Полный текст (3 362 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
راجع تفسير الآية ٣٧ من سورة هود في ج ٢. ويجوز أن يراد بالذرية أولاد المخاطبين، إذ كانوا يبعثونهم بالسفن البحرية الشراعية للتجارة، لأن أصل الذرية الصغار من الأولاد ويقع بالتعارف على الكبار والصغار، ويستعمل للواحد والجمع وفي الأصل هو للجمع فقط، وفي قوله المشحون إشارة إلى البواخر المحدثة بعد عهد نزول القرآن التي أصلها سفينة نوح ﵇ هذه، لأنها مشحونة بالأشخاص والأموال ومشحونة أيضا بالبخار الذي بسوقها ولا شيء يمتلىء امتلاء البواخر بالبخار، يدل على هذا قوله جل قوله «وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ» أي ذلك الفلك المشحون «ما يَرْكَبُونَ» ٤٢ فيه بالبحر من السفن والبواخر الكبار في الهواء من الطيارات المتنوعة وفي البر من الحيوانات وخاصة الإبل إذ يسمونها سفن البر، والسيارات والدراجات والعجلات لتنوعة مما يركب ويحمل عليه، وكل هذا داخل في قوله تعالى من مثله كالقطارات، لأن هذه الإشارة تشمل الجميع ولأن بيوت بخارها مثل بيوت بخار البواخر المشار إليها بكلمة ذريتهم وهم أبناء هذا الزمان، وهذا كله من الإخبار بالغيب الذي يقصه الله علينا في كتابه ولا تناهي لمعجزاته، قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ) الآية ٥٣ من سورة فصلت في ج ٢، أي آفاق السموات والأرض ولا يخترق هذه الآفاق إلا هذه المحدثات، وما ندري ما يحقق لنا القرآن فيما بعد مما يتصوره العقل من الجائزات، ولعل يكون ما قاله أبو الحسن الأشعري من أنه يجوز لأعمى الصين أن يرى بقعة الأندلس، وقد تحقق ذلك بعد أن ظهر المذياع المصور بكسر الواو الذي يسمع فيه صوت القارئ وترى صورته، والله على كل شيء قدير، ومن قدرته أقدار خلقه على مثل هذه الأشياء مما لا يكاد يقبله العقل ولا يتصوره مع وجوده، راجع الآية ١٠ من ص المارة والآية ٩٥ من سورة الصافات في ج ٢، قال تعالى «وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ» في البحر هم وسفنهم مهما عظمت إذ سماها الله جواري وشبهها بالجبال في قوله: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) الآية ٢٤ من سورة الرحمن في ج ٣، ونظيراتها الآية ٣١ من سورة الشورى في ج ٢، وكذلك إذا شاء يقلب القطارات ويوقع الطائرات بسبب وبغير سبب،
стр. 527
وإذا أغرقهم أو أسقطهم أو قلبهم «فَلا صَرِيخَ لَهُمْ» أي لا مغيث يستغيث لهم، وسمى المغيث صريخا لأنه ينادي من ينجيه مما حل فيه فيصرخ بأعلى صوته ولا أحدا يغيثه من قدر الله «وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ» ٤٣ ينجون منه لأن من يقدر هلاكه الله لا محيد له عنه البتة، لأن البشر عاجز عن الحؤول دونه «إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا» نحن الإله القادر على إغاثتهم بالنظر لما هو في علمنا الأزلي فنيسر لهم من يغيثهم أو نحفظهم من الهلاك وقتا مقدرا «وَمَتاعاً إِلى حِينٍ» ٤٤ انقضاء آجالهم قال أبو الطيب:
ولم أسلم لكي أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
وفي هاتين الحالتين ننقذهم نحن، وغيرنا لا يقدر على إنقاذهم إذا لم نشأه، حد قوله:
إذا نحن نؤمنك تأمن غيرنا وإذا ... لم تأخذ الأمن منا لم تزل حذرا
وهذه الآية المدنية من هذه السورة، قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ» لمنافقي المدينة «اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» مما يتوقع حصوله من العذاب الدنيوي إذا أصررتم على نفاقكم كالأمم الماضية التي أصرت على كفرها «وَ» اتقوا أيضا «ما خَلْفَكُمْ» مما توعدون به من عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون على العكس بأن يراد ما بين أيديهم عذاب الآخرة، لانهم مقبلون عليه، فكأنه بين أيديهم وبما خلفكم عذاب الدنيا لأنهم تاركوه وراءهم، ولكن الأول أولى وأنسب بالمقام، أي احذروا هذين العذابين المتوخى نزولهما بكم «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ٤٥ أي ترجون رحمة الله، وقال بعض المفسرين إن هذه الآية مكية والخطاب لكفار قريش أي اتقوا الوقائع التي ابتليت فيها الأمم المكذبة لانبيائها، واتقوا إنكار أمر الساعة وآمنوا بنبيكم علكم تصيبكم رحمة ربكم، وجواب إذا محذوف تقديره: فأعرضوا ولم يلتفتوا إلى هذا القول، على كلا القولين والمعنيين، ويدل على حذف الجواب قوله تعالى «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ» الدالة على قدرته وصدق نبيه «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» ٤٦ دأبهم في كل آية فيها إنذار وبشارة «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا» أيها المتمولون على فقرائكم «مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» وأحسنوا إليهم كما أحسن الله إليكم «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» المأمورون بالإنفاق من أهل مكة
стр. 528
وغيرهم «لِلَّذِينَ آمَنُوا» القائلين لهم أنفقوا «أَنُطْعِمُ» رزقنا الذي حصلنا عليه بكدنا «مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» أي كيف نطعمه وقد أفقره الله؟ فليطعمه الذي أفقره وهو استفهام إنكار، أي لا نفعل ذلك أبدا، والكلام مسوق لذمّهم على البخل وعدم شفقتهم على ذويهم وأبناء جنسهم من فضل ما منّ الله به عليهم إثر ذمهم بإنكار البعث والنبوة والمعاد، ثم لم يكتفوا بما قالوا بل أتبعوه بقولهم «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ٤٧ لأنكم تأمروننا بإعطاء رزقنا لمن لم يرد الله إعطاءه، وهذا أولى من قول من قال إن هذه الجملة من قول الله أي قال تعالى لهم إن أنتم إلخ، وأولى من قول من قال إن هذه الجملة من قول المؤمنين لهم لمخالفتها سياق الآية وسياق الحكاية، قالوا كان العاص بن وائل السهمي وبعض كفار قريش المتزندقين إذا سألهم المساكين من فضول أموالهم، ومما زعموا أنهم جعلوه لله من حروثهم وأنعامهم كما سيأتي بيانه في الآية ١٣٦ من سورة الأنعام في ج ٢ فما بعدها، قالوا له اذهب إلى ربك فهو أولى بك منا، أيمنعك هو ونعطيك نحن؟ كلا، لا نفعل هذا، فلو أراد رزقك لرزقك كما رزقنا، فنزلت فيهم هذه الآية. وقد تمسك بقولهم هذا البخلاء أسوة بسادتهم أولئك إذ يقولون لا نعطي من حرمه الله، وهو قول باطل يلجأ إليه كل عاطل من فعل الخير إخوان المنزل فيهم هذه الآية، لأن الله تعالى أغنى أناسا وأفقر آخرين ابتلاء واختبارا لا بخلا ولا استحقاقا، وأمر الغني بالإنفاق ليمتحنه أيقدر شكر نعمته عليه أم لا، وقد هدد الغني في الحديث القدسي: (الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي فإن بخل وكلائي على عيالي أذقتهم وبالي ولا أبالي.) وامتحن الفقير بهدر ماء وجهه ليختبره أيصبر أم لا، ألا فليتعظ الأغنياء ويتعظوا قبل أن يحل بهم ما لا كاشف له إلا الله. وما قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود لا صحة له لأنها مكية بالاتفاق كسائر هذه السورة إلا الآية المستثناة ٤٥ المارة على قول بأنها مدنية والأرجح عندي أنها مكية أيضا كما مر لك في تفسيرها الثاني والله أعلم، قال تعالى «وَيَقُولُونَ» هؤلاء الكفرة يا محمد «مَتى هذَا الْوَعْدُ» الذي توعدنا به أنت وأصحابك من نزول العذاب
стр. 529
وقيام الساعة والحساب والجزاء في يوم البعث من القبور، قد طال علينا أمده أخبرونا وقته على الحقيقة «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ٤٨ بقولكم، قال تعالى قل لهم يا سيد الرسل إنه قريب بالنسبة لما عند الله وأنه على حين غفلة سيأتيكم غرة لأنه تعالى يقول:
مطلب في النفختين والذي لا يبلى من البشر:
«ما يَنْظُرُونَ» هؤلاء المستعجلون على شرهم «إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً» من عبدنا جبريل الموكل بالنفخة الأولى والثانية «تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» ٤٩ فجاءة أثناء مخاصمتهم في بيعهم وشرائهم ومنازعتهم في أمورهم لدنيوية المنهمكين بها، وحينذاك «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً» في شيء من أمورهم لأن كلا منهم يموت على حالته التي هو فيها حين سماعه الصيحة ولهذا قال تعالى ولا إلى أهلهم يرجعون ٥٠» إذ ليس باستطاعتهم لرجوع إذا كانوا خارجين لشأنهم وفي هذا تنبيه عظيم على عظمة هذه الصيحة التي لا تمهل القائم أن يقعد ولا القاعد أن يقوم إذ يموت كل بمكانه على هيأته دون حركة، ولا عجب من ذلك لأنه من فعل الله.
قالوا كان شبيب الحروري إذا صاح في القوم لا يلوي أحد على أحد وفيه يقول:
إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم
فإذا كانت صيحة عبد من عبيده في الدنيا تفعل هكذا، فما بالك في صيحة ملك عظيم من ملائكته. روى مسلم من حديث عمرو ابن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا (أي مال عنقه لان الليت صفحة العنق) فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله (أي يصلحه ويطينه) فيصعق وبصعق الناس، وقدمنا في تفسير الآية ١٨٥ من سورة الأعراف حديث أبي هريرة المتعلق بهذا مطولا فراجعه،
قال تعالى «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ» أي النفخة الثانية للبعث والحساب وبينهما على ما قيل أربعون سنة «فَإِذا هُمْ» الأموات الذين ماتوا قبل النفخة الأولى جميعهم والذين ماتوا بعدها قائمين «مِنَ الْأَجْداثِ» المدافن أعم من القبور «إِلى رَبِّهِمْ» ومالك أمرهم «يَنْسِلُونَ» ٥١ يخرجون أحياء يتسابقون إلى الموقف وراء المنادي
стр. 530
قالوا لبعضهم متعجبين من حالتهم التي كانوا غافلين عنها في الدنيا ومنكرين وجودها «يا وَيْلَنا» يا هلاكنا «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا» الذي كنا فيه لأنهم يرون ما كانوا فيه من عذاب البرزخ بالنسبة لما شاهدوه من الهول هينا وكأنه في جنب شدة القيامة نوما، وهنا وقف لازم، أي سكنة خفيفة، فرقا بين كلامهم وكلام الملائكة القائلين لهم «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ» به خلقه في الدنيا على لسان رسله «وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» ٥٢ بما قالوا لكم عنه بأنكم تموتون ثم تحيون وتسألون عما عملتم في دنياكم وتعاقبون وتثابون فكذبتموهم. ويوجد ثلاث سكنات أخر مثل هذه ينبغي للقارئ أن يسكت سكتة خفيفة عند تلاوتها: الآية ١٤ من سورة المطففين، والأولى من سورة الكهف ج ٢، والآية ٢٧ من سورة القيامة المارة، يقال: (من. راق) كما سنبينها في مواضعها «إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً» أي تلك النفخة من ملكنا جبريل ﵇ «فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» ٥٣ أولهم وآخرهم في الموقف للحساب والجزاء عما كان منهم في الدنيا من خير وشر. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين النفختين أربعون، قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت، قالوا أربعون شهرا، قال: أبيت، قالوا أربعون سنة، قال: أبيت (يقول ﵁ كلما سئل عن بيان الأربعين وتمييزها أبيت أي أمتنع عن القول، وذلك لانه لم يسمع من رسول الله ﷺ ما هي الأربعون، لانه أمين على ما سمع، فينقل ما سمعه بلا زيادة ولا نقص جزاه الله عنا خيرا. ومع هذا الحرص على حفظ كلام الرسول وأمانته عليه من أن يدخل فيه ما ليس منه ما لم يتحقق سماعه، فإن بعض من لا خلاق له من العلم يتهمه بسبب كثرة روايته عن النبي ﷺ ، وقد اعتذر لهم بأنه كان ملازما حضرة الرسول، وإخوانه بالأسواق وغيرها يتلهون بأعمالهم، لذلك صار أكثر رواية منهم أللهم حسن ظننا بعبادك المخلصين) ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ويأمر الله تعالى كل ذرة أينما كانت في البر أو البحر أو الهواء بالاتصال بجسدها التي انفصلت منه، وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا
стр. 531
عظما واحدا هو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة قال صاحب الجوهرة:
والجسم يفنى غير عجب الذنب ... وغير شهيد الحرب ونبي
وهذا أيضا جاء على قاعدة ما عموم إلا وخصص. هذا، وحينما يتظاهر أهل الموقف بالضجر مما يشاهدونه من الهول وعدم علمهم بما يؤول إليه أمرهم يقول الله تعالى «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ» منكم أيها الخلق «شَيْئاً» مما عملتموه في دنياكم برة كانت نفسكم أو فاجرة حسنا كان عملها أو سيئا «وَلا تُجْزَوْنَ» جنّكم وإنسكم «إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»
فيها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ثم طفق يصف للناس أصحاب الخير بعد حسابهم بقوله جل قوله «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ» من معانقة الأبكار على ضفاف الأنهار وزيارة الأخيار عند سيد الأبرار وضيافة الملك الغفار في مشهد تحار فيه الأفكار والأبصار، مما لا توصف لذته ولا تقدر فرحته «فاكِهُونَ» ٥٥ متلذذون متنعمون «هُمْ وَأَزْواجُهُمْ» المؤمنات في الدنيا وما من الله عليهم من الحور والولدان جميعهم «فِي ظِلالٍ» من أكناف القصور والمواقع التي لا تقع عليها الشمس تسمى ظلالا في الدنيا أما الآخرة فلا شمس فيها قال تعالى «لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» الآية ١٣ من سورة الرحمن في ج ٣، وإنما سميت ظلالا بالنسبة لما نعرفه من ظلال الأشجار وغيرها وكلهم «عَلَى الْأَرائِكِ» السور في الحجال أو الفراش في الحجال وحكى الطبرسي أن الأريكة هي الوسادة، وهذا مما يقبله الضمير قال تعالى «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» في صدر الآية المارة والاتكاء عادة في الدنيا يكون على الوسائد، وما الدنيا إلا أنموذج الآخرة «مُتَّكِؤُنَ» ٦ ٥ وهذا مما يؤيد أن الأريكة هي الوسادة، وقال الزهري كل ما اتكئ عليه فهو أريكة. قال في الصحاح الأريكة سرير منجّد مزين في قبة أو بيت، وقال ابن عباس لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة ولا حجلة إذا لم يكن السرير فيها والحجلة كالقبة وموقع مزيّن بالثياب والستور للعروس. وعلى كل فإن المراد بها الوسادة، لأن السرير لا يكون بدون وسد فالذي يجلس عليه يتكىء على ما فيه من الوسد
стр. 532
«لَهُمْ فِيها» أي الجنة «فاكِهَةٌ» يتفكهون بها من أنواع الثمار والخضار «وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» ٥٧. ويطلبون من أصناف المآكل والمشارب مما يتمنون ويشتهون.
مطلب تحية الله لعباده وتوبيخ المجرمين:
وزيادة على هذا فإن الملائكة غير الحافين بهم تبلغهم من ربهم تحية وهي «سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» ٥٨ أو انه ﷻ يطلع عليهم بذاته المقدسة يدل على هذا ما رواه البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر ابن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع نور لهم فرفعوا رؤوسهم، فاذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله سلام إلخ ينظر إليهم وينظرون اليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم قال صاحب بدء الامالي:
يراه المؤمنون بغير كيف ... وادراك وضرب في مثال
فينسون النعيم إذا رأوه ... فيا خسران أهل الاعتزال
ومن هذه النعمة العظيمة رؤية الحق ﷻ لانهم يتكرونها في الدنيا والآخرة فعوقبوا بحرمانهم منها راجع بحث الرؤية في تفسير الآية ١٤٣ من الأعراف المارة، ثم شرع ينعت أهل النار أجارنا الله منها بقوله «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» ٥٩ اعتزلوا عن المؤمنين لانهم صاروا إلى ما وعدوا به في الدنيا على لسان الرسل، وبمجرد صدور هذه الكلمة بل قبل تمامها اعتزل جميع أهل النار من كل الملل عن أهل الجنة، لان أمره بين الكاف والنون وصار يوبخهم ويقرعهم بما هو أشد من عذابهم وأمر فقال لهم «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ» وأنتم في عالم الذر راجع تفسير الآية ١٧٢ من الأعراف المارة وأقول لكم «أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ» وافردوني وحدي بالعبادة وألم أقل لكم «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ٦٠ العداوة، إذ بدأها بأبيكم آدم فاحذروه
стр. 533
ولا تشركوا بي أحدا ولا شيئا، كيف وقد أعطيتموني هذا الميثاق وشهدتم به على أنفسكم وأشهدت عليكم ملائكتي وقد نقضتموه وعبدتم غيري
«وَأَنِ اعْبُدُونِي» وحدي لا تشركوا بي شيئا «هذا» الذي عهدت به إليكم من وجوب طاعتي وعبادتي ومعصية الشيطان وترك الشرك هو «صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» ٦١ لو اتبعتموه لنجوتم الآن لأنه سوي بليغ بالاعتدال لا اعوجاج فيه فلو تمسكتم به لكفى في إلزام أنفسكم طاعتي قال الآلوسي ﵀:
تفسر بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة وأنت كل الناس
لأن الأصل الاستقامة، ولا يكون إلا باتباع الطريق المستقيم فمن اتبعه نجا ومن حاد عنه هلك، قال تعالى مخاطبا الخلق كلهم «وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ» أيها الناس «جِبِلًّا كَثِيراً» أي خلقا، لان الجبل الجماعة العظيمة والأمة التي لا تقل عن عشرة آلاف تشبيها لها بالجبل العظيم. مع كثرة إرسال الرسل إليكم لارشادكم «أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ» ٦٢ ما بلغوكم به عنّا لتستعدوا ليومكم هذا استفهام توبيخ وتقريع لعدم اتعاظهم بما جرى على الأمم الضالة قبلهم تكذيبهم رسلهم وطاعتهم عدوهم إبليس ثم التفت لأهل النار وقال لهم «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» ٦٣ بها من قبل الرسل في الدنيا والتي كانوا يخوفونكم بها وأنتم تكذبونهم ثم يقال لهم على سبيل الإهانة والتحقير من قبل ملائكة العذاب «اصْلَوْهَا الْيَوْمَ» أدخلوها لتكونوا وقودها «بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ٦٤ بالله ورسله وتجحدون هذا اليوم ولما أرادوا أن يتكلموا الجمهم عن الكلام بقوله «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ» لئلا يتكلموا بها لانا سنأمر جوارحهم بالاعتراف عما فعلت «وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ» بما بطشت وما أخذت وأعطت «وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ» بما مشت ورمحت وهكذا كافة أعضائهم تنطق «بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ٦٥ في الدنيا وذلك أنهم أرادوا أن يعتذروا إلى الله بأنهم انقادوا لأكابرهم وأنهم لم يكذبوا رسله ولم يشركوا به، كما مر في الآية ٥٩ فما بعدها من سورة ص وما سيأتي في الآية ٢٣ من سورة الأنعام في ج ٢
стр. 534
فيمنعون من الكلام إذ لا فائدة لهم به. روى مسلم عن أنس بن مالك قال:
كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، (أي تبسم لأنه كان لا يضحك وكلما نقل عنه أنه ضحك فالمراد به تبسم) فقال هل تدرون ممّ أضحك؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال في مخاطبة العبد ربه، فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال يقول بلى، قال فيقول: فإني لا أجيز على نفسي الا شاهدا منّي (أي لا أقبل شاهدا عليّ من الغير) قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا «والآية في الإسراء بلفظ حَسِيباً» مما يفهم أن الاستشهاد بغير الآية، قال فيختم على فيه ويقال لاركانه: انطقي، قال فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل (أدافع وأخاصم ومعنى هذا هلاكا) والمراد بالختم على الأفواه ليس عدم شهادتها بل منع المحدث عنهم عن التكلم بألسنتهم وهو أمر وراء تكلم الألسن نفسها، وكيفية شهادة الجوارح أن يجعل الله تعالى القادر على كل شيء فيها علما وإرادة وقدرة على التكلم، فتتكلم وتشهد وأصحابها مختوم على أفواههم راجع كيفية هذا الختم في الآية ٢٤ من سورة النور في ج ٣، ولا نص فيها عن الأفواء كما أنه لا نص في هذه الآية على الألسنة أي لا ختم على الأفواه هناك ولا على الشهادة بالألسنة هنا وعليه فيجوز أن يكون المحدث عنهم في السورتين واحدا قال تعالى «وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا» مسخنا «عَلى أَعْيُنِهِمْ» كما أغشينا قلوبهم الباطنة بأن نجعلها كأنها غير مشقوقة، وهذا أبلغ من أعميناها أو أغشيناها «فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ» بادروا طريقهم المألوف لهم ويجوز أن يكون الكلام من باب الحذف والإيصال بان حذف الجار وهو إلى واتصل الفعل بالمجرور وهو الأصل فاستبقوا إلى الصراط «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» ٦٦ طريقهم وهم عمي القلوب عمي الأعين معا «وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ» حجارة بأن قلبنا ماهيتهم أو صيّرناهم قردة وخنازير كما فعلنا بأصحاب السبت أشار إليهم في الآية ١٦٣ من سورة الأعراف المارة والآتي ذكرهم في الآية ٦٠ من سورة المائدة في ج ٣ قالوا ان مسخ الحيوان أو تحويله إلى
стр. 535
أحجار يسمى رسخا وإلى نبات يسمى فسخا وإلى حيوان يسمى نسخا أي لغيرناهم عن خلقهم وهم «عَلى مَكانَتِهِمْ» المكانة كالمكان مثل المقامة والمقام ويكون بمعنى المنزلة العالية في غير هذا المكان أي لو أردنا مسخهم لمسخناهم في منازلهم «فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا» عنها فلا يقدرون ان يبرحوها ويتخلصوا منها من ويل ما وقعوا فيه «وَلا يَرْجِعُونَ» ٦٧ إلى ما كانوا عليه قبل النسخ أي عجزوا على الحالتين معا. واعملوا أيها الناس ان طول الأعمار وقصرها بايدينا وفق ما هو في أزلنا «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ» منكم زيادة على غيره «نُنَكِّسْهُ» أي نقلّبه «فِي الْخَلْقِ» فلا يزال يتزايد ضعفه وتنقص بنيته وتضعف قواه، وقد يقل عقله عكس ما كان عليه لأنه في بدأ طفولته كان يتزايد في الكبر والقوة والعقل والعلم، لأنه يكون عند ولادته عاريا عن ذلك كله فإذا بلغ أشده استكمل قوته وعقله وعلمه، وأنكس قلب الشيء على رأسه، والمنكوس الولد الذي تخرج رجلاه قبل رأسه والنكس عود المرض بعد النّقه وكل ما كان مقلوبا فهو منكوس ولهذا قال ننكسه أي نرجعه على حالة الطفولة من جهة نقص القوى وضعف الجوارح والنكس الشيخ المدرهمّ الساقط العاجز من الكبر بعد الهرم، والناكس المطأطئ رأسه من أجل ذلك «أَفَلا يَعْقِلُونَ» ٦٨ هؤلاء بأن من قدّر تعريف أحوال الإنسان بالصورة المذكورة وهي مدونة ومشاهدة، ألا يقدر على إحياء من يميته ويبعثه حيّا مرة ثانية، أفلا يعتبرون ويقيسون ما كان على ما يكون، أفلا يتدبرون هذا نظرا وفكرا؟ ثم التفت إلى كفار قريش الذين اتهموا نبيه ﷺ بكونه شاعرا بعد أن قالوا ساحر وكاهن ومعلم، لأنه هو المقصود بإنزال هذا القرآن بل من خلق الله كله فقال مكذبا لهم «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» والكلام المنزل عليه لا يضاهي الشعر لأنه غير موزون بأوزانه.
مطلب أوزان الشعر ومخالفة القرآن لها:
أن الشعر عبارة عن تخيلات مرغبة أو منفّرة، وهو معدن الكذب ومقر الهزل في كثير من الأحيان ولهذا قيل في مدحه (أعذبه أكذبه) وهو مبني على
стр. 536
ستة أصول (١) سبب خفيف وهو كل حرف متحرك وراءه ساكن مثل من وعن وقد (٢) سبب ثقيل وهو كل حرفين متحركين مثل لم بما من (٣) وتد مجموع وهو كل حرفين متحركين بعدهما ساكن مثل غزا ورمى وعلا (٤) وتد مفروق وهو كل حرفين متحركين بينهما ساكن مثل سار، قال، باع (٥) فاصلة صغرى وهي كل ثلاثة أحرف متحركات بعدها ساكن مثل ذهبا خرجا أكلا (٦) فاصلة كبرى وهي كل أربعة أحرف متحركات مثل خرجتا، ذهبتا، أكلتا وهو عبارة عن ستة عشر بحرا لكل منها وزن خاص لا يتعداه وله أصول يتقيد فيها كالخبن والجزء. وهو علم خاص له فروع في عروضه وضروبه وقوافيه، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في النثر، ومتى خرم في أصوله ووزنه بشيء لا يسمى شعرا.
وهذا القرآن العظيم كله حكم وعقائد وشرائع وأمثال وقصص وأمر ونهي منزه عن الهزل، وكله قول حق وصدق قال تعالى «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» الآيتان ١٣ و ١٤ من سورة الطارق المارة وإذا كان منزّها من الهزل فبراءته عن غيره أولى، وليس على أوزان الشعر وقوافيه وأصوله فأين الثرى من الثريا، وأين الثريا من يد المتناول، وإذا لم يكن هذا القرآن شعرا، وهو كذلك، فإن محمدا ﷺ ليس بشاعر، لأنه لا ينطق عن الله بغير ما يوحيه إليه، فما يقوله هؤلاء الكفرة وأضرابهم وتلوكه ألسنتهم من الشعر غرضهم منه وصمه ﷺ بالشعر مع أن ما جاء به ليس بشعر وحاشاه ثم حاشاه «وَما يَنْبَغِي لَهُ» ولا يليق به الشعر. ولا تعلمّه ولا نطق به، لأنه قد يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، وهذا ليس كذلك. والشعر أحسنه المبالغة في الوصف والمجازفة والإغراق في المدح والإفراط بتحسين ما ليس بحسن والتفريط في تقبيح ما ليس بقبيح، وهذا مما يستدعي الكذب أو يحاكيه وجلّ جناب الشارع عن ذلك روي عن عائشة ﵂ وقد قيل لها هل كان النّبي شاعرا يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحه ويقول:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود ... ......
стр. 537
أخرجه الترمذي، وفي رواية غيره قالت كان الشعر أبغض الحديث اليه ﷺ ولم يتكلم منه إلا ببيت أخي قيس طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر ﵁ ليس هكذا يا رسول الله، فقال إني لست بشاعر ولا ينبغي لي، وروى عن الحسن أنه ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر يا نبي الله انما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا. أشهد أنك رسول، وتلا هذه الآية وقد جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لان يمتليء جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتليء شعرا وما صح من حديث جندب بن عبد الله أنه قال بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذا أصابه حجر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
ومن حديث أنس ﵁ ان النبي ﷺ قال:
لهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فأكرم الأنصار والمهاجرة
وما روى أنه قال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
فهو من جملة كلامه الذي يرمي به من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق كذلك عفوا من غير قصد الشعرية وان كان موزونا كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس ومحاوراتهم ورسائلهم، كلام موزون مقفى يدخل في بحور الشعر وأوزانه اتفاقا، وقد جاء في القرآن العظيم ما هو بوزن شطر منه مثل قوله تعالى: «قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ» الآية ٢١ من سورة طه الآتية وقوله جل قوله: «فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» الآية ٢٥ من سورة الأحقاف في ج ٢ وغيره كثير كما في الآية ١٤ من سورة النمل، والآية ٣٣ من سورة فاطر الآتيتين. فهل يسمى هذا شعرا؟ كلا، على أن الخليل قال المشطور من الرجز ليس بشعر، وهذا كله من
стр. 538
مشطور الرجز، وما روي عن الخليل أنه قال كان الشعر أحبّ إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام مناف لما سمعت من الأحاديث والأخبار، ولعله قال ذلك بالتفضيل بين شعر وشعر كما قال حين أعجبه شعر أمية ابن الصلت (آمن شعره وكفر قلبه) وكما قال حين سمع قول النابغة:
بلغنا السماء بحدنا وسناؤنا ... وانا لنرجو بعد ذلك مظهرا
قال له إلى أين قال إلى الجنة يا رسول الله، فأعجبه ولما بلغ في قصيدته قوله:
ولا خير في علم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن ... حليم إذا ما أورد الأمر اصدرا
قال له لا يفضض الله فاك. قالوا إنه عاش مائة وثلاثين سنة لم يسقط له فيها سن هذا، وان القرآن العظيم امتاز عن كلام البشر بما تقدم، وبنظم آياته على نظام السجع المستمر أو النثر من الشعر وبضرب الأمثال وسوق القصص وتكرارها بغير النسق الأول مع إعطاء المعنى كاملا، وهذا مما يعجز عنه البشر وعدم التزامه أسلوبا واحدا في الأداء والبحث فكما تجد في السورة الواحدة عدة أبحاث تجده في الآية الواحدة أيضا، وكما أن كثيره معجز فقليله معجز، فهو في هذه الحيثية لا يتجزأ كالنور فإنه إذا تجزا لا يخرج عن طبيعته كله لأن جزء النور نور وهكذا القرآن جل منزله. ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٢٢٦ من سورة الشعراء نستقصي فيها ما لا بد منه في هذا الشأن إن شاء الله تعالى، ولما نفى ﷻ أن يكون نبيه شاعرا وأن يكون كلامه شعرا قال «إِنْ هُوَ» أي ما الذي علمناه لحضرة رسوله «إِلَّا ذِكْرٌ» من لدنا أنزلناه عليه ليذكر به عبادنا ويعظمهم به «وَقُرْآنٌ» يقرأه عليهم «مُبِينٌ» ٦٩ ظاهر واضح بأنه ليس من قول البشر ويلقم من تصدى لمعارضته الحجر كتاب سماوي لا مثل لمثله، تحدى الخلق كلهم ليأتوا بسورة مثله فعجزوا، وهو مصوغ صوغا إلهيا يباين كلام الإنسان ويخالف ما في الشعر من أصول وأوزان، موضح للحدود والأحكام، ومبين للحلال والحرام صادر عن حضرة الملك العلام القائل «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ
стр. 539
يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»
الآية ٨٨ من سورة الاسراء الآتية، فأين هو بعد هذا مما يتقوله المتقولون من مضاهاته للشعر المربوط بأوزان لا يتجاوزها، وبحور لا يتعداها، وهو من همزات الشياطين وأقاويل الكافرين ليمدحوا عليه أو ينالوا به شيئا من حطام الدنيا، إذ كان متعارفا بينهم للمدح والذم المبالغ فيهما، هذا وإنما أنزل الله جل شأنه هذا القرآن على رسوله ﷺ «لِيُنْذِرَ» بأوامره ونواهيه ويرشد «مَنْ كانَ حَيًّا» قلبه تنجع فيه النذر وتؤثر فيه المواعظ «وَيَحِقَّ الْقَوْلُ» بوجوب العذاب «عَلَى الْكافِرِينَ» ٧٠ الذين لا ينتفعون بالذكرى.
ثم شرع يعدد نعمه على خلقه الذين لا يجدر بهم ان يجحدوا كتابه ورسوله لو كان لهم ألباب فقال «أَوَلَمْ يَرَوْا» هؤلاء المعارضون لرسولنا «أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً» من الإبل والبقر والغنم وغيرها وخص الأنعام، مع أن غيرها مثلها وأحسن كالخيل والبغال والحمير والبراذين التي لا غنى لهم عنها إذ ذاك، لأنها أكثر أموالهم، ولهذا قال تعالى «فَهُمْ لَها مالِكُونَ» ٧١ يتصرفون فيها كيفما شاءوا أو أرادوا.
مطلب آيات الصفات ونعمة إذلال الحيوانات:
هذا، وقد سبق أن ذكرنا في تفسير الآية ٥٤ من الأعراف والآية ٣٠ من سورة ق المارتين بان آيات الصفات كهذه الآية مما لم يقطع بتفسيرها، إذ أن السلف أبقوها على ظاهرها وأطلقوا معناها عليه، وتأولها بعض الخلف وقال المتكلمون وبعض أهل الرأي أنه جل شأنه له يد لا كالأيدي ورجل لا كالأرجل وهكذا وهو مما طعن فيه أكثر الخلف لشدة تنزيههم الحضرة الإلهية عن مثله، وكل ما هو من شأن البشر، ولهذا فإنهم أولوا اليد بالقوة والنعمة والقدرة تحاشيا عن ذلك، قال تعالى «وَذَلَّلْناها لَهُمْ» جعلنا هذه الأنعام مسخرة منقادة لخلقنا لتمام الانتفاع بها إذ لو جعلت متوحشة كغيرها من الحيوانات لم يقدروا على ضبطها ولحرموا منافعها وهذا من أكبر نعم الله على خلقه، فانك تجد الطفل المميز
стр. 540
يقود البعير بخطامه ويتابعه حيث أراد، ولولا تذليله لعجز عنه الجماعة ولأتلف بضربة من رأسه الطائفة من الناس فله الحمد والشكر على هذا التسخير «فَمِنْها رَكُوبُهُمْ» عليها بسبب تذليلها وحملها الأثقال «وَمِنْها يَأْكُلُونَ» ٧٢ الرجل يذبح الثور والجمل فيأكل ويبيع ويهدي من لحمه وشحمه، ولولا تسخير الله لما تمكن من ذلك «وَلَهُمْ فِيها» غير الركوب والحمل «مَنافِعُ» كثيرة من أوبارها وأشعارها وصوفها وجلدها لباسا ومن نسلها قنية وتجارة إذ يبيعونها ويشترون بثمنها لوازمهم ويستكثرون بها مما يجب الشكر والحمد لمذللها «وَمَشارِبُ» من حليبها ولبنها وزبدها وسمنها وجبنها ولباها واقطها ومخيضها أكلا وشربا وبيعا وادخارا «أَفَلا يَشْكُرُونَ» ٧٣ هذا الرب الكريم على إنعامه هذا عليهم، فضلا عن باقي نعمه التي لا تعد ولا تحصى، قال ﷺ اتقوا الله لما يغذوكم به.
أي إن لم تتقوه لنعمة الحياة والسمع والبصر وبقية الجوارح والحواس وخوف المرض والفقر والعذاب فاتقوه على الأقل لنعمة الأكل والشرب واللبس التي لولاها لهلكتم، إذ فيها قوامكم فهذه كلها نعم من الله تعالى يجب عليكم شكرها فما بالكم تقابلونها بالكفر وتنكرون نعمها «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» من صنع أيديهم من الأحجار والأخشاب وعبدوها «لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» ٧٤ إذا أضربهم أمر من خوف وجدب أو حلّ بهم ضر من مرض وفقر كلا «لا يَسْتَطِيعُونَ» أولئك الأوثان المتخذة «نَصْرَهُمْ» على غيرهم لأنها عاجزة عن نصر نفسها لأنها من صنعهم بدليل قوله واتخذوا «وَهُمْ» هؤلاء الكفرة الراجون من هذه الآلهة المزيفة نصرا ويعبدونها من دون الله مع علمهم أنها لا تضر ولا تنفع ولا عن أنفسها شرا تدفع ومع هذا تراهم «لَهُمْ جُنْدٌ» أعوان لأوثانهم وخدم «مُحْضَرُونَ» ٧٥ مهيئون يحمونها ممن يتعدى عليها ويرجون خيرها ويخافون شرها ولا ينظرون لخالقهم ورازقهم وحافظهم فيا سيد الرسل اتركهم الآن واصبر عليهم «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ» بانك ساحر أو كاهن أو شاعر
стр. 541
وان كتابك سحر وشعر وكهانة، ووصم ربك بالشريك والولد والصاحب «إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ» لبعضهم ويكنون في قلوبهم من العداء لك والحسد على ما خولك ربك والحرص على إهلاكك «وَما يُعْلِنُونَ» ٧٦ في ذلك كله وتسافههم عليك وعكوفهم على عبادة أصنامهم على مرأى منك، واتهامك بالكذب، وتهديدك بالجلاء والقتل، وغير ذلك مما نحن عالمون به قبل إظهاره لك. واعلم يا أكمل الرسل أنا مجازوهم على ذلك كله لأنهم بوصمك هذا يكذبون الذي أرسلك ويجحدون آياته. راجع تفسير الآية ٣٢ من سورة الأنعام في ج ٢، ولذلك فإنا نجعل كيدهم في نحرهم وننصرك عليهم وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى على بصير وفيها أيضا وعد وتسلية من الله لرسوله ليقشع عنه ما لحقه من هم وحزن من قومه بسبب تقولاتهم هذه وإصرارهم على الكفر والتكذيب ورميهم له بما لا يليق بجنابه وليس في هذه الآيات ما ينم على حزنه نفسه بسبب ما تابه من أذاهم وإهانتهم وإنما على عدم قبولهم الايمان ورفضهم كتاب الله وإنكارهم رسالته وجحدهم الإله الواحد لأنها على حد قوله تعالى «فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» الآية ٨٨ وقوله ولا تدع مع الله إلها آخر الآية ٨٩ من سورة القصص الآتية ومن المعلوم أنه ﵊ لا يظاهر الكافرين ولا يكون من المشركين ولا يدع مع الله إلها وان المخاطب فيها على الحقيقة غيره وانما خاطبه بها لإلهاب القلوب وركونها إلى المحبوب وجنوحها عن الأغيار وميلها عن مصاحبة الأشرار ولهذا البحث صلة في تفسير الآيات المذكورة إن شاء الله تعالى.
مطلب تفنيد من كفر القارئ انا بالفتح:
قال بعض المفسرين من قرأ انا هذه بالفتح فسدت صلاته وإذا اعتقد معناها كفر، وهو قول مبالغ فيه فلو اقتصر على تخطيئه أو غلطة لكان الأمر فيه ما فيه ولكن الكفر أمر عظيم لا يليق أن يجنح إليه عالم ما وجد مخرجا لعدم تكفير المسلم لأنه إذا وجد لمن يصدر عنه قول ظاهره الكفر احتمالا ما، يجب صرفه لهذا الاحتمال إذ لا يجوز تكفير المسلم حتى أن العلماء ﵏ قالوا إذا وجد قول
стр. 542
بعدم التكفير وتسع وتسعون قولا بالتكفير، يصار إلى عدم التكفير، وهنا يمكن حمل الكلام على حذف لام الفعل أي لأنا نعلم، ومثله كثير في القرآن وفي غيره أكثر، وعليه تلبية رسول الله ﷺ أحيانا إذ يقول أن الحمد والنعمة لك بفتح الهمزة من أن وقد قرأها الشافعي ﵁ بالفتح وأبو حنيفة بالكسر ولكل منهما تعليل وتوجيه لانه إذا قرأتها بالفتح على أنها بدل من قوله «فَلا يَحْزُنْكَ» بحيث يكون المعنى فلا يحزنك علمنا ما يسرون وما يعلنون ففساده ظاهر لان هذا لا يحزنه بل يسره وفيه ما فيه وهذا المعنى يكون مع كسر إن أيضا إذا جعلتها مفعولة للقول أي كلمة قولهم لأن المصدر يعمل عمل فعله وعليه فيظهر من هذا أنه تعلق الحزن يكون الله عالما به وعدم تعلقه بذلك لا يدوران على فتح انا وكسرها وانما يدوران على تقديرك أنت أيها المتفحص وعليك أن تفعل فان فتحت انا قدرت معنى القليل لا معنى البدل لأن فيه الفساد كما علمت، وان كسرتها أي همزه إنا تفصل أيضا بأن تقدر معنى التعليل لا المفعولية وبهذا ننجو من الخطإ والفساد.
وليعلم القائل بالتكفير بان المسلم لا يكفر إلا بجحد ما يجب الإيمان به قال تعالى «أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ» منكر البعث وهو أبي بن خلف الذي نزلت فيه الآية حينما أخذ عظما باليا من الأرض وقال يا محمد أترى ربك يحيي هذا بعد ما رمّ؟
فقال نعم ويبعثك ويدخلك جهنم. وانما أغلظ عليه في هذه الجملة لأنه ﷺ لا يغضب لنفسه وانما إذا انتهكت حرمات الله أو استهزأ بها كما هنا يغضب ويشتد غضبه ولهذا قال له ما قال وقيل أن القائل العاص ابن وائل وقيل غيره إذ يجوز أن تكون الآية واحدة لأسباب كثيرة وعموم لفظها لا يقيدها بمن نزلت فيه لأن لا عبرة بخصوص السبب فضلا عن أن الإنسان جاء معرفا بأل الجنسية فتشمل الواحد والمتعدد من جنس الإنسان ويجوز أن تكون أل فيه للاستغراق فيراد بها كل فرد من أفراد الإنسان أي أو لم يبصر هذا الساخر «أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ» زهيدة حقيرة وسويناه رجلا كاملا منها «فَإِذا هُوَ» بعد خلقنا له إعطائه القوة والعقل «خَصِيمٌ» لنا بما أنعمنا به عليه من الخلق والرزق «مُبِينٌ» ٧٧
стр. 543
في خصومته معلن لها يجادلنا بالباطل وينكر علينا إعادته كما بدأناه ولا يتفكر في كيفية إنشائه وما كان عليه من الضعف في قواه وجوارحه (وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا) بالعظم البالي وبغتة لرسولنا جاحدا قدرتنا على احيائه كما كان «وَنَسِيَ خَلْقَهُ» من تلك النطفة اليسيرة وتصييره تدريجا هيكلا عظيما على أحسن صورة وأبلغ خلقة مما هو أعظم وأقرب من إحياء العظم البالي فلان يتعجب في ماهيته وأدوار حياته وإعطائه القوة بعد الضعف والنطق بعد البكم أولى من أن يتعجب من احياء العظم وما إعادته بأهون علينا من بدايته وما بدايته بأهون علينا من إعادته ان كان له حجى يعقل به أو نهى يتدبر به أو لب يتذكر به. ثم ذكر مقالته القبيحة بقوله الحسن الجليل العظيم «قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» ٧٨ أو لا يذكر هذا الحيوان أن الإعادة أهون من الإبداع لأن الله خلق الإنسان على غير مثال سابق فبالأحرى أن يعيده على مثل ما خلقه عليه وانه خلقه من التراب وانه مهما بلي ورمم: لا يصير الا ترابا فيخلقه منه كما بدأه قال تعالى «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» الآية ٢٨ من الأعراف المارة ثم التفت الى حبيبه فقال يا أكمل الرسل «قُلْ» لهذا السائل «يُحْيِيهَا» أي العظام البالية وغيرها «الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ» قبل أن تكن شيئا وبعد أن كانت فمن باب أولى فانه يعيدها كما كانت «وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» ٧٩ ليس خلق الإنسان فقط الذي لا تخفى عليه أجزاؤه المفتتة المتفرقة ولا يعجزه جمعها من البر والبحر وبطون الوحوش والهوام والحيتان والطيور ولا كيفية إعادتها على خلقها لأنه عالم بذلك على التفصيل وهو قادر على ما يعلم وقادر على إعادة كل ذرة لجسدها سواء كان إنسانا أو غيره لا يتعاظمه شيء ولا يعزّ عليه شيء مما تتصوره العقول البتة، - راجع تفسير الآية ٥٣ المارة- واعتقد ولا تستكثر على الإله شيئا أبدا ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٢٥٩ من سورة البقرة في ج ٣.
مطلب خلق النار من الشجر وكيفية أمر الله:
كيف يتصور وهو الإله القادر الجبار «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ
стр. 544
الْأَخْضَرِ ناراً»
تنتفعون بها منافع جمة لا تحصى «فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ» أيها الناس «تُوقِدُونَ» ٨٠ للتوضئة والطبخ وتليين المعادن وتقويتها وصنعها فالإله الذي يقدر على جمع الماء والنار في الشجر وهما ضدان ألا يقدر على إعادة ما خلقه كما خلقه بلي والعجز من شيمة وصفة المخلوق لا الخالق، واعلم انما ضرب الله تعالى المثل بالنار لما كان في علمه أنه ينشأ منها ما لم يكن يعرف قبلا، فقد نشأ منها القوى الكهربائية التي هي أعظم قوة وقف عليها البشر حتى الآن، وهي جامعة بين الأضداد كالحرارة والبرودة، والجمع والتفريق، والحركة والسكون، فهي العامل الوحيد الآن لأكثر لوازم الإنسان والحيوان، وما ندري ما ينشأ عنها بعد، فتفكروا أيها الناس في آلاء الله تعالى تفتح أبصاركم وتنور بصائركم لمعرفة مكنونات ربكم في هذه الأرض التي أمر نبيكم بالتماس خباياها وفي عجائب مصنوعاته في السماء التي جعل فيها رزقكم وما وعدكم به. قال ابن عباس: أراد الله تعالى في هذه الشجر شجرتي المرخ والعفار الموجودتين في أرض الحجاز فمن أراد إذكاء النار قطع منها غصنين فيسحق المرخ على العفار فتخرج منها النار وهما خضراوان يقطران الماء، ولهذا تقول العرب في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار أي استكثر منها، هذا خلق الله أيها الناس وخلق السموات والأرض أكبر من خلقكم، فالذي يفعل هذه الأشياء إبداعا ألا يقدر على إعادة خلقكم من رميمكم البالي كما بدأكم؟
ثم ذكر مثلا أعظم من الأول فقال «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» بما فيهما من جبال وأودية وبحار وأنهار وكواكب وشموس ومناسك وبروج «بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ» لأنهم بالنسبة لذلك لا يعدّون شيئا، قل أيها الإنسان قسرا «بَلى» قادر على أكثر من ذلك «وَهُوَ الْخَلَّاقُ» الموجد لأنواع المخلوقات العظيم «الْعَلِيمُ» ٨١ بكيفية خلقها أولا وإعادتها ثانيا لا يعجزه شيء ولا يحتاج في تكوينها إلى شيء من عقاقير ومحللات ومركبات. واعلم أيها الكامل «إِنَّما أَمْرُهُ» في الإيجاد «إِذا أَرادَ شَيْئاً» يوجده «أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ٨٢ حالا كما أراد لا محالة بين الكاف والنون، وكذلك إذا أراد إعدام شيء أعدمه
стр. 545
بقول كن أيضا، لا فرق عنده فيهما، هذا وقد عبر جل تعبيره عن إيجاد الأكوان بقول كن، من غير ان كان منه كاف ونون لسرعة الإيجاد، فكأنه جلّت قدرته يقول كما أنه لا يثقل قول كن عليكم أيها الناس فكذلك لا يثقل عليّ إبداء الخلق وإعادتهم، وهو يمثل لنا لتأثير قدرته تعالى في مراده بالأمر المطاع للمأمور المطيع في سرعة حصول المأمور به من غير امتناع وتوقف على شيء، وإذا نظرت إلى قوله تعالى «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» الآية ٤٠ من سورة النمل الآتية عرفت بعض قدرة ذلك الرب العظيم على كل عظيم بأقل من لفظ كن والظاهر من الآية أن هناك قولا لفظيا هو لفظ كن، وإليه ذهب معظم السلف، وذهب غيرهم إلى أن لا قول أصلا، وقال بعض العلماء إن هناك قولا نفسيا، والأحسن أن تضرب عن هذه الأقوال صفحا لأن شؤون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام، فلا تشغل نفسك أيها العاقل العارف بمثل هذا الكلام وقل «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ» من كل شيء يتصرف به كيفما يشاء ويختار، وقد زيدت الواو والتاء في لفظ ملكوت للمبالغة كما زيدت في جبروت ورحموت في مبالغة الجبر والرحمة وقد أشرنا في تفسير الآية ١٨ الأعراف إلى ما يتعلق بهذا فراجعه. «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ٨٣ أيها الناس بعد الموت كسائر خلقه لا محيد لكم عنه. أخرج الامام أحمد وأبو داود والنسائي وغير عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: يس قلب القرآن. وأخر أبو النصر السنجري في الإبانة وحسنه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : إن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله ويدعى صاحبها (حافظها الشريف عند الله تعالى، يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن حسان بن عطية أن رسول ﷺ قال سورة يس تدعى في التوراة المعمّة تعمّ صاحبها بخير الدنيا والآخرة أي تدفع وتدعى المدافعة القاضية تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضى له كل حاجة واخرج الخطيب عن أنس مثله وعن معقل بن يسار قال قال ﷺ : اقرأوا على موتاكم يس أخرجه أبو داود وغيره. هذا، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 546
تفسير سورة الفرقان عدد ٤٢- ٢٥
نزلت بمكة بعد سورة يس وهي سبع وسبعون آية، وثلاثمائة واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثون حرفا، ويوجد في القرآن سورتان مبدوءتان بلفظ تبارك هذه وسورة الملك، ومنها الآيات ٦٨ و ٦٩ و ٧٠ نزلن بالمدينة، وما قيل إنها نزلت في مسجد قباء بالمدينة لا صحة له، وإنما قرأها ﷺ بالمدينة، عند هجرته إليها كسائر السور التي نزلت بمكة للاطلاع عليها والتقيد بما فيها من أمر ونهي وغيره.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «تَبارَكَ» علوه وتعالى عزّه وتعاظم مجده، وتسامى جلاله، وتكاثر خيره، وتعمم عطاؤه وبره، وتنزه عن صفات خلقه جنابه، وتبرأت عن كل نقص حضرته، واعلم أن فعل ﵎ لا يسندان لغيره ولا ينصرفان غالبا لمشابهتهما اسم الفعل، وكرر في الآيتين ١٠ و ٦١ منها، وفي الآية ٣٥ من الأعراف المارة، وفي الآية ٤٣ من الزخرف وفي الآية ٦٣ من المؤمن وفي الآية ١٤ من المؤمنين في ج ٢ وفي الآية ٧٨ من من سورة الرحمن، وأول تبارك الملك في ج ٣. قال الحسن معناه تزايد خيره وتكاثر عطاؤه، وذلك لأنه مأخوذ من البركة لمجمع الماء ولذلك قالوا: معناه دام لدوام الماء فيها عند كبرياء «الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ» الفارق بين الحق والباطل ولفظه يدل على الكثير، لأنه مصدر فرق فرقا، وهذا فرقان، وزيادة المبني تدلّ غالبا على زيادة المعنى، والفرق الفصل بين الشيئين بما يدركهما البصر أو البصيرة وقيل إذا كان بين الأجسام يقال تفريق، وإذا كان بين المعاني يقال فرق. والمراد به القرآن العظيم بدليل قوله جل علاه «عَلى عَبْدِهِ» محمد ﷺ ، وهو أحب أسمائه إليه ولهذا كرره في سورة الكهف وفي الآية ٣٦ من سورة الزمر في ج ٢ وفي الآية ١٠ من سورة الحديد والآية ٢٣ من البقرة والآية ٤١ من الأنفال في ج ٣ وفي الآية ١٠ من سورة النجم والآية ١٩ من سورة الجن المارتين. وقد
стр. 547
أضيف إلى ضمير المتكلم والغائب وإلى اسم الكريم إضافة تشريف، ولا شك أن العبودية أفضل من العبادة لبقائها في الآخرة، وإنما أنزلنا على عبدنا هذا القرآن «لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً» ١ محظرا ومخوفا وزاجرا ومحذرا من سوء العاقبة لمن لم يؤمن به في العالمين أجمع أحمرهم وأخضرهم، أسودهم وأبيضهم، إنسهم وجنهم، لان أل فيه للجنس، فيعم جميع أفراده، وفيها دليل قاطع لا يحتمل التأويل على أن محمدا ﷺ مرسل برسالة عامة للخلق كافة خلافا لما يقوله من لا ثقة به من أن رسالته خاصة بالعرب. وقد بينا ما يتعلق بهذا في الآية ١٥٨ من سورة الأعراف وله صلة في تفسير الآية ٢٨ من سورة سبأ في ج ٢، وتدل هذه الآية صراحة على أنه مرسل لجميع الناس على اختلاف مللهم ونحلهم. وقرأ ابن الزبير للعالمين بالتثنية، يريد الإنس والجن وقراءتها بالجمع أحسن، وعليها المصاحف. وفي تقديم الجار والمجرور على المتعلق تشويق للسامع بانتظار ما بعده، ومراعاة لفواصل الآي، لأن أكثرها جاءت على نسق واحد في هذه السورة كالإسراء وطه ومريم الآتيات والقمر والمرسلات المارتين وسورة الرحمن والإنسان في ج ٢. ثم وصف نفسه تعالت نفسه بقوله «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يتصرف فيهما وفيما بينهما وما فوقهما وتحتهما كما يريد ويختار، لا ينازعه فيها أحد إذ الكل تحت قبضته. واعلم أن لفظ الملك يطلق على الأرض، والملكوت على السماء، وما فيهما على الانفراد، وفي حالة الجمع كما في الآية ٧٥ من سورة الأنعام ج ٢ والآية ١٧٤ من سورة الأعراف المارّة، ويجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، راجع تفسير الآية ٨٩ من سورة الأنبياء في ج ٢ «وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» كما يقوله الظالمون لعدم حاجته إليه «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» يعاونه على تدبيره أو لا يعاونه، لأنه العظيم المدبر له وحده الجليل المنفرد في أمره الرحيم المستقل بشؤونه. وفيها ردّ على من يقول من العرب واليهود والنصارى بأن الملائكة وعزير والمسيح أبناؤه، وعلى التنويه القائلين بتعدد الآلهة وبأن خالق النور غير خالق الظلمة، وخالق الخير غير خالق الشر، تعالى الله في ذلك وتنزه
стр. 548
«وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ» من المكونات الأرضية والسماوية «فَقَدَّرَهُ» هيأه لما يصلح إليه، وما يليق به وما يكون منه «تَقْدِيراً» ٢ بديعا لا يبلغ كنهه أحد سبحانه خلق ووفق وسوى وهيأ لكل حيوان وشيء ما يناسبه ويحتاجه وقدر سائر مخلوقاته، وأحسن كل شيء خلقه، وهداه لما يحتاجه ويسر له ما يلزم، فهيأ للإنسان الفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور المعاش والمعاد واستنباط الصنايع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة، وجعل له فكرا واسعا كلما استعمله انصقل وازداد في المعارف الكونية، وهكذا سائر مخلوقاته يسرها لمنافعها
، وسهل عليها ما تحتاجه «وَاتَّخَذُوا» مع هذا كله «مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» من الجماد والحيوان ومما صنعته أيديهم «لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً» البتة إنسانا ولا حيوانا ولا جمادا «وَهُمْ يُخْلَقُونَ» من قبل عبدتهم لأنهم ينحتونها ويصوغونها ويصورونها وينجزونها بأيديهم وهم مخلوقون بخلقنا، قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩١ من الصافات الآتية «وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» فعجزهم عن نفع وضر غيرهم من باب أولى، لأن من لا يستطيع أن يحفظ نفسه فكيف يدافع عن غيره «وَلا يَمْلِكُونَ» كرره تأكيدا لبيان عجزهم وضعفهم «مَوْتاً» لأحد في الدنيا لأنهم ميتون فيها «وَلا حَياةً» لمن يموت في الدنيا «وَلا نُشُوراً» ٣ في الآخرة ليحيوا فيها حياة دائمة في الجنة، فالإله الذي يستحق العبادة هو من يقدر على أن يميت في الدنيا، ويحيي في الآخرة من يميته، وينعمه بالجنة إذا كان صالحا، ويعذبه بالنار إذا كان كافرا، فالذي لا يقدر على شيء من هذا كالآلهة المتخذة، يجب أن تهان وتداس لأنها لا ترضي ولا تخشى، فكيف يليق أن تكون آلهة فأعرضوا أيها الناس عن هذه الأوثان، واعبدوا الإله القادر على كل شيء الفعال لما يريد، مالك الملك والملكوت، المنصرف به إيجادا وإعداما، النافع الضار، المحيي المميت الذي يؤمل خيره ويخشى ضره ويحذر شره «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ» ما «هَذا» الذي يتلوه عليكم محمد ويحسنه لكم ويرغبكم فيه ويأمركم باتباعه على أنه كلام الله ما هو «إِلَّا إِفْكٌ» كذب محض «افْتَراهُ» اختلقه من تلقاء نفسه واخترعه من تصوراته
стр. 549
وليس كما يزعم أنه كلام الله أنزله عليه، كلا وإنما زوره هو «وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ» يعنون عدّاسا وعايشا مولى حويطب بن عبد العزّى ويسار مولى العلاء ابن الحضرمي وجبر مولى عامر، لأنهم من أهل الكتاب يحسنون قراءة التوراة والإنجيل والزّبور، وكان ﷺ يتعاهدهم رأفة بهم، لا أنه يتعلم منهم، فهم أعجز من أن ينطقوا بآية من القرآن لأنهم أعاجم، وقال المبرد عنوا جماعة من المؤمنين، لأن لفظ آخر لا يكون إلا من جنس الأول، وقد غفل عن أن الاشتراك في الوصف غير لازم، ألا يرى قوله تعالى (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ) الآية ١٣ من سورة آل عمران في ج ٣، فإن الأخرى فيها ليست من جنس الأولى من حيث الوصف، مما يدل على أن اللزوم الذي ذكره غير لازم كلزوميات المعرّي إذ سماها لزوم ما لا يلزم، وذلك أنه ألزم على نفسه فيها أن يكون حرف الرويّ وما قبله من جنس واحد من كل ما نظمه هناك، وهو غير لازم في أصول الشعر. وما قيل إن المراد بهم اليهود فغير صحيح، لأن اليهود لم يجالسوا الرسول في مكة، وكل ما وقع منهم معه في المدينة وهذه السورة مكية عدا الآيات المستثنيات الآتية وهذه ليست منها، وقال جل المفسرين إنها نزلت في النضر بن الحارث بن عبد الدار وجماعته رؤوس الكفر القائلين إن هذا القرآن ليس من عند الله وإنما هو من نفس محمد وأعوانه، فأكذبهم الله بقوله «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً» لجعلهم العربي الفصيح يتلقن من الرومي والبربري، وكلام الله أعجز البلغاء بيانه وأفحم العقلاء معناه، وهؤلاء لا يقدرون على فهمه فضلا عن تعليمه فما جاءوا به تعسفا «وَزُوراً» ٤ لاتهامهم حضرة الرسول بنسبه ما هو بريء منه، كما هو منزه عما وصموه به من السحر والكهانة وشبهها في آيات أخرى «وَقالُوا» أيضا ما هذا القرآن إلا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» خرافاتهم «اكْتَتَبَها» عن غيره «فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» ٥ صباح ماء ليحفظها خفية قبل أن ينتشر خبرها بين الناس، وبعد انتهائه من كتابتها صار يتلوها علينا ويقول إن الله أوحاها إليه. واعلم أن هذه وأشباهها مما فيها لفظ أساطير الأولين
стр. 550
قد قال فيها ابن عباس إنها من جملة ثمان آيات في معناها، نزلت في النظر المذكور أعلاه ويراد بها أخبارهم البالية غير المخطوطة المحققة، كما تقول الآن عند ما تسمع حكاية غير معقولة هذه خرافة وإسرائيلية، أي لا قيمة لها لعدم الجزم بصحتها لانها لم تنقل عن حديث صحيح وسند حسن، ولهذا أمره الله بأن يردّ عليهم بقوله عز قوله «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ» كل أمر خفي عن القلب فضلا عن غيره مما هو «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»
ومما تسرونه أنتم وليس كما تزعمون وتقولون «إِنَّهُ كانَ غَفُوراً» دائم المغفرة أزلا وأبدا «رَحِيماً» ٦ مستمر الرحمة لعباده لا يعجل العقوبة ويمهل عباده علهم يتوبوا ويرجعوا، ولا يهمل من بصر على كفره، وأحب شيء إليه رجوع عبده إليه، فقد جاء عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الله أشدّ فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) - رواه الشيخان والترمذي-. أما الذي لا يتوب ومات على كفره فقد أعد له من العذاب ما لا تقواه قواه، والمعنى أن الذي أتلوه عليكم أيها الناس هو كلام الله، فمن اتبعه أوصله إلى الجنة، ومن كفر به أدى به كفره إلى النار، فآمنوا به لعلكم تفوزون في الدنيا والآخرة «وَقالُوا» أيضا مدعمين أقوالهم الواهية المارة بما هو أوهى منها وهو «مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ» كما نأكل «وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» كما نمشي يبتغي الرزق مثلنا فمن كان رسولا يجب ان يكون ملكالا بشرا مثلنا يأكل ويتطلب الرزق ويحتاج إلى البشر «لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ» ردا له إذا لم يكن هو ملكا، وهذا على زعمهم أنهم نزلوا إلى درجة أدنى مما قبلها والحال أنها أكبر «فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» ٧ للبشر ليصدقه في قوله ويقويه في أمره ثم تنزلوا إلى ما هو أدنى أيضا بوهمهم فقالوا أو يلقى إليه كنز من السماء يكتفي به عن السعي كآحاد الناس إذ لا يليق بمن يدعي هذه الدعوة أن
стр. 551
يساوي الناس، بل يجب أن يتنزه عن مضاهاتهم في المأكل والمشرب والملبس والعمل، ثم تنزلوا عما هو أقل من ذلك كله «أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها» على الأقل فيسدّ بها حاجته ويمتاز بها عما من شأن الغير وهم يعلمون أنه ما احتاج قط إلى غيره منذ نشأته بينهم إلا لربّه «وَقالَ الظَّالِمُونَ» وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم في قولهم «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» ٨ مخدوعا مجنونا وقد وصموه بهذا بعد أن وصموه بالشعر والكهانة ووصموا كلام الله بأنه مفترى، وأنه من أساطير الأولين، وانه تعلمه من الغير وانه مملى عليه، إلى غير ذلك.
مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول .
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البحتري والأسود ابن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية ابن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابني الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه إذا لم يقبل منكم ما تعرضو عليه من الأمر، فبعثوا إليه ان أشراف قومك اجتمعوا ليكلموك فاحضر، فجاء ولما استقر به المقام، قالوا يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعتذر منك، فان كنت إنما جئت بهذا الأمر تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا وإن كنت تطلب الشرف نسوّدك بأن نجعلك سيدا علينا، وان كنت تريد الملك أيضا ملكناك علينا، فقال ﷺ : ما لي مما تقولون ما جئنكم بما جئنكم أطلب أموالكم أو الشرف فيكم أو الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولا إليه وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا بجنته ورضاه إن أطعتم، ونذيرا من سخطه وعذابه إن أبيتم، وإني بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئنكم به فهو حظكم بالدنيا والآخرة، وان تردّوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه
стр. 552
عليك فاسأل لنفسك ربّك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، أو سله أن يجعل لك كنزا أو جنة تغنيك عما تبتغي حتى نعرف فضلك لديه، ومنزلتك عنده، إن كان ما تزعمه صحيحا، لأنه لا يجدر بك وأنت على دعوتك هذه أن تمشي بالأسواق وتلتمس المعاش مثلنا فقال ﷺ : ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه، وما بعثت إليكم بهذا، وما أنا إلا بشر مثلكم. فتفروا منه وقالوا ما قالوا قال تعالى «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ» التي لا علاقه لها بالرسالة ولا فائدة لهم بها فضلا عن أنها غير معقولة «فَضَلُّوا» بها طريق الهدى ومنهج الصواب «فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» ٩ يخرجون منه لضعف حجتهم، ولا يقدرون أن يستدلّوا بدليل على ما قالوه وان ما وصموك به لا حجه لهم به ولا برهان كما انهم لا طريق لهم للرشد فلا يؤمنوا بما انزل إليك ولا يقدرون على مباراتك، وإنا نعلم قولهم هذا كما نعلم جوابك لهم القاطع لقلوبهم قبل أن تقوله لهم «تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ» يا سيد الرسل «خَيْراً مِنْ ذلِكَ» الذي عرضه عليك قومك وخيرا مما اقترحوه عليك وكلفوك بقبوله «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» دائمة مستمرة في جنان الدنيا والآخرة، لا جنة فانية مثل جنان هذه الدار «وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً» ١٠ بديعة من صنعه لا من صنع خلقه، عظيمة يعجز عن إنشاء مثلها البشر أجمع مثل قصور الآخرة، وهو قادر على أن يجعل لك ذلك كله في الدنيا، ولكن لا يريده لك فيها، بل إنه هيأها لك، خبأها للدار الآخرة، وذلك لعلمه جل علمه أنه ﷺ غير ميّال إلى الدنيا وزخارفها، لذلك قال إن شاء، وإلا لكونها له حال سؤالهم له. يدل على هذا ما جاء عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك. وجاء عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : لو شئت «ما كلفني به ربي» لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك ان حجزته تساوي الكعبة «مقعد
стр. 553
إزاره أو موضع التكة في السروال وهو كناية عن عظمته لأنه إذا كان ذلك منه يساوي الكعبة فكيف بجثته؟ وهو بضم الحاء وسكون الجيم وفتح الزاي أو بفتحها معناه الظلمة أو الذين يحولون دون المتنازعين يمنعون التعدي «ويفصلون بينهم بالحق» فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام وبقول إن شئت نبيّا عبدا وإن شئت نبيّا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأشار إليّ أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، قال فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئا، يقول أنا عبد آكل
كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد. ذكر هذين الحديثين البغوي في سنده
قال تعالى «بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ» وهي حق ثابت وقد جحدوها وهذا أعظم مما وصموك به لأنه ليس بشيء بالنسبة لانكار وجود القيامة وإعادة الأجساد إلى ما كانت عليه، وعليه فان ما قالوه لك ليس بعجيب، لاتيانهم بأعجب منه وهو جحودهم الآخرة التي أمرناك أن تهددهم بها «وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» ١١ لأن تكذيبك بها تكذيب لنا قال تعالى «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الآية ٣٠ من سورة الأنعام في ج ٢ وقد هيّأنا لهم هذه النار التي لا تنطفيء لبعد مداها وكثرة وقودها بأمثالهم «إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» بمرأى الناظرين أمثالنا ولا يقال كيف تراهم وهي ليست من أصحاب الرؤية لان الذي سعرها قادر على خلق الرؤية فيها فتراهم من مسيرة أعوام، لأنها تشرف لأهلها، أو ان رأتهم بمعنى قابلتهم فتكون بمرأى منهم وإذا رأوها فكأنها رأتهم، قال تعالى «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ» الآية ٩١ من سورة الشعراء الآتية والمعنى أنها لا تخفى على أحد وقريء تراهم أي زبانيتها ولا مندوحة فيه «سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» ١٢ غليانا شديدا وصوتا من تلهبها غير صوت تغيظها من توقدها يشبه الغليان بالغيظ بجامع علو الصوت في كل لأن الغضبان يرتفع صوته لحرارة الغضب في جوفه والغليان له صوت يسمع أيضا لحرارة النار والزفير خروج النفس بشدة، ضد الشهيق الذي هو نزوله بشدة أيضا قال عبيد بن عمير تزخر جهنم يوم القيامة زخرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل
стр. 554
إلا خرّ على وجهه لهول ما يسمع ويرى فيا ويل أهلها، ويا سعادة من زحزح عنها اللهم أجرنا منها وأبعدنا عنها «وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً» شديدا لعذابهم إذ فيها مواقع ضيقة وأخرى واسعة ومتوسطة ولكل منها ناس «مُقَرَّنِينَ» بالسلاسل مصفدين بالحديد بجوامع تجمع بين أيديهم وأعناقهم قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزج بالرمح، والكرب مع الضيق أشد منه مع السعة كما أن الروح مع السّعة أروح منه مع الضيق «دَعَوْا هُنالِكَ» في ذلك المكان الضيق الهائل منها تمنوا أن يصيبهم «ثُبُوراً» ١٣ هلاكا قاضيا عليهم ليتخلصوا مما هم فيه وأشد من الموت ما يتمنى معه الموت، وأول بعض المفسرين دعوا ينادوا، أي قالوا يا هلاكاه والأول أولى. أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على صاحبه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم، حتى يقف على النار فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، وفي بعض الروايات: أول من يقول ذلك إبليس، ثم يتبعه أتباعه.
وظاهره شمول الاتباع كفرة الإنس والجن.
مطلب لمعة من أسباب النزول:
قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي جهل خاصة مع ان هذا الحديث يفيد أنها في إبليس وأتباعه ولا يخفى أن الآية عامة فدخل فيها إبليس وأبو جهل وأتباعهما وغيرهم ممن قدر عليه ان يعذب فيها فلا تختص فيمن نزلت فيهم إذ لم يوجد ما يقيدها أو يخصصها في أبي جهل أو إبليس أو غيرهما ويعلم أن جل الأقوال الواردة في أسباب النزول منشأوها موافقة الآية، لمن جعلوها نازلة فيه أو تلاوتها عند ما يناسبها، وان مطلق التلاوة لمطلق سبب مناسب للآية لا يكون سبب النزول كما ان الموافقة لا تكون مدارا للتخصيص، وإنما المخصص هو منزل الآيات، فما وجدنا فيها صريحا في ذلك أو صريحا من قول المنزل عليه صرفناه إليه، وإلا لا لأن غالب كلام الله عام والماضي منه قليل، وذلك لأن القرآن العظيم لم يخص الله
стр. 555
تعالى به زمن الرسول ﷺ فقط بل عام لكل الأزمان وموافق لكل العصور ومطابق لجميع الدهور، بخلاف الكتب المتقدمة لأن لها حدا بنزول ما بعدها غالبا، والقرآن خاتمه الكتب الإلهية، وقد أنزل على خاتم النبيين، فهو صالح لكل أوان لآخر الدوران، جعلنا الله من المتمسكين به العالمين بما فيه المنتفعين بأوامره ونواهيه قال تعالى «لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً» من هول النار وكنتم تجحدونها «وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً» ١٤ لا غاية له فليس بنافع دعاؤكم اليوم لأنكم لم تنتفعوا بدعاء الرسل أمس قال تعالى «فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» الآية ٥٠ من سورة المؤمن فيا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء الذين لا ينظرون عاقبة أمرهم «ذلِكَ» المذكور في العذاب الموصوف بالسعير الموعود به المكذبون «خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» بها المصدقون بما جاءكم به رسلهم من الله «كانَتْ لَهُمْ» بمقابل تصديقهم الرسل وامتثالهم أوامرهم «جَزاءً وَمَصِيراً» ١٥ لهم الآن في الآخرة، وجاء بلفظ الماضي بدل المضارع المناسب الإخبار بالمستقبل لتحققه، لأن وعد الرسل من وعد الله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) الآيتين ٨٧ و ١٢٢ من سورة النساء في ج ٣ (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) الآية ١١١ من سورة التوبة «لَهُمْ» أي أولئك المنقون «فِيها ما يَشاؤُنَ» مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين من كل ما يخطر بالبال في الآخرة، لأن بالهم الدنيوي بعيد عن تلك الخطرات الأخروية لأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخطرات الآخرة غير خطرات الدنيا وبينهما ما بينهما «خالِدِينَ» في نعيمها دائمين دائبين إذ لو انقطع لكان مشوبا بشيء من الغم والآخرة لا غم فيها لأنه غير منقطع، قال:
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقد «كانَ» وجود ما يريدونه فيها «عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا» ١٦ عنه للطائعين الذين كانوا يقولون في الدنيا (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) الآية ١٩٤ من آل عمران والاستفهام في صدر الآية المفسرة تقريري يفهم جوابه من المقام لأن
стр. 556
انعدام الأخيرية في النار معلوم، والقصد توبيخ الكفرة المقصودين بالآية السابقة وأمثالهم وتقريعهم على ما هم متلبسون به، قال تعالى «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» كالملائكة وعيسى بن مريم وعزير ﵈ والإنس والجن والأوثان والشمس والقمر والكواكب والحيوان.
مطلب استعمال من لمن لا يعقل وما لمن يعقل وبراءة المعبودين من العابدين:
ذلك لأن لفظ (ما) هنا يتناول العقلاء وغيرهم باعتبار الوصف، وفي كل محل يراد بها الوصف لا تخص بالعقلاء، وقد تأتي على قلّة فيهم كما تأتي من على قلّة في غير العقلاء، راجع آية السجدة من سورة النحل، والآية ٥٣ من سورة يوسف في ج ٢، وآية السجدة من سورة الحج في ٣، كما سنبينه في تفسير هذه الآيات إن شاء الله، لذلك كان المراد في هذه الآية نحشرهم ومعبوديهم جميعا بدليل قوله تعالى (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) الآية ٤٠ من سورة سبأ في ج ٢، وقوله تعالى (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ) الآية ١١٦ من سورة المائدة في ج ٣، وقوله تعالى (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) الآية ١٢ من سورة إبراهيم في ج ٢، وقوله تعالى أيضا «فَيَقُولُ» الله للمعبودين كلهم، لأن إطلاق الآية يفيده «أَأَنْتُمْ» غلب العقلاء بخطابه على غيرهم. وقد سبق أن ذكرنا أن الله تعالى ينزل في بعض خطابه ما لا يعقل منزلة من يعقل، وقد يجعله عاقلا لفهم مراده، وهو القادر على أكثر من ذلك، راجع الآية ٦٥ من سورة يس المارة «أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ» في الدنيا يفيد هذا الخطاب الجليل والإشارة العظيمة أنه عزت قدرته جعل المعبودين صفّا والعابدين صفّا مقابلا ليسمع كل منهم خطاب الآخر وخطاب ربه عند مقابلتهم بعضهم ببعض، أي أأنتم دعوتم هؤلاء لعبادتكم «أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ» بأنفسهم لإعراضهم عن الذين أرسلناهم لإرشادهم فلم يسلكوا طريقهم لعدم استعمالهم النظر الثاقب في ملوكيتنا والفكر الصحيح في عبادتنا «قالُوا» المعبودون، وهو أعلم بما يقولون وإنما السؤال والجواب عبارة عن التبكيت بهم
стр. 557
وإطلاع الأمم على ما سيقع منهم، فابتدءوا بالتنزيه لحضرته المقدسة قائلين «سُبْحانَكَ» أن يكون معك آلهة أو أن يدعى غيرك أو يعبد أحد دونك كيف وأنت يا ربنا إله الكل، وكيف يجدر بالعاجزين أمثالنا ادعاء الربوبية القاهرة لكل شيء ونحن من جملة المقهورين لربوبيتك وعزتك يا ربنا «ما كانَ يَنْبَغِي لَنا» أن نجرا على ذلك ولا على «أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ» فكيف ندعو الغير إلى ولاية غيرك ونحن عبيدك المخلصون وكيف نأمرهم بعبادتنا أو نحملهم على أن يتولوا أحدا غيرك من دونك «وَلكِنْ» يا مولانا هؤلاء هم الغافلون بطبيعتهم لأنك يا ربنا «مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ» من قبلهم بالنعم وطول العمر على ما هم عليه من الجحود والكفر «حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ» وغفلوا عن الإيمان بذكرك ولم ينتبهوا إلى من ذكرهم به من المرشدين وظنوا أن ما هم عليه حسن، فتشبثوا به ولم يقلعوا عنه «وَكانُوا» في ذلك «قَوْماً بُوراً» ١٧ بائرين جمع بائر مثل عائدين جمع عائد، وأولوه بمعنى هالك، أي أنهم هلكوا إذ غلب عليهم الخذلان، وذلك أن بورا مصدر وصف به الفاعل مبالغة فينوى فيه الواحد والجمع قال:
فلا تكفروا ما قد ضنعنا إليكم ... وكافوا به فالكفر بور لصانعه
وقال ابن الزبيدي:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
ثم يقول تعالى للعابدين بعد أن أسمعهم قول معبوديهم على زعمهم مواجهة انظروا «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ» من زعم هؤلاء أنهم آلهة وأنهم دعوكم في الدنيا لعبادتهم فما تقولون؟ وهذا زيادة في التقريع والتوبيخ فيصمتون، ثم يخاطبهم الله تعالى بقوله «فَما تَسْتَطِيعُونَ» الآن «صَرْفاً» أي دفع العذاب عنكم بوجه من الوجوه كما يقتضيه التنكير، أي لا بالذات ولا بالواسطة «وَلا نَصْراً» ١٨ لكم ولا عونا من أحد، أي لا أنتم ولا الذين اتخذتموهم آلهة، فكلاكما بالضعف والعجز سواء، وقرىء بالياء، وعليه يكون المعنى فما يقدرون هؤلاء الذين عبدتموهم في الدنيا بصورة من الصور ولا بنوع من الأنواع، دفع العذاب عنكم بأنفسهم
стр. 558
وليس لهم أعوان بذلك، فهم عاجزون أنفسهم وغيرهم أعجز، ثم التفت جل شأنه بخطابه إلى كافة المكلفين فقال «وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ» نفسه أيها الناس فيشرك به «نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً» ١٩ على شركه، لأن يظلم هنا بمعنى يشرك لذلك عظم عذابه، إذ لا يكون العذاب الكبير إلا على الشرك، لأن مطلق الظلم لا يستوجب ذلك، وقد سمى الله الشرك ظلما بقوله (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية ١٢ من سورة لقمان في ج ٢، ولأن من الظلم ما هو كبيرة يفسق بها مرتكبه، والفاسق لدى أهل السنة والجماعة لا يخلد بالنار، والمراد بقوله تعالى كبيرا أي مخلدا فيصرف هنا بسبب هذا القيد إلى الشرك، ولا قيمة لقول من يقول إن مرتكب الكبيرة يخلد في النار لمخالفته إجماع الأمة وما عليه عقائدهم، قال صاحب الشيبانية:
ولا تبصر في نار الجحيم موحدا ... ولو قتل النفس الحرام تعمدا
أي دون استحلال لأنه به يكفر فيخلد إذا لم يتب. وسيأتي لهذا البحث صلة في تفسير الآية ٧٢ من سورة مريم الآتية، ثم التفت جلت عظمته إلى حبيبه ﷺ ليسليه عما قلوه فيه «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ» مثلك لأن هذا من شأن البشر فلا مبرر لهم أن يعيروك فيه لانك لم تدع غير البشر به كي يتوجه إليك قولهم.
ولأن جميع الرسل قبلك كان هذا شأنهم ولك بهم أسوة، وبما أن ذلك كان عادة مطردة مستمرة لا يستغنى عنها البشر فليست محلا للطعن، وهذا الخطاب وان كان موجها لحضرة الرسول إلا أنه جاء بمعرض الرد لقومة فكأنه قال قل لهم هكذا ولا تلتفت إلى تقولهم «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً» بلاء ومحنة واختبارا وامتحانا، قالوا نزلت هذه الآية في ابتلاء الشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم رأي الوضيع أسلم قبله فيقدم عليه بالإسلام فيأنف عن الإسلام محتجّا بسابقته والفضل له عليه، فيصر على كفره، ولم يعلم أن التفضيل يكون بالأعمال الصالحة والآداب الكاملة، لا بمطلق الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض، وقال غير واحد إنها نزلت في الذين عيّروا حضرة الرسول
стр. 559
بالفقر تسلية له، كالآية قبلها إذ نزلت في الذين عيّروه بالأكل والمشي «أَتَصْبِرُونَ» على هذه الحالة أيها المؤمنون من التعيير بالفقر وغيره، وعلى الأذى الواقع بكم من الكفرة والشدة التي أنتم فيها أم لا؟ وفي هذا الاستفهام معنى التهديد على عدم الصبر كما لا يخفى، فاصبروا على هذا كله ليزداد أجركم وتقوى عزيمتكم، وإلا فيزداد همكم وحزنكم. هذا على جعل الخطاب للمؤمنين كافة، أما إذا كان لحضرة الرسول فقط فيكون الخطاب على جهة التعظيم، لأنه جاء بلفظ الجمع وهو أولى بمن يعظمه ربه، ويكون المعنى: جعلتك يا محمد فقيرا تحتاج إلى طلب الرزق في الأسواق كغيرك من البشر فتنة لقومك المعاندين، لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان أو كان معك ملك لانقادت الناس إليك عفوا وأطاعتك قسرا طلبا لما عندك في الدنيا أو خوفا من القوة، لا طاعة خالصة لنا ولا خوفا من عذابنا وطمعا برحمتنا، ويجوز أن يكون ذلك الافتتان علة للجعل، أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع لنختبركم على حد قوله تعالى «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» الآية ٢ من سورة الملك في ج ٢، وعلى كل فالمعنى أخبروني عن اختياركم الصبر أم الضجر، وهو خبير بما يقولون ويكنّون بدلالة قوله «وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً» ٢٠، بك وبهم عالما بالصابر والجازع فلا يضيق صدرك يا سيد الرسل بما يقولون ولا تعبا بهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من دونه في المال والجسم.
هذا لفظ البخاري، لمسلم: انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعم الله عليكم. وفي تكرير لفظ المال والجسم في رواية البخاري إشارة إلى أنه يطلب من الناس النظر إلى من هو فوقهم في الدين والتقوى وهو كذلك
قال تعالى «وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» في الآخرة لأنهم ينكرون البعث أي يخافون بلغة تهامه وهي أيضا من لغة هذيل وهذا الفعل إذا كان مع الرجاء جحد، أي نفي ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون فلان لا يرجو ربه أي لا يخافه ففية معنى الجحد ومنه قوله تعالى «ما لَكُمْ لا
стр. 560
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً»
الآية ٤٤ من سورة نوح وإذا قالوا فلان يرجو ربه فليس فيه معنى الجحد ويكون معناه يسأله ضد يأس ويجوز هنا أن يكون بمعنى لا يتوقعون ولا يعتقدون وجود الآخرة التي فيها لقاء الله والحساب والعقاب على ما كان منهم في الدنيا وهو أولى «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» فتخبرنا بصدق محمد «أَوْ نَرى رَبَّنا» عيانا فيخبرنا بذلك لآمنا بهذا الرسول وصدقناه قال تعالى مستعظما عليهم قولهم «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» هؤلاء الكفرة وعدوها كبيرة بأعينهم وعظموا شأنهم في هذا القول العظيم والله أجل وهم أحقر من أن ينزل عليهم ملائكته أو يكلمهم أو يرونه فقد فسقوا بقولهم هذا «وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً» ٢١ فتجاوزوا الحد في مقالهم هذا. ولام لقد واقعة في جواب قسم محذوف، أي وعزتي وجلالي لقد رأى هؤلاء الكفرة أنفسهم كبيرة حتى جرأوا على قولهم هذا، يا سيد الرسل قل لهؤلاء المنحطّين «يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ» لا يستطيعون التكلم معهم لأنهم لا يرونهم إلا عند الموت الذي فيه صك أسنانهم، وعند البعث في الآخرة وفيه تذهل عقولهم، مما يلاقونه من الهول «لا بُشْرى» في هذين الوقتين «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» بل لهم الخزي والخوف والذّل والهوان، وفي هذا القيد بشارة للمؤمنين بالفرح والأمان، لأن الملائكة عند الموت وفي البعث تبشرهم بما لهم عند الله من الكرامة، فيهون عليهم الأمر فيهما، كما تقول الكفار لا بشرى لكم بل الويل والثبور، فيزيد ذعرهم. يدل على هذا قوله تعالى «وَيَقُولُونَ» لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» ٢٢ أي أنتم ممنوعون من بشارة الخير منعا باتا أيها الكفرة. قال ابن عباس حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومعنى الحجر المنع، وكانت العرب إذا نزل بهم شدة أو كرب أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فهم أيضا يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة لأنهم يكرهونهم، لعلمهم أنهم يوقعون بهم العذاب الشديد الدائم قال المتلمس:
حنّت إلى النحلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس
стр. 561
أي الدواهي لأنهم يستعملون هذه الكلمة بمعنى الحرمان إذا سألهم سائل ويقولونه بمعنى الاستعاذة وعند رؤية ما يخاف منه، أي حرام عليك التعرض وقرىء بفتح الحاء وهو الأصل في اللغة إلا أنهم لما خصوه بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول عن معناه الأصلي وهو المنع، ولما تغير لفظه عما هو عليه، فنقل من الفتح إلى الكسر. وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك بضم الحاء، وكل منها جائزة على المعنى المؤدية له.
مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:
قال تعالى «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ» عظيم عندهم كانوا يرجون ثوابه في الدنيا كصلة رحم، وإقراء ضيف، وإغاثة ملهوف، ورد ظالم ومظالم، ورحمة فقير، ولطف بحقير، واطلاق الأسير دون فدية منّا، وما ضاهاها من الأعمال الحسنة التي جبل عليها العرب قبل الإسلام وازدادت به شرفا ونفوذا على غيرها حسا ومعنى «فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً» ٢٣ ذرا متفرقا بالهواء وهذا كناية عن بطلان ثواب أعمالهم وعدم مكافأتهم عليها مهما كانت طيبة حسنة كثيرة، لأنهم عملوها حال كفرهم مشوبة بالسمعة والرياء والفخر والأنانية ولم تكن حالة الإيمان لتكون خالصة لله تعالى، والله طيب لا يقبل إلا الطيب المخلص من الطيب المخلص، وأصل الهباء ما يرى في الظل فهو شيء وليس بشيء وقد سبقه صدقة الكافر به، لأنها من حيث الحسّ صدقة وعمل صالح محمود، ومن حيث المعنى لا ثواب لها، فكأنها لم تكن، وهكذا كل شيء لم يبتغ به وجه الله، قال ﷺ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ. ولكن الله الكريم الذي لا يضيع عمل عامل كما جاء في الآية ١٩٥ من آل عمران في ج ٢ الذي تعهد بالمكافأة على الذرة كما يأتي في سورة الزلزلة في ج ٣ قد كافأهم على أعمالهم المذكورة في الدنيا بإطالة أعمارهم وسعة رزقهم ومعافاتهم حتى يلقونه وليس لهم عنده حسنة يرجون ثوابها، كما أن المؤمنين يمحو الله سيئاتهم بمقابل تحملهم الفقر والمرض والذلة في الدنيا حتى يلقوا الله، وليس عليهم سيئة يعاقبون عليها، وله الحمد هذا ما مر لك أيها القارئ الكريم من حال
стр. 562
أهل النار، أجارنا الله منها أمّا «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ» يوم يكون ما يكون من الشر للكافرين في الآخرة فيكون مستقرهم الذي يأوون إليه لتناول ملاذهم، فيقولون إنه «خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا» وأشرف مقرا هذا المكان، فيقيلون به للاستراحة من الراحة لا عن تعب ونصب لأن الجنة لا شيء فيها من ذلك «وَأَحْسَنُ مَقِيلًا» ٢٤ ذلك المكان العالي الشان في تلك الجنان، والقيلولة النوم وسط النهار أو الاضطجاع للراحة نام أو لم ينم، والكلام مسوق لبيان راحتهم على طريق التشبيه بأحوال الدنيا، وإلا فإن الجنة لا نوم فيها ولا تعب والأفضلية هنا للتقريع والتهكم لمن ذكر في الآية قبل من أهل النار كما في قوله تعالى (أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) الآية ١٥ المارة إذ لا يتصور أن يقال نزل أهل الجنة خير من نزل أهل النار، كما لا يقال العسل أحلى أم الخل مثلا، وقد يكون لمطلق الزيادة قال تعالى «وَ» اذكر يا محمد لقومك وغيرهم «يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ» حقيقة كما هو المستفاد من ظاهر الآية، ولأنها تبدل بغيرها قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات الآية ١٨ من سورة إبراهيم في ج ٢ وقال بعض المفسرين يطلع منها سحاب فيظهر عليها فيتبين للرائي كأنها تنشق به، والأول أولى والله أعلم وأنسب بالنسبة لقوله «وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» ٢٥ من السماء إلى أرض الوقف ومن الملائكة حملة العرش، قال تعالى «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» الآية ١٢ من سورة الحاقة في ج ٢، مما يدل على انشقاق السماء حقيقة، قال ابن عباس تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا وكذلك حتى تشقق السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على التي قبلها، ثم تتنزّل الكروبيون، ثم حملة العرش، ومن بين الملائكة ملائكة يحملون صحائف أعمال العباد. وفي رواية عن ابن عباس ثم ينزل ربنا ﷻ في ظلل من الغمام قال تعالى «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» الآية ٢١٠ من سورة البقرة في ج ٣ ومما يدل على
стр. 563
هذا قوله جل قوله «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» أي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا، بحيث لا يزول أبدا ولا يغيب سرمدا هو ثابت «لِلرَّحْمنِ» وحده وهناك يزول ملك كل ملك ولا يبقى إلا ملك المالك الأعظم، فينادي المنادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيب أحد فيقول العظيم الجبار الجليل الغفار الستار «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» الآية ١٦ من سورة المؤمن في ج ٢ فيجيب نفسه بنفسه، وفي اتصافه تعالى بعنوان الرحمانية بشارة لمن مات مؤمنا به ونذارة بعدم
التّهوين على الكافر في قوله «وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً» ٢٦ شديدا عسره بالغا شره، وفيها إيذان بأنه يسير على المؤمنين، إذ خصّ عسره بالكافرين الذين لا تشملهم رحمته المتناهية في ذلك اليوم العظيم المنوه به بقوله «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» حسرة وندامة على ما فاته من عمل الخير في الدنيا لا أعظم منه لأنه يوم الحسرة، والموقف كله يوم واحد ولكنه بالنسبة لطوله ولاختلاف ما يقع فيه من الأهوال التي تشيب الوليد يعد أياما لكل عذاب يوم، ولكل مجادلة يوم، ولكل محاسبة يوم، وذلك تقديري على نسبة أيام الدنيا، وهذه الآية عامة في كل ظالم لنفسه في الدنيا بحرمانه من الإيمان بالله. وقد صرفه بعض المفسرين للظالم المعروف بالظلم الموبق به عقبة بن معيط خليل أمية بن خلف الذي كان أسلم أولا فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا. فارتدّ عن الإيمان، وتابعه على الكفر. وقد جاء بالآية معرفا لتخصيصه به ونزول هذه الآية فيه. ولكن تخصيصها لا يمنع عمومها لكل ظالم كما علمت من أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب «يَقُولُ» في ذلك اليوم العسير «يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ» في الدنيا «مَعَ الرَّسُولِ» محمد ﷺ «سَبِيلًا» ٢٧ إلى النجاة من هول هذا اليوم، ليتني اتبعته ومت مؤمنا على دينه، فأتخلص من هذا العذاب المحيط بي، ثم طفق يدعو على نفسه بقوله «يا وَيْلَتى» يا هلاكاه على ما سلف من ارتدادي إلى الكفر ومتابعة أمية بن خلف «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً» يريد أمية المذكور على خصوص الآية في عقبة المرتد، وعلى
стр. 564
إطلاقها تشمل كل ظالم ومضل كائنا من كان، لأن خصوص السبب لا يقيد الآيات «خَلِيلًا» ٢٨ مأخوذ من الخلة بضم الخاء بمعنى المودة لأنها تتخلل في النفس وتؤثر فيها تأثير السهم في الرميّة وتأثير الدم في العروق وعليه قوله:
تخللت مسلك الروح مني ... وبه سمي الخليل خليلا
ثم قال هذا الضال وعزتك يا رب «لَقَدْ أَضَلَّنِي» ذلك المضل «عَنِ الذِّكْرِ» قبول القرآن الذي هو ذكر الله وعن الإيمان به وبمن أنزل عليه «بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» من قبل رسولك واتبعته «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» ٢٩ يوقع من يطيعه في المهالك ثم يتبرأ منه، وهذا معنى الخذول لأنه يقول يوم القيامة لا تلوموني ولوموا أنفسكم الآية ٢٢ من سورة إبراهيم كما قال في الدنيا لمن خذلهم «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ» الآية ٤٨ من الأنفال في ج ٣ وقد سمي خليله شيطانا تشبيها بفعله بجامع الإغواء في كل أو انه نسب الجنوح إلى قول خليله إلى الشيطان إذ ينسب إليه كل فعل قبيح وهو المضل لخليله فكأنما أضله فعلا، وحكم هذه الآية عام في كل خليل أو حبيب اجتمعا في الدنيا على معصية الله فإنها تنقلب إلى عداوة وندامة وحسرة قال تعالى «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» الآية ٦٧ من الزخرف في ج ٢ فلينظر أحدكم أيها الناس من يخالل، فإنه يحشر معه، لأنه غالبا يكون على دينه، لأن هذا الذي نزلت فيه هذه الآية بعد أن دخل في الإسلام وتمكن به اغواه صاحبه حتى ردّه عنه فهلكا جميعا قال:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإذا كنت أيها العاقل لا تحب العزلة أو لا تقدر عليها فعليك بصحبة الصادقين، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» الآية ١٢٠ من سورة التوبة في ج ٣، ولبحث الصحبة صلة في تفسير الآية المذكورة آنفا من سورة الزخرف، فراجعها. «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ» وهذا من طريق بعث الشكوى من محمد ﷺ إلى مولاه على قومه اثر ما شاهد منهم من العتو والطغيان
стр. 565
والأعراض عن إجابة الدعوة ومقول القول «إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ» الذي أنزلته لخيرهم وصلاحهم وأمرتني أن آمرهم به وأنهاهم لمنفعتهم «مَهْجُوراً» ٣٠ متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون بهديه ولا ينظرون لرشده. ومعنى الهجر القول السيء، وذلك أنهم وصموه بالسحر والشعر والكهانة وخرافات الأولين، فجعلوه بمثابة الهجر، وفي هذه الآية تخويف لقريش لأن الأنبياء إذا شكوا أقوامهم إلى ربهم أو شك أن يحلّ بهم عذابه ويكدون أن لا يمهلوا
قال تعالى «وَكَذلِكَ» كما جعلنا لك يا محمد أعداء من قومك «جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ» أمثالهم، وهذا كالتسلية له ﷺ لئلا يكبر عليه ما جبهه به قومه وليصبر عليهم كما صبر أولئك الرسل على أقوامهم حتى يأتي وعد الله فيهم «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً» لعباده إلى ما خلقوا له «وَنَصِيراً» ٣١ لك عليهم. ثم ذكر جل شأنه نوعا آخر من أباطيل المشركين فقال «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ» الذي يدعي إنزاله عليه من ربه «جُمْلَةً واحِدَةً» كالتوراة والإنجيل والزبور المنزلة على من قبله «كَذلِكَ» كمثل ما أنزلنا على من قبلك الكتب جملة واحدة لأنهم يحسنون القراءة والكتابة فلا يعزب عنهم شيء منه ويسهل عليهم تلاوته، وبما أنك أمي فقد جمعنا لك الأمرين فأنزلناه أولا جملة واحدة من اللوح إلى بيت العزّة، ثم أنزلناه عليك مفرقا «لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» فنقرّه به أولا بأول لنعيه وتحفظه، لأنه نظم بديع عظيم، ولو لم نقو قلبك بقوة منا لما قدرت على حفظه لأن القوى البشرية لا تقوى على حفظه دفعة واحدة فضلا عن أنه يتلى عن ظهر الغيب بخلاف الكتب الأخرى فإنّها تتلى بالصحف وحتى الآن لا تجد من يستظهر الإنجيل أو التوراة، وهذا من معجزات القرآن إذ تجد الآلاف تستظهره فضلا عن أن الكتب القديمة لا تضاهيه ولا تحتوي على ما فيه وهو شامل لما كان ويكون مما فيها وفي غيرها من الصحف المنزلة على بقية الأنبياء ومما يحدث بعد إلى يوم القيامة وما يقع فيها من أحوال أهل الجنة والنار وما بعد ذلك، ولهذا ولكونك أمّيّا أنزلناه مفرّقا ليسهل عليك تلقيه وحفظه، وإن
следующие страницы →