← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23596

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Полный текст (307 стр.). Показаны 281–307 · переход к 286.

стр. 281

قال: وبعضهم يقول: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. فيرفع، لأنها عنده بمنزلة: (ليس) وهي قليلة، والنصب بها لوجه. وقد خفض بها، قال أبو زبيد الطّائي «١» : طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر «٢» : فلمّا علمت أنّني قد قتلته ... ندمت عليه لات ساعة مندم وإنما تكون (لات) مع الأحيان وتعمل فيها. فإذا جاوزتها فليس لها عمل. وقال بعض البغداديين: (التاء) تزاد في أول (حين) ، وفي أوّل (أوان) ، وفي أول (الآن) ، وإنّما هي (لا) ثم تبتدئ فتقول: تحين وتلان. والدليل على هذا أنهم يقولون: تحين من غير أن يتقدمها (لا) . واحتج بقول الشاعر «٣» : العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطمعون زمان ما من مطعم

стр. 282

وبقول الآخر «١» : وصلينا كما زعمت تلانا وجرّ العرب بها يفسد عليه هذا المذهب، لأنهم إذا جرّوا ما بعدها جعلوها كالمضاف للزّيادة، وإنما هي (لا) زيدت عليها (الهاء) كما قالوا: ثمّ وثمّة. وقال ابن الأعرابي «٢» في قوله الشاعر: العاطفون تحين ما من عاطف إنما هو (العاطفونه) بالهاء، ثم تبتدئ فتقول: حين ما من عاطف فإذا وصلته صارت الهاء تاء. وكذلك قوله: «وصلينا كما زعمته» ثم تبتدئ فتقول: لاتا، فإذا وصلته صارت الهاء تاء، وذهبت همزة الآن. قال: وسمعت الكلابيّ «٣» ينهى رجلا عن عمل، فقال: حسبك تلان أراد: حسبكه الآن، فلما وصل صارت الهاء تاء. وسنبيّن: كيف الوقوف عليها وعلى أمثالها من التاءات الزوائد، في كتاب «القراءات» إن شاء الله تعالى. مهما مهما: هي بمنزلة «ما» في الجزاء. قال الله تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٣٢] ، أي ما تأتنا به من آية.

стр. 283

وقال الخليل في مهمما: هي (ما) أدخلت معها (ما) لغوا كما أدخلت مع (متى) لغوا، تقول: متى تأتني آتك، ومتى ما تأتني آتك. وكما أدخلت مع (ما) أيّ لغوا، كقوله: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: ١١٠] أي أيّا تدعوا. قال: ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: (ما، ما) فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى. هذا قول الخليل. وقال سيبويه: وقد يجوز أن تكون (مه) ضم إليها (ما) . ما ومن ما ومن، أصلهما واحد، فجعلت من للناس، وما لغير الناس. نقول: من مرّ بك من القوم؟ وما مرّ بك من الإبل؟. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) [الليل: ٣] : أي ومن خلق الذّكر والأنثى. وكذلك قوله تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس: ٦، ٨] هي عنده في هذه المواضع بمعنى «من» . وقال أبو عمرو: هي بمعنى (الذي) . قال: وأهل مكة يقولون إذا سمعوا صوت الرعد: سبحان ما سبّحت له. وقال الفرّاء: هو: وخلقه الذّكر والأنثى، وذكر أنها في قراءة عبد الله والذكر والأنثى. كاد كاد: بمعنى همّ ولم يفعل. ولا يقال: يكاد أن يفعل، إنما يقال: كاد يفعل، قال الله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] . وقد جاءت في الشعر، قال الشاعر «١» :

стр. 284

قد كاد من طول ال بل ى أن يمصحا وأنشد الأصمعي «١» : كادت النّفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ريطة وبرود ولم يأت منها إلّا فعل يفعل، وتثنيتهما وجمعهما. ولم يبن منها شيء غير ذلك. قال بعضهم: قد جاءت (كاد) بمعنى (فعل) وأنشد قوله الأعشى «٢» : وكاد يسمو إلى الجرفين فارتفعا أي: سما فارتفع. قال: ومثله قول ذي الرّمة «٣» : ولو أنّ لقمان الحكيم تعرّضت ... لعينيه ميّ سافرا كاد يبرق أي لو تعرضت له لبرق، أي: دهش وتحير. بل بل: تأتي لتدارك كلام غلطت فيه، تقول: رأيت زيدا بل عمرا. ويكون لترك شيء من الكلام وأخذ في غيره. وهي في القرآن بهذا المعنى كثير: قال الله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١] ثم قال: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) [ص: ٢] فترك الكلام الأول وأخذ ببل في كلام ثان. ثم قال حكاية عن المشركين: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ثم قال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي فترك الكلام وأخذ ببل في كلام آخر فقال: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ [ص: ٨] في أشباه لهذا كثيرة في القرآن.

стр. 285

قال الشاعر «١» : بل هل أريك حمول الحيّ غادية ... كالنّخل زيّنها ينع وإفضاح وقال آخر «٢» : بل من يرى البرق يشري بتّ أرقبه وإذا وليت اسما- وهي بهذا المعنى-: خفض بها، وشبّهت بربّ وبالواو. وتأتي مبتدأة، قال أبو النّجم «٣» : بل منهل ناء من الغياض وكذلك (الواو) إذا أتت مبتدأة غير ناسقة للكلام على كلام- كانت بمعنى ربّ. وهي كذلك في الشعر، كقوله «٤» : ومهمه مغبرّة أرجاؤه وقال آخر «٥» :

стр. 286

ودوّيّة قفر تمشّى نعامها وقال آخر «١» : وهاجرة نصبت لها جبيني يدلّون بهذه الواو الخافضة: على ترك الكلام الأول، وائتناف كلام آخر. هل هل: تكون للاستفهام، ويدخلها من معنى التقوير والتّوبيخ ما يدخل الألف التي يستفهم بها، كقوله تعالى: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ [الروم: ٢٨] ، وهذا استفهام فيه تقرير وتوبيخ. وكذلك قوله تعالى: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يونس: ٣٤] . والمفسّرون يجعلونها في بعض المواضع بمعنى: «قد» ، كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان: ١] ، أي قد أتى وقوله: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) [الغاشية: ١] و: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) [طه: ٩] ،: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] ، و: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ؟ [الذاريات: ٢٤] . هذا كله عندهم بمعنى: (قد) . ويجعلونها أيضا بمعنى: (ما) في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] و: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [البقرة: ٢١٠] ، و: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [الزخرف: ٦٦] ، و: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ [الأعراف: ٥٣] ، و: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ؟ [النحل: ٣٥] . هذا كله عندهم بمعنى: (ما) .

стр. 287

وهو والأوّل عند أهل اللغة تقرير. لولا ولوما لولا تكون في بعض الأحوال بمعنى: هلّا وذلك إذا رأيتها بغير جواب، تقول: لولا فعلت كذا تريد هلّا، فعلت كذا، قال الله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ [هود: ١١٦] ، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا [الأنعام: ٤٣] ، فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) [الواقعة: ٨٦] ، أي فهلا. وقال فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ [يونس: ٩٨] . وقال الشاعر «١» : تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا أي: فهّلا تعدّون الكميّ. وكذلك (لو ما) ، قال: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ، [الحجر: ٧] أي هلّا تأتينا. فإذا رأيت للولا جوابا فليست بهذا المعنى، كقوله: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) [الصافات: ١٤٣، ١٤٤] ، فهذه (لولا) التي تكون لأمر لا يقع لوقوع غيره. وبعض المفسرين يجعل لولا في قوله: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بمعنى (لم) أي: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلّا قوم يونس. وكذلك قوله: (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ) [يونس: ٩٨] أي فلم يكن.

стр. 288

لما لمّا: تكون بمعنى (لم) في قوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ [ص: ٨] أي: بل لم يذوقوا عذاب. وتكون بمعنى (إلّا) ، قال تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: ٣٥] أي: إلّا متاع الحياة الدنيا، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) [الطارق: ٤] أي: إلّا عليها، وهي لغة هذيل مع «إن» الخفيفة التي تكون بمعنى «ما» . ومن قرأ وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ بالتخفيف إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ جعل (ما) صلة، وأراد: وإن كلّ ذلك لمتاع الحياة، وإن كلّ نفس لما عليها حافظ. فإذا رأيت للمّا جوابا فهي لأمر يقع بوقوع غيره، بمعنى «حين» ، كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] أي: حين آسفونا، ولَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١] أي: حين جاء أمر ربك. أو أو: تأتي للشك، تقول. رأيت عبد الله أو محمدا. وتكون للتخيير بين شيئين، كقوله: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩] وقوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦] أنت في جميع هذا مخيّر أيّة فعلت أجزأ عنك. وربما كانت بمعنى واو النّسق. كقوله: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) [المرسلات: ٥، ٦] يريد: عذرا ونذرا. وقوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤] وقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [طه: ١١٣] ، أي لعلهم يتقون ويحدث لهم القرآن ذكرا. هذا كلّه عند المفسرين بمعنى واو النّسق. وأما قوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات: ١٤٧] ، فإن بعضهم يذهب إلى أنها بمعنى بل يزيدون، على مذهب التّدارك لكلام غلطت فيه وكذلك قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: ٧٧] وقوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) [النجم: ٩] . وليس هذا كما تأوّلوا، وإنما هي بمعنى (الواو) في جميع هذه المواضع: وأرسلناه

стр. 289

إلى مائة ألف ويزيدون، وما أم ر الساعة إلا كلمح البصر وهو أقرب، و: فكان قاب قوسين وأدنى. وقال ابن أحمر «١» : قرى عنكما شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما قد غيّبتني غيابيا وهذا البيت بوضح لك معنى الواو: وأراد: قرى شهرين ونصفا، ولا يجوز أن يكون أراد قرى شهرين بل نصف شهر ثالث. وقال آخر «٢» : أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا أراد: وعدلت هذين بهذين. أم أم: تكون بمعنى أو، كقوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الملك: ١٦، ١٧] ، وكقوله: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى [الإسراء: ٦٨، ٦٩] . هكذا قال المفسرون، وهي كذلك عند أهل اللغة في المعنى، وإن كانوا قد يفرقون بينهما في الأماكن. وتكون أم بمعنى ألف الاستفهام، كقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٥٤] ، أراد: أيحسدون الناس؟.

стр. 290

وقوله: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) [ص: ٦٢، ٦٣] ، أي زاغت عنهم الأبصار وألف اتخذناهم موصولة. وكقوله: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) [الطور: ٣٩] ، أراد: أله البنات أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) [الطور: ٤٠] . أراد: أتسألهم أجرا أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) [الطور: ٤١] ، أراد: أعندهم الغيب. وهذا في القرآن كثير، يدلّك عليك قوله: الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [السجدة: ١، ٣] ، ولم يتقدم في الكلام: أيقولون كذا وكذا فترد عليه: أم تقولون؟ وإنما أراد أيقولون: افتراه، ثم قال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. لا لا: تكون بمعنى لم، قال الله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) [القيامة: ٣١] ، أي لم يصدّق ولم يصلّ، وقال الشاعر «١» : وأيّ خميس لا أفأنا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما؟! أي لم نفىء نهابه. وقال آخر «٢» : إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا أي لم يلمّ بالذّنوب. أولى أولى: تهدّد ووعيد، قال الله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)

стр. 291

[القيامة: ٣٤، ٣٥] ، وقال: فَأَوْلى لَهُمْ [محمد: ٢٠] . ثم ابتدأ فقال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١] . وقال الشاعر لمنهزم «١» : ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه لا جرم لا جرم: قال الفراء: هي بمنزلة لا بدّ ولا محالة، ثم كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة حقّا. وأصلها من جرمت: أي كسبت. وقال في قول الشاعر «٢» : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي كسبتهم الغضب أبدا. قال: وليس قول من قال: حقّ لفزارة الغضب، بشيء. ويقال: فلان جارم أهله، أي كاسبهم، وجريمتهم. ولا أحسب الذّنب سمّي جرما إلّا من هذا: لأنه كسب واقتراف. إن الخفيفة إن الخفيفة: تكون بمعنى (ما) ، كقوله تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك: ٢٠] ، وإِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: ٢٩] ، وإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) [الطارق: ٤] . وقال المفسرون: وتكون بمعنى لقد، كقوله، إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [الإسراء:

стр. 292

١٠٨] وتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) [الشعراء: ٩٧] وتَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] وفَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) [يونس: ٢٩] . وقالوا أيضا: وتكون بمعنى إذ، كقوله: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢٩) [آل عمران: ١٢٩] ، أي إذ كنتم. وقوله: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٣] . وقوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] . وهي عند أهل اللغة (إن) بعين ها ، لا يجعلونها في هذه المواضع بمعنى (إذ) ويذهبون إلى أنه أراد: من كان مؤمنا لم يهن ولم يدع إلى السّلم، ومن كان مؤمنا لم يخش إلا الله، ومن كان مؤمنا ترك الرّبا. ها ها: بمنزلة خذ وتناول، تقول: ها يا رجل. وتأمر بها، ولا تنهى. ومنها قول الله تعال ى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] ، ويقال للاثنين: هاؤما اقرءا. وفيها لغات، والأصل: هاكم اقرؤوا، فحذفوا الكاف، وأبدلوا الهمزة، وألقوا حركة الكاف عليها. هات هات: بمعنى أعطني، مكسورة التاء، مثل رام وغاز وعاط فلانا: قال الله تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ١١١] ، أي ائتوا به. قال الفراء: ولم أسمع هاتيا في الاثنين، إنما يقال للواحد والجميع، وللمرأة: هاتي، وللنّساء: هاتين. وتقول: ما أهاتيك، بمنزلة ما أعاطيك. وليس من كلام العرب هاتيت. ولا ينهى بها. تعال تعال: تفاعل من علوت، قال الله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ [آل عمران: ٦١] .

стр. 293

ويقال للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. قال الفراء أصلها عال إلينا، وهو من العلوّ. ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إيّاها صارت عندهم بمنزلة هلمّ ، حتى استجازوا أن يقولوا للرجل وهو فوق شرف: تعال، أي اهبط، وإنما أصلها: الصعود. ولا يجوز أن ينهى بها، ولكن إذا قال: تعال، قلت: قد تعاليت وإلى شيء أتعالى؟ هلم هلم: بمعنى تعالى، وأهل الحجاز لا يثنّونها ولا يجمعونها. وأهل نجد يجعلونها من هلممت، فيثنّون ويجمعون ويؤنّثون. وتوصل باللام فيقال: هلمّ لك، وهلمّ لكما. قال الخليل: أصلها (لمّ) زيدت الهاء في أوّلها. وخالفه الفراء فقال: أصلها (هل) ضمّ إليها (أمّ) والرّفعة التي في اللام من همزة (أمّ) لمّا تركت انتقلت إلى ما قبلها. وكذلك (اللهم) نرى أصلها: (يا الله أمّنا بخير) فكثرت في ال كلا م فاختلطت، وتركت الهمزة. كلا كلا: ردع وزجر، قال الله تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا [المعارج: ٣٨، ٣٩] . قال: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) [المدثر: ٥٢، ٥٣] . وقال: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) [القيامة: ١٩، ٢٠] يريد: انته عن أن تعجل به. وقال: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) [الهمزة: ٣، ٤] ، أي لا يخلده ماله. فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) [الانفطار: ٨، ٩] ، أي ليس كما غررت به. وقال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ

стр. 294

وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلَّا [المطففين: ١، ٧] . يريد: انتهوا. رويدا رويدا: بمعنى مهلا، رويدك: بمعنى أمهل، قال الله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) [الطارق: ١٧] أي: أمهلهم قليلا. وإذا لم يتقدمها: أمهلهم، كانت بمعنى مهلا. ولا يتكلّم بها إلّا مصغّرة ومأمورا بها. وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر، قال الشاعر «١» : كأنها مثل من يمشي على رود أي على مهل. ألا ألا: تنبيه: وهي زيادة في الكلام، قال تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [هود: ٨] . وقال: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ [هود: ٥] . وتقول: ألا إنّ القوم خارجون: تريد بها: افهم اعلم أنّ الأمر كذا وكذا. الويل الويل: كلمة جامعة للشر كله. قال الأصمعي: ويل تقبيح، قال الله تعالى: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨] . تقول العرب: له الويل، والأليل والأليل: الأنين. وقد توضع في موضع التّحسّر والتّفجع، كقوله: يا وَيْلَنا [الأنبياء: ١٤] . ويا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ [المائدة: ٣١] . وكذلك: ويح وويس، تصغير.

стр. 295

لعمرك لعمرك، ولعمر الله: هو العمر. ويقال: أطال الله عمرك، وعمرك، وهو قسم بالبقاء. إي إي: بمعنى بلى، قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣] . ولا تأتي إلا قبل اليمين، صلة لها. لدن لدن: بمعنى عند، قال تعالى: قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [الكهف: ٧٦] أي بلغت من عندي. وقال: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [الأنبياء: ١٧] أي من عندنا. وقد تحذف منها النون، كما تحذف من (لم يكن) قال الشاعر «١» : من لد لحييه إلى منحوره أي من عند لحييه. وفيها لغة أخرى أيضا: لدى، قال الله تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [يوسف: ٢٥] أي عند الباب.

стр. 296

باب دخول حروف الصّفات مكان بعض «في» مكان «على» قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] ، أي على جذوع النخل. قال الشاعر «١» : وهم صلبوا العبديّ في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلّا بأجدعا وقال عنترة «٢» : بطل كأنّ ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم أي على سرحه من طوله. «الباء» مكان «عن» قال الله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان: ٥٩] ، أي عنه. قال علقمة بن عبدة «٣» :

стр. 297

فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... بصير بأدواء النّساء طبيب أي عن النساء. وقال ابن أحمر «١» : تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا «عن» مكان «الباء» قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) [النجم: ٣] ، أي بالهوى. والعرب تقول: رميت عن القوس، أي رميت بالقوس. «اللام» مكان «على» قال الله تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات: ٢] أي لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه. قال الشاعر «٢» :

стр. 298

فخرّ صريعا لليدين وللفم قال الآخر «١» : معرّس خمس وقّعت للجناجن «إلى» مكان «مع» قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢] ، أي مع أموالكم. ومثله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] ، أي مع الله. والعرب تقول: الذّود إلى الذّود إبل «٢» ، أي مع الذّود. قال ابن مفرّغ «٣» : شدخت غرّة السّوابق فيهم ... في وجوه إلى اللّمام الجعاد أراد مع اللّمام الجعاد. «اللام» مكان «إلى» قال الله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) [الزلزلة: ٥] ، أي أوحى إليها. قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣] ، أي إلى هذا. يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨] وقوله: وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ١٢١] . «على» مكان «من» قال الله تعالى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) [المطففين: ٢] ، أي مع الناس.

стр. 299

وقال صخر الغيّ «١» : متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث أي من أقطارها. ومنه قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ [المائدة: ١٠٧] ، أي منهم. «من» مكان «الباء» قال الله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١] أي بأمر الله. وقال تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافرة: ١٥] ، أي بأمره. وقال: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ [القدر: ٤، ٥] ، أي بكل أمر. «الباء» مكان «من» تقول العرب: شربت بماء كذا وكذا، أي من ماء كذا. قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) [المطففين: ٢٨] وعَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] . ويكون بمعنى يشربها عباد الله ويشرب منها. قال الهذليّ وذكر السّحائب «٢» : شربن بماء البحر ثم ترفّعت ... متى لجج خضر لهنّ نئيج أي شربن من ماء البحر.

стр. 300

وقال عنترة «١» : شربت بماء الدّحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الدّيلم وقال : فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود: ١٤] ، أي من علم الله. «من» مكان «في» قال الله تعالى: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فاطر: ٤٠] ، أي في الأرض. «من» مكان «على» قال الله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء: ٧٧] ، أي على القوم. «عن» مكان «من» قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: ٢٥] ، أي من عباده. وتقول: أخذت هذا عنك، أي منك. «من» مكان «عن» تقول: لهيت من فلان، أي عنه. و: حدثني فلان من فلان. أي عنه. «على» بمعنى «عند» قال الله تعالى: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ [الشعراء: ١٤] ، أي عندي. «الباء» مكان «اللام» قال الله تعالى: ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٩] أي للحق.

стр. 301

وجدت في آخر كتاب المشكل تفسير بعض ما فيه من الأحاديث والأمثال فألحقته به «١» . ١- قول النبيّ ﷺ : «النّاس كإبل مائة ليس فيها راحلة» «٢» . الإبل المائة: هي الرّاعية، وإنما يجتمع منها في المرعى الواحد مائة، فتقام المائة مقام القطيع. يقال: لفلان إبل مائة. وهي أيضا هنيدة «٣» . وإذا كان الإبل مائة ليست فيها راحلة تشابهت في المناظر، لأن الراحلة تتميز منها بالتمام وحسن المنظر. فأراد: أنهم سواء في الأحكام وفي القصاص، ليس لشريف فضل على غيره. وهذا مثل قوله ﵇: النّاس سواء كأسنان المشط «٤» . والعرب تقول في هذا المعنى: هم سواء كأسنان الحمار. ٢- وقوله: إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا أو يلمّ «٥» . فالحبط: أن تأكل الناقة في المرعي فتكثر حتى تنتفخ بطنها. ولذلك قيل لقوم من العرب: الحبطات، لأن أباهم كان أكل صمغا حتى حبط بطنه فسمى: الحبط. وهو الحارث بن تميم. وقوله: أو يلمّ، يعني يقارب أن يقتل. وإنما نهى رسول الله ﷺ عن الاستكثار من الدنيا ومن غضارتها وحسنها إذا كان في ذلك ما يهلك. فضرب استكثار البهيمة من العشب في الربيع حتى يقلتها حبطا مثلا لذلك. ٣- وقوله للضّحّاك بن سفيان: إذا أتيتهم فاربض في دارهم ظبيا «٦» . يراد: أقم ولا تحدث شيئا كأنك ظبي قد استقر في الكناس.

стр. 302

٤- وقوله: الكاسيات العاريات لا يدخلن الجنّة «١» . يعني النساء اللّواتي يلبسن رقاق الثّياب، فهنّ كاسيات إذا لبسن، عاريات إذا كن لا يسترهنّ. ٥- وقوله في كتاب صلح: وإنّ بيننا وبينهم عيبة مكفوفة «٢» . يريد: صدرا نقيّا من الغلّ والعداوة، منطويا على الوفاء. والعرب تسمي الصّدور: العياب. قال الشاعر «٣» : وكادت عياب الودّ منّا ومنكم ... وإن قيل أبناء العمومة تصفر تصفر: تخلو من المحبة. والمكفوفة: المشرجة: يقال: أشرج صدره على كذا، أي طوى. قال الشّمّاخ «٤» : وكادت غداة البين ينطق طرفها ... بما تحت مكنون من الصّدر مشرج ٦- وقوله ﷺ : «أجد نفس ربّكم من قبل اليمن» «٥» . يريد: أجد الفرج يأتيني من قبل اليمن- فأتاه الله من جهة الأنصار. وكذلك قوله: لا تسبّوا الرّيح فإنها من نفس الرحمن «٦» . يريد: أن الله ينفّس بها، ويفرّج بها. وقد فرّج الله بها عنه ليلة الأحزاب، قال الله جل اسمه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩] . وقال: اللهم نفّس عني الكرب، ونفّس عني الأذى. كما قال: فرّج عني.

стр. 303

ومما يزيد ذلك وضوحا تقول عمر ﵁: الريح من روح الله فلا تسبّوها «١» . ٧- وقول أبي بكر ﵁: نحن حفنة من حفنات الله «٢» . يريد: نحن وإن كنا كثيرا في العدد قليل عند الله، كالحفنة، والحفنة: ما حفنه الرجل بيده فألقاه. يقال: حفن له من المال، إذا أعطاه بكفّه. ٨- وقول عمر ﵁ للعريف الذي أتاه بالمنبوذ: عسى الغوير أبؤسا «٣» . فقال بعضهم: هو تصغير غار. وهو مثل للعرب. ويقال: إن أول من قاله بيهس الذي يلقب بالنّعامة في حمقه، وكان قد وجد قاتلي إخوته في غار فهجم عليهم في ذلك الغار فقتلهم، فهو أحد من طلب بثأر فلحقه. وإنما عسى أن يكون الغوير أضمر لنا وأخفى أبؤسا، وهو جمع بائس. ويقال: الغوير: ماء. ٩- وقول عليّ كرم الله وجه: من يطل هن أبيه ينتطق به «٤» . يريد: من كثر إخوته عزّ بهم فامتنع. وضرب النّطاق مثلا لذلك، لأنه يشدّ الظهر. ومثله قول الشاعر «٥» : فلو شاء ربي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس والحارث بن سدوس من شيبان، وكان له أحد وعشرون ذكرا. ١٠- وقول عمر ﵁: أيّما رجل بايع عن غير مشاورة، فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا «٦» .

стр. 304

يريد: إذا بايع الرجل رجلا عن غير مشاورة الناس، يعني مبايعة الإمرة، فلا يؤمّر واحد منهما، لا المبايع ولا المبايع حتى يكون ذلك عن اجتماع ملإ من الناس، لأنه لا يؤمن أن يقتلا جميعا. وتغرّة هاهنا: مصدر غررت به تغرّة وتغريرا، مثل عللّته تعلّة وتعليلا. وهذا قول أبي عبيدة. ١١- والعرب تقول: حور في محارة «١» . والحور، النّقصان. والمحارة: المنقصة، وهذا كما يقول الناس: هذا نقصان في نقصان، وخسران في خسران. ١٢- وقولهم: جري المذكّيات غلاب «٢» . فالمذكّيات: الخيل المسانّ. والغلاء: أن تتغالى في الجري، أي كأنها تتبارى في ذلك، وليست كالصغيرة التي لا تتغالى. وقد يروى: «غلاب» مكان «غلاء» . ١٣- وقوله: عيل ما هو عائله «٣» ، مثل. ومعنى عيل: أي أثقل. يقال: عالني الشيء أي أثقلني. كأنه قال: أثقل ما هو مثله. كأنه يدعى له ويدعى على الذي أثقله. قال ابن مقبل يصف فرسا «٤» : خدى مثل خدي الفالجيّ ينوشني ... بخبط يديه عيل ما هو عائله ١٤- وقولهم: وإنّه لشرّاب بأنقع «٥» . قاله الحجّاج لأهل العراق: إنكم يا أهل العراق شاربون بأنقع. وأصله في الطير، وذلك أن الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي يردها الناس-: لأن الأشراك تنصب عندها. - وورد النّقاع، والمناقع التي في الفلوات. ١٥- وقولهم: عاط بغير أنواط «٦» .

стр. 305

العاطي: المتناول. ويقال عطوت: إذا تناولت، أعطو. ومنه قول الشاعر في صفة الظبية «١» : وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها والأنواط: المعاليق، واحد نوط. أراد أن هذا يصعب عليه ما يرومه كمن تناول بغير معلاق. ١٦- وقوله: إلّا ده فلا ده «٢» . يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره. وهو مثل قول رؤبة «٣» : وقوّل إلّا ده فلا ده يروي أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال، كأنهم أرادوا: إن لم تكن هذه لم تكن أخرى. ١٧- وقولهم: النّفاض يقطّر الجلب «٤» . النّفاض: الفقر، يقال: أنفض القوم وأنفدوا: إذا ذهب ما عندهم. وقولهم: يقطّر الجلب، يريدون: أنهم يجلبون من البادية إلى المصر، ليبيعوها من فقرهم. ١٨- وقولهم: به داء ظبي «٥» . يريدون: أنه صحيح لاداء به، كما أن الظبي لا داء به. ١٩- وقولهم: أراك بشر ما أحار مشفر «٦» . يريدون: بشرة البعير- ومشفره: سمته- تدلك على جودة أكله، وأحار. ردّ إلى جوفه.

стр. 306

٢٠- وقولهم: أفلت فلان بجريعة الذّقن «١» . يريدون: أنه أفلت نفسه فيه، كما قال الهذليّ «٢» : نجا سالم والنّفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا ٢١- وقولهم: غبار ذيل المرأة الفاجرة يورث السّلّ «٣» . يريدون: من اتبع الفواجر ذهب ماله. ضرب السل في البدن مثلا لذهاب المال. ٢٢- وقولهم: كبارح الأرويّ «٤» . يريدون أنه مشؤوم من وجهتيه، وذلك أن الأروي يتشاءم بها من حيث أتت. وإذا برحت كان أعظم لشؤمها. ٢٣- وقولهم: عبد وخلى في يديه «٥» . وهذا مثل يضرب للئيم البطر. والخلى: وهو «٦» ... عندهم الكلأ خصبوا، والعبد لئيم، فإذا وقع في الخصب بطر وهذا مثل قوله «٧» : قوم إذا نبت الرّبيع لهم ... نبتت عداوتهم مع البقل وقال آخر «٨» : يا ابن هشام أفسد النّاس اللّبن ... فكلّهم يمشي بقوس وقرن ٢٤- وقولهم: رمّدت الضّأن فربّق ربّق، ورمدّت المعزى فرنّق رنّق «٩» .

стр. 307

الترميد: نزول اللّبن في الضّرع. وقولهم في الضأن: أي هي الأرباق لأولادها. والأرباق: عرا تجعل في حبال وتدخل في أعناق الصغار لئلا تتبع الأمهات في المرعى، وهي الرّبق أيضا، واحدها ربقة. ومنه قيل: من فعل كذا وكذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. وإنما أراد أن الضأن ترمّد، أي تنزل اللبن في ضروعها في وقت وضع الحمل. والمعزى ترمّد في أول الحمل. يقول: رنّق رنّق، أي انتظر، يقال: رنّق الطائر في الهواء: إذا دار في طيرانه ولم يجر ورنّقت السفينة: إذا دارت مكانها ولم تسر. ٢٥- وقولهم: أفواهها مجاسّها «١» . يريد: أنها إذا كانت كثيرة الأكل أغنتك بذلك عن أن تجسها فتعرف: كيف هي؟ لأن كثرة الأكل تدل على السّمن. ٢٦- وقولهم: نجارها نارها «٢» . النار هاهنا: السّمة. ويقال لكل شيء وسم بالمكوى: نار. قال الشاعر «٣» : حتى سقوا آبالهم بالنّار ... والنار قد تشفي من الأوار الأوار: العطش. وسقيهم آبالهم النار تريد أنهم قدموها على هو اسمها في الشرب. فقدموا الأعزّ منها فالأعزّ أربابا. والنّجار: الطبيعة والجوهر، فأراد أن سماتها تدلك على جواهرها. تمّ كتاب مشكل القرآن وتفسير المشكل والأمثال التي فيه، بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه، سلخ جمادى الأولى من شهور. سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وصلى الله على محمد وآله الطاهرين