← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أبي بن سلول من أصحاب محمد، راجع الآية ٣٠ من سورة الفرقان المارة، والآية ١١ من سورة الأنعام في ج ٢ «فَبَغى عَلَيْهِمْ» على بني إسرائيل لأنه كان عاملا عليهم «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ» الذهب والفضة المدّخرة «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ» مفاتح خزائنه إذا جعلته جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وإذا جعلته جمع مفتح بفتحها فيكون مفاتحه خزائنه وهي المحال التي يدخر فيها المال، وما موصولة في محل نصب بآتيناه، وأن اسمها وخبرها وهو «لَتَنُوأُ» تثقل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول وهو ما، ولهذا كسرت إن هنا «بِالْعُصْبَةِ» الجماعة الكثيرة «أُولِي الْقُوَّةِ» لا الضعفاء، والعصبة ما بين الثلاثة إلى الأربعين، قال ابن عباس كان يحمل مفاتحه أربعون رجلا، وقال غيره على ستين بغلا ولا يزيد قدر الواحد على الإصبع، فإذا كانت المفاتيح هكذا فما مقدار تلك الكنوز؟ وإذا كان عاملا من عمال فرعون عنده هذا القدر فما هو مقدار الذي عند فرعون؟ ومع هذا كله يناوئون الله. فلذلك أخذهم، واذكر يا محمد لقومك قصته «إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ» بحطام الدنيا وتبطر على قومك وتمرح بملك، فإنه زائل والفرح مذموم «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ» الأشرين الذين لا يشكرون نعم الله، قالوا له ذلك لما رأوا من زيادة تكبره وتعاظمه عليهم وإطالة ثيابه خيلاء، قال تعالى (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) الآية ٢٣ من سورة الحديد ج ٣ لأنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها أما من يعلم أنه سيفارقها فلا يفرح بها، ولقد أحسن أبو الطيب المتبني في قوله: أشد الغمّ عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا وقال ابن شمس الخلافة: وإذا نظرت فان بؤسا زائلا ... المرء خير من نعيم زائل والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير ويقولون: ولست بفرّاح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلب هذا ويشير نفي محبة الله لمثل هؤلاء إلى بغضه لهم وكراهته إياهم، لأن من لا يحبه الله يبغضه، وينّبه إلى أن عدم المحبة كاف في الزجر عما نهى الله عنه

стр. 877

«وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ» من المال في هذه الدنيا «الدَّارَ الْآخِرَةَ» بأن تنفق منه لأجلها مرضاة الذي أعطاكه وشكرا لنعمه «وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا» كي تنجو من عذاب الآخرة. مطلب في معنى النصيب وفوائد أخرى: والنصيب هو حظّ الرجل من عمل الدنيا بلاغا للآخرة، أي اعمل لآخرتك كما تعمل لدنياك، وقيل النصيب هو الكفن، وقيل فيه: نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوّى فيهما وحنوط وفي الحقيقة ان آخر ما يأخذه ابن آدم من ماله الذي جمعه من حلال وحرام بكدّ يمينه وعرق جبينه الذي يقدم غدا على المحاسبة عليه أمام الملك العلام هو الكفن وشيء من الطيب لا غير، هذا ان قدر له الموت على الفراش، وإلا فقد لا يحصل على ذلك ان مات غرقا أو حرقا أو أكله السباع، فالسعيد من أمسك من ماله ما يكفيه وتصدق بالفضل لصلة رحمه وفقراء أمته ليدخر ثوابه في الدار الباقية، لأن هذه زائلة لا محالة ولو عمّر فيها ما عمر وقبل في المعنى: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول والقول الفصل ما قاله سيد الرسل: عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. وروى عمرو بن يموت المازني عنه ﷺ قال اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وهذا الحديث مرسل لأن عمر هذا لم يلق النبي ﷺ : ألا لا يغتر ابن آدم بالخمس الأول، فهي وبال عليه إذا لم يصرفها إلى التي خلقت إليها «وَأَحْسِنْ» إلى خلق الله مما تفضل به عليك «كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» لتكون من الشاكرين إحسانه فيزيدك إحسانا «وَلا تَبْغِ» وإياك أن تسعى فتطلب «الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ» لتظلم الناس وتطغى عليهم بسبب نعم الله، فتتعالى وتترفع عليهم فيسلبها الله منك قال ﷺ أشكروا النعم لا تزدروها. وفي رواية لا تكفروها. فإنها إن زالت هيهات أن تعود ولذا قالوا بالشكر تدوم النعم. ومن أقبح القبائح أن تستعمل

стр. 878

نعم الله في معصيته، لأنه ﷻ تفضل على عباده كي يشكروه ويتفضلوا على عياله الفقراء، لا أن يبغوا بما تفضل عليهم، قال تعالى في الحديث القدسي: الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي، فإن بخل وكلائي على عيالي أذقتهم وبالي ولا أبالي. ولهذا البحث صلة في الآية ١١ من سورة لقمان في ج ٢ فراجعه ألا فلينتبه الغافلون المغرورون ليعلموا أنهم ليسوا بأفضل من الفقراء عند الله، وأن الله لم يخصهم بالغنى لفضلهم بل ليختبرهم هل يصرفونه مصارفه أم يبخلون به، كما اختبر ثعلبة الآتي ذكره في الآية ٧٦ من سورة التوبة في ج ٣ اما يحمد الله هذا الغني ان أغناه الله وجعله من المتصدقين على عباده ألا يخشى أن يفقره الله ويحوجه للسؤال من الغني، أما يسرّه أن تكون يده العليا وقال ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» ٧٧ في الأرض بظلم أهلها والتسلط عليهم وتشعر عدم المحبة لهذا الصنف بغضبه عليهم وكراهته إياهم، وهكذا فلا تجد آية صرح الله بها بلفظ البغض البتة، فتعلموا أيها الناس الأدب من أقوال الله ورسوله، فبدل أن تقول لأخيك كذبت قل له غير صحيح، أو ليس الأمر كذلك، فهو أدوم للمحبة وأعف للّسان وأطهر للقلب. واعلم أن الذي لا يحبه الله فهو مكروه عنده مبغوض عند خلقه. وإلى هنا انتهت نصيحة قوم قارون له، وانظر إلى غروره وطيشه في جوابه لهم «قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ» أي ذلك المال الكثير ليس كما تقولون، وإنما كان «عَلى عِلْمٍ» عظيم «عِنْدِي» علمنيه؟؟؟ الله وفضل استوجبت فيه التفوق عليكم، فكان ذلك استحقاقا لي فردّ الله تعالى عليه بقوله عز قوله «أَوَلَمْ يَعْلَمْ» هذا الخبيث «أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ» من القرون الماضية مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً» على جمع المال وعلما في استخراج الفضة والذهب من المعادن الأرضية واسترباحها في الأعمال والتجارات وتعاطي الحرف «وَأَكْثَرُ جَمْعاً» للأموال منه ولم يدع دعوته هذه، وأراد الملعون بالعلم علم الكيمياء لأنه كان ماهرا فيها، إذ يستخرج من الرصاص الفضّة ومن النحاس الذهب، وكان حاذقا في نموّ المال، ولهذا ظن أنه أهل لذلك فأعطاه الله المال بفضله عليهم ولم يعلم أن تعليمه ذلك كان بتقدير الله إياه عليه، ولولا ذلك لما قدر أن يسقي

стр. 879

نفسه جرعة ماء، ولكن من غرّه عمله غاب عنه زلله والعياذ بالله، وما قيل إنه أراد بالعلم علم التوراة قيل لا قيمة له، لأنه لو أراد ذلك لما افتخر به على قومه وتفوق عليهم، لأن فيهم من يعلمها مثله، ولو كان، لساقه علمها إلى التواضع ولين الجانب وكثرة الإنفاق ومكارم الأخلاق لأنها هدى ونور أنزلها الله على موسى وقومه ليهتدوا بها وينتهوا عما تحلى به قارون من الكبرياء والعظمة، فكان مجرما عند الله تعالى بذلك «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» ٧٨ بل يدخلهم النار رأسا من غير حاجة إلى السؤال والاستعذار. قال تعالى (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) الآية ٣٦ من المرسلات المارة، ولا عذر لهم بعد تحقق توغلهم بالجرمية، فهم معروفون بأعمالهم، قال تعالى (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) الآية ٤١ من سورة الرحمن في ج ٣ أي بعلائهم فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ويطرحون في النار، لأن جوارحهم تنطق بما عملوه في الدنيا قال تعالى «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ» يوم عيده مزينا باللباس الباهر متحليا بأنواع الأوسمة المرصعة بالجواهر راكبا على بغلة موشىّ سرّجها بالذهب والدر، وعن يمينه وشماله وخلفه سبعون الفا من الخدم والجواري، وكلهم مزيّن بأنواع الحلي ومرتد أحسن الثياب، لا يرى الرائي أحسن منهم في زمنهم، فلما رأى الناس موكبهم الفخم انقسموا قسمين، بين لله الأخس منهما يقوله حكاية عنهم «قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا» قبل كانوا مسلمين، ولكن قالوا ما قالوا على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر «يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ» من زخارف الدنيا وبهجتها «إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» ٧٩ فيها إذ أوتي مما لم يؤت أحد مثله لما بهر عقولهم من عظمة ما رأوا من أمارات العز، ثم بيّن الله تعالى الأحسن منهما بما حكى عن حالهم بقوله جل قوله «وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» بما وعد الله المتقين في الآخرة لأولئك المتمنين «وَيْلَكُمْ» بما قلتم وتمنيتم، وهذه كلمة دعاء بالهلاك ثم استعملت للردع والزجر عن ترك غير المرضي، وهو منصوب محلا أي ألزمكم الله الهلاك، ان هذا الذي ترونه عند قارون ليس بشيء محمود عاقبته، وهو فان ولكن «ثَوابُ اللَّهِ» الدائم في الآخرة «خَيْرٌ لِمَنْ

стр. 880

آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً» في دنياء مما أوتي قارون وآله من الزخرفة، فاصبروا على ما أنتم عليه فالصبر فضيلة عظيمة عند الله «وَلا يُلَقَّاها» أي خصلة الصبر المترتب عليها ثواب الله «إِلَّا الصَّابِرُونَ» ٨٠ صبرا حقيقيا لا لسمعة أو رياء بل صبر محض مبرأ من جميع شهوات الدنيا الخسيسة، فهم الراضون بما قسم الله لهم في هذه الدنيا الزائلة من القليل المتيقنون أن ثواب الله خير. وانظر إلى فعل الله بمن يشاركه في كبريائه ولا يسمع قول أوليائه قال تعالى «فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ» التي فيها خزائنه «الْأَرْضَ» فابتلعتها معه لأنه لم يسند نعمه إلى منعمها، لذلك لم يمتعه بها إلا قليلا وسيرى وبالها غدا لأنه ظن أن علمه أهله لها فلينجه علمه من هذا الخسف، والخسف الذهاب في الأرض، يقال خسف المكان أي ذهب في الأرض، وخسف القمر زال ضوء. وعين خاسفة إذا عدمت حدقتها قال تعالى «فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ» لا من كان يمشي خلفه ولا غيرهم من جماعته يقدر على حفظها من الخسف الذي حل به أو يحول دونه «وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ» ٨١ لنفسه فيخلصها، ولم يكن له عمل صالح فيكون سببا لإنقاذه، ثم ذكر حال وشأن الفريقين المذكورين أعلاء فقال عز قوله «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ» اليوم الكائن قبل يومك أي قبل الخسف الذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إلخ، يقولون «وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ» يضيق ويوسع على من يشاء، وكلمة وي يقولها النادم على الخطأ الذي وقع منه إظهارا لندمه واعلاما بذلك الخطأ على طريق التعجب «لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا» بما تمنيناه من حالة قارون كما خسف به «وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» ٨٢ بنعم الله ولا ينجون من عذابه، قالوا هذا مظهرين الندم على ما فرط منهم من التمني. مطلب كلمة ويكأن وقصة قارون: هذا وقد كتبت وي هنا متصلة بكأن لكثرة الاستعمال وإلا فهي كلمتان وي للتعجب وكأن للتشبيه، والقياس أن تكتب منفصلة بعضها عن بعض لجواز الوقف عليها، وقد كتبت على القياس في قول زيد بن عمرو بن نفيل:

стр. 881

وي كأن من يكن له نشب ... يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر وقال الأخفش: الكاف متصلة بها وهي مع الكاف اسم فعل بمعنى أعجب، والوقف على الكاف منها أي على ويك، وعليه قول عنترة: ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر اقدم وذهب السكاكي إلى أن أصلها ويلك وخفّفت بحذف اللام، فبقيت ويك، وهي للردع والزجر وللبعث على ترك ما لا يرضي. وقال أبو حيان هي كلمة تحزّن وأنشد في التحقيق قوله: ألا ويك المضرة لا تدوم ... ولا يبقى على البؤس النعيم وعلى هذا يكون الكاف في موضع جرّ بالإضافة والعامل في أن بعدها على هذا الوجه والوجه الذي قبله فعل العلم المنصور، أي أي أعلم أن الله بسط إلخ، واعلم أنه لا يفلح إلخ، لأن أن بعدها مفتوحة الهمزة، أو بتقدير اللام أي لأن إلخ، على أنه بيان للسبب الذي قيل لأجله ويك. وحكى ابن قتيبة أن معى ذلك رحمة لك بلغه حمير. وقال الفراء ويك بلغة العرب كقول الرجل ألا ترى إلى صنع الله تعالى؟ وقال أبو زيد وجماعة معه ويكأن حرف واحد بجملته، وهو بمعنى ألم تر، وهذه رواية عن ابن عباس. فعلى من يستعمل هذه الكلمة أن لا يتعدى في معناها ولفظها ما ذكرناه، لأنا لم نبق زيادة لمستزيد. وخلاصة قصة قارون على ما ذكره ابن عباس وغيره أنه لما نزلت الزكاة على سيدنا موسى بأنها عشر المال صالح قارون على أن يعطيه في كل ألف دينار دينارا، وفي كل ألف درهم درهما وفي كل ألف شاة شاة، وهكذا من كلّ ما عنده، وذلك بأمر الله تعالى لعلمه أنه لا يعطي شيئا، وقد جاراه سيدنا موسى ﵇ على ما أراد لتحق الكلمة عليه، فبعد أن رضي حاسب نفسه، فإذا هي شيء كثير بالنسبة لما عنده، فلم تسمح نفسه بإعطاء شيء، ولما علم أن موسى ليس بتاركه جمع بني إسرائيل وقال لهم إن موسى يريد أخذ أموالكم بعد أن أطعتموه في كل شيء وقد أتاهم الخبيث من جهة المال لعلمه بشدة حرصهم عليه لينال قصده، فقالوا أنت كبيرنا فأمرنا بالذي تراه، قال ائتوني بالباغية فلانة، فجاءوا بها حالا، فجعل لها ألف دينار

стр. 882

وألف درهم وطستا من ذهب على أن تقول زنى بي موسى، وتعهد لها بأنها إذا قالت ذلك على ملأ الناس لموسى يجعلها كسائر نسائه فطمعت بذلك ورضيت، ثم قال للذين معه إذا تم هذا الأمر على رءوس الأشهاد فإن بني إسرائيل تخرج عليه ويرفضونه وأبقى لكم أنا أفيض عليكم من مالي. وهذا كله من حب نفسه الخبيثة رئاسة والمال حسدا لموسى ﵇، وكان نقم عليه قبلا بسبب جعل هرون رئيسا للأحبار على رئاسة المذبح للقرابين، ولم يجعل له شيئا مع أن موسى لم يجعلها أخيه إلا بأمر الله، ولأنه أقسره على إعطاء الزكاة، وهو قد استكثرها وبخل؟؟؟ الله بها واستغل خبثه أملا بأخذ الرئاسة له وحبّا بالدنيا مع أنه لو عاش ما عاش؟؟؟ نوح ﵇ وأكل الذهب والفضة لما نقذ ما عنده، وهو أكبر رئيس من جهة دنيا لكثرة ما عنده (قال سهيل ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح أبدا، والسعيد من عرف بصره عن أقواله وأفعاله، وفتح له سبيل رؤية منّة الله عليه في جميع الأحوال، والشقي من زين له في عينيه أقواله وأفعاله وأحواله، ولم يفتح له سبيل؟؟؟ منّة الله عليه فافتخر بها وادعاها لنفسه فيهلكه شؤمه كما صار في قارون،؟؟؟ ثم جمع قارون بني إسرائيل وأتى بهم إلى موسى، وقال له إنهم أتوا لتأمرهم؟؟؟ تنهاهم، فخرج إليهم وقام بعضهم فقال من جملة ما قال من سرق قطعنا يده، من افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأت جلدناه مئة جلدة، من زنى وله امرأت رجمناه إلى أن يموت، قال قارون نازعا جلباب الحياء لأدب متلبسا بالجرأة والقسوة: وإن كنت أنت يا موسى؟ قال وإن كنت؟؟؟ قال فإن بني إسرائيل وأشار إلى جماعته يزعمون أنك فجرت بفلانة الباغية،؟؟؟ ادعوها وأخذه الغضب، فجاءت ومثلاث أمامه وهم من بين يديها ومن خلفها؟؟؟ على القول ويمنونها بما تعهد به لها قارون، فقال لها أنشدك بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل لهم التوراة إلا صدقت فتداركها الله وحفّها لتوفاق وقالت في نفسها إني أحدث توبة لله أحسن مما وعدنيه قارون من المال لعزّ، فتقدمت وقالت بصوت عال لا والله حاشا موسى، ولكن قارون جعل جعلا على قذفه ووعدني أن أقول إنه فجربي، أما وقد خلفتني يا موسى

стр. 883

فأنت براء طاهر زكي. فخرّ موسى ساجدا لله يبكي ويقول اللهم ان كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه اني أمرت الأرض أن تطيعك فافعل فيه ما تريد، فقال يا بني إسرائيل من كان مع قارون فليثبت معه ومن كان معي فليعتزل عنه. ولما عرفوا أن الغضب أخذ مأخذه منه، خافوا وتركوا قارون والتحقوا بموسى ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال يا أرض خنيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وهم في كل هذا يبكون ويستغيثون ويناشدون موسى الله والرحم ويتضرعون له وهو لم يلتفت إليهم، ثم قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم الأرض، فأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك يستغيث بك قارون سبعين مرة فلم تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرّة واحدة لأغثته، ولا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد، ثم أصبح بنو إسرائيل الخبثاء النذلاء سيئي النية غليظي القلوب، كافري النعم، يقولون إنما دعا موسى على قارون ليستبد بأمواله، فسمع موسى فدعا الله فخسف بداره وأمواله كلها. هذا وإن الله تعالى أراد هذا بقارون ورفيقيه ولو لم يرد لوفقهم بالاستغاثة به والتوبة النصوح. وأقول ما أغلظ قلوبهم أجمعوا على عبادة العجل وهم يعلمون أنه من صنع السامريّ وهو خبيث منافق منهم، وأجمعوا على عدم الأخذ بالتوراة حتى رفع فوقهم الجبل وأراد أن يسقطه عليهم وهي رحمة لهم، وأجمعوا على قذف موسى وقد بعث لخلاصهم من الرق، وحينما نجّاهم الله من البحر وأغرق فيه أعداءهم رأوا قوما يعبدون الأصنام فأجمعوا على قولهم لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وأرجلهم لم تجف بعد من ماء البحر الذي خلقه الله معجزة لهم، وأجمعوا على إنكار معجزات كثيرة أظهرها كالشمس في رابعة النهار، ثم هم يجمعون على أن موسى إنما فعل ما فعل بقارون بقصد الاستيلاء على أمواله، قاتلهم الله أنى يؤفكون: قال قتادة خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قرارها إلى يوم القيامة، والله أعلم بصحة ذلك، لأنه مشكل إذا صح ما قاله الفلاسفة في مقدار قطر الأرض الذي سنبينه في الآية

стр. 884

الأولى من سورة الإسراء الآتية في المعجزة الخامسة والثمانين. وأما الخسف فلا شك فيه ومنكره كافر. هذا أيها العاقل الكامل مصير الدنيا بأهلها، أما الآخرة فاسمع ما يقول الله تعالى فيها «تِلْكَ» التي مرّ وصفها غير مرّة هي «الدَّارُ الْآخِرَةُ» الباقية الدائمة ذات الجنات والنعيم الدائم والصحّة والأمان «نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ» على غيرهم ترفعا وتكبرا «وَلا فَساداً» في هذه الدنيا كقارون وأضرابه بل للذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين يعملون لعاقبتهم «وَالْعاقِبَةُ» المحمودة «لِلْمُتَّقِينَ» ٨٣ الله في الدنيا المتباعدين عن لأحوال المذمومة كالظلم والعسف والخيلاء والتجبر، الذين يأبون الأعمال السيئة وينكبون على الأعمال الصالحة لأنهم علموا أن «مَنْ جاءَ» ربه يوم القيامة «بِالْحَسَنَةِ» الواحدة «فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها» عشر أمثالها إلى سبعمئة، والله يضاعف لمن يشاء «وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ» في دنياهم ولم يقلعوا عنها «إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ٨٤ أي بمثلها فقط، وهذا من لطف الله بعباده جلّت رأفته، فإنه لم يذكر للسيئة جزاء أكثر منها، وقد ذكر للحسنة جزاء بما لا حدّ له فنعم الرب رب العالمين. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وان هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وان هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة عاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة. فانظر يا أخي وفقني الله وإياك على عظيم فضل ربك ولطفه، وتأمل هذه الألفاظ لأن قوله (عنده) إشارة إلى الاعتناء بها وقوله (كاملة) للتأكيد وشدّة الاعتناء، وقوله في السيئة التي هم بها ولم يعملها كتبها عنده حسنة كاملة، فأكدها أيضا لأنه إنما تركها خوفا من الله مكافأة بذلك، وان عملها كتبها سيئة واحدة فأكدها لتقليلها ولم يؤكدها بكاملة له الحمد والمنّة هو أهل الثناء والمجد، سبحانه ما أرحمه بعباده وأكرمه على عباده هذا أول الآيات المدنيات قال تعالى «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ»

стр. 885

أوجب تلاوته عليك وهو الله ربك الذي تكفلك «لَرادُّكَ» كما أخرجك من بيتك «إِلى مَعادٍ» وأيّ معاد لا يكون مثله لغيرك، قال ابن عباس إلى مكة، وأخرجه البخاري عنه وقال البلقيني معاد الرجل بلده لأنه يعود إليه وأطلق المعاد على مكة لأن العرب تعود إليها في كل سنة، قال الدواني في كتاب العود حدثني عبد الله قال حدثني أبي قال حدثني علي بن الحسين عن أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام قال: بلغني أن النبي ﷺ حين نزل عليه جبريل. ﵇ بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال أتشتاق يا محمد إلى بلدك التي ولدت فيها؟ قال نعم، فأنزل الله (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ) إلخ وهذا وعد من الله إلى نبيّه بإعادته إلى بلده في الدنيا والآية التي قبلها تضمنت له الوعد بالعاقبة الحسنى بالآخرة، صرّح حضرة الرسول لأخيه جبريل بأنه مشتاق إلى وطنه، ولم يمض على مفارقته له ثلاثة أيام، لأن هذه الآية نزلت بعد الخروج من الغار بالمحل المذكور بين مكة والمدينة، وهذه أول بشارة من الله له وأول خير أخبر به بسبب الهجرة الشريفة التي جعلها الله فاتحة لفتح البلاد وإيمان العباد، ونصرة الدين، ولهذا المغزى روي حب الوطن من الإيمان، فكان ﷺ يكثر من قوله الوطن الوطن، قال عمر لولا حب الوطن لخرب بلد السوء، أي أن أحدا لا يسكن إلّا بالأحسن، فينشأ منه خرابه، وتترك البلاد الرديئة المناخ والقرى البعيدة عن العمران، وتنقطع فائدة الارتباط ويحرم الناس من خير كثير، إذ قد يوجد فيها ما لا يوجد في المدن الكبرى من خيرات ومعادن، مما يحتاجه البشر، لهذا فإنه جل شأنه غرز في قلوب عناده محبة أوطانهم مهما كانت، وحبب كل محل لأهله بحيث يخيرونه على غيره، ولا يركنون إلا إليه، حتى أن أهل القرى الآن لمّا يأتون إلى المدن لا يطيب لهم النوم بها مع أنها أحسن وألطف من قراهم، وفيها ما لا يوجد عندهم ولا يعرفونه فتراه يصرف جهده لإنجاز عمله ليذهب فينام عند أهله ولو كان الوقت ليلا أو حرا أو بردا، لحكمة أرادها الله، ولهذا فإن كل خلق يحن إلى وطنه الذي ولد فيه، وجعل ذلك طبيعة غريزية في خلقه، فترى الإبل تحن إلى مراحها، والطير إلى وكرها، والوحش إلى كناسها،

стр. 886

والحيتان لمياهها، والإنسان لوطنه، ولو كان نفعه ورزقه في غيره، فالسعيد من يوطن نفسه في حب الله ولله در القائل: لكل شيء إذا فارقته عوض ... وليس لله إن فارقت من عوض هذا، وهناك أقوال كثيرة في معنى المعاد، منها المقام المحمود لأنه المعاد الدائم لحضرة الرسول ﷺ ، ومنها أنه الجنة، ومنها أنه بيت المقدس لوقوع الإسراء منه، ومنها أنّه المحشر لتسميته به، وهو لا بد لكل أحد من الحضور فيه، ومنها، ومنها، فقد صرفنا النظر عنها واخترنا ما عليه الجمهور منها قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء الذين اضطرّوك للخروج من بلدك قسرا بزعمهم أنك ضللتهم وآلهتهم «رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى» يعني نفسه ﷺ «وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ٨٥ يعني هم القائلون له إنك لفي ضلال عما كان يعبده آباؤك، قال تعالى «وَما كُنْتَ تَرْجُوا» يا أكرم الرسل «أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ» من ربك ولا كنت تظنّه ولا تتصور أن نرسل إليك عبدنا جبريل بوحينا دون سائر الناس «إِلَّا رَحْمَةً» عظيمة خصصت إلقاءه إليك «مِنْ رَبِّكَ» تفضلا منه بما قدره إليك في أزله «فَلا تَكُونَنَّ» بعد أن شرفناك بوحينا وأقمناك خليفة في الأرض عنا «ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» ٨٦ بي وبك وبه فتعاونهم على ما يريدون، ولا شك أن حضرة الرسول يعلم به ربه أنه لا يؤازر الكافرين، ومن المحال أن يخطر بباله ذلك، كيف وهو منصرف إلى ربه بكلّيته، وقد عادى أقاربه وقومه من أجله. وان ظاهر هذا الخطاب وان كان منصرفا له ﷺ ، لكن المراد به غيره، وهذه الآية نزلت على أثر دعاية المشركين له أن يرجع لدين آبائه كي يناصروه ويظاهروه ويعينوه ويملكوه عليهم ولما لم ينجع به ما حاكوه في دار الندوة بأن يقتلوه أو يخرجوه أو يجسوه، وهاجر على أثر هذا كما سيأتي تفصيله في بحث الهجرة آخر سورة العنكبوت في ج ٢، فنزلت هذه الآية بالمحل المار ذكره ردا على ذلك، وفيها إشارة بأن الله تعالى هو ظهيره على قومه الذين أخرجوه، ومؤازرة لنصرته عليهم ورجوعه لبلده، وإذ لم يؤمر بعد بقتالهم أشار إليه بأن أعرض عنهم وعن معاونتهم «وَلا يَصُدُّنَّكَ»

стр. 887

مكرهم وكيدهم وتخويفهم لك «عَنْ آياتِ اللَّهِ» والعمل بها «بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ» بعد زمن إنزالها، لأن إذ يضاف إليه أسماء الزمان كقولك يومئذ ووقتئذ وساعتئذ «وَادْعُ إِلى» توحيد «رَبِّكَ» وعبادته كافة الناس «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ٨٧ وحاشاه وهو مجتهد بالدعاء إلى توحيده ورفض الشرك وهو معصوم من أن يدعو إلى غير ربه وان المراد تحذير قومه ونهيهم وتذكيرهم بذلك وإلهاب قلوبهم إلى طاعة ربهم، وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث وفي عصمة الأنبياء في سورة طه الآية ١٢١ المارة بصورة مفصّلة، فراجعه ترشد إلى ما يحوك في صدرك من هذا والله ولي التوفيق. وهو الهادي إلى أقوم طريق وأعلم أن أصل فعل يصدنّك يصدوننّك، ولذا لم يفتح آخر الفعل مع أنه متصل بنون التوكيد الموجبة لذلك، لأن الضمير للجمع فلو كان للواحد لفتح، وقد حذف من نون الرفع. لدخول لا الناهية عليه، وحذف الواو لالتقاء الساكنين، أي أعرض عنهم، لا يمنعنك يا أكرم الرسل ما تراه من عربدتهم «وَلا تَدْعُ» على أن الخطاب له ﷺ ، وعلى أن الخطاب لغيره يكتب ولا تدعوا أيها الناس «مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ» لأنه هو وحده المنفرد بالإلهية، له الخلق والأمر الواحد القهار «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» ولا رب غيره، فعليكم أيها الناس بالانكباب على عبادته. هذا، وأرى أن الأجود في هذا الخطاب أن يكون عاما لكل البشر، وأنما جاء بلفظ المفرد خطابا لحضرة الرسول تعظيما لشأنه، لأنه هو المبلّغ لأمته كلام ربه ليكون أكثر وقعا في قلوب الناس، والعصمة لا تمنع النهي، وهنا يلزم الوقف على كلمة آخر، لان وصلها بما بعدها يصيّر ما بعدها صفة لها، وفيه من الفساد ما لا يخفى، ولذلك أوجب العلماء قراءة علم التجويد وحذروا من لا يعرفه من أن يخطىء في كلام الله فقال: والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القرآن آثم لأن من لازم علم التجويد معرفة الوقف، وأنت خبير كم من وقف بغير محله يغير المعنى، وكم من وصل يفسده، قال ﷺ في دعائه (وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني) فإذا كان حضرة الرسول يدعو ربه أن يوفّقه لأن يقرأ

стр. 888

القرآن على الوجه الذي يريده ربّه وهو أعلم الناس به فكيف بنا نحن؟ اللهم وفقنا لهداك وأرشدنا لفهم كلامك ووفق أمة نبيك أن يتعلموا ما به ليفهموه. ولنا رسالة في علم التجويد تكفي من يطلع عليها لمعرفته صغيرة الحجم كثيرة العلم، واسمها (أحسن البيان في تجويد القرآن) فعليكم أيها الناس بما يصلح معادكم قبل أن تهلكوا و «كُلُّ شَيْءٍ» من مكونات الله تعالى «هالِكٌ» لأن مصيره إلى الزوال والاندراس «إِلَّا وَجْهَهُ» ذاته المقدسة، وحاشاه وهو الدائم الباقي الذي لا يحول ولا يزول «لَهُ الْحُكْمُ» فصل القضاء بين خلقه مختص به وحده، وهو الحاكم العدل في الدنيا والآخرة «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ٨٨ أيها الناس، فيقضي بينكم قضاء مبرما لا مغيّر ولا مبدل له، وهناك في تلك الدار الباقية يجزى الخلق حسما يفصل بينهم. لأهل الخير جنات ونعمى ... وللكفار إدراك النكال هذا والله أعلم، وأستغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا. تفسير سورة الاسراء عدد ٥٠- ١٧ نزلت في مكة بعد سورة القصص، عدا الآيات ٢٦ و ٣٢ و ٣٣ ومن ٧٤ إلى ٨٠ فإنهنّ نزلن بالمدينة، وهي مئة وإحدى عشرة آية وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وأربعمائة وستون حرفا، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدئت به، ومشتقاته ذكرناها أول سبّح اسم ربك المارة. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال تعالى: «سُبْحانَ» ابتدأت هذه السورة بهذا اللفظ وهو علم على التسبيح تقول سبحت تسبيحا، فالتسبيح مصدر وسبحان علم عليه، ولذلك تسمى سورة سبحان كما تسمى سوره بني إسرائيل والإسراء، ومعناه تنزيه الله تعالى عن كل ما هو من شأن البشر وأحواله، ومعناه لغة التباعد، وعليه يكون المعنى بعد الله ونزاهته القصوى عن كل ما لا ينبغي، لأنه تعالت عظمته ليس كمثله شيء «الَّذِي أَسْرى» وسرى بمعنى واحد، يقال

стр. 889

أسرى به وسرى به، ولا يقال صرى وأسرى إلا إذا كان المسير ليلا «بِعَبْدِهِ» محمد ﷺ ، وأضافه لنفسه اضافة تشريف وتبجيل وتعظيم، لأنه ﷺ بلغ في هذا الإسراء أعلى الدرجات، ودنا من أرفع المراتب، وعلى ما لم يعلو عليه أحد روي أنه أوحي اليه بم شرفتك يا محمد، قال بنسبتي إليك يا رب بالعبودية، فأنزل الله هذه الآية العظيمة «لَيْلًا» والفائدة من ذكر كلمة ليلا مع أنه يغني عنه لفظ أسرى فضلا عن معلوميّته بمقتضى اللفظ، هو تقليل مدة الإسراء الذي يدل عليه تنكير كلمة ليلا مع عظم ما وقع فيها من المعجزات الآتية الذكر وغيرها، وإنما خص الليل لمزيد الاحتفال به ﷺ لأنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالة الملوك، ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلا إلا من هو جليل عنده، وهو أصل النهار والاهتداء به للقصد أبلغ، ولأن المسافر قد يقطع بالليل مالا يقطعه بالنهار ولهذا قال ﷺ عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل مالا تطوى بالنهار: وجاء في المثل (عند الصباح يحمد القوم السري) وقد أسرى به ذهابا وإيابا ببعض الليل مسافة شهرين في الأرض «مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» مكة المكرمة «إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» البيت المقدس، وسمي أقصى إذ لم يكن إذ ذاك وراءه مسجد، أما الآن والحمد لله فصار وراءه وبينهما مساجد كثيرة، وأمامه ويمينه وشماله إلى أقصى الجهات المعمورة، وفي أعظم البلاد الأجنبية التي تبعد عن مكة أشهرا، فلم تبق قارة إلا وفيها مساجد للمسلمين «الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ» من جميع أطرافه بركة دينية معنوية، وهي جعله مهبط الوحي وكفات الأنبياء ومقرهم وقبلتهم وبركة دنيوية حسية بالأنهار والأشجار، وهو القبلة الأولى واليه محشر الخلائق، وقد أسرينا بمحمد هذا الإسراء البديع وشرفناه بهذا التشريف الذي لم يكن لأحد من قبله «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» البديعة وعجائب قدرتنا المنيعة، ونشرفه بمقامنا العظيم، ونسرّه بكلامنا الجليل، ونمتّعه بأشياء كثيرة، ونتجلى عليه بذاتنا الكريمة، واعلم أن لفظ كريم أفضل من غيره من الصفات الممدوحة التي يوصف بها، إذ اختاره لذاته المقدسة دون غيره، وهو أعلم بما يوصف به نفسه وما هو أليق بذاته المقدسة، ولذلك وصفه بها، قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)

стр. 890

الآية ٣ من سورة العلق، وقال تعالى: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) الآية ٦ من سورة الانفطار، ولا تجد وصفا في القرآن للقرآن أو الملائكة أو للجنان أو لمطلق كتاب أو للثواب أو للرسل أو للعرش إلا بلفظ كريم، ولم يصفه الأنبياء إلا بهذا الوصف، مثل قولهم (فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) الآية ٤٠ من سورة النمل المارة، وقال (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) كررها مرتين في سورة الرحمن ج ٣. وأعلم أنه لا يقال إن إبراهيم أفضل من محمد عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى في حقّه: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الآية ٧٥ من سورة الأنعام في ج ٢، لأن هذا الملكوت الذي رآه إبراهيم من بعض الآيات التي أراها الله إلى محمد وآيات الله لا تحصى، وأفضاله لا تستقصى، وإن سيدنا محمدا هو أفضل الأنبياء والرسل والملائكة على الإطلاق، وقد أجمعت الأمة على تفضيله وعليه قولهم: وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الزمخشري إذ يقول إن جبريل أفضل منه، وهذا من جملة خلافياته وانشقاقه على أهل السنة والجماعة التي رجع عنها أخيرا كما يفهم من قوله: يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في لحمها ... وإلخ في تلك العظام النحل اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول وما قاله بعض المغالين في حقه بأنه أراد بتوبته هذه عن الزمن الذي كان فيه قبل الاعتزال بعيد عن الحقيقة، ولفظ قوله هذا ومغزاه ينفيه، عفا الله عن الاثنين، «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لكل شيء يسمع أقوال عبده عند تشرفه به، ويجيب دعاءه حينما يدعوه، وهو أكرم من أن يرد أحدا فضلا عن الأنبياء الكرام «الْبَصِيرُ» ١ بشأنه المسدد لأفعاله وأعماله وأقواله ورموزه وإشاراته، قال تعالى في هذه الآية أسرى وباركنا على طريق الغيبة ثم قال إنه هو على طريق التكلم التفاتا، وهذا من أبواب المعاني والبديع بالكلام، ومن طرق البلاغة والفصاحة، وفي كلمة سبحان المصدرة بها هذه الآية معنى التعجب، لأن عروج الشيء الكثيف إلى العلو وخرقه له مما يتعجب منه، وقدمنا البحث في جواز الخرق والالتئام على سبيل خرق العادة

стр. 891

في الآيتين ٣٨/ ٤٠ من سورة يس وفي الآيتين ١٨/ ٤٢ من سورة والنجم المارتين، وسنأتي على بيانه بعد بصورة أوضح وأكمل إن شاء الله. مطلب وجوب الإيمان بالإسراء والمعراج وكفر من أنكر الأول وتفسيق من أنكر الثاني: هذا وإن التعجب بعروجه لقصد الحق لأمر عظيم بين المحب والمحبوب أعجب من نزوله لقصد الخلق بينه وبين أمته، وهذا كالفرق بين ولاية النبي ورسالته فإن الأولى بينه وبين مولاه والثانية بينه وبين الناس، وإنما قال تعالى بعبده ولم يقل بنبيه أو رسوله لئلا يتوهم فيه ما توهمه الناس في عيسى ﵇ من أنه انسلخ من الأكوان وعرج بجسمه إلى الملأ الأعلى مناقضا للعادات البشرية وأطوارها، ولأن العبودية أفضل من النبوة لأنها انصراف من الخلق إلى الخالق، والنبوة انصراف من الخالق إلى الخلق، وشتان ما بينهما، ولأن كلمة عبد عبارة عن الروح والجسد، والبراق الذي ركب عليه في الإسراء من جنس الحيوانات يحمل الأجساد لا كما يقوله الغير من أنه عبارة عن البرق المعلوم الحاصل من احتكاك السحب بعضها ببعض، وهو الذي أقل حضرة الرسول من مكة إلى القدس بسرعته وأعاده لموضعه، وهذا أبلغ في القدرة لو كان لهذا القول أصل من نقل صحيح أو خبر قاطع وليس فليس، أو لو كان العروج بالروح فقط كما يزعمه البعض أو حال النوم كما يقوله الغير أو حال الفناء كما توهمه الآخر أو حال الانسلاخ كما يظنه بعض المتصوفة والحكماء، لأمكن ذلك، على أن الذهاب بالروح يقظة ليس كالانسلاخ الذي ذهب هذا الأخيران إليه، فإنه وإن كان خارقا للعادة إلا ان العرب لا تعرفه، فليس محلا للتعجب، ولم يقل به أحد من السلف كما فندناه في سورة يس المارة، وعلى تلك الأقوال الواهية لا حاجه لذكر البراق، لأن ما ذكر فيها لا يحتاج الى الحمل، ولا محل لأن يستبعده المستبعدون أو ينكره الجاحدون استكبارا على الله القادر الفعال لما يريد، لأن أهل الهيئة من جميع الملل يحصل لهم مثل ذلك، وكثير من الناس من يرى الله في المنام، ويوجد جماعة من أهل المعرفة يتوصلون الى الانسلاخ فلا فضل فيه حينئذ ولا فخر، ولا حاجة للإنكار والجدال وإنما القول الحق هو أنه ﷺ أسرى بروحه وجسده يقظة من مكة الى بيت المقدس، ومن

стр. 892

شك في هذا أو أنكره فهو كافر والعياذ بالله لإنكاره القرآن صراحة، هذا هو القول الفصل في الإسراء، أما المعراج فهو قول ثابت كما سنورد عليك من الشواهد القوية والحجج الساطعة والدلائل القاطعة ما نقنع بثبوته ووقوعه، ومن أنكره فقد خرق الإجماع، ومن انشق على اجماع أهل السنّة والجماعة فإنه يفسق شرعا ولا تقبل شهادته ويوشك ان يدخله الله تعالى في معنى الآية ١١٤ من سورة النساء من ج ٢، لأن مخالفة العلماء مخالفة للرسول ومخالفة الرسول مخالفة لله، هذا وقد اجمع المفسرون على أن المراد بعبده في هذه الآية محمد ﷺ كما أجمعت على هذا أصحاب رسول الله ﷺ فلم يختلف عن ذلك أحد، كما أنهم لم يختلفوا في الإسراء لما فيه جحود صراحة القرآن ومن شك لا حظ له في الإسلام هذا ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليعلم ان العبودية أفضل من العبادة لأن العبادة تنقضي بالدنيا والعبودية باقية في الدنيا والآخرة، وهي اشرف أوصاف العبد عند العارفين الكاملين، وبها يفتخر المحب عند محبوبه قال: لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي فقال الآخر: بالله إن سألوك عني فقل لهم ... عبدي وملك يميني وما أعتقته وذكر العلماء أن الله تعالى لم يعبّر عن أحد بالعبد مضافا الى ضمير الغيبة المشار به الى الهوية إلا عن نبينا محمد ﷺ ، وفيه من الإشارة وعلو الشارة ما فيه، ومن تأمل أدنى تأمل بين قوله تعالى (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) الآية من سورة والنجم المارة وبين قوله (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) الآية ١٢٠ من المائدة من ج ٣ بان له الفرق بين مكانة روح الله ومكانة رحمة الله، ومن قابل بين قوله سبحان الذي أسرى الآية المارة وبين قوله (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) الآية ١٤٢ من سورة الأعراف المارة، ظهر البعد بين مقام الحبيب وبين مقام الكليم، ومن وازن بين هذه الآية وآية (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ) المارة من سورة الأنعام من ج ٢ عرف البون بين مقام ذلك الخليل ومقام هذا الحبيب الجليل.

стр. 893

مطلب قصة المعراج والإسراء والمعجزات الواقعة فيهما: وخلاصة القصة بناء على ما جاء في الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة أنه ﷺ كان ليلة سبع وعشرين من شهر رجب سنة ٥١ من ميلاده الشريف، وبدء السنة العاشرة من البعثة الجليلة التي أولها شهر رمضان، لأن سنة الولادة أولها شهر ربيع الأول وكذلك سنة الهجرة أولها ربيع الأول، وقد اعتبروا المحرم أولها اعتبارا، كان نائما في بيت فاختة أم هانىء بنت أبي طالب بعد أن صلى الركعتين اللتين كان بتعبد فيهما قبل النوم، وما جاء أنه كان بالحجر والحطيم وبين زمزم والمقام أقوال لم نعتمد على صحتها ولم نجد ما يقويها، ويؤيد ما جرينا عليه ما روى عن أم هانىء أنها فقدت رسول الله ﷺ من بيتها وامتنع النوم عنها مخافة عليه من قريش، وأخبرت بني المطلب، فتفرقوا في التماسه، ورحل العباس الى ذي طوى وهو يصيح يا محمد يا محمد، هذا وقد اظهر الله له في إسرائه ومعراجه سبعين معجزة، أولها أنه خرج عن سقف البيت سحر تلك الليلة، فنزل جبريل وميكائيل واسرافيل ﵈، فأيقظه جبريل، فقال له ﷺ مالك يا أخى؟ قال قم إن ربك بعثني إليك وأمرني أن آتيه بك في هذه الليلة بكرامة لم يكرم بها أحد قبلك ولا يكرم بها أحد بعدك، فتكلم ربك وتنظر إليه ويريك عجائب عظمته وبدائع قدرته ومنافع ملكوته، قال ﷺ فقمت وتوضأت وصليت ركعتين، قال ثم إن جبريل ﵇ تقدم إليّ وشق صدري ما بين الرّقوتين الى أسفل بطني بإشارة منه ليس بآلة ما، ولم أجد ألما ما، ولا خرج مني دم ما، معجزة على طريق خرق العادة- واستخرج قلبه الشريف، وغسله بطست من ماء زمزم ثلاثا، ونزع ما كان فيه من أذى، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء إيمانا وحكمة فأفرغه فيه. تنبيه: من المعلوم أن الإيمان والحكمة ليستا من الأجسام بل هي معان، والمعاني تمثل في الأجسام مجازا، ولذا قال فأفرغه، ويحتمل أنه ﵇ جعل في الطست شيئا، يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتها، فسمي إيمانا وحكمة لكونه سببا لهما. قال ثم وضعت السكينة في قلبه الشريف، وهذه أيضا من الأمور المعنوية التي لا تحتاج إلى حيّز محسوس، ولا بد لهذه الأمور من عقيدة راسخة،

стр. 894

وإيمان كامل، وبصيرة طاهرة تعقلها وتصدق بها تصديقا لا مرية فيه. ومن لا يؤمن بمثل هذه الأمور المعنويات يخشى على إيمانه، لأنها قد تؤدي لإنكار ما هو أعظم والعياذ بالله خصوصا فيما نحن فيه، لإطباق العلماء على صحته وأكثر العارفين على حقيقته، فالحذر الحذر من أن تشك يا أخي في هذه اليقينيات إذ قد يتطرق الشك فيها إلى كثير من أمور الدين، فيسلب دين الشاك وتضمحل عقيدته في الإسلام والعياذ بالله تعالى من حيث لا يشعر، ولهذا يجب على المؤمن أن يسلم ويذعن لما جاء عن ربه ورسوله، ولا يقيسها على الأمور الحسية فيصير إبليس الثاني راجع مقايسته في الآية ١٢ من سورة الأعراف المارة. قال ثم أعاده إلى مكانه وأشار إلى صدره فالتأم كما كان، وهذه معجزة ثالثة له ﷺ . واعلم أن هذا الشق غير الذي وقع له في صغره عند ظئره حليمة، وفيها أخرج الملك من صدره الشريف علقة سوداء دموية، وقال له جبريل هذا حظ الشيطان منك. وهي محل الغمز والوسوسة فلم يبق للخبيث حظ فيه، ولهذا كان ﷺ في صغره لم يمل إلى ما يميل إليه الأولاد من اللعب واللهو، وهكذا شأن الأنبياء في صغرهم كما مر في سورة مريم من شأن يحيى وعيسى، ثم أنه شق صدره ثانيا حينما شرفه الله بالنبوة وغسل قلبه الشريف وأعيد لمحله على النحو المار ذكره لتحمل أعباء النبوة التي لا يقواها مطلق قلب، وهذه المرة الثالثة لتصفيته للقاء ربه وتخليصه من الأغيار ليتسنى له حفظ الأسرار الإلهية والكمالات الربانية التي ستلقى عليه. الرابعة أن جبريل ﵇ جاءه بخاتم من نور فختم على قلبه وبين كتفيه بخاتم النبوة، وكان يراه الرائي بحسب مكانته عند الله وقدر محبته لرسوله واعتقاده به، فمنهم من يراه مثل زر الحجلة (الخيمة) التي يغطى فيها السرير ويدخل في العروة، ومنهم من يراه قطعة نور، ومنهم من يرى فيه عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومنهم من يرى غير ذلك، ولكل وجهه. مطلب في البراق والأقوال الواردة في المعراج: الخامسة هي أنه ﷺ جيء بالبراق مسرجا وملجا وهو له دابة بيضاء لها بريق يلمع دون البغل وفوق الحمار، خدّه خد إنسان وقوائمه قوائم بعير، وعرفه عرف

стр. 895

فرس، لا ذكر ولا أنثى، فهو حقيقة أخرى كالملائكة، فإنهم خارجون عن فحوى قوله تعالى (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) الآية ٤٩ من سورة الذاريات في ج ٢ إذ لا عموم إلا وخص منه البعض، قال وكان سرجه من اللؤلؤ وركاباه من الزبرجد، ولجامه من الياقوت الأحمر يتلألأ النور من حليته، وقال ما رأيت دابة أحسن منها، وقال جبريل اركبه حتى تمضي إلى دعوة ربك، قال فأخذ بلجامها جبريل، وبركابها ميكائيل، ووضع يده على خلفها إسرافيل، فقصدت أن أركبها فجمحت، وأبت أن تذعن، فوضع جبريل يده على وركها وقال لها أما تستحين مما فعلت، فو الله ما ركبك أحد أكرم منه على ربه، فرشحت عرقا من الحياء، وقيل في هذا: ما كدى الميمون وانحلت عزائمه ... وأنت أنت الذي باليمن لاجمه وإنما شهد الأملاك ساجدة ... إلى علاك فانحلت عزائمه قال ابن دحية ووافقه الإمام النووي إن البراق لم يركبه أحد قبل النبي محمد ﷺ وإن قول جبريل ما ركبك أحد إلخ لا ينافيه، لأن السالبة تصدق بنفي الموضوع وقالت يا جبريل لم أستصعب منه، ولكن أريد أن يضمن لي الشفاعة يوم القيامة لأني علمت أنه أكرم الخلق على ربه، فضمن لها ذلك، فركبها قال ﷺ : فانطلق البراق يهوي يضع حافره حيث ينتهي طرفه. واعلم أن الخلاف في المعراج والإسراء على ثلاثة أقوال: الأول أنه أسري بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السموات إلى أن رأى ربه بعين رأسه كما سيأتى تفصيله، وهذا ما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة. الثاني أنه أسري بروحه وجسده يقظة وعرج بروحه فقط، والقائلون بهذا ينكرون المعراج الحسيّ وسبق أن بينا آنفا أنهم يفسقون شرعا. الثالث أنه أسري به وعرج به مناما، وأصحاب هذا القول يكفرون كما مرّ بك، لأن مثل هذا يتيسر لكثير من الناس، ولا معنى حينئذ لاستعظامه وإنكاره، ولا حاجة لتصادم الآراء فيه والقول باستحالته، ولا لزوم لطلب الدليل عليه، لأن النائم قد يرى نفسه في الشرق والغرب والسماء ولا يستبعده أحد، وما قيل إن لفظ الرؤيا الواردة بالآية ٦٠ الآتية تختص بالنوم

стр. 896

ليس على إطلاقه، بل قد يكون في اليقظة، قال الراعي يصف صيدا: وكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر قلبا كان جمّا بلابله والحديث في هذا الشأن مروي عن معاوية، وقد كان كافرا حين الإسراء، وعن عائشة وكانت صغيرة وليست بزوجة له ﷺ ، والحسن إنما رواه عنهما فلا عبرة به، وما أخذه بعضهم من رواية شريك بن غزال طعن فيها الحفاظ فلا قيمة لها. هذا واعلم أن إعطاء البراق قوة المشي على تلك الصفة معجزة سادسة. والسابعة: قال بينا هو سائر على البراق إذ رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة نارية كلما التفت رآه، فقال له جبريل قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامة اللاتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر من شرّ ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير، يا رحمن، فقالهن ﷺ ، فانكب لفيه، وخرّ صريعا، وطفئت شعلته. الثابتة: وكشف له بطريق ضرب المثل فرأى قوما يزرعون ويحصدون في ساعة وكلما حصدوا عاد الزرع كما كان، فقال ما هذا يا أخي يا جبريل؟ فقال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمئة ضعف، وما أنفقوا من خير فهو يخلفه. التاسعة: بينما هو سائر إذ نادى مناد عن يمينه يا محمد انظرني اسألك، فلم يجبه، فقال ما هذا يا جبريل؟ فقال هذا داعي اليهود، أما أنك لو أجبته لتهوّدت أمتك. العاشرة: ثم ناداه مناد عن يساره، فلم يجبه أيضا، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا داعي النصارى، أما لو أجبته لتنصّرت أمتك. الحادية عشرة: ثم رأى امرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة، جالسة على الطريق، فقالت انظرني يا محمد أسالك، فلم يلتقت إليها، فقال من هذه يا جبريل؟ فقال تلك الدنيا، أما أنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. الثانية عشرة: ثم رأى عجوزا على جانب الطريق، فقالت يا محمد انظرني فلم يلتفت إليها، فقال ما هذه يا جبريل؟ قال إنه لم يبق من عمر الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر هذه العجوز، وفي عدم إجابته لهما دليل على أن حضرة الرسول غير مبال بها بالطبع، لأنه لم يلتفت

стр. 897

إليهما، ولم يردّ عليهما، وهكذا الأنبياء جبلوا على ترك الدنيا وحب الآخرة فطرة، قالوا إن الدنيا شابة من آدم إلى إبراهيم، وكهلة من إبراهيم إلى محمد، وعجوز من محمد إلى القيامة. الثالثة عشرة: إنه ﷺ رأى رجلا يجمع حزمة حطب لا يستطيع حملها، وهو يزيدها، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال مثل الرجل من أمتك تكون عنده الأمانة فيكتمها عن صاحبها ويريد أن يحمل نفسه وزرا فوق أوزاره، مما لا تقواه قواه، راجع بحث الأمانة في تفسير الآية ٨ من سورة المؤمنين في ج ٢ وفي الآية ١٥ من آل عمران والآية ٢٨٢ من البقرة وآخر سورة الأحزاب في ج ٣، وفي سورة الماعون المارة، قالوا اتق حروف الشوك أي الكلمات المبدوءة بالواو كالوكالة والوصاية والولاية والوزارة والوديعة، والكلمات المبدوءة بالشين كالشر والشره والشبع والشركة، والكلمات المبدوءة بالكاف كالكيد والكفر والكفالة، وكلام الفضول والكلب. الرابعة عشرة: رأى ﷺ قوما ترضخ رؤوسهم وكلما رضخت عادت كما كانت، فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال الذين تتشاقل رءوسهم عن الصلاة المفروضة، قال تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) الآية ٤ من سورة الماعون المارة، وإذا كان جزاء من يسهو عنها هكذا، فكيف بمن يتركها؟ وقد جاء عنه ﷺ : بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة. ولهذا قال الإمام أحمد يقتل كفرا من يتركها عمدا. الخامسة عشر: رأى ﷺ قوما على أقبالهم وأدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع (الشوك اليابس) والزقوم (ثمر شجر مرّ له زفرة لا يعرف في الدنيا وقد ذكرها الله في كتابه بقوله (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) الآية ١٤ من الصّافات في ج ٢، وفي الدنيا من نوعها (شجرة الحنظل) ورضف جهنم (أي حجارتها المحماة) فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم المفروضة عليهم، ويحرمون من فضلهم فقراء الله راجع الآية ٧٦ فما بعدها من سورة التوبة في ج ٣. السادسة عشرة: رأى ﷺ قوما بين أيديهم لحم نيء ولحم نضج فيأكلون النيء الخبيث ويتركون النضج الطيب، فقال ما هؤلاء يا جبريل؟ قال هذا مثل الزوجين من أمتك عندهما

стр. 898

الحلال فيأتيان الحرام ويدعان الحلال وهم الزناة. راجع الآية ٣١ الآتية، وقال ﷺ من زنى زنى به ولو بحيطان داره. أي لا بدّ من القصاص منه ولو اختفت محارمه في داره. فإنه ان لم يزن بهن خارجها يزنى بهنّ داخلها، فعلى المؤمن الشهم أن يحفظ عرضه بالكفّ عن أعراض الناس. السابعة عشرة رأى ﷺ خشبة في الطريق لا يمرّ بها توب ولا شيء إلا مزّقته، فقال ما هذه يا جبريل؟ قال هذه مثل أقوام من أمتك يقطعون الطريق وتلا الآية ٨٥ من سورة الأعراف المارة. الثامنة عشرة: رأى ﷺ رجلا يسبح في نهر من دم يلتقم الحجارة، فقال من هذا؟ قال هذا مثل آكل الربا. راجع تفسير الآية ٢٧٥ من سورة البقرة فما بعدها، والآية ١٣٠ من آل عمران في ج ٣، وقال ﷺ : لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. التاسعة عشرة: رأى ﷺ قوما تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت، فقال من هؤلاء؟ قال هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، وقال تعالى (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) الآية ٢ من سورة الصفّ ج ٣. العشرون: ورأى ﷺ قوما يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار نحاسية، فقال من هؤلاء؟ قال هؤلاء مثل الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وقال تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) راجع تفسيرها المار ذكره. الحادية والعشرون: ورأى ﷺ حجرا يخرج منه ثور عظيم يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال من هذا يا جبريل؟ قال هذا مثل الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثم يندم فلا يستطيع ردّها، وقد جاء في الخبر من كثر لغطه كثر سقطه، ومن كثر سقطه فالنار أولى به. وقال: وهل يكبّ الناس في النار على وجوهم إلا حصائد ألسنتهم. الثانية والعشرون، ورأى ﷺ واديا طيبا باردا وريحا مسكية شذية، وسمع صوتا رقيقا، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت الجنة، تقول ربّ آتيني ما وعدتني، فقد كثر فيّ ما لا نظائر له ولا أشباه. اللهم اجعلنا من أهلها. الثالثة والعشرون: ورأى ﷺ واديا خبيثا وريحا منتنة، وسمع صوتا منكرا بذيا، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت جهنم تقول

стр. 899

ربّ آتني ما وعدتني فقد كثر في ما لا تقواه العصاة، راجع الآيتين ١٠/ ٤١ فما بعدهما من سورة الواقعة المارة في الجنة وأهلها والنار وأهلها أعاذنا الله منها. الرابعة والعشرون. ورأى ﷺ شخصا متنحيا عن الطريق والطريقة الإسلامية، يقول هلم يا محمد، فقال جبريل سرّ يا محمد، قال من هذا يا أخى؟ قال هذا عدوّ الله إبليس، أراد أن تميل إليه، وقد وقعت هذه المبادرة من شفقة جبريل ﵇ على حبيبه محمد ﷺ ، إذ قال له سرّ قبل أن يسأله عنه، خلافا لعادته، لما يعلم من حاله عليه اللعنة. الخامسة والعشرون: ورأى محمد موسى عليهما الصلاة والسلام يصلّي في قبره عند الكئيب الأحمر، ويقول أكرمته وفضلته، ويرفع صوته، فقال من هذا يا جبريل؟ قال موسى بن عمران، قال ومن يعاتب؟ قال يعاتب ربّه فيك، قال ويرفع صوته على الحضرة الجلالية؟ قال قد عرف حدّته التي جبله عليها (العتاب مخاطبة فيها إدلال) ، فنزل وصلى ركعتين عنده. السادسة والعشرون: ورأى شجرة عندها شيخ وعياله، فقال من هذا؟ قال هذا أبوك إبراهيم ﵇، فسلّم عليه وردّ ﵇، فقال إبراهيم يا جبريل من هذا الذي معك؟ قال ابنك محمد، فقال مرحبا بالنبي العربي ودعا له بالبركة (كان ابراهيم تحت تلك الشجرة) فنزل فصلى ركعتين وسار حتى أتى الوادي الذي فيه بيت المقدس. السابعة والعشرون: ورأى جهنم تنكشف عن مثل الزرابي أي الوسائد، قال كيف وجدتها يا رسول الله؟ قال مثل الحمة أي الفحمة. الثامنة والعشرون: قال وبقي حتى انتهى إلى إيلياء من أرض الشام، أي مدينة القدس، فرأى جمعا غفيرا من الملائكة يستقبلونه ﷺ ، فدخلها من الباب اليماني الذي فيه تمثال الشمس والقمر. التاسعة والعشرون: قال ولما انتهى إلى البيت المقدس كان على الباب حجر كبير فخرقه جبريل وربط به البراق، وهذه معجزة، لأن البراق لا يحتاج إلى الربط، ولأن الحجرة لا تخرق باليد، قال أبو سفيان لقيصر عند ما سأله عن النبي ﷺ كما في حديث البخاري من أنه هل يكذب؟ قال لا ولكن زعم أنه ذهب من حرمنا إلى مسجدكم ورجع في ليلة واحدة! ولما قال له هل يغدر قال لا، ونحن عنه في مدة، ليفهمه في هذه بأنه لعله وقع منه

стр. 900

الغدر بعد غيابه عنه وليستعظم ما ذكره في الجملة الأولى فيتهم بالكذب، وكان بطريق عنده فقال أنا أعرف تلك الليلة التي جاء بها نبيّكم، كنت أغلق أبواب المسجد وقد استعصى على الباب الفلاني (الذي دخل منه حضرة الرسول بموكبه المار ذكره آنفا) فاستعنت بعمال فلم يقدروا قالوا إن البناء نزل عليه، فتركناه، فلما أصبحنا رأيت الحجر الذي في زاوية الباب مثقوبا وبه أثر ربط دابة، ولم أجد فيه ما يمنعه من الانغلاق، فعلمت أنه لأجل ما علمته قديما أن نبيا يصعد من بيت المقدس إلى السماء، فقلت لأصحابي هذا ربط البراق بحجر الباب هو الذي منع من الانغلاق، أي بسبب وجود الحبل الذي لم نره لأنه من خوارق العادة، وإلا لرأينا البراق إن لم نر الحبل، وقد تركت هذه آية حسيئة ليطلع عليها، وإلا فإن جبريل لا يمنعه انغلاق الباب ولا غيره اه من روح البيان. الثلاثون: ورأى ﷺ الحور العين باستقباله أيضا، فسلم عليهن فرددن ﵇، فقال من أنتن؟ قلن خيرات حسان قوم أبرار نقوا فلم يدنّسوا يدرّنوا، وأقاموا فلم يضعفوا، وخلدوا فلم يموتوا. ثم دخل المسجد ونزلت الملائكة الذين كانوا في استقباله إلى الأرض. الحادية والثلاثون: أحيا الله له آدم فمن دونه من الأنبياء من سمى ومن لم يسم (فى كتابه) فرآهم في صورة مثالية كهيئاتهم الجسدانية، إلا عيسى وإدريس والخضر والياس فإنه رآهم بأجسادهم الحقيقية الدنيوية، لأنهم من زمرة الأحياء، فسلموا عليه جميعهم وهنأوه بما أعطاه الله من الكرامة، وقالوا الحمد لله الذي جعلك خاتم الأنبياء فنعم النبي والأخ أنت، وأمتك خير الأمم. تنبيه: إن الخضر صاحب موسى ﵇ لم تجمع الكلمة على نبوّته كعزير ولقمان وذي القرنين، ومجيئه هنا مع الأنبياء كون الكلمة مجمعة على حياته. الثانية والثلاثون: قال جبريل إلى محمد ﷺ تقدم فصل بإخوانك الأنبياء فصلى بهم ركعتين، وكان خلفه إبراهيم وعن يمينه إسماعيل، وعن يساره إسحق ﵈، قيل كانوا سبعة صفوف ثلاثة من المرسلين وأربعة من الأنبياء، قال في منية المصلى إمامته ﷺ ليلة الإسراء لأرواح الأنبياء كانت في النافلة المطلقة التي تكون فيها الصلاة جماعة، كالتراويح وشبهها وهذا هو الحكم الشرعي: فقد جاء في مجمع البيان عن مقاتل أن قوله تعالى في الآية ٤٥

стр. 901

من الزخرف في ج ٢ (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا) إلخ، نزلت في هذه الليلة كما سيأتي في تفسيرها إن شاء الله. الثالثة والثلاثون: قال ﷺ ثم أخذني العطش فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فأخذت اللبن بتوفيق الله فشربت منه، فقال جبريل أصبت الفطرة، أما انك لو شربت الخمر لغوت أمتك كلها، ولو شربت اللبن كله لما ضل أحد من أمتك بعدك، فقلت يا جبريل ردّ إناء اللبن علي حتى أشربه كله، فقال قضي الأمر وتلا عليه (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا) الآية ٤٢ من الأنفال في ج ٣، وهذا من شدة حرصه ﷺ على صلاح أمته ولكن ما لم يرده الله لا يكون، وإلا كما وفقه للبن الذي مادته ملائمة للعلم والحكمة، لوفقه إلى شربه كله. الرابعة والثلاثون: ثم قال جبريل قم يا محمد، فقمت فإذا بسلّم من ذهب قوائمه من فضة مرصع باللؤلؤ والياقوت، يتلألأ نوره، وإذا أسفله على صخرة بيت المقدس ورأسه في السماء وهو المعراج الذي تبرج عليه أرواح الأنبياء وسائر بني آدم. ذكرنا في الآية ٨٥ من سورة الواقعة المارة أن المحتضر يشخص بصره إلى السماء فتخرج روحه وهو على هذه الحالة، وذلك لأنه يرى هذا المعراج الذي تصعد عليه روحه، فيعجب من حسنه فيتبعه بصره، حتى إن أكثر الأموات تبقى عيونهم مفتوحة وعليهم بسمة، لأن المؤمن تفتح لروحه أبواب السماء والكافر تردّ روحه إلى سجين، فيزداد حسرة وندامة وكآبة، فيزرق وجهه والعياذ بالله. مطلب الورد الأحمر والأصفر والمواليد الثلاثة والحركة القسرية: الخامسة والثلاثون: قال ﷺ لما عرج بي إلى السماء بكت الأرض من بعدي فنبت الأصفر (أي الزهر الأصفر) فلما رجعت قطر عرقي على الأرض فنبت الورد الأحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر. رواه أنس مرفوعا قال أبو الفرج النهرواني هذا قليل من كثير مما أكرم الله نبيه، على أن هذا لا يستلزم عدم وجود ورد أصفر وأحمر قبل ذلك، إلا أن هذا من باب الكرامة لحضرته الزكية زيادة على ما كان، ولهذا جرت العادة أن من يشم وردا له رائحة طيبة يصلي على محمد ﷺ أخذا من هذا. ونظيره على ما قيل إن حواء ﵍ لما هبطت إلى الأرض بكت فما وقع من قطرها في البحر صار لؤلؤا، وما وقع

стр. 902

في الأرض صار زهرا. وهذا أيضا لا يستلزم عدم وجود اللؤلؤ والزهر في البحر والبر قبل ذلك. ومنه أن إبراهيم ﵇ ذرّى كفا من كافور الجنة فما وقع منه درة في الأرض إلا صارت سبخة، وكان الملح موجودا قبل ذلك أيضا، فلا تستكثر أيها القارئ شيئا على حضرة الرسول الذي أكرمه الله بأنواع الكرامات ولا تستعظم شيئا على خلق الأرض والسموات الذي منح الإنسان عقلا أوصله إلى أن يطير في الهواء، وأن يستخدم الأثير فيسمع به صوت الشرق الغرب والجنوب الشمال بلحظة، وإلى اختراع الأشعة التي تخترق القلوب من حجب الأجسام فيكشف ما فيها، والذرة التي نسمع فيها، وكذلك التلفزيون الذي يريك من تسمع صوته من تلك المسافات، ولا ندري ماذا يحدث بعد مما أشار الله تعالى إليه في الآية ٢٣ من سورة يونس في ج ٢، أبعد هذا الذي أعطاه إلى عباده مؤمنهم وكافرهم يستغرب أن يمنح من خلق الكون لأجله ما قرأته وسمعته؟ كلا ثم كلا. السادسة والثلاثون: لما صعد السلم ومعه جبريل كان جسده تابعا لروحه، وإلا لتعذر عليه العروج. واعلم أنّ لصورته ﷺ صورة ولمعناه معنى، وكل منهما خلاف ما تتصوره الأوهام، لأن السير الملكوتي لا يقاس على السير الملكي، لكن عالم الملكوت مشتمل على ما هو صورة ومعنى، والصورة هناك تابعة للمعنى كحال صاحب الإسراء، وهنا بحث: اعلم وفقك الله هذاه وأرشدك لما به النجاة، إن المعدن والنبات والحيوان مركبات تسمى المواليد الثلاثة، آباؤها الأجرام الأثيرية التي هى الأفلاك بما فيها من الأجرام النيرة، وأمهاتها العنصريات الأربع التي هي الأرض والماء والهواء والنار، فالأرض ثقيل على الإطلاق والماء ثقيل بالاضافة للهواء والنار وهو محيط بأكثر الأرض. والهواء خفيف مضاف إلى الثقلين بطلب العلو، وهو محيط بكرة الأرض، والماء والنار خفيف على الإطلاق يحيط بكرة الهواء، وان النبي ﷺ جاوز هذه العناصر ليلة المعراج بالحركة القسرية، وهي غير منكرة عندنا وعند المحيلين لهذا الإسراء الجسماني، لأنا نأخذ الحجرة وطبعها النزول فنرمي بها في الهواء فتصعد خلافا لطبعها لأنه يقتضي الحركة عند المركز، فصعودها بالهواء عرض بالرمي وهو الحركة القسرية وبطبعها لأنها على طبيعة تقبل الحركة القسرية ولو لم يكن ذلك في طبعه لما انفعل لها ولا

стр. 903

قبلها وكذلك اختراقه ﵇ الفلك الأثيري وهو نار بقوة جعلها الله فيه حال الصعود والهبوط، والجسم الإنساني مهيأ مستعد لقبول الاحتراق والمانع من الاحتراق أمور يسلمها الخصم وهي الحجب التي خلقها الله تعالى في جسم المسري به فلم يكن عنده استعداد الانفعال للحرق كبعض الأجسام المطلية بما يمنعها من الاحتراق بالنار، والأجساد غير القابلة له كالورق غير المنحرق وجلد السندل الذي يعيش بالنار، أو أمر آخر وهو أن الطريق الذي اخترقه ليس النار فيه إلا محمولة في جسم لطيف، ذلك الجسم هو المحرق بالنار فسلب عنه النار وحل على ضدها، كنار إبراهيم ﵇ الثابتة بالنص الإلهي أنها صارت على إبراهيم بردا وسلاما، راجع الآية ٦٩ من سورة الأنبياء في ج ٢، ومثله نار التنور الذي ألقي فيه موسى الوارد في تفسير الآية ٨ من سورة القصص المارة، فإن من جعلها بردا وسلاما على خليله إبراهيم وكليمه موسى قادر على أن يجعلها على حبيبه محمد كذلك. هذا، وان استحالة البعد الشاسع مرفوعة عنه ﷺ ، إذ ثبت علميا أن مسافة قطر الأرض كلها ألفان وخمسمائة وأربعون فرسخا ونصف فرسخ، وان مسافة قطر كرة الشمس خمسة أمثال ونصف مثل قطر جرم الأرض، وذلك أربعة عشر ألف فرسخ، وان طرف قطرها المتأخر يصل إلى موضع طرف المتقدم في ثلثي دقيقة، فتقطع الشمس بحركة الفلك الأعظم أربعة عشر ألف فرسخ في ثلثي دقيقة من ساعة مستوية، راجع الآية ٣٤ من سورة الأعراف المارة تعرف المستوية والمعوجة، فالذي يعطي هذه القوة العظيمة للشمس ويسير المراكب التي هي كالجبال في البحر والطائرات كالقلاع في الهواء وكذلك الصواريخ الجسيمة وينقل الصوت من وراء البحار مسافة آلاف من الأميال بقوة النار والكهرباء والبخار مما علمه البشر، أما يمنح تلك القوة حبيبه محمدا ﷺ ؟ بلى يعطيه ذلك وأكثر وأعظم، ولا يستعظم هذا على الله الذي قبضته الأرض والسموات مطويات بيمينه (راجع الآية ٦٧ من الأنبياء في ج ٢) ألا من لم يؤمن به الداخل في قوله تعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) إلخ الآية ٣٩ من سورة يونس في ج ٢. هذا، وقد ذكر الإمام في الأربعين أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق، وإذا كان كذلك وجب

стр. 904

أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر من الأعراض، لأن قابلية ذلك العرض إن كان من لوازم تلك الماهية، فأينما حصلت الماهية حصل ذلك العرض، فلزم حصول تلك القابلية من إحراق وعدمه، فوجب أن يصحّ على كل منها ما يصح على الآخر، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضها، فيعود الكلام فيه كما هو من لوازم الماهية، أي أينما وجد العرض وجدت القابلية، فإن سلم فيها وإلا دار الأمر وتسلسل، وذلك محال، فلا بد من القول بالصحة المذكورة، والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر على خلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن المصطفى ﷺ أو في بدن ما يحمله أو فيهما معا، (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) الآية ١٩ من سورة إبراهيم في ج ٢. السابعة والثلاثون: قال ثم عرج بي حتى انتهيت إلى بحر أخضر عظيم، أعظم ما يكون من البحار، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا بحر في الهواء لا شيء فوقه يتعلق به، ولا شيء تحته يقرّ عليه، ولا يدري قدر عمقه إلا الله تعالى، ولولا حيلولة هذا البحر لاحترق ما في الدنيا من حر الشمس. وهذا مما ينكره الفلكيون والطبيعيون ومن لا عقيدة له، ونحن نعترف به لأنا نعلم أن القادر على خلق الدود في الثلج والسندل في النار والسمك في الماء والطير في الهواء الذي علم البشر صنع الطائرات والراد والذرة والصواريخ وغيرها كالغواصات وشبهها قادر على ذلك وأكثر، فإن كان ما ورد فيه حقا عن حضرة الرسول وهو لا ينطق عن هوى فقد أصبنا الهدف وقدرنا الله حق قدره، وإلا فلا يضرنا أن نعتقد به لعلمنا بقدرة الله، بخلاف ما لو كذّبناه، وكان له حقيقة، فتكون ممن لم يقدر الله حق قدره. أنظر ما قاله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون (وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) الآية ٣٩ من سورة المؤمن في ج ٢، ونحن نخاف إن كذبنا أن يصيبنا وبال تكذيبنا ولهذا فإنا نصدق به لأن تصديق ما لا مضرة له في الدين أحسن من تكذيبه، فالتصديق له ما له والتكذيب فيه ما فيه. الثامنة والثلاثون: قال ثم انتهيت إلى السماء الدنيا واسمها رفيع، فأخذ جبريل بعضدي وضرب بابها وقال افتح. اعلم أن جبريل لا يحتاج إلى فتح باب السماء لأنه لا يحجبه حاجب، وإنما استفتح

стр. 905

لأن معه محمدا الإنسان الكامل (وهذا مما يدلّ على أن العروج كان بالروح والجسد، إذ لو كان بالروح فقط لما استفتح بل لدخل جبريل على عادته، ودخلت معه الروح التي هي من أمر الله، وهذا كاف للرد على القائلين به (أما القول الثالث بأنه كان في الرؤيا فغير محتاج للردّ لأنه مردود طبعا) ، قال له الحارس من أنت؟ قال جبريل، قال ومن معك؟ (إنما سأله لأن استفتاحه على غير عادته لأن الله أعطاه قوة الاختراق بحيث ينزل من السماء ويصعد إليها بأقل من لحظة) قال محمد، قال أوقد بعث إليه؟ قال نعم، قال الحمد لله، ففتح ودخلنا. قال ﷺ : فلما نظر إليّ قال مرحبا بك يا محمد، ونعم المجيء مجيئك، فقلت يا جبريل من هذا؟ قال ملك اسمه إسماعيل خازن سماء الدنيا، وهو ينتظر قدومك، فدنوت منه وسلمت عليه، فردّ علي السلام وهنأني وقال أبشر، فإن الخير كله فيك وفي أمتك، قال جبريل يا محمد إن هذا الملك لم يهبط إلا عند قبض ملك الموت روحك الشريفة، فرأيت وإذا جنوده قائمون صفوفا لهم زجيل بالتسبيح، يقولون سبوحا سبوحا لرب الملائكة والروح، قدّوسا قدّوسا لرب الأرباب، سبحان العظيم الأعظم، وكانت قراءتهم سورة الملك، فرأيت فيهم كهيئة عثمان بن عفان، فقلت بم بلغت هذا؟ قال بصلاة الليل. التاسعة والثلاثون: قال ثم انتهيت إلى آدم ﵇، فإذا هو كهيئته يوم خلقه الله على غاية من الحسن والجمال، وكان تسبيحه سبحان الجليل الأجل، سبحان الواسع الغني، سبحان الله العظيم وبحمده، وإذا تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول روح طيبة في جسد طيب، ويقول اجعلوها في عليّين، وتعرض عليه أرواح ذريته الكافرين فيقول روح خبيثة في جسد خبيث، ويقول اجعلوها في سجيّن، وذلك قبل أن تدخل السماء، لأن الله تعالى قال فيهم: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) الآية ٣٩ من الأعراف المارة، قال ﷺ فنفذت وسلمت عليه، فقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. الأربعون: قال ﷺ ورأيت رجالا لهم مشافر (شفاه) كمشافر الإبل، وفي أيديهم قطع من نار كالأفهار (الحجارة المستطيلة) التي كل واحدة منها ملء الكف يقذفونها بأفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال أكلة أموال اليتامى راجع الآية ٩

стр. 906

من سورة النساء في ج ٣. الحادية والأربعون: قال ثم رأيت رجالا لهم بطون أمثال البيوت، فيها حيات يراها الرائي من خارجها بطريق آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار، لا يقدرون أن يتحولوا عنها من مكانهم ذلك، فتطأهم آل فرعون، قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء أكلة الربا. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قصة الاسراء قال انطلق بي جبريل إلى رجال كثير كل رجل بطنه مثل البيت الفخم، منضدين على سابلة آل فرعون، وساق الحديث، وتقدم آنفا أن الله تعالى مثل له أكلة الربا في الأرض بغير هذا الوصف كما مر في المعجزة الثانية عشرة، الثانية والأربعون: قال ثم رأيت اخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها أناس يأكلون، قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال الذين يأكلون الحرام من أموال الناس ويتركون الحلال، وتنطبق هذه على الزناة الممثل لهم في الأرض بغير هذا الوصف كما مر في المعجزة السادسة عشرة، وإنما كرر التمثيل لهذين الجنسين لقبح فعلهم وفظاعته عند الله تعالى. الثالثة والأربعون: قال ثم رأيت نساء معلقات بأثديتهن فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال ما ليس من أولادهن، أي ليس من نطف أزواجهن. الرابعة والأربعون: قال ﵇ ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا، فإذا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉، يشبه أحدهما صاحبه بثيابهما وشعرهما وحسنهما وقربهما من السن أيضا لأن يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر فقط، وقتل بعد بعثة عيسى، أي رسالته لانه نبىء في المهد ويحيى نبىء وأرسل وهو صغير، راجع الآيتين ١٢ و ٢٠ من سورة مريم المارة. ومعهما نفر من قومها، فرحتبا بي، ودعيا لي بخير. الخامسة والأربعون: قال ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل من معك؟ قال محمد، لم ينسبه جبريل لخزان السموات ولا لغيرهم من الملائكة لأنهم يعرفونه من يوم حمله وولادته وبعثته (والمراد بقولهم أو بعث إليه أي للعروج إلى ربه لا البعثة إلى الخلق لانها معلومة عندهم أيضا وهم ينتظرون

стр. 907

عروجه لزيارة ربه والتشرف برؤيته التي خصّه بها دون غيره، وان الملائكة يتباشرون بها ليتمتّعوا برؤيته الشريفة لذلك يقولون) أو قد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا فإذا يوسف ﵇، وقد أعطي سطر الحسن، ومعه نفر من قومه، فرحب بي ودعا لي بخير. السادسة والأربعون: قال ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا، قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا: فإذا بإدريس ﵇، فرحب بي ودعا لي بخير، راجع الآية ٥٧ من سورة مريم المارة. السابعة والأربعون: ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا فإذا بهارون ﵇ ولحيته إلى سرّته وحوله قوم من بني إسرائيل يقصّ عليهم ما وقع له ولأخيه موسى ﵉ مع القبط وبني إسرائيل في حالة الدنيا، فرحب بي ودعا لي بخير. الثامنة والأربعون: قال ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا فإذا بموسى ﵇ فرحّب بي، ودعا لي بخير، فلما جاوزته بكى فقيل ما يبكيك؟ قال أبكي لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي ومن سائر الأمم (وهذا منه إشفاق على أمته لا حسدا بأمة محمد، وقوله غلام على سبيل التعظيم ولا يجوز أن يتصوّر غير هذا المعنى في كلامه ﵇، لأن كمّل الخلق مطهرون من الحسد وغيره، فكيف بالأنبياء ولا سيما أولى العزم.) التاسعة والأربعون: قال ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أو قد بعث إليه؟ قال نعم، ففتح لنا، فإذا بإبراهيم ﵇، فسلمت عليه فردّ علي السلام، فقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح (هذا وان محمدا ﷺ قد أمر بالسلام على الأنبياء في الأرض والسماء، مع أنه أفضل منهم، لأنه عابر عليهم، فهو في حكم القائم وهم في حكم القعود، والقاعدة الشرعية أن يسلم القائم على القاعد، وفي هذا دلالة على استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام اللين الحسن،

стр. 908

وإن كان الزائر أفضل من المزور، وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه من العجب وغيره من أسباب الفتنة، والذين رآهم هم أرواح الأنبياء مشكلة بصورهم التي كانوا عليها في الدنيا عدا عيسى وإدريس والخضر والياس، وقد مر سبب ذلك في المعجزة الثلاثين المارة) ، وإذا به رجل أشمط جالس بجهة باب الجنة، مسند ظهره إلى البيت المعمور (استدل من هذا جواز إسناد الظهر إلى الكعبة المشرفة واستقبال الناس بوجهه سواء فيها أو في غيرها من المساجد) ورأى الملائكة يطوفون فيه طواف الناس بالبيت الحرام، ورأى له بابين، فقال في نفسه لو أن قومي لم يكونوا حديثي عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين. ولهذا فإن عبد الله بن الزبير لما تغلب على الحجاز هدم الكعبة وبناها وجعل لها بابين تطبيقا لرغبة حضرة الرسول وهو في قبره، وتشبيها بالبيت المعمور الواقع فوق الكعبة، بحيث لو سقط منه حجر لسقط على الكعبة، ولكن الحجّاج عليه ما يستحق من الله هدمها وأعادها على ما كانت عليه بحجة، أن عمل ابن الزبير بدعة، وياء يخشى البدعة ويرتكب الموبقات) قال وان البيت المعمور من عقيق محاذ إلى الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من باب ويخرجون من الباب الآخر لا يعودون إليه أبدا. الخمسون: قال ﷺ وإذا أنا بأمتي شطرين شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد، قال فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون، فصليت فيه ركعتين، وقال لي إبراهيم أقرئ أمتك منّي السلام وقل لهم يكثروا من به غراس الجنة طيّبة التربة عذبة الماء وغراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحادية والخمسون: قال ﷺ واستقبلتني جارية لعساء أي شفتيها تضرب إلى السواد وهو وصف مستملح فيهن فقلت لها أنت لمن قالت لزيد بن حارثه أي الذي تبناه ﷺ وزوجه بنت عمته ثم طلقها وتزوّجها هو فآثره الله بدلها في الجنة كما آثر حضرة الرسول في الدنيا على ماله ونفسه. الثانية والخمسون: قال ﷺ ورأيت فوجا من الملائكة نصف أبدانهم من النار والنصف الآخر من الثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفىء النار، وهم يقولون اللهم كما ألفت بين النار والثلج ألف

стр. 909

بين قلوب عبادك المؤمنين. الثالثة والخمسون: قال ﷺ ثم ذهب بي جبريل إلى سدرة المنتهى وهي شجرة فوق السماء السابعة، في أقصى الجنة تنتهي إليها الملائكة بأعمال أهل الأرض السعداء وإليها تنزل الأحكام الشرعية، والأنوار الرحمانية، وإذا ورقها كآذان الفيلة (أي في الشكل لا في السعة واللون) لأن الواحدة منها تظل الخلق وثمرها كالقلال (جمع قله وهي الحجرة الكبيرة) أو القربة التي تسع ثلاثا وثمانين حقّه، وقد أمّ تحتها رسول الله ﷺ الملائكة، فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس في الأرض وإمام الملائكة في سدرة المنتهى في السماء، فظهر فضله على أهل السموات وأهل الأرض كلهم، قال ﷺ ورأيت يخرج من أعلى السدرة أربعة أنهار: نهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل، ونهر يسمى نهر الرحمة، ورأيت نهر الكوثر أيضا يخرج من أصلها. الرابعة والخمسون: قال ﷺ ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ أي قباب الدّر وإذا ترابها المسك، ورمانها كالدلاء، وطيرها كالبخت (أي الإبل ذات السنامين) فمشيت حتى انتهيت الى الكوثر، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، فشربت منه فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك وأبيض من الثلج، وإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما أعده الله تعالى لأهل طاعته وقربه. الخامسة والخمسون: قال ﷺ ثم نظرت إلى السدرة وقد غشيها ما غشيها من نور الحضرة الإلهية أي شيء عظيم أظلها فصار لها من الحسن غير تلك الحالة، فما أحد يستطيع أن ينعتها من حسنها ولا يصف ما فيها إلا الذي أبدعها، ورأيت جبريل عند تلك السدرة على الصورة التي خلقه الله عليه له ستمائة جناح، قد سدّ الأفق ما بين المشرق والمغرب يتناثر من أجنحته الدر والياقوت كهيئته حين رآه في الأرض عدا الدر والياقوت الذي يتناثر منه في الجنة. راجع الآية ٢٣ من سورة التكوير المارة وقد تأخر عني فقلت له يا جبريل في مثل هذا المقام يترك الخليل خليله فقال هذا حدّي لو تجاوزت لأحرقت بالنور وتلا (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) الآية ١٦ من سورة الصافات في ج ٢، واعلم أن جبريل ﵇ تلا هذه الآية وقبلها تلا آية ٤٢ من الأنفال، قبل أن تنزلا على حضرة الرسول، لأنه نزل بالقرآن كله إلى بيت

стр. 910

العزّة كما أشرنا إليه في المقدمة، فهو يحفظه كله، ولذلك كان حضرة الرسول يتداول معه تلاوة القرآن ويقرأه عليه في كل سنة فلا يقال من أين علم جبريل هاتين الآيتين ولما تنزل بعد، أما آية الأعراف ٨٤ المارة في المعجزة السابعة عشرة فكانت نازلة مع سورتها، ثم أنه ﷺ لما سمع من جبريل ذلك تعطف عليه وقال يا أخي يا جبريل هل من حاجة إلى ربك؟ قال يا محمد سل الله أن أبسط جناحي على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه إلى الجنة. السادسة والخمسون: قال ﷺ ثم زج بي في النور فخرق بي سبعون حجابا ليس فيها حجاب يشبه حجابا وغلظ كل حجاب مسافة خمسمائة عام، وانقطع عن حسن كل ملك، فلحقني عن ذلك استيحاش، فنادى مناد بلغه أبي بكر قف فإن ربك يصلي أي يقول سبحاني سبحاني سبقت رحمتي غضبي. السابعة والخمسون: قال ﷺ وجاءني نداء من العلي الأعلى أدن يا خير البرية، فأدناني ربي، فكنت كما قال، (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) الآية ٨ من سورة والنجم المارة. روي أنه ﵊ قال عرج بي من السماء الدنيا إلى السابعة على جناح الملائكة، ومن السماء السابعة إلى السدرة على جناح جبريل، ومن السدرة إلى العرش على الرفرف، وهكذا النزول على هذا الترتيب، والرّفرف بساط عظيم (نظير المحفّة عندنا) قال ﷺ وناداني جبريل من خلفي يا محمد إن الله يثني عليك، فاسمع وأطع، ولا يهولنّك كلامه أن تعيه فبدأ ﵊ بالثناء بقوله التحيات لله والصلوات والطيبات لله، فقال تعالى السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال ﵊: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل وهو في مكانه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وتابعه جميع الملائكة. مطلب ما بدأ الله تعالى به حضرة الرسول وما قال له والعلوم التي منحه إياها: الثامنة والخمسون: قال ﷺ ثم سألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده المقدسة بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد، فوجدت بردها، فأورثني علم الأولين والآخرين وعلمني علوما شتى، فعلم أخذ عليّ كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيري، وعلم خيّرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي.

стр. 911

يستدل من هذا أن العلوم الشتى هي العلوم الثلاثة المذكورة، كما تدل عليه الفاء الفرعية وهي زائدة على علوم الأولين والآخرين، فالأول وهو الذي أمره بكته من باب الحقيقة الصّرفة، والثاني الذي خيره فيه من باب المعرفة، والثالث الذي أمره تبليغه للعامة والخاصة من باب الشريعة، قال أبو يزيد البسطامي رأيت ربّي في المنام فقلت كيف الطريق إليك، فقال أترك نفسك وتعال. وقال حمزة الفارسي قرأت القرآن على ربي في المنام، فلما قرأت: (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) قال قل وأنت القاهر يا حمزة. التاسعة والخمسون: قال ﷺ سمعت كلام الحق كما سمعه موسى، أي من جميع جهاتي وبكل أجزائي بلا كيفية، ورأيته بعين رأسي بلا كيفية، هذا وإن جميع الأنبياء رأوا ربهم حال الانسلاخ الكلي بأعين بصيرتهم، وإن الرسول محمدا رآه بعين رأسه على الصحيح، وقدمنا في الآية ٤٠ من سورة بالنجم والآية ٢٣ من سورة القيامة والآية ١٤٣ من سورة الأعراف المارات ما يتعلق في بحث رؤية الله تعالى فراجعها، وهذه الرؤية الحقيقية جعلت له ﷺ في هذا المقام العظيم مرة واحدة ففضل فيها على المرسلين كافة، أما رؤيته حال الانسلاخ بعين بصيرته كغيره من الأنبياء فكثيرة جدا، أما غير الأنبياء من مؤمني البشر فيجوز أن يروه في المنام كأبي يزيد البسطامي وحمزة الفارسي وغيرهما من صالحي هذه الأمة المباركة، ولا ينافي ذلك الحكم الشرعي، بل يوافقه وعليه الإجماع. قال ﷺ ثم فرض عليّ وعلى أمّتي خمسين صلاة في اليوم والليلة، فنزلت إلى إبراهيم فلم يقل شيئا، ثم أتيت موسى فقال لي ما فرض الله على أمتك؟ قلت خمسين صلاة، قال إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، واني قد خبرت قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، قال ﵇ فرجعت إلى ربي (أي من الفلك السادس الذي فيه موسى إلى المحل المشرف الذي خاطبه به ربه) فخررت ساجدا فقلت أبا رب خقف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى وأخبرته، فقال إن أمتك لا تطيق ذلك إرجع إلى ربك واسأله التخفيف، قال فلم أزل أرجع بين ربي وموسى وهو يحط عني خمسا خمسا حتى قال موسى بم أمرت؟ قلت بخمس صلوات كل يوم وليلة، قال إرجع فاسأله التخفيف، فقلت

стр. 912

قد راجعت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فلما جاوزت نادى مناد أن قد أمضيت فريضتي وخففت على عبادي، وقال من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال فجاوزته وهبطت راضيا بما فرض علي وتفضّل وتقدم. هذا الحديث القدسي بلفظه الكامل في الآية ٨٤ من سورة القصص المارة، وهذه الصلوات الخمس لها أجر الخمسين كما جاء في رواية أخرى، وبأخري الحسنة بعشر أمثالها. واعلم أنه يوجد أناس لا خلاق لهم من العلم والفهم ينكرون تردّد حضرة الرسول بين موسى وربه ويتذرعون بما لا قيمة له ولا مستند، مما يقولونه للعوام، إن محمدا أفضل من موسى ولا يمكن بل لا يجوز أن يكون المفضول واسطة للأفضل كي يقنعوهم بعدم صحة هذه الرواية، وهذا من التعصب بمكان، لأن هذا الحديث رواه البخاري عن الثقات العدول، ولا أصح من رواته ولا منه إلا كتاب الله، أما قاعدة الفاضل والمفضول والشبه به فليست على بابها وإطلاقها كما بيناه في الآية ١١٤ من سورة طه المارة، على أن جبريل هو الواسطة بين الله ورسوله، فهل نقول إنه أفضل من محمد، كلا، راجع الآية الأولى المارة وهؤلاء إنما يقولون ما يقولون ليتوصلوا به إلى الطعن في الإمام البخاري من أنه أدخل في صحيحه ما ليس بصحيح، ويقصدون الطعن في صحة المعراج بالروح والجسد كما أشرنا إليه آنفا في المعجزة الخامسة. الستون: قال ﷺ رأيت ليلة أسري بي سبعين مدينة تحت العرش كل مدينة مثل دنياكم هذه مملوءة من الملائكة يسبحون الله تعالى ويقدسونه ويقولون اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة، ورأيت مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر، فقلت لجبريل ﵇ (إذ رافقه في النزول من المحل الذي تخلف عنه في الطلوع) ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده شيء والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة. الحادية والستون: قال ﷺ ورأيت رضوان خازن الجنة، وقد فرح بي حين رآني ورحب بي وأدخلني الجنة وأراني عجائب ما فيها، ورأيت فيها درجات أصحابي والقصور والأنهار والعيون والأشجار مما أبدعه الواحد

стр. 913

القهار، وسمعت فيها صوتا يقول آمنا بربّ العالمين، فقلت ما هذا الصوت يا رضوان؟ قال صوت سحرة موسى وأرواحهم حيث أكرمهم الله تعالى كرامة مضاعفة بسبب إيمانهم بموسى وإخزاء فرعون ونبذهم ما خوفهم به لقاء ما أعده الله لهم من النعيم المقيم. الثانية والستون: قال ﷺ وسمعت صوتا آخر يقول لبيك لبيك، فقلت ما هذا الصوت يا رضوان؟ قال صوت أرواح الحجاج، وسمعت أناسا يقولون الله أكبر الله أكبر، فقلت ما هذا الصوت يا رضوان؟ قال صوت أرواح الغزاة، وسمعت أناسا يسبحون الله تعالى، فقلت من هم؟ قال أرواح الأنبياء، ورأيت قصور الصالحين (في أمور دينهم ودنياهم، أما الصالحون لعمارة الأرض فقط فصلاحهم لا يغنيهم عند الله شيئا ولا يدفع عنهم عذابه) . الثالثة والستون: قال ﷺ ثم عرضت علي النار، قال عرضت لأنها في تخوم الأرض السفلى، إذ لا حاجب يمنع نفوذ بصره ﷺ إلى ذلك لما أودع في كل جوارحه من قوة خارقة للعادة لا طلاعه على عظائم الأمور في إسرائه ومعراجه، وهذا من قبيل الاطلاع، كما ضرب الله الأمثال السابقة في إسرائه ما بين مكة والقدس، قال ﷺ وإذا مكتوب على بابها (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) الآية ٤٣ من سورة الحجر في ج ٢، وأبصرت ملكا لم يضحك في وجهي، فقلت يا جبريل من هذا؟ قال هذا مالك خازن جهنم، وكأنه عرف المغزى من سؤاله، فقال هذا لم يضحك منذ خلقه الله، ولو ضحك لأحد لضحك إليك، فقال جبريل يا مالك هذا محمد فسلم عليه، قال فسلّم علي وهنأني بما صرت إليه من الكرامة. الرابعة والستون: قال ﷺ ثم إن الله تعالى أطلعني على ما فيها، فإذا فيها غضب الله وسخطه، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها وأريت فيها قوما يأكلون الجيف، فقلت من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس أي يغتابونهم، وأريت فيها قوما تنزع ألسنتهم من أقفيتهم، فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الذين يحلقون بالله كذبا، وأريت جماعة من النساء علقن من شعورهن، فقلت من هن؟ قال اللاتي لا يستترن من غير محارمهن، ورأيت منهن جماعة لباسهن من القطران، فقلت من هن قال هؤلاء الذين ينحن على الأموات ويعددن صفاتهم. واعلم أن المنوح عليهم والمعدد صفاتهم ليس عليهم شيء إلا إذا أوصوا

стр. 914

بذلك فيكون عذابهم كعذابهم: الخامسة والستون: قال ﷺ ثم نزلنا من السماء الدنيا بالصورة التي صعدنا عليها، فرأيت أسفل منها هرجا ودخانا وأصواتا، فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم حتى لا ينظروا الى العلامات ولا يتفكروا في ملكوت السموات، ولولا ذلك لرأوا العجائب مما سواه العظيم وأبدعه في هذا الكون، قال ونزلت على المعراج الى صخرة بيت المقدس التي ركبته منها (يدل هذا الذي أراه الله الى نبيه في الأرض والسماء وما بينهما من الجنة والنار على طريق ضرب المثل أن الجنة والنار مخلوقتان، خلافا لمن زعم عدم خلقهما ممن خالف الإجماع.) السادس والستون: قال ﷺ ثم جيء لي بالبراق فركبته وتوجهت الى مكة في الصورة التي جئت فيها، حتى وصلت بيت أم هانىء الذي أسري بي منه، فنزلت وذهب جبريل ومن معه. وتمت هذه الرحلة المباركة على الوجه المار ذكره فقعدت حزينا، لأني اعرف أن الناس لا يصدقونني، ثم سألتني أم هانىء عن غيبتي، فقصصت عليها ذلك كلمه، فقالت يا ابن عم أنشدك الله لا تحدث بهذا قريشا فتكذبك، ومسكتني من ردائي لئلا أخرج من البيت، فانتزعته منها وخرجت حتى انتهيت إلى قريش بالحطيم، فقال أبو جهل هل من خبر؟ استهزاء، قلت نعم، قال ما هو؟ قلت أسري بي الليلة إلى البيت المقدس (فلم ينكر عليه مخافة أن لا يحدث بذلك) وقال لي أتحدث قومك بهذا إذا آتيتك بهم؟ وذلك لأنه استعظم ما سمعه منه وعرف أن أحدا لا يصدقه بذلك، قلت نعم، قال فسكت مخافة أن أجحده، قاتله الله كيف وهو الصادق المصدوق، فذهب عليه اللعنة الى مجمع الناس وصاح بأعلى صوته يا معشر كعب بن لؤي، فانقضت إليه المجالس من كل جهة، حتى اجتمعوا فجاء بهم إليّ، وقال حدثتهم بما حدثتني به، فقص عليهم إسراءه، فقال أبو جهل صف لنا الأنبياء الذين صليت بهم في بيت المقدس، فوصف ﷺ لهم الأنبياء واحدا واحدا، وهذه المعجزة السابعة والستون إذ جعل الله تعالى صورهم أمامه نصب عينه كما رآهم هناك حتى صار ينظر إليهم ويصفهم واحدا واحدا، لم يخطىء بواحد منهم، قال فضجوا إعجابا بما ذكر وإنكارا وحلفوا بلاتهم أن لا يصدقوه، وقالوا إنا نضرب آباط الإبل شهرين ذهابا وإيابا من مكة الى البيت المقدس، فكيف تقطع هذه ت (٢٨)

стр. 915

المسافة بجزء من الليل، وذلك لجهلهم بقدرة الله وكرامة هذا النبي عنده، وارتد أناس ممن كان آمن به لقلة إيمانه، لأن ما سمعوه منه لم تقبله عقولهم القاصرة، وهذا سبب خوف أم هانىء ﵂ وإصرارها على حضرة الرسول أن لا يحدث قريشا يقصته، ولكنه ﷺ لا تأخذه بالحق لومة لائم. ثم أن قريشا أخبرت أبا بكر بذلك ليستعظمه ويعذر المرتدين فقال لهم إن كان قال هذا فلقد صدق (انظروا أيها الناس هذا الإيمان العظيم إذ صدقه على أخبار أعدائه قبل ان يسمع منه) قالوا أتصدقه يا أبا بكر على طريق الاستفهام الإنكاري استعظاما لما قاله لهم؟ قال أصدقه على أبعد من ذلك أصدقه على خبر السماء في غدوة كل يوم وروحة، لأنه أمين الله، فسمي الصديق مبالغة من كثرة صدقه وتصديقه لحضرة الرسول، وشرف بهذا اللقب الجليل من ذلك اليوم، وهي منقبة وكرامة له ومعجزة لحبيبه ﷺ لأن هذه التسمية من قبل الله تعالى وهي المعجزة الثامنة والستون. ثم إن قريشا؟؟؟ على محمد ﷺ وطلبت منه دليلا آخر على إسرائه غير وصف الأنبياء، فقالوا صف لنا بيت المقدس، أرادوا بذلك أن يأثروا عليه كذبا إذا أخطأ في وصفه لأنهم يعلمون أنه لم يره قط، وفيهم من يعرفه لزيارته له، فشرع ﷺ يقصه لهم أولا بأول وهم يقولون صدقت صدقت حتى توقف في بقية أوصافه، فلحقته كربة لم ير مثلها في حياته، فأغاثه ربه وجلّى له بيت المقدس (وذلك بأن كشف له الحجاب فيما بينه وبينه حتى رآه وهو في مكانه، أو أن الله تعالى أعدمه هناك وأوجده أمامه في تلك اللحظة يؤيد هذا ما روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي واحمد عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه وقال ﷺ ثم أعاده لمكانه كما أوضحناه في أمر عرش بلقيس في الآية ٣٩ من سورة النمل المارة فراجعها وراجع الآية ٨٥ من سورة ق المارة، بحيث لا يحس به أحد غيره ولا شيء على الله بمحال فسرّ ﷺ سرورا لم يره في حياته بسبب نظر الله إليه عند ضيقه هذا وصار ينظر إليه ويصفه لهم حتى جاء على جميعه، فقالوا أصبت ولكن يحتمل أنك حفظت أوصافه من الناس. التاسعة والستون ثم قالوا له ائتنا بآية ثالثة على ذلك
следующие страницы →