← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن الثاني: قول النبي ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» «١» وقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... » «٢» إلخ. وأما الثالث: وهو مكة فقال المفسرون هو المراد في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١] وكان الإسراء من دور مكة، وقول الله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٩٦] . والإطلاق الرابع: دليله قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] ، والشطر أيضا يطلق بإطلاقين: يطلق ويراد منه النصف وقد قاله الجبّائي والقاضي: أنه المراد هنا، لأن المراد الكعبة، والكعبة وسط المسجد. وقد فرّعوا عليه أن من كان خارج المسجد، وصلّى إلى جانب المسجد ولم يكن في منتصفه، فقد صلّى إلى غير الكعبة، فتكون صلاته باطلة لعدم الاستقبال. كذا نقل الفخر الرازي عنهما. ومستندهما في الذي رأيا أنه لو كان المراد من الشطر الجانب لم يكن لذكر الشطر فائدة، ولقيل فول وجهك المسجد الحرام، وقد قيل في رد هذا: إن الفائدة موجودة، وهي أنه لو قال: فولّ وجهك المسجد الحرام لزم تكليف ما لا يطاق، لأنّ من في أقصى المشرق أو المغرب لا يمكن أن يولّي وجهه المسجد، بخلاف ما إذا ذكر الشطر وأريد منه: الجانب. بعد هذا نرجع إلى بيان الخلاف في القبلة: قلنا إنّ المالكية يرون أن القبلة للمسامت هي الكعبة، ولغير المسامت الجهة، ويشهد لهم ما حكي في كتاب «شرح السنة» «٣» عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب» . وقال غيرهم: القبلة هي الكعبة، والدليل عليه ما ورد في «الصحيحين» «٤» : عن

стр. 37

ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: «لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلّها ولم يصلّ حتى خرج منه، فلما خرج صلّى ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة» . قال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة، ففي خبر البراء بن عازب «ثم صرف إلى الكعبة؟ وكان يحبّ أن يتوجه إلى الكعبة» «١» وفي خبر ابن عمر: «أن النبي ﷺ حوّل إلى الكعبة» «٢» وفي خبر ثمامة: «جاء منادي رسول الله ﷺ فنادى: إنّ القبلة حوّلت إلى الكعبة» «٣» ، لا يتحصّل إلا إذا أصاب عينها، فالمشاهد لا بدّ له من إصابة العين، والغائب لا بد له من قصد الإصابة مع التوجه إلى الجهة. والفريق الثاني: الحنفية «٤» والمالكية على ما هو منصوص عليه في كتبهم، يرون أن القبلة للمكي المشاهد إصابة العين، ولغير المشاهد الجهة فحسب. حجة الشافعي ﵁ القرآن والسنة والقياس: أما القرآن: فظاهر الآية التي نحن بصددها. وذلك أن المراد من شطر المسجد الحرام جانبه. وجانب الشيء هو الذي يكون محاذيا له وواقعا في سمته. وأما الحديث فما ورد من حديث أسامة «أنه ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة» وهي جملة حاضرة للقبلة في الكعبة. وأما القياس: فهو أنّ مبالغة النبي ﷺ في تعظيم الكعبة بلغت مبلغا عظيما، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف، فوجب أن يكون مشروعا، وأيضا: كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، ورعاية الاحتياط في الصلاة أمر واجب. فوجب توقيف صحّة الصلاة على استقبال عين الكعبة. وأما الحنفية والمالكية، فقد احتجوا بأمور: الأول ظاهر هذه الآية، فإنّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد الحرام، فقد ولّى وجهه شطر المسجد الحرام، سواء أصاب عين الكعبة أم لا، وهذا هو المأمور به، فوجب أن يخرج من العهدة.

стр. 38

الثاني ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» «١» . الثالث فعل الصحابة. وهو من وجهين: أحدهما: أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين للكعبة، لأنّ المدينة بينهما، فقيل لهم: ألا إنّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة، فاستداروا في الصلاة من غير طلب دليل على القبلة، ولم ينكر النبي ﵊ عملهم «٢» . وسمي مسجدهم بذي القبلتين، ولا يعقل أن العين تستقبل عين الكعبة إلا بعد الوقوف على أدلة هندسية يطول النظر فيها، ولم يتعلّموها، ولا يمكن أن يدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وظلمة الليل. والوجه الثاني: أنّ الناس من عهد النبي ﵇ بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا مهندسا عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة. الدليل الرابع من أدلة الحنفية القياس: هو أن محاذاة عين الكعبة لو كانت واجبة ولا سبيل إليها إلا بمعرفة الطرق الهندسية لوجب أن يكون تعلم الدلائل الهندسية واجبا، لأنه لا يتم الواجب إلا به، وما لا يتمّ الواجب إلا به واجب، ولكنّ تعلّم الدلائل الهندسية غير واجب، فعلمنا أنّ استقبال عين الكعبة غير واجب، هذا مجمل أدلة الأئمة رضوان الله عليهم، وأنت ترى أنه ربما كان لفظ الآية، وكون (الشطر) بمعنى الجهة شاهدين يرجّحان أدلة الحنفية والمالكية. وكأنّ الشافعية أحسوا صعوبة التوجه إلى عين الكعبة خصوصا من غير المشاهد. فقالوا: فرض المشاهد إصابة العين حسّا، وفرض غير المشاهد إصابته قصدا. وبعد أن نراهم يصرحون بذلك يكاد الخلاف عديم الفائدة، فإنّ الكل يعتقد أن التوجه إلى القبلة أيا كانت فيه شعور بقصد الكعبة. هذا وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة، فمشى الحنفية على مذهبهم من أن القبلة الجهة، من قرار الأرض إلى عنان السماء، فأجازوا الصلاة فوقها مع الكراهية، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، ومنع غيرهم من صحة الصلاة فوقها، لأن المستعلي عليها لا يستقبلها، إنما يستقبل شيئا غيرها، وبقية الفروع تعرف في الفقه، فلا نطيل بذكرها، غير

стр. 39

أن هناك فرعا واحدا نذكره لما له من العلاقة بتفسير الآية: فهم بعضهم من قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن هذا يمتنع معه أن يوجه المصلّي نظره إلى موضع سجوده قائما، وإلى قدميه راكعا، وإلى أرنبة أنفه ساجدا، وإلى حجره جالسا، لأن هذا فيه توجّه إلى غير شطر المسجد الحرام، وأنت ترى أنه فهم عجيب، فإن الحنفية مثلا لم يقولوا هذا إلا بعد تحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام. وإنما قالوا ذلك منعا للمصلّي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها لنظره. قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) الصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، وقد يأتي واحدا ويجمع على صفىّ قال الراجز: كأن متنيه من النّقي ... مواقع الطّير على الصّفي المروة: الحصاة الصغيرة، وتجمع على مرو قال الشاعر «١» : حتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشقّر كلّ يوم تقرع وقد عنى الله تعالى بالصفا والمروة هنا الجبلين المسلمين بهذين الاسمين اللذين هما بمكة. شعائر: جمع شعيرة: من الإشعار وهو الإعلام، أي هما من معالم الله التي جعلها للنّاس معلما ومشعرا يعبدونه عندهما. الحج: القصد، وقيل هو: كثرة التردد، وقيل للحاج حاج: لأنه يأتي البيت قبل الذهاب إلى عرفة، ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد الوقوف بعرفة. ثم ينصرف إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصدر، ففيه كثرة التردد. الاعتمار الزيارة. الجناح: في اللغة عبارة عن الميل كيفما كان، ولكنه خصّ بالميل إلى الإثم. المعنى: إن الصفا والمروة أي هذين الجبلين من معالم الله التي جعلها معلما ومشعرا يعبده عباده عندهما بالدعاء، أو الذكر، أو السعي والطواف. فمن حج البيت الحرام أو اعتمره فلا إثم عليه أن يطوّف بهما.

стр. 40

ومن تطوّع بالحج والعمرة بعد أداء حجته الواجبة. فإنّ الله شاكر له على تطوّعه، مجاز به. عليم بقصده وإرادته. وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية: ١- أخرج ابن جرير «١» عن الشعبي «٢» أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إساف، ووثنا على المروة يسمّى نائلة، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسّرت الأوثان. قال المسلمون: إن الصفا المروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر. ٢- وروى ابن شهاب عن عروة قلت لعائشة ﵂: أرأيت قول الله ﵎: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فو الله ما على أحد جناح أن لا يطّوف بهما. قالت عائشة ﵂: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما تأولتها لكان: فلا جناح عليه إلا يطوف بهما، إنما كان هذا من الأنصار قبل أن يسلموا، يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ لمناة، يتحرج أنّ يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... ثمّ سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بينهما قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لأبي بكر ابن عبد الرحمن، فقال: إنّه العلم، أي ما سمعت به «٣» . الأحكام اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة على أقوال: ١- فقيل: إنه ركن، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو مشهور مذهب مالك، فمن لم يسع كان عليه حج قابل. ٢- وقيل: ليس بركن، بل هو سنة. وبه قال أبو حنيفة، وهو قول في مذهب مالك، قال في «العتبية» «٤» يجزئ تاركه الدم. ٣- وقيل هو تطوع، ولا شيء على تاركه. احتجّ من جعله ركنا بما روي أنه ﷺ كان يسعى ويقول: «اسعوا فإنّ الله كتب

стр. 41

عليكم السعي» رواه الشافعي عن عبيد الله بن المزمل «١» . واحتج من لم يره ركنا: بظاهر الآية، فقد رفعت الإثم عمّن تطوّف بهما، ووصف ذلك بالتطوع. فقال: وَمَنْ تَطَوَّعَ يعني بالتطوع بينهما، وبما روي من حديث الشعبيّ عن عروة بن مضرّس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة، فقلت يا رسول الله جئت من جبل طيء، ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ﵊: «من صلّى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل- ليلا أو نهارا- فقد تمّ حجه، وقضى تفثه» «٢» ، قالوا: فهذا يدل على أن السعي ليس بركن من وجهين: أحدهما: إخباره بتمام حجته، وليس فيها السعي. الثاني: أنه لو كان من أركانه لبيّنه للسائل، لعلمه بجهله الحكم، فإن قيل: مقتضى ذلك ألا يكون الطواف بالبيت فرضا، فإنّه لم يذكره أيضا. قيل: ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، وإنما أثبتناه بدليل آخر. والظاهر أن الآية لا تشهد لأحد المختلفين، لأننا علمنا السبب في أنها عرضت لرفع الجناح على من تطوّف بهما، وهو أنهم كانوا يتحرجون من السعي بينهما، لأنه كان عليهما في الجاهلية صنمان. وقالوا: كان يطاف بهما من أجل الوثنين. فبيّن الله أنه يطاف بهما من أجل الله، وأنهما من شعائره، فلا يتحرجون من السعي بينهما، وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً كما يحتمل ومن تطوع بالتطوّف بهما، يحتمل: ومن تطوع بالزيادة على الفرض من التطوّف بهما، أو من الحج، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا السنّة، وقد روي في ذلك آثار مختلفة، فيرجع إلى الترجيح بين هذه الآثار، بالسند والدلالة. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) نزلت هذه الآية الكريمة في أهل الكتاب حين سئلوا من بعض الصحابة عمّا جاء في كتبهم في أمر النبي ﷺ ، روي عن ابن عباس ﵄ أن معاذا سأل اليهود عمّا في «التوراة» من ذكر النبي ﷺ فكتموه إياه. فأنزل الله هذه الآية.

стр. 42

والكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره، لأنّه ما لم يكن كذلك لا يعدّ كتمانا. ولما كان ما أنزله الله من البينات والهدى ما أنزل إلا لخير الأمم، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم. وهم لن يصل إليهم الخير، ولن يهتدوا إذا كتم عنهم ما أنزل، وهم من أجل ذلك أحوج ما يكونون إلى إظهاره وتعليمه، شدّد الله النكير على الكاتمين، لما ينشأ عن هذا الكتمان من الضرر الجسيم، وتعطيل الكتب السماوية أن تؤتي الثمرة المرجوّة منها. والمراد في قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى كل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب والوحي، ومن الدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة. والآية عامة في كل كاتم ومكتوم يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم ومعادهم. ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه. أما قوله: مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ فقد قيل: المراد بالكتاب «التوراة» و «الإنجيل» ، والمكتوم ما جاء فيهما من صفة محمد ﷺ والأحكام. وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين. والثاني القرآن. واللعن في اللغة: الإبعاد مطلقا. ويطلق على الذم. وفي الشرع: الإبعاد من الثواب. و (اللعنون) قد بينوا في آية أخرى هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) [البقرة: ١٦١] وقد قيل المراد باللاعنين: دوابّ الأرض وهوامها، فإنّها تقول: منعنا القطر من بني آدم، وقيل غير ذلك. وأنت قد رأيت أن اللعن قد جاء مرتبا على الكتمان، فلا مانع من أن يراد باللاعنين كل من يلحقه أثر الكتمان، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) . التوبة: عبارة عن الندم على فعل القبيح، لا لغرض سوى أنه قبيح، والإصلاح: ضد الإفساد، والتبيين: الإظهار. عني القرآن الكريم عناية خاصة بتشديد النكير على من يكتم العلم. فهذه الآية دالّة دلالة صريحة على أن الكتمان جرم عظيم: يستحقّ مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة الله، وذمّ الناس إياه، ومقتهم وغضبهم، وذكر في آية أخرى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة: ١٧٤] وقال في الحث على بيان العلم وإن لم يذكر الوعيد: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا

стр. 43

فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: ١٢٢] وقد ورد في السنة ما لا يقلّ عن هذا روى شعبة عن قتادة في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال: فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علما فليعلّمه، وإياكم وكتمان العلم. فإنّه هلكة، وروى حجاج عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من كتم علمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» «١» . وقد أشرنا آنفا إلى ما في الكتمان من تعطيل وظيفة الرّسالة، وإلحاق الضرر بالناس، ومن أجل ذلك كان الوزر كبيرا. والآية صريحة في أنّ الكتمان إفساد، وأنه لا يكفي من فاعله الندم على ما فعل من الكتمان، بل لا بد من الإصلاح والتبيين، وقد ذكروا أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم، لأنها تدل على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه، ولن يستحق إنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه، وقد جاء هذا الحكم مصرّحا به في آية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة: ١٧٤] . فثبت بذلك بطلان أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين، غير أن المتأخرين لما رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم لأمر التعليم الديني، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، ورأوا أن ذلك يصرف الناس عن أن يعنوا بتعلم القرآن والعلوم الدينية فينعدم حفظة القرآن، وتضيع العلوم، وليس في الناس مع كثرة مشاغل الحياة ما يلجئهم إلى الانقطاع لهذه المهام أباحوا أخذ الأجور، بل حتمه بعضهم، وما هذه الحبوس «٢» والأرصاد التي حبسها الخيّرون إلا لتحقيق صيانة القرآن والعلوم الدينية، وسبيل لتنفيذ ما وعد الله به من حفظ القرآن في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] . قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أصل الإهلال: رفع الصوت والجهر به. ومن ذلك قيل للملبي في حجة أو عمرة مهلّ لرفع صوته بالتلبية، ويقال: استهلّ الصبي، إذا صاح

стр. 44

عند ولادته، وكان العرب إذا أرادوا ذبح ما قربوه لأصنامهم سمّوا باسم أصنامهم، وجهروا بذلك، وجرى ذلك من أمرهم، حتى قيل لكل ذابح مهلّ. سمّى أو لم يسمّ، جهر أو لم يجهر. فمعنى وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذبح لغير الله. اضْطُرَّ افتعل، من الضرورة: أي حلت به الضرورة إلى أكل ما حرم. المعنى: يا أيها الذين صدّقوا بالله: أطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب بذلك التحليل، وكنتم حرمتموه على أنفسكم، ولم أحرمه عليكم: من البحائر، والسوائب، وما إليها، وأثنوا على الله من أجل النعم التي رزقكموها، وأحلّها لكم إن كنتم منقادين له، ومطيعين إياه. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ. لم يحرّم عليكم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، وما ذكر عليه اسم غير الله، فمن حلّت به ضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرّمات، لا باغيا ولا عاديا، أي غير باغ بأكله ما حرّم عليه، ولا عاد في أكله، بألا تكون له مندوحة بوجود ما أحلّه الله، فلا تبعة عليه في الأكل، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لكم ما كان منكم في الجاهلية من تحريم ما لم يحرمه الله. وقد ورد التحريم في هذه الآية مسندا إلى أعيان الميتة والدم إلخ. وقد اختلف في مثله: أيكون مجملا أم لا؟ فذهب الكرخي «١» إلى أنه يكون مجملا، وحجته فيه أنّ الأعيان ليست من فعل العبد، والتحريم لا يتعلّق إلا بما هو من فعله، فلا بدّ أن تقدّر فعلا، وليس بعض الأفعال أولى من بعض بالتقدير، فلذلك يكون مجملا. وذهب غيره من العلماء إلى أنه لا يكون مجملا، لأنّ العرف يعيّن الفعل المراد فيما ورد من ذلك، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنّ الفعل المراد هنا هو الانتفاع، فيفيد حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل. ولذلك تجد كثيرا من العلماء يستدلّ بهذه الآية على حرمة وجوه من الانتفاع بها. والذي ينساق إليه الذهن أن الفعل المراد هنا هو الأكل، فالمعنى إنما حرّم عليكم أكل الميتة. بدليل أن الكلام فيه، ففي سابقه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وفي لاحقه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ويدعم هذا ما ورد عن رسول الله ﷺ في خبر شاة ميمونة «إنما حرم من الميتة أكلها» «٢» فإذا وردت أحاديث تدلّ على حرمة وجوه أخرى من الانتفاع بالميتة كانت الحرمة مأخوذة من تلك الأحاديث لا من هذه الآية.

стр. 45

والآية تفيد الحصر، فظاهرها إثبات التحريم لما ذكر من الحيوان، ونفيه عما عداه ويؤكد ذلك ما جاء في آية الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام: ١٤٥] ، وهذا الظاهر تعارضه أحاديث كثيرة وردت في تحريم السباع، والطير، والحمر الإنسية، والبغال. فقد ورد عن أبي ثعلبة الخشنيّ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع» رواه البخاري ومسلم «١» . وروى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كلّ ذي ناب من السّباع، وكلّ ذي مخلب من الطّير حرام» ذكره أبو داود «٢» . وروي عن جابر أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأذن في لحوم الخيل» «٣» . الأحكام ولما كان هذا التعارض بين ظاهر الآية وهذه الآثار اختلف الفقهاء اختلافا كثيرا فروي عن مالك أنه يكره لحوم السباع. والشافعي، وأبو حنيفة وأحمد يحرّمونها. وروي ذلك عن مالك أيضا، وجوز قوم أكل سباع الطير، وحرّمها آخرون. وذهب الجمهور إلى تحريم الحمر الإنسية، وروي ذلك عن مالك، وروي عنه أيضا أنه يكرهها، وحرّم الجمهور البغال، وكرهها قوم، وهو مروي عنه. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم الخيل، وذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: إلى إباحتها، فالذي يذهب إلى حل شيء مما ذكر يستند إلى الآية، ويذهب إلى عمومها، ويحمل الحديث على نهي الكراهة، أو يبطله لمكان معارضته للآية. والذي يذهب إلى تحريم شيء مما ذكر يستند إلى الحديث الوارد في التحريم، وينسخ به الآية، أو يرى أنه لا معارضة، ويرى أن الحصر في هذه الآية وآية الأنعام إضافي، بالإضافة إلى ما كانوا يعتقدون حرمته من البحائر. والسوائب، وما إليها. وكان مقتضى النظر أن من يذهب إلى أن الحصر في الآية حقيقي- ولم يشأ أن

стр. 46

ينسخها بحديث- أن يعمل ذلك في كل حديث يخالف هذه الآية، ويذهب إلى إباحة كل حيوان لم ترد بتحريمه، ولكنّا رأينا من يتمسك بالآية ويردّ بها حديثا يأخذ بحديث آخر، مع أن الآية تعارضه أيضا. ولعل المالكية أقرب إلى مقتضى النظر، لأنه روي عنهم كراهة كثير مما ذكر تحريمه في هذه الأحاديث، وقد تضمنت الآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله: فأما الميتة: فهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو مقتولا بغير ذكاة. وكان العرب في الجاهلية يستبيحونها. فلما حرّمها الله جادلوا في ذلك فحاجّهم الله كما يرى في سورة الأنعام. وقد وردت أحاديث كثيرة تفيد تخصيص الميتة: روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أحلّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال» . ذكره الدارقطني. وورد في «الصحيحين» «١» عن جابر بن عبد الله، أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش قال: وزودنا جرابا من تمر. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه. فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال أبو عبيدة ميتة. ثم قال: بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وقد اضطررتم، فكلوا. قال فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا. وذكر الحديث. قال: فلما قدمنا المدينة. أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له. فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء. فتطعموننا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه. فأكله. وروى مالك عن النبي ﷺ أنه قال في شأن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «٢» . فذهب الشافعية والحنفية إلى تخصيص الميتة في الآية بالحديث الأوّل، وأحلّوا السمك والجراد الميّتين بغير ذكاة. إلا أن الحنفية حرّموا الطافي من السمك. وأحلوا ما جزر عنه البحر، لورود حديث يخصّص هذا الحديث المتقدم وهو: عن جابر بن

стр. 47

عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» «١» . أما المالكية فقد رأوا أن حديث «أحلت لنا ميتتان» ضعيف، ومهما اختلفوا في جواز تخصيص القرآن بالسنة فقد اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، ورأوا أن الحديث الثاني والثالث صحيحان، فخصّصوا بهما الكتاب، وأحلوا بهما السمك، وبقي الجراد الميت على تحريم الميتة، لأنه لم يصح فيه شيء عندهم. ومن لا يجيز تخصيص القرآن بالسنة يرى أن الذي خصص ميتة السمك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [المائدة: ٩٦] فأما صيده فهو ما أخذ بعلاج، وأما طعامه فهو ما وجد طافيا أو جزر عنه البحر. وقد ذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمّه وخرج ميتا استنادا إلى أنّه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وقد خالفه في ذلك صاحباه والشافعيّ وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه. وذهب مالك إلى أنه إن تمّ خلقه ونبت شعره، أكل، وإلا لم يؤكل. والحجة لهم ما ورد من قوله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» وهو يفيد أن ذكاة أمه تنسحب عليه. وقد قال من ينتصر لأبي حنيفة: إنّ الحديث كما يحتمل ما ذهبتم إليه، يحتمل معنى آخر، هو: أن ذكاته كذكاة أمه، فيكون على حدّ قوله: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكنّ عظم السّاق منك دقيق وإذا احتمل ذلك فلا يخصّص الآية. ويبعد هذا أنّ الحديث ورد في سياق سؤال، فقد ورد عن أبي سعيد، أنه ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال: «إن شئتم فكلوه، إنّ ذكاته ذكاة أمّه» «٢» . وقد اختلف في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ الجلود، فذهب الجمهور إلى تحريمه، واستدلوا بالآية، لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع بأكل أو غيره، وبما روي عن جابر، قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة، أتاه أصحاب الصليب- وهو الودك الذي يستخرج من العظم- الذين يجمعون الأوداك، فقالوا: يا رسول الله، إنّا نجمع

стр. 48

هذه الأوداك، وهي من الميتة، وعكرها إنما هي للأدم والسفن؟ فقال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» فنهاهم عن ذلك «١» ، وهذا يفيد أن تحريم الله إياها على الإطلاق يفيد تحريم بيعها. وقد ذهب عطاء إلى أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، ولعل حجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل، بدليل سابقها، وأن حديث شاة ميمونة «٢» يعارض حديث جابر، فوجب أن يرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل. وأما الدم فقد ورد هنا مطلقا، وورد في سورة الأنعام [١٤٥] مقيّدا بالمسفوح وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرّموا منه إلا ما كان مسفوحا، وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: لولا أن الله قال: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً لتتبّع الناس ما في العروق. وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى تخصيص الدم المحرم بقوله ﷺ : «وأحلت لنا ميتتان ودمان» وذكر الكبد والطحال. والحق ما ذهب إليه مالك من أنه لا تخصيص لأن الكبد والطحال ليسا لحما ولا دما بالعيان والعرف. وأما الخنزير فقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه، لا شحمه، لأنّ الله قال: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وقال الجمهور: إنّ شحمه حرام أيضا، وهو الصحيح، لأن اللحم يشمل الشحم. فأما ما أهلّ به لغير الله. فقد نقل ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا فيه. فمنهم من قال: ما ذبح لغير الله. ونقله عن قتادة ومجاهد «٣» وابن عباس، ومنهم من قال: ما ذكر عليه غير اسم الله، ونقله عن الربيع «٤» وابن زيد «٥» . وفيه خلاف آخر وهو: أهذا يشمل ذبائح النصارى التي ذكروا عليها اسم المسيح فتكون محرمة، أم لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟ بالأول قال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي، ومالك، ونقل عنه الكراهة.

стр. 49

وبالثاني قال عطاء «١» ، ومكحول «٢» ، والحسن والشعبي، وسعيد بن المسيّب، وأشهب «٣» من المالكية. وسبب اختلافهم: أنه وردت هذه الآية، ووردت الآية وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥] وكلاهما يصح أن تخصّص الأخرى، فيصح أن يكون المعنى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ما لم يذكر اسم غير الله عليه، بدليل: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ويصحّ أن يقال: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب. بدليل قوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. فمن ذهب إلى الأول حرّم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح، ومن ذهب إلى الثاني أجازها، ويمكن أن يرجّح الثاني بأن الآية نزلت في تحريم ما كان تذبحه العرب لأوثانها، وتكون في معنى قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] . فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. الباغي في اللغة: الطالب لخير أو لشر، وخص هنا بطالب الشر. العادي: المجاوز ما يجوز إلى ما لا يجوز، وقد اختلف بالمراد بالباغي والعادي هنا: فذهب مجاهد وابن جبير «٤» إلى أن الباغي هنا: الخارج على الإمام، المفارق للجماعة. والعادي: قاطع السبيل. وقال قتادة والحسن وعكرمة «٥» : إنّ الباغي: آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي: آكلها مع وجود غيرها. فعلى القول الأول: لا يجوز للخارج على الإمام ولا لقاطع السبيل إن اضطرا أن يأكلا من الميتة. ولكن يعترض على ذلك بأن بغي الباغي وعدوانه لا يبيحان له قتل نفسه بترك أكل المحرم عند الاضطرار. وقد اختلفوا في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع. أم يأكل على قدر سد الرمق؟ ذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة. ومقدار الضرورة من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. وهو حينئذ لا يحمل قوله تعالى:

стр. 50

غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ على أن المراد غير باغ في الأكل، ولا متعد حد الضرورة، بل يحمله على البغي والعدوان على الإمام. وذهب غيره إلى الثاني، لأنّ الإباحة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة. والحكمة في تحريم ما ذكر في الآية: أما الميتة فلا ستقذارها، ولما فيها من ضرر، لأنها إمّا أن تكون قد ماتت لمرض قد أفسد تركيبها. وجعلها لا تصلح للبقاء. وإما لسبب طارئ. فأما الأولى: فقد خبث لحمها. وتلوث بجراثيم المرض، فيخاف من عدواها ونقل مرضها إلى آكليها. وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارّة في جسمها. وأمّا الدم المسفوح، فلقذارته وضرره أيضا. وأما لحم الخنزير، فلأن غذاءه من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك ولأن فيه ضررا، فقد استكشف الأطباء أنّ لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، ويظهر أيضا أن المتغذي من لحم الخنزير قد يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة. وأما ما أهل به لغير الله فتحريمه لحكمة مرجعها إلى صيانة الدين والتوحيد. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) كُتِبَ عَلَيْكُمُ فرض عليكم، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣] ومنه الصلوات المكتوبات، وقول الشاعر «١» : كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول الْقِصاصُ: أن يفعل به مثل ما فعل. من قولهم: اقتص أثر فلان إذا فعل مثل فعله. قال الله تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الكهف: ٦٤] . الْقَتْلى: جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع. وإنما يكون (فعلى) جمعا (لفعيل) إذا كان وصفا دالا على الزمانة. العفو: يطلق في اللغة على معان المناسب منها هنا اثنان: العطاء والإسقاط، فمن الأول: جاد بالمال عفوا صفوا: أي مبذولا ... ومن الثاني: وَاعْفُ عَنَّا [البقرة: ٢٨٦]

стр. 51

و «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» واختلفوا في سبب نزول هذه الآية. فروي عن قتادة أنه كان في أهل الجاهلية بغي وطاعة الشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم قالوا: لا نقتل به إلا حرّا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم، وإن قتلت لهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية. يخبره أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥] وروي مثل ذلك عن الشعبي وجماعة من التابعين. وروي عن السدي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم، والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيّ ﷺ وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء، على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى. فقاصهم بعضهم من بعض. ويكون معنى الآية على الأول: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغينّ بعضكم على بعض. فإذا قتل الحرّ الحرّ فاقتلوه فقط، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به. وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها: مثلا بمثل. ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أحرارا، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا. فمن ترك له شيء من القصاص إلى الدية. فليحسن الطالب في الطلب: من غير إرهاق ولا تعنيف، وليحسن المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف، ذلك الذي شرعته من العفو إلى الدية تخفيف من ربكم ورحمة. وقد كان محرّما على اليهود أخذ الدية، ولم يكن لأولياء المقتول إلا القصاص، فمن تجاوز بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم، أو فمن تجاوز ما شرعته، وعاد إلى أمر الجاهلية فله عذاب أليم. فإن قيل: إن صدر الآية يوجب القصاص، وعجزها يجيز العفو عنه إلى الدية. فكيف يجمع بينهما؟ قيل: إن صدر الآية أوجب القصاص والمماثلة إذا أريد قتل القاتل، ومنع العدوان والظلم. فلا منافاة بين صدرها وعجزها. وقد اختلف العلماء في نظم الآية وما يفهم منها. وبناء على ذلك اختلفوا فيما يؤخذ منها من الأحكام، فمن ذلك اختلافهم: أيقتل الحر بالعبد أم لا؟ أو يقتل المسلم بالذمي أم لا؟ فذهبت الحنفية إلى الأول، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى الثاني، ونحن سنشير هنا إلى الأساس الذي بني عليه الخلاف. الأساس الذي بني عليه الخلاف هو: أصدر الآية كلام مكتف بنفسه؟ أم هو غير

стр. 52

مكتف بنفسه، بل محتاج إلى العجز؟ ولا يتم الكلام إلى عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ذهب الحنفية إلى الأول، والآخرون إلى الثاني. قال الحنفية: إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية. وهذا يعم كلّ قاتل: سواء كان حرا قتل عبدا أم غيره. وسواء كان مسلما قتل ذميا أم غيره. وأما قوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ فإنما هو بيان لما تقدّم ذكره على وجه التأكيد، وذكر الحال التي خرج عليها الكلام، وهي ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا، وفي امرأتهم إلا رجلا. على ما جاء في حديث الشعبي. فأبطل ما كان من الظلم، وأكّد فرض القصاص على القاتل دون غيره، وإذا كان ذلك كذلك فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، كما أنها لم تدل باتفاق على أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، وكما أنها تدل على أنه لا يقتل العبد بالحر، ولا المرأة بالرجل باتفاق أيضا، فمناط الاستدلال عندهم: أن صدر الآية عامّ، وذكر الحر بالحر وما بعده ليس تقييدا، بل هو إبطال لما كانوا يفعلونه من الظلم. وقالوا: في معنى الآية قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء: ٣٣] فانتظم جميع المقتولين ظلما، عبيدا كانوا أو أحرارا، مسلمين أو ذميين، وجعل لوليهم سلطانا، وهو القود. وقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخا. وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤] وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦] . وقد جاءت السنة أيضا بما يفيد هذا العموم في العبيد، فقال النبي ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» «١» فقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» ولم يفرّق بين عبد وحرّ في ذلك. فإن قيل: إن قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة: ١٧٨] يفيد أن الآية في المسلمين، قالوا: إنّ هذا حكم، وهذا حكم، وخصوص الثاني لا يفيد خصوص الأول. قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وهذا عموم في المطلّقة ثلاثا وما دونها، ثم عطف قوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٣١] وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً [البقرة: ٢٢٨] .

стр. 53

وهذا خاصّ في المطلقة دون الثلاث، فخصوص هذا لم يبطل عموم اللفظ في الأول. وقالت المالكية والشافعية: إن الكلام لا يتم عند قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى وإنما ينقضي عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فالله قد أوجب المساواة، ثم بيّن المساواة المعتبرة، فبيّن أن الحرّ يساويه الحرّ، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، وقد كان التقسيم يوجب ألا يقتل الرجل بالمرأة، ولكن جاء الإجماع على أنّ الرجل يقتل بالمرأة. فمناط الاستدلال عندهم أن الله أوجب المساواة والمماثلة في القتل، ثم جاء بالأصناف ليبين المساواة المعتبرة، فكأنه كتب أن يقتل القاتل إذا كان مساويا للمقتول في الحرية. وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد، فالمسلم لا يقتل بالذمي، لأن نقص العبد برقّه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل به المسلم، ويدل له ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «١» . قالوا: وقد كان ظاهر الآية يفيد ألّا يقتل العبد بالحر، ولكنا نظرنا إلى المعنى، فرأينا أن العبد يقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وإذن فالآية قد جاءت لتبيّن من هم أقل في المساواة، فلا يقتل بهم من هو أعلى منهم، فلا ينافي ذلك أن يقتل الأنقص بالأزيد، ويعضّد هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه لا مساواة بين طرف الحر وطرف العبد، ولا يجري القصاص بينهما في الأطراف، فكذلك لا يجب أن يجري في الأنفس. والعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأنّ هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان المساواة المعتبرة قد أخرجوا منه طردا وعكسا الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجل يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كلّه يضعف مسلكهم في الآية. أما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذ يكون العبد مساويا للحر، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام. ويعضّد هذا أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم في الحرمة، فإن سرقه مسلم قطع فيه، فإذا كان لماله حرمة مال المسلم فوجب أن يكون لدمه حرمة دم المسلم، إذ حرمة ماله إنما هي تبع لحرمة دمه، ويعضّد ما ذهب إليه أبو حنيفة من شرع قتل

стр. 54

المسلم بالذمي ما رواه الطحاوي عن محمد بن المنكدر، أن النبي ﵊ أقاد مسلما بذمي، وقال: «أنا أحق من وفّى بذمته» «١» وقد روي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي ، وقال علي: إنّا أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤهم كدمائنا، ودياتهم كدياتنا. وأما حديث: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «٢» فله ضروب من التأويل أحسنها: أن رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل «٣» الجاهلية. فقال ﵊: «ألا إنّ كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدميّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» يعني بالكافر الذي قتل في الجاهلية، فيكون ذلك تفسيرا لقوله: «كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين» ويكون قوله: «ولا ذو عهد في عهده» في معنى قوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [التوبة: ٤] وقد ذكر علماء الأصول تأويلات يمنعنا خوف الإطالة من ذكرها. وآيات القصاص عامّة في كل قاتل قتل عمدا، ولكن وردت أحاديث تفيد تخصيصها، فمن ترجّحت عنده واشتهرت، خصص بها الآية. فمن ذلك ما روي عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقتل والد بولده» . وفي رواية عنه أيضا «لا يقاد الأب بابنه» «٤» ، وقد حكم بذلك عمر أمام جمع من الصحابة من غير نكير، فكان في منزلة الخبر المستفيض، فجاز أن يخصّص الآية، وقد أخذ به أبو حنيفة والشافعي. وروي عن مالك أنه إذا ظهر منه قصد القتل كأن أضجعه وذبحه قتل به، وإن رماه بسلاح أدبا، أو خنقه لم يقتل به. وقد اختلف العلماء: أتقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله أم لا؟ فذهب أكثر فقهاء الأمصار: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور «٥» وغيرهم إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد قلّت الجماعة، أو كثرت.

стр. 55

وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعا «١» . وقال داود «٢» وأهل الظاهر: لا تقتل الجماعة بالواحد، واستند إلى ظاهر الآية، لأنها شرطت المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين واحد والجماعة. وإلى قوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] . وجمهور الفقهاء نظروا إلى المعنى: وهو أنّ الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس، وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد لتمالأ الأعداء على قتل عدوهم، وبلغوا مرادهم من قتله، ونجوا من القود بالاجتماع. والآية لا تدل على أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لأنها جاءت في منع حميّة الجاهلية التي كانت تدعو القبيلة إلى أن تقتل بقتيلها من قتل ومن لم يقتل افتخارا، بل قد يؤخذ من الآية ما يدل للجمهور، لأن المراد بالقصاص قتل من قتل كائنا من كان، واحدا، أو جماعة. وقد ذهب مالك والشافعي إلى أنّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من القاتل على الصفة التي قتل بها. فمن قتل تغريقا، قتل تغريقا، ومن رضخ رأس إنسان بحجر فقتله، قتل برضخ رأسه بالحجر. واحتجوا بحديث أنس «أنّ يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ رأسه بحجر» «٣» . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المطلوب بالقصاص إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقضي أكثر من ذلك. فعلى أيّ وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا قود إلا بالسّيف» «٤» وقالوا: قد ورد عن عمران بن حصين وغيره أن النبي ﷺ : «نهى عن المثلة» «٥» وقتله بما قتل به قد يؤدي إلى المثلة، وقد ورد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» «٦» فأوجب عموم لفظه

стр. 56

على من له قتل على جان، ورغب في القصاص أن يقتله بأحسن وجوه القتل. وقالوا: إذا ثبت حديث أنس، كان منسوخا بالنهي عن المثلة، وحكي عن القاسم بن معن أنه حضر مع شريك بن عبد الله «١» عند بعض السلاطين، فقال: ما تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله؟ قال: يرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟ قال: يرمى ثانية. قال: أفتتّخذونه غرضا وقد نهى رسول الله ﷺ أن يتّخذ شيء من الحيوان غرضا «٢» ؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ. قد ذكرنا أن المناسب من معاني العفو هنا: الإسقاط، أو العطاء. فذهب الشافعي إلى أن المراد هنا الإسقاط، والمعنى: فأيّ قاتل ترك له من أخيه شيء من القصاص فاتبعه أيها القاتل، وأدّ إليه بإحسان، وبناء على ذلك يكون موجب القتل العمد عنده أحد أمرين: إمّا القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار الولي أجبر الجاني عليه. وهو رواية أشهب عن مالك. وروي عن ابن عباس: العفو أن تقبل الدية في العمد. ونحوه عن قتادة، ومجاهد وعطاء، والسدي. وذهب غيرهم إلى أن العفو العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وحينئذ لا يكون في الآية ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. وبناء على ذلك ذهبوا إلى أن موجب القتل العمد القصاص فقط. فإذا عفا الولي إلى الدية، ولم يقبل الجاني لم يجبر، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وهو رواية القاسم عن مالك. ويدل للمذهب الأول ما روي من أنه ﷺ قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمّا أن يفدى وإما أن يقتل» «٣» . قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) بعد أن بيّن الله شرع القصاص ذكر الحكمة فيه، فقال: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ

стр. 57

أي ولكم يا أولي العقول فيما شرعت لكم من القصاص حياة وبقاء، لعلكم تتقون القصاص، فتنتهوا عن القتل. وإنما كان في شرع القصاص حياة، لأنّ الناس إذا علموا أن من قتل يقتل كفّ بعضهم عن بعض. فإذا همّ أحد بقتل أخيه أوجس خيفة من القصاص، فكفّ عن القتل، فكان في ذلك حياة له وحياة لمن أراد قتله وحياة لغيرهما من الناس، فربما وقعت الفتنة بالقتل، فيقتل فيها خلق كثير، وشرع القصاص حاجز لذلك كله، وهذا على أنّ المراد بالقصاص شرع القصاص ويمكن أن يراد منه القصاص نفسه، ويكون المعنى أن في القصاص نفسه حياة، لأنّ القاتل إذا اقتصّ منه كان عبرة لغيره، فيرتدع من يهمّون بالقتل، فلا يقتلون ولا يقتلون، فكان القصاص سببا للحياة، وهناك وجه آخر ذكره السدي فقال: ولكم في القصاص حياة أي بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته. وقد نقل الله بهذه الآية العقوبات من معنى إلى معنى سام جليل: فقد كانت العقوبات انتقاما في الأزمنة السالفة، ينتقم بها المجتمع من المجرمين، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولم يقل انتقام، ولقد رقت قلوب قوم من رجال التشريع الوضعي!! فاستفظعوا قتل القاتل، ورحموه من القتل!! ولقد كان المقتول ظلما أولى برحمتهم وعطفهم، وإذا رحموا القاتل فمن يرحم المجتمع الذي يكثر فيه المجرمون الفسّاد، ولعمرنا إنهم نظروا نظرة ضيقة، ولو نظروا نظرة عامة شاملة لكانت رحمتهم هذه هي التي تدعوهم إلى القصاص والقسوة فيه، فإنّ من يرحم الناس يسعى لتقليل الشر عنهم، وكف عادية المعتدين. فقسا ليزدجروا، ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم ولقد عبّرت العرب عن هذا المعنى بعبارات مختلفة، منها قولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم: أكثروا القتل ليقلّ القتل، وأجود ما قالوه في ذلك قولهم: القتل أنفى للقتل. والنظم الكريم وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قد فاق تلك بمراحل، ويدل على ذلك أمور: ١- أنها أخص. ٢- أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهره أن القتل سبب في نفي القتل، وهو محال، بخلاف الآية، فإنّها جعلت القصاص، وهو نوع من القتل، فيه نوع من الحياة، بدليل التنكير، ولا إحالة في أن يكون نوع من القتل سببا لنوع من الحياة. ٣- أن القتل ظلما قتل، وليس نافيا للقتل، بل هو أدعى للقتل، فيكون ذلك مبطلا لظاهر عموم قولهم. وثمّ وجوه أخرى لم نشأ الإطالة بها.

стр. 58

قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) كُتِبَ عَلَيْكُمْ فرض عليكم. الخير: ضد الشر، والمراد به هنا: المال، وقد ورد في القرآن كثيرا بمعنى المال، قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: ٢٧٢] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] . الوصية: القول المبين لما يستأنف عمله. وهي هنا مخصوصة بما بعد الموت وهي كذلك في العرف. المعروف: ضد المنكر، وليس المراد بقوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وقت حضور الموت ومعاينته، لأنّ هذا الوقت لا يعي فيه المرء ما يقول، بل المراد علامات الموت وأماراته، وذلك كالمرض المخوف. وقد اختلف في ذلك المال الذي كتبت فيه الوصية. فقيل: هو الكثير، وقيل: أيّ مال قليلا كان أو كثيرا. والأولون اختلفوا، فقيل: هو الكثير غير محدود. وبعضهم حدّده. واختلفوا في التحديد، فعن ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وعن قتادة: ألف درهم، وعن عائشة: أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْراً وإنّ هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل، والظاهر قول من قال: إن المراد المال مطلقا، قليلا، كان أو كثيرا. لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره، ولم يخصّ الله منه شيئا دون شيء. وهذه الآية قد دلّت على وجوب الوصية، واختلف العلماء فيها: أهي منسوخة أم محكمة لم تنسخ؟ وجمهور العلماء على أنها منسوخة. قال الشافعي ﵁ ما معناه: إن الله تعالى أنزل آية الوصية، وأنزل آية المواريث، فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع الميراث، واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصايا. وقد طلب العلماء ما يرجّح أحد الاحتمالين، فوجدوه في سنّة رسول الله ﷺ فقد روى عنه أصحاب المغازي أنه قال عام الفتح: «لا وصيّة لوارث» «١» وهو وإن كان خبر آحاد إلا أن العلماء تلقته بالقبول، وأجمعت العامة على القول به.

стр. 59

ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا: فذهب طاوس «١» وقوم معه: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم تجز، وذهب غيرهم إلى أنها منسوخة في حقّ من يرث، وحق من لا يرث. وحجة الأولين: أن الوصية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين كانت واجبة بالآية، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب. ويؤكد هذا قوله ﵊: «ما حقّ امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» «٢» . وحجة الآخرين ما رواه الشافعي عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة «٣» فلو كانت الوصية واجبة للأقربين وإذا جعلت في غيرهم بطلت لما أجازها ﷺ في العبدين، لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين، وقد ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أنّ آية الوصية محكمة غير منسوخة، نقل ذلك عنه الفخر الرازي، وقرر مذهبه بوجوه: أولا: أنّ هذه الآية ليست مخالفة لآية المواريث، بل هي مقررة لها، والمعنى: كتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] إذا كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين، والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم. ثانيا: أنه لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء وثبوت الميراث، فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. ثالثا: لو قدّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية الميراث مخصّصة لآية الوصية لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكلّ قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث، فبقيت آية الوصية مرادا بها القريب الذي لا يرث، إمّا لمانع من الإرث ككفر ورق، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام.

стр. 60

وابن جرير الطبري ذهب في «تفسيره» «١» إلى هذا القول فقال في تفسير الآية: فرض عليكم أيها المؤمنون الوصيّة إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً والخير: المال لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الذين لا يرثون بِالْمَعْرُوفِ وهو الذي أذن الله فيه وأجازه في الوصية، ما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمّد الموصي ظلم ورثته حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعني بذلك فرض عليكم هذا وأوجبه وجعله حقا واجبا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به. فإن قال قائل: أو فرض على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثون؟ قيل: نعم. وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من العلماء منهم: الضحّاك «٢» فقد كان يقول: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، ومنهم مسروق «٣» فقد حضر رجلا فأوصى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضلّه، أوص لذي قرابتك ممن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه. وقد ذهب القائلون بأنها منسوخة إلى أنها تندب، وتكون في ثلث ماله، ومعنى قوله: بِالْمَعْرُوفِ بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط، وقد بيّنه رسول الله ﷺ بقوله لمن أراد أن يوصي: «الثلث والثلث كثير» «٤» وقد روي عنه عليه صلوات الله أنه قال: «إنّ الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم» . قال الله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) لما أوجب الله تعالى الوصية وجعلها حقا على المتقين، توعّد من غيّرها وبدّلها فقال: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي فمن غيّر ما أوصى به الموصي بعد ما سمع الوصية فليس على الموصي إثم، بل الإثم على مبدّل الوصية، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع للوصية، عليم بما أوصيتم به، فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وعلى ذلك يكون المنهي عن التغيير هو: الشاهد، فلا يكتم شهادة ولا يغيّرها، والوصي فلا يغير الوصية، ولا يحوّر فيها. والورثة فلا يمنعون من أوصي لهم من حقّهم. وقيل: إنه هو الوصي، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يوصون للأباعد،

стр. 61

ويتركون ذوي القربى في ضنك وشدة، فنهاهم الله عن ذلك، وجعل الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، ثم أوعد الموصين الذين يخالفون ما أمر به. ويجعلونها في غير المواضع التي أمرهم بها، أو يوصون بغير معروف، كأن يعطوا الأغنياء من أقاربهم، ويتركوا الفقراء، وعلى هذا يكون الضمير في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ راجعا إلى الحكم الذي علم من الآية السابقة. أما على القول الأول فالضمير راجع إلى الوصية. وإنما أتى به مذكّرا والوصية مؤنثة نظرا إلى المعنى، فإنها بمعنى الإيصاء، كقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي وعظ، وقد دلت الآية على أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره. فالميت لا يؤخذ ببكاء أهله إلا أن يكون له دخل في البكاء، كأن يكون أوصى به. ولذلك لا يعذّب الميت إذا أوصى ورثته بقضاء دينه، فقصّروا في القضاء، وهي في معنى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت: ٤٦] لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] . هذا وقد طعن قوم في أحكام الوصية والميراث في الشريعة الإسلامية. وقالوا: إنها لا تلين لرغبات المالكين، وقد تكون هذه الرغبات محترمة أما أنها لا تلين لرغبات المالكين فلأن الميراث قد فرضت فروضه، وعيّنت أنصباؤه، وليس لأحد أن يغيّر فيها، وقد منعت الوصية للوارث، فليس لأحد أن يوصي لوارثه. وأما أن رغبة المالكين قد تكون محترمة فلأنه ربما أراد أن يوصي لوارث فيزيد نصيبه، لأنه يراه أبرّ به من غيره، أو لأنه أحوج، قالوا: والشريعة الإسلامية قد خالفت ما عند الأمم الأخرى من احترام رغبات المالكين. وقد تذرّعت أمة إسلامية بذلك فتركت أحكام الشريعة في الميراث والوصايا، واستبدلت بها القانون السويسري. ونحن نرى أنه لا موجب لهذه الغارة على أحكام الشريعة، فقد نقلنا ما رواه الفخر الرازي من رأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية، وقد علمنا منه أن رأيه أن الوصية للوارث باقية لم تنسخ، ولا منافاة بينها وبين الميراث. فالميراث عطية من الله، والوصية عطية من المالك للوارث، فإذا كانت هذه الأمة قد اضطرت لاحترام إرادة المالكين، ولم تبال بما يصحبها من جور غالبا. ففي الشريعة الإسلامية متسع لهذا. فلنا الأخذ برأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية وهو يجيز الوصية للوارث، ويحترم رغبة المالكين. فمن شاء أن يوصي لابن بار، أو وارث أشد حاجة: فله ذلك عنده. وما دام في الشريعة غنى، فليس لهم أن يستبدلوا بها قانونا آخر. وإن الأخذ بقول من أقوالها مهما كان ضعيفا خير من الخروج عنها جملة.

стр. 62

قال الله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) الجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء. والفرق بين الجنف والإثم هنا: أن الجنف الخطأ في الوصية من حيث لا يعلم، والإثم الجور عن عمد. وقد اختلف في تأويل الآية. فقال بعضهم: إن معنى خافَ هنا علم، ولما توعّد الله من غيّر الوصية بيّن أن هذا الوعيد لمن غيّرها جورا. أما من علم من الموصي الجور فلا إثم عليه في تغييرها إلى عدل وصلح، فبيّن الفرق بين التبديلين. فأوجب الإثم في الأول. ونفاه عن الثاني. وقال بعضهم: إن خافَ هنا على معناها، والمراد: أن من حضر الموصي وهو يوصي فخاف منه الخطأ في وصيته، أو تعمّد الجور فيها فلا حرج عليه أن يصلح بين الموصي وبين ورثته: بأن يأمره بالعدل في وصيته. فلا يتعمد إضرار الورثة. ولا يحرم مستحقا، ويعطي غير مستحق: يفعل ذلك مشورة وإصلاحا، والضمير في قوله: بَيْنَهُمْ يعود على الموصى لهم، وهم وإن كانوا لم يذكروا، إلا أنهم علموا من قوله: مُوصٍ لأنّه يستلزم موصى لهم. فإن قيل: هذا المصلح قد أتى بطاعة بإصلاحه يستحق عليها الثواب الجزيل. وكان المنتظر أن يقال: فله أجر. فكيف قيل: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وقيل: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟ فالجواب: أنه لما كان تبديلا، وقد أثّم الله المبدّلين، أراد أن يبين مخالفته للأول برفع الإثم عنه، لأنه ردّ الوصية إلى العدل. وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، كأنه قال: أنا الغفور الرحيم لمن أذنب وعصى فلأن أوصل الرحمة والمغفرة لهذا المصلح أولى. أو يقال: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهذا الوصي الذي أوصى بما فيه جنف أو إثم إذا أصلحت وصيته. وهذه الآية تدل على جواز الصلح بين المتنازعين. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) . الصِّيامُ: مصدر صام. كالقيام مصدر قام، وهو في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال تعالى في

стр. 63

قصة مريم إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ومنه قولهم: صامت الريح، إذا ركدت وسكنت، وصامت الفرس، إذا أمسكت عن العلف، قال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما وفي الشرع: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، بنيّة من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قيل: إن وجه الشبه هو وجوب الصوم، وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته. من الكف عن الأكل والشرب، وقد ذكر القائلون بالأخيرين روايات تؤيد ما ذهبوا إليه، منها أنه كان المفروض على اليهود والنصارى صوم شهر رمضان هذا، الذي كلّف الله المسلمين بصومه، وزعموا أن اليهود تركت هذا الشهر إلى صوم يوم زعموا أنه الذي غرق فيه فرعون. أما النصارى فقد صادفوا في رمضان حرّا شديدا، فحولوه إلى وقت لا يكون حرّا، ثم قالوا عند التحويل: نزيد فيه عشرا، ثم اشتكى ملكهم فزادوا سبعا، ثم اشتكى الملك الذي بعده فقال: ما بال هذه الثلاثة فتمّ لهم صوم خمسين يوما، وهناك روايات غير هذه، كلّها تفتقر إلى الإثبات وعلم حقيقة ما كتب على الذين من قبلنا، وما دام التشبيه لا يحتاج لأكثر من وجه من وجوه المماثلة، ونحن نقطع بأن من كان قبلنا قد أوجب الله عليهم الصيام، فما حاجتنا بالجري وراء أخبار تحتاج في إثباتها إلى عناء وجهد قد لا تصل بعدهما إلى ما يثبت المدعى؟ نحن لا ننكر هذه الأخبار، أو ما اشتملت عليه، بل نقول: إنها تفتقر إلى الإثبات، وفهم الآية غير متوقّف عليها، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله قد كتب صوما ما على الذين من قبلنا، وتلك حقيقة يسلّم بها جميع أهل الأديان، وهم يتعبدون بها إلى اليوم، والمطّلعون على التاريخ القديم يقولون: إن التاريخ يدل على أنه لم تخل شريعة من الشرائع من فرض الصوم، وإنما اختلف الصوم في الأمم السابقة في ماهيته، وكيفيته، ومقداره، وما دام الله لم يبين لنا ماهية الصوم عند الذين من قبلنا وكيفيته ومقداره فما حاجتنا إلى البحث وراءه، ولو علم الله في بيانه خيرا لبينه؟ قال الزجاج «١» : إن كَما هنا في موضع نصب على المصدر، والمعنى: فرض عليكم الصيام كفرضه على الذين من قبلكم. وقال أبو علي «٢» : هو صفة

стр. 64

لمصدر محذوف، أي كتابته مثل كتابته على الذين من قبلكم. وقيل: غير هذا. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ذكروا في معناها في هذا الموضع وجوها: أحدها: أن الصوم يورث التقوى، لأنه يكسر الشهوة، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوّن لذات الدنيا. الثاني: أن المعنى: ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى. الثالث: أن المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات، وأنت ترى أن المعاني متقاربة. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ منصوب على الظرفية، وقيل: غير هذا، وقد اختلف العلماء في هذه الأيام: أهي رمضان أم غيره؟ قيل: إنها غير رمضان، وأنه كان قد وجب صوم قبل رمضان، ثم نسخ بآية: شَهْرُ رَمَضانَ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] وهو مذهب معاذ. وقتادة. وعطاء. ومرويّ عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء، فقال عطاء: هي ثلاثة أيام من كل شهر، وقال قتادة: بل هي ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء. ثم إن هؤلاء اختلفوا أيضا. فقال بعضهم: إن هذا الصوم كان تطوعا، وقال بعضهم: بل واجبا، واتفقوا على أن هذا الصوم- على الخلاف في أنه تطوع أو فرض. وعلى الخلاف في مقداره- منسوخ بصوم رمضان، واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه: الأول: ما روي عن النبي ﷺ : «أنّ صوم رمضان نسخ كلّ صوم» فدل هذا على أن صوما كان قبل رمضان ونسخ به. الثاني: أن الله تعالى ذكر حكم المريض والمسافر هنا وذكره في آية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فلو لم تكن الآية الأولى منسوخة بالثانية لكان تكرارا ينزّه عنه القرآن. الثالث: أنّ قوله تعالى هنا: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يدلّ على أن هذا الصوم واجب على التخيير، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأعطى الفدية. وصوم رمضان واجب على التعيين. فواجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. ذلك مبلغ ما قالوا في التدليل لمذهبهم. وذهب أكثر المحققين إلى أن المراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، وأبي مسلم، وحاصله: أنّ الله سبحانه بيّن أولا أنه فرض علينا صوما كالذي فرضه على الذين من قبلنا، فاحتمل هذا أن يكون يوما، أو يومين، أو غير ذلك، فبيّنه بعض البيان بقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وكان ذلك أيضا

стр. 65

محتملا لأن يكون فوق ثلاثة أيام إلى أكثر من شهر، فبينه الله تعالى بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ إلخ. وإذا كان ذلك يمكننا في فهم الآية فلا وجه لحملها على غيره، وإثبات النسخ فيه، وهو فوق ذلك خارج عن مدلول اللفظ. أما ما تمسكتم به من قول النبي ﷺ : «صوم رمضان نسخ كلّ صوم» فلم لا يجوز أن يراد: كلّ صوم كان في الشرائع السابقة؟ ومعروف أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، فليكن هو الناسخ. ولئن سلّم أن المراد كلّ صوم كان عندنا فأين انحصار أدلة الوجوب في هذه الآية؟ ولم لا يجوز أن يكون صوما قد ثبت بأدلة غير هذه؟ وأما قولكم: لو كان عين شهر رمضان لكان قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ... إلخ مكرّرا. فلنا أن نقول: إن صوم رمضان ثبت في أول الأمر مخيّرا فيه المكلّف بين الصيام، وبين الفدية دون القضاء، فلما كان كذلك، ورخص للمسافر في الفطر، كان من الجائز أن يظنّ أن عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان العذر الذي يفارق به المقيم. ولما لم يكن ذلك بعيدا، بيّن الله تعالى أن إفطار المريض والمسافر في الحكم خلاف التخيير في حق المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر، فلما نسخ الله ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما، كان جائزا أن يظن أن انتقال الحكم من واسع إلى ضيق ربما يعم الكلّ فيساوي المريض والمسافر الصحيح المقيم. أو على الأقل يبقى حكم المريض والمسافر مجهولا: فكانت هناك حاجة إلى البيان، فجيء به لدفع هذه الحاجة، وحيث قد ذهبنا إلى القول بأن صوم رمضان كان في البدء مخيّرا، فلم تعد بنا حاجة إلى الاعتذار عن حجتهم الثالثة. وأنت ترى أن الآية على القولين قد دخلها النسخ: أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأنّه يقضي بأن صوم رمضان ثبت في البدء مخيّرا، ثم نسخ بالتعيين، ولعل الحكمة في شرعه هكذا سنة التدرج في التشريع. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ المراد منه والله أعلم أن فرض الصيام في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين. فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر. وقد دلّت الآية على عظيم فضل الله، وسعة رحمته بعباده، فقد بيّن الله سبحانه في أول الآية أن شريعة الصيام فيكم لم تكن بدعا من الشرع، بل لكم فيها أسوة، فقد كانت مكتوبة على من قبلكم من الأمم، ثم بيّن فيها ثانيا: وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب قوي في حصول التقوى، وثالثا: أنه لم يكلفنا بما يشق، بل

стр. 66

كلفنا أياما معدودات، وهي وإن قلّت فجزاؤها جزيل، ثم بيّن جل شأنه أنه خصّ هذه الأيام بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لمزيد الشرف ثم بين أن هذا التكليف خاصّ بمن قدر عليه، حيث أباح تأخيره لمن يشق عليه من المرضى والمسافرين إلى وقت يقدرون عليه فيه. وقد اختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال: ذهب الحسن وابن سيرين «١» إلى أنّ المدار على تحقق وصف المرض، فأيّ مرض وأيّ سفر بالغين ما بلغا يترخّص بهما المسافر والمريض في الفطر في رمضان، وقد روي أنّ جماعة دخلوا على ابن سيرين فوجدوه يأكل، فاعتل بوجع إصبعه. وذهب الأصم إلى أنّ المراد المريض والمسافر اللذان لا يقدران على الصوم مع المرض والسفر إلا بجهد ومشقة. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، وهذا هو الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رخّص للمريض هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلا حيث يظنّ العسر، وإن من الأمراض ما يكون شفاؤه بالصوم، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك، ولم يكلفنا الله سبحانه إلا على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سببا للمرض، أو يزيد في العلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمر يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين. وكذلك اختلفوا في السفر المبيح للفطر. فقال داود الظاهري: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان فرسخا، وحجته أن الحكم علّق في الآية بكونه مسافرا، وهو مؤذن بعلية ما اشتق منه، فحيث تحقّق السفر تحقق الحكم وهو الرخصة، وقال: كل ما في الباب أنكم تروون خبرا آحاديا، وتخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد غير جائز. وقال الأوزاعي: «٢» السفر المبيح للفطر مسافة يوم، وذلك لأن أقل من هذا قد يتفق للمقيم، وكأنه يعتبر في المسافر عدم التمكن من الرجوع إلى أهله في اليوم. وذهب الشافعي ﵁ إلى أن السفر المبيح مقدّر بأربعة برد، كلّ بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ مقدّر بثلاثة أميال بميل هاشم جد النبي ﷺ ، وهو الذي قدر أميال

стр. 67

البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم، كل قدم ثلث خطوة، وهو مذهب مالك، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يتحقق سفر يبيح الترخيص حتى يكون قدر ثلاث مراحل، قدرها أربعة وعشرون فرسخا، وهي مقدرة في كتب الحنفية بمسير ثلاثة أيام سيرا وسطا، وهو سير الإبل والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، واحتج الشافعي بما رواه عن ابن عباس ﵄، قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من ثلاث برد من مكة إلى عسفان «١» . وقد قال أهل اللغة: إن كل بريد أربعة فراسخ، فتكون ستة عشر فرسخا، وهو الذي قلنا. واحتج أبو حنيفة: بأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يوجب الصوم، ولكنا تركناه في الثلاثة الأيام للإجماع على الرخصة فيها. أما فيما دونها فمختلف فيه، فوجب الصوم احتياطا. واحتجوا أيضا بقوله ﵊: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» «٢» . ولا يكون كذلك حتى تكون مدة السفر ثلاثة أيام، لأن الشارع جعل علّة الامتداد إلى الثلاثة السفر، والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأما ما رويتم عن ابن عباس فلعله مذهبه واجتهاده، ولا نترك حديث رسول الله إلى مذهب أحد واجتهاده. وأيضا ورد عن الرسول ﷺ اعتبار الثلاثة الأيام سفرا، ومن ذلك حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : «وأنه نهى أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» «٣» . نعم قد روي عن أبي سعيد «٤» ، وأبي هريرة «٥» أخبار في هذا المعنى، تفيد من منعها السفر يومين، ولكنّهما روي عنهما أيضا النهي عن سفرها ثلاثة أيام، ويوما. فلما كان هذا الاضطراب وللاحتياط في إسقاط الفرائض عوّلنا على حديث ابن عمر، لأنه متفق عليه، وروايات غيره مضطربة فتركناها، فتبين أن الثلاثة قد تعلّق بها حكم شرعي، وغيرها لم يعلّق به، فوجب تقديرها في إباحة الفطر.

стр. 68

ثم إنّ العلماء قد اختلفوا في المسافر والمريض: ماذا يلزمهما في رمضان؟ ذهب جماعة من علماء الصحابة رضوان الله عليهم: إلى أن الواجب عليهما الفطر وصيام عدة من أيام أخر، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، حتى روي عنه: أن المسافر إذا صام في السفر قضى في الحضر. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، وحجّة الأولين ظاهر قوله ﵊: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» «١» ، وقوله ﵊: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر» . وأما الجمهور فقد قالوا: إن في الآية إضمارا تقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر، فعليه عدّة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ.. [البقرة: ٦٠] وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ إلى قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦] التقدير في الأوّل (فضرب) فانفجرت، والثاني (فحلق) ففدية. وأيضا فقد روى أبو داود في «سننه» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أفأصوم في السفر؟ فقال ﵊: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت» «٢» . وقد ثبت عن النبي ﷺ بالخبر المستفيض «٣» أنه صام في السفر رواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وسلمة بن المحنّف. وأما ما روي من قوله: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» فإنّه كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا يظلّل عليه والزّحام عليه شديد، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» «٤» . فمن سمع وذكر الحديث ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر على ذكر الحديث.

стр. 69

وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي ﷺ عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنّكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» «١» فكانت عزيمة من رسول الله ﷺ قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك، وأما حديث: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر» فحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من الناس. والحنفية بعد ذلك يرون الصوم أفضل من الفطر. ويقول المالكية كذلك لمن قوي عليه. فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ: أي من كان منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه صيام أيام أخر بعد ما أفطر، وهذا تأويل الجمهور، فكان المريض والمسافر عندهم واجبه الأصليّ الصوم، ويرخّص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياما مكان الأيام التي أفطر فيها. وأما غير الجمهور فتأويل الآية عندهم: فمن كان مريضا أو مسافرا فليفطر، والواجب عليه ابتداء صوم أيام أخر، وصيامه في رمضان لا يعتدّ به. وأنت بعد الذي بينا من أدلة الطرفين إذا رجعت إلى النظم الكريم وجدت أنّ النظم قد شمل الخطاب فيه جميع المؤمنين كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ثم لمّا كان بعض الناس قد يكون له من العذر ما يقتضي التخفيف بيّن الله حال المعذورين بقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وقال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ على ما يأتي بيانه بعد، ثم قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. فهل تجد بعد هذا مسوّغا لأن تفهم من الآية أنّ الفطر واجب على من لا يضره الصوم من أصحاب الرّخص؟ ثم انظر إلى قوله تعالى في الآية التي بعد هذه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] فإنّك لا بدّ فاهم منها أن الواجب الأصليّ على الناس جميعا في رمضان هو الصوم، وأن التأخر عنه ترخيص. فهل إذا التزم العبد أن يقوم بما هو أشق عليه ولا يضرّه تحصيلا للثواب الكثير فنقول له: إن هذا لا يجزيك؟ ما نظن. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ظاهر العبارة يفيد أنّ القادر على الصوم له أن يترك الصوم إلى الفدية ولا يلزمه القضاء. وقد تقدّم القول بأنّ بعض العلماء يرى أن هذه الآية من أولها منسوخة لهذا ولغيره، وبعضهم يرى أنه لا نسخ إلا في هذا الجزء، ويرى أن صوم رمضان كان قد شرع ابتداء على التخيير، ثم نسخ بقوله:

стр. 70

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وهذا كله على قراءة يُطِيقُونَهُ مضارع من الإطاقة. وسنعود إليها بعد الكلام على القراءات الأخرى. فقد قرئ يُطِيقُونَهُ بتشديد الياء بعد الطاء. وقرئ يطوقونه بالواو بدل الياء، ومعناه: يجشّمونه، أي: يتحمّلونه بمشقة، وقالوا: المراد بهم الشيخ والشيخة الفانيان يفطران ويفديان ولا يقضيان. والآية على هاتين القراءتين لا نسخ فيها أصلا فالناس ثلاثة أحوال: ١- الأصحاء المقيمون، ويلزمهم الصوم عينا في رمضان. ٢- والمرضى والمسافرون، ولهم الفطر إن أرادوا، وعليهم إن أفطروا أيام أخر. ٣- وقوم لا يقدرون على الصوم، وفيه ضرر، فهؤلاء يفدون. ولنرجع إلى القراءة الأولى يُطِيقُونَهُ: لما كان الظاهر منها ما ذكرنا. قال بعض المفسرين: إن الآية على إضمار حرف النفي، وتقديره- والله أعلم- وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وتكون الآية حينئذ في معنى القراءتين الأخريين. ويرى بعضهم أن هذا في شأن المرضى والمسافرين فهم قسمان: القسم الأول لا يقدر على الصيام، وهذا يجب عليه الفطر والقضاء في أيام يقدر على الصوم فيها. والقسم الثاني يقدر على الصوم، فهؤلاء يرخّص لهم في الفطر لمكان السفر والمرض، وعليهم الفدية. وقال بعضهم: إنّها نزلت في حق الشيخ الفاني، وتقريره من وجهين: أحدهما: أن الوسع فوق الطاقة، فالوسع اسم للقدرة على الشيء مع السهولة، يقال: في وسع فلان أن يفعل كذا وفلان يسعه أن يفعل كذا إذا كان يقدر عليه مع السهولة. أمّا الطاقة فهي اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، يقال: فلان يطيق كذا، أي أنه آخر ما في طوقه وقدرته، فمعنى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ الذين يقدرون عليه مع الشدة والمشقة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية، وحكمها باق، قاله الفخر الرازي. الوجه الثاني: حمل هذه القراءة على القراءة الشاذّة، وهو قريب من الأوّل، وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا، فقال جماعة منهم السدي: إنّها في الشيخ الهرم، أي الذي لا يرجى أن يأتي عليه في عمره أيام يقدر فيها على الصوم ويطعم لكل يوم مسكينا. وقال آخرون: إنّها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع، سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، فقال: أيّ مرض أشدّ من الحمل؟ تفطر وتقضي. ثم إنهم أجمعوا على أنّ الواجب على الشيخ الهرم الفدية، أما الحامل والمرضع

стр. 71

فقال الشافعي ﵁: عليهما الفدية مع القضاء. وقال أبو حنيفة: ليس عليهما إلا القضاء. وحجة الشافعية أنهما داخلان في منطوق الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ لأنهما لا يطيقان فتجب عليهما الفدية. وأبو حنيفة جعلهما في حكم المريض، انظر إلى قول الحسن البصري: أي مرض أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، ثم قال أبو حنيفة: فرق بينهما وبين الشيخ الفاني، لأنه لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتي عليه يوم يكون أقدر على الصوم من أيام رمضان التي أفطر فيها. أما الحامل والمرضع فهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة الزوال، فإن زال عذرهما فعليهما عدة من أيام أخر، وإن لم يزل كانا كالمريض الذي لم تزل علته، على أنهما لا يمكن إيجاب الفدية عليهما مع إيجاب القضاء، لأنّه يكون جمعا بين البدل والمبدل، وهو غير جائز، لأن الفدية بدل الصوم. طَعامُ مِسْكِينٍ هو نصف صاع من برّ «١» ، أو صاع «٢» من غيره عند أبي حنيفة، وليس عليه عنده غير ذلك، قال الثوري «٣» : يطعم، ولم يذكر مقدارا. وروى المزني «٤» عن إمامه الشافعي أن الفدية مدّ، وقال ربيعة «٥» ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فحسن. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ اختلف في تأويله، قال بعضهم: معناه من تطوّع بالزيادة على مسكين واحد فهو خير له، وقال بعضهم: من تطوّع بالزيادة في مقدار الفدية على المسكين الذي أعطاه وقال الزهري «٦» : من تطوّع بالصيام مع الفدية فهو خير له. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤] قيل: إنّه خطاب مع الذين

стр. 72

يطيقونه ولا يصومونه، أي يتحملونه بمشقة، فهو خير لهم من الفدية. وقيل: إنه خطاب مع ذوي الأعذار من المرضى والمسافرين والشيوخ الفانين. قال الفخر الرازي: هو أولى لعموم اللفظ. وقيل: آخر الآية معطوف على أوّلها، ويكون المعنى: كتب عليكم الصيام.. وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ما في الصيام من الحكم الإلهية، التي شرع من أجلها الصيام، وهي تعويد النفس الصبر والجوع، وعدم اتباع الهوى والشهوة والبرّ بالضعفاء ومواساة المحتاجين. قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) الشهر: مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا، إذا ظهر، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره، وذلك أن الناس بسبب حاجتهم إلى التوقيت في العبادات والمعاملات يحتاجون إلى معرفته. وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه. بل قال بعضهم: إنما سمّي الشهر شهرا باسم الهلال. رَمَضانَ هو المدة من الزمان بين شعبان وشوال، وقد قيل في سبب تسميته بذلك أقوال كثيرة، منها أنه مأخوذ من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس. وكانوا: يصومون فيه. فكان يكون قاسيا عليهم كقسوة أشعة الشمس المنعكسة عن الحجر الأبيض، وأقرب الأقوال ما قيل: إنهم لما نقلوا الأسماء عن اللغات القديمة سمّوها بحسب ما يقع لها من المناسبات التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر رمض الحر. شَهْرُ رَمَضانَ خبر لمبتدأ محذوف بدل عن الأيام المعدودة في قوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقيل: بل هو مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: شهر رمضان المكتوب عليكم صومه. وقيل غير هذا. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: بيان لمزية اختصاصه بالصوم فيه من بين الشهور، ومعنى أنزل القرآن فيه، وقد أنزل القرآن في غيره أيضا: أنه ابتدأ إنزاله في رمضان، والحوادث الجسام تؤرّخ وتنسب إلى أوّل أوقاتها. وقيل: إنه نزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة في رمضان لحكمة يعلمها الله، ثم

стр. 73

نزّل بعد ذلك منجّما. ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله في ليلة القدر والليلة المباركة. لأنّ ليلة القدر والليلة المباركة كانتا في رمضان، وقيل: معنى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنزل في شأنه القرآن. والْقُرْآنُ اسم لكلام الله المنزل على محمد ﷺ ، وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من القراءة: بل قد جاء بمعناها، كما في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨] . وقيل: من القران، لأنّ آياته قد قرن بعضها ببعض. وقيل من القرء بمعنى الجمع. وقيل غير ذلك. هُدىً لِلنَّاسِ: هاديا لهم بما اشتمل عليه من الحكم والمواعظ التي هي شفاء ورحمة، وهو منصوب على الحال، أي: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هاديا للناس إلى طريق الخير، ومبينا وكاشفا عن وجه الحق، بما اشتمل عليه من الآيات الواضحات، وفارقا بين الحق والباطل وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ. قد يقال: ما الحكمة في إيراد وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ بعد قوله: هُدىً لِلنَّاسِ؟ وجوابه: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى للناس، ثم هذا الهدى نوعان: تارة يكون الهدى بينا واضحا تنساق إليه العقول انسياقا. وتارة لا يدركه إلا خواصّ الناس. ولا شك أن الأول أكثر فائدة، فكان ذكره بعد الأول للميزة الخاصة بعد الميزة العامة. وهو على هذا في منتهى البلاغة. وقيل في الجواب: إن المراد بالهدى الأول أصول الدين. والثاني فروعه. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال بعضهم: إن الفاء هنا زائدة، لأنها إما للعطف وإما للجزاء وهما لا يصلحان هنا، فكانت زائدة كزيادتها في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] وقال الفخر الرازي: ويمكن أن يقال: إن الفاء هنا ليست زائدة، بل هي للجزاء، فإنه تعالى لما بيّن كون رمضان مختصّا بالشرف العظيم، وهو إنزال القرآن فيه، وهو شرف لا يشاركه فيه سائر الشهور، فهو لذلك يناسبه أن يختص بهذه العبادة، ولذلك تقدّم وصفه بخاصة إنزال القرآن فيه، كأنه قيل: وإذا كان رمضان مختصا بهذه الفضيلة فخصّوه أنتم بهذه العبادة. شَهِدَ: حضر، والشهود الحضور. ثم هنا قولان: أحدهما: أنّ مفعول شهد محذوف، لأن المعنى: فمن شهد البلد في الشهر بمعنى أنه لم يكن مسافرا. ويكون الشهر منصوبا على الظرفية.

стр. 74

والقول الثاني: أن مفعول شهد هو الشهر، والتقدير: فمن شهد الشهر وشاهده بعقله وبمعرفته فليصمه، وهو كما يقال شهدت عصر فلان وأدركته، وهو تفسير لا غبار عليه بعد أن تعرف أن خطابات الله جميعا تتوجّه إلى المكلفين، فلا عبرة بما قيل: إنه كالأول فيه مخالفة للظاهر لاحتياجه للتخصيص، إذ يقال: للصبي المجنون إنه أدرك الشهر، نعم هم مدركون، ولكنّهم لا يدخلون تحت قوله: مِنْكُمُ إذ إنّ كون كل خطابات الشارع متوجهة إلى من يأتي تكليفهم قد فرغ منه، فمثله مثل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠] على أنه على فرض دخول هؤلاء، فالآية تكون مخصوصة على هذا الوجه. وعلى الوجه الأول فيها تقدير محذوف. وقد تقرر في الأصول أنه إذا تعارض التخصيص والإضمار، تعيّن المصير إلى التخصيص، وبدهي أن القول الأول يلزمه أن الآية لا توجب الصوم إلا على المقيم، فلا يكون صوم المسافر مسقطا للواجب، بل يكون الواجب في حقه الفطر، وهذا كلام قد نسب إلى الإمام علي- كرم الله وجهه- القول به. والجمهور يرون الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير أن المسافر يترخّص بالفطر كالمريض، وعليهما عدة من أيام أخر. هذا وظاهر الآية يفيد أن الصيام إنما يجب بشهود جميع الشهر، وذلك غير متأتّ، إذ إنّ شهود جميع الشهر لا يتأتّى إلا بعد انقضائه، وبعد انقضائه لا يتأتى لأحد أن يصوم ما مضى، فمن هنا قالوا: إنه يتعين أن يكون المعنى فمن شهد بعض الشهر فليصمه، غير أنهم اختلفوا، فقال بعضهم: المراد بالبعض أوّل الشهر. وهو منسوب للإمام علي، وعلى ما تقدم على مذهبه يلزم أن يكون الحكم في حق من كان مسافرا أوّل الشهر أنه لا يجب عليه صيام الشهر، بل يجب عليه الفطر. ويرى الجمهور أن أيّ بعض يكفي في وجوب الصوم، غير أنهم اختلفوا، فالحنفية يرون أن صوم جميع الشهر يجب بشهود أيّ جزء منه، ويرى الشافعية أن شهود أي جزء موجب لصوم ذلك الجزء على الراجح من مذهبهم. بعد هذا نقول: إنّ الأئمة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيمن جنّ في رمضان، ولا بد أن نعرض لهذا الخلاف فنقول: اتفقوا على أنّ من جنّ كلّ رمضان لا يجب عليه الصوم في الحال، لعدم إمكان توجّه الخطاب إليه حالا، واختلفوا فيه إذا أفاق بعد رمضان، قال المالكية وجماعة: إنه يقضي ما مضى ولو جنّ سنين. وقال غيرهم: إنه لا قضاء عليه لما مضى، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم.

стр. 75

وأما من كان مجنونا في رمضان، وأفاق بعضا منه، فالشافعية على أصحّ الأقوال عندهم أنه يصوم ما شهد فقط، ولا قضاء عليه لغيره، ومن أفاق في أثناء النهار اختلف في تكليفه بالقضاء عندهم. وترى الحنفية أن شهود أي جزء من الشهر موجب صيامه كلّه. وقد قالوا: إنّ الآية تشهد لهم، لأنّك قد علمت أنّ إجراءها على ظاهرها محال، فلا بدّ من تقديره البعض، فيكون المعنى عندهم فمن شهد بعض الشهر فليصمه جميعه. فإن قيل لهم: لماذا قدّرتم البعض في الأول، ولم تقدروه في الثاني؟ قالوا: إنا لجأنا للإضمار للضرورة، والضرورة تقدّر بقدرها، وقد اندفعت بإضمار في الأول، مع بقاء الثاني على حاله. ولكن لقائل أن يقول لهم: إن الضمير في قوله تعالى: فَلْيَصُمْهُ راجع إلى ما قبله، فإن كان ما قبله مراد منه الجميع، كان هو مرادا منه الجميع، وإن كان البعض كان مرادا منه البعض، أما إن أريد بالمرجع شيئا وبالضمير غيره فهو غير ظاهر. وقد أورد على الحنفية ما يأتي: معقول أنه إذا أفاق أثناء الشهر أن نوجب عليه ما بقي في الشهر بعد ذلك، لكن غير معقول أن نوجب عليه صوم ما مضى، لأنّ شهود الجزء لا يتأتّى أن يكون سببا لصوم ما قبله، وإلا كنا قد كلفناه الصوم قبل وقته. وقد أجابوا عن هذا بأنّا نوجب عليه قضاء الأيام الماضية لا صومها هي، وجائز إلزامه القضاء مع امتناع خطابه وقت الأداء، كالمغمى عليه والناسي والنائم. وقد اختلف العلماء أيضا في الصبي يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك بن أنس في «الموطأ» وعبد الله بن حسن «١» ، والليث «٢» ، والشافعي: إنهما يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا اليوم الذي حصل فيه البلوغ والإسلام. وقال ابن وهب «٣» عن مالك: أحبّ إليّ أن يقضياه. وقال الأوزاعي في الغلام يبلغ في النصف من رمضان: إنه يقضي ما مضى، فإنه كان يطيق الصوم.
следующие страницы →