يخالفه فيه خاصة، وأوعد عليه في هذه الآية الثالثة بقوله «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» (٩٦) في الآخرة لا إلى غيره، وهناك تلقون جزاءكم على ما قدمتم وسبب التكرار هو قطع لطمع النّفوس من الإقدام على الصّيد بصورة ماقة لأن للنفس فيه حظا أكثر من قيمته، والنّاس لهوى نفوسهم أطوع، ولهذا فإن حضرة الرسول لم يأكل من صيد غير المحرم وهو محرم تورعا وتنبيها لأمته ليتحاشوه ولا يقدموا عليه. أخرج في الصّحيحين عن الصّعب بن جثامة اللّيثى أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه من الكراهة قال إنا لم نرده عليك إلّا انا حرم. وأخرج في الصّحيحين عن أبي قتادة في صيد غير المحرم وأكله المحرم أنه ﷺ قال هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها (أي حمارة الوحش المصيدة) قالوا لا، قال كلوا ما بقي من لحمها. فحمل الحديث الأوّل على وجود الأمر أو الإعانة للصائد غير المحرم من قبل المحرم، أو أنه صيد لأجل المحرم، وهو من باب الورع لأنه يجوز أن يأكل منه بلا سؤال أو علم. قال تعالى «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» لمصالحهم في أمر دينهم ودنياهم لأنه به يقوم الحج وتتم المناسك، وبه يجتمع إسلام الكرة الأرضية فيتعارفون فيه، ويتذاكرون فيما يصلح شأنهم ويلمّ شعثهم ويوحد كلمتهم ويقف كلّ منهم على ضروريات الآخر ومحصولاته من تجارة وبيع وشراء

стр. 3213

وضرع وزرع وصناعات ومصارفها ويجلبون معهم من بلادهم مما يصنعون للبيع والاطلاع ويتداولون بشأنه فيما بينهم لأن كلّ غريب طريف وقد يتباهى النّاس باقتناء الأشياء الغريبة والنّادرة، ولهذا ترى في الحرم الشّريف جميع مصنوعات ومنسوجات البلاد، ويوجد فيه مالا يوجد في غيره من الأثاث والرّياش تصديقا لقوله تعالى (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) الآية ٥٧ من سورة القصص في ج ١ وعادة جلب الأموال والأشياء إلى الحرم عادة قديمة قبل الإسلام يؤتى بها من كل حدب وصوب وتكدس فيه حتى إذا لم تصرف كلها تركوا الباقي فيه دون حراسة لا يخافون عليه سرقة ولا نهبا، ولهذا ولكون قاتل الأبن إذا رآه الأب فيه لا يكلمه لقب بالبلد الأمين، وهو محرم بالجاهلية والإسلام، ولا يستطيع أحد أن يشاحن أحدا فيه على مال أو سرقة أو سلب أو سبي. قال تعالى (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) الآية ١٩٨ من البقرة المارة هذا فيما يتعلق في أمر دنياهم ويتذاكرون أيضا في أمر آخرتهم، لأنه في إقامة مناسك الحج علو الدّرجات عند الله تعالى، وتكفير الخطايا والسّيئات، وزيادة الكرامة في الجنّات «وَالشَّهْرَ الْحَرامَ» جعله أيضا لما فيه من الأمن العام على من عرف ومن لم يعرف وفي الشّهر للجنس فيشمل الأشهر الأربعة لأنها من هذه الحيثية سواء «وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ» جعلها الله أيضا قياما للناس، لأن من يسوق الهدي إلى الحرم لا يتعرض له أحد، ولأن فيه وسعة على الفقراء، راجع الآية الثانية المارة وبحث الحج في الآية ١٩٣ من البقرة ٢٦ من سورة الحج المارتين «ذلِكَ» جعل الله هذه الأشياء قواما للناس في أمورهم الدّينية والدّنيوية والأخروية «لِتَعْلَمُوا» أيها النّاس «أَنَّ اللَّهَ» تعالى عالم في الأزل بمصالحكم وحوائجكم في هذه الشّعائر، وهو جل شأنه «يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» كليّاتهما وجزئيّاتهما، ظاهرهما وباطنهما، خفيهما وجليهما «أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٩٧) من كلّ ما كان ويكون قبل كونه ومكان كونه وزمنه ورقت إعدامه وإعادته «اعْلَمُوا» أيها النّاس «أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» لمن انتهك حرماته «وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (٩٨) لمن تاب وأناب ومات على

стр. 3214

الإيمان والتوبة واعلموا أيضا أيها النّاس أنه «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» إليكم بلسانه مما أمره به ربه وقد قام بما أمر وبلغ وبشر وأنذر، فلزمتكم الطّاعة وقامت عليكم الحجة، فاحذروا أن تفرطوا أو تفرطوا وانتبهوا أيها المعرضون، وتيقظوا لما يراد بكم فانتهوا عما نهاكم عنه، وافعلوا ما أمركم به، فإن عليكم رقيبا منه «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ» من علانية الأقوال والأفعال والأعمال «وَما تَكْتُمُونَ» (٩٩) من الضّمائر والدّخائل والنّيات والخواطر وإن علمه في كلا الأمرين سواء، لا يعزب عن علمه شيء، ولا تخفى عليه خافية من أهل السّموات والأرض السرّ عندة كالعلانية. وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى على بصر ممن كان له قلب راع وفكرة ثاقبة ونظر فيما يؤول إليه الأمر واستمع قول الله ورسوله سماع قبول. مطلب في الخبيث والطّيب والنّهي عن سؤال الله بما لم يكلف به عباده وما حرمته الجاهلية قبل الإسلام: يا سيد الرسل «قُلْ» للناس كافة بأنه «لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» عند الله في الرّتبة والمنزلة فلا يعادل الحلال الحرام ولا الجيد الرّديء كما لا يستوى الحق والباطل والنّور والظّلمة والكفر والإيمان والأعوج والعدل والزين والشّين فبينهما بون شاسع، فلا تغتر أيها الإنسان بما ترى «وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» لأن عاقبته سيئة وآخرته قبيحة، فأهل الدّنيا يعجبهم كثرة المال وتسرهم زخارفها، وأهل الله يعجبهم ما عند الله ويزداد فرحهم به لأنه باق دائم وذلك زائل فان، والمزق الباقي خير من الذهب البالي «فَاتَّقُوا اللَّهَ» عباد الله وآثروا ما يبقى على ما يفنى واتركوا الشّر واطلبوا الخير «يا أُولِي الْأَلْبابِ» النافعة المفكرة العارفة ما يضرها وما ينفعها. واعلموا أن القليل الدّائم خير من الكثير الزائل، فآثروا الأحسن والأخير «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (١٠٠) في دينكم ودنياكم وآخرتكم، روى جابر عن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ذلك المال ان عملت فيه بطاعة الله؟ فقال ﷺ إن أنفقت في حج أو جهاد لم يعدل جناح بعوضة، إن الله طيب لا يقبل إلّا الطّيب، فنزلت هذه الآية وهي غاية في نفي المساواة عند الله

стр. 3215

تعالى بين النّوعين والتحذير من ردّيتهما. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» وتحزنكم وتكدر خواطركم لأنكم لا تقدرون على فعلها أو يعز عليكم تناولها فقد تكون لمضرتكم أقرب من منفعتكم «وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ» أي إذا صبرتم عن السّؤال عنها إلى نزول القرآن فيها فهو خير لكم وإن لم ينزل فيها القرآن فهو خير لكم أيضا، فلا تتعرضوا للسؤال عنها فلعلها محزنة لكم أو تكون تكاليف شاقة لا تطيقونها «عَفَا اللَّهُ عَنْها» عنكم فلم يكلفكم إياها فلماذا تتعجلون على الله بالسؤال عنها وتتطلبونها من حيث لا لزوم لكم بها؟ روى البخاري ومسلم ع عن ابن عباس ﵄ قال كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرّجل من أبي ويقول الرّجل تضل ناقته أين ناقتي، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وروى مسلم عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال يا أيها النّاس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أني كلّ عام يا رسول الله؟ قال فسكت حتى قالها ثلاثا، ثم قال ذروني ما تركتكم، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ثم سألوا عن البحيرة والسّائبة الآتيتين بعد هذه الآية وعما كان من أعمال الجاهلية وبعضهم اقترح إنزال آية، فأنزل الله هذه الآية ردعا لهم، لأن من سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه العار بان يلحقه ﷺ لغير أبيه فيفتضح ويفضح أمه وقومها ومن سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به فيصعب عليه وعلى الأمة أجمع وجوب تكرره، وكذلك من يسأل عن أشياء لم تفرض فيوشك أن تفرض بسبب سؤاله فتكلف الأمة كلها زمرة، فلهذا نهاهم الله تعالى عن السّؤال لحضرته خشية افتراض ما يسألون عنه، فيعجزون عن أدائه، فيعاقبون على تركه «وَاللَّهُ غَفُورٌ» كثير المغفرة للناس لو يعلمون ما قدرها، ولذلك لا يؤاخذكم عما يبدر منكم ويستر عليكم ما تقترفونه خفية لعلكم تتوبون وترجعون، وقد أبت رحمة الله بكم أن يفضحكم لمرة أو مرتين أو يسلط عليكم عدوا منكم وعدوا من غيركم «حَلِيمٌ» (١٠١)

стр. 3216

بعفوه عنكم وعدم تعجيل العقوبة وتكليفكم ما لا تطيقون أو تتحرجون منه. روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال ان من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على النّاس فحرم من أجل مسألته ورويا عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية أن النّبي ﷺ كان ينهى عن قيل وقال واضاعة المال وكثرة السّؤال ثم بين تعالى مدى خطأهم بما ينتج عن السّؤال بقوله جل قوله «قَدْ سَأَلَها» أي هذه المسألة المنهي عنها «قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ» (١٠٢) وذلك أن قوم صالح ﵇ سألوه إخراج النّاقة من الصّخرة ليؤمنوا بالله فدعا الله ربه، فأجاب دعوته وأخرجها لهم منها، فعقروها وكفروا بها، فأهلكهم الله بسبب سؤالهم، راجع قصتها في الآية ٧٩ من الأعراف في ج ١، وقد سأل قوم موسى رؤية الله جهرة فكانت عليهم وبالا راجع قصتهم في الآية ٥٧ من سورة البقرة المارة، وسأل قوم عيسى المائدة فلما أنزلت كذبوا بها فكانت عليهم وبالا كما سنأتي قصتها في الآية ١١٦ الآتية فإياكم أيها المسلمون والمسألة عن شيء يتعلق بأمر دينكم ومعاملتكم من غير ما فرض الله عليكم منها فتحملون أنفسكم ما لا تقدرون عليه، لأنكم إذا سألتم عن شيء لا وقوع له فلربما يجاب طلبكم ويفرض عليكم فلا تعملون به فيعود عليكم بالوبال ثم قال تعالى ردا للسائلين «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ» هي النّاقة إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ، ويعمدون إلى ولدها الخامس إن كان ذكرا ذبحوه فيأكله الرّجال والنّساء، وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها وخصصوا منافعها للرجال وحرموها على النّساء، فإذا ماتت حلّت للرجال والنّساء «وَلا سائِبَةٍ» هي النّاقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف فما نتجت بعد ذلك من ذكر فعلوا به كما فعلوا بابن البحيرة، وإن كان أنثى شقوا أنفها ثم سيبت مع أمها ويفعل بها كما يفعل بأمها، ومن هذا ما ينذرونه لآلهتهم فإنه يسيب ولا يركب ولا ينتفع به «وَلا وَصِيلَةٍ» هي الشّاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السبع ذكرا ذبحوه وأكله الرّجال والنّساء، وإذا كان أنثى تركوها، وإن ولدت

стр. 3217

ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر من أجل الأنثى «وَلا حامٍ» هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يذبح، حتى إذا مات أكله الرّجال والنّساء، هذا مما اختلفوه من أنفسهم لأن الله تعالى لم يأمر بشيء منه ولم ينزله في كتابه، ولم يكلف هؤلاء الجهلة تلك الأمور بل ابتدعوها ابتداعا، ومن هذا القبيل الأفعال المارة في الآية ١٣٩ فما بعدها من سورة الأنعام المارة في ج ٢ فهي أيضا لا أصل لها في الشّرائع السّماوية ولم ينزل الله شيئا منها في كتابه على أحد من أنبيائه «وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» يحرمون ويحللون تبعا لآبائهم الّذين اخترعوا ذلك «يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» في نسبة ما يحلونه أو يحرمونه اليه تعالى «وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (١٠٣) بأن هذه الأشياء ابتدعها رؤساؤهم وقلدوهم بفعلها من غير علم بأحقيتها. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا (هو عمر بن عامر بن لحي بن قمعه بن خندق أخر بني كعب) يجرّ قصيه (أمعائه) في النّار، وهو أول من سيّب السّوائب وتبعه من بعده الناس والضّمير في أكثرهم يعود للاتباع المقلدين هذه العوائد المختلفة، لأن فيهم من يعقل إنها ليست بشيء ولكن لا يقدرون أن يستبدوا وحدهم بتركها ولا يستطيعون منع غيرهم. قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ» فاعملوا به وافعلوا عن هذه الأعمال الواهية التي لا أصل لها «وَإِلَى الرَّسُولِ» أي اركنوا إليه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى الله من هذه الأشياء وغيرها، ويوضح لكم ما حرم عليكم وأحل لكم كما أنزل الله «قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» من حلال وحرام، فهو كافينا عن مراجعتكم لا نريد غيره، فردّ الله عليهم بقوله «أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ» الّذين قلدوهم بها «لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً» من طرق التحليل والتحريم «وَلا يَهْتَدُونَ» (١٠٤) إلى طريق الحق ودين قويم وشريعة صحيحة وصراط مستقيم، أتقتدون بهم وهم على ضلال، أليس هذا جنونا وحمقا وسفها، لأن الاقتداء إنما يعتبر إذا كان المقتدى به عالما مهتديا عاقلا مفكرا

стр. 3218

لا جاهلا ضالا غبيا، ولكن إذا كان الأكثر منهم على هذا فانهم يسيطرون على الأقل لأن الحكم غالبا للأكثرية. مطلب لا يستفاد من هذه الآية ترك الأمر بالمعروف وكيفية استماع الشّهود على وصية الميت وسبب نزول هذه الآية: قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» فالزموها وأصلحوها واحفظوها من الوقوع فيما لا يحل، واعملوا لخلاصها من عذاب الله وما يقربها منه وباعدوها عن الحرام، ولا تركنوا إلى الظّلم فتمسكم النّار، فإذا تقيدتم بهذا وفعلتموه فاعلموا أنه «لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» إلى ذلك وتمسكتم به وقمتم بالحق، لأن عصيان الباغي وكفر الطّاغى لا يضركم، وإنما يعود ضرره عليه إذا نصحتموه ولم يقبل نصحكم ولم يسترشد بإرشادكم، ولم يؤمن كإيمانكم وهؤلاء ان كانوا كافرين مشركين فاقسروهم على الإيمان إذ لا دين لهم، وان لم يقبلوا فاقتلوهم، وان كانوا كتابيين فاضربوا عليهم الجزية واتركوهم وشأنهم لأنكم لم تؤمروا بقتالهم على الإسلام. قال تعالى (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) الآية ٢٥٧ من البقرة راجع تفسيرها تعلم أن دين الإسلام قام بالعدل لا بالإكراه، وبالرغبة لا بالرهبة، ولهذا فإن حضرة الرّسول لم يجبر أحدا من أهل الكتابين على الإيمان به، هذا وليعلم أن المطيع من هذه الأمة لا يؤخذ بذنب العاصي، كما لا ينتفع العاصي بطاعة المطيع، وان المؤمن لا يؤخذ بذنب الكافر، والكافر لا ينتفع بإيمان المؤمن، راجع الآية ١٠ من سورة التحريم المارة. قال سعيد بن جبير نزلت هذه الآية في أهل الكتاب أي في عدم جبرهم على الإيمان بمحمد ﷺ لأنكم وإياهم «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» في الآخرة وحينذاك «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (١٠٥) في هذه الدّنيا. واعلم أن هذه الآية لا يستدل فيها على عدم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كما زعم بعضهم وضرب بها المثل، لأن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثابتان بالكتاب والسّنة ثبوتا قطعيا لا قول فيه البتة؟ أخرج الترمذي عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصّديق ﵁ قال أيها النّاس انكم تقرءون هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ) إلخ ولا تضعونها موضعها

стр. 3219

ولا تدرون ما هي، واني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن النّاس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه. وأخرجه أبو داود بزيادة ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا إلّا يوشك أن يعمهم الله بعقاب. قال ابن مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قيل منكم فإن ردّ عليكم فعليكم أنفسكم، إن القرآن نزل منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن كقصص الأوّلين وأخبارهم، ومنه وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ ، ومنه أي قد وقع تأويلهن بعد رسول الله ﷺ بيسير، كارتداد بعض العرب والحوادث التي وقعت، ومنها قتل عثمان ﵁، ومنه آي يقع تأويلهن آخر الزمان كأشراط السّاعة وغيرها (والأشياء المحدثة مما أشار إليها القرآن وحضرة الرّسول من البواخر والصّواعق وتقارب البلدان وكثرة القتل وغيرها) راجع الآية ٨ من سورة النّحل ج ٢ ومنها آي يقع تأويلهن يوم القيامة كالحساب والعقاب والنّار، فما دامت قلوبكم واحدة فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وإذا اختلفت قلوبكم وأهواءكم والبستم شيعا وأذاق بعضكم بأس بعض جاء تأويل هذه الآية ويكون على كلّ امرئ نفسه، قيل لا بن عمر لو صليت في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله يقول «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» فقال إن هذه الآية ليست لي ولأصحابي لأن رسول الله ﷺ قال ألا ليبلغ الشّاهد الغائب، فكنا نحن الشّهود وأنت الغائب، ولكنها لأقوام بعدنا ان قالوا لم يقبل منهم. وأخرج الترمذي في حديث غريب عن أمية الشّعباني قال أتيت أبا العالية الحسني فقلت كيف نصنع بهذه الآية، قال أيّة آية؟ قلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إلخ قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت رسول الله ﷺ فقال ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متّبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيّام الصّبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. وفي رواية قبل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال لا بل أجر خمسين رجلا منكم. راجع الآية ٣٩ من سورة الرّوم

стр. 3220

في ج ٢ في بحث التفرق في الدّين تجد ما يتعلق بتمام هذا البحث، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إن مما أمرتم به «شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» أي أن يشهد ما بينكم «إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» قارب وقته بما يراه المريض من نفسه أو يرى أولياؤه فيه من علاماته وأراد أن يوصي بشيء فليشهد «حِينَ الْوَصِيَّةِ» على ما يوصي به من بعده «اثْنانِ» بالرفع خبر شهادة رجلان «ذَوا عَدْلٍ» موصوفان بالعدالة من أهل الصّلاح والتقوى والأمانة «مِنْكُمْ» من ملتكم المؤمنين، وإذا لم يوجد حين الوصية من أهل دينكم فأشهدوا من حضر من الملل الأخرى، وقدموا أهل الكتاب على غيرهم لشمول قوله تعالى «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أي من أي ملة كانوا «إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ» سافرتم «فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» فإذا أدى هؤلاء الشّهود شهادتهم ور كنتم إليها فاعملوا بها، وإلّا إذا اتهمتموهم بالخيانة أيها الأولياء والورثة فلكم أن «تَحْبِسُونَهُما» توقفونها «مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ» الأحسن أن تكون صلاة العصر لما جاء فيها من الأخبار، واللّفظ مطلق يدخل فيه كلّ صلاة مفروضة، لأن أل فيها للعهد، والقصد من تحليفهما بعد الصّلاة اجتماع النّاس ليشهدوا حلفهما ويتبينوا صدقهما من كذبهما، لأن الرجل قد يحلف وحده ويستنكف عن الحلف أمام النّاس خشية سوء سمعته، وكان أهل الحجاز قبلا يقعدون للخصومة بعد العصر، هذا إذا كانا مسلمين، وإذا كانا كتابيين أو من ملة أخرى يحلفون بالوقت وفي المكان الذي يعظمونه، ولهذا كانت اللام للعهد، إذ لو كانت للجنس لكان التحليف بعد مطلق صلاة وكأن لم يشهده أحد وفي شهوده فرية للتحليف، تدبر «فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ» أمام الجمع الغفير بحضور الورثة في أعظم محل معظم عندهما، فإذا كان بالمدينة مثلا يكون التحليف في مسجد رسول الله عند المنبر الشّريف، وإن كان في المسجد الأقصى يكون عند الصّخرة الشريفة، وإذا كان في مكة يكون بين الرّكن والمقام، وفي البلدان الأخرى في أعظم مسجد عندهم، وإن كان من الكتابيين في القدس في كنيسة القيامة، أو في بيت لحم، عند محل الولادة الشّريفة، أو في ضريح موسى ﵇، أو في أعظم كنيسة أو بيعة، أو عند المبكى، وكذلك إذا كانا كافرين ففي أعظم

стр. 3221

محل يعظمونه وبحضور علمائهم وقسوسهم ورهبانهم وحاخامهم ورؤساهم، وهذا التحليف لا يكون إلا «إِنِ ارْتَبْتُمْ» في صدقهما وظننتم الكذب في شهادتهما ويكون اليمين بالله تعالى وحده، ويجوز أن يشدد الحلف بشيء من صفاته الجليلة، وإذا كانا كتابيين جاز توثيق حلفهما بالتوراة والإنجيل، أما الكفار فبالله فقط، لأن ما يعظمونه لا قيمة له عند الله، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو كوكبا أو جمادا لأنها كلها أوثان لا يجوز تعظيمها بالحلف ولا بغيره، وتعظيم الزمان هنا مثل كونه بعد العصر مما يكثر فيه الجماعة، وفي المكان مثل الجوامع والبيوت المعدة لذكر الله عند أهل الأديان والصّيغة بأن يقول والله العظيم المنتقم الجبار الذي أنزل القرآن على محمد، أو التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، أنّا نقول الحق ونشهد به «لا نَشْتَرِي بِهِ» أي اليمين الذي هو عهد الله الذي أقسمنا به «ثَمَناً» عوضا بشيء من حطام الدّنيا، ولا نحلف كاذبين بالله لأجل عوض نأخذه، أو غرض نقصده، أو شيء نرغبه، أو حق نجحده، أو خوف نهابه «وَلَوْ كانَ» المشهود له «ذا قُرْبى» منا «وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ» التي أمرنا بحفظها ونهينا عن كتمها «إِنَّا إِذاً» إن كتمناها أو شيئا منها أو أدينا هذه الشّهادة على غير ما هي، أو خنّا فيها ولم نؤدها كما سمعناها من الموصي «لَمِنَ الْآثِمِينَ» (١٠٩) عند الله المستوجبين عقوبة شهادة الزور «فَإِنْ عُثِرَ» اطلع وظهر بعد حلفهما هذا «عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً» أي عقوبة لظهور خيانتهما وبيان كذبهما (وكلّ من اطلع على أمر كتم عليه أو أخفى عنه قيل له عثر عليه «فَآخَرانِ» أي شاهدان من أولياء الميت وأقربائه «يَقُومانِ مَقامَهُما» مقام الوصيين الّذين اطلع على كذبهما في اليمين وخيانتهما فيما أوصاهما به الميت أو أشهدهما على ما أوصى به، وهؤلاء لا يكونان إلا «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ» أي جنى عليهم من أهل الميت وعشيرته وأقربائه «الْأَوْلَيانِ» بالميت في غيرهما الأحقان بإرثه «فَيُقْسِمانِ» هذان المختصان بإرث الميت، ويجب أن يراعى فيهم الأقرب فالأقرب، لأن الله تعالى وصفهما بالأولوية «بِاللَّهِ» يحلفان به ﷻ في الزمان والمكان والصّفة المذكورة آنفا وبتعظيم اليمين بشيء من صفات الله وكتبه

стр. 3222

وبحضور جماعة بعد الصّلاة، وحضور رؤساء الدين كما مر في الشّاهدين الأولين، لأن الله تعالى قال (يَقُومانِ مَقامَهُما) أي بكل ما هو مطلوب في الشّاهدين الأولين يطلب في هذين، ثم يزيدان في حلفهما ثلاثة شروط أخر في صيغة الحلف علاوة على الشّروط المارة، وهي ما ذكرها الله بقوله عز قوله «لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما» أي أعدل من شهادة الوصيين والشّاهدين الّذين حلفا أولا، وأيماننا نحن الوليين أصدق من أيمانهما، ويقولون أيضا «وَمَا اعْتَدَيْنا» في حلفنا هذا ولم نتجاوز الحق فيه ولم نتعد الصّدق به، ويختمون حلفهم بما قاله تعالى «إِنَّا إِذاً» إن كنا كذبنا بحلفنا أو زدنا في قولنا أو نقصنا أو غيرنا شيئا فيه «لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (١٠٧) أنفسنا وغيرنا المستحقين عقاب الله للكاذب المعتدي المتجاوز الحق «ذلِكَ» الحكم الذي ذكرناه من رد اليمين على أولياء الميت عند الاشتباه بالوصيين بعد حلفهما «أَدْنى» أقرب وأولى «أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها» بأن يؤدوها كاملة كما سمعوها دون زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تبديل ولا خوف ولا خشية ولا غرض ولا عوض ولا تحوير ما كما هو الواجب على جميع الشّهود في جميع الخصومات أن يكونوا كذلك «أَوْ يَخافُوا» أي وأقرب وأولى لخوف الأوصياء والشهداء الأولين في «أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ» على أولياء الميت، كما في هذه الحادثة الآتي بيانها فيفتضحون بظهور خيانتهم ويسقطون من أنظار النّاس، كما افتضح هؤلاء في الدّنيا واستحقوا عذاب الله في الآخرة كما استحقاه «وَاتَّقُوا اللَّهَ» أنتم أيها الأولياء والأوصياء والشّهداء، من أن تخونوا أو تكذبوا فيما عهد إليكم به أو كلفتم بيانه «وَاسْمَعُوا» ما يعظكم الله به، وأطيعوا أمره، ولا تخرجوا عن حدوده، «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (١٠٨) المتجاوزين أمره المخالفين نهيه الحائدين عن طريق الصّواب. واعلم أن رفع (اثْنانِ) على خبر كما جرينا عليه أولى من جعله فاعلا على قول الغير إذ يحتاج إلى تقدير جملة وهي (فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان) وأولى من قراءة النّصب في شهادة، وجعل جملة (إذا حضر) ظرفا للشهادة، وجملة (حين الوصية) بدلا منه، وفي إبداله دليل على وجوب الوصية وهو كذلك حرصا على براءة الذمة فيما له وعليه، راجع الآية ٨

стр. 3223

من سورة النّساء المارة. وخلاصة هذه الحادثة على ما روي بأن تميما الدّاري وعدي بن بدا النّصرانيين خرجا في تجارة إلى الشّام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص فمرض فكتب جميع ما عنده في كتاب وجعله بين أمتعته وأوصى تميما وعديا أن يدفعا متاعه لأهله في المدينة، ومات ﵀ ففتشا متاعه فوجدا فيه إناء فضة منقوشا بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال، وغيباه، فلما رجعا إلى المدينة دفعا متاعه لأهله، ففتشوه فوجدوا الكتاب، فقال أهل الميت لهما هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؟ قالا لا، قالوا هل اتجر تجارة؟ قالا لا، قالوا هل طال مرضه فأنفق شيئا على نفسه؟ قالا لا، قالوا إنا وجدنا في متاعه كتابا فيه جميع ما كان معه، وقد فقدنا إناء فضة منقوشا بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال، قالا لا ندري به، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فأتى بهما فأصرّا على الإنكار، فحلفهما رسول الله عند المنبر بطلب الورثة فحلفا وخلى سبيلهما، لأن الكتاب بخط المتوفّى لا بخطهما، ولذلك فإن حكمه لا يسري عليهما ولا توجد بينة حاضرة غيرهما، قالوا ثم بقي ورثة الميت يتحرون على ذلك الإداء، فوجدوه بمكّة عند رجل اعترف أنه اشتراه منهما. فجيء بهما أمام رسول الله فسألهما، فقالا إنا اشتريناه من بديل قبل وفاته وبعناه إلى هذا بمكة، وإذ لم يتذرعا بهذا الوضع عند سؤالهما أولا وحلفهما على عدم وجوده عد كلامهما تناقضا مانعا من سماعه، فقد طلب حضرة الرّسول البينة من أهل الميت فتقدم عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة من أهله وورثته وحلفا بعد العصر على الصّورة المذكورة في الآية، وأن الإناء لمورثهما فدفع الإناء إليهم، وأفهم المشتري أن له حق الرّجوع باسترداد ثمنه من المذكورين، ولما أسلم بديل قال صدق الله إنا أخذنا الإناء وبعناه، فنزلت هذه الآية. الحكم الشّرعي عدم وجوب الحلف على الشّهود وعليه فيراد بهما الوصيان، وهما لا يحلفان إذ لا حلف عليهما إذا أرادا براءة ذمتهما فيحلفان ليطمئن الوارث بقولهما، فلهما ذلك، والاستشهاد مطلوب على الوصية، وهذه الحادثة لم يشهد عليها لعدم وجود أحد إذ ذاك غيرهما والموصي، ومن زعم أن هذه الآية منسوخة على رأيه لأن شهادة الكافر لا تقبل على المسلم اقتباسا من قوله تعالى (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) الآية ٢٨٣

стр. 3224

من سورة البقرة فهو زعم فاسد، لأن آية البقرة مقدمة على هذه، والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا، وقد أجمعت العلماء على أن المائدة من آخر القرآن نزولا ولا نسخ فيها البتة، وهذه الآية المصدرة بيا أيها الّذين آمنوا صرحت أولا بلفظ (منكم) بما يدل على أنه يريد المؤمنين، وفي حالة عدم وجود أحد من المؤمنين قال (من غيركم) وغير المؤمنين يدخل فيه الكتابي والكافر بما يدل على قبول شهادة غير المؤمن دلالة ظاهرة لا احتمال فيها ولا تأويل، ولهذا فإن الله تعالى أوجب الحلف على المذكورين لأن الشّاهد المسلم لا حلف عليه، وغيره يحلف للتوثق منه، وإذا جاز نصا استشهاد غير المسلم فلأن تجوز توصيته من باب أولى حرصا على محافظة الحقوق وصيانته أربابها، لأن من كان بأرض لا إسلام فيها يجوز أن يشهد أو يوصي من حضر عنده كتابيا كان أو كافرا، لأن الضّرورات تبيح المحظورات، وكما يختار المسلم على غيره عند وجوده يختار الكتابي على الكافر، قال القاضي شريح: تقبل الشّهادة في مثل هذه الحالة ولو كافرا من عبدة الأصنام. أخرج أبو داود عن الشّعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه وقدما تركته ووصيته، فقال أبو موسى هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وأنها لوصية الرّجل وتركته، فأمضى شهادتهما ولأنه لو لم يشهد في مثل هذه الحالة من حضر عنده من النّاس أيا كان يضيع المال ولربما كان له ديون أو عليه أو عنده وديعة أو أمانة فيسبّب عدم الإشهاد ضياع ذلك، ولهذا فلا مانع شرعا من ذلك، بل يطلب أن يشهد أو يوصي غير المسلم ولو كان وثنيا على وصيته عند الحاجة. مسألة: إذا ادعى الوصي أن الميت باعه شيئا من متاعه أو أوصى له به أو وهبه إياه ولا شهود لديه على ذلك، والورثة تنكر، فيحلف الوصي على ذلك، ثم ترد اليمين على الورثة الأدنياء من الميت، فإذا حلفوا على كذب الوصي الموصى له بذلك الشّيء أخذوا المال المدعى بيعه أو هبته أو الوصية به، وإذا فكلوا ترك الموصي، وهذا تصوير ما جاء

стр. 3225

في هذه الآية لأن تميما وعديا بعد أن وجد الإناء ادعيا أنهما اشترياه من الميت ولا بينة لهما، فلذلك حلف الورثة على أنه ملك مورثهما وأنهما لم يعلموا بأنه خرج من ملك مورثهم بوجه من الوجوه الشّرعية. واعلم أن هذه الآية وأوائل سورة البينة والآية ٧٣ من آل عمران المارتين من أصعب ما في القرآن العظيم نظما وأعرابا وحكما فكانت من أصعبها تفسيرا أيضا. قال تعالى واذكر لقومك يا سيد الرّسل «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» يوم القيامة للسؤال «فَيَقُولُ» جل قوله لهم «ماذا أُجِبْتُمْ» من قبل أممكم حينما دعوتموهم في الدّنيا الى توحيدي وطاعتي وهذا الاستفسار بقصد التوبيخ لأقوامهم الّذين لم يلبوا دعوتهم، وإلّا فهو عالم بمن أجاب ومن اعرض «قالُوا لا عِلْمَ لَنا» يا ربنا «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (١٠٩) تعلم بما كان منهم وإنما اختاروا السّكوت عن البيان مع أنهم يعلمون بعض أحوال أممهم أدبا مع الله ، ولعلمهم بإحاطة علمه بكل شيء قد فوضوا الأمر اليه لأنه لا يعرّب عن علمه شيء مما عمله أقوامهم ولا شيء مما عملوه هم أيضا لأجلهم، وانهم وان كانوا اطلعوا على بعض ظواهر أممهم فانهم لا يعلمون بواطنهم وهو جل شأنه حليم لا يسفه وعادل لا يظلم، وانّ إجابتهم لا تدفع في ذلك اليوم عن أممهم شرا ولا تجلب لهم خيرا ما لم تتعلق به المشيئة فكأنهم قالوا لا حقيقة لعلمنا إزاء علمك البالغ ولا نعلم حقيقة أفعالهم وأقوالهم تجاه علمك بذلك حال حياتنا معهم ولا ما أحدثوه بعد وفاتنا فعلم ذلك كله مختص بعلمك. واذكر يا أكمل الرّسل لأمتك «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ» إذ أنبتها نباتا حسنا وطهرتها واصطفيتها على نساء زمانها وهذا أول نعمة أنعمتها عليك إذ أخرجتك منها و «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ» جبريل ﵇ حالة كونك «تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» وأنت طفل أنطقتك ببراءة أمك مما وصمها به قومك «وَكَهْلًا» تكلمهم أيضا بما أعطيتك من المعجزات وأنزلت عليك الآيات، وشرفتك بالرسالة لتدعو قومك حال بلوغك سن الكهولة إلى الإيمان بك من غير تفاوت في كلامك من حيث الفصاحة في هذين الوقتين، وهذا من جملة ما خصصتك به «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ» الإنجيل الذي أنزلته عليك بعد أن
следующие страницы →