← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الملك وتعرف عادة الملوك وعواقب الحروب، وقد عرضت لقومها بذلك، لأنها لا تعرف العاقبة إذا خاضت الحرب مع سليمان قبل أن تقف على ما عند سليمان من عدد وعدد، فأخذت الأمر بالسياسة وأحد طرفيها الهدية لانها باطنها خدعة وظاهرها مودة، والحرب خدعة ونتيجة مجهولة من أن يكون الغلب لها أو عليها فقالت «وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ» جمعت الضمير تعظيما وتبجيلا لذلك الملك المهدى إليه، لأنها أحست بعظمة وجلالة قدره من كنايه وحامله «بِهَدِيَّةٍ» عظيمة اصانعهم بها على سلامة ملككم وبقاء مجدكم وعزتكم وصيانة دمائكم، فأختبره بها أملك هو أم نبي، فإن كان ملكا قبل الهدية ورجع عن رأية وإلا حاربناه، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرض منا إلا باتباع دينه ولا قدرة لنا على حرب الأنبياء، لأنهم يعتمدون على الله لا على قوتهم، والله لا غالب له، قالت هذا وهي مجوسية لا تدين بدين تصديقا لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الآية ٣٨ من سورة الزمر، وقال تعالى «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الآية ٨١ من الزخرف في ج ٢، «فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» ٣٥ بقبولها أم ردها، ولنا بعد ذلك نظر نجتمع إليه ثانيا ونتداوله. وحذفت الألف من (بم) على أنها للاستفهام أي بأي شيء، ويجوز أن تكون بمعنى الذي، يرجع به المرسلون. وكانت لبيبة بمخاطبتهم لأنها عاقلة حنكتها التجاريب، وقد ساست الملك والملوك وعرفت دواخلهم واحتكت بالعظماء وخبرت بواطنهم وموقع الهدايا منهم ولأنها تأخذ بالقلوب وتزيل ما فيها فتحيل الحرب إلى السلم، وتجنح إلى الصلح قال ﷺ الهدية تذهب سخيمة القلب. وقال تهادوا وتحابوا. ثم كتبت كتابا الى سليمان ﵇ بينت فيه الهدية، وهي على ما قالوا خمسمائة غلام بثياب جواري وحليهن على خمسمائة فرس مغشاة بالديباج، ولجومها وأسرجتها مرصعة بالذهب والجواهر، وخمسمائة جارية على خمسمائة رمكة بثياب غلمان، وألف لبنة من ذهب، ومثلها من الفضة، وتاج مكلل بالدر والياقوت، وحق فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب، وأرسلتها مع رسلها، وأمرت عليهم من قومها المنذر بن عمرو، وقالت له أنظر إليه حينما يستلم الهدية، فإن نظر إليك بغضب فلا يهولنّك، لأنه

стр. 807

ملك ولسنا بسائلين عنه، وإن ببشاشة ولطف فتواضع إليه، فإنه نبي، وذكرت في الكتاب إن كنت نبيا ميز بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحق (وقالت لرأس الوفد إذا عرف ما فيه قل أمرت بأن أطلب منك أن تثقب الدرة وأن تسلك في الخرزة خيطا) وزودتهم بالنصائح وسيرتهم، وكان الهدهد يسمع كل هذا وعند ما سار الوفد بالهدايا طار من وكره، وأخبر سليمان الخبر كله، فأمر سليمان الجن فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشوها في ميدان واسع متصلا بعرشه بطول سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه ذهب أو فضة، وأمر بربط أحسن الدواب البرية والبحرية عن يمين الميدان ويساره، وأمر بإحضار أولاد الجن، فأقامهم عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكرسي من جانبه وصف الإنس والجن والوحش والهوام صفوفا بين يديه، محياطين بعضهم ببعض، وأمر بالطيور فصفت بالسماء ونشرت أجنحتها على المعسكر كله، فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على الذهب والفضة، رموا بما معهم من اللبن، وقيل إنه ترك من فراش الميدان بقدر ما عندهم من اللبن، فلما جاؤا وضعوا ما عندهم بالمحلات الناقصة خوفا من أن يتهموا بأخذه وهو قيل لا مستند ينقضه قولهم الآتي بتسليم الهدايا ثم تقدموا إليه وأدوا له التحية له التحية وسلموه الكتاب والهدايا، ووقفوا بين يديه وقد هالهم ما رأوا من ذلك المشهد العظيم، فأخذ ما عندهم وفض الكتاب، ونظر إليهم بطلاقة وجه وابتسام، فقال لهم أين الحق، فأعطوه إياه، فقال لهم إن فيه درة غير مثقوبة وخرزة معوجة، قالوا صدقت، ففتحه ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة بفمها ودخلت في الدرة حتى نفذت منها، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها وسلكته في الجزعة، ولأجل أن يعرفهم الغلمان من الجواري أمر بإحضار قسم منهما، وأحضر الماء فأمرهم أن يغسلوا وجوههم، فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب به الأخرى وتغسل وجهها، والغلام يأخذ الماء بيديه ويغسل وجهه، فأخبرهم بأن المرتدين ألبسة الغلمان هم الجواري، والمرتدين ألبسة الجواري هم الغلمان، ثم رد الهدية وأمر الرسل بإيصالها، قال تعالى «فَلَمَّا جاءَ» رسل بلقيس «سُلَيْمانَ» بهديتها كتب إليها ما قاله الله تعالى «قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ» نكره على عظمه

стр. 808

تحقيرا لمادته عنده، لأنه لا يعد ملكه مع عظمته شيئا، ثقة بما له عند الله من الكرامة، وقال «فَما آتانِيَ اللَّهُ» من النبوة والحكم والحكمة والرسالة والملك الذي لا نظير له «خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» من الملك والمال والجند لأني لا أفاخر ولا أكاثر في حطام الدنيا، ولا أفرح بما أوتيت منها «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» ٣٦ ولذلك رددتها إليكم مع عظمها، لتعلموا أن الدنيا بما فيها ليست عندي ببلاغ، كما أنها لا تساوي عند إلهي جناح بعوضة، وان ربي أعطاني منها ما لم يعطه أحدا قبلي ويوشك أن لا يعطيه أحدا بعدي وكل ذلك لا يزن عندي مثقال ذرة لأن همّي وهمتي منصرفان إلى الاخرة ولا أفرح إلا بما يقربني من ربي وأنت أيها الوافد على رأس الذين حملوا هذه الهدية «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ» إلى ملكتك ووزرائها بهديتهم هذه، وأخبرهم بما سمعت ورأيت، وقل لهم ان لم يؤمنوا بالله ويستسلموا له «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها» ولا طاقة لهم عليها «وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها» من بلدة مأرب وما حولها من البلاد التي يقطنها جيل سبأ «أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» ٣٧ مهانون محقرون، قالوا فلما رجع رسلها حائرين بما رأوا وما سمعوا ووصلوا إليها، أخبروها الخبر كله، قالت والله لقد عرفت ما هو بملك وأنه لنبي ولا طاقة لنا به، ثم أجمعت أمرها وكتبت إلى سليمان أني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعوا إليه من الدين. ثم أغلقت على عرشها الأبواب ووكلت به الحرس وأوصتهم بمناظرته، وان لا يخلص إليه أحد، أو يقرب منه، ثم سارت في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل ألوف كثيرة، قال ابن عباس كان سليمان ﵇ مهيبا لا يبتدىء بشيء حتى يكون هو السائل عنه فجلس يوما على سريره فسمع وهجا، قال ما هذا، قالوا بلقيس نزلت على مسيرة فرسخ منا مطلب جلب عرش بلقيس وإيمانها بالله فأقبل على جنوده وأشراف قومه «قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» ٣٨ وكان غرضه من ذلك أن يريها قدرة الله تعالى معجزة له على نبوته «قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ

стр. 809

مِنْ مَقامِكَ» مجلس قضائك بين الناس، وهو من الصبح إلى الظهر، إذ يتصدر فيه لقضاء حاجات الناس من أحكام وغيرها، ثم أكد مقعده وهو على ما قالوا مارد قوي يدعى صخرا يضع قدمه عند منتهى طرفه وكان بعظم الجبل «وَإِنِّي عَلَيْهِ» على الإتيان به وحمله من موضعه إلى هنا «لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» ٣٩ على ما فيه قال سليمان لملئه: أريد أسرع من ذلك لأن القوم أظلونا وأريد أن يروه أمامهم عندي «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ» قالوا هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان ووزيره ومعلمه وكاتبه، وكان يقرأ الكتب الإلهية القديمة ويحفظ اسم الله الأعظم «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» قال سليمان هات، قال أنت بن النبي وليس أحد عند الله أوجه منك، فإن دعوت الله كان عندك، قالوا فخر ساجدا لله تعالى ودعاه بما ألهمه من أسمائه، فجيء بالعرش في الوقت، قال ابن عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلى: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه ونظر نحو اليمن، ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير يجرون به تحت الأرض حتى نبع من بين يدي سليمان وقيل أن الله تعالى يعدم جميع الأشياء ويوجدها في كل لحظة، وهكذا إلى انتهاء الدوران بالاستناد لقوله جل قوله (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) الآية ١٥ من سورة ق المارة، وانه أعدم هناك وأوجد أمام سليمان في تلك اللحظة، وكان الدعاء الذي دعا به آصف على ما روى عن عائشة هو: يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وعلى ما رواه الزهري هو: يا إلهنا وإله كل شيء لا إله إلا أنت ، ائتني بعرشها «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ» بعد أن رفع رأسه من السجود خرّ ساجدا لله تعالى شكرا على ذلك «قالَ هذا» الفضل الجليل «مِنْ فَضْلِ رَبِّي» العظيم «لِيَبْلُوَنِي» يمنحني ويختبرني «أَأَشْكُرُ» نعمه المترادفة علي «أَمْ أَكْفُرُ» بها وأجحدها «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» يعود نفع شكره إليها إذ به دوام النعم، وهو قيد للنعمة الحاضرة وصيد للنعمة المستقبلة، «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ» عن شكره «كَرِيمٌ» ٤٠ بالتفضل عليه لأنه يمهل عبده ولا يعجله بالعقوبة ويكون مسببا لسلبها منه إن لم يشكره عليها، وهذا

стр. 810

مما يستعظم ويتردد فيه عقل من لا يعرف عظمة الله، على أن الذي يصدق بظهور (التلفزيون) وهو المدياع الذي يرى صورة المذيع وليس صوته وهو في فعل بعض خلقه، يجدر به ان يصدق بهذا ولا يتردد فيه، لأنه من فعل ربه الذي لا يعجزه شيء، وهو الذي يقدر عباده على أشياء لم يقبلها العقل مما ظهر في القرن العشرين هذا، من البواخر والطائرات كالقلاع والصواريخ والمذياع (الراديو) ومعامل الكهرباء مما يحار فيها العقل ولا يكاد يصدقها لولا وجودها، وما ندري ما سيظهر لنا بعد من عجائب مكوناته حتى يتبين للكافر أنه الإله الحق الذي لا رب غيره الموجد لكل شيء، راجع الآية ٥٣ من سورة فصلت في ج ٢، فلما أقبلت بلقيس بدبدبها وكبكبها وقبقبها «قالَ» سليمان لخاصته «نَكِّرُوا لَها عَرْشَها» أي افعلوا به شيئا تنكره من تغيير وتبديل فيه، فوضعوا الدر الأحمر مكان الأصفر، وجعلوا ما في مقدمه في مؤخره وبالعكس، وما بأعلاه أسفله وبالعكس، وعرضوا ما فعلوه به على سليمان، فأعجبه، وقال نعرضه عليها «نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي» لمعرفته فنستدل بذلك على هدايتها «أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ» ٤١ لمعرفته ولا للجواب اللائق بذلك «فَلَمَّا جاءَتْ» وتمثلت بين يدي سليمان واستقر بها المكان أطلعها المرافقون لها من قوم سليمان بأمره على المتاحف ومن جملتها عرشها، إذ وضع بالمتحف «قِيلَ» لها من قبل المرافقين «أَهكَذا عَرْشُكِ» الذي تركتيه في بلادك الذي أخبرنا عنه الهدهد؟ ولم يقولوا أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا لها فيفوت الأمر المقصود من تنكيره، فنظرت إليه وتأملته جيّدا ثم «قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ» لم تقل نعم هو، خوفا من الكذب لأنها تركته محصنا بالأقفال محروسا من عظائم الرجال، وتقدمته بالمجيء ولم تقل لا، خوفا من التكذيب، لأنها عرفته هو هو، وان ما أوقع فيه من التغيير لم يبدل هيئته بالجملة، وكان سليمان قريبا من المرافقين لها يسمع كلامها، فاستدل به على كمال عقلها وحكمتها ورجاحتها وتؤدتها من جوابها الحسن، وعدم إظهار ابتهاجها بما رأت، فقال لها سليمان ﵇ انه هو بعينه، وان إغلاق الأبواب عليه، وإحاطته بالحرس لم يحولوا دون قدرة الله بجلبه معجزة لي، وطلبا لإسلامك لله

стр. 811

لله وإيمانك به وتصديقك نبوتي، قالت بلقيس: يا نبي الله نحن عرفناك نبيا «وَأُوتِينَا الْعِلْمَ» بكمال قدرة ربك وصحة نبوتك «مِنْ قَبْلِها» من قبل هذه المعجزة بما شاهدناه من أمر الهدهد، وما سمعناه من رسلنا إليك من الآيات الدالة على رسالتك لهداية الخلق «وَكُنَّا مُسْلِمِينَ» ٤٢ لك مؤمنين بربك، مصدقين نبوتك من ذلك الوقت، والا لما جئنا منقادين خاضعين طائعين لأمرك مخبتين لربك لكان لنا معك موقف غير هذا، ولرأيت منا العجائب، وان هذه الجيوش التي جئتك بها نزر يسير من شيء كثير، والهدية شيء حقير من شيء عظيم لا تذكر ولكان الكلام كلاما والهدية زؤاما، فبش سليمان من قولها هذا على ما هو عليه من التعريض بقوتها وغناها وكثرتها، لأنه أنتج هدايتها للاسلام «وَصَدَّها» عن «ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ» وهو التمس بدعوته لها، وحال بينها وبين عبادتها لها «إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ» ٤٣ خارجين عن طاعة الله راسخين في الكفر عريقين به متجاوزين حدود الله، لأنها نشأت بين قوم يعبدون الشمس، ولم تعرف غير عبادتهم لها، وهذه الجملة تعليل لسبب عبادتها ثم تقدمها سليمان وجلس على سريره وأمر بإدخالها عليه بعد أن أجريت لها مراسيم الاستقبال والاستطلاع على بعض ما خول الله به عبده سليمان ﵇، فجاءت محفوفة بالإكرام والتبجيلِ يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ» صحن الدار الذي يمر به إلى سرير سليمان، وكان معمولا من الزجاج يجري فيه الماء وفيه أنواع من دواب البحرَلَمَّا رَأَتْهُ» واقعا بين السرير ومدخل القصر ولا بد لها من أن تجوزه لتصل إلى سرير سليمانَ سِبَتْهُ لُجَّةً» من الماء العميق وإنما عمل لها هذا ليختبرها، كما عملت هي بالغلمان والجواري والدرة لتختبره، إلا أنه لما كان عمل الصرح محكما جدا، إذ كان الماء جاريا في الزجاج على قدره، بحيث لم يترك في المجرى خلاء ما ولذلك ظنته جاريا بنفسه دون زجاج، والا لعرفته، وقيل ان الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي اليه أسرار الجن، لأن أمها منهم، فإذا أخذها وولدت له لا ينفكون عن خدمته وذريته من بعده، فقالوا له إن في عقلها شيئا وان رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، وإنه لما اختبر عقلها وأعجبته أراد أن يختبر بقية أوصافها التي

стр. 812

ذكروها له عند ما تخوض الصرح، وبالفعل أرادت ذلكَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها» قالوا فرآها كأحسن النساء قدما وساقا الا أنها شعراء الساقين، ثم صرف بصره عنها والَ» لهاِنَّهُ) أي ماترين من الماء هوَرْحٌ مُمَرَّدٌ» مملس مستو معمولِ نْ قَوارِيرَ» زجاج- جمع قارورة- فلما عاينت هذا الأمر العظيم الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي» قبلا بعبادة الشمس، والآن بكشف ساقي أمام سليمان بعد أن أخلصت له التوحيد، َ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ٤٤ الى هنا انتهت هذه القصة. مطلب جواز النظر الى المخطوبة والحكم الشرعي فيه: يستفاد من هذه الآية جواز النظر الى المخطوبة بوسيلة ما، لا أن تعرض نفسها على الخاطب أو يعرضها وليها عليه كالسلعة عند البيع والشراء، ويتركها تعاشره، أو تسافر معه أو يختلي بها مثل بعض أهل الكتاب مما يخالف أهل المروءة والشهامة الحكم الشرعي جواز النظر الى المخطوبة لوجهها لمعرفة محاسنها وليديها لمعرفة صحتها فقط، ولا يجوز ان ينظر لغير ذلك، ويحرم ان يختلي بها البتة، أو يخالطها في سفر أو حضر، لأن الشريعة الإسلامية جعلت هذا كله محظورا وان أمر الرسول برؤية المخطوبة لا يفهم منه ما يقوله بعض الجهلة بأمر الدين الذين لا يعرفون ماهية الغيرة الإسلامية والأنفة العربية من المعاشرة معها والسير معها الى النزهة وغيرها، كلا بل المراد أن يترصد الخاطب الجازم للخطبة، لرؤية من يريد خطبتها من كوة أو مرور أو استطلاع حتى يكون على بصيرة منها، فإن أعجبته عقد عليها برغبة كاملة والا انسحب بمعروف دون أن يتكلم بشيء ما عنها، وان سليمان ﵇ إذا صح أنه كان مصمما على زواجه بها وقد قيل له فيها ما فيها، جاز له أن يختبرها بذلك تأديا واحتراما، لأن الأنبياء لم يخاطبوا أقوامهم الا بما يدل على مراعاة الأدب الكامل، ولا يقابلون أحدا بما يكره، أنظر مخاطبة ابراهيم ﵇ لأبيه في الآية ٤٢ فما بعدها من سورة مريم ومخاطبة موسى لفرعون في الآية ٤٣ فما بعدها من سورة طه المارتين، وكذلك مخاطبة نوح وهود وصالح وشعيب أقوامهم في سورة هود الآية ٢٥ فما بعدها في ج ٢ وفي غيرها من السور

стр. 813

المارة، ومن آدب ممن يعلمون الناس الأدب الذي تلقوه من رب الأرباب والا كان بوسعه ان يكلفها إراءة رجليها لمن يريد أن تراها عنه، على أن قضية زواجها به لم تثبت بالقرآن إذ انتهت قصتها بإسلامها فقط، ولا يوجد حديث صحيح بذلك، أما الأخباريون فقد ذكروا أنه تزوجها، وان الشياطين عملوا له النورة والحمام لإزالة شعر ساقيها، ولم تعرف النورة ولا الحمام قبل ذلك، وانها ولدت له ولدا، وكان يزورها في محلها كل شهر ثلاثة ايام، إذ أقرها على ملكها في مأرب وتوابعها، وبنى لها ثلاثة قصور حصينة سماها سلمين ويلبسون وعمران، لم ير الرائي ارتفاعها وحسنها وزخرفتها، وقيل انه زوجها ذا تبع ملك همدان وأمر زوبعة ملك الجن بأن يعمل لذي تبع ما يأمره به، ويفي الأمر كذلك حتى مر سنة على موت سليمان ﵇، كما سيأتي بيانه في الآية ١٣ من سورة سبأ في ج ٢، والحكمة في إخفاء موته ﵇ هذه المدة ليظهر الناس كذب الجن بادعائهم علم الغيب، إذ لو علموا بموته ما داموا على أعمالهم الشاقة التي كان يكلفهم بها، قالوا ثم نادى مناد ان سليمان قد مات، وانقضى ملكه وملك ذي تبع وملك بلقيس وبقي لصاحبه الواحد القهار، وجاء في تفسير الخازن بأنه قد ولي الملك ﵇ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين، فتكون مدة حكمه أربعين سنة، راجع الآية ١٦ المارة تجد خلافه والله أعلم. قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً» فقال لهم «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» وحده ودعوا ما يعبد آباؤكم من الأوثان «فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ» مؤمن وكافر «يَخْتَصِمُونَ» ٤٥ فيما بينهم كل يرى نفسه محقا في دعواه، وهنا أطلق الجمع على ما فوق الواحد صراحة، وقال من لا يجيزه إن جمع ضمير يختصمون مع أنه يعود إلى اثنين، لأنه في الأصل يعود إلى مجموع الفريقين، ونظير هذه الآية ٧٨ من الأنبياء في ج ٢، وهي (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) مع أن الضمير يعود لداود وسليمان فقط ومن أراد غير هذا قال ان الضمير يعود للحاكمين والمحكومين معا، وهناك آية أخرى أيضا بيناها في تفسير هذه الآية هناك فراجعها، وعلى الأولى فيه اشارة على أن الاثنتين جمع وعليه المناطقة والألسنة الأجنبية «قالَ» للكافرين منهم «يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ

стр. 814

بِالسَّيِّئَةِ» وهي طلب إنزال العذاب الذي توعدهم به بنيتهم ان لم يؤمنوا به وهو قولهم في الآية ٧٦ من سورة الأعراف «يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا» به من السيئة «قَبْلَ الْحَسَنَةِ» التوبة التي أرجوها منكم عما سلف من كفركم «لَوْلا» هلا «تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ» من عبادة الأوثان وترجعون الى عبادة الرحمن وتعملون صالحا «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ٤٦ بالنجاة من العذاب في الدنيا وبالفوز بنعيم الآخرة «قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ» من الذين آمنوا بك، إذ أمسك عنا القطر وأجدبت الأرض وهلك المال فأصابنا الضر والبلاء منذ طفقت تدعونا الى دينك «قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ» بسبب كفركم به وما أصابكم من الشؤم مقدر عليكم ومقسوم لكم بأزله «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» ٤٧ تختبرون وتمتحنون بتعاقب الخير والشر ليرى الناس أترجعون اليه فيكشف عنكم ذلك، أو تصرون على الكفر فيزيدكم عذابا في الدنيا والآخرة «وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ» من أبناء أشرافها كلهم «يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» فيعملون المنكرات كلها «وَلا يُصْلِحُونَ» ٤٨ أنفسهم ولا غيرهم أبدا دأبهم السعي في الإفساد والإعراض عن الإصلاح، وقد طبعوا على هذا «قالُوا» هؤلاء التسعة الغواة الذين اتفقوا على عقر النّاقة ورأسهم قدار بن سالف المتقدم ذكره مع القصة في الآية ٧٢ من الأعراف المارة، أي تذاكروا بينهم في تدبير الحيلة التي أرادوا بها عقر الناقة «تَقاسَمُوا بِاللَّهِ» تحالفوا كلهم على انها «لَنُبَيِّتَنَّهُ» يريدون صالحا بأن يأتوه ليلا فيقتلوه «وَأَهْلَهُ» معه زوجته وولده «ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ» إذا سئلنا عنه بعد القتل «ما شَهِدْنا» ما حضرنا «مَهْلِكَ أَهْلِهِ» محل وزمن إهلاكهم، أي إذا قال لنا ولي دمه ورئيس عاقلته من قتله؟ نقول ما حضرنا قتله ولا قتل أهله. مطلب التحاشي عن الكذب: هذا وقد اختاروا نفي شهود مهلك أهله على نفي قتلهم له، قصدا للمبالغة بالإنكار، أي كأنهم قالوا ما شهدنا ذلك فضلا عن أن نتولى قتلهم ويعلم من ذلك نفي إهلاكهم من قبلهم، لأن من لم يقتل اتباعه كيف يقتله هو، وهو الأصل، وقرىء بضم الميم وفتح اللام من أهلك وبفتحها أيضا، والقراءة التي عليها المصاحف بفتح الميم وكسر اللام، ويجوز على هذه أن يكون مصدرا كمرجع ويكون

стр. 815

المعنى ما شهدنا إهلاكهم، وان اسم مكان أي مكان إهلاكهم أو اسم زمان أي زمانه «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» ٤٩ في قولنا هذا، وهو كقول أولاد يعقوب لأبيهم (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) الآية ٨٧ من سورته في ج ٢ وأرادوا بهذه الحيلة التمويه لأن حضور الأمر غير مباشرته عرفا، فلا يقال لمن قتل رجلا انه حضر قتله، وان كان الحضور لازما للمباشرة، فهؤلاء القوم الذين كانوا لا يعابون بما هم عليه من الكفر وسوء السيرة قد درأوا عن أنفسهم الكذب الذي هو عار في كل زمان ومكان ودين، وصموا ان يحلفوا على المعنى العرفي بحسب العادة في الإيمان، ليوهموا الخصم أنهم أرادوا معناه اللغوي، فيكونوا صادقين بزعمهم، لئلا يصموهم بالكذب، والآن والعياذ بالله تجد الكذب فاشيا عند الكبير والصغير مع أنه محرم دينا ومكروه مروءة ومذموم طبعا وقد ذم الله تعالى الكاذب في آيات متعددة من القرآن وقال ﷺ المسلم لا يكذب وقال الكذب مجانب للايمان راجع الآية ١٠٥ من سورة النحل في ج ٢ اللهم أصلح عبادك ووفقهم للسداد «وَمَكَرُوا مَكْراً» قالوا على قتله ودبروا الكيد والغدر وذهبوا اليه شاهرين سلاحهم لينفذوا ما صموا عليه فرد الله كيدهم في نحرهم وأخزاهم «وَمَكَرْنا مَكْراً» عظيما لا تتصوره عقولهم بان عجلنا لهم العقوبة فأهلكناهم جميعا بالحجارة وحرسنا نبينا صالحا بالملائكة فصاروا يرون الحجارة تأتيهم من حيث لا يرون راميها «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ٥٠ بشيء من تدبيرنا هذا، قالوا ان صالحا كان يصلي في مسجد الحجر، وكان توعدهم بأن يفرغ الله من عذابهم حتى ثلاثة ايام، فقال هؤلاء التسعة نذهب اليه ونقتله في مسجده قبلها ثم نذهب الى أهله فنقتلهم أيضا قبل اليوم الثالث، فخرجوا الى الشعب الذي فيه مسجده، فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم بعد رجمهم، فطبقت عليهم فم الشعب، فلم يدر قومهم أين هم، ولم يدروا ما فعل الله بهم وهم لم يعلموا ما فعل الله بقومهم وعذب الله كلا منهم في مكانه، وحمى صالحا ومن معه «فَانْظُرْ» يا سيد الرسل وأخبر قومك «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ» على نبينا «أَنَّا دَمَّرْناهُمْ» التسعة المذكورين «وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ» ٥١ لم يقلت

стр. 816

منهم إلا من آمن بصالح «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ» يرونها قومك حين ذهابهم إلى الشام وإيابهم منها بشاهدونها «خاوِيَةً» ساقطة متهدمة بعضها على بعض، خالية من السكان، لأنها لم تسكن بعدهم تشاؤما مما وقع على أهلها المهلكين «بِما ظَلَمُوا» أنفسهم وغيرهم لا لأمر آخر «إِنَّ فِي ذلِكَ» الإهلاك على الصورة المذكورة «لَآيَةً» عظيمة وعظة ناطقة «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ٥٢ قدرة الله فيخشونها ويعتبرون بمن قبلهم فيؤمنون «وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا» مع صالح بمقتضى وعدنا له «وَكانُوا يَتَّقُونَ» ٥٣ الله ولذلك حماهم مما أصاب قومهم، وفي هذه القصة إشارة إلى أن قريشا سيمكرون بمحمد ويتحالفون عليه، وأن الله تعالى ينجيه منهم ويهلكهم، وكان في ذلك كما سيأتي في الآية ٢٦ من سورة العنكبوت في ج ٢، قال تعالى «وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» إتيان الذكر سماها فاحشة لزيادة قبحها في قانونه الإلهي، وسماها القانون المدني بالفعل الشنيع، وهو اسم وفق المسمى بالقبيح والرذيلة والوقاحة «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» ٥٤ بعضكم يفعل ببعض وهذا في غاية الشناعة، أي كيف تفعلون هذا ولا تستترون ولا ينهى بعضكم بعضا ولا تكفون عنه «أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ» أيها السفهاء والخاطئون «شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ» مع أن الله تعالى خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر ولا الأنثى للأنثى، فعملكم هذا مضاد لحكمة الله «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» ٥٥ عاقبة أمركم ووخامة مصيركم «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ» تجاه نصحه هذا ووعظه وإرشاده «إِلَّا أَنْ قالُوا» أولئك الجهلة السفهة «أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» ٥٦ عن عملنا ويتنزهون من فعلنا ويستقذرون إتيان الرجال، وهذا مما يغيظنا وقد حق عليهم العذاب بقولهم هذا «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ» لرضاها بفعلهم وعدم إنكارها عليهم لذلك «قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ» ٥٧ الباقين معهم بالعذاب «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» يا له من مطر سوء حجارة مترادفة «فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ» ٥٨ تقدمت القصة مفصلة في الآية ٨٨ من الأعراف المارة، فيا أكرم الرسل «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» واسأله العافية لك ولأمتك مما حلّ بهم

стр. 817

«وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى» من اخوانك المرسلين واتباعهم وقل أنت ومن آمن معك «آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ» ٥٩ به ممن لم يؤمن من قومك، فقولوا لا بل الله خير وأعلى وأعز، وهذا استفهام انكار لا يجاب الا بالنفي، وهو تبكيت للمشركين والزام الحجة عليهم، لأن الله تعالى لا شكّ خير لمن عبده وأنس به والأصنام شر لمن ركن إليها وعبدها لأنها لا تغني شيئا وتكون عليهم حجة يوم القيمة ثم ذكر الله جل ذكره من دلائل قدرته وبراهين وحدانيته وأمارات عظمته أنواعا فقال (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ) بساتين محاطة «ذاتَ بَهْجَةٍ» حسنة المرأى بديعة المنظر «ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها» أي لا يمكنكم إنباته، وان مباشرتكم زرعه لا يقتضي الإنبات، فلو شاء الله لم ينبته، فالمنبت الحقيقي هو الله الذي يسقيها بماء واحد فتثمر صنافا متنوعة مختلفة باللون والطعم والرائحة والشكل، وهو الذي قدركم على زرعه راجع الآية ٦٣ من سورة الواقعة المارة فانظروا أيها الناس «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ» فعل ذلك أو أعانه عليه كلا ثم كلا «بَلْ هُمْ» قومك المعاندون «قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» ٦٠ عن الحق إلى الباطل ويسارون الأصنام بالملك العلام، ويقولون نزرع ونحصد ونسقي، لو شاء الله لما أقدرهم على شيء من ذلك أصلا، قال تعالى «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً» لكم أيها الناس تستقرون عليها ليل نهار ولا نحسون بأنها عائمة «وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً» جارية عذبة وملحة ومرّة وباهتة وحريفة وحامضة، وأودع بعضها معادن وحيوانات متنوعة وحليّا مختلفا باللون والقيمة «وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ» جبالا عظيمة تثقلها كي لا تضرب فتنعدم راحتكم عليها «وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً» حصينا لئلا يختلط الملح بالعذب، فتنعدم المنفعة المقصودة منهما، فتفكروا «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ» فعل شيئا من ذلك كلا «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ٦١ حقائق قدرتنا وعظمة سلطاننا وحقيقة حكمتنا، فقل لقومك هل الذي يعبدونه خير أم هذا الإله الفعال لكل شيء من نفع وخسر وخير وشر ومنع وإعطاء وعز وذل وغنى وفقر واحياء وإماتة، فالإله القادر على هذه الأشياء

стр. 818

وغيرها هو المستحق للعبادة لا أصنامكم «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ» فيجيب دعاءه ويفرج ضيقه «وَيَكْشِفُ السُّوءَ» عن المضرور والمجهود والمكروب والملهوف فيغير حاله من المرض إلى الصحة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العسر إلى اليسر، ومن الذل إلى العزة «وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ» تسكنونها وتنصرفون بها، فمنكم الملك والأمير والمتسلط والتابع، وقد أورثكم إياها عمن كان قبلكم من الأقوام الهالكين بسبب كفرهم نعم الله «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ» يفعل لكم شيئا من ذلك، كلا ولكنكم «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» ٦٢ بآلاء الله الذي يسديها لكم وهي جديرة بالذكرى، فقل با أكرم الرسل لقومك أآلهتكم خير أم هذا الإله القادر على كل شيء «أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» إلى الحال التي تقصدونها؟ ألإله الذي جعل النجوم والمجرة في السماء والجبال والأنهار في الأرض علامة تسترشدون بها ليل نهار إلى مقاصدكم في أسفاركم، أم أوثانكم العاطلة الجامدة «وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» أي أمام المطر مبشرا بقرب نزوله «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ» يقدر على شيء من ذلك فيفعله لكم كلا «تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» ٦٣ به علوا كبيرا «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ» من النطفة إلى أن يكمله خلفا سويا وبعد استكمال أجله في الدنيا يميته «ثُمَّ يُعِيدُهُ» بعد الموت حيا كما كان «وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ» من مطر ونبات وحيوان «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ» يعمل شيئا من ذلك؟ كلا، لا يقدر أحد على شيء منه، وإذا لزمتهم الحجة ووقعوا في المحجة «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ» على أن ما تعبدونه يفعل شيئا واحدا مما ذكر «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ٦٤ أن آلهتكم تقدر على شيء من ذلك، أو أن مع الله إلها آخر كما يزعم البعض، وبعد أن عدد هذه الحجج الخمس الدالة على وحدانيته في الإلهية وانفراده في فعل هذه الأشياء وغيرها، وعجز من سواه عنها وعما يتعلق بالنفع والضرر وغيره، وإلزامهم السكوت بتلك البراهين القاطعة، قال المشركون أخبرنا يا محمد عن الساعة التي تهددنا بها إن لم نؤمن بك، فأنزل الله «قُلْ» يا حبيبي لهؤلاء الجهلة الذين لا يميزون بين الممكن والمحال: هذه من الغيب و «لا يَعْلَمُ

стр. 819

مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» وحده، فكيف نعطيهم علمها وهو من خصائص الإلهية «وَما يَشْعُرُونَ» هم ولا جميع الجن والإنس والملائكة «أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» ٦٥ من قبورهم ومواقعهم مع أنه لا بدّ لهم منه، وهو من أهم الأمور عندهم لأن الله تعالى وحده تفرّد بذلك «بَلِ ادَّارَكَ» اضمحل وفني وانمحق «عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» وشأنها، فليس لهم علم بها ولا بوقت إمارتها. وأصل ادّارك تدارك، فأبدلت التاء دالا، وأسكنت للإدغام، واجتلبت الهمزة الوصلية للابتداء، ومعناها تلاحق وتتابع، وعليه يكون المعنى انتهى علمهم في لحوق الآخرة فجهلوها، وتابع علمهم فيها ما جهلوه في الدنيا. وقيل معنى ادّارك تكامل من أدركت الفاكهة إذا تكامل نضجها، وعليه يكون المعنى إن أسباب استحكام العلم بأن القيامة كائنة قد حصل لهم في الدنيا، ومكنوا من معرفته، إلا أنه لا علم عندهم من أمرها، فقد تتابع علمهم حتى انقطع، وهذا بيان لجهلهم بوقت البعث، وأرى أن الأول أولى لموافقته للسياق، ولقوله تعالى «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها» بعد أن بلغ علمهم بها وتكاملت أسبابه بحصولها ووجودها «بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» ٦٦ جمع عم وهو أعمى القلب، ويقال له أعمه كما يقال لأعمى البصر أعمى، وقد كرر الإضراب ببل ثلاثا لشدة جهلهم، إذ وصفهم أولا بعدم الشعور بوقت البعث، ثم بعدم العلم يكون القيامة، ثم بالخبط بالشك وعدم إزالته مع قدرتهم عليها بالإيمان والإيقان حتى صاروا لأسوأ حال، وهو وقوعهم بالحيرة بسبب عمه قلوبهم الناشئ عن كفرهم الذي منعهم من التفكر بالعاقبة، وهو من جهلهم المركب الذي لا يزول إلا بعناية من الله، وأنى لهم منها وقد انكبوا على الدنيا بكليتهم؟ وقيل في المعنى: سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء الجهل ليس له طبيب وقيل أيضا: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ يحي بالعلم ميّت ... وليس له حين النشور نشور هذا، وإن قوله تعالى «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا

стр. 820

أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ» ٦٧ أحياء من القبور كما كنا، هو كالبيان لجهلهم بالآخرة وعماهم عنها لأنهم يريدون بهذا عدم التصديق بها والإصرار على جحودها ويؤيده قولهم أيضا «لَقَدْ وُعِدْنا هذا» الإخراج من القبور بعد الموت «نَحْنُ» من قبل محمد ابن عبد الله الذي هو في عصرنا «وَآباؤُنا» أيضا وعدوا من قبله «مِنْ قَبْلُ» وجودنا من قبل أنبيائهم، وإنا نقول كما قال أسلافنا «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ٦٨ وخرافاتهم يتناقلها الواحد بعد الآخر لا حقيقة لها. ونظير هذه الآية الآية ٨٤ من سورة المؤمنين في ج ٢، «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» ٦٩ من أمثالكم وانظروا أطلال ديارهم واسمعوا بقايا أخبارهم تنبئكم عن فظاعة ما حل بهم بسبب تكذيبهم رسلهم. ثم التفت إلى حبيبه فقال «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» إذا حلّ بهم عذابي الذي لا دافع له «وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ» وحرج في صدرك مما تسمعه من التكذيب وتراه من الإعراض «مِمَّا يَمْكُرُونَ» ٧٠ ولا تهتم لما يكيدونه لك، فإني حافظك منهم ومن يعصمه الله لا يصل إليه مكر الخلق. وقرأ ابن كثير بكسر ضاد ضيق خلافا لسائر القراء، نزلت هذه الآية في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة، وأوقفوا على أبواب طرقها رجالا يقولون للداخلين والخارجين أن عندنا رجلا منا يدعى محمدا جاء بدين مخالف لدين آبائنا، وهو رجل ساحر فلا تصدقوه. راجع الآية ٩٤ من سورة الحجر في ج ٢ والآية ٨٥ من الأعراف المارة «وَيَقُولُونَ» هؤلاء الماكرون «مَتى هذَا الْوَعْدُ» الذي توعدنا به من إنزال العذاب «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٧١ أنت وأصحابك وتهددنا به ليل نهار «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ» دنا وقرب، لأن من أردفته خلفك فقد قربته منك أو حضر «لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» ٧٢ به، لأن تغاليكم بالكفر وتكالبكم على عبادة الأوثان يستدعيان نزول العذاب بكم «وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ» ومنهم أهل مكة إذ لم يعجل عقوبتهم كرامة لرسولهم، ولأن العذاب إذا حل عمّ وان في علمه من يؤمن منهم كثير، لذلك أمهلهم بفضله وكرمه «وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ» من أهل مكة شأن غيرهم لأن الأكثر دائما هو الضال والقليل المهتدي.

стр. 821

مطلب اختلاف أهل الكتابين والقليل هم الشاكرون: قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) الآية ١٣ من سورة سبأ في ج ٢، وهكذا الأقل هو الشاكر والأكثر «لا يَشْكُرُونَ» ٧٣ نعم الله التي من جملتها تأخير نزول العذاب «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ» من عداوتك وتخفيه من مناوأتك «وَما يُعْلِنُونَ» ٧٤ منها وهو يكفيك ذلك «وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ» مهما كانت غامضة متغمضة في الخفاء «إِلَّا» قد علمها الله وأحاط بها من قبل وأثبتها «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ٧٥ لمن له حق النظر فيه وهو على ظهوره فيه كل شيء مكتوم عن غير الله، وهو مصدر كل الكتب الإلهية «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ» المدون ذلك الكتاب المنزل عليك يا محمد «يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ» أهل الكتابين التوراة والإنجيل الذين يستفتونهم أهل مكة في أمرك «أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ٧٦ من أمر دينهم ودنياهم، لأنهم أنفسهم اختلفوا بعضهم مع بعض، فمنهم من يقول المسيح هو الله ومنهم من يقول ابنه، ومنهم من يقول ثالث ثلاثه، ومنهم من يقول نبي كسائر الأنبياء وهو الصحيح، ومنهم من ينسبه وحاشاه إلى الكذب في دعواه وأمه إلى ما هي براء منه وهي العذراء التقية المصونة المفضلة على نساء زمانها، وان اليهود عليهم غضب الله كذبوه وقصدوا إهانته فأنجاه الله منهم ورفعه إليه، وقالوا عزير ابن الله، وقالوا على الله بالبداء أي أنه يفعل الشيء مما يقع في كونه ثم يندم على فعله فيفعل غيره، وحاشاه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، واختلفوا في أمر النبي المبشر به في التوراة فمنهم من يقول يوشع، ومنهم من يقول عيسى، ومنهم من يقول لمّا يأت ولم يحن زمانه، ومنهم من يقول هو محمد وهو الصحيح، ولهم اختلافات في أمر دينهم ودنياهم لا تدخل تحت الحصر، وقد أنزل الله هذا القرآن على محمد بين فيه ما اختلفوا فيه بيانا كافيا شافيا مما يوجب إيمانهم لو تأملوا وأنصفوا، ولكنهم لم يفعلوا مكابرة، ولذلك كذبوه كما فعل المشركون من قومه أو قالوا فيه ساحر وكاهن وناقل ومتعلم، وأن القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين، فقد كذبوا، وصفه أنه كلام الله «وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» ٧٧

стр. 822

به، وضلال وعذاب للكافرين قال تعالى: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» الآية ١٤ من سورة فصلت في ج ٢، فيا أكرم الرسل اتركهم الآن «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ» في هذه الدنيا ويوم القيامة «بِحُكْمِهِ» العدل في اختلافهم هذا وغيره من كل ما تسول لهم به أنفسهم الخبيثة «وَهُوَ الْعَزِيزُ» الغالب الذي لا يرد أمره ولا يعقب حكمه «الْعَلِيمُ» ٧٨ بما يفعلون وما يستوجبون، لأنه يعلم دخائلهم «فَتَوَكَّلْ» يا سيد الرسل واعتمد «عَلَى اللَّهِ» ربك وثق به وفوّض أمرك إليه «إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ» ٧٩ وهم على الباطل الظاهر، تشير هذه الآية بوجوب توكل الخلق على خالقهم في كل أمورهم، ولكنه لا يفهم منها ترك الأسباب وعدم اتخاذ الواسطة لقضاء الأمور، بل لا بأس بها وخاصة في هذا الزمن، ولكن لا يعتمد مع اتخاذ الأسباب إلا على الله وحده في قضاء حوائجه، ولا يعرف أنها قضيت إلا منه وبأمره، لأنه هو الذي يوقع في القلوب ما يريده للعبد فيعملونه قسرا من حيث لا يشعرون أنه مراد الله سواء الخير والشر، ولو شاء لحال بين تلك الأسباب ولم يوفق العبد لها، ولو لم يشأ لعجز أهل الأرض والسماء عن قضائها «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ» بدعوتك هذه «الْمَوْتى» قلوبهم «وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» ٨٠ لأنهم إذا قابلوك قد يفهمون بالإشارة والرمز أو بمكبرات الصوت، ولكنهم إذا ولوك ظهورهم امتنع إفهامهم وإسماعهم «وَما أَنْتَ» يا حبيبي «بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ» ولا بمرشد من أعماه الله عن طريق الحق، وأعمى قلبه عن قبول الإيمان «إِنْ تُسْمِعُ» أي ما تسمع إسماعا يجدي السامع نفعا «إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا» فهذا الصنف يمكنك أن تسمعه دعوتك لأنه ينتفع بها «فَهُمْ مُسْلِمُونَ» ٨١ لك منقادون لامرك، مخلصون في اتباعك، والله يعلم من يؤمن ممن لا يؤمن، فلا تذهب نفسك حسرات على من لا يقبل نصحك ولا يسمع أمرك. مطلب خروج دابة الأرض ومحلها وعملها ووجوب الاعتقاد بها: قال تعالى «وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ» أي عصاة أهل الأرض بأن أغضبوا الله الحليم بإصرارهم على ما هم عليه، ووجبت عليهم الحجة، واستحقوا العقاب

стр. 823

المقدر عليهم، وظهر لأهل زمانهم الأياس من إيمانهم ولم يبق لهم أمل فيهم ولا رجاء بإصلاحهم «أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ» قبل قيام الساعة، وهي آية على انتهاء الأمر، وإغلاق باب التوبة، وستعطى هذه الدابة قوة «تُكَلِّمُهُمْ» بلسان فصيح يفهمه كلهم، فتسم المؤمن بإيمانه والكافر بكفره، وتقول ما قال الله تعالى تبكيتا وتقريعا إليهم، «أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ» ٨٢ بوقوعها ولا يصدقون بمجيء الساعة والبعث بعد الموت والحساب والجزاء. روي عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إنّ أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيّتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الحق ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن، ويقول هذا يا كافر. - أخرجه الترمذي وقال حديث حسن- وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النبي ﷺ قال: يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن، فينشو ذكرها بالبادية لا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تمكث زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم بين الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله (يعني المسجد الحرام) لم يرعهم الا وهي في ناحية المسجد، تدنو، وتدنو كذا وكذا، قال عمرو ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فارقض الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنقض رأسها من التراب، فمرّت بهم فجلت وجوههم حتي تركتها كأنها الكواكب الدرّية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم فيعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلى فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس في ديارهم ويصطبحون في أسفارهم، ويشتركون في الأحوال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن يا مؤمن، وللكافر يا كافر. وجاء بإسناد الثعلبي عن حذيفة بن

стр. 824

اليمان ذكر رسول الله ﷺ الدابة، قلت يا رسول الله من أين تخرج؟ قال من أعظم المساجد حرمة على الله (ولا أعظم عند الله كرما ولا أوجب حرمة ولا أكثر تبجيلا من المسجد الحرام على خلق الله كذلك ذكرنا آنفا أنه هو) فبينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض وتنشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يخرج منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها الطالب ولن يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا وكافرا، فأما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه كافر. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: بئس الشعب شعب أجياد، مرتين أو ثلاثا، قيل ولم ذلك يا رسول الله؟ قال تخرج منه الدابة تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين. وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال إن الدابة تسمع قرع عصاي. وجاء عن ابن عمر قال إن الدابة تخرج ليلة جمع (ليلة عرفة يقال لها ليلة جمع ويوم جمع لاجتماع الناس فيها) والناس يسيرون إلى منى وروي عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن ايّل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. وقال عبد الله بن عمر تمس برأسها السحاب، ورجلاها في الأرض، وقال علي كرم الله وجهه: لها لحية، ولا ذنب لها. وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كالطير، والله أعلم بحقيقتها. الحكم الشرعي وجوب الاعتقاد بخروجها جزما اعتقادا لا مرية فيه، ومن أنكرها يكفر والعياذ بالله لثبوتها نصا بالقرآن العظيم وينفي تأويلها عن الظاهر الأحاديث المارة الذكر، لذلك يجب أن يعتقد أن كل تأويل يصرف حقيقتها إلى معنى آخر على طريق المجاز باطل لا يجوز الالتفات إليه. أما وقت خروجها وكيفيّتها ومكان خروجها وما تقوله وتفعله، فيجب أن يجعل علم ذلك إلى الله، لأن الأحاديث كثيرة في ذلك، وفيها ما يعارض بعضه بعضا، وقد نقلنا أصح ما جاء فيها من الأخبار وتركنا غيره.

стр. 825

مطلب مواقف القيامة وأن لا نفخة ثالثة: قال تعالى «وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً» واذكر يا محمد لقومك بعد ذكر الدابة يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة «مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا» المنزلة على رسلنا لارشادهم «فَهُمْ يُوزَعُونَ» ٨٣ لشدة الازدحام في ذلك اليوم العظيم يحبس أولهم آخرهم ليجتمعوا فيساقوا دفعة واجدة «حَتَّى إِذا جاؤُ» وصلوا إلى محل العرض أثناء مرورهم به، وأرقفوا بين يدي ربهم في ذلك الموقف الرهيب «قالَ» لهم على طريق الاستفهام التوبيخي «أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي» المبلغة إليكم من رسلي في الدنيا «وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً» والحال انكم لم تعرفوها حق معرفتها بل كذبتموها بادىء الرأي من غير أن تتفكروا بمنزلها وتنظروا الصادقين الذين أرشدوكم إليها «أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ٨٤ بها في الدنيا أجحدتموها وقد جاءكم بها رسل؟ فخرسوا، إذ لا حجة لهم يتذرعون بها قال تعالى «وَوَقَعَ الْقَوْلُ» وجب العذاب الثابت في قوله تعالى «لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ» الآية ١٣ من سورة السجدة في ج ٢ «عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا» أنفسهم بالكفر والعصيان وعدم الالتفات الى آيات الله التي ذكرتهم أنهم لم يخلقوا عبثا «فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ» ٨٥ إذ يغشاهم العذاب فيشغلهم عن الاعتذار، وتكون أفواههم كأنها مختوم عليها، راجع الآية ٢٥ من المرسلات المارة، وهذا في موطن من مواطن القيامة، وقد ذكرنا أن فيها مواطن كثيرة منها ما يعتذر فيه، ومنها ما يتحاج فيه، ومنها ما ينكر فيه، ومنها ما يعترف فيه، ومنها ومنها، أجارنا الله منها، راجع الآية ٨١ من سورة مريم والآية ٦٤ من سورة يس المارتين قال تعالى «أَلَمْ يَرَوْا» هؤلاء الجاحدون قدرتنا «أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ» ويستوحوا لأنفسهم من نصب المعاش «وَالنَّهارَ مُبْصِراً» مضيئا لينتفعوا به بما يقوّم أمورهم، وهذه الرؤية قلبية لأن الليل والنهار وإن كانا مبصرين بالعين لكن جعل كون الليل للراحة والنهار للعمل من الأمور المعقولة لا المبصرة، أي ألم يعلموا جعلنا الليل المظلم للنوم والقرار؟ قيل: النوم راحة القوى الحسية، من حركات القوى النفسية، والنهار المضيء للشغل النافع مادة

стр. 826

ومعنى «إِنَّ فِي ذلِكَ» الجعل المسلوك بنظام بديع لا يتغير «لَآياتٍ» دالات على كبير نعمنا وقوة ارادتنا «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ٨٦ بنا ويصدقون رسلنا «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» القرن، والنافخ به إسرافيل ﵇، وكان أمراء الجيوش أخذوا بوقهم من هذا كما أخذت ترتيبات الشرطة والدرك والجيش والتعذيب وسرادق الملك ولبهته والوزراء والعمال وغيرهم من القرآن، لأن الدنيا تذكرة ومثالا للآخرة، والمراد بهذه النفخة الثانية بدليل قوله تعالى «فَفَزِعَ» خاف ودهش وارتعد «مَنْ فِي السَّماواتِ» من الملائكة «وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» من الخلائق فيشمل الإنس والجن والوحش وغيرها، وجاء الفعل بلفظ الماضي بدلا من المضارع لتحققه، لأن المستقبل من فعل متيقن الوقوع كالماضي لأنه من اخبار الله تعالى، وهو حق ثابت لا مرته فيه واستثنى من هذا العموم في قوله «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» رضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، والحور العين والولدان وحملة العرش والمقربون والزبانية، وإدريس لأن الله رفعه بعد الموت وموسى لأنه صعق بالطور وغيرهم ممن أراد استثناءهم، وهذا التفسير على جعل النفخة هي الثانية أولى وأنسب بالمقام من جعلها النفخة الأولى، لأن تمام الآية الآتية تدل دلالة صريحة على ذلك، وان المراد بمن في السموات والأرض جميع الخلائق عدا من استثنى الله، إذ لا أحد الا ويصيبه فزع وهول ورهبة يوم القيامة عند النفخة الاخيرة إذ لا يدري الناس ماذا يراد بهم وما يفعل بتقيهم وشقيهم، ولا يبعد أن يدخل فيمن استثنى الله الأنبياء والشهداء والعلماء العاملون والأولياء العارفون الذين ثبتهم الله بتثبيتة الداخلون في قوله (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) الآية ٨٩ الآتية وبقوله لا يحزنهم الفزع الأكبر الآية ١٠٣ من سورة الأنبياء في ج ٣، روى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن قوله تعالى «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» قال هم الشهداء مقلدون بسيوفهم حول العرش. وقال ابن عباس هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون لا يصل إليهم الفزع. راجع تفسير هذه الآية الآتية ١٧٢ من سورة آل عمران في ج ٣ «وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ» ٨٧ صاغرين ذليلين، وفي هذه النفخة تتطاير من بوق اسرافيل أرواح جميع الأموات فتذهب كل روح إلى جسدها كأنها محشوة

стр. 827

فيه فتنشر الأموات من مدافنها أحياء بأمر الله وإرادته فيهم فيهرولون نحو الصوت سراعا لا يميلون عنه، قال تعالى (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) الآية ١٠٨ من سورة طه المارة وليعلم أن سيدنا إسرافيل ﵇ منتظر دائما ربه سبحانه، فعند ما يتلقاه يفاجأ الكون به حالا، أما ما قاله الألوسي في الغالبة بان النفخات ثلاث، مستدلا بهذه الآية إذ سماها نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث، ويؤيد استدلاله بآية ص المارة وهي (وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ) ١٥ فهو قول لا مستند له ولا يفهم من هذه الآية الا مطلق نفخة وتحمل بالنسبة لسياق التنزيل على النفخة الثانية كما بيناه في تفسيرها فراجعه وبما أن الإجماع على أنهما نفختان لا ثالثة لهما فكل قول يخالفه لا قيمة له، ولهذا لا عبرة يقوله هذا ﵀ فلا يؤخذ به لعدم استناده على دليل قاطع ولانفراده بهذا القول وحده. قال تعالى «وَتَرَى الْجِبالَ» رأي العين «تَحْسَبُها جامِدَةً» ساكنة واقفة قائمة في أمكنتها ممكة عن الحركة «وَهِيَ» والحال أنها تسير سيرا حثيثا «تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ» الذي تسيره الرياح بسرعة عظيمة وتجزأه أجزاء على عظمه وهكذا الأجرام الكبيرة إذا تحركت نحو سمت واحد تراها واقفة بلا شك إذ لا يكاد يحس بحركتها لاجتماعها وكثرتها والتصاقها بعضها ببعض. قال النابغة الجعوي في وصف جيش عظيم: بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لجاج والركاب تهملج وقيل المراد بالسير هو الوسط.. قال الأعشى: كأن مشيتها في بيت جارتها ... مر السّحابة لا ريث ولا عجل والأول أولى بالمقام لأن المراد بمر السّحاب سيره إذا شتتته الريح، فلا ترى أسرع منه، لهذا حسن التشبيه. قال تعالى إن هذا الصنع البديع العجيب المتقن في حركة الجبال هو «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي» يعجز عنه الخلق أجمع كيف لا وهو «أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» خلقه وأحكمه وسواه فأحسنه على ما تقتضيه حكمته البالغة «إِنَّهُ» الفاعل لذلك «خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ» في هذه الدنيا من الطبائع الحسنة والسيئة، ومن الأعمال الطيبة والقبيحة، وأنه يوم ترجعون إليه سيكافئ الخير خيرا والشرير شرا.

стр. 828

مطلب حركة الجبال وما قيل فيها: اعلم أيها القارئ أن المفسرين أجمعوا على أن هذه في سير الجبال عند خراب الكون في النفخة الأولى، لأن الآية في بحث القيامة، كما أن الآية قبلها، والآية بعدها في بحث القيامة، الا أن القيامة تكون لخراب الكون، وإذا أنعمنا النظر في هذه الآية وأجلنا الفكر فيها وهي واقعة بين آيتين دالتين على القيامة بلا شبهة، نرى أن ليس في معناها ما يدل على الخراب كما هو الحال في الآيات الدالة على القيامة مثل سورة التكوير والانفطار وغيرهما، والآية ٢٤ من سورة يوسف والآية ٤٧ من سورة الكهف في ج ٢، لأن كلمة الإتقان فيها تؤذن للعمار لا للخراب من إفساد أحوال الكائنات وإخلال نظامها وكلمة صنع تفيد إجادة العمل وإحسان الفعل لا تشتيته وتبديده والصنع من خصائص الإنسان ولا ينسب للحيوان الا شذودا ولفظ أتقن يفيد الإحكام والمتانة والرصانة فلا يؤول بالخراب، وليس الخراب في معناه، وهذان الفعلان أي مصدر صنع الذي فعله صنع وفعل اتقن، فيها تشيران الى التهويل من أمر الجبال الى الذي مصدره الإتقان، وتنبه على أن سيرها من الأفاعيل العجيبة وتؤذن بأنها من بدائع صنع الله المبنية على الحكمة التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق، ومبادئ الإبداع على وجه متين ونهج رصين وهذا كله من شأن الدنيا لدلالته على العمار كما ذكرنا، والقصد من تسييرها يوم القيامة سقوطها التسوى بالأرض قال تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) الآية ١٠٧ من سورة طه المارة، وقال تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) الآية ٦ من القارعة وقال تعالى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً) الآية ١١ من سورة الحاقة في ج ٢، والآيات الدالة على خراب الكون كثيرة في القرآن، ويكون يوم تبدل الأرض غير الأرض راجع الآية ٤٨ من سورة ابراهيم في ج ٢ أيضا، وهذه الآية والله أعلم لا تدل على شىء مما تضمنته هذه الآيات لذلك أرى تفسيرها على غير أحوال الآخرة واعتبارها المعترضة بين ما قبلها وما بعدها، ومثلها في القرآن كثير، لأن جل الآيات المدنية في السور المكية والآيات المدنية في السور المدنية معترضة بين ما قبلها وما بعدها للاخبار، وعليه يكون المعنى والله أعلم إرشاد

стр. 829

العباد إلى بدايع حكمه التي كان غافلا عنها الغافلون من أكثر الناس عند نزولها وبعده، وان المار ذكرهم في الآية ٧٣ المارة لا شك يعلمونها، وان المراد بهذا الصنع العجيب والإتقان البديع في دورانها الرحوى بصورة دائمة منتظمة بتنظيم الحكيم القادر تنظيما لا يعتريه الخراب مستمرا دائما إلى اليوم الذي يريد فيه خراب كونه، فتكون كسائر الأجرام الأرضية والسماوية داخلة في قوله تعالى (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الآية ٤٠ من سورة يس المارة، ومثلها الآية ٢٢ من الأنبياء وفي ج ٢، فاذا جاء ذلك اليوم المقدر لخرابها دخلت في معنى الآيات المارة الدالة على الخراب، راجع الآية ٥٤ من سورة الأعراف المارة. هذا ما رأيته وعلى من بعدي أن ينتقدوا أو يحبذوا وهنا مسألة، وهي أن القاضي عبد الجبار استدل بعموم قوله تعالى (أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) على أن قبائح العبد ليست من خلقه سبحانه، والأوجب وصفها بالإتقان والإجماع مانع منه، وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض، لأن الإتقان بمعنى الإحكام وهو من أوصاف المركبات القائمة بنفسها القابلة للخرق والالتئام، أما الأعراض القائمة بغيرها فلا تقبل ذلك، وعليه فلا يستقيم ما أراده حضرة القاضي، ولو سلم أنها غير مخصوصة فوصف كل الأعراض به ممنوع، إذ ما من عام إلا وقد خصص، وهذا من المخصوص ولو سلم أن وصف كل الأعراض به غير ممنوع وأنه غير مخصوص من العموم فالإجماع المذكور يقوله (ان الإجماع مانع من عدّ القبائح متقنة) ممنوع بل هي متقنة أيضا، بمعنى أن الحكمة اقتضتها وما تقتضيه الحكمة فهو متقن والإتقان نسبيّ لكل بحسبه، وبما أن هذه الآية لم يفسرها مفسّر بما فسرتها الآن ولم يطرق موضوعها طارق بما ذكرته لحد الآن، وقد أقدمت عليه لا ترك للقراء الكرام والعلماء الأعلام مجالا لتمحيصه إيجابا أو سلبا قبولا أو ردا، وفتحت لهم هذا الباب ليقروه إذا رأوه موافقا لا سيما وأن علم الفلك يقره، وإجماع أهل العصر على أن الأرض هائمة ولها دورتان يومية وسنوية، أو يغلقوه على هذا القاضي كما أغلقوه على القاضي عبد الجبار المار ذكره، والله ولي التوفيق. قال تعالى «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ» الخصلة الطيبة من أقوال وأفعال وأخلص لله وحده وآمن بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر

стр. 830

وبالقضاء والقدر وجميع ما أخبر به الرسل في الدنيا والآخرة «فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها» عند الله ثوابا عظيما وأجرا جزيلا «وَهُمْ» أصحاب هذه الخصال «مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ» يوم يفزع الناس في يوم القيامة «آمِنُونَ» ٨٩ لا يخافون كما يخاف غيرهم من العذاب الذي يقع بعده، أما نفس الفزع الوارد بالآية السابقة فلا يخلو منه أحد لوقوعه فجأة فيعم رعبه ورهبته الناس كلهم، عدا من استثنى الله، ولبحثه صلة في الآية ١٧٠ من آل عمران في ج ٣، «وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ» الخصلة القبيحة من أقوال وأفعال واشراك بالله وجحد كتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر بان كذب ما جاءت به الرسل في الدنيا والآخرة «فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ» بأن قذفوا فيها على وجوههم غير مبال بهم، فيدفعون دفعا من الوراء إلى الأمام إهانة لهم وتحقيرا لشأنهم، كما تطرح الزبالة تكفأ كفئا لأن من يطرحها لا ينظر إليها، وعبر بالوجه عن سائر الجسد لهذا المعنى، ولأن الوجه أول ما يواجه النار، راجع الآية ٢٤ من الفرقان المارة والآية ٩٨ من الإسراء الآتية، ويقال لهؤلاء حين يقذفون في النار تبكيتا لهم وجوابا لصراخهم المحشو بالأعذار الكاذبة والوعود المخلفة «هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا» جزاء «ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ٩٠ في الدنيا، ثم التفت إلى رسوله ﷺ فقال قل يا أكرم الرسل لقومك إذا جادلوك أو خاصموك «إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ» مكة المكرمة لا أخص بعبادتي غيره، وإنّما خصها بالذكر لأنها مولده وأحب البلاد إليه وأكرمها عليه وقد أشار إليها إشارة تعظيم «الَّذِي حَرَّمَها» على المشركين وجعلها موطىء رسوله ومهبط وحيه، وجعلها حرما آمنا من فيها ويتخطف الناس من حولها وحرم سفك الدماء فيها بحيث لو رأى الرجل قاتل أبيه لا يعارضه البتة، وقد ضاعف عقاب الظلم فيها ومنع أن يصاد صيدها أو يختلي خلاها أو تلتقط لقطتها ولا يدخلها إلا محرم تعظيما لشأنها «وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ» في السموات والأرض ملكا وعبيدا «وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ٩١ لعظمة ربي المنقادين لأوامره ونواهيه «وَأَنْ أَتْلُوَا» بنفسي عليكم «الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى» بهديه وآمن بمنزله ومبلغه «فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ» فيعود نفع

стр. 831

هذا إليها «وَمَنْ ضَلَّ» عنه وكفر بمنزله والمنزل عليه، فيبقى تائها في الضلال «فَقُلْ» يا سيد الرسل لمثله «إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ» ٩٢ المخوفين من عذاب الله ما أنا بمجبر ولا مسيطر ولا قاسر لأحد على الإيمان، راجع الآية ١٢ من سورة كورت المارة، وقد قام ﷺ فيما أمره به ربه أتم قيام هذا ومن قال أن هذه الآية نسخت بآية القتال أراد عدم بقاء حكمها، لأن الرسول أمر بقتال من لم يؤمن، وفي الحقيقة لا نسخ، لأن هذا كله ارشاد من وجه وتهديد من آخر والرسول مأمور في هاتين الحالتين حتى بعد نزول آية القتال، لأنه لم يقاتل أحدا قبل إنذاره، فضلا عن أن هذه الآية من الإخبار والأخبار لا يدخلها نسخ «وَقُلِ» يا سيد الرسل «الْحَمْدُ لِلَّهِ» على ما وفقني به من القيام لأداء الرسالة وقل لقومك «سَيُرِيكُمْ آياتِهِ» القاهرة قريبا من الجلاء والسبي والقتل في الدنيا كما يريكم العذاب الشديد في الآخرة ويوم تأتيكم آيات ربي «فَتَعْرِفُونَها» إذ تشاهدونها عيانا لا قولا وتعريضا «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ٩٣ بالتاء خطاب لأهل مكة، وبالياء لهم ولغيرهم، وفيها تهديد عظيم ووعيد فظيع إذا هم لم يؤمنوا بأن يوقع بهم ما تهددهم به من الآيات الرهيبة. هذا والله أعلم، وأستغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. تفسير سورة القصص عدد ٤٩- ٢٨ نزلت بمكة بعد سورة النمل عدا الآيات من ٥٢ إلى ٥٥ والآية ٨٢ فانهن نزلن بالمدينة، وهي ثمان وثمانون آية، وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانمائة حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ٢ تقدم تفسيرها في الشعراء المارة، وفيها إشارة إلى آيات هذه السورة وأنه قد بين فيها الحلال والحرام والحدود والأحكام، والوعود والوعيد، والإخلاص

стр. 832

والتوحيد، والقصص، والأخيار، والأمثال، والاعتبار، مما هو ثابت في اللوح المحفوظ، فيا أكرم الرسل إنا «نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ» أي من بعض خبرهما كما يفهم من لفظ من، ولأن نبأ موسى مع فرعون لا ينحصر في هذه السورة كما علمت مما مر وما يمر عليك بعد، وهذا الإخبار «بِالْحَقِّ» الواقع لنتلوه «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ٣ به فينتفعون بأحكامه، أما غير المؤمن فلم تنفعه الموعظة، ثم شرع يقص ذلك النبأ فقال: يا حبيبي «إِنَّ فِرْعَوْنَ» ملك مصر الوليد الرباني «عَلا فِي الْأَرْضِ» تجبر وتكبر وترفع على أهلها وما حولها «وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً» فرقا بقصد إضعافهم وجعلهم صنوفا في خدمته وخدمة زملائه، قهرا فصاروا يشايعونه على ما يريد بحيث لا يملك أحدهم أمر نفسه ولا يقدر على مخالفته وأنه «يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ» أي بني إسرائيل ولا يعاملهم معاملة القبط قومه، ولا يعدل بينهم إذ يكرم القبط ويهفي بني إسرائيل ويضيق عليهم، فيستخدمهم ويسخرهم ويسىء إليهم، وهم لا يعارضونه بشيء من ذلك، وقد حدا به العنفوان إلى استرقاقهم وتشغيلهم بأنواع الخدم الشافة ولم يكتف بذلك حتى صار «يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ» إذلالا لهم «وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ» أي يبقيهن أحياء ليستعملهنّ هو وقومه في مصالحهم وذلك أنه أخبره بعض كهنته بأنه سيولد منهم ولد يكون سببا في خراب ملكه، ولهذا وقع الخوف في قلبه، فصار يذبح الذكور ويبقي الإناث، وقد استكانوا له حذرا من ذبح الكبار ايضا «إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» ٤ الراسخين في الفساد لكثرة ما أوقعه فيهم من القتل بسبب ما تخيله من قول الكاهن زيادة على اعماله القبيحة معهم، بقصد اصغارهم، ولذلك جعلهم شيعا لئلا تتفق كلمتهم فيناوئوه ومن هنا أخذت قاعدة (فرق تسد) وصارت الحكومات الغاشمة إذا استولت على غيرها قسمت بلادها الى حكومات صغيرة، وأوقعت التنافس بينهم ليشتغلوا بعضهم ببعض، ويركنوا للمولى عليهم، قال تعالى «وَنُرِيدُ» بعد أن أظهر فرعون تماديه على الكفر واسترقاق بني إسرائيل «أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» منهم «فِي الْأَرْضِ» من قبله ونهلكه وقومه ولننعم ونتفضل

стр. 833

عليهم «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» أنبياء وملوكا يصلحون ما فسد من أمرهم ويرفعون الظلم عنهم ويساون بين الناس «وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» ٥ لملك فرعون «وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ» نوطنها لهم ونثبت أقدامهم بها ونجعلها مسكنا لهم، ليكونوا قادة في الخير وحكاما بالعدل، يرفعون الجور ويطهرون الأرجاس التي كان يفعلها فيهم «وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ» وزيره وعونه على مظالمه «وَجُنُودَهُما» الذين هم سبب قوتهما وبطشهما ومتانة شكيمتهما «مِنْهُمْ» من بني إسرائيل، والجار متعلق بنري المتقدم لا بيحذرون، لأن الصلة لا نتقدم على الموصول «ما كانُوا يَحْذَرُونَ» ٦ من خراب ملكهم، أي نري فرعون ووزيره وجنوده الذين كانوا يقتلون أولادهم لمحافظة دولتهم، ونحفظ هذا الولد الذي سيكون سببا في ذلك من كيده وتربيته في بيته وعلى يده، ليعلموا أن حذرهم لا يغني شيئا من الله، وأن لا راد لما أراده، وسنحقق ما توهموه في قول الكاهن «وَ» بعد أن ولد نبيهم «أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى» يوحاته من نسل لاوي بن يعقوب بعد أن ولدته وحارت في أمرها ماذا تفعل به، لأن شرطة فرعون يتحرون الدور ويتفقدون الحبالى ليذبحوا الذكور من أولادهم، واشتد خوفها عليه منهم، فألهمناها وأشرنا إليها «أَنْ أَرْضِعِيهِ» أي قذفنا في قلبها ما معناه ذلك وقلنا لها «فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ» من اطلاع الشرطة ولم تقدري على دفع ما يحوك في صدرك من الخوف عليه، فضعيه في صندوق «فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ» وكان هذا الوحي بطريق الإلهام أو الرؤيا أو بواسطة الملك كما كان يتمثل لمريم ﵍، وعلى كل فلا يسمى وحي رسالة لأن المرأة لا تكون مرسلة من الله، والمراد باليم نيل مصر وكل نهر كبير يسمى يما أي بحرا «وَ» قلنا لها أيضا لتطمئن عليه «لا تَخافِي» عليه من الغرق، لأنا حافظوه «وَلا تَحْزَنِي» على فراقه بعد أن تلقيه وتحققي «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» قريبا لتربيه بطلب من فرعون عدوه، وبصورة لطيفة وحالة بديعة «وَجاعِلُوهُ» بعد كبره «مِنَ الْمُرْسَلِينَ» ٧ إلى فرعون وقومه، فامتثلت ما قذف في روعها من ذلك الإلهام الإلهي، وبعد أن أرضعته خفية مدة وتحقق خوفها عليه من كثرة التحري من أعوان فرعون رجالا ونساء بلا فتور، جاءت

стр. 834

بتابوت ودفعته فيه وألقته في النيل كما أمرها الله، فالتقطه آل فرعون، وذلك أن قسما من النيل يمر في قصره وأخذته الجرية إليه ليتم مراد الله و «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً» في عاقبة أمره، أي ربّوه لهذه الغاية، ولو علموا لقتلوه، ولكن أمر الله واقع لا محالة على حد قولهم (للموت ما تلد الوالدة) والوالدة لم تلد ليموت ولدها بل ليحيا، وهؤلاء التقطوه وفرحوا به ليكون لهم صاحبا ومفرحا، لا ليكون عدوا وحزنا «إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ» ٨ بعملهم ذلك وهو تصدّيهم لقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل، لئلا يفوتهم من أخبروا به بأنه سيكون خراب ملكهم على يده، ولهذا عاقبهم الله على فعلهم بأن قدر عليهم أن يربّوا عدوهم الذي يتوقعون منه هلاكهم، ويتحروه ليل نهار بأيديهم وتحت رعايتهم، ليكون ندمهم أكثر وتحسرهم أشد، ويكونوا خاطئين بتربيته لا يشعرون أنه هو، ولا بدع فإنهم خاطئون فيما يأتون ويذرون، لأنهم لا يدينون بالإله الواحد ولا يعلمون أن ما يريده الله لا بدّ أن يقع، أرادوا أو أبوا. وخلاصة القصة قال الأخباريون إن كاهنا من قوم فرعون أخبره بأن هلاكه وملكه سيكون على يد رجل يولد من بني إسرائيل، وأشار عليه أن يأخذ حذره، ويستعد لعاقبة الأمر لأنه واقع لا محالة، وقد رعب فرعون من هذا الخبر، فرأى غضب الله عليه أن يأمر بقتل كل ولد ذكر يولد من بني إسرائيل، من تاريخ إخباره من قبل الكاهن لسلامة نفسه وملكه، وهذا من فظاعة عتوه وبغيه وكبير كبريائه وطغيانه وكثير جهله وحمقه لشدة حرصه وطمعه في الدنيا اقتداء بأخيه النمرود حيث فعل فعله هذا حينما أخبره الكاهن بمثل ما أخبر فرعون، وصار يقتل الأولاد ويترك الإناث، ولكن الله تعالى لم يسلطه على إبراهيم، وقد كان هلاكه بسببه كما ستأتي قصته في الآية ٨٣ من سورة الأنعام في ج ٢، مع أنه يعلم أن لا راد لما قضى الله ولا مانع لما أراده، ولكن تهالكه على الملك أعمى بصره وبصيرته، وإن أخذه يقول الكاهن دليل على قلة عقله، لأنه إن صدقه لم ينفعة القتل، لأنه قال له سيكون ذلك، وإن كذبه فلا معنى للقتل، قالوا عين حراسا وقوابل من القبط على نساء بني إسرائيل، وأمرهم بأن يذبحوا كل مولود

стр. 835

ذكر ويتركوا الأنثى، وقد أقره وزراؤه على ذلك وعظماء جنوده أيضا، ولهذا خطأهم الله جميعا وعمهم بعذابه، قالوا ولما حملت أم موسى كتمت أمرها عن جميع الناس حتى عن ذويها، وكانت إحدى القوابل صاحبة لها فلما جاءها المخاض حضرت فولدتها فرأت ما هالها من نور عينيه، وارتعش كل مفصل منها ورجف فؤادها، فقالت لأمه هذا والله عدوّنا الذي أخبر به الكاهن، لأنها قبطية، ولكن أحببته حبا شديدا، فاحتفظي به عن أعين الناس، وسأكتم أمره، وخرجت من عندها. فتسابق لها الحراس وسألوها، فأنكرت عليهم، ثم تسارعوا إلى الباب ليروا هل فيه امرأة والدة، فرأتهم أخته وقالت لأمها ها هم أولاء الحراس بالباب، فارتبكت ولفته بخرقة وطرحته في التنور، ومن دهشتها نسيت أن فيه نارا، فدخل الحراس وتحرّوا فلم يجدوا شيئا، ورأوا التنور يلتهب نارا، فقالوا ماذا أدخل عليك القابلة وأنت غير حبلى؟ قالت إنها صاحبة لي وتزورني أحيانا، ولما خرجوا بادرت إلى التنور فوجدته يلعب ولم يصبه شيء، فأخرجته، وهذا أول دواعي الحفظ الإلهي، إذ أن القبطية كتمت أمره والنار انقلبت عليه بردا وسلاما، وصارت ترضعه سرا وهي خائفة وجلة من شرطة فرعون الذين يباشرون التحري صباح مساء، فألقى الله في قلبها أن تفعل بما ألهمت، فاصطنعت تابوتا عند نجار قريب منها ووضعته فيه وألقته في نهر النيل، فهمّ النّجار أن يخبر به الشرطة فأمسك الله لسانه، فجعل يشير إليهم بيده فلم يفهموا، فأوجعوه ضربا ليخبرهم بما يريد وأراد أن يفهمهم بالإشارة فأعماه الله، فأشبعوه ضربا ثم تركوه في الأرض، ولم يعلموا أن لسانه أمسك وبصره عمي، فبقي حيران في نفسه، فقال في قلبه إن رد الله علي بصري ولساني لأسعين على حفظه أينما كان ولأكونن في خدمته، ولأكتمن أمره، فرد الله عليه بصره ولسانه لعلمه بصدق نيته، فقال يا رب دلني عليه، فألقى في قلبه أنه في بيت فرعون، فذهب إليه وآمن به وصدقه بمجرد رؤيته له، لما تفرس فيه من الخير، وألقى في قلبه مودته ونصرته، وهذا هو مؤمن آل فرعون. وقيل إنه ابن عمه الآتي ذكره في الآية ٢٧ من سورة المؤمن في ج ٢ وفي الآية ١٩ من هذه السورة. قالوا وكان عند فرعون بنت هي أكرم الناس عليه يقضي لأجلها

стр. 836

في كل يوم ثلاث حاجات وكانت برصاء أعيا الأطباء شفاؤها، فأخبره السحرة بأنها لا تبرأ إلا بريق شبه إنسان من البحر، ويكون ذلك في يوم كذا عند شروق الشمس، وفيه غدا فرعون إلى مجلس له كان على ضفة النهر المار في قصره، ومعه آسية بنت مزاحم زوجته وبنته المذكورة وجواريها، فرأى فرعون شيئا طافيا على وجه الماء، فأمر ملاحته فأتوا به فإذا هو تابوت من خشب، فعالجوا فتحه فلم يقدروا، فأخذته آسية ففتحته وإذا فيه صبي يمص رزقه من إصبعه، والنور ساطع بين جبينه، ورأت بنت فرعون لعابه بسيل من شدقيه، فأخذته ولطخت به برصها فبرئ من ساعته، فأحبّته حبا شديدا، وصارت تقبله وتضمه إلى صدرها وكذلك آسية، وسمع ملأ فرعون به، فقال غواتهم أيها الملك نخشى أن يكون هذا هو المولود الذي أخبرنا به بالنظر لما نتوسم به، وأشاروا بقتله وأجمعوا على ذلك، وكانت آسية حين أخرجته من التابوت سمته موسى لأنه كان طافيا بين الماء والشجر، الماء بلسان القبط معناه موو الشجر سا، فقالت إن الذي أخبرتم به من بني إسرائيل، وهذا لا يعلم أنه منهم، والذي أخبرتم به من مواليد هذه السنة، وهذا ابن سنتين وخطأت رأيهم، واستوهبته لنفسها من فرعون، فوهبه لها وأجمعت هي وتبنته على حبه، وهذا مغزى قوله تعالى «وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ» اتركه هو «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ» قال تركته لك لا لي، انه عبراني من الأعداء كيف أخطأه الذبّاحون، وقد جاء في الحديث لو قال كما قالت لهداء الله كما هداها، ولكن من طبع على قلبه لا هادي له، ثم التفتت آسية إلى الغواة الذين أشاروا بقتله، وانتهرتهم بما قص الله تعالى بقوله «لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» والتفتت إلى فرعون منتحلة سببا آخر وقالت، إنك أمرت بذبح أولاد هذه الأرض وقد أتانا من أرض اخرى، ثم جهلت الوزراء فقالت «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ٩ انه هو المخبر به من قبل الكهنة، وهذه الأسباب الثلاثة مانعة من كونه هو، لانه لم يعلم انه من بني إسرائيل وهو في ارض غير ارض مصر، وهو ابن سنتين والمأمور بذبحهم أولاد هذه السنة، وكان عمره ﵇ إذ ذاك ثلاثة أشهر، لكن

стр. 837

الأنبياء يشبون بالشهر شباب الصبي من غيرهم بسنة بحكمة ربانية، فسكت فرعون وملؤه، ولم يردوا عليها. واعلم ان هذا التفسير الذي جرينا عليه أولى من جعل وهم لا يشعرون حالا من آل فرعون، وجعل جملة إن فرعون وهامان اعتراضية، وأنسب بالمقام، وأوفق للسياق، واشيع للمعنى، قالوا وكانت آسية من خيار الناس ومن بنات الأنبياء، ترحم المساكين وتتصدق عليهم، والقى الله محبته في قلب فرعون ايضا فحقق الله فيه ظن آسية لما رأت فيه من مخايل البركة ودلائل النجابة، وقيل في المعنى: في المهد ينطق عن سعادة جده ... أثر النحابة ساطع البرهان وحقق الله ظن فرعون وقومه أيضا قال: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجي عليه اجتهاده قال تعالى «وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً» من الصبر ناسيا ما نفث فيه من الإلهام الإلهي خاليا من كل شيء، ملآن بذكر موسى إذ بلغها أنه وقع بين يدي عدوه، وانتهكها الندم على ما فعلت بيدها، حتى أسلمته لعدوه وأنساها عظم بلاء الفقد ما كان عهد إليها من قبل الله بحفظه، وبلغ بها الحال إلى «إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ» تصرح للناس علنا أنه ابنها لما دهمها من الضجر وأنه هو ابن ثلاثة أشهر وإسرائيلي ومن أرض مصر، وأنها صنعت ما صنعت من شدة وجلها عليه «لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها» فثبتناه بإلقاء الصبر الجميل فيه، وربط القلب تقويته بايقاع الصبر فيه «لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ١٠ بوعدنا المصدقين فيه. قال يوسف بن الحسين أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبشرت بشارتين، فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها وفي هذه الآية من البلاغة ما لا يخفى «وَقالَتْ لِأُخْتِهِ» مريم بنت عمران «قُصِّيهِ» تتبعي أثره بدقة واعلمي خبره بسر وأخبريني حاله فذهبت إلى ديار فرعون «فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ» بعد بحيث كأنها لم تنظر إليه، ولا يهمها شأنه، وصارت تنظره اختلاسا، بطرف عينها بحيث تري الغير أنها غير عابئة به وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ١١» أنها أخته أو أنها تنظر إليه، ولما أراد الله انجاز

стр. 838

وعده برده إلى أمه، منعه من أن يقبل ثدي المراضع اللاتي أحضرن لإرضاعه قال تعالى «وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ» مجيء أخته، ولما رأت أخته أن أمره أهمهم لكثرة ما أحضرن له من المرضعات وهو ينقلب من يد زوجة فرعون إلى يد ابنته فيقبلانه ويضمّانه إلى صدرهما، تسربت بين المرضعات وتقدست «فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ» ١٢ بالتربية والغذاء والنظافة والإخلاص فيوضعونه ويضمّونه كما تريدون، وهذا الطلب على طريق العرض بلين ورفق وتؤدة، قالوا من هي؟ قالت أرشدكم إلى امرأة قتل ولدها وأحب شيء لها أن ترضع ولدا، قالوا وكان هامان يسمع قولها، فقال إنها عرفته فلتدلني على أهله لأنها قالت وهم له ناصحون، فأمسكوها، قالت اني أردت أنهم ناصحون للملك لا له، وقد قلت هذا رغبة في سرور الملك، لأني رأيت زوجته وبنته قد أهمهما أمره فيتداولانه ويضمّانه على صدرهما، وأن الملك قد أخذه وضمه إلى صدره، وهو يبكي. وهذا أيضا من أسباب حفظ الله تعالى له إذ أنطقها بما أسكتهم: ثم قالت لهم بعنف وشده غضب اعلموا أنا متصلون بالملك يسوءنا ما يسوءه ويسرنا ما يسره، وأرادت أن تذهب من بينهم حنقا لما سمعت من قول هامان، فتمسكوا بها وقالوا لها من هي هذه المرأة؟ قالت هي أمي، قالوا هل لها ولد؟ قالت نعم قالوا ما اسمه قالت هارون ولد في السنة الماضية التي لا يقتل فيها الأولاد، قالوا الآن صدقت، فأتينا؟؟؟ بها فانطلقت مسرعة وأخبرت أمها الخبر كله، وجاءت بها فأعطوها الولد، فالنقم ثديها حالا إذ عرفها أنها أمه من ريحها، فقالوا لها ولم امتصّ ثديك توأ؟؟؟ مع انا أكثرنا عليه المراضع فلم يأخذ ثدي أحد منهم؟ قالت إني امرأة طيبة اللبن والرائحه لم أوت بصبي لم يقبل ثدي مرضعة إلا وقبل ثديي، وان شئتم فجربوا، فأعطوه لها واشترطوا كل يوم دينارا. مطلب في الرضاع والحكم الشرعي فيه ومعنى الأشد: وقد جاء في الخبر عن سيد البشر ليس للصبي خير من لبن أمه أو ترضعه امرأة صالحة كريمة الأصل فإن لبن المرأة الحمقاء يسري (في الولد) واثر حمقها يظهر يوما

стр. 839

(أي فيه) وجاء في حديث آخر الرضاع يغير الطباع، وقالوا العادة جارية بأن من رضع امرأة فالغالب عليه أخلاقها من خير أو شر (الحكم الشرعي) جواز الإرضاع لحاجة ولغير حاجة، وجواز أخذ الأجرة عليه عدا الأم فلا يجوز أخذ الأجرة على إرضاع ولدها في شريعتنا، ولا تجبر على إرضاع ابنها إلا إذا كان لا يقبل ثدي غيرها، ولعله كان في شريعتهم جائزا وهو من قبيل اختلاف الشرائع في الفروع، وإذا كان لم يجز عندهم أيضا فيكون أخذها الأجرة من قبيل التقية حرصا على إمساك ولدها، ولئلا يعرفوها أنها أمه، وبقيت ترضعه إلى الفطام، وتردد عليه إلى بلوغه المراهقة، هذا فعل الله أيها الناس بحفظ عباده وإنجاز وعده لهم، فتأملوا رحمكم الله كانت تريد أن تراه وتعطي ما يريدونه منها فأخذته بالأجر، وكانت هي أحق بإعطاء الأجر، ألا له الخلق والأمر. قال: وإذا العناية لاحظتك عيونها ... ثم؟؟؟ فالمخاوف كلهن أمان قال تعالى «فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها» فرحا به «وَلا تَحْزَنَ» على فراقه ولا يدوم أسفها عليه «وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» إنجازه لا يبدل ولا يغيّر «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ١٣ ذلك فيرتابون فيه أو يشكون فيحرمون من إنجازه لعدم تعلقهم بالله تعلقا خالصا، لأن منهم الجاحد والمنكر ومنهم المتردد، وكلهم خاسرون هالكون والناجحون هم المخلصون الموقنون. وفي هذه الآية تعريض لأم موسى بسبب ما فرط منها من الجزع، مع أن الله تعالى أمتها عليه، قال تعالى «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ» وهو ثلاثون سنة «وَاسْتَوى» كمل عقله واعتدل رأيه، وبلغ سن الأربعين «آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً» نبوة وسلطانا وفقها ومعرفة في الدين والدنيا «وَكَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الحسن «نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ١٤ من سائر الناس كما جازينا أم موسى إذ قبلت أمرنا وألقت ولدها في البحر، فرددناه عليها وجعلناه رسولا خليلا. وفي الآية تنبيه على أن أم موسى كموسى كانت محسنة في بداية أمرها، فجزاها الله هذا الجزاء وجعلها أمّا لنبيه وما ذكرنا من معنى الأشد هو الصحيح المعول عليه، وهو حتما دون الأربعين، قال تعالى (إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ

стр. 840

سَنَةً الآية ١٥ من سورة الأحقاف في ج ٢، وهذه الآية تدل على أن الأشد دون الأربعين دلالة صريحة، ولهذا قال هنا استوى والاستواء ما بين الثلاثين إلى كمال الأربعين وبه يظهر معدن الإنسان، وهو سن الكمال الذي يطبع المرء على ما كان عليه فيه من صلاح أو غيره غالبا، قال: إذا المرء جاز الأربعين ولم يكن ... له دون ما يهواه جاه ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى ... وان جر أسباب الحياة له العمر وقال الآخر: وماذا يبتغي الشعراء مني ... وقد جاوزت من الأربعين ثم شرع الله يقص علينا ما وقع من موسى وهو عند فرعون قبل ذهابه إلى مدين وتشرفه بالرسالة بدليل العطف بالواو، لأنها لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، أو أن الواو في قوله تعالى «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ» واو الاستيناف عن ذكر قصة أخرى تتعلق بموسى بعد أن ختم قصته أمه، والمراد بالمدينة المدينة التي فيها قصر فرعون غربي النيل بمسافة اثني عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر المعروفة بمصر القديمة، وهي أول بلدة أنشئت بمصر بعد الطوفان واتخذت قصرا لملوك مصر قديما، ولعلها التي يسمونها الآن (بالاقصر) قالوا وكان فرعون وملؤه لا يريدون أن يخرج منها لانه صار ينتقدهم فيؤنبهم وينكر عليهم عبادتهم، فتمكن يوما من الخروج من قصره في وقت لا يظن الناس فيه خروجه وفي زمن خلوّ من اجتماع الناس، يدل عليه قوله تعالى «عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها» أي في وقت لا يتوقعون دخوله فيها ولا يعتاد الخروج فيه لانه وقت الاستراحة، قيل كان وقت القيلولة او ما بين المغرب والعشاء «فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ» وقريء يقتلان بإدغام التاء بمثلها «هذا مِنْ شِيعَتِهِ» من اتباع موسى وأنصاره قيل هو السامري، لان ما أظهره في الآية دليل على انه هو «وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ» من القبط وهو طباخ الملك واسمه ثاثون على ما قيل، وسبب المنازعة ان القبطي كلّف الإسرائيلي حمل حطب لمطبخ الملك، فأبى على خلاف العادة، لأن الاسرائيلي لا يمتنع من خدمة القبطي، لأنهم كالعبيد يأتمرون بأمرهم فيما يكلفونهم به نساء

стр. 841

ورجالا، إلا أنهم عزّوا بوجود موسى عند فرعون والتفاف زوجته وابنته عليه، وصاروا يناوثون القبط أحيانا ويعارضونهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه، لا سيما وان الذليل إذا رأى نفسه تعزز لا يطاق كما هو مشاهد في غير المسترقين فكيف بمن صار الرق له ديدنا؟ ولهذا فإن مثل هذه المخالفات صارت تجري منهم على غير المعتاد، وبما أن خصمه طباخ الملك والحطب لمطبخه اغتاظ القبطي وهاجمه بالضرب، ولما رأى موسى أن القبطي هو المعتدي ضربه بجميع يده ليردعه عن ضرب الإسرائيلي، ولا يعلم أن ضربته هذه تقضي لموته لأن الأنبياء معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها، قال تعالى حاكيا حالهما «فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ» أماته خطأ، والقتل خطأ صغيرة لا كبيرة، والوكز عادة لا يؤدي للموت لأنه ضربه بجميع يده أو دفعه برؤوس أصابعه، ولا مظنة فيها للقتلى والقتل بغير آلة مفضية له لا يعدّ جناية مقصودة بالمعنى المراد فيها لا سيما إذا عرت عن النية، ولكن لما رأى وكزته قضت على حياته ولم يكن يتصور حصول الموت بها ندم ﵇ قالوا ثم جر جثته ودفنها بالرمل و «قالَ هذا» الذي وقع «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» الذي غايته استذلال البشر وإيقاعه في الخطايا «إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» ١٥ مظهر العداء والضلال إلى الإنسان، ثم رفع يديه «قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي» بما فعلت قال هذا على سبيل الاتضاع والاعتراف بالتقصير، لأن الأنبياء يعدون ما يقع منهم كبيرا مهما كان بالنسبة لقامهم، وفعله هذا كان قبل النبوة بكثير يدل عليه قوله تعالى (فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) الآية ١٩ من سورة الشعراء المارة «فَاغْفِرْ لِي» ما وقع مني واستره علي ولا تؤاخذني به لئلا يطلع فرعون فينتقم مني «فَغَفَرَ لَهُ» وأجاب دعاءه جزاء اعترافه ووصم نفسه بالظلم «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ١٦ كثير الرحمة بأوليائه الأبرار وقد ستره الله عليه فلم يشاهده أحد عند الضرب ولا عند الدفن «قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ» بالستر والمغفرة، وأقلت عثرتي وقبلت توبتي «فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً» معاونا ونصيرا أبدا «لِلْمُجْرِمِينَ» ١٧ الذين يوقعون غيرهم

стр. 842

بالإجرام، الذين تؤدي معاونتهم إلى إيقاع الجرم، ويجرونهم إلى الخطأ والهفوات. واعلم انه ﵇ انما عرف أن الله تعالى غفر له ولم يتنبأ بعد فبإلهام من الله قذف في روعه الشريف، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة ومن كان في هذا السن لا يعاقب كما مر لك في الآية ١٩ من الشعراء، والمادة ٤٠ من قانون الجزاء تنص على هذا، وما قيل انه برؤيا رآها يستبعدها العطف بالفاء، ولمّا لم يستثنى ابتلاء الله ثانيا، قال تعالى «فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ» التي قتل فيها القبطي «خائِفاً يَتَرَقَّبُ» حلول المكروه من أولياء المقتول أو من فرعون، ويترصد الأخبار ليعرف هل وقف أحد على فعلته هذه أم لا، لأنه أمن من الجزاء المعنوي بمغفرة الله وبقي الجزاء الحسيّ وقد أشغل فكره ذلك، إذ صار يتوقع القبض عليه ويترقب المكروه في نفسه «فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ» يستغيث به عن بعد من قبطي آخر معه «قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ» أيها الاسرائيلي «لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» ١٨ مظهر الغواية خال عن الرشد، إنّك قاتلت رجلا بالأمس فاستغثت بي عليه فقتلته بسببك، والآن تقاتل غيره؟ فقال إنه تعدى على أيضا مثل ذلك، وبما أنه ﵇ يعلم كثرة تعدي القبط على الاسرائيليين فقد أخذته الغيرة وساقته الحمية على الاسرائيليين لأنهم من دمه، فظهر عليه الغضب السائق للانتقام «فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما» في الأصل وهو القبطي «قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ» كأنه توهم من قوله للإسرائيلي انك لغوي مبين أنه هو الذي قتل القبطي المار ذكره الذي لم يعرف قاتله لأنهم لما فقدوه تحروا عليه فوجدوه قد دسّ بالرمل، فأخذوه ولم يعرفوا قاتله. وهذا التفسير موافق لظاهر الآية وسياقها ولقوله تعالى «إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ» الجبار هو الذي يفعل الفعلة لا يخاف عقباها «وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ» ١٩ فيها بأن تدفع بالتي هي أحسن، لأنه يبعد على الاسرائيلي الذي انتصر له أولا وآخرا أن يقول في حق موسى هذا القول وهو وغيره، عرف أن ما حصل لهم من العزة والمكانة إلا بسبب وجوده، ويجدر بالقبطي

стр. 843

أن يقول ذلك القول لأنه عرف من فحوى المخاطبة بين موسى والاسرائيلي والاستغاثة به عليه ان قتل القبطي وقع منه، وكلاهما يعلم أن ما حصل للاسرائلين من المهابة هو لأجل موسى لأنه تربى في بيت الملك، ويعلمون أن الملك وزوجته وبنته يحبونه حبا جما، فقال ما قال بحقه، هذا، وأن أكثر المفسرين مشوا على أن القائل هو الاسرائيلي لأنه توهم إرادة البطش بدون القبطي، لأنه سماه غويا فقال ما قال بحق موسى وفشى أمره بين الناس بأنه هو القاتل، ولذلك قالوا انه، السامري، فيكون جزاء موسى منه افتضاح أمره ووصمه بالجبارية وعدم الإصلاح فيصدق عليه قول القائل: ومن يفعل المعروف في غير أهله ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم أو المثل المشهور (يجازى جزاء سنمار) ويصدق الخبر الوارد: أبت النفس الخبيثة ان تخرج من الدنيا حتى تسيء لمن أحسن إليها، والخبر الذي نقله الغزالي ﵀: اتق شر من أحسنت إليه. وارى التفسير الأول اولى والله اعلم. قالوا وكان اهل المقتول الأول راجعوا فرعون بقضية قتيلهم، إذ وجدوه ولم يعلموا قاتله، فقال حققوا واخبروني، وقد صادف ان حضروا هذه الحادثة الأخيرة وما قاله موسى وما رد عليه به على التفسيرين المارين فتعرفوا ان القاتل هو موسى، فذهبوا واخبروه هذا ما قصه الله علينا في كتابه العظيم من القتل والمقتول والقاتل اما الموجود في التوراة الموجودة الآن هو ان الرجلين الأولين كما قص القرآن اما الآخران فكلاهما من بني إسرائيل ووجه العداوة ان هذا الذي أراد أن يبطش به موسى كان ظالما لمن استصرخه، فيكون بظلمه عدوا له وعاصيا لله تعالى، والعاصي لله عدو لموسى، وفيها أيضا ما هو صريح في أن الظالم هو قاتل ذلك، يعني موسى ﵇ راجع الاصحاح الثامن من الخروج ص ١١ و ١٥، ومن المعلوم أن ما يكون في التوراة مخالفا للقرآن لا يلتفت إليه، وكذلك فيما يخالف السنة، وذلك بسبب التبديل والتغيير الذي طرأ عليها والنسخ، وفيما عدا ذلك من أخبار بني إسرائيل وغيرها فلا بأس بأن يستأنس بها لبعض الأمور، ولا يجب التصديق بها، ولا ينبغي تكذيبها، لأن التوراة بالنسبة للعصر الحاضر هو

стр. 844

أول كتاب سماوي موجود في الأرض، لأن الصحف قبلها درست ولم يبق لها أثر، وكثير ما فيها من قصة موسى وغيره مخالف لما قصه الله في القرآن، كما يظهر لأول نظرة لمن يطالعها بإتقان، ويقابل ما بينها وبين القرآن، لأنك لا تجد فيها ذكرا لمؤمن آل فرعون ونصحه لموسي في هذه القصة البتة، راجع ما بيناه في تفسير الآية ٩٦ من سورة طه المارة. مطلب تجوز النميمة والكذب لمصلحة والأخذ بالنصح: قالوا وكان مؤمن آل فرعون حاضرا حينما جاء أولياء المقتول وأخبروا فرعون وأمر بإحضاره، وبما أنه آلى على نفسه إدامة النصح لموسى تغيب حالا عن المجلس، وسار ليخبر موسى، وهو المعنى بقوله تعالى «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى» يهرول ويسرع في مشيه، وكان سلك أقرب الطرق التي سلكته الشرطة للقبض على موسى لينذره بالخطر عليه من بقائه في مصر كلها والمدينة المار ذكرها في الآية ١٤، قالوا ان اسمها منف أو عين شمس أو حابين، واسم المؤمن حزقيل، ولما وصل إليه «قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ» الملك ووزراؤه يبشاورون بشأنك «لِيَقْتُلُوكَ» بالقبطي قصاصا، سمى التشاور ائتمارا، لأن كلا من المستشير والمستشار يأتمر بأمر صاحبه، وقد استدل القرضي وغيره أن النميمة لمصلحة دينية جائزة كما هنا، وكذلك الكذب لمطلق مصلحة مشروعة «فَاخْرُجْ» الآن «إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» ٢٠ وكان موسى يعرفه لأنه كان يتفقده دائما وهو واثق به، وله موقف عال سيأتي في الآية ٣٨ من سورة المؤمن في ج ٢ «فامتثل موسى» حالا بدليل قوله «فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً» على نفسه من آل فرعون، لان العطف بالفاء يدل على التعقيب بلا فاصلة عما قبله «يَتَرَقَّبُ» الطلب لئلا يلحقه فيأخذه إلى فرعون، وفي هذه الآية دلالة على أن النصح مطلوب والاخذ به كذلك، والنصيحة بين المسلمين واجبة، وقد حث عليه الرسول كثيرا، ولجأ موسى إلى ربه لعلمه أن لا ملجأ له إلا إليه «قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ٢٦ فأجاب دعاءه وأعمى الشرطة عن رؤيته وعن الالتحاق به «وَلَمَّا تَوَجَّهَ» بتوفيق الله إياه «تِلْقاءَ مَدْيَنَ» جهتها وقد ساقه الله

стр. 845

لطريقها، وهو لا يعرفه، لان أهالي مدين من نسل إبراهيم جده ﵇ ولحكمة أرادها الله كما سيأتي، قالوا وبين مصر ومدين ثمانية أيام، راجع الآية ٤٠ من سورة طه المارة، فسار هذه المسافة على قدميه لم يأكل ولم يشرب إلا من نبات الأرض وما يجده من الغدران، ومو تربى تربية ملوكيّة، وهذا أول بلاء أصابه، لأنه لما يعرف العناء، ولما لم يعرف أين يسير «قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» ٢٢ الطريق المعدل الموصل إلى ما به النجاة والسواء بمعنى الوسط، وذلك انه صادف مفترق الطرق فألهمه الله أن يسلك الوسط منهما وقيل أن الله أرسل ملكا أرشده إليه فسلكه، قالوا ولما وصل الّذين تعقبوه إلى ذلك المفرق لم يعرفوا أي طريق سلكه كي يتعقبّوه عليه، فقر رأيهم على أن الخائف لا بسلك الطريق السوي بل يسلك بنياته، فسلكوا غير الطريق التي سلكها ليتم مراد الله الذي أجاب دعاءه بنجاته منهم، ولذلك فإن الطلب صل مقصوده فرجع خائبا وموسى بلغه «وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ» بئرها المعد لسقي المواشي «وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ» ٢٣ أعناقهم ودوابهم. واعلم أن لفظ الام من المبهم أحد أقسام البديع، وله تمان معان فمعناها في قولك نحن من أمة محمد ﷺ (الجماعة) وفي رجل جامع للخير يقتدى به كقوله تعالى (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) الآية ١٢٠ من سورة النحل في ج ٢ (الرجل الفذ الجامع) وتأتي بمعنى الحين والزمان في قوله تعالى (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وقوله (إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) وقوله (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) وتأتي بمعنى القامة يقال فلان حسن الامة، وتأتي نعتا للرجل المنفرد بدين قال ﷺ يبعت زيد بن عمرو بن تفيل أمة وحده، ويطلق على الام أيضا «وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ» بمكان بعيد عنهم أسفل منهم «تَذُودانِ» اغنامهما وتمنعانها من التقرب إلى محل الورود والذود هو المنع فتقرب موسى منهما «قالَ ما خَطْبُكُما» ما شأنكما لا تتركان مواسيكما لتقرب نحو الماء «قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ» مواسيهم عن الماء لأنا لا نستطيع مزاحمتهم حال الورود، فاذا صدروا عن الماء أسقينا أغنامنا ما يفضل في الحياض، لأنا لا نقدر أن نستقى بأنفسنا ونخشى القوم
следующие страницы →