← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أمره لنفسه إذ لا ناصر له، والمدحور المطرود المهان المستخف به، قال ابن عباس ﵄ هذه الثماني عشرة آية في التوراة عشر آيات كانت في ألواح موسى ﵇، وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل (يعني سورة الإسراء هذه) ثم تلا ولا تجعل مع الله إلى آخر هذه الآية، أي أن غالب أحكام التوراة داخلة في هذه الآيات، أما الوصايا العشر التي هي في التوراة فهي من جملة هذه الآيات وداخلة فيها وهي مبينة تماما في الآيات ١٥٢ و ١٥٣ و ١٥٤ في سورة الأنعام في ج ٢ كما سنبينها في محلها إن شاء الله. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أولا عصيان بني إسرائيل وإفسادهم وتخريب بيت المقدس وتدميره وإياهم، وختمها كما سيأتي في استفزاز فرعون لهم وإرادته إهلاكهم، ونوه بالآيات التسع التي أظهرها لهم على يد موسى ﵇، وأنه دمّر فرعون وقومه وأورث ملكه وأرضه إلى موسى وقومه، وأن بني إسرائيل بعد ذلك كله استفزوا محمدا ﷺ حينما هاجر إلى المدينة وأرادوا إخراجه منها، وحينما كان في مكة أرادوا استفزاز قريش عليه، وقالوا لهم سلوه عن الروح وأهل الكهف وعن ذي القرنين كما سيأتي تفصيله في الآية ٨ من سورة الكهف، وهذا من بعض تعنتات اليهود. وجاء ذكرهم في هذه السورة تعريضا بهم بأنهم إذا لم يؤمنوا بمحمد سينالهم ما نال فرعون، لأنهم أرادوا بالنبي محمد ﷺ ما أراد فرعون بموسى وأصحابه، وجاء هذا البحث هنا استطرادا بسبب ذكر التوراة وما فيها راجع الآية ١٦٦ من الأعراف المارة. قال تعالى «أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ» اختصكم «بِالْبَنِينَ» واختارهم لكم «وَاتَّخَذَ» هو لنفسه جلت نفسه «مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً» مع أنهنّ أدنى حالا من الذكور «إِنَّكُمْ» أيها الكفرة المختارون لأنفسكم الأحسن «لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً» ٤٠ في حق المتّصف بالكمال المنزه عن اتخاذ الولد، وتجرءون على هذا ولا تخشون عظمته بأن ينزل بكم أعظم العذاب. نزلت هذه الآية بالمشركين القائلين إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وإنما وصف الله قولهم هذا بالعظيم لأنه لا أعظم منه، إذ جعلوه ﷻ من قبيل الأجسام السريعة الزوال المحتاجة إلى بقاء النوع بالتوالد، وهو ليس كمثله

стр. 982

شيء، فهو الواحد القهار الباقي بذاته ، وهذا القول لا يجترىء عليه ذو عقل بل هو خرق لقضايا العقول، وإثم كبير لا يقادر قدره، قال تعالى «وَلَقَدْ صَرَّفْنا» كررنا وبيّنا، والتصريف أصله صرف الشيء من جهة إلى أخرى، ولكنه استعمل في التّبيين والتكرير على طريق الكناية، لأن من يحاول بيان الشيء يصرف كلامه من نوع إلى آخر لكمال الإيضاح «فِي هذَا الْقُرْآنِ» العظيم من العبر والحكم والأخبار والقصص والأمثال والحجج والآيات والبراهين، «لِيَذَّكَّرُوا» به قومك يا أكمل الرسل فيتعظوا بزواجره ويخبتوا لأوامره لأن هذا التكرار يقتضي الإذعان والركون إلى ما فيه، ولكنهم تمادوا في كفرهم «وَما يَزِيدُهُمْ» ذلك التبيين «إِلَّا نُفُوراً» ٤١ من حقك الذي جئتهم به، وصدودا عن الإيمان الذي تأمرهم به، وجحودا للكتاب الذي أنزل إليهم، وتباعدا عنك وإعراضا، وما ذلك منهم إلا تعكيس في الحق وتماد في الباطل، وقرىء (ليذكروا) بالتخفيف هنا كما قرىء في مثلها في سورة الفرقان المارة الآية ٥٧ من الذكر بمعنى التذكر ضدّ النسيان والغفلة، كما قرىء صرفنا بالتخفيف أيضا وهو مثل صرفنا بالتشديد، إلّا أنه لا يدل على التكثير «قُلْ» يا أكمل الرسل لهؤلاء المشركين في إظهار بطلان ما تفوّهوا به «لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ» بالتاء خطابا لهم وبالياء على الغيبة وكلا القراءتين جائزة هنا لأنه إذا أمر أحد تبليغ الكلام المأمور به لغيره فالمبلغ له في حال تكلم الأمر غائب، ويصير مخاطبا عند التبليغ، فإذا لوحظ الأول كان حقه الغيبة، وإذا لوحظ الثاني كان حقه الخطاب «إِذاً» إذ لو كان مع الله آلهة أخرى تعالى الله عن ذلك «لَابْتَغَوْا» لطلبوا «إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا» ٤٢ طريقا لمغالبته وقهره ليزيلوا ملكه كما تفعل ملوك الأرض بعضها ببعض، ولكن ليس معه آلهة قطعا، كيف وهو رب العرش العظيم الإله الجليل الذي لا رب غيره، راجع الآية ٣٣ من سورة الرحمن في ج ٣. وهذه الآية تشير إلى برهان التمانع المذكور في قوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) الآية ٢١ من سورة الأنبياء في ج ٢ كما سيأتي تفصيله فيها إن شاء الله. وقال مجاهد وقتادة إن المعنى إذا لطلبوا الزلفى إليه والتقرب لحضرته بالطاعة لعلمهم بعلوّه سبحانه عليهم وعظمته ورفعته،

стр. 983

وهذا كقوله تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) الآية ٥٧ الآتية وهو إشارة إلى قياس اقتراني تقديره لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه تعالى، وكل من كان كذلك ليس إلها فهم ليسوا بآلهة. هذا، وعلى التفسير الأول المشار به إلى برهان التمانع تكون لو امتناعية وعلى الثاني شرطية، والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية، والوجه الأول أولى في التفسير وأنسب بالمقام. مطلب تسبيح الأشياء وبعض معجزات الرسول ﷺ : قال تعالى منزها نفسه المنزهة بنفسه «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ» من نسبة آلهة معه أو أولاد وصاحبة وعلا «عُلُوًّا كَبِيراً» ٤٣ لا غاية وراءه، وذكر العلو بعد وصفه سبحانه بذي العرش في أعلى مراتب البلاغة، وهذا مبالغة في البراءة والبعد عمّا وصفوه به لأنه تعالى في قصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي وما يقولونه في أدنى مراتب العدم وهو الامتناع الذاتي، كيف لا وهو الذي «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ» من الإنس والجن والملائكة والطير والوحش والحيتان والنّبات والجماد بدليل قوله «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ» ولا من ذرّة يطلق عليها اسم الشيء ويمتد عليها ظل الوجود فيهن إلا يسبح بحمده منهم بلسان قاله، ومنهم بلسان حاله، لأن كل شيء يدل بإمكانه وحدوثه دلالة واضحة على وجوب وجوده تعالى ووحدته وقدرته وتنزهه من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث، كما يدل الأثر على مؤثره «وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ» أيها الناس وأنتم منهكون في الغي والضلال «تَسْبِيحَهُمْ» لأنكم لا يفهم بعضكم لغات بعض فكيف تفهمون لغات ما هو من غير جنسكم «إِنَّهُ» جلت عظمته «كانَ» ولم يزل بعدم معاجلتكم بالعقوبة عما يصدر منكم من القبائح «حَلِيماً» لا يستفزّه الغضب فيمهل خلقه رحمة بهم ورأفة عليهم «غَفُوراً» ٤٤ كثير المغفرة لعباده الرّاجين عفوه الراجعين إليه، ولولا هاتان الصفتان لأنزل بكم العذاب حالا واستأصلكم به. وليعلم أن عدم فقه تسبيح الحيوانات وغيرها ناشىء من عدم صقل القلوب من رين الذنوب، وقصور النظر فيما يدل على علام الغيوب، وإلا فقد وردت أحاديث وأخبار لا تقبل التأويل بتسبيح الحصى في كفه ﷺ ، روى مسلم عن جابر بن

стр. 984

سمرة أن رسول الله ﷺ قال: إن بمكة حجرا كان يسلّم علي ليالي بعثت، وإني لأعرفه الآن. وروى البخاري عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحوّل إليه فحنّ الجذع فمسح عليه بيده. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال أتى رسول الله ﷺ بطعام ثريد فقال إن هذا الطعام يسبّح فقالوا يا رسول الله وتفقه تسبيحه؟ قال نعم، ثم قال لرجل أدن هذه القصعة من هذا الرجل، فأدناها، فقال نعم يا رسول الله هذا الطعام يسبّح، فقال أدنها من آخر، فأدناها منه فقال يا رسول الله هذا الطعام يسبّح، ثم ردّها، فقال رجل يا رسول الله لو أمرّت على القوم جميعا، فقال لا لأنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب، ردّها، فردّها. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، بينما نحن عند رسول الله ﷺ ليس معنا ماء فقال اطلبوا ممن معه فضل ماء، فأني بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من الله تعالى فشربنا منه. قال عبد الله كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب. وهذا ليس من خصائصه ﷺ لأن جل الأنبياء تكلم لهم الحجر، ونبع لهم الماء، وتكلمت لهم الحيوانات والموتى، ووقفت لهم الشمس وكثر لهم القليل من الطعام والشراب، وقلل لهم الكثير من الأعداء، ومن وقف على معجزاتهم وكان موقنا آمن وصدق بهم وبما يقع لأولياء الله من الكرامات الشبيهة بالمعجزات ومن لا فلا، لأنه ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وعلى قلبه رينا وصدأ حتى لا يسمع ولا يبصر ولا يعي، فلا يؤمن. أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إن نوحا ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنيه آمر كما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء. وأخرج أحمد عن معاذ ابن أنس عن رسول الله ﷺ أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله تعالى منه. وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع

стр. 985

وقال نقيقها تسبيح. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: ظنّ داود ﵇ في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بما مدحه، وان ملكا نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه، فقال يا داود افهم إلى ما تصوّت به الضفدع، فأنصت داود فإذا الضفدع تمدحه بمدحة لم يمدحه بها أحد، فقال له الملك كيف ترى يا داود أفهمت ما قالت؟ قال نعم، قال ماذا قالت؟ قال قالت سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب، قال داود لا والذي جعلني نبيه إني لم أمدحه بهذا. وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن شهر بن حوشب من حديث طويل أن داود ﵇ أتى البحر في ساعة فصلى فنادته ضفدعة يا داود إنك حدّثت نفسك أنك سبحت الله في ساعة ليس يذكر الله تعالى فيها غيرك وإني من سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه. وأخرج الخطيب عن أبي حمزة قال كنا عند علي بن الحسين ﵄، فمرّ بنا عصافير يصحن، فقال أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ قلنا لا، قال أما اني ما أقول إنا نعلم الغيب، ولكن سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه يقول سمعت من رسول الله ﷺ يقول إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها، وإن هذه تسبح ربها وتسأله قوت يومها. وأخرج بن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر الصديق ﵁ بغراب وافر الجناحين، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما صيد صيد ولا عضدت ولا قطعت وشيجة إلّا بقلة التسبيح عضاة وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن أبي هريرة وأبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ ما صيد من صيد ولا وشج من وشيج إلا بتضييعه التسبيح (الوشيج شجر الرماح وعرق كل شجرة، والعضاة الشجر العظيم أو الخمط أو كل ذات شوك أو ما عظم وطال من الأشجار، وعضده بمعنى قطعه، والعضد والعضيد الطريقه من النخل جمعه عضدان كغرابان) وأخرج أبو الشيخ عن الحسن لولا ما غم عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تضاررتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن لوط بن أبي لوط قال بلغني أن تسبيح سماء الدنيا سبحان ربي الأعلى، والثانية ، والثالثة

стр. 986

سبحانه وبحمده، والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به، والخامسة سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير، والسادسة سبحان الملك القدوس، والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والأرضين السبع عزّة ووقارا، وأمثال هذا كثير لا يحصى عدا ولا يستقصى حدا، وكلها متعاضدة في الدلالة على أن التسبيح قاليّ بلسان العقلاء، حالىّ بلسان غيرهم، وهو جائز شرعا لأنه من قبيل خرق العادة، حتى أن العارفين قالوا إن السالك عند وصوله إلى بعض المقامات المعلومة عندهم يسمع تسبيح الأشياء بلغات شتى، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن المسمى بالجماد والنبات له عندنا أرواح بطنت أي خفيت عن إدراك غير الكشف إياها في العادة فالكل عندنا حي ناطق، غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير بالصورة، ووقع التفاضل بين الخلائق بالمزاج، والكل يسبّح الله تعالى كما نطقت به هذه الآية، ولا يسبح إلا حي عاقل عالم عارف بمسبّحه. هذا وقد جاء في الحديث أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس. والشهادة لا تكون إلا بالنطق وهو مختلف كل بحسبه كما علمت، وإن الشرائع والنبوات مشحونة بما هو من هذا القبيل، ونحن زدا مع الإيمان بالأخبار الكشف، إلى آخر ما قاله. ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي ﷺ قال في دعائه للحمى يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله تعالى فلا تأكلي اللحم ولا تشربي الدم ولا تقدري في الفم وانتقلي إلى من يزعّم أن مع الله آلهة أخرى، فإني أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وجاء عن السجاد ﵁ في الصحيفة في مخاطبة القمر ما هو ظاهر بأن له شعورا، واستفاض عن سيدنا عمر ﵁ أنه كتب إلى النيل كتابا يخاطبه فيه حينما كتب له عمرو بن العاص بأن أهل مصر جرت عادتهم أن يطرحوا في النيل بنتا يزينونها كالعروس في كل سنة كي يفيض، وأنه أوقف هذه العادة لورود الجواب منه فكتب له أن يمنعهم من هذه العادة السيئة وأرسل ورقة مكتوب فيها، أيها النيل إن كنت تفيض بأمر الله فافعل، وإلا فلا حاجة لنا فيك أو فيما معناه هذا وانه منذ طرحها فيه فاض وخلص أهل مصر من تلك العادة القبيحة ببركة كتاب عمر، وأنه ضرب الأرض بالدرة

стр. 987

حين تزلزلت وقال لها إني أعدل عليك، فسكنت، وأن نارا كانت تخرج من ضواحي المدينة فأرسل إليها فلم تخرج، وأن الريح أوصل كلامه إلى القادسية حتى سمعه عامله، وهو قوله على المنبر (يا ساربة الجبل) فلما سمع عرف أنه كلام عمر، فصعد الجبل فرأى العدو من ورائه «فوقفه الله تعالى عليه بما يدل على أن الله تعالى سخّر له العناصر الأربعة، فكيف برسول الله ﷺ ؟ ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٨٠ من النساء في ج ٣، وقدمنا بعض ما يتعلق فيه في الآية ١٥ من سورة النمل المارة، وذكرنا أن ما من معجزة لنبي إلّا ومثلها لحضرة الرسول ﷺ فقد جمع عامة فضائلهم، فلا تستكثر أيها القاري على حضرته فهم تسبيح الجماد وغيره، فهو عظيم عند ربه فرق كل البشر وأحسنه: فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خمير؟؟؟ خلق الله كلهم دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... وأحكم بما شئت فيه مدحا فيه واحتكم قال تعالى «وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ» الناطق بالتسبيح والتنزيه وصرت من غاية استغراقك بمعانيه غائبا عن محافظة نفسك «جَعَلْنا» بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على الحكم الخفية «بَيْنَكَ» يا حبيبي «وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» من قومك المشركين منكري البعث المتقدم ذكرهم «حِجاباً مَسْتُوراً» ٤٥ غير مرئي نسترك به بسائق تكفلنا بحفظك وحماينك، وكمل المؤمنين بفهم رموز هذا القرآن، أما أعداؤك الكفرة فإنا تحجبهم عن فهمه والانتفاع فيه، ونمنعهم أن يدركوا ما أنت عليه من الدرجة الرفيعة وجلالة القدر عندنا، لذلك اجترءوا عليك فقالوا ساحر وكاهن ومتعلم وناقل، وإنما اعتدوا على منصبك العظيم بذلك لجهلهم بمقامك الكريم، وحسدا لما أوتيته من الفضل عليهم، قال سعيد بن جبير لما نزلت (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي ﷺ مع أبي بكر فلم تره، فقالت لأبي بكر أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني، فقال لها أبو بكر والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله، ولم يقل لها ها هو معي أو غير ذلك، وهو جواب على خلاف السؤال مثله في قوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) الآية ٨٩ من البقرة ومثله كثير في ج ٣. فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ

стр. 988

رأسه، فقال أبو بكر لرسول الله ما رأتك، قال لم يزل ملك بيني وبينها. راجع سورة المسد المارة تجد ما هو أوضح من هذا، واحتج أصحابنا في هذه الآية على أنه يجوز أن تكون الحاسّة سليمة ويكون المرئي حاضرا لا يرى بسبب أن الله تعالى يخلق فيها مانعا يمنع من الرؤية، لأن النبي ﷺ كان حاضرا وحاسة هذه المرأة سليمة ولكنها لم تره، وقد أخبر الله تعالى أن عدم الرؤية للحجاب المستور الذي جعله بينه وبينها، ولا معنى للحجاب المستور إلا الذي يخلقه الله في عيون الرائي ما يمنعه من الرؤية وهو حاضر، وإذا كان الله تعالى جعل الحجاب الذي هو حائل غير مرئي، فكيف بالمحجوب؟ على أن كثيرا من الأشياء موجودة حسا غير مرثية كحركة الظلّ وفلكة المغزل، والمروحة عند شدة حركتها، راجع الآية ٩٥ من سورة الفرقان المارة، ولكن هذا غير ذلك «وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً» أغطية كثيرة جمع كنان بمعنى الغشاء «أَنْ يَفْقَهُوهُ» لئلا يقفوا على كنه معانية ويعرفوا حقيقة مبانيه أي أنا منعناهم عن فهمه «وَ» جعلنا «فِي آذانِهِمْ وَقْراً» ثقلا وصمما عظيما مانعا من سماعه سماعا يليق به لسابق علمنا أنهم لن ينتفعوا به وبمن أنزله، وذلك لأنهم لا يلقون له بالا ولا يتدبرون المراد منه، وهذه التمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشئون المنزل عليه وفرط نبوّ قلوبهم عن فهم القرآن وإيذان بأن ما تضمّنه القرآن من التسبيح في غاية الظهور، بحيث لا يتصور عدم فهمه إلا لمانع قوى يعتري المشاعر فيبطلها، وتنبيه على أن حالتهم هذه أقبح من حالتهم السابقة، ولهذا جعل الله هذا المانع في عين حمالة الحطب لئلا يجعل أذاها لحضرة الرسول تنفيذا لوعده له بالحفظ من أذى قومه «وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ» بأن قلت لا إله إلا الله ولم تقرنه بذكر آلهتهم التي يزعمونها، وكلمة وحده اسم موضوع موضع المصدر أي إذا أقررت ربك بالذكر «وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً» ٤٦ من سماع ذكر انفراد الإله الواحد وهربوا هروبا كراهية ذلك وما قيل ان الضمير في (ولّوا) يعود إلى الشياطين لا يصحّ، لعدم سبق ذكر لها بل يعود للمشركين السابق ذكرهم، فجعله يعود إلى غيرهم مخالف لسياق الكلام، وما جاء عن ابن عباس من الخبر في هذا لا يصح ونظير هذه الآية

стр. 989

الآية ٤٦ من سورة الزّمر في ج ٢، قال تعالى «نَحْنُ أَعْلَمُ» يا حبيبنا «بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ» من اللغو والاستخفاف والهزؤ بك وبكتابك والتكذيب لك وله «إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ» وهذا تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع منهم يتعلق به علم الله «وَإِذْ هُمْ نَجْوى» يتسارون بينهم بأن ما يسمعونه منك سحر وكهانة وأساطير الأولين، وانك ساحر وكاهن أو مجنون أو تعلمته من الغير أو اختلفته من نفسك ثم يتجاهرون به فيقول بعضهم لبعض ما ذكره الله يقول «إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ» أقيم المضمر مقام المظهر عنا مع وصفهم بالظلم للدلالة على أن تناجيهم هذا باب عظيم من أبوابه «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» ٤٧ يا سادة قريش أي إذا كنتم تريدون الاتباع فرضا ما تتبعون إلا رجلا سحر فجنّ وكانوا يعتقدون أن ذلك بتأثير السحر وهو معروف عندهم، لأن الشرائع السابقة جاءت به، وقد عرفوه من أهل الكتاب ووجوده حق عند اهل السنّة والجماعة، وانهم يريدون بأنه ﷺ سحر فصار مطبوبا مخدوعا يأكل ويشرب مثلكم، ويريد أن يتفضل عليكم بما يتلوه من ذلك السحر من غير أن يمتاز عليكم بشيء. روي أنه ﷺ كان حين يريد إبلاغ قومه ما أنزل عليه من كلام ربه يقوم عن يمينه رجلان من بني عبد الدار، وعن يساره رجلان منهم، فيصفّقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار لئلا يفهم الناس ما يقول، قاتلهم الله، ومن هنا اقتدي بعض نواب الأمة حينما يسمعون خطيبا من معارضيهم فيما لا يرومونه تراهم يصيحون ويضربون بأيديهم على الرحلات ويصفقون ويصفرون أيضا، فلا حول ولا قوة إلا بالله تشابهت قلوبهم، وفي هذه الآية مما يدل على التهديد والوعيد ما لا يخفى، قال تعالى «انْظُرْ» يا أكمل الرسل «كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ» مما وصموك به من السحر وغيره وما شبهوا ما تتلوه عليهم من وحينا بأساطير الأولين وغيرها مع علمهم أنك وكتابك على خلاف ذلك، «فَضَلُّوا» في هذا التمثيل والتشبيه والوصف عن منهاج المحاجة، والطريق الأقوم والحقيقة الناصعة لميلهم إلى الضلال والاعوجاج «فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» ٤٨ إلى الحق السوي والطريقة المستقيمة بل يتهافتون إلى أضدادها، ويسلكون السبل المهلكة، ويخبطون في أقاويلهم الأباطيل الظاهر كذبها لكل أحد، وفي هذه

стр. 990

الآية تسلية لحضرة الرسول عما يصمونه به، ووعيد بسوء العاقبة لزيغهم عن الرشاد «وَ» من عتوهم «قالُوا» لك أيضا يا محمد «أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً» بأن متنا وبلي لحمنا وتفتّت عظامنا فصارت ترابا أو غبارا لأن الرّفات كل شيء مبالغ في ذمّه «أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ» كما تقول بعد تفرق أجزائنا «خَلْقاً جَدِيداً» ٤٩ مثل ما نحن عليه الآن، قالوا هذا على طريق الاستبعاد بالاستفهام الإنكاري وأرادوا به استحالة إحيائهم بعد موتهم، وفيه تعجيب بعد تعجبهم بذكر الإله الواحد مما يوقع اللوم على أتباعك لأنك بزعمهم كرجل منهم أخرجك السحر عن الطبيعة فصرت وحاشاك تهذو بأن الإله واحد وأن الموتى يحيون بعد البلاء ويحاسبون على ما فعلوه في دنياهم، لأن هذا بزعمهم لا يكون أبدا ولا يقرّه العقل لأن بين غضاضة الحي وطراوته المفضية للاتصال الموجب للحياة وبين يبوسة الرميم المفضية للتفرق الموجب لعدم الحياة تباينا وتنافيا لا يقبل التأليف، وهذا إنما يصدر منهم لأنهم ينظرون إلى الأمور الظاهرية ولا يتفكرون بقدرة الذي خلقهم من العدم وأوجد هذا الكون كله من لا شيء، راجع الآية ٧ من سورة سبأ في ج ٢، «قُلْ» يا أكمل الرسل لهؤلاء المنكرين قدرتنا المستبعدين إعادتهم بعد الموت «كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً» ٥٠ وهذا ردّ منه سبحانه عليهم فقابل قولهم: كنا، يكونوا. على طريق المشاكلة والمقابلة بالجنس، وهذا الأمر أمر استهانة بهم على حد قولة تعالى حكاية عن سيدنا موسى ﵇ (أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ) الآية ٨٠ من سورة يونس أي إن ما تلقونه ليس بشيء بالنسبة لقدرة الله التي وضعها في عصاه أو أمر تسخير على حد قوله تعالى (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) الآية ٦٦ من البقرة في ج ٣، «أَوْ خَلْقاً» آخر وأكبر وأعظم وأشدّ من الحجارة والحديد من كل ما يتخيلونه قويا منيعا بعيدا بمراحل كثيرة عن قبول الحياة وائتوا بكل شيء «مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ» ويستحيل عندكم قبوله للحياة وأبعد شيء عنها مما تعدونه عظيما فعله كبيرا قويا جرمه من كل محال لا تقبله عقولكم، فإن الله تعالى يحييكم لا محالة إذ لا يعجزه شيء لتساوي الأجسام في قبول الاعراض عنده، فكيف لا يحييكم إذا كنتم عظاما كانت قبل موضوعة بالحياة والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد كالحديد

стр. 991

وغيره، وقد فوّض الله تعالى لهم الشيء الذي يكونون منه مما يستعظمونه كالسماء والأرض والجبال أي مهما تصوروه بأنفسهم على طريق الفرض والتقدير فإن الله تعالى قادر على إعادة أرواحهم في أجسادهم التي ماتوا عليها مهما تفرقت وتفتت وتذرت بالهواء فإنه جامعها وباعثكم بعد الموت لا محالة، «فَسَيَقُولُونَ» لك يا سيد الرسل إذا كنا كما تقول «مَنْ يُعِيدُنا» على حالتنا هذه بعد ذلك مع ما بيننا وبين الإعادة من التفاوت والمباينة «قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ» اخترعكم وخلقكم من العدم «أَوَّلَ مَرَّةٍ» على غير مثال سابق ومن أصل تراب ماشم رائحة الحياة فالذي قدر على ذلك قبلا فهو على جمع رميمكم وافاضة الحياة فيه واعادتكم على ما كنتم عليه أقدر: وفي هذه الجملة تحقيق للحق وإزاحة للباطل والاستبعاد وإرشاد إلى طريق الاستدلال لمن كان له عقل يعقل به، قال تعالى واصفا حالتهم عند سماع ذلك الكلام العظيم بأنهم سيبهتون ويتحيّرون الدال عليه «فَسَيُنْغِضُونَ» يحركون ويهزّون «إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» إعجابا لقبولك هذا واستعظاما لصدوره منك مع ما يعلمون من عقلك وأناتك ونظرك لمصير كلامك، ونغض كنصر تحرك واضطرب وحرّك قال الفراء هو تحريك الرأس بارتفاع وانخفاض مما يتعجب منه ويستهزأ به استكبارا وإنكارا قال الشاعر: أتنغض لي يوم الفخار وقد ترى ... خيولا عليها كالأسود ضواريا وقال الآخر: أنغض نحوي رأسه واقنعا ... كأنه يطلب مني شيئا أطمعا أي أنهم رفعوا رءوسهم وطأطئوها استهزاء «وَيَقُولُونَ» لك أولئك المتعجبون الساخرون المنكرون «مَتى هُوَ» هذا الوعيد الذي تذكره الذي فيه إعادة الأجسام والحساب والتهديد الذي تخوفنا به بالعقاب على ما نفعله في هذه الدنيا أقريب أم بعيد فإذا فاجؤوك بهذا الكلام يا سيد الأنام «قُلِ» لهم «عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً» ٥١ ما تسألون عنه وتستبعدونه وتنكرونه لأنه محقق مجيئه، وإنما لم يعين لهم زمانه لأنه من المغيبات التي اختص بها نفسه ﷻ ، ولم يطلع عليها أحد،

стр. 992

وكلمة عسى هنا للترجي والتوقع ومسوقة إلى ما هو محقق الوقوع، وما قيل إنها للمقاربة ينافيه قوله تعالى بعدها (قريبا) لأنها لو كانت للمقاربة لما جيء بها بعدها لعدم الفائدة. مطلب الخروج من القبور واستقلال المدد الثلاث: قال تعالى «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ» أيها الناس وهذا الظرف منصوب بفعل مضمر تقديره اذكروا يوم يناديكم بالنفخة الأخيرة إسرافيل ﵇ ببوقه بأمر ربه من قبوركم «فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ» كما أجبتم حين دعاكم للنفخة الأولى للموت فمتم جميعكم بنفخته أي مات كل من حضرها عدا ما استثنى الله كما سيأتي في الآية ٦٧ من سورة الزمر في ج ٢ بصورة أوضح، فكما أنه لم يتخلف أحد منكم بالنفخة الأولى عن الموت لم يتخلف أحد منكم عن الحياة بالنفخة الثانية، وكما دعاكم من العدم في عالم الذر وأخذ عليكم العهد بالطاعة والانقياد للرسل، كذلك دعاكم للقيام من قبوركم. واعلموا أن قولكم حين اجابتكم لهذه الدعوة الأخيرة سبحانك اللهم وبحمدك جئناك تائبين منيبين لا ينفعكم، لأنه في غير محلّه وإلا لقالها كل كافر مثلكم راجع الآية ١٧ من النساء في ج ٣، «وَتَظُنُّونَ» بعد قيامكم من برزخكم ومجيئكم مهرولين وراء الداعي إلى المحشر «إِنْ لَبِثْتُمْ» ما مكثتم في الدنيا وفي البرزخ القبر وما بين النفختين «إِلَّا» لبثا «قَلِيلًا» ٥٢ زمانا طفيفا يقولون هذا استحقارا لتلك المدد الثلاث، لأن الإنسان لو مكث في الدنيا وفي القبر وبين النفختين ألوفا من السنين عدّ ذلك قليلا بنسبة مدة يوم القيامة، فضلا عن مدة الخلود في الآخرة التي لا نهاية لها، والمقصود من هذه الدعوة إحضار الخلائق للحساب والجزاء، لأن دعوة السيد. لعبده إما لاستخدامه أو التفحص عن أمره، والأول منتف في الآخرة إذ لا تكليف فيها فتعين الثاني، قال تعالى (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) الآية ٤٠ من سورة ق المارة، قيل إن جبريل ﵇ يقف على صخرة بيت المقدس فينادي أيتها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرّقة عودي كما كنت، فتعود حالا. أخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء أنه قال:

стр. 993

قال ﷺ إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم. وهذه الدعوة تكون بالأمر التكويني، وهو ما يوحيه إلى المعدوم، فهو نداء على الحقيقة لا على المجاز على ما قيل إنه يمتنع حمل هذا النداء على الحقيقة، لما يلزم من الحمل عليها خطاب الجماد، والأجزاء المتفرقة ولو لم تمتنع إرادة الحقيقة لكان ذلك النداء كناية عن البعث والانبعاث حقيقة لا مجازا، والمجوز لإرادتها ما ذكرنا من أن هذه الدعوة بالأمر التكويني. وقيل إن خطاب الكافرين انقطع عند قوله تعالى قريبا. والخطاب بقوله تعالى (يوم يدعوكم) للمؤمنين أي فتجيبون أيها المؤمنون حامدين له سبحانه على إحسانه إليكم وتوفيقه إياكم للإيمان بالبعث، وهو وجيه لكن جعل الخطاب للعموم أولى وأنسب للمقام، إذ لا مخصص ولا دال على التقييد، وعلى كل إن شاء الله يجيب المؤمنون المنادي بما ذكر الله. أخرج الترمذي والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) الآية ٣٤ من سورة فاطر المارة، وفي رواية عن أنس مرفوعا: ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في القبور ولا في الحشر، وكأني بأهل لا إله إلا الله قد خرجوا من قبورهم ينفضون رءوسهم من التراب يقولون (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) . راجع تفسير هذه الآية، ومما يدل على أن الخطاب للفريقين المؤمنين والكافرين كما جرينا عليه في تفسير هذه الآية ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن جبير أنه قال: يخرجون من قبورهم وهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك ولا بعد في صدور ذلك من الكافرين يوم القيامة وإن لم ينفعهم كما نوهنا به آنفا، وهذا التفسير أولى بالنسبة لسياق الآية وسياق الكلام، هذا وإن قوله تعالى «وَقُلْ لِعِبادِي» خاص بالمؤمنين بدليل الإضافة التشريفية الدالة على التخصيص، بخلاف الآية الأولى لمجيئها بلفظ عام، وعلى القول بأن هذا الخطاب الأخير يشمل الكافرين أيضا فيكون خطابهم بلفظ عبادي لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قول الحق، والأولى أولى لوجود الصارف وهو الإضافة له، وعليه يكون المعنى قل يا أكرم الرسل لأصحابك المؤمنين «يَقُولُوا»

стр. 994

عند محاورتهم مع المشركين الكلم والجمل والعبارة «الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» من البذاء في المخاطبات والفحش في المحاولات، ولا تخاشنوهم بالكلام ليظهر فضلكم عليهم ويمجدكم من يحضر مناظرتكم «إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ» يفسد ويهيّج الشرّ بما يوقعه من الوسوسة والخنس «بَيْنَهُمْ» أي الفريقين ويريد أن يقول المؤمنون للكافرين القولة التي هي أشر، مما يؤدي إلى تأكيد العناد وتمادي الفتنة واشتداد العداء «إِنَّ الشَّيْطانَ» الذي دأبه إلقاء الفتن وديدنه إيقاع الفساد وعادته تحريك الشرّ «كانَ» قديما ولم يزل «لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً» ٥٣ مظهرا العداوة، نزلت هذه الآية حين شكى المسلمون إيذاء الكافرين فأوحى الله إلى رسوله أن يأمر المؤمنين بعدم مكافأتهم على سفههم، وأن يقولوا لهم ما هو الخير. وقيل نزلت في عمر بن الخطاب حين أمر بالعفو عمن شتمه، وسياق اللفظ يأباه، والآية عامة في جميع المؤمنين بأن يفعلوا الخلّة الحسنة من قول أو عمل بعضهم مع بعض ومع غيرهم، ولا تأخذهم وساوس الشيطان ودسائسه فيما يقع بينهم، ممّا يؤدي إلى الخصومة، وأن يتذكروا عداوته القديمة فيرفضوا نزغاته. ومما يدل على كونها للعموم قوله تعالى «رَبُّكُمْ» أيها الناس «أَعْلَمُ بِكُمْ» وبما يؤول إليه أمركم مما أنتم صائرون إليه بحسب علمه الازلي «إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ» فيوفقكم للنجاة من الكفار وأذاهم كما وفقكم للإيمان «أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ» بتسليطهم عليكم، وعلى القول بأن الآية في الكفار يكون المعنى بأن يميتكم على الشرك، واعلم أن هذه الجمل الثلاث كالتفسير لقوله تعالى (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والجملتان قبلها (إن الشيطان. إن الشيطان) كالاعتراض بينهما، فكأنه قيل يا أيها المؤمنون قولوا للمشركين الذين يؤذونكم بالكلام هذه الجمل الثلاث، لان أمرهم معلق على المشيئة، ولا تصارحوهم فتقولوا لهم إنكم من أهل النار مثلا، فإنه مما يهبجهم على الشرّ، لأن الخاتمة مجهولة لا يعلمها إلا الله، ولا يبعد أن يهديهم فيكونوا من أهل الجنة (وأو) هنا للإباحة كقولك جالس العلماء أو الحكماء لإمكان مجالستهما معا فإنها محتملة وجائزة، وقد تكون للتخيير فيما لا يمكن الاجتماع كقولك تزوج هندا أو أختها، ودخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى. ثم التفت جل شأنه إلى رسوله فقال

стр. 995

«وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا» ٥٤ لهم حافظا أحوالهم أو كفيلا بما يلزمهم، ولم نجعلك مسيطرا عليهم مأمورا بقسرهم، فما عليك الآن إلا الاشتغال بالدعوة إلى الحق فقط، فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر، وعلى القول الثاني لا تشدد القول عليهم، ولا تغلظ لهم، ولا تجبرهم على الإيمان وتقسرهم لاتباعك وامتثال أوامرك، لأنا أرسلناك بشيرا ونذيرا، فدارهم ومر أصحابك بمجاملتهم، وتحمل أنت وأصحابك أذاهم، واتركوا المشاغبة معهم وأظهروا لهم اللين والرفق علّه يؤثر في قلوبهم، وذلك لأن أحكام الله تدريجية حتى إذا ظهر لنبيه إيمان من آمن وإصرار من أصر على كفره كما في سابق علمه أمره بقتاله، ولهذا فلا محل للقول لأن هذه الآية منسوخة بآية السيف، لأن الله تعالى جعل للإرشاد والنصح أناسا وللسيف والقتل آخرين، قال تعالى «وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» وما هم عليه من أحوال ظاهرة وباطنة؟؟؟ كلا لما يستأهله، فيختار للنبوة والولاية من تراه حكمته أهلا لها، وهذا ردّ على القائلين بعد أن يكون يتيم بن أبي طالب نبيا والعراة الجوع كصهيب وبلال وخباب وغيرهم أصحابا إليه، دون الأكابر من قريش والصناديد منهم فلا نقبل دعوته ولا نؤمن به، وذكر جل ذكره من في السموات، لإبطال قولهم (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) الآية ٢١ من الفرقان المارّة، وذكر من في الأرض رد لقولهم لولا أكابر قريش وصناديدهم معه «وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ» بالفضائل النفسانية والمزايا المقدسة، وإنزال الكتب السماوية لا بكثرة الأموال والأتباع، فأعطينا إبراهيم الخلة وشرفنا موسى بالتكليم وداود بالفضل وسليمان بالملك وخصصنا كل نبي بخاصة لم نعطها غيره، فخلقنا عيسى من روحنا واتخذنا محمدا حبيبا «وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» ٥٥ فضلناه به لا بالملك والسلطنة وفيه إيذان بأن نبينا خاتم النبيين وأمته خير الأمم إذ أن الزبور تضمن ذلك، وقد أخبر الله عن ذلك بقولة (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الآية ١٠٦ من سورة الأنبياء، يعني محمد وأصحابه وأمته من بعدهم، وهذا من باب التلميح راجع هذه الآية في ج ٢ تجد أن ما جاء في الزبور موافق لما جاء في القرآن، وسنبحث ما يتعلق فيها هناك

стр. 996

إن شاء الله، والزبور كله حكم وأدعية وأمثال لا حكم فيه، وكان ﵇ يرجع في أحكامه إلى التوراة، وهو كما قيل مائة وخمسون سورة، وسيدنا داود ﵇ أول نبي جمع بين الملك والنبوة في بني إسرائيل كما تقدم في الآية ١٥ من سورة النمل المارة، ففضله الله تعالى بالتوراة والزبور والملك وما منحه في الآيات ١٠ فما بعدها من سورة سبأ في ج ٢، ولم تجمع لمن قبله ولم تكن لنبيّ بعده، وفي هذه الآية تكذيب لليهود والقائلين لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة ونظير هذه الآية الآية ١٥٣ من سورة البقرة في ج ٣، هذا وكما هو ثابت ارتفاع بعض النبيين على بعض وعلو درجاتهم ومن تبعهم فمن يليهم ثابت أيضا اتضاع دركات الكافرين فمن دونهم من العصاة لانهما مظاهر صفتي اللطف والقهر هذا ولما أصاب أهل مكة القحط وأكلوا الجيف والكلاب جاءوا فاستغاثوا بحضرة الرسول ﷺ فأنزل الله عليه «قُلِ» يا سيد الرسل لهؤلاء الكفرة «ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ» أنهم آلهة «مِنْ دُونِهِ» أي الإله الواحد ليكشفوا ما حل بكم من الجدب وأتى لهم ذلك «فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ» لانهم عاجزون مثلكم عن كشف ضر أنفسهم فكيف يستطيعون إزالة ضركم كلا «وَلا» يستطيعون «تَحْوِيلًا» ٥٦ لحالكم من العسر إلى اليسر، ومن الشر إلى الخير، ومن المرض إلى الصحة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العذاب إلى النعيم، وهذه الآية المدنية قال تعالى «أُولئِكَ» إشارة إلى ما يسمونه آلهة ويرجونه لكشف ضرهم ويستعينون بهم لزيادة خيرهم «الَّذِينَ يَدْعُونَ» صيغة لإسم الإشارة الواقع مبتدأ من حيث الإعراب وخبره «يَبْتَغُونَ» بتلك الآلهة التي يعبدونها الكفرة «إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ» يسألون ربهم ومالك أمرهم القربة بالطاعة والعبادة وهذا دليل قاطع على أن الذين يعبدون غير الله يعرفون بأن ما يعبدونهم محتاجون إلى الله وأن قدرتهم المزعومة مفاضة منه تعالى لانهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله وأن الله تعالى أقوى وأكمل منها مما يدل على بطلانها قال تعالى (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) الآية ٣ من سورة الزمر وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الآية ٨٧ من الزخرف في ج ٢، ومثلها كثير في القرآن وهذا كاف على افحامهم وعجز

стр. 997

آلهتهم وعلى اعترافهم بأنها مخلوقة لله. واعلم أنه إذا صرف معنى الآية لكفار قريش فيراد بالذين يزعمون من دونه الملائكة والأوثان فقط وإذا صرف معناها للعموم يدخل فيها عزير وعيسى والكواكب والنار والحيوان من كل ما عبد من دون الله ولهذا قالوا إن ضمير يدعو وضمير يبتغون عائدان للمشار إليهم وهم الأنبياء الذين عبدوا من دون الله كعيسى وعزير والملائكة ويدخل ضمنهم الشمس والقمر والنجوم والنار والحيوان والتماثيل وغيرها من كل ما يطلق عليه اسم الوثن وما اتخذوه تقربا للعبادة بأن كل أولئك ليست بأهل للعبادة مباشرة وتبعا وأن زعمهم ذلك فيها باطل وفي الآية تغليب العاقل على غيره لأن الجمع في يدعون ويبتغون من خصائص العقلاء لا الجمادات «أَيُّهُمْ أَقْرَبُ» أيهم هنا بدل من ويبتغون وهي موصولة بمعنى من أي أولئك المعبودون يطلبون من هو لحصرة ربه أقرب من غيره الوسيلة إلى الله فيتوسون به لقضاء مصالحهم أو أيّهم الذكر هو أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله بطاعته، فكيف بالأبعد فهو بحاجة إلى ذلك من باب أولى. وأيّ مبتدأ مبني على الضم في محل رفع مضاف للضمير، والميم علامة الجمع، وأقرب خبر، والعائد محذوف تقديره هو، وبعضهم جعلها معربة وفيها معنى الاستفهام أي أيهم هو أقرب بالتقوى والصلاح والرضى وازدياد الخير. وأعلم أن يدعون تأتي بمعنى يعبدون كما مر في الآية ٤٩ من سورة مريم المارّة، وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ٣٥ من المائدة وفي الآية ١٣ من سورة التوبة في ج ٣، وهناك بحث يتعلق بالسّادة الصوفية بشأن الرابطة التي يتخذونها في بدء أورادهم «وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ» تعالى وخيره وإحسانه وهذا عطف على يبتغون والرجاء بمعنى التوقع «وَيَخافُونَ عَذابَهُ» كغيرهم من العباد بل أعظم وجلا منهم، لأن العبد كلما رسخ قدمه في العبادة وتقرب إلى المعبود ازداد خوفه بسبب ازدياد معرفته به، وقدم الرجاء على الخوف، لأن متعلقه أسبق من متعلقه. مطلب الخوف والرّجاء وأنواع العبادة: جاء في الحديث القدسي سبقت رحمتي غضبي. لهذا فإن العلماء قالوا ينبغي للمؤمن أن يغلّب الخوف على الرجاء ما لم يحضره الموت، فإذا حضره غلّب الرّجاء على

стр. 998

الخوف، وفي الآية دليل على أن رجاء الرّحمة وخوف العذاب مما لا يخلّ بكمال العابد، وقد شاع عن بعض العابدين أنه قال لست أعبد الله تعالى رجاء جنّته ولا خوفا من ناره. والناس بين قادح لمن يقول ذلك ومادح، والحق التفصيل، وهو أن من قال هذا إظهارا للاستغناء عن فضل الله ورحمته فهو مخطئ كافر، ومن قاله اعتقادا بأن الله تعالى أهل للعبادة لذاته بحيث لو لم يكن هناك جنّة ولا نار لكان أهلا لأن يعبد فهو محقق عارف كامل. والعبادات ثلاث عبادة للرياء والسمعة فهي مخادعة داخل أهلها في قوله تعالى (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية ٩ من سورة البقرة ج ٣، وعبادة للخوف والرجاء فهي مسقطة للفرض وبالدرجة الثانية الوسطى، فإذا لم يقصد منها الاستغناء فهي داخلة في معنى الآية المفسرة وإلا فهي الوسطى في نار جهنم، وعبادة خلاصة لله تعالى بقصد الاستحقاق لذاته وصرف النظر عن الخوف والرجاء فهي العبادة الحقيقية الموصلة إلى الله الموصوف أهلها بقوله تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) الآية ١٩٠ من آل عمران في ج ٣، وفي اتحاد أسلوب الجملتين إيماء إلى تساوي رجاء أولئك الطالبين الوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادة وحذرهم منه «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً» ٥٧ يخافه كل أحد من ملك ومملوك ومن ملك وولي مقرب أو نبي مرسل، فضلا عن بقية الخلائق، وجدير بأن يحذره ويحترز منه كل أحد، وهذه الجملة تعليل لقوله تعالى ويخافون إلخ، وفي تخصيصها بالتعليل زيادة تحذير الكفرة من العذاب. انتهت الآية المدنية. قال تعالى «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ» من القرى والتنوين هنا يفيد التعميم، لأن إذ نافية بمعنى ما، ومن صلة مؤكدة لاستغراق النفي، فتفيد العموم أيضا «إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها» بإبادة أهلها وتخريبها بعدهم أو هدمها عليهم أو قلبها بهم أو بسبب آخر، ويكون هذا «قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ» عند النفخة الأولى قال تعالى (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) الآيات من سورة الحاقة في ج ٢ لأن القيامة لا تقوم إلا بعد إتلاف هذا الكون بما فيه «أَوْ مُعَذِّبُوها» أي أهلها بالقتل وأنواع البلاء «عَذاباً شَدِيداً» لا تقواه قوى أهلها ولا يقدرون على رفعه عنهم

стр. 999

«كانَ ذلِكَ» الإهلاك والتعذيب «فِي الْكِتابِ» الأزلي المدون فيه ما كان وما يكون من بدء الخليقة إلى يوم القيامة وما بعدها من أقوال أهل الجنة والنار وخلودهما «مَسْطُوراً» ٥٨ في اللوح المحفوظ مثبتا، وهو واقع لا محيد عنه لأحد إذ لا شيء في الكون إلا وهو مدون فيه بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له ومكانه الواقع فيه، قال تعالى (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٩ من الأنعام في ج ٢. أخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له أكتب فقال ما أكتب؟ قال أكتب القدر وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد. وقال عبد الله بن مسعود إذا ظهر الزنى والرّبى في قرية أذن الله تعالى في إهلاكها. قال مقاتل الهلاك للفرقة الصالحة والعذاب للطالحة. قال تعالى «وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ» التي اقترحها عليك قومك «إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ» من قبلهم من الأمم السالفة التي اقترحت على أنبيائها مثل ما اقترحوه عليك قال ابن عباس سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا وفضة وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا مكانها فأوحى الله إليه إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أوتيهم ما سألوا فعلت فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم، فقال ﷺ لا بل تستأني بهم، فأنزل الله هذه الآية «وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ» التي اقترحوها على نبيهم صالح ﵇ بأن يخرجها لهم من حجر معين راجع قصتها في الآية ٧٩ من سورة الأعراف المارة وهي آية عظيمة كانت أعينهم «مُبْصِرَةً» لها ظاهرة بينة «فَظَلَمُوا» أنفسهم «بِهَا» بقتلها وجحودها، وإنما خص ثمود بالذكر لأنهم عرب مثل قوم محمد ﷺ ، ولأن الصادر من قريش والوارد منهم يرى آثار ديارهم خاوية خالية لقربها منها، وإنهم لم يؤمنوا بعد إظهارها على يد رسولهم فأهلكهم، إذ جرت عادة الله واقتضت حكمته أن كل قوم اقترحوا على رسولهم معجزة فأوتوها ولم يؤمنوا أهلكهم عن آخرهم، وفي هذه الآية الإيجاز بالحذف والإضمار، لأن المعنى وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، وقيل إن مبصرة وصف للناقة، وإنما وصفها بالإبصار لأنها خلقت من الصخرة معجزة لنبيهم دفعا لما

стр. 1000

يتوهم بأنها من المصورات، لأن فن التصوير لم يبلغ أن يكون للمصور أعينا يبصر بها كسائر الحيوانات، لأن البشر عاجز عن ذلك، أما اللون والشكل والحركة حتى النطق المحدود الذي يولجوه بها فقط فإنهم توصلوا لعمل ذلك بواسطة الآلات المحدثة، ولكن الإبصار لم يتوصلوا إليه ولن يتوصلوا لمعرفة مادته إلى الآن، ولم يقفوا على تراكيبها، فبقيت القوة الباصرة بالأعين مخزونة بأمر الله لم يطلع عليها أحد البتة، وما ندري ما يقع بعد: وما تدري إذا ما الليل ولىّ ... بأي عجيبة يلد النهار قال تعالى «وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ» المقترحة ونظهرها للأمم «إِلَّا تَخْوِيفاً» ٥٩ من نزول العذاب عليهم، ولذلك لم نجب اقتراح قومك بإرسال الآيات التي اقترحوها لأنا نعلم أن مصير المقترحين الهلاك وهو خلاف ما تريده أنت. أخرج بن جوير عن قتادة قال إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبرون أو يذكرون فيرجعون عن غيهم. مطلب الآيات على ثلاثة أنواع وبيان الخمرة الملعونة: وليعلم أن آيات الله تعالى على ثلاثة أقسام، قسم عام في كل شيء: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وهنا فكرة العلماء وقسم معتاد كالبرق والرعد والخسوف والزلازل وفيها فكرة الجهلاء، وقسم خارق للعادة وهو نوعان نوع مقرون بالتحدّي وقد انقضى بانقضاء النبوة، وقسم غير مقرون به وهو الكرامة التي يظهرها الله تعالى على يد من شاء من عباده العارفين العاملين، وهناك فكرة الأولياء، والمعنى أنا تركنا إرسال الآيات لسبق مشيئتنا بتأخير العذاب عنهم لحكم نعلمها، قال تعالى «إِذْ قُلْنا لَكَ» يا أكرم الرسل «إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ» فلا يستطيع أحد الخروج عن مشيئته ولا يفعل شيئا دون إرادته وإن كل ما يقع في هذا الكون بقضائه وقدره، وإذ هنا منصوبة بفعل مقدّر أي اذكر يا محمد لقومك ما أوحيناه إليك من ذلك وأعلمناك أن الخلق كلهم في قبضتنا وإرادتهم من إرادتنا، فلا تبال بما تراه من كفرهم، وامض لأمرك وبلّغ ما أرسلت به ولا تخشهم، فالله حافظك ومانعك

стр. 1001

منهم ومقويك وناصرك عليهم «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ» ليلة الإسراء والمعراج من عجائب الآيات وبدائع المعجزات «إِلَّا فِتْنَةً» اختبارا وامتحانا «لِلنَّاسِ» إذ ارتد بعض المؤمنين عند سماعها، وأجمع كفرة قريش على جحودها فكذبها أناس وتعجب آخرون، وصدق بها المؤمن الموقن وازداد المخلص إيمانا والكافر كفرا، فكانت فتنة للفريقين، واختلف المسلمون في المعراج أيضا على أقوال بسطناها آنفا في الآية الأولى من هذه السورة، وفي المعجزة الثالثة والثلاثين المارة وما بعدها، فراجعها إن شئت. أخرج الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس أن الرؤيا هي ما عاينه حضرة الرسول ليلة أسري به من العجائب الأرضية والسماوية رؤية عين، وهي على اللغة الفصحى، إذ تقول العرب رأيت بعيني رؤية ورؤيا، وهذا هو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريح وغيرهم، وإنما عبر بالرؤيا دون الرؤية لمشاكلة تسميتهم لها رؤيا، أو جار على زعمهم كتسمية الأصنام آلهة، فقد روي أن بعضهم قال له ﷺ لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك يا رسول الله، أو على التشبيه بالرؤيا لما فيها من العجائب، ولوقوعها ليلا، أو لسرعتها، أي وما جعلنا الرؤيا التي أرينا كها عيانا مع كونها آية عظيمة وأيّة آية، وقد ذكرتها لقومك وأقمت البرهان على صحتها بما اختبرك به قومك عن عيرهم، كما ذكر في المعجزة الثامنة والستين فما بعدها المارة إلا فتنة افتتن بها الناس من تكذيب وتصديق وتهويل وإعجاب «وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ أنها شجرة الزقوم. وروي عنه أيضا أن المراد بها لعن طاعميها من الكفرة، ووصفها باللعن من المجاز في الإسناد، وفيه من المبالغة ما فيه. وقد يراد لعنها نفسها بالمعنى اللغوي وهو البعد، لأنها في أبعد مكان من جهنم، قال تعالى (تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) بعد أن قال (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) الآيتين ٦٣ و ٦٤ من سورة الصافات في ج ٢، أي في أبعد مكان من رحمة الله تعالى، وقد لعنت إذ لعن آكلوها، وإلا فلا ذنب لها حتى تلعن، ولكن المصاحبة لها دخل: ما ضرّ بالشمع إلا صحبة الفتل. ولهذا قيل الصاحب ساحب:

стр. 1002

عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وأخرج بن المنذر عن الحبر أنها وصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برءوس الشياطين كما جاء في الآيتين ٦٤ و ٦٥ من الصافات أيضا، والشياطين ملعونون، والعرب تقول لكل طعام مكروه ملعون، والآية معطوفة على قوله تعالى الرؤيا، أي وما جعلنا هذه الشجرة إلا فتنة للناس أيضا، وإنما كانت فتنة لأن أبا جهل وغيره من متعنتي قريش قالوا إن محمدا يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر على طريق السّخرية والاستهزاء، ويقول ابن أبي كبشة هي الزقوم، وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد ثم أمر جاريته فقال هيّا، فأحضرت له تمرا وزبدا، وقال لأصحابه تزقموا، وكذلك قال ابن الزبعرى الآتي ذكره في الآية ٩٧ من الأنبياء في ج ٢، وافتتن بهذه المقالة بعض الضعفاء وضلوا في ذلك ضلالا بعيدا، إذ كابروا في قضية أبتها عقولهم القاصرة، وما قدروا الله حق قدره، ألا يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة فلا تضرها، والسندل يفرخ في النار ويعمل من وبره مناديل إذا توسخت ألقيت في النار فيذهب وسخها ولا تحترق، والدود يعيش في الثلج، والنار من الشجر الأخضر كما قدمنا توضيحه في الآية ٨٠ من سورة يس المارة، فالقادر على تلك الأشياء ألا يقدر على خلق شجرة في النار لا تحترق، وما هي إلا كالسمك في الماء والطير في الهواء راجع الآية ١٩ من سورة الملك في ج ٢، بلى وهو على كل شيء قدير. وجاء عن ابن عباس أنها الكثوث المذكورة في قوله تعالى (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ) الآية ٢٤ من سورة ابراهيم في ج ٢ المشبّه بها كلمة الكفر، وقد لعنها في القرآن وخصّها بالخبث، وإن الامتنان بها على هذا هو أنهم قالوا عند سماع الآية ما بال الحشائش تذكر في القرآن، كما اعترضوا على ذكر البعوضة فيه، راجع الآية ٢٥ من سورة البقرة في ج ٣، والمعول في هذا على القول الأول بالنسبة للمروي عنه «وَنُخَوِّفُهُمْ» بتلك الآيات ونظائرها وجاء هذا الفعل بلفظ الاستقبال دلالة على الاستمرار التجددي وقرىء بالياء «فَما يَزِيدُهُمْ» تخويفنا هذا بالإهلاك في الدنيا والتعذيب بالنار في الآخرة «إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً» ٦٠ عظيما بسائق تمردهم وعنادهم، فإنهم كلما جاءتهم

стр. 1003

آية تجاوزوا الحد بالإنكار والتكذيب، ولذلك فإنا لو أرسلنا إليهم ما اقترحوه على يد رسولهم لفعلوا به ما فعله من قبلهم أمثاله بأمثاله ولفعلنا بهم أيضا ما فعلناه بأمثالهم من عذاب الاستئصال، ولكن سبقت كلمتنا بتأخير العقوبة العظمى إلى الطامّة الكبرى واعلم أن هذا الكلام مسوق لتسلية حضرة الرسول عما عسى أن يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات المقترحة لمخافتها للحكمة من نوع حزن وكآبة من طعن الكفرة، إذ كانوا يجابهونه بقولهم لو كنت نبيا أو رسولا حقا لأتيت بما نطلبه منك من المعجزات كالأنبياء قبلك، إذ جاءوا أقوامهم بما طلبوه منهم، ولكنك لست برسول، ولهذا لم تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وهذا أصح ما جاء في تفسير هذه الآية وسبب نزولها، وما قيل أن المراد بالإحاطة هنا الإهلاك على حد قوله تعالى (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) الآية ٤٢ من سورة الكهف في ج ٢، وأنه هو الواقع يوم بدر، وأن التعبير بالماضي جاء على حد قوله تعالى (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) الآية ٤٣ من سورة القمر المارة، وقوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ) الآية ١٣ من آل عمران ج ٣ وغيرهما من الآيات لتحقق الوقوع، وأن المراد بالرؤيا هو ما رواه ﷺ في المنام من مواقع مصارع القتلى من قريش، لما صح أنه ﷺ لمّا ورد ماء بدر كان يقول والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يضع يده الشريفة على الأرض هاهنا هاهنا ويقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وإن قريشا سمعت بما أوحى الله إلى نبيهم بشأن بدر وما أري في منامه، فكانوا يضحكون ويسخرون، وهذا هو معنى الفتنة المرادة في هذه الآية، راجع الآية ٧٨ من الأنفال في ج ٣، وسمعت أيضا بما رواه مناما أنه سيدخل مكة وأنه أخبر أصحابه فتوجه إليها، وصده المشركون عام الحديبية حتى قال عمر: يا أبا بكر أما أخبرنا رسول الله أنا ندخل البيت ونطوف فيه؟ فقال إنه لم يقل في هذه السنة، وقد صدق الله ودخلوها في القابلة، فكل هذا لا يكاد يصح شيء مه، لأن هذه كلها وقعت ورسول الله في المدينة، وهذه الآية مكيّة إجماعا وهو مخالف لظاهر الآية المفسرة لذلك فلا يعول عليه، وأن الاعتذار عن كون هذا مدنيا بأنه يجوز أن يكون الوحي بالإهلاك وبالرؤيا واقعا في مكة، وذكر الرؤيا

стр. 1004

وتعين مصارع القوم واقعين في المدينة، لا وجه له أيضا إذ يلزم منه أن يكون الافتتان واقعا بالمدينة أيضا، وأن ازديادهم طغيانا متوقع عند نزول الآية لا واقع وهو خلاف الواقع وبعيد عن المعنى، ومباين لسياق الآية، ومناف لسياق التنزيل، وكذلك ما أخرجه ابن جرير عن سهيل بن سعد قال رأى رسول الله ﷺ بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات ﵊ وأنزل الله هذه الآية المفسرة، وما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عباس عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله ﷺ بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فأوحي الله تعالى إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرّت عينه، وذلك قوله تعالى (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا) إلخ وما أخرجه ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتم ﵊ لذلك، فأنزل الله هذه الآية المفسرة وما أخرج عن ابن عمران أن النبي ﷺ قال: أريت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، وأنزل الله تعالى ذلك أي الآية المفسرة والشجرة الملعونة (الحكم وولده) وقال بعض المفسرين هي بنو أمية، وما أخرج بن مردويه عن عائشة ﵂ أنها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن، وعليه يكون الكلام على حذف مضاف أي وما جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا مجازا عن تعبيرها، ويكون معنى الإحاطة في هذه الآية إحاطة أقداره تعالى بهم، ومعنى الفتنة جعل ذلك بلاء لهم، ولعنهم بما صدر منهم ومن خلفائهم من استباحة الدماء المعصومة والفروع المحصنة ومنع الحقوق وأخذ الأموال بغير حق وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام لأنهم فعلوا ما فعلوا وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وإن لعنهم هذا إما على الخصوص كما زعمته الشيعة أو على العموم كما تقول أهل السنة والجماعة، فقد قال (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) الآية ١٣ من سورة الأحزاب في ج ٣، وقال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ

стр. 1005

أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) الآيات ٢٢ فما بعدها من سورة محمد ﷺ في ج ٣، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أولياء إلا أنه لا يجوز عند أهل السنة والجماعة أن يلعن واحد بخصوصه إذ صرحوا أنه لا يجوز لعن كافر بعينه ما لم يتحقق موته على الكفر كفرعون ونمرود فكيف من ليس بكافر، وأما ما جاء بحديث الصحيحين إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح. الذي احتج به السراج البلقيني على جواز لعن العاصي بعينه فقد قال ابنه الجلال بحثت مع والدي في ذلك باحتمال أن يكون لعن الملائكة لها بالعموم بأن يقولوا لعن الله تعالى من باتت مهاجرة فراش زوجها، على أنه استدل على ما يقوله بخبر مسلم أنه ﷺ مرّ بحمار وسم بوجهه، فقال لعن الله تعالى من فعل هذا، لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معيّن على أنه لا مانع من تأويله أيضا بأن يراد فاعل الجنس ذلك الوسم، والمغضبة لزوجها على العموم، راجع ما بيناه في الآية ٤٢ من سورة القصص المارة، وعليه فلا دلالة صريحة لا تقبل التأويل في هذين الحديثين لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال أو التأويل أفقده قوة الاحتجاج في الاستدلال، وهذه قاعدة أصولية لا طعن فيها. نعم صح أنه ﷺ قال اللهم العن رعلا. وذكوان وعصيه عصوا الله ورسوله، وهذا فيه لعن أقوام بأعينهم، إلا أنه يجوز أنه ﷺ علم بإلهام الله إياه، موتهم على الكفر فلعنهم، وهذا جائز كما تقدم، وإذا كان كذلك فلا حجة فيه للسبب المذكور أيضا، ولأنه بأقوام لا لشخص بعينه، ولا يخفى أن تفسير الآية لا ينطبق على ما ذكر ولا يلاثم المعنى المسوقة له الآية، ولم يكن شيء من ذلك كله زمن نزولها، وان بين نزولها وبين هذه الحوادث سنين كثيرة أما الأحاديث الواردة المذكورة آنفا في بني أمية وبني الحكم فيحتمل أنها صحيحة لكن لا علاقة لها في الآية المفسرة المتعلقة بالإسراء خاصة، وتلك بحوادث أخرى ولا مانع من أنه ﷺ رأى ما قاله فيهم رؤيا منامية أو بطريق الكشف، لكن غير هذه الرؤيا المقصودة هنا في هذه السورة، وكذلك لا يتجه قول من قال إن الشجرة الملعونة أبو جهل والفتنة وجوده بلاء على المسلمين، لأنه أيضا خلاف الظاهر

стр. 1006

ولا يوجد ما يدلّ عليه، وكذلك قول من قال إن الشجرة مجاز عن اليهود الذين تظاهروا على حضرة الرسول، فلما بعث كذبوه وجاء لعنهم في القرآن صريحا ظاهرا، وإن فتنتهم هي أنهم كانوا ينتظرون بعثته ﵇ فلما بعث كفروا به قائلين إنه غير النبي المنتظر، فثبطوا كثيرا من الناس بمقالتهم هذه عن الإيمان به السبب نفسه، ووجود لعنهم في القرآن وكونهم فتنة على الإسلام أمر واقع لا شك فيه ولا ريب، ولكن هذه الآيات لا تمسهم، ولا يخفى أن اليهود بالمدينة والآية نزلت بمكة قبل أن يكون لحضرة الرسول مساس بهم، هذا وقد نقلنا لك أيها القارئ كل ما نقله المفسرون بهذا الشأن ورددنا عليه لنكفيك مؤنة المطالعة وتقنع بما أثبتناه لك، والله من وراء القصد وله المنة والحمد. قال تعالى «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ» هذا تحقيق لقوله تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ) الآية المارة وهو ظاهر في الملائكة الذين ادعى بعض العرب عبادتهم وتضمن لغيرهم وإشارة إلى عاقبة الذين عاندوا الحق جل وعلا واقترحوا الآيات وكذبوا الرسل، لأنهم داخلون في الذرية التي احتنكهم إبليس لعنه الله واتبعوه اتباع الظل لذويه دخولا أوليا ومشاركون له في العناد أتم مشاركة، ألم تر إلى قولهم فيما حكى الله عنهم (قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) الآية ٣٣ من الأنفال في ج ٣ ولم يقولوا أللهم اهدنا إليه لسابق شقائهم، ووجه المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أن قريشا كذبوا حضرة الرسول حسدا وتعاظما على ما خصّه الله به دونهم، وما منع إبليس من السجود لآدم ﵇ شيء من الأشياء إلا الحسد والتكابر عليه، والمعنى أذكر يا محمد لقومك إنما أمرنا الملائكة وقلنا لهم «اسْجُدُوا لِآدَمَ» تكريما وتحية له واحتراما، فسجدوا كلهم امتثالا لأمري دون تلعثم أو سؤال عن السبب بحق الانقياد والطاعة «إِلَّا إِبْلِيسَ» لم يسجد «قالَ» بعد أن وبخ على امتناعه «أَأَسْجُدُ» استفهام إنكاري وتعجب «لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً» ٦١ وقد خلقتني من النار وهي أفضل من الطين، فاستحق اللعن والطرد راجع قصته مفصلة في الآية ١٢ من الأعراف المارة، ثم قال «أَرَأَيْتَكَ» أيها الإله أخبرني من «هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ» وأمرتني بالسجود له أي شيء هو حتى أسجد له

стр. 1007

فهو دوني وما هو بالشيء المستحق للسجود بالنسبة إلي لأنه شيء لا يتمالك وعزتك وجلالك وعلوك في مكانك الذي لا يتكيف «لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» ولم تمتني وجواب القسم قوله «لَأَحْتَنِكَنَّ» أستولين وأستأصلن «ذُرِّيَّتَهُ» مهما كانوا استئصال واستيلاء قويبن محكمين، لا أفلت وأترك «إِلَّا قَلِيلًا» ٦٢ منهم المخلصين والصادقين، ومعنى حنك واحتنك جعل الحبل في حنك الدابة الأسفل وقادها به كيفما شاء إلى ما أراد، وهو كناية عن إهلاكهم بإغوائه وطرقه الخبيثة، يقال احتنك الجراد الأرض إذا أهلك نباتها، واحتنك فلان مال فلان إذا أخذه وأكله، وعليه قوله: فشكوا إليك سنة قد أجحفت ... جهدا إلى جهد بنا فأضعفت واحتنكت أموالنا وأجلفت وقد علم ذلك الملعون من قوة الوهم وتركيب الشهوة في بني آدم وهما سبب الميل عن الحق والركون إلى الباطل وقد برّ في قسمه الخبيث في بعض بني آدم قال تعالى (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) الآية ٢٠ من سورة سبأ في ج ٢. هذا ومن قال إن وسوسته خلصت إلى آدم نفسه فقاس الفرع على الأصل لا يصح لأن هذا القول وقع منه قبل الوسوسة لآدم التي كان بسببها ما كان، ومن زعم أن هناك وسوستين فعليه البيان ولن يأتي به البتة «قالَ» استهجانا له وتبكيتا به وإهانة له «اذْهَبْ» لشأنك وامض لما تريد إذ ليس المراد من الذهاب هنا ضد المجيء بل تخليته وما سولت له نفسه الخبيثة احتقارا له كما تقول لمن خالفك في النصح افعل ما تشاء يدل على هذا قوله جل قوله «فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ» وانقاد لخداعك من ذرية آدم وضل عن الحق ومات على ذلك «فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ» أنت ومن أضللت بتغليب المخاطب على الغائب رعاية لحق المتبوعية جَزاءً مَوْفُوراً» ٦٣ وافيا كاملا بغاية الشدة إذ تعقبه بالوعيد ولو كان المراد منه ضد المجيء لما عقب به ووفر كوعد بمعنى كمل والموفور الكامل وعليه قول أشعر الشعراء: ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

стр. 1008

قال تعالى مهددا له «وَاسْتَفْزِزْ» استخفف واستزلل وحرك واستنفر «مَنِ اسْتَطَعْتَ» أن تستفزّه «مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ» دعائك إلى معصية ربك بما شئت من طرق الوسوسة كغناء ومزمار أو عود وربابة أو دفّ وبوق وغيرها من آلات اللهو واللعب بالباطل لتستميلهم إلى الكفر والمعاصي «وَأَجْلِبْ» صح «عَلَيْهِمْ» مأخوذ من الجلبة وهي الصياح والجمع يقال أجلب على العدو جمع عليه وأعان غيره عليه وتوعده بالشرّ اي استعمل بإضلالهم كل ما شئت «بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ» وسائر جنودك ركبانا ومشاة «وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ» مما يصيبونه من حرام وينفقونه فيه «وَالْأَوْلادِ» ممن يأت منهم من الزنى الناشئ عن إغوائك وإضلالك وما تحبذه لهم من الأسماء المنهي عنها كعبد الحارث وعبد العزّى وعبد شمس، وتزيّن لهم قتل البنات خشية العار والفاقة وقتل غير القاتل وأخذ مال قريب الغاصب وما أشبه ذلك من أعمال الجاهلية التي وقعت بعد، إذ لا توجد إذاك جاهلية ولا غيرها. قال مجاهد إن الرجل إذا لم يسمّ عند الجماع فالجانّ ينطوي على إحليله فيجامع معه، وذلك هي المشاركة، والأول أولى وأنسب بالمقام، وأحسن في التأويل وأوقع في المعنى «وَعِدْهُمْ» المواعيد الواهية والآمال الكاذبة من شفاعة الآلهة التي تسوّل لهم عبادتها وما تخيل لهم من أن الكرامة بالأنساب لا بتقوى الله وأن العاجل خير من الآجل، وأن لا جنة ولا نار، ولا نشر ولا حشر ولا حساب ولا عقاب، على حد قول أبي نواس: خلياني والمعاص ... واتركا ذكر القصاص واسقياني الخمر صرفا ... في أباريق الرصاص إن صح عنه، وهذا لا يقوله إبليس لهم، لأنه ينفي عنهم وجود الجزاء لنفيه وجود الآخرة، وقد ختم أبو نواس البيتين بقوله: وعلى الله وإن ... أسرفت في الذنب خلاصي بما يدل على حسن عقيدته المؤيد بقوله: إذا كنت بالنيران أوعدت من عصى ... فوعدك بالغفران ليس له خلف إذا كنت ذا بطش شديد ونقمة ... فمن جودك الإحسان والمنّ واللطف

стр. 1009

ركبنا خطايانا وسترك سبل؟؟؟ ... وهل لشيء أنت ساتره كشف إذا نحن لم نهفوا وتعفو تكرما ... فمن غيرنا يهفو وغيرك من يعفو قال العلامة محمد بن عبد الله الجرداني من كتب هذه الأبيات على كفنه ودفن فيه أمن من حساب القبر وفتّانيه وما ذلك على الله بعزيز وهو موف بوعده «وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ» من أباطيله ويسول لهم من أضاليله «إِلَّا غُرُوراً» ٦٤ بهم ليستوجبوا عقاب الله، هذا اعتراض لبيان مواعيده، والغرور تزيين الخطأ وإلباسه بالصواب، وعليه يكون المعنى إن الشيطان يزين لهم الباطل بصورة الحق إيهاما، فيظن المغرور به أنه صواب، يقال غر فلان فلانا إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد، وأصله من الغرو وهو الأثر الظاهر من الشيء، لأن الشيطان يدعو إلى أحد ثلاثة أمور إما قضاء شهوة خسيسة، وإمضاء غضب مفرط، أو غلو في طلب رياسة، ولا يدعو البتة إلى معرفة الله وخدمته، وهذه الأمور الثلاثة ليست في الحقيقة لذائذ بل دفع آلام، فمقترفوها والحيوانات سواء، وهي لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة قد يتبعها الموت والهرم واشتغال البال بالخوف من زوالها والحرص على بقائها، قال تعالى «إِنَّ عِبادِي» المختصين بي المخلصين لي أضافهم لذاته الكريمة تعظيما لشأنهم «لَيْسَ لَكَ» يا إبليس «عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» أو قوة تمكنك من إغوائهم فلا تقدر بوجه من الوجوه أن تتسلط عليهم لأنهم خاصتي وأوليائي، ومن كنت وليه لا يتمكن أحد من الاستيلاء عليه، لأني وكيله «وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا» ٦٥ لمن يتوكل عليه ويستمد المعونة منه في الخلاص من كل ما ينوبه من شيطان أو إنسان أو حيوان أو حماد، أما الذين يستنكفون عن عبادتي أمثالك وينسون نعمي عليهم فشأنك وإياهم، وموعدكم جميعا النار التي هي بئس القرار. وهذا الخطاب بلفظ ربّك هناك إلى كرامة المخاطبين وإلى مطلق إنسان، لأن القلب لا يميل إلى كونه خطابا لإبليس وإن كان الخطاب السابق له. هذا وليعلم السائل عن حكمة إنظار إبليس وتمكينه من الوسوسة من قبل الله تعالى وعدم منعه منها وعدم إنظاره مع قدرته على ذلك، هو أن الله تعالى فعل هذا تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقّوا مزيد الثواب، على أن وجود إبليس ليس

стр. 1010

مانعا مما يريده الله جل مجده، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، والله خلق الخلق طبق علمه، وعلم بهم طبق ما هو عليه في أنفسهم، وانه كان عليه اللعنة جازما بأن الذي تكلم معه بذلك الكلام وهدّده بذلك التهديد هو إله العالم جل وعلا، إلا أنه غلبت عليه شقوته التي استعدت لها ذاته الخبيثة، فلم يبصر وعيد الله مانعا له، ولذا حين يأت يوم هلاكه، ولم يبق له شيء من أجله، يقال له اسجد اليوم لآدم لتنجو، لا يسجد أيضا، ويقول لم أسجد له حيا فكيف أسجد له ميتا! كما ورد الأثر بذلك، فيظهر عناده وعتوه وجرأته على مولاه، فيهلك كافرا كما كان كافرا، وليس حاله بأعجب من حال الكفار، إذ يتمنون العود إلى الدنيا ليؤمنوا بالله، وقد أخبر الله عنهم بقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) الآية ١٩ من سورة الأنعام في ج ٢، فلا محل للقول بأن إبليس عليه اللعنة لم يكن عالما بأن الذي تكلم معه وهدده هو إله العالم، لأن السياق يأبي ذلك والخطاب شاهد عليه. مطلب أمل إبليس في الجنة والاعتراف بوجود الإله: وما قيل إن له أملا بالنّجاة قيل مسنده ما حكي أن مولانا عبد الله التستري سأل الله تعالى أن يريه إبليس فرآه فسأله هل تطمع في رحمة الله تعالى؟ فقال: كيف لا أطمع فيها والله سبحانه يقول (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) الآية ١٥٦ من الأعراف المارة، وأنا شيء من الأشياء، فقال التستري، ويلك إن الله تعالى قيدها بقوله (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) إلخ تلك الآية، ثم وصفهم بقوله (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) إلخ الآية ١٥٧ منها أيضا، فقال له إبليس ويحك ما أجهلك القيد لك لا له، فأسكت التستري لأمر لا نعلمه، ولم يقل له إنها عامة تقبل التخصيص كتسليطك على آدم وهو قادر على منعك منه، وكان ذلك قبل تشريفه بالنبوة إذ ما عموم إلا وخصص والمخصص بالاستثناء منها أنت يا ملعون، إذ نص الله تعالى على جزائك بآيات متعددة بلفظ اللعن الخاص بك والطرد من رحمته، والمبعد عنها لا تشمله هذه الرحمة. ومن هنا يضرب المثل لكل مؤمل أملا لا يدركه بالقول السائر (أمل إبليس بالجنة) ولهذا ولكونه مدونا في أزل الله بأنه يقع منه

стр. 1011

ذلك وأن الله يلقنه طلب الإمهال ويمهله، وما كان في علم الله الأزلي لا يبدل ولا يغير، فقد أجاب طلبه وأمهله وأبقاه فتنة لبعض خلقه حتى يستكمل ما قدره الله له من غضب وعذاب، فيهلك كسائر الخلق. قال تعالى «رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي» يسير ويسوق ويجزي «لَكُمُ الْفُلْكَ» السفينة والقارب يطلق على الواحد والجمع، إذ لا واحد له من لفظه مثل عالم ونساء ونسوة ورهط «فِي الْبَحْرِ» فيجعلها سائرة على ظهره بالريح الليّنة، والآن به وبالآلات المح؟؟؟ ثة، لأنها داخلة في قوله تعالى (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) الآية ٨ من النحل في ج ٢ وذلك «لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ» الريح في تجاراتكم والزيارة للبلاد التي يشق عليكم الوصول إليها بالبر تتميما لمنافعكم، وهذا تذكير ببعض نعم الله على عباده التي هي من دلائل توحيده، وتفسير الفضل بالحجج والنقد، وعلى رأي بعض المفسرين لا يناسب المقام لأن الفضل عام لكل ما فيه نفع، فدخولهما في عمومه أولى من التقييد بها لأنه جاء مطلقا، فإبقاؤه على إطلاقه أولى «إِنَّهُ» جل شأنه في الأزل «كانَ» ولا يزال «بِكُمْ» أيها الناس «رَحِيماً» ٦٦ إلى انقضاء آجالكم في الدنيا وفي الآخرة إلى إدخالكم الجنة، وإذ ذاك تبقون خالدين فيها تحت ظلّه، وحمدوا هذا الإله الذي هيأ لكم ما تحتاجونه، وسهل لكم ما يعسر عليكم، (وربكم) في هذه الآية صفة، لقوله تعالى قبلا (الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الآية ٥١ المارة أو بدل منه وهو جائز وإن تباعد ما بينها، قال تعالى «وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ» فأصابتكم شدة بعصف الرياح وتقاذف الأمواج وخفتم الغرق «ضَلَّ» ذهب عن خواطركم وغاب عن أوهامكم كل «مَنْ تَدْعُونَ» وتستعيثون به وترجون نفعه عنكم، ولم يبق في بالكم «إِلَّا إِيَّاهُ» جل وعلا فإنكم إذ ذاك تذكرونه وحده وتطلبون منه نجاتكم ممّا حل بكم لا من غيره، والحال أنكم في حال مرحكم وفي حالة السراء تدعون آلهتكم وحدها «فَلَمَّا نَجَّاكُمْ» ذلك الإله العظيم وأجاب دعاءكم وخرجتم «إِلَى الْبَرِّ» وأمنتم من الغرق «أَعْرَضْتُمْ» عن دعائه وحده وملتم عن الإخلاص بعد الخلاص ونسيتم حالة الشدة التي استعنتم به منها ورجعتم إلى شرككم، ويقال إن معنى أعرضتم توغلتم في التوسع في كفران النعمة على أنه من العرض بمقابل الطول وجعل كناية عن ذلك كما في قول ذي الرّمة:

стр. 1012

عطاء فتى تمكن في المعالي ... فأعرض في المكارم واستطالا فكأنه أراد أعرضتم واستطلتم في الكفران، إلا أنه استغنى بذكر العرض عن الطول للزومه له، والتفسير الأول أولى بالمقام وأنسب للكلام «وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً» ٦٧ لنعم الله تعالى مبالعا في جحودها، وهذا التعليل للإعراض وبيان لحكم الجنس، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين وفيه لطافة إذ أعرض الله عنهم، ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة اثبت لي وجود الله تعالى ولا تذكر الجوهر ولا العرض، فقال له هل ركبت في البحر؟ قال نعم، قال هل عصفت الريح وأنت فيه؟ قال نعم، قال فهل أشرفت بك السفينة على الغرق؟ قال نعم، قال فهل يئست من نفع من في السفينة من المخلوقين ونحوهم لك وإنجاءهم إياك مما أنت فيه؟ قال نعم، قال فهل بقي قلبك معلق بشيء آخر غيرهم ترجو منه الخلاص؟ قال نعم، قال ذلك هو الله ، فاستحسن ذلك منه وقنع، لأن الإنسان مهما عظم وقوعه في المهالك ولم يجد من ينفعه يبقى في قلبه أمل النجاة، وإذ لم يكن لهذا الأمل من يعلم تنفيذه، فيكون المراد به هو الله لا غير، قال تعالى «أَفَأَمِنْتُمْ» أيها المعرضون عمن نجاكم من الغرق في البحر «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ» الذي هو مأمنكم وأنتم عليه كما خسف بقارون وذهب به في أعماق الأرض، فتغور بكم وتبتلعكم، لأن البر والبحر مسخران لله تعالى، فلا فرق عليه إن أغرقكم في البحر ويرسيكم في قعره أو خسف بكم الأرض، فيغيبكم في ثراها. فعلى العاقل أن يجعل مخافة الله دائما نصب عينيه وفي سويداء قلبه في أي مكان كان «أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً» حجارة صغيرة يرجمكم بها من السماء فيهلككم كما رجم قوم لوط وأبرهة وقومه في دياركم هذه، وقد شاهد آباؤكم حادثته وكثير منكم أيضا حضرها، راجع الآية ٨٢ من سورة القصص والآية ٨٤ من الأعراف وآخر سورة الفيل المارّات. قال الفراء (الحاصب) هو الريح التي ترمي بالحصباء. وقال الزجاج هو التراب الذي فيه الحصباء. وقيل ما تناثر من رقاق الثلج والبرد ومنه قول الفرزدق: مستقبلين شمال الشام تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور

стр. 1013

وبمعنى السحاب الذي يرمي بها، وكلها أقوال متقاربة والأول أنسب وأولى باللفظ «ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا» ٦٨ يصرف عنكم ذلك ويحفظكم منه إذ لا راد لأمره وهو الغالب القادر على كل شيء، قال تعالى «أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ» أي البحر «تارَةً أُخْرى» ظرف منصوب يجمع على تارات وتير قال: يقوم تارات ويمشي أخرى وقد تحذف منه الهاء كقوله: ... بالويل تار والثبور تارا أي مرة أخرى ومرة بعد مرة وأسند الإعادة إليه تعالى مع أنها باختيارهم. ومما ينسب إليهم عادة كسائر أفعالهم باعتبار خلق الدواعي فيهم الملجئة إلى ذلك منه وإن كان مخلوقا له «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ» وأنتم في البحر «قاصِفاً» قاطعا ريحا شديدة تقلع بعزم قصفها وقوة قطعها ما تمر به من شجر ونحوه ولها صوت عال مزعج «مِنَ الرِّيحِ» المغرقة في البحر المهلكة في البر «فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ» نعمة الانجاء وإجابة الدعاء في المرة الأولى، لأن ديدنكم نسيان النعم وكفران المنعم، فلا تنظرون إلّا لما هو أمامكم «ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ» بذلك الإغراق والإهلاك «تَبِيعاً» ٦٩ يطالبنا بكم ولا متّبعا دركا لثاركم، وهذا على حد قوله تعالى (وَلا يَخافُ عُقْباها) الآية الأخيرة من سورة والشمس المارة وقرىء بنون العظمة في الأفعال الخمسة أي نخسف ونرسل ونعيدكم فنرسل فنغرقكم قال تعالى «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ» بالعقل واستواء الخلقة ليدبروا معاشهم ومعادهم، وشرفناهم على الحيوانات والحيتان والطيور بذلك وبتناول طعامهم وشرابهم بأيديهم، وميّزناهم بالنطق واعتدال القامة وحسن الصورة، وذللنا لهم الحيوان والجماد وسخرناهما لهم وسلطناهم على ما على وجه الأرض وما جىء فيها من معادن ومياه، وما في المياه من حيوان وأحجار كريمة ومعادن نافعة، وخصصناهم بالتدبر والتفكر والحظ والملاذ الدنيوية الحلال، وزينا الرجال باللحى والنساء بالشعر، وهذه الإضافة تقتضي العموم فتشمل البرّ والفاجر منهم، ولهذا استدل الإمام الشافعي ﵀ على طهارة الآدمي وعدم تنجيسه بالموت، وطهارة المني لأنه منه، ويكون منه «وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ» على الدواب والأنعام وغيرها مما كان وسيكون

стр. 1014

«وَالْبَحْرِ» على السفن والمراكب وغيرها مما كان وسيكون، وفي الهواء كذلك، وتحت الأرض والبحر أيضا من كل ما خلق الله وأطلع عليه البشر وما سيطلع عليه بعد ويسخرهم لعمله لأن عمل العبد من خلق الله، قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩١ من الصافات في ج ٢، وليعلم أن ما يراه الناس من الأشياء العجيبة التي أحدثها البشر مما لا يتصوره العقل كله من خلق الله ولو شاء لما أطلعهم عليه وعلمهم صنعه «وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» الحاصلة بصنعهم وبغير صنعهم من المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمفروش وغيرها من كل ما علم البشر صنعه بتعليم الله إياه. مطلب تفضيل الإنسان على ما خلق الله على الإطلاق: قال تعالى «وَفَضَّلْناهُمْ» بهذا التكريم بظروف النعم وصنوف المستلذات وفنون المعمولات «عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا» أي كل خلقنا، لأن كثيرا هنا بمعنى كل على حد قوله تعالى (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) الآية ٢٣٣ من الشعراء المارة، قال الحسن أي كلهم كاذبون، «تَفْضِيلًا» ٧٠ عظيما كبيرا إذ عرفناه بواسطة العقل والفهم واكتساب العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، فهذا هو معنى التفضيل، والاختصاص المتقدم هو معنى التكريم فلا يقال إن التفضيل والتكريم بمعنى واحد فهو تكرار، تنبه. وليعلم أن خواص البشر الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، ولذلك أجمع المفسرون على أن كثيرا هنا بمعنى الكل كما ذكرناه في تفسير الآية ٢٣٣ المذكورة آنفا من سورة الشعراء المارة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر على القول الراجح، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) الآية ٧ من سورة البينة في ج ٣، وجاء عن أبي هريرة قال: المؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة الذين عنده وقال: قال ﷺ أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى، والذي نفسي بيده لمنزلة المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك واقرأوا إن شئتم (إِنَّ الَّذِينَ) إلخ الآية السابقة. ويراد بالمؤمن هنا الكامل الموصوف في هذه الآية وهم الأنبياء، وليعلم أيضا أن الملائكة مجبولون على الطاعة وقد وضع الله فيهم العقل ولم يركب فيهم الشهوة، والبهائم على العكس فهي مجبولة على الشهوة ولم يضع

стр. 1015

فيها العقل، وقد ركب الله في بني آدم الشهوة ووضع فيهم العقل، فمن غلب عقله على شهوته فقد التحق بالملائكة وصار أكرم منهم، ومن غلبت شهوته على عقله التحق بالبهائم وصار أخس منهم وأشر، وقد خلق الله تعالى كل ما في الكون السفلي والعلوي لبني آدم، وخلق بني آدم لنفسه المقدسة ليعبدوه، قال تعالى (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من سورة الذاريات في ج ٢ وجاء عن جابر يرفعه قال لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال تعالى لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان. هذا وقالت المعتزلة: إن البشر أفضل من جميع الخلق إلا الملائكة وقال الكلبي البشر أفضل من جميع الخلق عدا طائفة من الملائكة مثل جبريل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل وحملة العرش وخازن الجنة والنار وشبههم، استدلالا بقوله تعالى (كَثِيرٍ) ولو كان التفضيل على الكل لما جاء لفظ (كثير) والأول الذي جرينا عليه هو ما عليه الجمهور، راجع الآية الأولى من هذه السورة، وقد ذكرنا أن كثيرا أتت في القرآن بمعنى الكل قولا واحدا فيها قال في الكشاف إن المراد بالأكثر في قوله تعالى (وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا) الآية ٣٧ من سورة يونس في ج ٢ (الجميع) والقرآن يفسّر بعضه بعضا والآيتان المتقدمتان والحديثان كل منها يؤيد هذا، وعليه ابو حنيفة وكثير من الشافعية والأشعرية ﵃، ولهذا مثبتا على أن الأكثر بمعنى الكلّ، وإن البشر أفضل من جميع الخلق، والمراد الجنس الصادق بالواحد والمتعدد قال تعالى «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) بنبيهم ومقدمهم فيقال يا أتباع فلان، ويا قوم فلان، وقيل بكتابهم لأن الإمام بمعنى الكتاب، فيقال يا أهل كتاب الخير، ويا أهل كتاب الشر، أو يا آل القرآن، يا آل التوراة يا آل الإنجيل، ويا أهل دين الإسلام، يا أهل دين اليهود، يا أهل دين النصارى، والأوّل أولى وأوفق، فيأتون أفواجا أفواجا ومعنى الإمام المتبع والمقتدى به عاقلا كان أو غيره في اللغة، وأما شرعا وعرفا فالإمام هو الخليفة ومن يصلي بالناس بأمره جمعة وجماعة، أخرج ابن مردويه عن

стр. 1016

علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله ﷺ في الآية يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربّهم وسنة نبيهم. وأخرج بن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه قال إمام هدى وإمام ضلالة، وأخرج ابن جرير عن طريق الصوفي عن ابن عباس أيضا قال بإمامهم بكتاب أعمالهم وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس أنه قال هو نبيهم الذي بعث إليهم. وما قيل إن إمام جمع أم كخفاف جمع خفّ لأن الناس يدعون بأمهاتهم رعاية لحق عيسى ﵇، وشرفا للحسنين ﵄، وشرا لأولاد الزنى لا وجه له ولا مزيّه، لان جمع أمّ أمهات ولم يسمع كونه جمع إمام والغلط المشهور خير من الصحيح المهجور، على أنه ليس بغلط بل بصحيح مشهور، ولأن عيسى ﵇ من كرامته على ربه خلقه من غير أب، فهو آية في نفسه من آيات الله العظام، ووالد الحسنين خير من أمهما مهما كانت مفضلة على غيرها لان آل البيت كحلقة مقرغة وفضيحة أولاد الزنى حاصلة لا محالة سواء دعي باسم أمه أولا، لأن الله تعالى يحاسب الزاني والزانية، وفي ذلك تظهر الفضائح وتنشر القبائح، وإن ابن الزنى لا ذنب عليه لأنه لم يقترف شيئا، قال تعالى (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الآية ٣٨ من سورة والنجم المارة، ويوشك أن يثيبه الله تعالى على تحمله ألفاظ القذف من الناس وأقوال التحقير والاستهزاء ما لا يثيب به غيره، وقد يكون غالبا من أهل التحمل، وجبارا أيضا وواطيا بآن واحد، راجع الآية ٣٢ من سورة مريم المارة «فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» في ذلك اليوم المهول «فَأُولئِكَ» إشارة إلى من باعتبار معناها «يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ» فرحين مسرورين متلذذين بما فيه من الخيرات والحسنات والطاعات التي فعلوها بالدنيا، ويقرأون ما فيه ولو لم يكونوا قارئين قبلا، وكذلك الأعمى يقرأ كتابه بقوة يعطيه الله إياها، ويعيد له بصره حتى لا يبقى لأحد حجة يحتج بها، نفيا لدعوى الظلم «وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا» ٧١ أيها الناس كلكم، فلا ينقص من أجور أعمالكم المرتسمة في كتبكم بمقدار الخيط الرفيع الذي هو في باطن نواة التمر، كما لا يزاد على عقاب أحد بمثل ذلك، وإنما ضرب الله تعالى هذا المثل بالفتيل لما هو متعارف عند العرب إذ يضربون به المثل

стр. 1017

لكل حقير، ولأنه لا أقل منه بنظر المخاطبين، ومثله النقير الذي في ظهرها والقطمير الغشاء الذي عليها بل يؤتونها مضاعفة إن كانت من أعمال الخير، ومثلها إن كانت من الشر، راجع الآية ١٦٠ من سورة الأنعام في ج ٣، أما الذين يؤتون كتبهم بشمالهم فتستولي عليهم الدهشة والذّلة من سوء ما يرونه فيها من كبائر المعاصي وغظائم المناهي، فيرتبكون حتى انهم تأخذهم الرجفة فلا يستطيعون قراءتها كما ينبغي لشدة ما يعتريهم من الخوف، لقبح ما هو مدون فيها. أخرج الفضيلي عن أنس عن النبي ﷺ قال: الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى ريحا فتطيرها إلى الأيمان والشمائل، وأول خط فيها (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) الآية ١٤ المارة. وأخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة، قال أما عند ثلاث فلا، إلى أن قال وعند تطاير الكتب، والثاني والله أعلم عند النفخة الثانية، والثالث عند الفزع الأكبر في موقف الحساب. وجاء عن عائشة أيضا أنه يؤتى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيئاته، ويقرأ الناس حسناته، ثم يحول الصحيفة فيحول الله تعالى حسناته فيقرأها الناس فيقولون ما كان لهذا العبد من سيئة. قال تعالى «وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ» الدنيا «أَعْمى» قلبه عن الاعتراف بقدرتنا والتصديق لأنبيائنا من المدعوين المذكورين «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ» المعبر عنها بيوم ندعو في الآية المتقدمة فكذلك يكون «أَعْمى» بأشد من عمى الدنيا فلا يهتدي إلى ما ينجيه ولا يظفر بما يجديه نفعا «وَأَضَلُّ سَبِيلًا» من سبل الدنيا لأنه فيها قد يعرف بعض الطرق المؤدية لأهله مثلا، أما في الآخرة فلا يعرف شيئا البتة، لذلك لا يمكنه تدارك ما فاته فيها، أي أنه إذا اعترف إذ ذاك بالتوحيد وبالنبوة والكتب والبعث لا ينفعه، وإذا تاب لا تقبل توبته، وإلا لآمن الكل لأن الله تعالى حدد التوبة حدا وهو كونها في الدنيا وفي غير حالتي اليأس والبأس، وقبل طلوع الشمس من مغربها، والدابة من محلها، راجع الآية ٨٢ من سورة النمل المارة. وهذا الأعمى هو الذي يؤتى كتابه بشماله بدلالة ما سبق ولمقابلته به إذ لا يجوز أن يفسر الأعمى هنا بأعمى العين الباصرة لمخالفته لقوله تعالى (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)

стр. 1018

الآية ٢٢ من سورة ق المارة، لأن الله تعالى يعطي الأعمى قوة النظر يوم القيامة ويعيد الأجزاء الناقصة من الإنسان حتى القلفة، لأن الناس يحشرون كاملي الخلقة لا تزى فيهم أعمى ولا أعور ولا أقطع ولا أعرج ولا ولا، قال تعالى (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الآية ٥٠ من الأعراف المارة، راجع الآية ١٢٥ من سورة طه المارة لاستيفاء هذا البحث، وهذه الآيات المدنيات الأخيرة من هذه السورة، قال تعالى «وَإِنْ كادُوا» قاربوا وأوشكوا «لَيَفْتِنُونَكَ» يخدعونك وإن هذه مخففة من الثقيلة واللام في ليفتنونك تسمى اللام الفارقة بين إن هذه وإن النافية، واسمها ضمير الشان، مقدر دائما، أي أن شأنهم المقاربة لإيقاعك في الفتنة وصرفك «عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد في هذا القرآن «لِتَفْتَرِيَ» تختلق وتتقول «عَلَيْنا غَيْرَهُ» من تلقاء نفسك أو مما اقترحوه عليك. مطلب تهديد الله تعالى رسوله ﷺ : «وَإِذاً» إذا اتبعت أهواءهم وهممت أن تفعل ما أرادوه منك «لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا» ٧٣ لهم مصافيا مواليا ولا تبعوك فيما تأمرهم وتنهاهم مع أنهم أعدائي وصداقتهم تقتضي الانقطاع عن ولايتي، وقيل في المعنى: إذا صافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام وقال الشافعي ﵀: إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك، لأن من الوفاء للصديق عدم مصادقة عدوه. قال ابن عباس قدم وفد ثقيف بعد فتح مكة إلى النبي ﷺ فقالوا نبايعك على ثلاث خصال: لا ننحني في الصلاة، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وإن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها بل لنأخذ هداياها، فقال ﷺ : لا خير في دين لا ركوع ولا سجود فيه، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم، وأما الطاغية (يعني اللات) فإني غير ممتعكم بها، قالوا يا رسول الله، إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل أمرني الله بذلك، فسكت النبي ﷺ غضبا مما قالوا فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم سؤلهم لظنهم أنه راق له ذلك وفي رواية فقام النبي ﷺ فقال عمر ﵁ ما بالكم آذيتم رسول الله إنه

стр. 1019

لا يدع الأصنام في أرض العرب، فما زالوا به حتى أنزل الله هذه الآية وقد ادخرها الله تعالى هي وما بعدها إلى حد (زهوقا) الآتية لهذه الحادثة وهي كالمعترضة بالنسبة لما قبلها وما بعدها شأن الآيات المتأخر نزولها عن سورها، فإنك تراها معترضة لا علاقة لها بما قبلها ولا صلة بما بعدها. هذا، وما قيل إن قريشا قالت لحضرة الرسول اجعل لنا آية رحمة بدل آية عذاب وآية عذاب بدل آية رحمة حتى نؤمن بك، أو أنهم قالوا لا تمس الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا، أو كلفوه أن يذكر آلهتهم ليسلموا ويتبعوه، أو أنهم قالوا له إن الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم فاطردهم حتى نتبعك لأنا نستحي أن نكون وإياهم سواء في المجلس، وأن حضرة الرسول حدث نفسه بما لفظه (ما علي أن أفعل ذلك والله يعلم أني لها كاره) وغيره من الترهات التي نقلها بعض المفسرين، دون ترو من صحتها لا يصح شيء من ذلك أبدا ولا يجوز أن ينسب لحضرة الرسول شيء منه أصلا، لأنه مما لا يقبل التأويل، وإن اختلاف الروايات تدل دلالة كافية على وضعه، وكون الآية مدنية تبرهن على كذبه وعزم النبي ﷺ وحرصه على ما أمره به ربه يحيل وقوعه، لأن تلك الأقوال الواهية على فرض صحتها جدلا فإنها كانت في مكة، ولم يكن يلتفت إليها حضرة الرسول مع ما كان عليه وأصحابه من الضعف لقلة المسلمين فيها، أما وقد حفظه الله من كيدهم وقواه وأيده وأعلى كلمته وأظهر دينه في المدينة وكسر شوكة أعدائه فلا يتصور صحة شيء منها البتة، قال تعالى «وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ» على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا إياك من الميل لأقوالهم هذه «لَقَدْ كِدْتَ» قاربت في نفسك وأوشكت «تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ» بما قالوه وطلبوه لقوة خداعهم وشدة احتيالهم ونملقهم «شَيْئاً قَلِيلًا» ٧٤ يسيرا جدا قد يستدل به إلى ميلك القلبي لهم بسبب سكوتك وقيامك عنهم، دون أن تزجرهم وتظهر غضبك عليهم، وما كان ينبغي لك أن تتصور ذلك أو تردده في خلدك حتى يتخيلوا ميلك لإجابتهم ويطمعون في موافقتك لهم. هذا، واعلم أن ظاهر الآية تدل صراحة على أن حضرة الرسول لم يهم فعلا بإجابتهم، ولم يكد أيضا وهو لا شك معصوم عن العزم بما هو من ذلك القبيل وحديث النفس معفو عنه شرعا،

стр. 1020

وإن كان محاسبا عليه والحساب غير العقاب والعتاب. قال تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) الآية ٢٨٤ من البقرة في ج ٣، وقدمنا نبذة فيما يتعلق في هذا البحث في الآية ٨٦ من سورة القصص المارة وله صلة واسعة في آية البقرة المذكورة آنفا فراجعها. وقد استدل بهذه الآية على أن العصمة بتوفيق الله وعنايته، وركن بفتح الكاف مضارعها يركن بكسرها وتأتي بضم الكاف ومضارعها بفتحه كما في الآية، قال تعالى «إِذاً» لو قاربت الركون إليهم بأدنى شيء «لَأَذَقْناكَ» بسبب تلك الركنة القليلة «ضِعْفَ الْحَياةِ» في الدنيا عذابا مضاعفا «وَ» أذقناك «ضِعْفَ الْمَماتِ» في الآخرة عذابا مضاعفا أيضا، والمراد ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب الموتى، والحذف في فصيح اللغة جائز ومرغوب، وهذا يشمل عذاب القبر والبعث وما بعده أيضا، وحاصل المعنى يقول الله تعالى لحبيبه محمد ﷺ وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لو أجبتهم إلى بعض طلبهم لضاعفت عليك عذاب الدنيا والآخرة، وذلك أن الأبرار لو فعلوا ما يستوجب عذابا ما يكون ضعف عذاب الأشرار وأكثر، لأنه لا يتوقع منهم الانحراف عن منهج الرشد أصلا بدليل قوله تعالى «ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً» ٧٥ يدفع عنك عذابنا أو يرفعه، ففيها من التهديد والوعيد ما يتقيض له من يتقيض ولا يخفى أن الأنبياء لا نصير لهم إلا الذي قربهم وشرفهم بنبوته بادىء أمرهم، وإن ما يقع من نصرتهم من بعض خلقه بتسخيره لهم، فكيف يجدون نصيرا لهم من غيره؟ كلا لا نصير له غير ربه. روي عن قتادة أنه لما نزل قوله تعالى: وإن كادوا إلى هنا، قال ﷺ : أللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فينبغي للمؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجئو على ركبتيه ويتدبر معناها ويستشعر خشية الله تعالى ويزداد تصلبا في دينه، ويقول ما قاله نبيه ﷺ تقربا إلى الله، لأن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا سأله بخلاف العبيد فإنه يكون أقرب ما يكون إليهم إذا لم يسألهم، ولهذا قال ﷺ ازهد بما في أيدي الناس تحبك الناس. وقال العارف: لا تسألن ابن آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله ... وابن آدم حين يسأل يغضب
следующие страницы →