Полный текст (3 362 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
يخرج الناس من أجداثهم مهرولين «يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ» الملك الذي يدعو الناس الى موقف الحشر فيسلكون وراءه طريقا «لا عِوَجَ لَهُ» فلا يزيغون عنه قيد شعرة يمينا ولا شمالا ولا يلوون على شيء أبدا تراهم كلهم سراعا مستوين «وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ» هناك وذلت الأنفس وخضعت الجوارح «لِلرَّحْمنِ» الذي وسعت رحمته من في السموات والأرض «فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً» ١٠٨ أصواتا دقيقة رقيقة في غاية الخفاء، وتراهم من شدة الفزع وهيبة الموقف قد سكنت أصواتهم وضعفت قوتهم «يَوْمَئِذٍ» في ذلك اليوم المهيب يلتمسون من يلوذون به ليشفع لهم ولكن «لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ» لأحد ما، من أحد ما «إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا» ١٠٩ بذلك فهذا الصنف الجليل يشفع بإذن الله لمن يأذن له بشفاعته فالذي يأذن هو الله الذي «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ» ما تقدم من أعمالهم الشافعين والمشفوع لهم وما تأخر وما استهلكوه في حياتهم وما خلفوه لاولادهم فانه جل وعلا يحاسبهم على ذلك كله لأنه محيط بهم كمحاسبة رجل واحد مثل طرف العين وهو عالم بما وقع منهم على الانفراد «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» ١١٠ أي لا يحيط علم الشافعين والمشفوع لهم بمعلومات الله الشاملة كما في الآية ٩٨ المارة
«وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» خضعت وذلت الخلق أجمع، وهذا من إطلاق الجزء وارادة الكل، ويسمى الأسير عانيا لذلته، ومعنى القيوم القائم على كل نفس بما كسبت في دنياها لأنه حيّ حياة أبدية لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه وهم سائرون تحت مراقبته في هذه الدنيا، ويوم القيامة يختص بالملك والقهر فتظهر إذ ذاك على الوجوه علائم السرور وإمارات الشرور «وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً» ١١١ في ذلك اليوم الذي يقول الله فيه على ملأ الأشهاد لمن الملك اليوم؟ فيسكت جميع الخلق ويحجبون حتى من التنفس فلا يستطيع أحد أن يحرك شفتيه، ثم يقول ملك الملوك عزّت قدرته وتعالت عظمته: لله الواحد القهار الآية ١٦ من سورة المؤمن في ج ٢ ويقول جل قوله «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» بالله
стр. 702
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في دار دنياه «فَلا يَخافُ ظُلْماً» من أحد ولا نقصا من ثوابه على عمله الصالح ولا زيادة في عقابه على عمله السيء «وَلا هَضْماً» ١١٢ لشيء مما يستحقه من الخير أو الحسن، بل يأخذه وافيا مضاعفا «وَكَذلِكَ» عطف على كذلك نقصّ أي كما أنزلنا على الرسل قبلك كتبا مقدسة «أَنْزَلْناهُ» هذا القرآن عليك وجعلناه «قُرْآناً عَرَبِيًّا» بلغتك ولغة قومك ليفهموه ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق البشر منزلا من ربهم «وَصَرَّفْنا» كررنا «فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ» بالأمور المخوفة كما كررنا فيه من الوعد بالأشياء المفرحة «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» الشرك ويجتنبون المحارم «أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً» ١١٣ يجدوا لهم ما يوقظهم من غفلتهم ويزيد في اعتبارهم عند سماع أسباب إهلاك من قبلهم اعتبارا يؤدي الى التقوى ويرغب في الطاعة والاقتصار على التمسك بما أحل لهم والسلوك الى توحيد الله «فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ» عما يقول الجاحدون علوا كبيرا، ثم التفت إلى رسوله ﷺ إذ علم وهو عالم من قبل أنه يبادر جبريل ﵇ حين يلقي اليه الوحي فيقرأه معه قبل أن يفرع من قراءته عليه لشدة حرصه على حفظه، وقال «وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ» حين انزاله عليك فتقرأه «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ» من قبل أميننا جبريل بل اصطبر حتى يفرغ من تلاوته عليك، ثم أقرأ أنت «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» ١١٤ به وفهما بمعانيه وحفظا بمبانيه، وذلك أن الله تعالى تكفل له بحفظه راجع الآية ٦٧ من سورة القيامة المارة والآية ١٠ من سورة الحجر من ج ٢ وإنما فعل حضرة الرسول هذا مع علمه بتكفيل الله تعالى له بحفظه وقراءته زيادة في حرصه عليه خشية النسيان عند الحاجة لبعض الآيات، ولهذه المناسبة ذكره الله تعالى ما وقع لآدم ﵇ بقوله «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ» عهدنا لقومك في عالم الذّر الذي نقضوه ولم يحافظوا عليه بأن لا يأكل من الشجرة التي عيّناها له فأكل منها إنه نسى العهد الذي أخذناه وغفل عنه بتقديرنا عليه من الأزل، وأما
стр. 703
أنت يا حبيبي فلا تخش النسيان لما نوحيه إليك لأنك محفوظ منه في هذا الشأن كما هو ثابت لك في الأزل، وفي هذه الآية إشارة إلى قوله تعالى «وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ» الآية ١١٣ المارة، أي أنا كررنا الوعيد لهؤلاء الجاحدين ذلك العهد لعلهم يرجعون اليه، فلم يفعلوا ولم يلتفوا اليه ونسوه. هذا وما قيل إن في هذا غضاضة في مقام آدم ﵇ إذ جعلت قصته مثلا للجاحدين، قيل لا مبرر له، إذ لا يشترط أن يكون المشبه كالمشبه به من كل وجه، ألا ترى أن الأصحاب لما قالوا لحضرة الرسول كيف نصلي عليك يا رسول الله قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم إلخ ... ، فهل يتصور أن إبراهيم أفضل من محمد وأن آل إبراهيم أفضل من آل محمد؟ كلا، لهذا فلا معنى لهذا القيل وقائله، والتفسير على هذا الوجه هو الموافق لنفس الأمر لمناسبة السياق والسباق والله أعلم «فَنَسِيَ» آدم ذلك العهد وأكل من الشجرة، وقيل في المعنى.
يا أكثر الناس إحسانا الى الناس ... يا أحسن الخلق إعراضا عن الناس
نسيت وعدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أول الناس
هذا وأن النسيان لا يوأخذ عليه بشريعتنا قال ﷺ : رفع عن أمتي ثلاث الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ولعله هو من خصائص هذه الأمّة بدليل قوله رفع بما يدل على أن الأمم قبل محمد ﷺ يؤاخذون على ذلك كله، وأن هذه الآية خصت بالعفو عنها، إذ ما عموم إلّا وخصص، وقد خص الأنبياء بالمؤاخذة على أشياء لم تؤاخذ بها أممهم، ورحم الله القائل حسنات الأبرار سيئات المقربين «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» ١١٥ ثباتا وحزما على ما عهدنا به اليه، ولو صبر عما نهى عنه لكان من أولي العزم ولكن لم يرد الله منه ذلك، بل أراد ما وقع كما وقع «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى» ١١٦ عن السجود راجع قصّته في الآية ١١ من الأعراف المارة (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) حسدا منه على ما أنعمنا به عليك فتحذر منه «فَلا يُخْرِجَنَّكُما
стр. 704
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى»
١١٧ أنت وزوجك وذريتك إذ يكون عيشك من كد يمينك وعرق جبينك، فتزرع وتحصد وتطحن وتعجن وتخبز بعد أن كنت في غنى عن هذه الأتعاب، ومن ضمن شقائك شقاء ذريتك من بعدك وزوجتك معك، لأن شقاء الرجل شقاء لأهله وسعادته سعادتهم، أسند جل شأنه الخروج الى اللعين بسبب وسوسته لهما وقبولهما منه وإلا ففي الحقيقة هو الفاعل وحده، وانما يؤاخذ الفاعل على ما نهي عنه بقصده ورغبته وبما أوتي من عقله بلزوم اجتناب القبيح وعمل المليح، كما بيّنه في الآية ١٢٢ الآتية، ثم بين فوائد بقائه في الجنة بقوله عز قوله «إِنَّ لَكَ» يا آدم مادمت في الجنة «أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى» ١١٨ بل تأكل ما تشتهي وتلبس ما تريد بلا تعب ولا مشقة «وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» ١١٩ بل تشرب أنواع الأشربة اللذيذة وتستظل بظل دائم لا ترى وهج الشمس ولا حرها، يقال ضحى الرجل إذا برز في الضحى فأصابته الشمس، قال عمرو بن ربيعة في هذا:
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
يخصر أي يبرد، فهذه الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان مؤمنة لكما، فلماذا أخرجتما أنفسكما الى مباشرتها بالتعب والمشقة بسبب عدم صبركما عما نهيتما عنه! «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ» ثم بين صفة هذه الوسوسة بقوله «قالَ» إبليس يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ» التي من يأكل منها لا يموت بل يخلد في الجنة «وَمُلْكٍ لا يَبْلى» ١٢٠ ولا يفنى زيادة على التخليد فيها أبدا فراق لهما ذلك وقالا بلى فما هو؟ قال تأكلان من هذه الشجرة ولم يزل يحسّن لهما أكلها حتى أغراهما وغرهما
«فَأَكَلا مِنْها» مع كون علمهما بعداوة إبليس لهما بإخبار الله تعالى لهما نسيانا وغرورا من إبليس الذي القي الوسوسة لهما وأقسم بأنه ناصح لهما ولم يريدا بعملهما ذلك مخالفة أمر الله حقيقة، لأن الحقيقة هي طبق مراد الله أزلا ومن تأمل هذا عرف أن لا دافع لقضاء الله. فعجل الله عقوبتهما على هذه المخالفة الظاهرة لما أمرهما الله به «فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما» حال أكلهما بدليل العطف بالفاء
стр. 705
فأزيل عنهما لباسهما الساتر لهما فظهرت عورتهما فاستوحشا منظرهما «وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» بقصد سترهما إذ استبشعا ما رأياه من عورتهما، ولم يكن لهما ما يسترانها إلا أوراق الجنة.
مطلب معصية آدم والحكم الشرعي فيها ومعنى القضاء والقدر.
«وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ» على هذه الصورة «فَغَوى» ١٢١ ضل عن طريق الحق وأخطأ الصواب بمخالفته هذه فخسر الجنة والخلد فيها في الدنيا، أمّا الآخرة فمضمونة له، وكذلك خسر الملك الذي غرّرهما به إبليس مدة حياتهما وصار حالهما من الراحة الى التعب، ومن الصفاء الى الكدر ومن الرفاه الى الهم، ومن الفراغ الى الشغل، ومن الأمن الى الخوف، ومن الصحة الى المرض، واعتراهما ما يعتري أهل الدنيا وفارقهما ما يعترى أهل الجنة. الحكم الشرعي: قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولا يجوز أن يقال عاص لمن اعتاد المعصية لا لمن لم يعتدها، كالرجل يخيط ثوبه فيقال خاط ثوبه ولا يقال له خياط. وقد أجمع العلماء على أن ما وقع من آدم قبل النبوة بدليل قوله تعالى (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ) تجاوز عما وقع منه «وَهَدى» وفقه للهداية بأن علمه كلمات كما يأتي ذكرها في الآية ٢٧ من البقرة في ج ٣ وهي من حيث المعنى مثل هذه الآية، إلا أن العطف جاء هنا يثم الدالة على التراخي، أي اصطفاه نبيا بعد ما وقع منه ذلك، وهناك بالفاء الدالة على الفور أي أنه تاب عليه حالا، وعلى كل فالتوبة بعد وقوع المخالفة والنبوة بعدها، وما جاء على غير هذا لا قيمة له ولا عبرة به روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ احتج آدم وموسى «أي جادل وخاصم يقال حاججته جادلته فغلبته» فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة! فقال آدم أنت اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما، فحج آدم موسى. وفي رواية لمسلم: قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى بأربعين سنة، قال وهل وجدته
стр. 706
فيها وعصى آدم ربه؟ قال له نعم، قال فهل تلومني على أني عملت عملا كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله فحج آدم موسى ﵉.
قال أبو سليمان الخطابي: يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر من الله على معنى الأجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدّره، ويتوهم بعضهم أنه حجّ آدم موسى من هذه الوجهة، وليس كذلك، وانما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها على تقدير منه وخلقه لها خيرها وشرها. والقدر أسم لما صدر مقدارا عن فعل القادر، والقضاء في هذا معناه الخلق، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم لهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وممارستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم ارادة واختيار، لأن الزاني لا يزني إلا وهو راغب للزنا مختار فيه، والشارب لا يشرب إلا وهو راغب فيه، وهكذا، فكيف يكون ذلك جبرا. أخزى الله المعاندين إذا فالحجة انما تلزمهم من هذا الوجه والملامة تلحقهم عليها منه، وجماع القول في هذا أن القضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمثابة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء، وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعلّة ذلك، وإنما كان تناوله الثمر من الشجرة سببا لنزوله الى الأرض التي خلق إليها، وأنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى وأوقع لائمة موسى على نفسه، ولذلك قال أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما ومن هنا حصل الاختلاف في عصمة الأنبياء.
مطلب في عصمة الأنبياء ووقتها فيهم:
واعلم أن خبط القول فيها على ما قاله الإمام فخر الدين الرازي يرجع الى أربعة أقسام: الأول ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز في حقهم البتة. الثاني ما يقع بالتبليغ فكذلك ممتنع في حقهم
стр. 707
حتى الخطأ والنسيان فضلا عن التعمد على الصحيح، لأن الآية أجمعت على عصمتهم من الكذب ومواظبتهم على التبليغ والتحريض، والا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا ولا سهوا ولا خطأ ولا نسيانا، ومن الناس من جوز سهوا لأن الاحتراز منه غير ممكن وليس بشيء ولا عبرة ولا قيمة له. الثالث ما يقع بالفتيا فقد أجمعوا أيضا على أنه لا يجوز قطعا خطاهم فيها ونسيانهم وسهوهم سواء، فعدم جواز العمد من باب اولى، وما أجازه بعضهم على طريق السهو لا صحة له، لأن الفتيا من قسم التبليغ بالنسبة إليهم، إذ لا فرق في وجوب اتباعهم في أفعالهم وأقوالهم. الرابع ما يقع من أفعالهم.
قال الإمام الفخر والمختار عندنا أهل السنة والجماعة أنه لم يصدر منهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين تنبأهم، لأن الذنب لو صدر عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة، إذ قد يجوز حفظ البعض منها من اقتراف الذنب واسناد هذا إليهم غير جائز، لأن درجتهم غاية في الرفعة والشرف، ولو جاز صدوره منهم لأدى الى عدم قبول شهادتهم، ولوجب الافتداء بهم فيما صدر منهم وهو محال، فيكونون وحاشاهم أقل حالا من عدول الأمة، وهذا أيضا غير جائز، لأن معنى النبوة والرسالة أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم مثلا، وهو يوم القيامة شاهد على الكل، راجع الآية ٤٠ من سورة النساء في ج ٣ والآية ٨٩ من سورة النحل في ج ٢ تجد ما يتعلق في هذا البحث مفصلا، وهذا ما عليه اجماع أهل السنة والجماعة، أما ما قاله بعض المعتزلة بجواز صدور الكبائر منهم، وما قاله بعضهم بمنع الكبائر وجواز صدور الصغائر منهم فقط على جهة العمد فلا عبرة به إذ لا مستند لهم به من الكتاب والسنة، فضلا عن أنه مخالف لهما فضلا عن عدم اتفاقهم عليه، لأن منهم الجبائي قال بعدم جواز صدور الكبيرة والصغيرة منهم موافقا لقول أهل السنة والجماعة، الا أنه زاد إلا على جهة التأويل كما وقع لآدم ﵇ من أكل الشجرة على أنها غير المنهي عنها إما لمظنّة الخلد وإما لملك، ومنهم من جوز وقوعها سهوا وخطأ لا فرق عنده بين الكبيرة والصغيرة، ومنهم
стр. 708
من منع وقوع الكل سهوا وخطأ وتأويلا، وهو قال الشيعة، فاذا علمت هذا فاعلم أنه قد ثبت ببديهة العقل ان لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وأعلى مقامه وائتمنه على وحيه، وجعله خليفة في عباده وبلاده، يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحا لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، فلو لم يطيعوه هم لدخلوا تحت قوله تعالى «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» الآية ٤٤ من سورة البقرة، وقد قال تعالى حكاية عن شعيب ﵇ «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» الآية ٨٨ من سورة هود في ج ٢، وقال تعالى «إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ» الآية ٩٠ من سورة الأنبياء في ج ٢ واللفظ للعموم فيتناول الكل ويدل على ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت لك من هذا ومما سيأتي في تفسير الآيات الآنفة الذكر أن الأنبياء كلهم فاعلون لكل خير تاركون كل شر، وهذا ينافي صدور الذنب منهم، كيف وقد قال تعالى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) الآية ٥٥ من سورة الحج في ج ٣، وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) الآية ٣٣ من آل عمران ج ٣ وقال في حق موسى (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي) الآية ١٤٣ من الأعراف المارة وقال تعالى «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ، إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) الآيات ٤٦ فما بعدها من سورة ص المارة) وهذه الأدلة القاطعة تدل على وصفهم بالاصطفاء والأخيرية صراحة وذلك كله ينافي اقتراف الذنب مهما كان بعد النبوة لا عمدا ولا سهوا ولا نسيانا ولا خطأ قال في بدء الأمالي:
وان الأنبياء لفي أمان ... عن العصيان عمدا وانعزال
وأن من خالف هذا الإجماع وتمسك بظاهر بعض الآيات كالآية المفسرة وقال بصدور الذنب منهم على طريق التأويل أو غيره فإن كلامه إنما يتم إذا أثبت بالدلائل أن ما وقع من آدم ﵇ كان حال النبوة أو بعدها، وذلك
стр. 709
محال قطعا لا دليل فيه ولا حجة له البته حتى لا يوجد نقل صحيح يستند إلى دليل والقاعدة إذا كنت ناقلا فصحة النقل، وإلا فكلامك مردود عليك. وإذا كان كذلك وهو كذلك فلم لا تقول إن ما وقع من آدم كان قبل النبوة، وأن الله تعالى قبل توبته وشرّفه بالنبوة والرسالة، فتطمئن وتنفي الشك من النفوس الخبيثة وتروضها على الطهارة والفضيلة وتنزه الأنبياء العظام عما لا يليق بمكانتهم، فتحصل رضاء الله تعالى، لأن رضاء الأنبياء في رضائه، ولا توقع نفسك بسبب الوهم والشك بالهلاك بسبب ما تصمهم به مما ليس فيهم، فتستوجب سخط الله باختيارك ورضاك؟ قال القاضي عياض قد أخبر الله بعذره فقال «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» أي نسي عداوة إبليس له فقبل نصحه ونسي ما عهد اليه بشأنها وشأن الشجرة ولم ينو المخالفة ولم يستعملها، ولكنه اغتر بحلف إبليس وظن أن أحدا لا يحلف بالله كذبا وتأول أن المأكول منها غير المنهي عنها وإذا قلت حينئذ (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم، فلو لم يكن لهم ذنوب فكيف يتوبون ويستغفرون، فأقول بما أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلوّ والمعرفة بالله وسنة عباده وعظيم سلطانه وقوة بطشه مما يحملهم على شدة الخوف منه ﷻ أو الإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأن تصرفهم بأمورهم ما لم ينهوا عنه ولم يؤمروا به وقد أتوه على وجه التأويل والسهو، وقد تزودوا من الدنيا وأمورها المباحة، فأوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها، فهم خائفون وجلون على أنها تسمى ذنوبا بالإضافة الى سمو منصبهم وعلو مكانتهم، ومعاص بالنسبة لكمال طاعتهم وتمام انقيادهم الى ربهم، لأنها ذنوب كذنوب غيرهم التي يأتونها رغبة بلا تأويل، وحاشاهم من ذلك، وحاشاهم مما هنا لك. هذا، وقد اختلف في وقت العصمة: قالت الشيعة انهم معصومون من وقت الولادة، وقالت المعتزلة من وقت البلوغ، وقال أهل السنة والجماعة من وقت النبوة، وقال بهذا القول الهزيل واليافعي من المعتزلة، وهذا هو قول الحق الوسط وخير الأمور
стр. 710
أوساطها «قالَ» لآدم وزوجته حواء بعد أن انتهى أمد مكثهما في الجنة وحان أمر إقامتهما في الدنيا على أثر ما وقع منهما «اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً» انحدروا الى الأرض لأن الهبوط معناه الانحدار من العلو الى السفل على طريق القهر كهبوط الحجر، وإذا استعمل في الإنسان فعلى طريق الاستخفاف به «بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» بالتحاسد في الدنيا والاختلاف بالدين وفي أمر المعاش وإنما جمع ضمير بعضكم مع أن الخطاب لآدم وحواء فقط لأن العداوة نشأت في ذريتهما لا فيهما، وما قيل أن الخطاب لهما ولإبليس ينافيه قوله تعالى «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً» من كتاب ورسول وهذا الهدى الى ذريتهما لأن إبليس مقطوع بعدم هدايته وعدم إتيان الهدى اليه بكتاب او رسول، لأن الله تعالى حذر رسله منه وأمرهم أن يحذروا أممهم منه «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ» من كافة خلقي «فَلا يَضِلُّ» في دنياه «وَلا يَشْقى» ١٢٣ بآخرته وإبليس محروم ومقطوع له بالشقاء بالدنيا ومجزوم بعذابه في الآخرة، قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولهذا البحث صلة في الآية ٣٤ فما بعدها من سورة البقرة في ج ٣، قال تعالى «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي» أي الكتاب المعبر عنه بالهدى الذي فيه ذكره، وأعرض عن الرسول المذكر به «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً» في هذه الدنيا «ضَنْكاً» ضيّقة وضنك وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال ابن عباس كل ما أعطي لعبد في هذه الدنيا قل أو كثر ولم يتق فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة في الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكا لأنهم
يرون أن الله ليس بمخلف عليهم ما ينفقونه، وينسون ما أنعمه عليهم ابتداء وقد ولدتهم أمهاتهم مجرّدين فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله. وقال ابن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع فمع الدين التسليم والقناعة والتوكل فتكون حياتهم طيبة، ومع الاعراض الحرص والشح فعيشته ضنك، وحالته مظلمة، كما قال بعض الصوفية لا يعرض أحدكم عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه ولهذا قال تعالى «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
стр. 711
الْقِيامَةِ أَعْمى»
١٢٤ فاقد البصر لأنه يحشر على وجهه فلا يرى ببصره ما يراه غيره، لأنه منكوس، وإلا فإن الله تعالى يعيد للأعمى بصره يوم القيامة، وكذلك مقطوع اليد والرجل وغيرها من القلعة بحيث يحشر كاملا كما ولد، ونظير هذه الآية الآية ٣٢ من سورة الفرقان المارة والآية ٩٧ من سورة الإسراء الآتية، قال بعض المفسرين فاقد الحجة جاهل بوجود الحق كما كان في الدنيا إذ يطلق على الجاهل في الأمر أعمى لأنه لا يعرف المخلص مما يقع فيه، كما أن الأعمى لا يعرف الطريق الى مبتغاه، قال ﵊ من لا يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة، الا أن سياق الآية يؤيد التفسير الأول لموافقته لظاهرها وعليه المعول إذ لا يعدل عن الظاهر إلا عند إمكان التفسير به «قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى» اليوم في الآخرة «وَقَدْ كُنْتُ» في الدنيا «بَصِيراً» «قالَ كَذلِكَ» مثل ما فعلت بنا في الدنيا فعلنا بك في الآخرة حيث «أَتَتْكَ آياتُنا» فيها «فَنَسِيتَها» ولم تعمل بها ولم تتبع من أتاك بها «وَكَذلِكَ» مثل نسيانك هذا لآياتنا في الدنيا «الْيَوْمَ تُنْسى» ١٢٦ في الآخرة من خيرنا، ولهذا حرمناك الآن نعمة النظر فيها جزاء وفاقا، فتركك الآن على عماك الذي كنت عليه في الدنيا لأنك لم تستعمل نعمة النظر فيها بآياتنا ومكوناتنا، فتعتبر وتؤمن بل حرفتها لغير ذلك «وَكَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الواقع بالمقابلة «نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ» في دنياه ولم يستعمل جوارحه فيما خلقت لها بل صرفها الى المعاصي ولم ينتفع بالنعم التي خلقت لها «وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ» أما من آمن بها واستعمل جوارحه وحواسّه فيما خلقت لها، فأولئك لم ننسهم من الرحمة ولم نحرمهم من الخير، بل نرفعهم الى الدرجات العلى مثل السحرة المار ذكرهم في الآية «٧٠» من الأعراف والآية ٧٣ من هذه السورة «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى» ١٢٧ من عذاب الدنيا وأعظم مهما رأيتموه شديدا، وأدوم لأن عذاب الدنيا له نهاية ولا نهاية لعذاب الآخرة فضلا عن فظاعته التي لا تكيف، فان قلت قد ورد وان الله تعالى يري الكافر مقعده في الجنة ثم يدخله النار ليزداد عذابا على عذابه وحسرة على حسرته، فمن يحشر أعمى لا يرى ذلك فيكون بحقه
стр. 712
أقل عذابا وحسرة، قلت لأن الله تعالى يرد عليه بصره حتى يريه مقعده ذلك، ثم يسلبه منه، وكذلك الأصم والأبكم، قال تعالى «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» أي لا أسمع ولا أبصر منهم يوم يأتونه، راجع الآية ٣٨ من سورة مريم المارة والآية ٣، من سورة الكهف في ج ٢، وقال ابن عباس إن الكافر يحشر أولا بصيرا ثم يعمى، فيكون الإخبار بأنه كان بصيرا إخبارا مما كان عليه أول حشره، لانه لو لم يردّ عليه بصره كيف يقرأ كتابه؟ كما يأتي في الآية ١٤ من الإسراء الآتية، ولا يخفى أن ذلك اليوم يوم طويل تختلف فيه أحوال الكفار فمرة يجادلون وأخرى يشكون، وطورا يعمون، وتارة يبصرون أجارنا الله من ذلك، قال تعالى ملتفتا الى كفار مكة «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ» وقرىء بالنون أي ألم يبين لهم هذا القرآن «كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ» الماضية وهم الآن «يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ» إذا سافروا للشام إذ يمرون بالحجر ديار ثمود وقريات قوم لوط ولا يتفكرون فيما كان عليهم أهلها، وكيف صار تدميرهم، وسببه «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ» واضحات موجبة للاعتبار «لِأُولِي النُّهى» ١٢٨ العقول السليمة يتعظون بها حيث كانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وقوة، فلما عصوا رسلهم أهلكهم الله «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» وهي الوعد بتأخير العذاب ليؤمن من يؤمن منهم ويصر من يصر على كفره وفق ما هو مقدر في الأزل بالتقدير المبرم الذي لا يبدل ولا يقدم ولا يؤخر «لَكانَ لِزاماً» حتما نزوله بهم حالا لا ينفك عنهم أبدا، وكلمة لزام لم تكرر في القرآن إلا هنا وآخر سورة الفرقان، وهي بمعنى
لازم وصف به للمبالغة، وهكذا يؤتى بالمصادر بدل اسم الفاعل بقصد المبالغة «وَأَجَلٌ مُسَمًّى» ١٢٩ بالرفع عطف على كلمة في (ولولا كلمة) أي لولا كلمة سبقت بتأخير عقوبتهم وضرب أجل لوقوعها اما بانقضاء أعمارهم أو بحلول يوم القيامة لما تأخر عنهم العذاب، بل لنزل بهم حالا، ولكن حال دون ذلك تلك الكلمة والأجل اللذان لا يتبدلان، وهنا فيه المقدم والمؤخر وفيه مظنة الغلط لمن لا يعلم ذلك، وهو من أنواع البديع المستحسن وجوده في الكلام البليغ الفصيح، قال تعالى مخاطبا رسوله
стр. 713
صلى الله عليه وسلم «فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» فيك وفي كتابك وربك، الى أن يأتي ذلك الوقت المقدر لإيقاع العذاب فيهم في الدنيا، وسترى عذابهم الأكبر يوم القيامة «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى» ١٣٠ هذه الآية والتي بعدها نزلتا في المدينة، ولهذا فسرت بالصلوات الخمس، فصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، والعصر قبل غروبها، وآناء الليل أول ساعاته المغرب والعشاء، وأطراف النهار صلاة الظهر، لأنها تدخل أول الزوال وهو انتهاء طرف النصف الأول وابتداء طرف النصف الثاني وهي بينهما، لذلك قال وأطراف النهار، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى الثواب الذي يرضيك به ربك، وبالفتح ترضى ما يعطيكه من الثواب وترضي نفسك بالشفاعة بالآخرة وبالظفر وانتشار دعوتك بالدنيا، والآناء جمع أني وهو الوقت، ولذلك فسر بالساعات في قوله تعالى (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) الآية ٥٤ من سورة الأحزاب في ج ٣، أي وقته
قال تعالى «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» فتطيل النظر بها إعجابا واستحسانا وتمنّيا يا حبيبي إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ» من قومك وغيرهم بالأموال والرياش والأثاث والأنعام والأولاد وغيره، لأن ذلك لا قيمة له عندنا ولذلك لم نزودك منه لكونه «زَهْرَةَ» أي بهجة وزينة وزخرف «الْحَياةِ الدُّنْيا» الفانية بما فيها لأنه من جملة الغرور الذي حذرناك منه، ولذلك لم نجعل لك ميلا إليها لانها ليست بشيء يركن اليه، وإنا إنما أعطيناهم ذلك «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» لا لغير ذلك، بل نريد أن نمتحنهم ونختبرهم ابتلاء من عندنا ليزدادوا إثما بكفرانها فيستوجبوا العذاب الشديد «وَرِزْقُ رَبِّكَ» الذي رزقه في الدنيا بالنسبة لما بترتب عليه من الثواب في الآخرة وما أنعم به عليك من النبوة والرسالة وما وعدك به من فتح البلاد وارشاد العباد، وانقياد الأمم للايمان بك، وما أدخره لك من الأجر لقاء دعوتك لهم وصبرك على أذاهم، وقناعتك بالقناعة من الرزق، وتجملك يحسن الخلق ولين الجانب «خَيْرٌ» لك مما أعطيناهم من النعم الدنيوية التي لا قيمة لها مهما كانت كثيرة «وَأَبْقى» ١٣١ أدوم لأن ما أعطاكه باق لا يزول في الدنيا والآخرة، وما
стр. 714
أعطيناهم فان معذبون عليه فيهما، هذا، والدليل على نزول هاتين الآيتين في المدينة ما قاله ابو رافع نزلت هذه الآية حينما نزل ضيف برسول الله ﷺ وبعثني الى يهودي استلف منه له دقيقا فلم يفعل إلا برهن، فأرسل معي درعه الحديدي فرهنته عنده، وقال ﷺ : والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته واني لأمين في السماء وأمين في الأرض لأن مكة لا يهود فيها. فثبت أنهما مدنيتان قال أبيّ بن كعب: من لم يعتزّ بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن اتبع بصره ما في أيدي النّاس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه، وقد قال ﷺ انظروا الى من هو دونكم في أمور دنياكم وفي رواية: انظروا الى من هو أسفل منكم ولا تنظروا الى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعم الله، وفي رواية نعمة ربكم. أما في أمور الآخرة فينبغي للعاقل أن ينظر الى من هو فوقه ويقتفي أثره، فهو أجدر لأن يكون من أولياء الله، وقد نظم هذا في بيتين قال:
من شاء عيشا رغيدا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن الى ما فوقه أدبا ... ولينظرن الى من دونه مالا
ولهذا فان المتقين تردّدوا في وجوب غض النظر عن ابنية الظلمة، وعدد الفسقة، في ملابسهم ومراكبهم قال الحسن لا تنظروا إلى دقدقة (جلبة الناس وأصوات حوافر دوابهم) هماليج (الذين لا مخ لهم أو المذللين المنقادين) الفسقة، ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية في تلك الرقاب لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالنظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها. ومعنى هذا الخطاب هو أن الله تعالى يقول لحبيبه محمد ﷺ استمر يا حبيبي على ترك ذلك كله، واعلق بالك بما هو عند الله، واترك ما سواه، ويراد به غيره ﷺ ، لأنه أبعد من أن تمتد عينه لشيء من تلك الزخارف، وجاء الخطاب له لأنه أكثر تأثيرا لانقياد أمته إليه، وأعظم إلهابا في الصدور لمتابعته، كيف وهو القائل: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله.
وكان ﷺ شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى زهرتها، لهذا يكون المراد به أمته، مثل قوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ» الآية ٦٥ وما بعدها من سورة الزخرف
стр. 715
في ج ٢ قال تعالى «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ» الركعتين المفروضتين عليه خاصة ليمرن أعمامه وأولادهم وأصهاره وبناته عليها، إذ نفث في روعه أنها ستفرض صلاة على الكل أشد منها، ولهذا خصّ الأمر بأهله بما يشمل زوجاته، ولو كان المراد بها الصلاة المفروضة لما خصّ أهله بها، بل لأمره بأمر العامة بها لأن التكليف بها عام، لهذا لم يرد بها الصلاة المكتوبة لأنها لم تفرض بعد، ولا ينافي هذا المعنى ما أخرجه ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ» كان ﷺ يجيء الى باب علي كرم الله وجهه صلاة الغد ثمانية أشهر يقول الصلاة رحمكم الله تعالى «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»
الآية ٢٢ من الأحزاب في ج ٣ لأنه من أصهاره والمراد بأهل البيت هم أعمامه وأولاد عمه وبناته، وزوجاته تبع لهم، لأن الزوجات غيرهن لا يعدون من أهل الرجل لابتعادهن عنه بالطلاق، أما زوجات النبيّ فلا طلاق عليهن راجع الآية ٥١ من سورة الأحزاب في ج ٣ أيضا، ولا ما جاء عنه ﷺ أنه كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية، لانه لا يبعد أن ذلك كان قبل فرض الصلاة مطلوب منه عند كل حادثة ومأمور بها.
انظر ما بعد هذه الآية «وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» داوم أنت عليها وتحمل مشاقها لان الصبر مجاز مرسل عن الداومة والتحمل، لأنهما ملارمان معنى الصبر، وفيه اشارة الى أن من رعاية الصلاة والمحافظة عليها بصورة جدية حقيقة مشقة على النفس، ولذلك أمر بالصبر عليها «لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» لنفسك وأهلك بل نسألك عملا لأنا «نَحْنُ نَرْزُقُكَ» وإياهم ونكفيك مؤنة الرزق في الدنيا، لأن من كان في عمل الله كان الله في عمله، ففرغ بالك لعمل الآخرة وما تحتاجه من الدنيا فهو مضمون لك قال تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون الآية ٢٣ من الذاريات في ج ٢ «وَالْعاقِبَةُ» المحدودة «لِلتَّقْوى» ١٣٢ لأهلها قال تعالى «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» الآية ٨٣ من سورة القصص الآتية، والقرآن يفسر بعضه بعضا، والمتقون هم أولياء الله وهو وليهم، راجع الآية ١٨ من سورة الجاثية في ج ٢، كان عروة
стр. 716
ابن الزبير إذا رأى ما عند السلاطين قرأ هذه الآية ثم ينادى الصلاة الصلاة يرحمكم الله. وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله شيء من خصاصة قال قوموا فصلوا، بهذا أمرنا الله ورسوله. وعن مالك بن دينار مثله، وهذا كله لا يؤيد أن هذا الأمر في هذه الآية في الصلوات الخمس ولا مانع من أن يستدل بها بعد نزول فرض الصلاة. على الصلاة عند كل حادثة، ثم طفق يندد في أهل مكة بعد سماعهم هذه الآيات وعدم اتعاظهم بها بقوله جل قوله «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ» مثل موسى وعيسى لأن أممهما كلها اقترحوا آية عليهما أجابوهما، وكذلك من قبلها مثل صلح وهود ﵉ حتى إذا أجاب طلبهم هذا وأظهر الله لهم على يده ما اقترحوه استدلوا على صحة نبوته وصدق رسالته قال تعالى مجيبا لهم على لسان رسوله «أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى» ١٣٣ وهو القرآن المنوه به فيها المحتوى على ما في التوراة والإنجيل والزبور وعلى كل ما في الصحف الأولى المنزلة على إدريس وابراهيم من قبلهم وبعدهم من الآيات البينات فضلا عن فصاحته وبلاغته وما فيه من أخبار الأمم السالفة وما اقترحه عليهم من الآيات وسبب إهلاكهم، فآية القرآن هذه فيها كل آية وهو نفسه آية كافية لمن أراد أن يعتبر لانه أم الآيات وأسس المعجزات وقيل المراد بالبينة هو محمد ﷺ إذ جاء ذكره في الصحف الاولى والكتب أيضا قال تعالى «وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ» هؤلاء المقترحين طلب نزول الآيات «بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ» أي أرسال محمد إليهم أو إنزال القرآن عليه الدال على صدقه المغني عن أي آية «لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا» يدعونا لعبادتك وتوحيدك لنهتدي بهذه «فَنَتَّبِعَ آياتِكَ» المنزلة معه أو على يده «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ» بعذاب الدنيا بالأسر والقتل والجلاء «وَنَخْزى» ١٣١ في عذاب الآخرة من هوان وافتضاح، فيا أكمل الرسل «قُلْ كُلٌّ» منا ومنكم «مُتَرَبِّصٌ» ينتظر العاقبة التي يؤول إليها أمره «فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ» غدا إذا جاء أمر الله بانقضاء الاجل المضروب لعذابكم في الدنيا والأخرى «مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ» العدل المستقيم «وَمَنِ اهْتَدى» ١٣٥
стр. 717
أنحن أم أنتم ولا شك أن محمدا وأصحابه وأتباعه هم أهل الطريق العدل المهتدون بهدى الله وستقول لهم قول القائل:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
مطلب الاحتجاج على الله ورده:
واعلم أن الله تعالى قطع المعذرة بالإمهال والإرشاد فله الحجة البالغة روى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال يحتج على الله ثلاثة الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول، وتلا هذه الآية والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلا انتفع به، ويقول الصغير كنت صغيرا لا أعقل، فترفع لهم نار ويقال أدخلوها فيدخلها من كان في علم الله أنه سعيد وينكل عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول الله إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتوكم. فقد أراهم الله من هذا أنهم لو أرسل إليهم الرسول، ولو أمهلوا للبلوغ، لما دخلوا في طاعة الله لأن النفس الخبيثة أزلا تبقى على خبثها ولهذا البحث صلة في الآية ١٥ من سورة الإسراء الآتية فراجعه. وهناك ثلاثة آخرون (١) الملك يقول يا رب شغلتني بمصالح عبادك ففاتني ما كنت تريده من عمل صالح. فيؤتى له بسليمان ﵇ إذ لم يشغله ملكه وهو أوسع ملكا في الأرض عن عبادة الله. (٢) المريض يقول يا رب لو عافيتني ما سبقني أحد بما يرضيك فيؤتى له بسيدنا أيّوب ﵇ إذ لم يمنعه مرضه وهو أشد مرضا عن عبادة الله.
(٣) الفقير يقول يا رب شغلني الكدّ في المعيشة عن عبادتك، ولو أغنيتني ما فاتني أحد بما تريده فيؤتى له بسيدنا عيسى ﵇ إذ لم يشغله فقره عن عبادة الله والدعوة اليه، وهو أفقر الناس، فلا عذر إذن لأحد أبدا. وروي عنه أيضا أنه لا يقرأ أهل الجنة من القرآن الا سورة طه ويس، وانظر أيها القارئ ما أشد مناسبة خاتمة هذه السورة لفاتحتها، لأنها بدأت بخطاب الرسول ﷺ بأنه لم ينزل عليك هذا القرآن لتحمل تعب الإبلاغ وأنهاك نفسك، وحيث بلغت فلا عليك الا أن يقبلوا منك، وعليك الإقبال على طاعة الله وختمت بما هو في معناه بأمره بالتقوى وعدم الاكتراث بالدنيا والصبر على الذين لا ينجع بهم الإنذار، وأن المخالف سيندم من حيث لا ينفعه الندم. هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 718
تفسير سورة الواقعة عدد ٤٦- ٥٦
نزلت بمكة بعد سورة طه عدا الآيتين ٨١ و ٨٢ فإنهما نزلتا في المدينة، وهي ست وتسعون آية، وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة وثلاثة أحرف، وقد أشرنا أول سورة التكوير عن السور المبدوءة ب (إذا) ، روى البغوي بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا. وكان أبو ضبّة لا يدعها أبدا، أخرجه ابن الأثير في كتابه جامع الأصول. وجاء في كتاب الأوراد للرفاعي ﵀ أن قراءتها تكون بعد صلاة المغرب وأنها أمان من الفقر. وسنأتي في آخرها على ما يتعلق في هذا البحث.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
قال تعالى: «إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» ١ قامت القيامة الكبرى، ووصفت بالوقوع لأن قيامها يكون غفلة بسرعة، كسقوط الشيء من العلو، وجاءت بلفظ الماضي لأنها محققة الوقوع لا محالة، ووقوع الأمر عبارة عن نزوله، تقول وقع به ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقبه، وإذا منصوبة باذكر المقدّرة، أي اذكر يا محمد لقومك كيفية قيام القيامة التي «لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ» ٢ أي أنها حين تقع لا تجد نفسا إذ ذاك إلا وتصدق بوقوعها بخلاف أهل زمانك، الآن الذين ينكرون وجودها، «خافِضَةٌ» لأقوام كانوا رفيعين في الدنيا متعالين على الناس تخفضهم إلى دركات جهنم بحسب أعمالهم الخبيثة «رافِعَةٌ» ٣ لأناس كانوا وضيعين في الدنيا أذلاء مخبتين ترفعهم إلى أعالي درجات الجنان جزاء أعمالهم الحسنة. واعلم يا سيد الرسل أن امارة قيامها «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا» ٤ اضطربت اضطرابا هائلا قويا فهدم كل بناء عليها «وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا» ٥ فتّت فتا دقيقا «فَكانَتْ» على عظمها وشموخها «هَباءً مُنْبَثًّا» ٦ غبارا متفرقا كالذر الذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة إلى الأرض
стр. 719
«وَكُنْتُمْ» أيها الناس حينذاك «أَزْواجاً ثَلاثَةً» ٧ صنفين في الجنة وواحدا في النار، وكل ما كان بعضه من بعض أو يذكر بعضه مع بعض يسمى زوجا، وإلا فأصناف وأنواع وأحزاب، ثم بينها بقوله عزّ قوله «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» جانب اليمين الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم فيؤخذ بهم إلى ذات اليمين وهي الجنة، وهذا الزوج الأول الذي يتعجب المتعجب من سعادتهم لكثرة ما يفيض الله عليهم من كرمه وإحسانه، ينبئك عن ذلك قوله تعالى «ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» ٨ أي شيء عظيم هم عليه من السعادة الدائمة بما لا يتصوره المتصورون، وهذا التعجب تعظيم لشأنهم وتفخيم لقدرهم لأنهم كانوا في الدنيا ميامين مباركين، فجوزوا بالآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يتعجب مما أعطاهم ربهم المتعجبون، ويتنافس فيما أفاض عليهم من كرمه المتنافسون «وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ» جانب الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمالهم ويساقون لذات الشمال وهي النار أجارنا الله منها، وهذا الزوج الثاني الذي يتعجب المتعجب من شقائهم لعظيم الغضب الذي يحل بهم من عقاب الله وانتقامه ويخبرك عن عظم هوله قوله جل قوله «ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ» ٩ شيء فظيع هم عليه وخطب كبير ألمّ بهم، بلغ منتهى الفظاعة، وهذا التعجب بليغ من سوء حالهم في الشقاء الذي لم يتصوره العقل وتحقير وتوبيخ لهم، لأنهم كانوا في الدنيا مشائيم أدنياء، ثم نوه بالزوج الثالث الذي هو الأول في المرتبة وقد أخره في الذكر لأنه تعالى ذكر أوائل هذه السورة القيامة وأهوالها ترهيبا للمسيء ليرجع عن إساءته وترغيبا للمحسن ليزداد في إحسانه، فقدم أصحاب اليمين ليرغب السامعون، وثنى بأصحاب الشمال ليرهبوا، وثلث بهذا الصنف الذي تتطاول إليه الأعناق، وتصيخ لما خصصوا به الأسماع، ليتشوقوا إليه منوها بفضلهم بقوله «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» ١٠ الأول مبتدأ والثاني خبره، أي إلى الجنة، لأنهم كانوا يتسابقون بأعمال الخير في الدنيا
«أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» ١١ لجوار الله وكرامته الكائنون غدا «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» ١٢ بلا حساب ولا عتاب
стр. 720
يدخلونها رأسا، وهؤلاء هم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر، ليجتهد (اللام هنا لام كي) أصحاب اليمين في التقرب لدرجتهم وليحزن أصحاب الشمال لبعدهم عنهم، وهؤلاء السابقون منهم «ثُلَّةٌ» جماعة كثيرة لأن التنوين يدل على التكثير كقوله:
وجاءت إليهم ثلة خندفية ... بجيش كتيّار من السيل مزبد
«مِنَ الْأَوَّلِينَ» ١٣ من لدن آدم إلى زمن محمد صلوات الله وسلامه عليهما «وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ» ١٤ من بعثة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، لأن أمته بالنسبة لمن تقدمها من الأمم قليلون جدا، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوا من أربعين، فقال:
أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا نعم. قال أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا نعم. قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة مسلمة، وما أنتم من أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، ثم طفق يبين ما أعده في تلك الجنان لهم فقال «عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ» ١٥ منسوجة بالذهب موشاة بالجواهر المنيرة «مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ» ١٦ على السرر مع أحبابهم، ينظر بعضهم لوجوه بعض عند التخاطب والقعود، وهذا من أحسن أوصاف حسني العشرة صافي الوداد، مهذّبي الأخلاق، والعكس بالعكس، لأن من لا ينظر إليك عند ما تخاطبه لم يبال بك، ومن لا تنظر إليه عند مخاطبته لم تحترمه ولا تعبا به ففيها سوء خلق وقلة أدب وعدم محبّة من الطرفين، هذا ومما أعدّ لهم فيها أيضا خدم كثيرون بدليل قوله عز قوله «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ» ١٧ في سن الشبوبة لا يهرمون ولا يموتون خلقهم الله في الجنة لخدمة أهلها لا يتجاوزون حد الوصافة.
стр. 721
مطلب معنى المخلدين ومصير أولاد المشركين وآداب الأكل:
واعلم أن لفظة (خلد) كما تدل على البقاء والدوام حقيقة تدل على التسوّر، أي لبس السوار باليد والقرط بالأذان، وعليه يكون المعنى مسورون مقرطون، ولو أراد الله تعالى معنى البقاء والدوام لقال خالدين كما قال في أهل الجنة ولا تجد في القرآن كله مخلّدين غير هذه، ولهذا أقول والله أعلم إن المراد بمخلدين المعنى الأخير، لأن الخادم إذا كان مزينا بالحلي يكون أنضر بعين المخدوم، ولهذا تجد أهل الدنيا يزينون عبيدهم بأحسن اللباس والسلاح المذهب، ولم يصف الحور العين بالتخليد لأن حسنهن أغناهن عنه، والغانية من اكتفت بحسنها عن التزين بالحلي، أي أنهم ليسوا كالحور العين من هذه الحيثية، وما قيل إن الولدان أطفال المؤمنين لا يتجه لأن الله تعالى قال: (أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية ٢١ من سورة الطور الآتية في ج ٢، فذراري المؤمنين مع آبائهم في الجنة يخدمون، وهذا حكم الله فيهم ولا راد لحكمه، وما قيل إنهم أولاد الكفار الذين ماتوا قبل سن التكليف لا يصح أيضا، وقد اختلفت أقوال العلماء فيهم، فمنهم من قال إنهم في الجنة وهو الأقرب، لأن الله تعالى لا يعذب قبل التكليف، وإذ لم يعذبوا فهم ناجون، والناجون من أهل الجنة، لأن الأمر يدور بين الجنة والنار، فمن زحزح عن النار فقد دخل الجنة، راجع الآية ٤٥ من سورة الأعراف المارة، ولهذا البحث صلة في الآية ١٨٤ من آل عمران في ج ٣، ما لم يكونوا من الذين سبق ذكرهم في تفسير الآية الأخيرة من سورة طه المارة، ومنهم من قال إنهم من أهل النار تبعا لآبائهم وهو بعيد، لأن الله أكبر من أن يعذب من لم يكلفه، وهم لم يبلغوا حد التكليف كيف وقد قال: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الآية ٢٧ من سورة والنجم المارة وقوله تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الآية ١٥ من سورة الإسراء الآتية، وإذا كان من لم تبلغه الدعوة والمجنون الكبير يسقط عنهم التكليف فيدخلون الجنة على ما هم عليه، فكيف بالطفل الذي لا يعقل شيئا، ومنهم من توقف فيهم
стр. 722
وفوض أمرهم إلى الله ونعم المفوض إليه، فإنه أكرم من أن يعذبهم «بِأَكْوابٍ» متعلق بيطوف وهي الأواني التي لا عرى لها ولا خرطوم كالأقداح المستديرة «وَأَبارِيقَ» الأواني ذات العرى والخراطيم وهي معروفة، وسميت أباريق لبريق لونها وصفائها إذ يرى باطنها من ظاهرها «وَكَأْسٍ» هو الإناء المملوء شرابا وإلا فلا يسمى كأسا بل قدحا أو زجاجة «مِنْ مَعِينٍ» ١٨ نبع عين ظاهرة كثير ماؤها لا ينضب لأنها ليست من عمل البشر، وهؤلاء الذين يشربون هذا الشراب «لا يُصَدَّعُونَ عَنْها» لا يصيبهم صداع في رأسهم بسبب شربها كخمرة الدنيا القبيحة «وَلا يُنْزِفُونَ» ١٩ ولا تذهب عقولهم بسببها، ومعنى نزف الرجل ذهب عقله بالسكر، وقرىء بكسر الزاي، أي لا ينغذ ذلك الشراب مهما شربوا منه، فيكون الفعل من انزف ينزف بمعنى فني ونفد وخلص، وهذه التي يقول فيها ابن الفارض ﵀:
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي ... بها لطريق العزم من لا له عزم
إلى أن قال فيها:
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم
بخلاف خمر الدنيا والعياذ بالله فإنها مهلكة للجسم والعقل، مدنسة للشريف والكيف «وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ» ٢٠ من أحسن أنواعها وأفضله، ومن هنا اقتبس جواز الانتقاء في أكل الفواكه سواء كانت مما يليه أو لا بخلاف الأكل فإنه لا يجوز إلا مما يليه، فالتناول من أمام الغير ممنوع لقوله ﷺ : وكل مما يليك.
ولهذا بسنّ في كل الأحوال أن يأكل الرجل مما يليه، وإلا فقد أساء الأدب وصار شرها مخالفا لنهي الرسول ﷺ وهذا هو الحكم الشرعي في الأكل
«وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ» ٢١ ويخطر في بالهم أكله ويتمنونه من جميع أصناف الطيور، فإنه يحضر أمامهم حالا على الصّفة التي يريدونها من أنواع الطهي «وَحُورٌ عِينٌ» بيض واسعات الأعين وهي في الصفاء «كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ» ٢٣ المخزون
стр. 723
في صدفه المصون من أن تلمسه يد لامس أو تقع عليه شمس أو هواء مما يكسف لونه مثل الدرّة حين تخرج من صدفتها، وهذا كله يكون في تلك الجنات التي فيها النعيم الذي لا يقادر قدره إلا الذي خلقه للمقربين «جَزاءً» لهم في الآخرة «بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» ٢٤ في الدنيا من الطاعات والخيرات «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً» من فضول الكلام «وَلا تَأْثِيماً» ٢٥ من قول أو فعل فاحش يؤتثم به «إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً» ٢٦ على بعضهم من بعضهم ومن الملائكة، ثم شرع يصف ما لأصحاب اليمين عنده فقال «وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ٢٧ فِي سِدْرٍ» هو شجر النبق له ثمر صغير يشبه التفاح في الطعم والرائحة إلا أن ورقه مدور، وفيه شوك لم يوجد في التفاح، وهو موجود في البوادي أكثر منه في المدن والقرى، وورقه يقوم مقام الأشنان كالخطمي بالنظافة. هذا هو الذي في الدنيا، أما الذي في الآخرة فهو «مَخْضُودٍ» ٢٨ من الشوك وثمره عظيم وشجره كبير «وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ» ٢٩ متراكم بعضه على بعض ويمتاز عن طلح الدنيا بالحجم والرائحة وعدم الغلاف، إذ لا فضول في فواكه الآخرة، كما أن أهلها لا فضول لهم، فهي وأهلها مبرأون من كل دنس ورجس وقذر، والمراد به الموز، وهو والتين أشبه بفاكهة الآخرة إذ لا فضول فيهما، «وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» ٣٠ منبسط دائما لا تنسخه شمس، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرأوا إن شئتم وظل ممدود
«وَماءٍ مَسْكُوبٍ» ٣١ مصبوب في الأكواب مهيأ للشرب موضوع بين أيديهم لا يحتاجون إلى كلفة الغرف والصبّ كلما فرغت آنيته ملئت «وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ» ٣٢ لأنها «لا مَقْطُوعَةٍ» كفاكهة الدنيا حتى تنفذ في موسمها «وَلا مَمْنُوعَةٍ» ٣٣ من قبل أحد يحول دون قطفها ولا هي تابعة للبيع والشراء لأن أثمار الجنة أدي ثمنها في الدنيا وهي لا تحتاج للتناول بل غصنها نفسه يميل لطالبها ليقطف منها ما يريده ومتى ما قطف صار مكانه، لهذا وصفت بأنها غير مقطوعة وغير ممنوعة «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» ٣٤ عالية ويكنى بها عن
стр. 724
النساء الحسان المتعليات عليها بدليل قوله «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ» خلقناهن وأبدعناهنّ «إِنْشاءً» ٣٥ جديدا بخلاف ما كن عليه في الدنيا، وذلك أن العرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على طريق الاستعارة، والقرآن جاء بلغتهم، وعلى هذا يكون المعنى مرفوعة بالفضل والجمال والأدب والصون على نساء الدنيا، والله جل شأنه يشير بذلك إلى نساء المؤمنين، المؤمنات أصحاب اليمين لأنهن لأزواجهن الأخيرين في الدنيا «فَجَعَلْناهُنَّ» بعد أن كنّ ثيبات صيّرناهن «أَبْكاراً» ٣٦ كنساء الجنة عذارى كأنهن لم يطمثن «عُرُباً» حسنات التبعل متحببات لأزواجهن «أَتْراباً» ٣٧ مستويات في السن أمثالا في الخلق عمر الواحدة ثلاث وثلاثون سنة.
مطلب نساء أهل الجنة والذين يدخلونها بغير حساب:
جاء عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث وثلاثين. وعليه فمن كانت عند موتها دون هذا السن أبلغت إليه، ومن كانت فوقه ردت إليه، لأنه سن الكمال في النساء، كما أن الأربعين سن الكمال في الرجال، ومما يدل على هذا ما رواه البغوي بسنده عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز (وهذا من جملة مزحه ﷺ إنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا) قال فولت تبكي قال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى قال (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله تعالى (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ) إلخ قال عجائز تركن الدنيا عمشا رمضا فجعناهن أبكارا إلخ.
وهذا الخير الكثير المار ذكره كله «لِأَصْحابِ الْيَمِينِ» ٣٨ وعشرة أمثاله نسأل الله أن يجعلنا منهم «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ٣٩ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ» ٤٠ تقدم تفسير مثله، وقد روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن دويم قال:
لما أنزل الله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) بكى عمر رضي الله
стр. 725
عنه فقال يا نبي الله آمنا برسول الله وصدقناه، ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل الله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فدعا رسول الله ﷺ عمر فقال قد أنزل تعالى فيما قلت، فقال رضينا عن ديننا وتصديق نبينا، فقال ﷺ من آدم إلينا ثلّة، ومنا إلى يوم القيامة ثلة، ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط تصغير رهط وهو دون العشرة وتستعمل للأربعين كما مر في الآية الأولى من سورة الجن المارة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع إلي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض القوم في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج رسول الله عليهم فقال ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون (أي لا يقرأون على الناس ولا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم من تعاويذ وغيرها لأنهم متوكلون على الله تاركون الأسباب لمسببها) ولا يتطيرون (يتشاءمون من شيء) وعلى ربهم يتوكلون في كل أمورهم.
فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل آخر فقال يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال سبقك بها عكاشة.
وليعلم أن الآية الأخيرة غير ناسخة للأولى، لأن الأولى في السابقين الأولين، وهم قليل بالنسبة للأمم قبلهم، ولذلك قال تعالى وقليل من الآخرين، والآية الثانية في أصحاب اليمين وهم كثير، ولذلك قال وثلة من الآخرين، وما جاء في بكاء عمر وحزنه في الحديث السابق المروي عن عروة والحديث الذي رواه أبو هريرة في معناه وزاد فيه فنسخت، وقليل من الآخرين أي منهم، فيكثرهم الفائزون
стр. 726
في الجنة من الأمم السوالف، ولذلك حزن عمر ﵁ وقال له ﷺ ما قال مما أذهب حزنه، لأن الحديث لا ينسخ القرآن كما نوهنا به في المقدمة في بحث الناسخ والمنسوخ، على أنه ليس فيه نسخ كما زعم بعضهم، وإذا صح ما جاء في حديث أبي هريرة من قوله فنسخت (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فينبغي تأويله بأن يقال أراد به فأزالت حسبان عمر، أي بذكر نحوه في الفائزين بالجنة من هذه الآية غير السالفين، فتدبر.
ثم بدأ يشرح أحوال الأشقياء حفظنا الله منهم ومما هم صائرون إليه فقال عز قوله «وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ» ٤١ فيه تهويل من عظيم ما هم صائرون إليه من شدة العذاب، لأنهم يومئذ يكونون «فِي سَمُومٍ» أشد الرياح حرا يكاد حرها يدخل في مسام الأديم «وَحَمِيمٍ» ٤٢ ماء متناه في الحرارة والغليان يعطونه إذا اشتد عطشهم فيزيد ببلائهم أجارنا الله من ذلك «وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» ٤٣ دخان بالغ من السواد أقصاه، ثم وصفه بأنه «لا بارِدٍ» لأنه ناشىء عن دخان حار «وَلا كَرِيمٍ» ٤٤ لأنه لا ينفع من يأوي إليه ليستظل به لأن كرم الظل الاسترواح به من وهج الحر، وإنما صيّرهم الله إلى هذه الحالة السيئة بسبب «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ» الوقوع في هذا العذاب في دنياهم «مُتْرَفِينَ» ٤٥ بنعم الله وقد تقووا بها على معصيته فاستعملوها لغير ما خلقت لها «وَكانُوا» مع ذلك في دنياهم أيضا «يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» ٤٦ يداومون على الذنب الذي يتحنث منه ويتأثم به، يقال بلغ الغلام الحنث أي زمن ما يكون مؤاخذا به على عمله السيء ويعد عليه إثما إذ قبل البلوغ لا يعتد به ولا يعاقب عليه، وقد وصفه بالعظيم ليعلم أن المراد منه الشرك بالله، إذ لا أعظم منه ذنبا «وَكانُوا يَقُولُونَ» بعضهم لبعض فضلا عن ذلك «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ» ٤٧ استفهام إنكار وسخرية بالله ورسله الذين أخبروهم بالبعث بعد الموت الذي ينكرونه وخوفوهم عاقبته ويقولون أيضا «أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ» ٤٨ يبعثون أيضا، زيادة في الاستهزاء، وقد جاء هنا العطف على المضمر من غير تأكيد في الضمير المنفصل كما في نحو (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الآية ٣٥ من البقرة في ج ٣، ومثلها
стр. 727
في الآية ٦٨ من الأعراف المارة في قوله (نَحْنُ وَلا آباؤُنا) الآية ٣٥ من سورة النحل في ج ٢، وإنما جاز ذلك لوجود الفاصل وهو الاستفهام، كما جاز الفصل بلا في الآية الأخيرة وفي الآية ١٤٧ من سورة الأنعام، وهي (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) لتأكيد النظر بلا المذكورة.
مطلب صحة العطف على الضمير من غير تأكيد:
فلم يبق من حاجة لذكر نحن في الآيتين الأخيرتين، لأن الضمير المنفصل إنما يجب الإتيان به لصحة العطف إذا لم يكن هناك استفهام ولا نفي مؤكد كما في آية النحل وهاتين الآيتين أي الآية المفسرة وآية الأنعام، فيا أكرم الرسل «قُلْ» لقومك المقتفين آثار أولئك الكفرة والجاحدين المقلدين لهم بإنكار البعث «إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» ٤٩ من جميع الخلق طائعهم وعاصيهم وعزة الله وجلاله وعظمته ونواله «لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» ٥٠ عند الله وواقفون بين يديه للحساب والجزاء
«ثُمَّ» يقال لهم من قبل الملائكة الموكلين بتبليغهم وسؤالهم من قبل الله «إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ» عن طرق الهدى «الْمُكَذِّبُونَ» ٥١ بهذا اليوم «لَآكِلُونَ» في جهنم زيادة على تعذيبكم فيها «مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ» ٥٢ شديد المرارة وهو نبت فيها أشبه بالحنظل في أرض الدنيا، «فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ» ٥٣ رغما عنكم لأن ملائكة العذاب يقسرونهم على أكله والشرب من الحميم أيضا، ليزيدوا في تعذيبهم كما تعلف الدواب المربوطة قسرا من قبل أهل الدنيا «فَشارِبُونَ عَلَيْهِ» عند شدة عطشكم «مِنَ الْحَمِيمِ ٥٤ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» ٥٥ الإبل المصابة في داء الهيام فإنها لفرط ظمئها لا تزال تشرب حتى تهلك، لأنها لا تروى قال الشاعر:
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها
ومن كان شربه والعياذ بالله الماء المغلي كيف يروى؟ وهذا بعض عذاب أهل النار، إذ يسلط عليهم الجوع فتضطرهم الملائكة لأكل الزقوم، ويسلط عليهم العطش فتضطرهم أيضا لشرب الهيم «هذا» أيها السائل «نُزُلُهُمْ» ما يقدم إليهم في جهنم أول دخولهم
стр. 728
فيها ويلجئونهم على تناوله تكرمة لهم على حد قوله (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية ٢١ من آل عمران في ج ٣، وقوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) الآية ٤٩ من الفرقان في ج ٢، على طريق التقريع والاستهزاء (والنزل) هو أول ما يقدم للضيف عند قدومه ثم بعد استراحته يقدم له الطعام والشراب، وأهل النار أول ما يقدم لهم ذلك ثم يأتيهم والعياذ بالله ما لم تتخيله أذهانهم من العذاب «يَوْمَ الدِّينِ» ٥٦ الجزاء الذي ينالونه فيه على أعمالهم وفي قوله تعالى (نزلهم) تهكم فيهم وسخرية بهم لأنه إذا كان هذا أول عذابهم فما ظنك فيما بعده؟ أجارنا الله وحمانا، وقيل في المعنى:
وكنا إذا الجبار في الجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
بتخفيف الزاي بدل ضمه، وهي قراءة أيضا، وهذا وما يأتي وإن كان المخاطب به كفار قريش فهو عام في جميع الكفرة المنكرين للبعث المكذبين الرسل، ثم بادر يخاطبهم على طريق الإلزام والتبكيت بقوله جل قوله «نَحْنُ خَلَقْناكُمْ» كما تعلمون من نطفة وخلقنا أباكم من تراب «فَلَوْلا» هلا «تُصَدِّقُونَ» ٥٧ أن من يخلق ابتداء من غير شيء بطريق الإبداع، ألا يقدر على إعادة ما خلقه ثانيا على نمط الأول؟ بلى وهو أهون عليه، وكل شيء عنده هين «أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ» ٥٨ من النطف في أرحام النساء «أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ» أي لجنين المكون من تلك النطفة فتصيرونه بشرا سويا «أَمْ» نَحْنُ الْخالِقُونَ» ٥٩ له منها بل هو هو، فيا أيها الناس تدبّروا هذا واعلموا أنا «نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ» أي أجله كما قدرنا الحياة في الرحم والدنيا والبقاء في البرزخ فمنكم من يموت في بطن أمه ومنكم من يموت طفلا وصبيا وشابا وكهلا وشيخا وهرما، بمقتضى تقديرنا الأزلي لآجالكم «وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» ٦٠ عن شيء نريده بل الغالبون أبدا في كل شيء، ولا يفوتنا شيء، ولا يقع في الملك والملكوت شيء ما إلا بمقتضى تقديرنا، واعلموا أيها الناس أنا نحن القادرون (الرفع بعد نحن على البدلية، والنصب على الاختصاص) تأمل هذا واعلم أن من يعرف العربية فقد لا يغلط أحدا حيث يجد له طريقا وخاصة ما بعد أن وكان)
«عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ»
стр. 729
فنغير صفاتكم هذه التي أنتم عليها من الخلق والخلق، أو نذهبكم وناتي بدلكم أشباهكم من الخلق الآخر «وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ»
٦١ من الصور خلقا جديدا لا يشبه خلقكم الذي أنتم عليه، مما لم يكن في حسبانكم «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ» أيها الناس «النَّشْأَةَ الْأُولى» وكيفيتها من العدم لا من شيء سابق ولا مثال متقدم «فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ» ٦٢ بأني قادر على النشأة الثانية لأنها على مثال سابق، ومن كان قادرا على الإنشاء من لا شيء فهو أقدر على إعادة ما أنشأه بعد هلاكه، والبون شاسع بين الوجود والعدم «أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ» ٦٣ في الأرض وتبذرون فيها من أنواع البذور «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ» فتنبتونه وتنشئونه وتصيرونه زرعا قائما على سوقه، وتجعلون فيه الحب «أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» ٦٤ الفاعلون لذلك كله وانكم لم ولن تفعلوا شيئا غير أقدارنا لكم على طرح الحب في الأرض، فإذا شئنا أنبتناه وإذا شئنا لم ننبته، وأنا «لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً» هشيما مكسرا تبنا ناعما لا قمح فيه عفوا بلا سبب أو نسلط عليه شيئا من الآفات الأرضية كالسوس والجراد والسمائية كالحر والبرد، أو نغرقه بالماء، أو نحرقه بصاعقة فنتلفه بما نشاء «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ» ٦٥ تتعجبون فيما نزل فيه وتندمون على تعبكم عليه وانفاقكم المال لأجله، وتتلاومون على زرعه أو التقصير في مراعاته.
وأصل التفكه التنقل بصنوف الفواكه، ثم استعبر للننقل بالحديث، وكني فيه هنا عن التعجب والندم والتلاوم، أو عن اتلافه وحرمانكم منه، هذا وإذا أريد المعنى الظاهر من تفكهون فيكون ويجعلكم تقتصرون على أكل الفواكه فقط وتعدمون لذة القمح الذي لا يغني عنه شيء بحيث لا تعافه النفس مهما أدمن عليه بخلاف غيره من الأطعمة، وعند ما يجعله الله كذلك تقولون «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ» ٦٦ ذهب مالنا بغير عوض وتعبنا بغير أجر وأملنا دون حظوة وتقولون «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» ٦٧ من ربح زرعنا الذي كنا نأمله لا حظ لنا فيه «أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ» ٦٨ منه أنتم وأنعامكم ودوابكم وتغتسلون منه وتغسلون ثيابكم وأوانيكم «أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ» السحب واحده مزنة قال الشاعر:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقلت ابقالها
стр. 730
«أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ» ٦٩ له بقدرتنا إذ ننزله لكم بقدر حاجتكم إليه على أنا «لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً» شديد الملوحة مرا لا يشرب ولا ينفع الزرع، فتهلكون عطشا وتنلف زروعكم وأشجاركم، لأنا قادرون على اتلافكم بأنواع شتى، فلو سكنا عنكم الهواء ساعة لهلكتم جميعا «فَلَوْلا تَشْكُرُونَ» ٧٠ نعم الله عليكم التي من جملتها تأمين ضرورياتكم وما تصلحون به مأكولكم
وما تتقون به شدة الحر المنوه عنه بقوله «أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ» ٧١ تقدحون لها الزناد فتتقّد فتستضيؤن بها وتنضجون طعامكم عليها «أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها» التي توقد منها أو شجر المرخ والعقار المار ذكره في الآية ٨٠ من سورة يس المارة «أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ» ٧٢ لها بل نحن أنشأنا شجرها لنفعكم و «نَحْنُ جَعَلْناها» أي تلك النار لكم في الدنيا «تَذْكِرَةً» لنار الآخرة الكبرى ليتعظ بها من له عقل كلما رآها، فيذكر عذابها ويرتدع عما نهي عنه، ولذلك عممنا الحاجة إليها «وَ» جعلناها «مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ» ٧٣ المسافرين والفقراء الذين ينزلون (القواء) الأرض القفرة وللأغنياء المقيمين أيضا، إذ لا غنى لأحد عنها، إلا أن المسافر أشد حاجة لها من غيره، لأنه بوقدها للتدفئة ولهروب الهوام عنه لأنها لا تقربه ما دامت النار عنده خشية منها، وإلا افترسته حالا وفيها منفعة أخرى وهي اهتداء الضال بها والاستضاءة بها ليلا وللطبخ والخبز، وتسخين الماء ليلا ونهارا، وكونها تذكرة لنار الآخرة لا يقتضى أن تكون مثلها وقد ذكرنا في الآية ١٣٥ من سورة طه المارة أن المشبه لا يكون كالمشبه به من كل وجه. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ناركم هذه الذي توقدون جزء من ستين جزءا من نار جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها. أعاذنا الله منها ولو أن نارنا هذه مثل تلك لما انتفعنا بها أبدا، لأن أجسامنا هذه لا تطيق مقابلتها، ولأن ما يوضع عليها للنضج يحرق حالا، لأنها تذيب الحديد وتفتت الحجارة حالا، ولكانت نقمة علينا لا نعمة لنا. ثم التفت جل شأنه الى حبيبه ﷺ وقال له «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ»
стр. 731
٧٤ نزه عما يقول هؤلاء الظالمون من اتخاذ الآلهة من دونه وانكار إعادة خلقه بعد الموت ومن سائر ما يصمونه به من الولد والشريك والصاحبة، ثم أقسم قائلا «فَلا أُقْسِمُ» تقدم البحث فيه مفصلا أول سورة القيامة فراجعه ففيه بحث نفيس «بِمَواقِعِ النُّجُومِ» ٧٥ مساقطها عند غروبها بالنسبة لما نرى قال ابن عباس النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها على النبي ﷺ وعليه مشى الشيخ الأكبر وقال يا لها من أوقات! وقد أخرج النسائي وابن جرير والحاكم والبيهقي في الشعب أنه قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا الى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين. وفي لفظ ثم نزل من سماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ هذه الآية، ويستحيل على هذا القول عرد الضمير في «وَإِنَّهُ» للقرآن بالنظر إلى ما يفهم من مواقع النجوم حتى يعد كأنه مذكور أي وأن هذا القسم الذي ذكره الله بعد أن فرغ من ذكر البراهين المسكة الآنفة الذكر التي يخرس عندها كل بليغ ويحجم عنها كل فصيح «لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ» ٧٦ لأن في سقوط النجوم بالنسبة لما نراه زوال أثرها ودلالة على وجود مؤثرها الدائم وقد استدل الخليل ﵇ بأقوالها على صانعها ﷻ ، كما سيأتي في الآية ٧٦ فما بعدها من سورة الأنعام في ج ٢، وفي هذه الآية دالة على جواز الفعل بين الصفة والموصوف بكلام آخر، لأن عظيما هنا جاء صفة لقسم، والله تعالى يقول هو عظيم جدا لو تعلمون ما يترتب عليه من المصالح فضلا عن أنه وقت قيام المجتهدين المبتهلين الى الله، وآن نزول رحمته، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وجواب القسم في قوله تعالى «إِنَّهُ» أي المنزل عليك يا سيد الرسل «لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» ٧٧ لما فيه من النور والهدى والبيان والعلم والحكم والحكمة، لأن الفقيه يستدل به والحكيم يستمد به والأديب يقتبس منه والأريب يتقوى به، والمتعلم يستفيد منه، وكل عالم يطلب أصل علمه من فيضه، ليس بسحر ولا كهانة كما
стр. 732
يقولون، بل هو مثبت عند الله «فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ» ٧٨ محفوظ مصون «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» ٧٩ الملائكة المقربون والسفرة الكرام البررة. ولا هنا نافيه والضمير يعود للأقرب وهو الكتاب أي اللوح المحفوظ، فلو أريد عوده للبعيد وهو
القرآن لقال المتطهرون أو المطهرون بتشديد الطاء والهاء، وعلى قول من أعاد الضمير للقرآن وهو ضعيف جدا فيراد منه الإنسان أي لا يمسه منهم إلا المتطهرون، والصواب الأول وعليه المعول، وبه قال أكثر المفسرين والعارفين.
مطلب مس المصحف والحديث المرسل والموصول:
وأما المنع من مس المصحف لغير المتطهر فقد ثبت بالحديث الآتي لا بنص هذه الآية، وعليه يشمل أهل الدنيا فلا يمسه منهم إلا المتطهرون المتوضئون بالطهارة الحيّة، وعليه فتكون (لا) هنا بمعنى النهي (الحكم الشرعي) المنع من مسه أو مس حرف منه لغير المتوضئ، ويحرم على المحدث أن يمسه بدون غلاف، ولا بأس بمس غير المكتوب منه، وقال الشافعي ﵀ لا يجوز حمله لغير المتوضئ ولو كان بغلاف ولا يجوز مس شيء منه سواء كان فيه كتابة أم لا. روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهرين أخرجه مالك مرسلا- المرسل أحد أقسام الحديث وهو ما سقط منه الصحابي بعد ذكر التابعي وهو من قسم المقبول، وقد احتج به مالك وأبو حنيفة، وهو موصولا، والموصول ما اتصل سنده بحضرة الرسول بغير انقطاع وهو صالح للاحتجاج به بلا خلاف- وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بهذا والصحيح فيه الإرسال أيضا، وروى الدارقطني بسنده عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لا يمس القرآن إلا طاهر. والمراد بالقرآن المصحف سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع، كما روى أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن الى أرض العدو كما أشرنا إليه، في المقدمة وأراد به المصحف، اما المحفوظ بالصدر فلا لأن القصد حفظه عن الامتهان بسبب. لمس غير
стр. 733
المتطهر، أما ما هو محفوظ بالصدر فهو في أمن من ذاك، وله أن يقرأه عن صدر الغيب ما لم يكن جنبا، وهذا القرآن الموصوف بما تقدم «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ٨٠ منزل تنزيلا على اتساع اللغة إذ يقال للمقدور قدر وللمخلوق خلق فليس بمفترى من قبل محمد، ولا تعلمه من قبل الغير ولا هو من خرافات الأولين كما زعم كفرة قريش، وهذه الآية كالرد ضمنا على هؤلاء المتقولين بذلك
«أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ» الحديث الشيء الجديد وإن نزوله بالنسبة للمنزل عليهم جديد، لذلك سماه حديثا، وإلا فهو كلام الله القديم القائم بذاته المقدسة مبرأ عن الحدوث كذاته المنزهة عنه «أَنْتُمْ» يا أهل مكة ويا كفار العرب أجمع «مُدْهِنُونَ» ٨١ متهاونون بهذا القرآن مكذبون به، لأن من كذب بالشيء فقد تهاون فيه، ومن قال أن معنى مدهنون منافقون لا يتجه لأن الآية مكية ولا نفاق فيها، وإنما حدث النفاق في المدينة ولم يكن في مكة إلا المكايدة والمجاهرة بالعداوة والمكابرة في الحق وعلى الحق، وكانوا متسلطين لا يحتاجون إلى النفاق ولا يعرفونه، ولم تكن كلمة النفاق مستعملة عندهم، أما من قال إن هذه الآية والتي تليها مدنيتان كما أشرنا إليه أول السورة، فيتجه قوله بأن معنى مدهنون منافقون، ويريد بذلك قولهم للمؤمنين آمنا به، ولإخوانهم المنافقين إنا مستهزئون، كما قصه الله في الآية ١٨ من سورة البقرة في ج ٣، ومعنى الإدهان الجري في الظاهر على خلاف الباطن، وقد حدث النفاق بالمدينة «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ» أيها الكفرة على القول بأنها مكية، وعلى أنها مدينة تجعلون شكر رزقكم أيها المنافقون المتلونون أي حظكم ونصيبكم من هذا القرآن «أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» ٨٢ به ولا تصدقونه وتجحدونه ولا تشكرونه، قال الحسن: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب انتهت الآيتان المدينتان على قول، وقال في الإتقان أن آية (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) مدينة وهو قول ضعيف لم بعضده ما يقويه لذلك لم نستثنها مع هاتين الآيتين، قال تعالى «فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ» النفس أو الروح عند الموت «الْحُلْقُومَ» ٨٣ مجرى الطعام والشراب «وَأَنْتُمْ» يا أهل المحتضر «حِينَئِذٍ» حين بلوغ الحلقوم
стр. 734
«تَنْظُرُونَ» ٨٤ ذلك لما تشاهدون من حال المحتضر فقط، وإلا لا يمكن أن تبصروا شيئا ماديّا، لأن الروح من أمر الله لا تشاهد ولا يسعكم إلا البكاء، لأنه لا يمكنكم دفع ما حل به ولا تأخيره ولا صرفه أبدا «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ» ولو أنكم معه «وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ» ٨٥ قربنا منه ولا تعلمون كيف نقبض روحه ولا ترون أملاكنا المحيطين به، لأنكم لا تفقهون معنى الروح ولا تعقلونه، لكونه من خصائص الإلهية، وأنتم لا ترون إلا شخوص بصره نحو السماء عند خروج روحه هذا إذا كان الخطاب لمن حضر المحتضر، وإذا كان الخطاب له يكون المعنى وانكم أيها المحتضرون ترون منزلتكم في الجنة أو النار حين خروج روحكم، ولذلك تشخص أبصاركم نحوها ونحن عندكم ومعكم، ولكن لا تبصرون وجودنا «فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ» ٨٦ مجزيين على تقصيركم، يقال وإنه إذا ثبت عليه الجرم والأولى أن يكون معناه غير مربوبين، وإن السلطان للرعية إذا ساسهم وتعبدهم ومنه قولهم للعبد مدين وللأمة مدينة قال الأخطل:
ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... تراه على مسحاته يتركل
أي يضرب مسحاته برجله لتدخل في الأرض. لعمدتم «تَرْجِعُونَها» إلى جسدها بعد خروجها منه «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ٨٧ في دعواكم أن الميت ميت بالطبع ولا بعث ولا حشر ولا نشر ولا جزاء، ولكنكم لا تقدرون على ردّ أرواح الموتى بما تستمدونه من الرقى والطب مهما كان الراقي عارفا والطبيب حاذقا، لا يقدرون على شيء من ذلك، وإذا تحقق عجزكم عن هذا فاعلموا وتيقنوا أن الأمر منوط بالله وحده الذي خلقكم وأماتكم، هو يحييكم ثانيا، ويجعلكم أصنافا ثلاثة «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ» ٨٨ السابقين المار ذكرهم ووصفهم في الآية ١٠ فما بعدها «فَرَوْحٌ» له واستراحة «وَرَيْحانٌ» يحيط به وهو المعروف عندنا، ولكن أين هذا من ذاك «وَجَنَّةُ نَعِيمٍ» ٨٩ له يتنعم فيها ما زال في برزخه إلى أن ينقله الله منه إلى الجنة الدائم نعيمها، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال لم يكن من المقرّبين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصنين من
стр. 735
ريحان الجنة فيشمها ثم يقبض. وأخرج ابن جرير أيضا عن الحسن أنه قال:
تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة. ثم قرأ هذه الآية «وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» ٩٠ السالف ذكرهم أيضا ونعتهم
«فَسَلامٌ لَكَ» يا صاحب اليمين «مِنْ» اخوانك الكرام «أَصْحابِ الْيَمِينِ» ٩١ وسلام لك يا أكرم الرسل بهم لا تخف عليهم فهم في أمن من العذاب فلا تهتم بشأنهم وستراهم على ما تحب من السلامة، وانهم يسلمون عليك في دار فضلك «وَأَمَّا إِنْ كانَ» ذلك الميت والعياذ بالله «مِنَ» أصحاب الشمال «الْمُكَذِّبِينَ» الجاحدين رسالتك وكتابك وربك «الضَّالِّينَ» ٩٢ عن هداك المائلين عن رشدك يا سيد الرسل المنحرفين عن الصواب «فَنُزُلٌ» لهم مهيء في جهنم «مِنْ حَمِيمٍ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» ٩٤ يحرقون فيها، مرّ تفسير مثله «إِنَّ هذا» الذي ذكر مما قصه الله عمن حضره الموت وما قبله «لَهُوَ» وعزّتي وجلالي «حَقُّ الْيَقِينِ» ٩٥ الثابت الذي لا شك فيه وهو العلم المتيقن عين اليقين ونفسه.
مطلب الفرق بين علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين:
ولأهل المعرفة في عين اليقين وحق اليقين وعلم اليقين فقط عبارات شتى، فاليقين عندهم رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان، وحق اليقين فناء العبد في الحق والبقاء بربه علما وشهودا وحالا لا علما فقط، فإذا كان علما فقط فهو علم اليقين، فعلم كل عاقل بالموت علم اليقين، فإذا عاين الملائكة فهو علم اليقين، وإذا ذاق الموت فهو حق اليقين، والإيقان هو العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال الله موقن «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» ٩٦ إن كنت موقنا عازما وتقدم تفسير مثله وكرر تأكيدا قال علي الجهني لما نزلت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قال ﷺ اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال اجعلوها في سجودكم أخرجه أبو داود- وأخرج الترمذي عن حذيفة أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلّا وقف وسأل الله، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ.
قال الترمذي حديث صحيح. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال:
стр. 736
قال رسول الله ﷺ : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان، حيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. هذه أحاديث لا يقال فيها شيء إلا أن ما قاله الجهني وأخرجه أبو داود عن حذيفة، ومثله الذي أخرجه عن عقبة بن عامر لا يصح، لأن سورة الأعلى وهذه السورة نزلتا في مكة قولا واحدا قبل فرض الصلاة، ويوشك أنه سمع هذا منه ﷺ بعد فرضها، ففيه تجوز من حيث سبب النزول، إذ كثير من الآيات يستشهد بها لمناسبة حادثة مع أنها نزلت قبلها بكثير، ولا مانع من ذلك، إلا انه لا ينبغي أن تجعل سببا للنزول، تأمل هذا، واعلم أن كثيرا من الشواهد تأتي بغير موضعها لعدم الدقة في معرفة ترتيب نزول السور وتواريخها والمشي على ظاهر ترتيب القرآن، وجلّ من لا ينسى، وعزّ من لا يخطىء، على أنه يجوز أن حضرة الرسول قرأ هاتين الآيتين في المدينة فلما أتى على آخرهما قال ما قال، لأنّ جميع ما نزل في مكة تلاه في المدينة بعد وصوله إليها ليعلمه أهلها، وعليه فلا يقال إن ذلك نزل في المدينة والقول بالنزول مرتين ممنوع إذ لا قول فيه معول عليه كما بيناه أول سورة الفاتحة المارّة، أما الحديث الثاني الذي أخرجه الترمذي فلا مقال فيه لأنه لم يذكر فيه ما ذكر في الحديث الأول، وهو قوله لما أنزلت إلخ، ولم يعين تاريخا، ولا شاهد فيه على النزول، ولذلك قال في آخره حديث صحيح. هذا، وروي أن عثمان بن عفان ﵁ دخل على ابن مسعود في مرض موته فقال ما تشتكي؟ فقال ذنوبي.
فقال ما تشتهي؟ قال رحمة ربي، قال أفلا تدعو لك الطبيب؟ قال الطبيب أمرضني، قال أفلا نأمر بعطائك؟ قال لا حاجة لي فيه، قال ندفعه إلى بناتك؟ قال لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا- راجع أول هذه السورة تجد ما يتعلق بهذا البحث، هذا وقد ختمت سورة الحافة الآتية في ج ٢، بمثل ما ختمت به هذه السورة فقط. والله أعلم وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 737
تفسير سورة الشعراء عدد ٤٧- ٢٦
نزلت بمكة بعد الواقعة عدا الآيات ١٩٧ ومن ٢٢٤ إلى آخر السورة، فإنها نزلت بالمدينة وهي مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وتسع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وأربعون حرفا، ويوجد في القرآن سورة القصص مبدوءة بمثل ما بدئت به هذه فقط، أما سورة النمل فهي بغير ميم لا نظير لها في القرآن، إلا أنه يعبر عن هذه السور الثلاث بالطواسيم، كما يعبر عن السور السبع الآتية في ج ٢ بالحواميم، وآل حاميم، لأنها مبدوءة بلفظ حم.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»
قال تعالى: «طسم» ١ القول في معناه كالقول في معنى الم وبقية الحروف المقطعة، وعلى القول بأن هذه اللفظة قسم من الله تعالى، فيقال إنه أقسم بطوله وسنائه وملكه، وعلى القول بأنها مفاتيح بعض أسمائه تعالى فهي مفتاح اسمه السلام والمالك والمحيي وشبهها، والصحيح أنه رمز بين الله ورسوله، راجع بحث الفرق بين الوحي والإلهام في المقدمة «تِلْكَ» أي هذه الآيات المنزلة عليك يا سيد الرسل هي «آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ٢ لكل شيء الظاهر إعجازه لكل أحد الدال على صحة نبوتك «لَعَلَّكَ»
يا حبيبي «باخِعٌ نَفْسَكَ» البخع أن يبلغ الذابح البخاع وهو عرق مستبطن الفقار أو أقصى حد الذبح، ولم تكرر هذه الكلمة في القرآن لا في سورة الكهف الآية ٦ في ج ٢، ولعلّ للإشفاق وتقال للتعطف على من تحبه إذا رأيته مبالغا بأمر يؤثر عليه مادة أو معنى شفقة عليه، أي مالك متلف نفسك من أجل «أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» ٣ أي لا تفعل هذا بسبب عدم إيمان قومك بل تريث عليهم وتمهل على نفسك وارفق بها من أن تهلكها حسرة وأسفا وجهدا «إِنْ نَشَأْ» نحن إله السموات والأرض إيمانهم قسرا إجابة لاستعجالك «نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً» عظيمة تلجئهم إلى الإيمان حالا «فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها» للخوف من تلك الآية المهولة «خاضِعِينَ» ٤ منقادين إلى الطاعة لا ينفكون عنها أبدا، فلا ترى منهم من
стр. 738
يميل إلى عصيانك ولكنّا لا نفعل ذلك لأن الإيمان الجبري لا عبرة به، ولو كان له قيمة لآمن يوم القيامة جميع الخلق لما يشاهدون من الأهوال، ولآمن كل من في الدنيا حين يقع في يأس أو بأس، فاتركهم الآن، لأن شأنهم شأن أمثالهم الكفرة من أمم الرسل السالفة، راجع تفسير الآية ٨ من سورة فاطر والآية ١٧١ من سورة الأعراف المارتين «وَ» هؤلاء «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ» قرآن يتذكرون به «مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ» إنزاله عليك وتلاوته عليهم بحسب الحاجة والواقع مما هو أزلي في علمنا «إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ» مولين لا يلتفتون إليه، وهكذا كلما جدد الله لهم ذكرا ليتعظوا به، جددوا له كفرا وإعراضا «فَقَدْ كَذَّبُوا» بك يا حبيبي وبما أنزلناه عليك كما كذب الأولون أنبياءهم وكتبهم، فلا يهمنك تكذيبهم وإعراضهم «فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا» أخبار وعواقب «ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ٦ عند ما يمسهم عذاب الدنيا بالجلاء والأسر والقتل وعذاب الآخرة بالخزي والهوان والإحراق يعلمون نتيجة استهزائهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ضرب مثلا لمنكري البعث بعد أن هددهم بما تقدم فقال جل قوله «أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ» ٧ محمود كثير المنفعة بعد أن كانت لا شيء فيها قبل إنزال الغيث «إِنَّ فِي ذلِكَ» الإنبات لأنواع الحبوب والأزهار والأب لقوت الإنسان والحيوان والطير والحيتان «لَآيَةً» كافية على قدرتنا لإحيائكم بعد الموت وعلى وجوب إيمانكم بنبيئنا وكتابنا:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأهداب هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
والمراد بهذا النبات هو النرجس، ممن كان له عقل سليم عرف بمجرد تأمله وتفكره في ذلك عظمة القادر فآمن به وصدق رسوله وكتابه، وهؤلاء قليل «وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ» ٨ لتوغلهم بالكفر وتماديهم في الضلال «وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ» الغالب القوي القادر على الانتقام منهم «الرَّحِيمُ» ٩ بأوليائة يقيهم شر أعدائه وينصرهم عليهم ويهلكهم عند يأس أنبيائه من إيمانهم «وَ» اذكر لقومك
стр. 739
يا سيد الرسل «إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى» من الشجرة كما مر في الآية ١٢ من سورة طه فقال له «أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ١٠ أنفسهم بالكفر وبني إسرائيل بالعسف،
ثم بين هؤلاء القوم بقوله اعني «قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ» ١١ عقوبة الله فيؤمنوا به ويتركوا الإسرائيليين، وقد ذكرهم الله في هذه القصة علهم ينتبهوا من سباتهم فيخافوا العاقبة فيؤمنوا به «قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِي» بتكذيبهم «وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي» بسبب العقدة العائقة عن الفصاحة في النطق، وتقدم في الآية ٢٨ من طه أنها في قوة التكلم لا في الجارحة نفسها وقد بينا هناك ماهيتها وسببها «فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ» ١٣ يعينني على التبليغ بمهابته وقوة نطقه «وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ» بقتل القبطي منهم «فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» ١٤ به قصاصا، وستأتي قصته مفصلة في الآية ١٤ من سورة القصص الآتية، «قالَ كَلَّا» لا يقتلونك ولا يضربونك أبدا فأنا حافظك منهم (نذكر بأن كلمة كلّا هذه المفيدة للزجر والردع كررت في القرآن العظيم ثلاثا وثلاثين مرة منها ما يجوز الوقف عليها ومنها ما لا يجوز) «فَاذْهَبا» اليه أنت وأخوك لأني آزرتك به حسب طلبك متلبسين ومتقوين «بِآياتِنا» التي هي النبوة والرسالة وبرهانهما اليد والعصا وهما أول ما أعطيهما موسى ﵇ «إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ» ١٥ ما تقولانه له وما يقوله لكم، وقد أجراهما في الخطاب مجرى الجماعة تعظيما لشأنهما وجريا على لغة العرب المنزل هذا القرآن عليهم وإليهم ثم قال لهماَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا»
لهِ نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ»
١٦ إليك لم يئن الضمير هنا لأن معنى رسول هنا مرسل الله ورسالته، فإن كان بمعنى مرسل فلا بد من التثنية، وإن كان بمعني الرسالة وهو كذلك هنا فيكون وصفا والوصف يستوى فيه الواحد والجماعة، وهو معروف عند العرب قال كثير:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بشيء ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة وقال العباس بن مرداس صاحب علم حضرة الرسول، دفين دمشق، وقد سميت المحلة باسم (سنجقدار) صاحب العلم باللغة التركية وأداة النسبة فيها
стр. 740
فارسية، وضريحه أمام الجامع المسمى بجامع السنجقدار هناك وهو معروف تغمده الله برحمته ورضي عنه:
ألا من مبلغ عنى خفافا ... رسولا بيت أهلك منتهاها
أي رسالة بدليل تأنيث الضمير وهذا أظهر من الأول، وما قيل إن المراد بالرسول هنا موسى فقط، لأن هرون كان ردء له أي تبعا، يأباه سياق الآية بعد وسياقها قبل مما لا يخفى، أما من قال إنهما كالرسول الواحد لاتفاقهما واعتمادهما في الشريعة فله وجه، وما جرينا عليه أوجه، وقال لهما قولا له يا فرعون إن الله ربّنا وربّك أمرنا أن نبلغك «أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ» ١٧ فذهبا اليه وبلغاه فعرف فرعون موسى، لأنه نشأ في بيته، ولقد خاطبه ف «قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً» الوليد من قرب عهده بالولادة وكان كذلك حين صار الى فرعون كما مر في الآية ٣٨ من سورة طه المارة «وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ» ١٨ تحت رعايتنا وبينّت في الآية ٢١ من سورة طه مقدار هذه السنين وما بعدها «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ» من قتلك أحد رجالنا وهي حادثة معروفة لم ننسها بعد «وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» ١٩ لنعمتي يا موسى وحق تربتى، وتأتينا الآن بلا خوف ولا جزع وتزعم أنك رسول الله إليّ «قالَ فَعَلْتُها إِذاً» أي ذلك الوقت وأقر بالقتل ثقة بقول الله له حين قال آنفا (فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، قالَ كَلَّا) ثم قيد فعل القتل بما يدفع كونه قادحا بالنبوة بقوله: «وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» ٢٠ الجاهلين لأنه كان دون الثالثة عشرة من عمره، ففي هذا السن لا يؤاخذ على الجريمة وهو كذلك، أي ذلك وقع من زمن صباوتي قبل استكمال عقلي فضلا عن أني لم أتعمد قتله، لأني وكزته بيدي بقصد الارتداع من التعدي على الإسرائيلي، ولم أعلم أن تلك الوكزة تفضي لموته «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ» ان تقتلون به مع أني لا أستوجب القتل، ولكن علمت أنكم لا تفرقون بين المستحق من غيره خاصة في بني إسرائيل، لأنكم لا تدينون بدين سماوي وإن شريعتكم بحسب هوى أنفسكم، لذلك هربت منكم، وإني حقيقة تربيت في بيتك ولك عليّ حق التربية وأعترف بنعمتك علي، ولهذا أوصاني ربي أن أستعمل معك اللين جزاء لحقك،
следующие страницы →