واجبا عليه. لماذا؟ لأن الفقهاء قالوا: إن المراد في حل من عدم التمكين حتى تأخذ المهر. ولو لم يعجّل النبيّ ﷺ مهور نسائه لكنّ في حل من حق الامتناع، وهو لو طلبهن ما كان لهن حق الامتناع، لأنه عصيان لأمر الرسول ﷺ هكذا يقرر المفسرون حكما: هو الوجوب على الرسول ﷺ ، لأن الفقهاء قالوا، وبعد تسليم الذي قالوا، كيف يكون الامتناع في هذه الحالة معصية؟!! وهو مقرر بقاعدة شرعية هي التي نقلتموها عن الفقهاء!! وكذلك نريد أن نخرج مما خاضوا فيه من بحث أن المملوكات من غير الفيء هل كنّ حلالا له أو لا؟ وإنك لتعجب حين تراهم يقولون: هل كانت تحته مملوكات من غير هذا النوع أو لم يكن؟ ثم يقررون أنه لم يكن!! وإذا سئلوا عن مارية قالوا: إنّ هدية الحربيين بمنزلة الفيء. وكان خيرا لهم من هذا أن يبحثوا المسألة من الوجهة التاريخية، ولا يكتفوا بسرد رواية لا يعلم مدى صحتها إلا الله.
وأعجب من هذا أنّك تسمعهم يروون أن من بين أزواجه زينب بنت خزيمة الأنصارية، وهي التي كانت تعرف بأمّ المساكين. ثم يخوضون في أنّ غير المهاجرات كنّ محرّمات عليه أولا قبل التحريم والتحليل.
ابحثوا الذي وقع واعرفوه، ثم قولوا: هل الذي وقع كان واجبا لا معدى عنه:
أم كان التزاما للحالة الفضلى؟ هذا إذا ثبت أن جميع نسائه كن مهاجرات.
وأشد عجبا من ذلك كله خوضهم في المراد بالأزواج اللاتي أحلّهن الله لنبيه ﷺ ، فيقولون: هنّ من كنّ في عصمته: كعائشة وحفصة ممن تزوجها بمهر.
ويزعمون أن الذي يلجئهم إليه هو دفع التعارض بين هذا، وبين قوله تعالى بعد ذلك:
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ.
ولو أنهم حملوا الإحلال على الإذن العام بالنكاح من هذه الأصناف الأربعة:
الممهورات، والمملوكات، والأقارب، والواهبات أنفسهن من غير مهر، ثم يجيء قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ملزما بالوقوف عند ما انتهى إليه من الزوجات لا يعدوهنّ، كما أباح النساء للناس، ثم بيّن لهم الوقوف عند الأربع من غير المحرمات بأسباب التحريم، لو أنهم فعلوا ذلك لما كان للذي ظنوه من التعارض أي أثر. ولما كانوا في حاجة إلى أن يحملوا بنات العم وبنات العمات على القرشيات، وبنات الخال وبنات الخالات على أقاربه من بني زهرة.
ولكنّ الذي ألجأهم إلى ذلك هو أنهم لم يجدوا في نسائه واحدة من بنات عمه، وبنات عماته لم يكن منهن إلا زينب، وهذا الذي ذهبوا إليه إن نفعهم في بنات العمومة لا
стр. 632
يجدون له أثرا في بنات الخئولة، فهو لم يتزوج واحدة من بنات خاله وخالاته.
ولقد كان يغني عن هذا كله ذكر وصف القرابة، لكن الأمر ليس كما ذهب إليه المفسرون وإنما هو تعداد للأصناف التي يباح له أن يتزوج منها على الوجه الكامل.
كما بيّن للناس ما فرضه عليهم في أزواجهم في غير هذا الموضع.
ولو تمشينا معهم إلى آخر الآية لما استطعنا أن نمشي في الواهبات أنفسهن، فقد نصوا على أنّ الصحيح أنه لم يكن فيمن كان تحته من النساء من وهبت نفسها، قال أبو بكر ابن العربي: وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة موهوبة. وقد بيّنا الحديث الصحيح في مجيء المرأة إلى النبي ﷺ ووقوفها عليه، وهبتها نفسها له من طريق سهل وغيره في «الصحاح» وهو القدر الذي ثبت سنده وصحّ نقله. والذي يتحقق أنها لما قالت للنبي ﷺ : وهبت نفسي لك، فسكت عنها، حتى قام رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة «١» . إلخ القصة انتهى ما أردنا نقله عن ابن العربي «٢» .
وإلى هنا يتضح أنّ المراد بالإحلال: الإذن العام، والتوسعة في الزواج من هذه الأصناف، والإباحة له في أن يختار منهنّ من تقتضي الحكمة الزواج منها.
ولعلك بهذا الذي ذكرنا تستغني عن الكلام في تفسير الآية من جديد. فهو أن هناك أشياء تكلّم فيها المفسرون، لا نرى بأسا من التعرض لها قبل الكلام فيما ذكروا من أحكام، قالوا إنها تتصل بالآية:
فقد عرض المفسرون للحكمة في إفراد العم والخال، وجمع العمة والخالة.
- كما تكلموا عن الشرط الثاني إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها هل هو شرط في الشرط الأول، أو في مشروط الشرط الأول: وهو الإحلال.
- ولقد تكلموا في قوله تعالى: خالِصَةً فقالوا: هل يرجع إلى المرأة المؤمنة، أو لما قبله جميعا، وسنذكر هذا على الترتيب فنقول.
قال المفسرون: إن المراد من بنات العم والعمة: القرشيات، فإنّه يقال للقرشيين قربوا أن بعدوا أعمامه ﵊، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن عماته.
والمراد من بنات الخال والخالة البنات من بني زهرة. إطلاق العم والعمة:
على أقارب الشخص من جهة أبيه، والخالة والخال على الأقارب من جهة الأم، أمر جرى به العرف.
стр. 633
وقد كان تحت النبي ﷺ ست من القرشيات، ولم تكن تحته زهرية قط. وذلك يرشد إلى أنّ المراد من الإحلال الإذن في العقد على هؤلاء، دون أن يستدعي وقوعه.
وإذا حمل العم والعمة على ما هو المعروف، وكذا الخال والخالة كان الإحلال أيضا مراد منه ذلك. لأنّه لم يكن من بنات أعمامه تحته أحد، وكذا من بنات خؤولته، ولم يكن من بنات عمته معه إلا زينب بنت جحش.
ثم قالوا في الحكمة في إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة كلاما كثيرا، بل إنّ من العلماء من ألف في ذلك كتابا برأسه، فمنهم من زعم أن العم والخال لم يجمعا لوقوعهما على وزن المصدر، وهو لا يجمع.
وقيل: بل إن عدم الجمع في العم والخال جاء على الأصل من إرادة العموم عند الإضافة، وأما العمة والخالة وإن كانتا مضافين فجمعا لمكان تاء الوحدة فيهما، وهي تأبى العموم في الظاهر وجمع الكل في سورة النور في قوله تعالى: أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ [النور: ٦١] لا يسأل عن علته، لمجيئه على الأصل في نسق واحد.
ويرى بعضهم أنّ الخطاب لما كان للنبي ﷺ ، ولم يكن له إلا عمّ واحد تحل بناته له، وهو أبو طالب، أما حمزة والعباس فقد كانا أخويه من الرضاعة، فقد أفرد العم من أجل ذلك، وجمعت العمات لأنهنّ كثيرات.
ويرى البعض أن الذي جرى هنا من الإفراد في العم جرى على نحو مألوف العرب، فإنك لا تكاد تجد في كلام العرب العم مضافا إليه الابن أو البنت مفردين أو مجموعين إلا مفردا، كما قيل:
إن بني عمك فيهم رماح.
وكما قيل:
قالت بنات العمّ يا سلمى.
وجاء الكلام في الخال والخالة على مثاله، وفي هذا القدر كفاية.
وأما الشرطان في قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها فقد قالوا: إنّ الشرط الثاني شرط في الأول، فتكون هبة المرأة نفسها لا تستلزم الحل إلّا إذا وجدت إرادة الاستنكاح، ويقولون: إنّ هذه الإرادة تكون جارية مجرى القبول، وإذا كانت السين والتاء للطلب، فتكون الإرادة بمعنى الرغبة التي تسبق العقد، ثم الهبة والاستنكاح يكون بعد.
ثم إنّهم يقرّرون هنا قاعدة حاصلها: أنّه إذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر عنه في اللفظ متقدم عليه في الوجود، وهذه القاعدة لو سلمت لهم لكان ذلك مخلّا بتفسير الإرادة بالقبول، لأن القبول لا يكون إلا بعد الإيجاب، وعلى ذلك يلزم
стр. 634
أن يقال: إن القاعدة أغلبية، وأن الآية جرت على خلاف الغالب، ولكن من أين لهم هذه القاعدة؟ وما الذي يضرّ لو أنّ مجموع الشرطين جعلا قيدين في الإحلال، سبق الثاني في الوجود أو تأخر، خصوصا وقد ذهب إلى هذا الذي نقول طائفة كبيرة من العلماء في مقدمتهم إمام الحرمين.
ونحب أن نقول: إنّ أكثر العلماء على أنّ الهبة وقعت من كثير من النساء، وقد وردت روايات كثيرة في أشخاص الواهبات. غير أنّهم مع ذلك يصحّحون أنّه لم يكن تحته ﷺ امرأة وهبت نفسها.
وقد أخرج ابن سعد أنّ ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ ، ووهب نساء أنفسهنّ، فلم نسمع أنّ النبي ﷺ قبل منهن أحدا.
وقد روى ابن جرير «١» وغيره عن ابن عباس أنه قال: لم يكن عند النبيّ ﷺ امرأة وهبت نفسها.
وأما قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فقد ذهب بعضهم إلى أن (خالصة) منصوب على المصدرية. وقد جاء المصدر على هذا الوزن كثيرا: كالعافية، والكاذبة. ثم هو يرجع إلى إحلال الواهبة، أي أحللنا لك الواهبة يخلص لك ذلك خلوصا. وذهب بعضهم إلى أن (خالصة) حال من امرأة، أي أحللنا لك امرأة وهبت نفسها حال كونها خالصة لك، لا تحل لأحد بعدك.
ويرى البعض أنه راجع إلى جميع المحللات، والمعنى أحللنا لك كلّ ما تقدم على أن تختص بهن، لا يكون لأحد بعدك أن ينكحهن.
وأما قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فهو جملة اعتراضية جيء بها لتوكيد مضمون الجملة قبلها. والمعنى: أن ما ذكرناه حكمك مع نسائك، وأما حكم أمتك مع نسائهم، فعندنا علمه، نبينه لهم على حسب ما تقضي به الحكمة والمصلحة في شأنهم.
واحتيج إلى هذا هنا حتى لا يظنّ أنّ ما جاز للنبي ﷺ في أزواجه من الشؤون يجوز لأمته، وقد كان للنبي ﷺ في النكاح وفي التسري خصائص ليست لغيره، فهو يزيد في النساء إلى التسع، وغيره لا يباح له الزيادة على الأربع، واختص النبي ﷺ بنكاح الواهبات دون الناس.
والذي فرضه الله على الناس في أزواجهم ألا يجاوزوا أربعا من النساء، والولي، والشهود، والمهر، والنفقة، والكسوة، على ما في بعض ذلك من خلاف بين الفقهاء.
стр. 635
وضّحته كتب الفروع، إلى غير ذلك مما فرض الله للناس في شأن الأزواج والمملوكات، مما اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون غير شأن النبي في النساء، وما علم الله أن فيه صلاح العباد في هذا الشأن أيضا.
لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ قيل متعلّق بأحللنا، وهو راجع إلى جميع ما ذكر.
والمعنى: أحللنا لك من آتيت أجورهنّ من النساء والمملوكات والأقارب والواهبة لندفع عنك الحرج الذي يلحقك فتتفرّغ لتبليغ الرسالة.
وقيل: هو متعلق بخالصة، أو بعاملها، أي خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك، لكيلا يكون عليك حرج، فلا تبحث عن مهر، ولا تسعى في تدبيره.
ويروي بعض المحققين أنه متعلق بمحذوف، أي بينا هذا البيان حتى تخرج من الحرج، ومما يظن الناس تأثيمك فيه، ومتى علموا أنّك تصدر في الذي تفعل عن وحي ربك اندفع الذي ظنوا، وكفيت الاعتراض والتأثيم.
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يغفر للناس ما لا يمكنهم التحرز عنه، رحيما بهم، يدفع عنهم الحرج والعنت.
الأحكام
أحلّ الله تعالى لنبيه توسعة عليه، وتيسيرا له في نشر الرسالة، صنوفا من النساء، صنفا يدفع له المهر، وصنفا يتمتع به بملك اليمين، وصنفا من أقاربه، وصنفا رابعا ينكحه دون مهر، بعد أن تهب المرأة نفسها للنبي ﷺ ويتم القبول، وهذا خاصّ بالنبي ﷺ يجوز له، ولا يجوز لأحد من المؤمنين.
ذلك هو محصول الآية الكريمة على ما رجّحه العلماء من جعل الخصوصية في نكاح الهبة، وإن اختلفوا في مرجح الخصوصية في هذا النكاح على ما يأتي بيانه.
وقد أراد الكرخي أن يأخذ من تسميته المهر أجرا في قوله تعالى: آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ حجة في عقد النكاح بلفظ الإجارة، ولم يتابعه سائر الحنفية في هذا الذي ذهب إليه. ولعلّ مستند الكرخي في هذا أنّ الله قد سمّى المهر أجرا، والأجر يجب بعقد يتحقّق بلفظ الإجارة، فيصح النكاح بلفظ الإجارة.
وليس هذا يصح مستندا، فالحنفية وهم الذين يقولون: إنّ العبرة في العقود للمعاني، يقولون: إنّ معنى الإجارة يتنافى مع عقد النكاح، إذ النكاح مبني على الإطلاق، والتوقيت يبطله، وعقد الإجارة مبني على التوقيت، حتى لو أطلق المتعاقدان العقد عن التوقيت كان مؤقتا، ويتجدد العقد ساعة فساعة، فكيف يصحّ جعل ما هو موضوع للتوقيت دالا على ما يبطله التوقيت.
стр. 636
وشيء آخر: وهو أنّ الإجارة عقد على المنافع بعوض. وبعبارة أخرى هي تمليك المنافع بعوض.
ويقول الحنفية وقد فرّعوا الفروع على ما قالوا: إنّ النكاح ليس عقد تمليك، وإنما هو استباحة، وهما مختلفان في الآثار.
وفرق آخر: هو أنّ «١» الحنفية يصرّحون بأنّ المهر في النكاح ليس عوضا، وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى إظهارا لخطر المحل، ولذلك صحّ النكاح مع النص فيه على ترك المهر، ويجب مهر المثل بالدخول، ولو كان عوضا لما صح تركه، فضلا عن النص عن الإسقاط، ولو سلّم أن النكاح يقتضي التمليك فلا يصح أن يعقد بلفظ الإجارة، حتى لا يلتبس الأمر بعقد المتعة الباطل، وما ينشأ اللبس إلا من لفظ الإجارة الدالّ على التوقيت.
وما كانت تسمية المهر أجرا لتستلزم هذا الذي ذهب إليه الكرخي، وقد بينا لك فيما تقدم المسوّغ لهذا، وهو ما يبدو من شبه بين الأجر والمهر، والمسألة في هذا سهلة، فالحنفية كلهم على غير ما يرى الكرخي.
ومما جرى الخلاف فيه بين الفقهاء عقد النكاح بلفظ الهبة لغير النبي ﷺ . فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، ومحمد، والثوري، والحسن بن صالح: يجوز، ولها ما سمّى في العقد. ومهر المثل إن لم يسمّ شيء.
وروى ابن القاسم عن مالك أنّ الهبة لا تحل بعد النبي ﷺ إن كانت هبة نكاح، وقال الشافعي ﵁: لا يصحّ النكاح بلفظ الهبة.
وخلاف الفقهاء تابع لنزاع العلماء في معنى قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية والخلوص الوارد في الآية هو خلوص عقد النكاح بلفظ الهبة للنبي ﷺ ألا ترى كيف قال الله تعالى: لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وكيف قال: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها وقبل ذلك: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ وفي جميع ذلك من الإشارة ما يدلّ على أن إحلال المرأة من طريق الهبة كان خاصا بالنبي ﷺ .
وذهب آخرون إلى الخلوص والخصوصية الواردة في الآية كان في نكاح الواهبة بغير مهر. أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزا للنبي وأمته معه، لا خصوصية فيه، وهو مروي عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وزعم الذاهبون إليه أنّ الآية تدلّ عليه، وذلك أنّ الله تعالى يقول: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 637
جعل الله العقد خالصا للنبي، وأضاف لفظ الهبة إلى المرأة، وأضاف إلى النبي ﷺ إرادة الاستنكاح، فدلت المخالفة بين الجانبين على أنّ المراد مدلول اللفظ الذي فيه جانب المرأة، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض.
وأيضا فلو كانت الخصوصية راجعة للفظ الهبة لجاء في اللفظ الذي يكون في جانبه، أما خصوصية أن يكون عقده بلفظ الهبة من جانب المرأة دون أن يكون فيه إسقاط العوض فيكاد يكون غير مقبول.
ووجه آخر هو أن الله تعالى قال بعد ذلك: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وذلك يشير ظاهرا إلى أن الخصوصية دفعت حرجا. وقصر النكاح على لفظ النكاح أو التزويج لا حرج فيه، إنما الحرج يكون في إلزام المهر، لأن ذلك يلزمه مشقة السعي في التحصيل، وهو مشغول بشؤون الرسالة، ويرجّح هذا الذي نقوله قول الله تعالى في أول الآية: آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ حيث يكون إحلال الهبة مقابلا له، فيكون المعنى أحللنا لك الممهورات وغير الممهورات.
ثم هم يسوقون في ذلك حديثا رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، عن محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي ﷺ ، قالت: ألا تستحي أن تعرض نفسها بغير صداق؟ أنزل الله : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قالت: إني أرى ربّك يسارع لك في هواك «١» .
ويقولون بعد ذلك أنه قد ورد أن النبي ﷺ عقد على امرأة بلفظ التمليك لرجل على ما معه من القرآن،
فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن»
، وذلك يدل على صحة عقد النكاح بلفظ يدل على التمليك، ولفظ الهبة يدل على التمليك، فصح عقد النكاح به.
ذلك مجمل ما يقال في الاستدلال للمجيزين على ما ذهبوا إليه، وما نراه يدل لهم.
وإنا لنسألهم: أين وجدتم في الآية أنّ النكاح كان دون مهر؟ أليس في لفظ الهبة؟ فكيف يكون ما يدل عليه اللفظ خاصا به ﷺ ، وليس شيء يدل عليه إلا اللفظ ومع ذلك فأنتم لا تقولون بجواز عقد النكاح بلفظ الهبة مع بقاء معناه، وهو ترك العوض. والذي في الآية ترك العوض مدلولا عليه بلفظ الهبة.
فمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي ﷺ بلفظ الهبة مع إيجاب المهر؟ فإن كنتم تريدون أنّ عقد النكاح بلفظ الهبة يصحّ من النبي ﷺ ومن غيره، وتريدون أن تأخذوه من الآية فخذوا جواز
стр. 638
ذلك للناس جميعا بكل ما دلّ عليه، وهو العقد بلفظ الهبة من غير مهر.
أما أن تقولوا: إنّ العقد بلفظ الهبة جائز للناس جميعا ويجب المهر، فهو الذي لا نجد لكم سندا فيه.
وكيف يكون السند، والله تعالى يقول: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ولا يمكن رجوع الخصوصية للمعنى إلا بعد أن يكون مستفادا من اللفظ، مدلولا عليه به، ولو أسقط لفظ الهبة من العقد استبعد إسقاط المهر، فالحقّ أنّ الخصوصية راجعة إلى ما كان من عقد النكاح بلفظ الهبة، مع ما يحمل من المعنى، وهو تمليك البضع بغير عوض.
وما سقتم من حديث عائشة لا ينفعكم، فليس فيه إلا أنّ نكاح الواهبة كان بغير عوض، وعائشة إنما فهمت ذلك من لفظ الهبة.
ونحن نقول: إنّ الخصوصية كانت في عقد النكاح بلفظ الهبة ومعناه، أما عقده بلفظ الهبة وحده دون المعنى فلا نقول: إنّ الخصوصية راجعة إليه.
وأما ما قلتم من أن النبيّ ﷺ عقد النكاح بلفظ التمليك، فهو بعد تسليم حجية الحديث المروي فيه لا يدلّ [على ما ذهبتم إليه] .
وهناك رواية أخرى تدل على أن العقد كان بلفظ: «زوجتكها» «١» ولا دلالة فيما رويتم، فعقد النكاح بلفظ التمليك لا يفيد أن كل ما يدل على التمليك ينعقد به النكاح، ألا ترون أن لفظ الإجارة يدل على التمليك، وأنتم لا ترون النكاح ينعقد به، لما فيه من معنى يتنافى مع المقصود من النكاح، وهو أن الإجارة مبينة على التوقيت.
وكذلك نحن نقول بعد أن نسلّم لكم أنّ صيغ العقود يصحّ القياس فيها: إنّ لفظ الهبة نصّ على ترك العوض، والنكاح لا بدّ فيه من العوض، وإن لم يذكر في العقد، فلا يصح أن يدل عليه بلفظ صريح في ترك العوض.
هذا ما رأينا أن نذكره مما تكلم فيه المفسرون من الأحكام، وهناك أشياء أخرى عرض لها المفسرون: كالكلام على أعمام النبي، وعمّاته، وأخواله، وخالاته ومن وهبت نفسها من النساء، وما نرى أن نتابعهم فيه، لأنّ ذلك حتى بعد صحة ما يروى لا فائدة من ذكره [هاهنا] .
قال الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) الإرجاء: التأخير والتنحية.
стр. 639
والإيواء: الضم والتقريب.
والابتغاء: الطلب.
والعزل: الإبعاد.
اختلف في سبب نزول هذه الآية، فروى أبو رزين العقيلي أنّ نساء النبي ﷺ لمّا أشفقن أن يطلقهنّ رسول الله ﷺ قلن: يا رسول الله! اجعل لنا من نفسك ومالك ما شئت فكانت منهن: سودة بنت زمعة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة غير مقسوم لهنّ.
وكان ممن آوى: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة: يضمهن ويقسم لهن.
وقيل كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن الرجل أن يخطبها حتى يتزوجها رسول الله ﷺ ، أو يتركها.
ويكون المعنى على ما روى أبو رزين: اعزل من شئت من القسم، وضمّ إليك من تشاء.
ويرى ابن العربي «١» أنّ القولين غير صحيحين، أما ما روي عن أبي رزين فلم يرد من طريق صحيح.
وأما الآخر، فلأنّ امتناع الخطبة بعد خطبة الرسول ﷺ لا ذكر له، ولا إشعار به، وهو مع كونه غير خاص بالنبي ﷺ لا يكاد يتسق مع باقي الآية.
وقد اختلف العلماء في المراد من الإرجاء والإيواء:
فقد روي عن ابن عباس أنّ معنى الآية: تطلّق من تشاء، وتمسك من تشاء.
وروي عن قتادة: أنّ المعنى: تترك من تشاء، وتنكح من تشاء، وقد أسلفنا لك. عن أبي رزين ما يفيد أن المعنى: تترك من تشاء من غير قسم، وتقسم لمن تشاء.
ويرى ابن العربي «٢» أنّ الصحيح في سبب نزول الآية وفي معناها هو ما روي من طريق صحيحة عن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهنّ لرسول الله ﷺ ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
وثبت في «الصحيح» «٣» أيضا عنها أنّ رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منّا بعد أن نزلت هذه الآية: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فقيل لها: فما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان الأمر إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا أبدا.
стр. 640
ويرى ابن العربي «١» أنّ المعنى بعد ذلك هو: أن النبي ﷺ قد أذن له في غير إلزام أن يكون مردّ الأمر في القسم إليه، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، لكنّه كان يقسم بينهن من غير أن يكون القسم فرضا عليه.
وذلك خاصّ به دون المؤمنين. وقد ظلّ شأن النبي مع نسائه وشأن نسائه معه على هذا، حتى أدرك الكبر سودة بنت زمعة، فوهبت قسمها لعائشة، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
ولنرجع بعد ذلك إلى تفسير الآية بتمامها، حتّى يتبين من التفسير أيّ المعاني أجدر بأن يكون مقصودا من الآية.
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قد عرفت مما سقناه لك آنفا أنّ الإرجاء التأخير، وأن الإيواء الضم، وعرفت آراء العلماء في المراد بذلك.
ونزيد هنا أنهم اختلفوا أيضا في مرجع الضمير في (منهن) ، فرآى بعضهم أنه يرجع إلى نساء الأمة جميعا، وأنّ المعنى أن لك أن تترك نكاح من تشاء من نساء الأمة، وأن تنكح من تشاء.
وهذا القول بعينه قدمناه لك في جملة الأقوال.
ونقول: إنه لم يفد فائدة جديدة، فالمقصود منه قد استفيد من آية إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قول الله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ على ما تقدم بيانه، وهو بعد ذلك لا يتسق مع قول الله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ.
ويرى البعض أنّ الضمير للواهبات، ويكون المعنى إنّ لك أن تقبل هبة من تشاء، وتترك هبة من تشاء، ويروون في ذلك من الروايات ما يستندون إليه، إذ يفيد أنّ بعض الواهبات قبلهنّ الرسول ﷺ ودخل بهن، وأرجأ البعض الآخر، ولم يدخل بهن، ويقولون: إنّ منهن أمّ شريك.
وأنت تعلم مما سبق أن العلماء اختلفوا في وقوع الهبة، وعلمت أنّ الصحيح أنّها وقعت، وعلمت كذلك أنهم اختلفوا في قبوله ﷺ الهبة منهن، وأن الصحيح أنه لم يكن تحته امرأة وهبت نفسها، ومتى علمت هذا كان لك أن تحكم بضعف هذا القول، خصوصا إذا نظرت إلى أن ضمير (منهن) للجمع، ولم يرد للواهبات ذكر بالجمع حتى يكون مرجعا، فخير أن يكون مرجع الضمير لنسائه اللاتي هنّ تحته: وأنّ المراد ترك أمر القسم إليه، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم توسعة عليه، حتى تطمئن نفوس زوجاته، على ما يأتي بيانه.
стр. 641
وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي أنّه لا حرج ولا إثم إذا عنّ لك أن تطلب إحدى المرجئات والمعزولات، فتضمها، وتؤويها إليك بعد عزلها وإرجائها، ويجوز حمل الإرجاء والعزل هنا على الطلاق، ويكون المعنى: ومن طلبت رجوعها ممن تكون قد عزلت فلا جناح عليك في طلب رجوعها إلى العصمة.
ويجوز أن يراد منه التأخير في القسم، أو ترك القسم، ويكون المعنى: ومن طلبت إيواءها وإدخالها في القسم ممن أخرت القسم لها أو تركته، فلا جناح عليك.
وأما أن يراد بالابتغاء طلب النكاح، وبالعزل والإرجاء تركه، على أن يكون المعنى: ومن طلبت نكاحها من اللاتي تركت فبعيد، لأنّ العزل مشعر بأن تكون المعزولة كانت في زمرة ثم عزلت، وفصلت عنها. والتي رفض نكاحها لا يقال:
إنها كانت في زمرة فصلت وعزلت منها. ومَنْ عل كلّ هذا شرطية جوابها فلا جناح عليك.
وروي عن الحسن أنّ معنى الآية: إنّا جعلنا لك أمر الإرجاء والإيواء، وجعلنا لك أيضا أن تطلب نكاح من تشاء عوضا ممن عزلتها بالطلاق أو بالموت. وهو في هذا يحمل الإرجاء على الطلاق، ويكون المعنى: أن الله أحلّ لك صنوفا من الأزواج، تطلق من تشاء منهن، وتعتاض عمن عزلت بالطلاق أو بالموت منهن، وعلى هذا (فمن) في قوله: مِمَّنْ عَزَلْتَ للبدل، مثلها في قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ أي بدل الآخرة.
ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً اسم الإشارة يرجع إلى ما تضمّنه الكلام السابق من تفويض أمر الإرجاء والإيواء إلى النبي ﷺ ، أي إنّ تفويضنا الأمر- في إبقاء من تشاء، وترك من تشاء، أو في القسم وتركه إليك- أقرب أن تكون أعينهن قريرة. وذلك كناية عن سرورهن بذلك، فلا تحزن من كان لهن الإرجاء، ويرضين بما تصنع معهن. لأنّه متى علمن أنّ الأمر صار إليك، صار في مرجو المعزولة أن تكون يوما صاحبة فراش، فلا تيأس من قربك، ولا تقنط من رحمة الله.
وأما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ فهو خطاب للنبي ﷺ ولأزواجه ﵅، وجمع بجمع الذكور للتغليب، وتعقيب الكلام السابق بهذا يراد منه الحثّ على إصلاح ما عساه يكون في القلوب جميعا بالقدر المستطاع، فيخفف النبي ﷺ ما عساه يكون منه من أثر للميل في معاملة نسائه، ويذهب من النساء ما عساه يكون من أثر للغيرة التي تغلب النساء عادة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً يعلم خفيّات الصدور، وما يكون لها من آثار ظاهرة وباطنة. ولا يعجل العقاب قبل الإرشاد والنصح.
стр. 642
قال الله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) لا يزال الكلام متصلا في خطاب الرسول ﷺ في شأن أزواجه، فلا تبحث عن الربط. و (بعد) في قوله: مِنْ بَعْدُ ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه.
وقد اختلف في تعيين هذا المحذوف على ثلاثة أقوال ترجع في الحقيقة إلى اثنين.
١- روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: المراد من (بعد) من عندك من النساء اللواتي اخترنك على الدنيا، ويكون ذلك قصرا للنبي ﷺ على أزواجه مجازاة لهنّ، وشكرا على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراما له في قوله:
وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.
٢- روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: المراد من (بعد) من أحللنا لك في الآية المتقدمة، وهن الأصناف الأربعة.
٣- روي عن مجاهد أن المعنى: لا يحل لك نكاح غير المسلمات.
وهذا الرأي الأخير في الحقيقة يرجع إلى الثاني، لأنّ المروي عن أبيّ يدل عليه، إذ ليس في الأصناف التي أحلّت للنبي غير مسلمة، فيكون ما روي عن مجاهد داخلا في الذي روي عن أبيّ، ويكون المعنى: لا يحل لك من عدا من آتيت أجورهن، وقرابتك المؤمنات. المهاجرات وما ملكت يمينك ومن وهبت نفسها إليك.
ويقول ابن العربي «١» : ويقوى في النفس قول ابن عباس، والله أعلم كيف وقع الأمر.
وسيأتي لنا كلام في هذا عند الكلام على آراء العلماء في نسخ الآية.
وقد اختلف العلماء أيضا في قوله تعالى: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ فروي عن ابن عباس أنّ المراد: لا يحلّ لك أن تطلّق أحدا من أزواجك لتنكح غيرها.
وروي عن مجاهد أن المعنى: لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة، ونقل عن ابن زيد أن المعنى: لا تعطي زوجك بدلا من زوج رجل آخر.
أما قول مجاهد فهو مبنيّ على رأيه في صدر الآية، ولو تأملت وجدت صدر الآية مغنيا عنه على حسب تأويله هو، فإنّ صدر الآية معناه عنده: لا يحل لك نكاح غير المسلمات، وذلك يقتضي تحريم العقد عليهن مطلقا، سواء أكان العقد مبتدأ، أم على وجه الإتيان بالمشركة بعد اطراح المسلمة من العصمة، وحينئذ يخلو وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ من الفائدة.
стр. 643
وأما قول ابن زيد فباطل أيضا، فإنّ نكاح الاستبدال الذي يدّعيه حرام على كل الناس، فلا يكون هناك محلّ لتوجيه الخطاب إليه وحده.
وأما إعراب قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ فيرى البعض أنّها في موضع الحال، والمعنى: لا يحل لك أن تتبدل بهن أزواجا على أي حال، حتى حال إعجابك بحسنهن. ويرى البعض أنّ هذه جملة شرطية حذف جوابها، لفهمه من الكلام، والمعنى: ولو أعجبك حسنهنّ لا يحل لك نكاحهن.
إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ رأيت في الذي سبق أنّ تقييد حلّ المملوكة بكونها فيئا لا يقصد منه الاحتراز، وقد جاء استثناء المملوكات من المحرمات مطلقا، فهو متفق مع الذي قلنا هناك.
وأما من يرى أنّ القيد هناك للاحتراز، فلعله يحمل المطلق هنا على المقيد هناك، أو لعلّه يقول: إنّ العموم هنا أبطله الخصوص هناك، وما نريد أن نعرض إلى أن النبيّ ﷺ هل كان يحل له الكافرات، أو هن كنّ محرمات عليه؟ فالواقع أنّ النبي لم ينكح كافرة بعد الرسالة، والبحث في حلهن وحرمتهن غير مجد بعد ذلك.
بقي أنّ العلماء اختلفوا في الآية: أبقيت محكمة لم يدخلها النسخ، أم نسخت؟
والذين قالوا بالنسخ اختلفوا في الناسخ: أهو الكتاب أم السنة؟ فذهب جماعة إلى أنّها محكمة، وأنّ ذاك كان تكريما للمختارات، وجزاء على إحسانهن.
ويرى البعض أنها منسوخة، ويروون في ذلك حديثا عن عائشة: «ما مات النبي ﷺ إلا وقد أحلّ الله له من شاء من النساء إلا ذات محرم» «١» ويقول ابن العربي «٢» في هذا: إنه حديث ضعيف شديد الضعف.
والذين ذهبوا إلى النسخ اختلفوا في الناسخ، فيرى بعضهم أنّ الناسخ هو قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى آخر الآية، ويقولون: إنّ الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول.
وهذا عجيب من قائليه، فإنّ النسخ في الحقيقة يعتمد ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض، وأين هذا مما يقولون؟ هل مجرد احتمال أن تكون الآية التي معنا متقدمة في النزول كاف لإثبات النسخ فيها؟
أما الذين قالوا: إن الآية منسوخة بالسنة، وإن ذلك دليل على جواز نسخ الكتاب بالسنة، فأمرهم أعجب، فإن الذين يجيزون نسخ الكتاب بالسنة لا يقولون إنّه
стр. 644
ينسخ بكل سنة، بل كان متواترا معنى، وهو المشهور، فكيف يكون النسخ هنا بقول عائشة، وهي لم ترفعه، وفوق ذلك يقول ابن العربي فيه: إنّه حديث ضعيف.
ثم كيف جاز لهم أن يجعلوا النسخ هنا دليلا على القاعدة الأصولية: نسخ الكتاب بالسنة، والأصول لا تثبت إلا بقاطع كما يقولون. وحديثهم الذي يستدلون به على النسخ قد علمت قيمته.
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً يطلع على ما يكون من كل أحد فيجازيه بحسابه.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) روي في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة سنذكرها، ونبيّن الصحيح منها بعد أن نقول لك: إنّ الكلام هنا بيان لما يكون عليه حال المؤمنين مع النبي ﷺ وهو في البيت، وذلك ينتظم أحوالا كثيرة بينت الآية الكريمة أحكامها: منها لزوم عدم الدخول إلا بعد صدور الإذن، وهذا يكون بعد الاستئذان. ومنها أن الدخول إذا كان لطعام فيلزم أن يكون المجيء إليه في إبانه لا قبله. وأن ينتشروا على فور الطعام، ولا يمكثوا سامرين.
وسيأتي عند الكلام على تفسير الآية ما يراه العلماء في معنى الآية، وإنما نذكر هنا أن الآية سيقت لبيان آداب الناس في بيت الرسول ﷺ ، والآية بعد هذا اشتملت على أحكام دخول البيت، وعلى حجاب النساء، ومنع المؤمنين من مخالطتهن، ولو من طريق المسألة إلا من وراء حجاب.
وقد ذكر العلماء أسبابا كثيرة يرجع بعضها إلى مسألة دخول البيت، ويرجع بعضها الآخر إلى مسألة حجاب نساء النبي ﷺ .
ونرى أن لا مانع من أن يكون كلّ ما روي بعد أن يكون صحيحا سببا للنزول، وقد علمت مرارا أنّ الآية نزلت على أسباب كثيرة.
روى البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له «١» عن أنس بن مالك قال: تزوج
стр. 645
رسول الله ﷺ ، فدخل بأهله، فصنعت أمّ سليم حيسا، فجعلته في تور، وقالت لي: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت إليك بها أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا لك منا قليل يا رسول الله. قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّ أمي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا منا لك قليل يا رسول الله. فقال:
«ضعه» ، ثم قال: «اذهب فادع لي فلانا وفلانا، ومن لقيت» فسمّى رجالا. قال:
فدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنس: عددكم كما كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أنس هات التّور» قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفّة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ : «ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كلّ إنسان مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال لي: يا أنس ارفع، قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت! قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فسلّم على نسائه، ثم رجع. فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنّوا أنّهم قد ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله ﷺ فقرأهن على الناس: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ إلى آخر الآية [٥٣] ،
قال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي ﷺ .
ورويت روايات كثيرة قال فيها أبو بكر بن العربي «١» : إنها ضعيفة كلّها ما عدا الذي ذكرنا، وما عدا الذي روي أنّ عمر قال: قلت يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب «٢» . وما دامت الروايات لم تصح فلنعرض عن ذكرها.
وهناك رواية أخرى في «الصحيح» «٣» أيضا تعيّن الزوجة، وذلك على نحو ما روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس قال: لما تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء
стр. 646
النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فجئت فأخبرت النبيّ ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ.
ولعلّك بعد الذي قدّمنا في غير حاجة إلى إعادة القول في إضافة البيوت مجموعة إلى النبي ﷺ ، فهي بيوته، اختصّ بها، وأعدها لسكنى أزواجه المتعددات، وقد نهى الله المؤمنين أن يدخلوا هذه البيوت إلا دخولا مصحوبا بالإذن، والاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن لكم، وتكون باء المصاحبة مقدرة في الكلام.
وذهب بعضهم إلى أن الباء المقدّرة باء السببية، والاستثناء من عموم الأسباب.
وذهب الزمخشري إلى عدم تقدير الباء، وإلى أن الاستثناء من عموم الأوقات، أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن، وهذا متوقف على صحة وقوع المصدر المؤول مع الظرف. ويرى أبو حيان أنّ وقوع المصدر موقع الظرف خاصّ بالصريح دون المؤول، والمسألة خلافية من خلافيات النحاة، والأشهر أنه لا يجوز.
وقوله تعالى: إِلى طَعامٍ متعلّق بيؤذن، وكان الظاهر أن يعدّى (بفي) بدل (إلى) إلّا أنّ الفعل يُؤْذَنَ ضمّن معنى الدعوة، فعدّي بما يتعدى به فعلها، وتضمينه معنى الدعوة للإيذان بأنه لا ينبغي الدخول للطعام إلا بدعوة إليه، وإن وجد صريح الإذن بالدخول، ويرى البعض أنّ إِلى طَعامٍ تنازعه تدخلوا ويؤذن.
غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ إناه مصدر مضاف إلى الضمير، نقول: أنى الطعام يأنى إذا نضج إنى، أي نضجا.
ويرى بعضهم أنّه ظرف بمعنى حين، وهو مقلوب آن، فجاءت النون قبل الألف، وغيرت فتحة الهمزة كسرة، والمعنى على الأول: غير منتظرين نضجه، وعلى الثاني غير منتظرين وقته، أي وقت إدراكه ونضجه، وهما متقاربان.
ثم إن (غير) منصوب على الحالية، وهي حال مترادفة، أي لا تدخلوا في حال من الأحوال، إلا حال الإذن لكم، غير منتظرين النضج أو وقته، وصاحب الحال على هذا هو واو الجماعة في لا تَدْخُلُوا.
ويرى بعضهم أنه حال من فاعل فعل محذوف، أي ادخلوها غير ناظرين إناه.
وجوّز بعضهم أن يكون حالا من الضمير المجرور في لَكُمْ، ويكون المعنى: لا تدخلوا إلا حال الإذن، حال كونكم غير ناظرين. ويكون هذا إشارة إلى أنّ الإذن ينبغي أن يكون لمن كانت عادته لمن يسبق وقت الطعام، فإنّ ذلك يكون إثقالا على من في البيت.
стр. 647
ويرى البعض أنّ قوله: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ حال من الواو في تَدْخُلُوا ويكون المعنى: نهيهم عن الدخول في هذه الحال، وهي حال عدم انتظار الطعام. وهم يروون في ذلك أنّ بعض أصحاب الرسول ﷺ كان يدخل في وقت الطعام من غير سابق دعوة، وكانوا يسمّون الثقلاء من أجل ذلك، وبعد تسليم ما رووا فكيف تفيد الآية النهي عن الذي كان منهم؟ لعلهم يقولون: إنّ المعنى: لا تدخلوا حال كونكم غير منتظرين وقت الطعام، إلّا أن يؤذن لكم. ويكون المراد نهيهم أن يدخلوا على الفجاءة، وأما إذا جاؤوا ومكثوا انتظارا للطعام، فلا يكون ذلك منهيا عنه وهم بهذا يدفعون ثقيلا بأثقل منه، إذ إنهم يجوز لهم حينئذ أن يدخلوا البيت، ويمكثوا ما طاب لهم المكث حتى يجيء الطعام، ويهيّأ لهم.
وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا هذا استدراك على ما فهم من النهي عن الدخول بغير إذن، وهو مشعر بأنّ الإذن متضمّن معنى الدعوة، وهو بعد هذا تصريح بما علم قبل.
فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا أمر بالتفرّق بعد الفراغ من الطعام، بعدية يرجع في تحديدها إلى ما يجري به العرف.
وأنت بعد الذي اطلعت عليه من سبب نزول ترى أنّ النبيّ ﷺ كان قد ثقل عليه أن يمكث هؤلاء الأضياف بعد أن فرغوا من الطعام، ولم يدعوه يتفرّغ لبعض شأنه في بيته، وكان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالتفرّق.
وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ الاستئناس للحديث طلب الأنس به، والطمأنينة والسرور والارتياح له، وقد أطلق نفي الاستئناس للحديث من غير بيان صاحب الحديث، للإشارة إلى أنّ المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق، أيا كان الاستئناس، سواء كان لحديث بعضهم بعضا، أو لحديث غيرهم، فإنّ الأمر كان أمر وليمة، وقد انتهت، ولم يبق إلا أن يفرغ من البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك نوع من الثقل غير محمود.
ويرى بعض المفسرين أنّ قوله تعالى: مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ معطوف بالجر على (ناظرين) وتكون (لا) لتأكيد النفي، ويجوز أن تكون (لا) بمعنى (غير) معطوفة على (غير ناظرين) .
ويرى البعض أنّ (مستأنسين) حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، واللام في قوله: (لحديث) إما تعليلية داخلة على محذوف، أي لأجل استماع الحديث، أو هي للتقوية.
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ هذا بمثابة التعليل لما قبله، أي إنما نهيتم عن دخول بيت النبي ﷺ إلا في الحدود المبينة، لأن النبي ﷺ يتأذّى من الدخول على غير هذه الحدود وإيذاء النبي لا يصح أن يكون من المؤمنين، من أجل
стр. 648
ذلك بيّنا لكم الحدود، ورسمنا الطرق، حتى لا يلحقه أذى، وقد كان النبي ﷺ ضجرا على ما عرفت من أسباب النزول. من بقاء من بقي عنده بعد انتهاء الطعام، بل لقد همّ بالقيام لينتبهوا فيقوموا فأقاموا، ولقد كان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالانصراف.
وقد كان من عادات العرب ألّا يطلبوا إلى الضيف الانصراف بعد القرى مهما طال المكث، وكان الناس من أجل ذلك في حاجة لأن يتعلموا آداب المنازل، والنبي ﷺ شديد الحياء، فنزل القرآن إرشادا لهم وتعليما.
واسم الإشارة على ما ترى راجع إلى ما يكون منهم من الدخول على غير الوجوه المبيّنة، وقيل: بل هو راجع إلى مفهوم من الكلام، وهو المكث قصد الاستئناس للحديث، أو راجع إلى الاستئناس المفهوم من مستأنسين.
والاستحياء على الحقيقة لا يكون منهم، وإنما يكون من شيء يتصل بهم، ويلحقهم من جهته، وهو إخراجهم أو منعهم من البقاء والمكث، وإلا فالذات لا يستحيا منها، إنما يكون الاستحياء من الأفعال.
انظر إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ فإنّه يدل على أنّ الذي كان يستحي منه النبي هو الحق، وهل يتصف بالحقيقة إلا الأفعال؟ ولو كان المراد الاستحياء من ذواتهم لقال تعالى في مقابله والله لا يستحي منكم.
وأطلق استحياء الله من الحق وأريد منه عدم السكوت عن بيانه، فسمّى السكوت عليه استحياء على طريق المشاكلة، لوقوعه بجانب استحياء الرسول ﷺ من إخراجهم.
و [يفيد] ظاهر الآية منع مكث المدعو إلى الطعام بعد تناول الطعام إذا كان ذلك مؤذيا لصاحب البيت، وإذا كانت الآية التي معنا خاصة بآداب دخول بيت الرسول ﷺ فقد تكفّلت سورة النور ببيان آداب دخول المنازل على الإطلاق في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) [النور: ٢٧] وفي غيرها من الآيات، فارجع إليها إن شئت.
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.
لا يزال الكلام كما ترى متصلا في ذكر آداب الدنو من بيوت النبي ﷺ ، ترى ذلك ماثلا في ضمير النساء في قوله تعالى: سَأَلْتُمُوهُنَّ فهو راجع إلى نساء النبي ﷺ ، وقد فهم اشتمال الكلام عليهن من النهي عن دخول البيوت، وعن إطابة المكث تلذذا بالحديث، وعن الأمر بالدخول إن كانت هناك دعوة، والانتشار عقب الطعام، ومن أن مخالفة ذلك تؤذي النبي ﷺ ، وهو ما كان ليتأذّى لولا وجود النساء في البيوت، فإرجاع الضمير إلى مفهوم من الكلام السابق مؤذن بأنّه متصل بالكلام
стр. 649
السابق، متمّم له في ذكر آداب البيوت، واقع على ما وقع عليه من سبب، فهو في غير حاجة إلى ربط جديد، ولا إلى سبب خاصّ يقع عليه، وأنه ليكفي أن يوجد شأن من الشؤون يتصل بالبيوت، لنذكر كل الأحكام التي تكفل حياطة البيوت من الأذى.
ويرى بعض المفسرين تنزيل هذه الآية على سبب خاص روي هنا من طريق صحيح، ويعدون الآية إحدى موافقات القرآن لعمر ﵁، وذلك على نحو ما قدمنا مما
روى البخاري «١» وغيره عن أنس ﵁ أنه قال: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر، ولو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب.
وليس هناك ما يمنع أن يكون ذلك أحد الأسباب التي نزلت من أجلها الآيات في شأن بيوت النبي ﷺ ، ويكون قد جاء في بعضها أو كلها ما يوافق رأي عمر، وحرصه على كرامة نساء الرسول ﷺ ، فتكون الأسباب قد تجمّعت فنزلت الآيات متصلا بعضها ببعض في صيانة بيوت النبي ﷺ وحرمة أزواجه.
والمتاع ما يستمتع به حسيا كالماعون، أو معنويا كتعرّف الأحكام، والحجاب:
الساتر، وتكليف الرجال سؤال النساء المتاع من وراء حجاب مؤذن بتكليف من في البيوت ضرب الحجاب، لأنّه من غير المعقول أن يكون ضرب الحجاب على غير أصحاب البيوت.
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ الإشارة راجعة إلى السؤال من وراء حجاب، أو إلى كلّ ما تقدم من الأحكام، ومعنى كونه أطهر أنّه أكثر تنزيها لقلوب الرجال والنساء من الهواجس التي تتولّد فيها عند اختلاط الرجال بالنساء، فإنّ الرؤية بريد الفتنة.
هكذا كفل القرآن بيوت النبي ﷺ بهذه الأحكام، وأبعد عنها الريبة. واجتث أصول المخاوف والفتنة، فالآيات كما ترى خاصّة بآداب الاتصال ببيوت النبي ﷺ خاصة بلفظها، وبتوجيه الخطاب فيها، وبأسباب نزولها، وبما ذكر فيها من علة.
وأما بيوت المؤمنين فقد تكفلت بآدابها سورة النور كما قلنا لك وآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الآية في سورة الأحزاب وستعرف فيها آراء العلماء في الحجاب.
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً.
والمعنى: أنّه لا يكون من شأن المؤمنين أن تقع منهم أذية للرسول ﷺ أيا كان نوعها، سواء أكانت من النوع الذي ذكر في الآية مما يتصل بالبيوت، أم من غيرها، وهذا التعميم يرشد إليه إطلاق الفعل. تُؤْذُوا عن التقييد بكونه في البيوت،
стр. 650
أو في غيرها، فدلّ ذلك على أنّ شأن المؤمنين ألا يكون منهم للرسول ﷺ إلّا ما يكون إكراما وشكرا على ما أسدى إلى الأمة من خير، فلا معنى لتقييد الأذى هنا بنوع منه، كاللبث في بيوته ﷺ ، والاستئناس للحديث فيها، وكون الآية وردت في هذا السياق لا يقتضي تقييدها به، بل يقتضي دخولها في العموم الذي دلّت عليه الآية.
وذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدّثهم نفوسهم بأذيته، إذ ذلك يكون كفرانا بنعمة الرسالة الواجب شكرانها.
وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ ذكر هذا بعد النهي عن الأذى بصيغة الخبر من قبيل ذكر الخاص بعد العام، للاهتمام به، فإنّ امتهان فراش الرسول ﷺ من أكبر الأذى.
وقد عرض المفسرون هنا للكلام في المراد من الأزواج، وقد سبق لك عند الكلام على آية التخيير شيء من هذا.
فقد ذهب بعضهم إلى أنّ الأزواج اللائي لا ينكحن هن من ثبت لهن هذا الوصف، ولو من طريق العقد من غير أن يدخل بها. وإطلاق الأزواج هنا ظاهر في هذا.
ويرى بعضهم كإمام الحرمين قصره على المدخول بها، ونحيلك هنا على ما ذكرناه عند الكلام على المختارات، لتقف على أرجح الأقوال في ذلك.
وقد عرض المفسّرون أيضا إلى البعدية من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً هل هي بعدية الوفاة، أو بعدية الفراق مطلقا. وما دام أنه ﷺ لم يثبت أنّه طلق أحدا من نسائه من طريق صحيح، وحتى التي قيل: إنها اختارت الدنيا قيل: إنها جنّت، وقد منعه الله من أن ينكح أزواجا بعد اللائي كنّ معه، وأن يطلقهن ليتزوج غيرهن.
فما نرى معنى لهذا الذي خاض فيه المفسرون، ونرى أنّ البعدية بعدية الوفاة.
وأما الكلام في حلّ المطلقة، ومن فسخ نكاحها فهو كلام مبني على الفرض والتقدير، ولا شأن للآية به، وإن كان لنا أن نقول شيئا فذلك أنّ إضافة البعدية إلى ضميره ﷺ ظاهر في بعدية الوفاة. وأيضا فإنّ منع المؤمنين من نكاح أزواجه إنما هو لكفّ الأذى عنه ﷺ ، وأي أذى يلحقه من أن تنكح امرأة نبذها، ولم تنل شرف أمومة المؤمنين. إنّ منع زواجها فيه أذاها هي، ولا يليق أن يكون مقصدا من مقاصد الشريعة إلحاق الأذى بالناس، على أنّ منعها من الزواج فيه تسوية بينها وبين من نلن رضاء الرسول ﷺ ، واللازم عدم التسوية.
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً اسم الإشارة راجع إلى إيذاء الرسول ﷺ ، ونكاح أزواجه من بعده.
قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لما كان مقام البيوت خصوصا بيوت النبي ﷺ يقتضي حيطة شديدة، حتى يكون
стр. 651
الامتثال للأحكام الواردة فيه يتفق فيه الظاهر والباطن، أعقب الله الآيات الواردة فيه بما يجعل الناس في تمام اليقظة، وعلى أشد ما يكون من الحذر، ذلك أنه نبههم إلى أنّ علمه قد أحاط بخفيات النفوس، فضلا عما يظهر منها، وذلك تهديد شديد يقطع ما يخالج النفوس من الوساوس، وما يحيط بها من دوافع الشهوات، فيعمل الناس على الإقلاع عن مجاراة الوساوس، واستئصال نوازع الشهوات، فإنّ الله مطّلع على ما ظهر وما خفي، ومجاز كلّ إنسان بحسب ذلك العلم، ومن ذا الذي يستطيع بعد هذا أن تحدثه نفسه بالدنو من الأذى، والله القادر على الجزاء قد أحاط بكل شيء علما.
قال الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) قد فهم مما تقدّم أنّ على نساء النبي ﷺ أن يحتجبن عن الرجال، ولا يظهرن عليهم، وقد يفهم النصّ على عمومه، فيتناول أقرب الناس إليهنّ، وفي ذلك ما فيه من حرج، بل قد يكون فيه قطع الرحم التي أمر الله أن توصل، فجاءت هذه الآية الكريمة لبيان الأقارب الذين لا يحرم ظهور نساء النبي ﷺ أمامهم من غير حجاب.
وقد ذكر الله من ذلك ستة أصناف هم: الآباء، والأبناء، والإخوان، وأبناء الإخوان، وأبناء الأخوات، والنساء المضافات إليهن، وما ملكت أيمانهنّ.
وقد بقي من المحارم: الأعمام والأخوال من غير ذكر، وقد ذهب العلماء في ذلك مذاهب:
فمنهم من يرى أنه اكتفي عنهم بذكر الآباء، وقد جرى العرف بإطلاق الأب على العم والخال.
ومنهم من رأى أنّ في ذكر أبناء الإخوان رمزا إلى قرابة العمومة، وفي ذكر أبناء الأخوات رمزا إلى قرابة الخئولة، وذلك أن من يكون ابن أخي المرأة تكون المرأة عمته، ومن يكون ابن أختها تكون هي خالته.
وعجب أن يرى بعض العلماء أنّ عدم التنصيص على الأعمام والأخوال يقتضي وجوب الاحتجاب منهم، ويذهب في التعليل مذهبا أعجب، فيقول: إنّ الأعمام والأخوال لو اطلعوا على النساء فربّما وصفوهنّ لأبنائهم؟
يا هؤلاء! أنتم تتكلمون في نساء متزوجات، هن أزواج النبي ﷺ ، فهل يريد العم أن يفسد ابنة أخيه على زوجها- وهو المصطفى- ليزوجها لابنه، وهل تقولون:
إنّ الحكم كذلك في سائر النساء، ولا تعدون الأخوال والأعمام محارم في حق النظر، أو تقولون إن ذلك خاص بنساء النبي ﷺ ؟! وإذا كان خوف الوصف يصلح علّة للحجاب، فالوصف ممكن في الجميع، لا للأقارب فحسب، بل للأجانب، فكلّ من
стр. 652
أبحتم له النظر يمكن أن يصفها لكل من تحلّ له، سواء أكان قريبا أم أجنبيا، والعمة والخالة تريان من المرأة كل شيء إلا العورة، ويمكن أنّ كلّ واحدة منهما تصف لابنها ما رأت من ابنة أخيها أو من ابنة أختها.
وكيف يمكن أن يكون إمكان الوصف علة في الحجاب، وقد أباح النبي ﷺ نظر المرأة لمن أراد أن يخطبها
وقال: «انظر إليها، فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما» «١» .
وقد اختلف العلماء في تعيين المراد من النساء في قوله تعالى: وَلا نِسائِهِنَّ فروي عن ابن عباس ومجاهد أنّ المراد منهنّ المؤمنات، وتكون إضافتهن إليهن باعتبار أنهن على دينهن، ويكون ذلك دليل احتجاب نساء النبي ﷺ من الكافرات.
ويرى بعضهم أنّ المراد منهن النساء القريبات، وتكون إضافتهنّ إليهن لمزيد اختصاصهن بهن، لما لهنّ من صلة القرابة، وكذلك من يكون من النساء مضافا إليهن لأي صلة أخرى، كالمتصرفات الخادمات.
وأما ما ملكت الأيمان فهو بظاهره، ويعمّ الذكور منهم والإناث، وتخصيص بعض العلماء له بالإماء يحتاج إلى دليل يدلّ على أنّ المرأة تحتجب من عبدها، ويبقى ظاهر الآية معمولا به حتى يقوم الدليل.
وقد تكلم بعضهم بعد ذلك في دخول المكاتب، وعدم دخوله، وهو رقيق ما بقي عليه درهم، فمن نظر إلى هذه الجهة قال: إنّ الآية تتناوله بظاهرها، وإخراجه يحتاج إلى الدليل، ومن نظر إلى أنّ الله إنما أباح الظهور للعبد لحاجة المرأة إلى خدمته، ومن حيث إنه حرّ يدا، وهو مشغول بسعيه في أداء بدل الكتابة، فهو لا يقوم بخدمة سيدته، ومن أجل ذلك لا يوجد المعنى الذي من أجله رفع الجناح في العبيد، فلا يكون مما تتناوله الآية.
وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً لما كان أمر الحجاب عن الأجانب، والترخيص في تركه للأقربين المحارم يحتاج إلى كثير من الحذر والتقوى، فقد يجر دخول الأقارب بيوت الأزواج إلى مفاسد ومنغّصات، وقد يكون في الكلام مع الأجانب من وراء الحجب ما لا يقل عن تلك المفاسد. وتلك أشياء قد ترتكب مع التظاهر بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وليس من علاج لهذه الحال، إلّا أن يلزم النساء خشية ربهنّ وتقواه.
وجه الله الخطاب للنساء بعد أن كان الحديث عنهنّ حديثا عن الغائبات، حتى
стр. 653
يكون لهنّ من علمهن بمراقبة الله وعلمه ما قد تنطوي عليه نفوسهن وقاية ودرعا يقيهن من الوقوع في مهاوي الفساد. وانظر كيف عقّب الله أمرهنّ بالتقوى بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعلم علم شهود وحضور ومعاينة، فيجازي على ما يكون، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأوامر والنواهي، ولقد بلغ من المبالغة في تكريم أزواج النبي ﷺ أن قال بعض العلماء بحرمة نظر نساء النبي ﷺ وهنّ مستترات. قال القاضي عياض «١» : فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كنّ مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة. واستدلّ لذلك بما روي أنّ حفصة لما توفي عمر ﵁ كان يسترها النساء أن يرى شخصها. ويرى ابن حجر بحق أنّ ذلك إن صحّ فلا دلالة فيه.
وقد كان نساء النبي ﷺ يؤدين الحج بعد وفاته.، ويطفن بالبيت، ويسعين بين الصفا والمروة، ولو قيل: إنّ الستر وعدم النظر إلى الشخوص أفضل ومندوب لكان شيئا يصح أن يصار إليه، ويشهد له ما روي أنّ عمر ﵁ أمر يوم وفاة زينب بنت جحش ألا يشهد جنازتها إلا ذو رحم محرم منها، عملا بالحجاب، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليها، وقالت: إنها رأت ذلك في بلاد الحبشة، فصنعه عمر.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) قد بين الله تعالى فيما سبق أنّ شأن المؤمنين ألا تكون منهم أذية للرسول ﷺ ، وذلك بعث على تكريمه ﷺ ، وحياطة لمقامه الشريف، وهنا بيّن الله تعالى أنّ الله يكرم نبيّه على وجه التأكيد، فكان ما هنا بمثابة العلة لما قبله، فكأنه قيل: ما كان لكم أن تؤذوه، لأنّ الله يصلّي عليه والملائكة، وما دام الأمر كذلك فهو لا يستحق إلا الإكرام والتمجيد، وأكّد الخبر اهتماما به، وجيء به جملة اسمية لإفادة الدوام، وكانت الجملة اسمية في صدرها فعلية في عجزها للإشارة إلى أنّ هذا التمجيد الدائم يتجدّد وقتا فوقتا على الدوام.
وقد ذكر في الآية أنّ الله وملائكته يصلّون على النبي ﷺ ، وأمر المؤمنين بأن يصلوا عليه، وبأن يسلّموا تسليما. وقد عرض المفسّرون لبيان معنى صلاة الله على نبيه، وصلاة الملائكة عليه، وكذا صلاة الخلق وتسليمهم. ونحن متابعوهم فيما قالوا.
стр. 654
فقيل: الصلاة من الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، هو مروي عن البخاري عن الربيع بن أنس، ثم تعظيم الله له في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال الأجر والثواب له، وإعطائه المقام المحمود. وهل من الملائكة الدعاء له. وقيل: هي من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء.
وعلى القولين: فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة، وقد عبّر عنها بلفظ واحد أضيف إلى واو الجماعة يُصَلُّونَ فمن ذهب إلى منع الجمع بين الحقيقة والمجاز ذهب إلى أنّ في الآية حذفا تقديره هكذا: إنّ الله يصلّي، وملائكته يصلون، فتكون واو الجماعة خاصّة، وذهب بعضهم إلى أنّ تعدّد الفاعل مؤذن بتعدّد الفعل، فيكون الفعل مسندا إلى كلّ من الفاعلين.
وذهب جماعة إلى القول بأنّه من باب عموم المجاز، لا من الجمع بين الحقيقة والمجاز، فيقدّرون معنى مجازيا عاما، ينتظم أفرادا كثيرة، ويكون كلّ فرد منها فردا حقيقيا من أفراد المعنى المجازي للعام، ويقولون: إنّ هذا المعنى العام هو الاعتناء بالمصلّى عليه، وهذا الاعتناء له أفراد، فهو يكون من الله على وجه، ويكون من الملائكة على وجه آخر.
وأما صلاة المؤمنين عليه، فهي تعظيمهم لشأنه، وذلك يكون بوجوه كثيرة: منها الدعاء له باللفظ الوارد في ذلك، وقد جاءت كيفية الصلاة عليه من المؤمنين من طرق كثيرة، وفيها صور من الصلاة مختلفة، واختلافها يشعرك بأنّ الغرض ليس تحديد كيفية خاصّة، وإنما هي ألوان من التعظيم، وسنقتصر على بعض ما صحّ من هذه الكيفيات لأنّ استيعابها يطول.
روى الشيخان «١» وغيرهما عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قل اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم «٢» عن أبي حميد الساعدي أنهم
стр. 655
قالوا: يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال رسول الله ﷺ : «قولوا: اللهم صلّ على محمّد وأزواجه وذريّته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذريّته، كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد» .
وأخرج الجماعة «١» عن أبي سعيد الخدري قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» .
وهناك روايات أخرى دون هذه في الصحة، وتخالفها بالزيادة والنقص في مواضع كثيرة، وما دام المراد تعظيم النبي ﷺ فأيّ عبارة تكون واردة من طريق صحيح كان لك أن تأخذ بها.
وأما التسليم: فقد قيل: إنّ المعنى أن الله أمر المؤمنين أن يقولوا السلام عليك يا رسول الله، وقد اختلف في معنى السلام عليك فقيل: إنّ معناه دعاء له بالسلامة من الآفات والنقائص [أن] تحيط به وتلازمه.
وقيل: بل السلام اسم من أسماء الله، ومعنى كونه عليه: أنه حافظه، حتى إن بعض من قال بهذا قال: إنّ الكلام على حذف مضاف، والتقدير حفظ السلام عليك.
وقيل: بل السلام الانقياد وعدم المخالفة، ومعنى كونه عليك: ملازمته، وهو حينئذ دعاء للمسلم عليه بانقياد الناس له انقيادا ملازما بحيث لا يخالفونه.
قالوا: إنما أكّد التسليم بالمصدر، ولم يؤكد الصلاة، لأن الصلاة قد قرنت بما يؤكدها، وهو الإخبار بأنّها تكون من الله ومن الملائكة، فكان ذلك أبعث على أن تكون من الناس.
وخص المؤمنين بالتسليم، لأنّ الآية وردت بعد الكلام في أذية النبي ﷺ ، والأذية المحدّث عنها إنما تكون من البشر.
وقيل: بل صلاة الله مشتملة على تسليمه، وأما صلاة الناس فلا تشتمل عليه، فلذلك طلب التسليم منهم.
ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل
стр. 656
لقد حكى القرطبي «١» الإجماع على ذلك، وذلك عملا بما يقتضيه الأمر صَلُّوا من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك ككلمة التوحيد، وذلك أنك تعلم أنّ الصحيح أنّ الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما هو للماهية المطلقة عن قيد التكرار والمرّة، وحصوله بالمرة ضرورة من ضرورات الحصول.
وذهب بعضهم إلى القول بوجوب الصلاة والتسليم في التشهد، وقيل: هي واجبة في الصلاة من غير قيد بمكان. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقيّد بعدد، وقيل: تجب في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره فيه، وقيل: تجب كلما ذكر.
ولعل هذا القول من قائليه مبنيّ على أنّ الأمر يفيد التكرار، ولعلهم يستدلون بالأحاديث الترغيبية والترهيبية الواردة في فعلها وتركها، وأنت لو اطلعت على هذه الأحاديث لفهمت من صيغتها أنّها لمجرد الترغيب، وأنّها ككل الحسنات تتضاعف، انظر إلى
قوله ﷺ : «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «٢» و «من صلّى عليّ عشرا صلّى الله عليه مائة»
فإنك واجد أنّه متفق مع قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] وما قال أحد إلا أن هذا ترغيب في الإحسان.
وعلى كلّ فالآية لا دلالة لها إلا على الوجوب مرة، فمن زاد على هذا فعليه الدليل، ونحن لما يدل عليه ملتزمون.
وأخيرا فليلتمس القائلون بغير ما تدل عليه الآية دليلهم في غيرها، فإن قام دليل على وجوب الصلاة والسلام في التشهد وجب، وإن دلّ على ختام الصلاة وجب، وإلا فالآية بمنأى عن هذا كله.
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) هذا عود إلى تأكيد النهي عن أذى النبي ﷺ ، بعد الأمر بالصلاة والتسليم عليه اقتضته العناية الكاملة بشأن الرسول ﷺ .
وقد قيل: إنّ المراد بأذى الله ورسوله ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر والعصيان، وقيل: بل إيذاء الله تعالى: ما يكون من قبيل قول اليهود والنصارى يد الله مغلولة، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله، وجعل الأصنام شركاء لله، وإيذاء الرسول: انتقاصه بوصفه بالشّعر والسّحر والجنون. وقيل: إيذاء الرسول ﷺ المراد هنا هو ما كان من طعنهم في نكاح صفية بنت حيي، إلى غير ذلك، ولا مانع أن يكون كلّ ذلك مرادا.
стр. 657
وقيل: إن المقصود هنا إيذاء الرسول خاصة ﷺ وذكر الله معه للتشريف، والإشارة إلى أنّ ما يؤذي الرسول ﷺ لخليق به أن يؤذي الله تعالى، ولا يرضيه، كما جعلت طاعة الرسول ﷺ ومحبته طاعة الله تعالى ومحبته.
واللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله، وبعد ذلك فهناك العذاب المهين المحقّر ينتظر في الآخرة.
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) لما أنهى الكلام في شأن الذين يؤذون الله ورسوله ناسب ذلك أن يقرن به ذكر الذين يتعرّضون للمؤمنين بالأذى، والأذى هنا مطلق كالأذى في الآية السابقة، يتناول كل ما يصدق عليه اسم الأذى، سواء أكان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان إيذاء للعرض أو الشرف أو المال، فإنّ الذين يلحقون بالمؤمنين أيّ نوع من أنواع الأذى يستحقون الجزاء الذي ذكر في الآية الكريمة، لا يخصّ منه شيء إلا ما خصّه الله تعالى، وهو أن يكون الإيذاء جزاء على الاكتساب، كالإيذاء بالقصاص، والإيذاء بقطع اليد في السرقة، وكالإيذاء بالتعزيرات المختلفة، وكالحقّ الوارد في
قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها» «١» .
وقد فهم أبو بكر ﵁ أنّ الزكاة حقّ المال، فقاتل مانعيه من أجله، وقال: والله لو منعوني عناقا كانوا يعطونه لرسول الله لقاتلتهم عليه. وحاجّه في ذلك عمر، فقال له: إلا بحقها، والزكاة حق الأموال، فانشرح صدره لما رآه أبو بكر.
وقد يخطر لك أن تقول: لماذا قيل: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا هنا، ولم يقل في الآية المتقدمة مثله؟
ونقول: لأنّ اكتساب الأذى هناك لا يكون، أما العباد فكل يوم يعدو بعضهم على بعض.
والمراد بالبهتان الفعل الشنيع، والإثم المبين البيّن الظاهر. واحتماله: حمله وفي التعبير بالاحتمال إشارة إلى ثقل ما يحملون من أوزار.
ويذكر المفسّرون هنا أسبابا لنزول الآية «٢» ، فيقولون: هي في قوم آذوا عليا أو
стр. 658
عائشة، وقيل في شأن النبي وصفيّة، وقيل: في قوم كانوا يتّبعون النساء إذا برزن لحاجتهنّ. وهي بعد ثبوتها لا تقتضي حمل الآية على واحد منها، وقد تكون الآية نزلت بعد تجمّع الأسباب.
وقد روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيّ الرّبا أربى عند الله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:
«أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ثم قرأ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا الآية.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) جرى حكم العرف بتخصيص النساء بالحرائر، وسبب النزول الآتي يقتضيه، وآخر الآية ظاهر فيه.
والإدناء: التقريب، أدناني منه: قرّبني منه. وهو هنا مضمّن معنى الإرخاء والسدل، ولذا عدّي بعلى، يقال: إذا زلّ الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك، أي أرخيه واسدليه. والجلابيب جمع جلباب، وقد اختلف أهل التأويل في الجلباب على ألفاظ متقاربة عمادها أنه الثوب الذي تستر به المرأة بدنها كله، ويتأتى معه رؤية الطريق إذا مشت.
روى جماعة من المفسرين أنّه كانت الحرة والأمة تخرجان ليلا لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل من غير امتياز بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسّاق لا يزالون على عاداتهم في الجاهلية، يتعرّضون للإماء، وربما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهن إماء فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي، فيستترن ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهنّ مراض القلوب.
واختلف أهل التأويل في كيفية هذا التستر، فأخرج ابن جرير «١» وغيره عن ابن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فرفع ملحفة كانت عليه، فتقنّع بها، وغطّى رأسه كلّه حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شقّ وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس.
وفي رواية أخرى عنه أنها تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشدّه، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها، لكن تستر الصدر ومعظم الوجه.
وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية
стр. 659
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهنّ الغربان من أكسية سود يلبسنها.
ومعنى الآية: أنّ الله جلّ شأنه يأمر الحرائر إذا خرجن لحاجة أن يتقنّعن ويستترن، حتى يميّزن من الإماء، فلا يتعرّض لهنّ أحد بالإيذاء. هذه طريق الجمهور في تأويل الآية.
ومن المعروف أن هذه الآية نزلت بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب ستر العورة، فلا بد أن يكون الستر المأمور به هنا زائدا على ما يجب من ستر العورة، ولذلك ترى عبارات المفسرين على اختلاف ألفاظها متحدة في أنّ المراد بالجلباب الثوب الذي تستر به المرأة بدنها كلّه من فوق ثيابها، كالملاءة المعروفة في عصرنا.
وعلى ذلك يكون الأمر بإدناء الجلابيب من الأدب الحسن، زيادة في الاحتياط، ومبالغة في التستر والاستعفاف، وبعدا عن مظان التهمة والارتياب.
ولا يعدّ في إجراء الأمر على ظاهره من وجوب لبس الجلباب إذا كان خروج المرأة بدونه- وإن كانت مستورة العورة- مدعاة للفتنة، وسببا في تعرّض الفساق لها، وإيذائها بالرفث وفحش القول.
وقد يقال: إنّ تأويل الآية على هذا الوجه، وقصرها على الحرائر، قد يفهم منه أنّ الشارع أهمل أمر الإماء، ولم يبال بما ينالهنّ من الإيذاء، وتعرض الفسّاق لهن في الطرقات، مع أنّ في ذلك من الفتنة ما فيه: فهلا كان ذلك التصون والتستر عامّا في جميع النساء؟
الجواب: أنّ الإماء بطبيعة عملهن يكثر خروجهن، وترددهنّ في الأسواق ومحالّ البياعات في خدمة سادتهن، وقضاء مصالحهم، فإذا كلّفن أن يتقنّعن، ويلبسن الجلباب السابغ كلّما خرجن، كان في ذلك حرج ومشقة عليهن، وليس كذلك الحرائر، فإنهنّ مأمورات بالاستقرار في البيوت، وعدم الخروج منها إلا في أوقات الحاجة الشديدة، فلم يكن عليهنّ من الحرج والمشقة في التقنّع والتستر ما على الإماء.
ولقد راعى الشارع هذه الحال، فنهى الناس أن يؤذوا المؤمنين والمؤمنات جميعا، سواء الحرائر والإماء، وتوعّد المؤذين بالعذاب الأليم والعقاب الشديد.
ومع هذا فإنّ الشرع لم يحظر على الإماء التقنع والتستر، ولكنّه لم يكلفهن ذلك دفعا للحرج والعسر. فللأمة أن تتقنع وتلبس الجلباب السابغ متى تيسر لها ذلك. وأما نهي عمر ﵁ الإماء في زمانه، وزجره إياهنّ عن التقنع، فإنما كان ذلك من السياسات الشرعية، لأنّه كان يخشى إذا هنّ تشبهن بالحرائر في لباسهن وزيهنّ أن يعتدن الرقة، ويضعفن عن الخدمة والعمل، وتكثر مؤنهنّ على سادتهنّ.
стр. 660
وبعد فقد اختار أبو حيان «١» في تأويل الآية الكريمة وجها غير الوجه الذي سلكه الجمهور، فجعل الأمر بإدناء الجلابيب موجها إلى النساء جميعا، سواء الحرائر والإماء، وجعل معنى قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أنهنّ يعرفن بالعفة والتصون، فلا يتعرّض لهنّ، ولا يتلقين بما يكرهن، فإنّ المرأة إذا بالغت في التستر والتعفف لم يطمع فيها أهل السوء والفساد، وهو رأي تبدو عليه مخائل الجودة.
وفي «الطبقات الكبرى» أنّ أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية- على رأي الجمهور في تأويلها- أنّ ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزا لهم، حتى يعرفوا، فيعمل بأقوالهم.
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً فيغفر لمن امتثل أمره ما عسى أن يصدر منه من الإخلال بالتستر رَحِيماً بعباده، حيث راعى في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات، وأرشدهم إلى هذه الآداب الحسنة الجميلة.
стр. 661
من سورة سبأ
قال الله تعالى في قصة سليمان ﵇: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
هذا شيء من قصة نبي الله سليمان ﵇ المذكورة في هذه السورة، ولتعلم سياق الحديث فيها نذكر لك ما قبل هذه الآية. قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) [سبأ: ١٠- ١٢] .
فضمير يَعْمَلُونَ عائد على الجن، وضمير (له) يعود على سليمان. فكما سخّر الله لسليمان الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وسخّرها عاصفة تجري إلى مسافات بعيدة، سخّر له الجن، وجعلهم طوع أمره، ورهن مشيئته، يعملون صنوفا مما يشاء من أصناف يتعذّر عملها على البشر في ذلك الوقت، وبالسرعة التي يعملها بها الجن، ومن هذه الأشياء المحاريب: وهي جمع محراب، وهي القصور الشامخات، أو البيوت المرتفعة، أو أماكن العبادة، وقد ذكر الله المحراب في القرآن في مواضع في سورة آل عمران وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [آل عمران: ٣٧] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [آل عمران: ٣٩] وفي سورة ص وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] .
ويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر: إنه سمّي بذلك لأنه يحارب من أجله.
وقد يبدو من قوله تعالى: يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أنّه المكان المعدّ للصلاة. وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبيّن الناس منها جهة القبلة. فيقول المفسرون: إنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول.
غير أنّه قد يرجّح كون المحاريب بمعنى القصور الشامخات أنها ذكرت على أنها مما كان يعمله الجنّ لسليمان، وقد يكون عمل القصور مما يستعصي على الناس في ذلك الزمن، لجهلهم بفن العمارة. والتماثيل جمع تمثال بكسر التاء، وهو بوزن تفعال، ولم يرد هذا الوزن في القرآن إلا في لفظين (تلقآء) و (تبيان) .
стр. 662
وتمثال الشيء مثاله وصورته أيا كان المثال والصورة، ذات جسم أو ليست ذات جسم، فمثال الشيء ما يماثله ويحكيه.
والجفان جمع جفنة: إناء يوضع فيه الطعام، وقيل: إناء عظيم.
والجواب أصله الجوابي جمع جابية، وهي الحوض العظيم. والقدور جمع قدر، وهو ما يطبخ فيه الطعام، وراسيات: ثابتات، إشارة إلى أنها قدور عظيمة لا تنقل من مكانها من ثقلها.
وقوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً إمّا جملة مستأنفة بتقدير القول، أي قلنا:
اعملوا يا آل داود شكرا، أو حالية من فاعل (سخّرنا) أي سخّرنا قائلين اعملوا، و (شكرا) مصدر وقع موقع الحال، أي اعملوا شاكرين، وقيل: هو مفعول لأجله، وقيل غير ذلك.
والشكور هو الذي يشكر في جميع أحواله من الخير والضر، قيل: هو المتوفّر على أداء الشكر ما وسعه بقلبه ولسانه لا يني.
هذا وقد جاء ذكر سليمان في القرآن الكريم ست عشرة مرة في ست من سوره:
في البقرة، وفي النساء وفي الأنعام، وفي الأنبياء، وفي النمل، وفي سبأ، وفي ص.
ولم يجئ هذا الذكر لتوفية قصة بتمامها أو قصص، وإنما هو تعداد لآلاء الله على سليمان:
منها ذكاؤه وبصره النافذ في القضاء والحكم وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: ٧٨] .
ومنها تعليمه منطق الطير وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: ١٦] . ومنها تسخير الرياح له، تجري بأمره رخاء حيث أصاب.
ومنها إسالة عين القطر وهو النحاس المذاب، والقرآن في هذا يحدّث عن عملية صهر المعادن.
ومنها تسخير الجن، وقد جاء الكلام عن تسخير الجن في القرآن الكريم بالآية التي معنا، وفي قوله: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) [ص: ٣٧] . وفي قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [النمل: ١٧] وقد صرّح القرآن الكريم في الآية التي معنا بأنّهم كانوا يعملون بين يديه بإذن ربه، لا يستطيعون أن يحيدوا عن ذلك وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ثم تحدّث عما كانوا يعملون فقال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ إلخ.
هذا وقد يفهم من الآية- بل هي صريحة في ذلك- أنّ نبي الله سليمان كان
стр. 663
يتخذ التماثيل، فالقرآن صريح في امتنان الله على سليمان بأنّه سخّر له الجن لتعمل له ما يشاء عمله، من المحاريب والتماثيل، والجفان، والقدور الراسيات. صحيح أنّه لم يذكر في القرآن صراحة أنّ الجن عملت له المحاريب والتماثيل والجفان، ولكنّ تخصيص هذه الأشياء بالذكر في معرض الامتنان دليل على أنّ سليمان كان يبغي صنع هذه الأشياء، وهو قد لا يجد من يصنعها، أو يحذق صنعها، فسخّر له الجن لعملها، وأنّه يمتن عليه بذلك، وعلى هذا ففي تسخير الله الجن لعمل ما يشاء سليمان من التماثيل إذن من الله لسليمان باتخاذها، وهذا دليل على أنّ اتخاذها مشروع عند سليمان، فهل الأمر كذلك في شريعتنا، ذلك هو الذي يجمل بنا أن نتكلم فيه فنقول:
إنّ القرآن نعى على التماثيل يعكف لها ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢] وندّد بمن يتخذون الأصنام والأوثان آلهة، وفي القرآن من قصص إبراهيم في تحطيم الأصنام ما هو معروف، وقد ورد أنّ رسولنا الأعظم حطّم الأصنام التي كانت حول الكعبة «١» ، والتي كانت على الصفا والمروة، والدين الإسلامي دين التوحيد، وعدوّ الشرك، وليس في الإسلام ذنب أعظم من الشرك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨ و ١١٦] .
والسنة قد جاءت بالنعي على التصوير والمصورين، وبالنهي عن اتخاذ الصور، وبالتنفير منها: وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة في الموضوع على وجوه كثيرة من الاختلاف. ولكنّها ترجع إلى خمس أمهات ننقلها لك عن القاضي أبي بكر بن العربي، وقد كنا أحببنا أن ننقلها عن البخاري، لكنّا وجدنا إرجاعها إلى الأمهات الخمس ويرجع الفضل فيه للقاضي أبي بكر، فآثرنا الأخذ عنه، فإنّ البخاريّ ذكرها في أبواب على عادته. قال القاضي ﵁ «٢» : إنّ أمهات الأحاديث خمس أمهات:
الأم الأولى: ما روي عن ابن مسعود وابن عباس «أنّ أصحاب الصور يعذّبون، أو هم أشدّ الناس عذابا» «٣» . وهذا عامّ في كل صورة.
الأم الثانية:
روي عن أبي طلحة عن النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب
стр. 664
ولا صورة» «١» زاد زيد بن خالد الجهني: «إلا ما كان رقما في ثوب» «٢» .
وفي رواية عن أبي طلحة نحوه، فقلت لعائشة: هل سمعت هذا؟ فقالت: لا، وسأحدثكم، خرج النبي ﷺ في غزاة، فأخذت نمطا فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النّمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه، وقال: «إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» قالت: فقطّعت منه وسادتين، وحشوتهما ليفا، فلم يعب ذلك عليّ «٣» .
الأم الثالثة:
قالت عائشة: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله ﷺ : «حوّلي هذا، فإني كلّما رأيته ذكرت الدنيا» «٤» .
الأم الرابعة:
روي عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مستترة بقرام فيه صورة، فتلوّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبّهون خلق الله» «٥» قالت عائشة: فقطّعته، فجعلت منه وسادتين.
الأم الخامسة: قالت عائشة: كان لنا ثوب ممدود على سهوة فيها تصاوير، فكان النبي ﷺ يصلي إليه، ثم قال: أخّريه عني، فجعلت منه وسادتين فكان النبي ﷺ يرتفق بهما «٦» .
وفي رواية في حديث النمرقة. قالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسّدها، فقال: «إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة، وإنّ الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة» «٧» .
هذه هي الأمهات الخمس التي جمعها ابن العربي، ومن الحقّ أن نذكر لك ما
стр. 665
جمع به بين هذه الأحاديث قال: تبين بهذه الأحاديث أنّ الصور ممنوعة على العموم، ثم جاء إلى ما كان رقما في ثوب، فخصّ من جملة الصور، ثم
يقول النبي ﷺ لعائشة في الثوب المصور: «أخّريه عني، فإني كلّما رأيته ذكرت الدنيا»
فثبتت الكراهة فيه.
ثم بهتك النبي ﷺ الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثم بقطعها لها وسادتين، حتى تغيرت الصورة، وخرجت عن هيئاتها، بأنّ جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فمنع منه، وتوعّد عليها.
وتبين بحديث الصلاة إلى الصورة أنّ ذلك كان جائزا في الرقم في الثوب، ثم نسخة المنع، فهكذا استقرّ فيه الأمر والله أعلم.
هكذا يرى ابن العربي أنّ المنع في الأول كان عاما، ثم استثنيت منه أشياء رخّص فيها، ثم زال ذلك بالرجوع إلى المنع في الكل، ونحن نرى أنّ هذه الطريقة في الجمع بعيدة. إذ فيها إثبات النسخ لجواز اتخاذ بعض الصور، والرجوع إلى الحظر الذي ادعى أنه عام.
ومعلوم أنّ النسخ يشترط فيه العلم بالتاريخ، وإلا إذا كان يكفي الإمكان فلقائل أن يقول: إن أحاديث المنع يحتمل أن تكون متقدمة، ثم جاءت أحاديث الترخيص.
ومن أجل ذلك نرى أنّ الذي يذهب إليه ابن العربي بعيد، وأنّ الأولى في الجمع أن يقال: تحمل النصوص التي فيها الحظر بإطلاق على ما كان منها مجسّدا لذي روح، ويستأنس له
بقوله ﷺ في بعضها: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون خلق الله»
وروي من طريق آخر: «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم»
بل في بعضها ما هو تحد قوي بنفخ الروح
«يعذّب حتّى ينفع فيه الروح، وما هو بنافخ» «١» .
وبهذا يكون
قوله ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»
مرادا منه الذين يصوّرون صور الأجسام ذوات الروح إذا كانت على حالة بحيث يمكن أن يقال:
إن صاحبها يضاهي بها خلق الله، وهذا أيضا إنما يكون إذا كانت كاملة الخلق بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح، وإذا يكون تصوير الجمادات كالجبال والأنهار والكائنات النامية التي ليست بذات روح خارجة من الحظر، لأنّها ليست مما تناولها النصّ بإشارة
«يشبهون خلق الله»
، وبإشارة
«يقال لهم أحيوا ما خلقتم»
وحتى
«ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ»
إذ كل هذه الجمادات والنباتات لا تجتمع فيها كلّ هذه الصفات، فتكون
стр. 666
خارجة من الحظر، وتبقى التماثيل المجسّمة للحيوان على هيئته الكاملة محظورات، وهي التي تكون مرادة من النص.
وهذا تأويل قريب بالنسبة للتأويلات الأخرى، كتأويل من يحمل
«لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة»
على بيت النبي ﷺ خاصة، وكتأويل من يقول: إنّ معنى
قوله ﷺ : «المصورون يعذّبون»
وما ماثله في المعنى: أن المراد من يجعلون لله صورة، فإن هذه تأويلات بعيدة، فلا دليل على التخصيص بالنسبة للأول، ولا يتفق مع بقية الأحاديث والأخبار بالنسبة للثاني.
بقيت الأحاديث المتعارضة فيما كان رقما في ثوب، وما ماثله من الرسوم التي لا ظلّ لها، فقد روي في بعض الروايات عدم دخول الملائكة بيتا يحوي الكلب أو الصورة بإطلاق، وفي بعضها استثناء الرقم في الثوب، وفي بعضها أنه رأى صورة الطائر في ثوب اتّخذ ساترا، فهتكه، أو فغضب، وقال: إنا لم نؤمر بكسوة الحجر والطين، وفي بعضها أنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون، وكل هذه الروايات تعارض الرواية التي فيها استثناء الرقم في الثوب، وتوافق الروايات التي جائت بالإطلاق، ولكنّا نقول: إنّ الجمع بينها ممكن، إذ من الممكن أن يقال: إنّه غضب لمّا رأى الصورة معلقة أمام المارّة يستقبلونها، فربما أشعر وضعها هذا بتعظيمها، ولو كانت على غير هذا الوضع، ووضعت للاستعمال فلا بأس. وقد ارتفق بها وسادة.
وأما تأويل ابن العربي التوسد بأن الصورة خرجت عن هيئتها، فلم يوجد في الأحاديث ما يدلّ عليه.
ويؤيّد هذا المعنى حديث الصورة التي كانت أمامه في الصلاة، فأمر بإزاحتها قائلا: «كلّما رأيتها تذكّرت الدنيا» يعني أنّ هذا نوع من الزينة التي تشغل البال.
وكذلك يدلّ استعماله للوسادة التي اتّخذت من الساتر الذي كان فيه الصورة، وأمر بإزاحته، على أنّ المدار في النهي عن الصور والتنفير منها: ألا تتّخذ فتعظّم، فإنّ ذاك قد يجرّ إلى عبادتها، فالنهي عنها من باب سد الذرائع، فإن انتفى أن تكون الصورة في وضع يشعر بالتعظيم، وانتفى قصد التعظيم، فقد زال النهي، كما دلّ على ذلك فعل النبي ﷺ وارتفاقه بالوسائد التي فيها الصور.
ولعلّك تقول: ما دام الأمر كذلك فلنطرد الباب على وتيرة واحدة، فنجري الكلام في التماثيل المجسمة لذي الروح على هذا الوجه، فنقول: فرق بين هذه وهذه، فإنّ الصورة المجسّمة تبقى عصورا طويلة، وقد يفضي التقادم إلى نسيان المعنى الأصلي من اتخاذها، وينقلب الناس يعبدونها، ويعكفون عليها.
قال ابن العربي: والذي أوجب النهي في شريعتنا- والله أعلم- ما كانت عليه
стр. 667
العرب من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصوّرون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب.
وقد ورد في كتب التفسير في شأن يغوث، ويعوق، ونسر، وود، وسواع: أنّهم كانوا قوما صالحين، ثم صوّروا بعد موتهم تذكيرا بهم وبأعمالهم، ثم انتهى الحال آخر الأمر إلى عبادتهم.
قال ابن العربي: وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات ميت صوّروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته، وكسوه بزّته إن كان رجلا، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب واحدا منهم كرب، أو تجدّد له مكروه فتح الباب عليه، وجلس عنده يبكي، ويناجيه بكان وكان، حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب عليه، وينصرف عنه، وإن تمادى بهم الزمان تعبّدوها من جملة الأصنام والأوثان «١» .
بعد هذا نقول: إنه ليس لأحد أن يحتجّ بقصة سليمان في التماثيل، فإنّها وإن كانت في شريعة من قبلنا، فقد وجد المغيّر في شريعتنا، وشريعة من قبلنا إنما تكون شريعة لنا إذا لم يوجد الناسخ، وقد وجد، على أنّ من الممكن أن يقال: إن التماثيل التي كانت في ذلك العهد يحتمل أن تكون مما أباحت شريعتنا اتخاذه، فإن لم يصلنا من طريق قاطع أنّ التماثيل التي كانت، إن كانت هناك تماثيل اتخذت، كانت تماثيل لذي روح، وحينئذ يزول الإشكال.
وإننا لننقل لك عن العلامة ابن حجر في شرحه للبخاري آراء العلماء في اتخاذ الصور تتميما للفائدة قال ﵀: نقلا عن ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنّها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقا، عملا
بحديث: «إلا رقما في ثوب» .
الثاني: المنع مطلقا.
الثالث: إن كانت الصورة باقية بالهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس، أو تفرّقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح.
الرابع: إن كانت مما يمتهن جاز، وإن كان معلقا لم يجز.
ونقل عن النووي أنّ جواز اتخاذ الصور إنما هو إذا كانت لا ظلّ لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال، كالمخاد والوسائد. والقول بجواز ذلك مروي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي.
стр. 668
ونقل عن ابن العربي أيضا أنّ ذات الظل حرّمت بالإجماع، سواء كانت مما يمتهن أم لا. قال ابن حجر: واستثني من ذلك لعب البنات.
ولعلك تريد بعد ذلك أن تعرف حكم ما يسمى بالتصوير الشمسي أو الفتوغرافي فنقول: يمكنك أن تقول: إنّ حكمها حكم الرقم في الثوب، وقد علمت استثناءه نصا. ولك أن تقول: إن هذا ليس تصويرا، بل حبس للصورة، وما مثله إلا كمثل الصورة في المرآة، لا يمكنك أن تقول: إن ما في المرآة صورة، وأن أحدا صوّرها، والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غاية الأمر أنّ مرآة الفتوغرافية تثبت الظلّ الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك. ثم توضع الصورة أو الخيال الثابت في العفريتة في حمض خاص، فيخرج منه عدة صور. وليس هذا بالحقيقة تصويرا فإنّه إظهار واستدامة لصور موجودة، وحبس لها عن الزوال، فإنّهم يقولون: إنّ صور جميع الأشياء موجودة، غير أنها قابلة للانتقال بفعل الشمس والضوء ما لم يمنع من انتقالها مانع، والحمض هو ذلك المانع.
وما دام في الشريعة فسحة بإباحة هذه الصور كاستثناء الرقم في الثوب فلا معنى لتحريمها، خصوصا وقد ظهر أنّ الناس قد يكونون في أشد الحاجة إليها.
ولعلنا بعد هذا نكون قد وفّينا الموضوع ما يستحقّ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 669
من سورة ص
قال الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
وهذه قصة من قصص حياة نبي الله أيوب ﵇، ولقد عرض القرآن الكريم لذكر أيوب ﵇ في أربعة مواضع منه. فقد جاء ذكره في سورة النساء [١٦٣] في عداد الأنبياء الذين أوحي إليهم.
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) .
وجاء ذكره في سورة الأنعام [٨٣، ٨٤] في عداد الأنبياء من ذرية نوح ﵇: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) .
وجاء ذكره وذكر كشف الضرّ عنه في سورة الأنبياء [٨٣، ٨٤] بعد ذكر تسخير الريح عاصفة لسليمان، وعمل الجن له في قوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) .
وجاء ذكره في سورة ص [٤١- ٤٤] في قوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) إلى وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) .
فأنت ترى أنّ أيوب قد ذكر مرّة في عداد النبيين الذين أوحي إليهم، ومرّة في عداد من كان من ذرية نوح من النبيين، ومرّة ثالثة في سورة الأنبياء حيث ذكر بعض ما أصابه من ضرّ مسه، وقد سأل أرحم الراحمين كشفه، فاستجاب له، فكشف ما به من ضرّ، وآتاه أهله رحمة من عنده وذكرى للعابدين.
وقد جاء ذكره في سورة ص تفصيلا بعض التفصيل لهذا الضر الذي أصابه، وبيانا لطريق كشف الضرّ عنه، فقد جاء في تفصيل الضرّ أنّ الشيطان مسّه بنصب
стр. 670
وعذاب، والنصب: بضم النون وإسكان الصاد: التعب، كالنّصب بالفتح فيهما، والعذاب: النكال.
وجاء في بيان كشف الضر عنه أمره أن يركض برجله، والقول له: هذا مغتسل بارد وشراب. والمغتسل: مكان الغسل، والشراب: ما يشرب. ثم جاء في هذا البيان أيضا أنه وهبه أهله ومثلهم معهم، وأنّ ذلك كان رحمة منه وذكرى لأولي الألباب، على نحو ما جاء في سورة الأنبياء تماما بفارق بسيط، ذلك أنّه قيل في الأنبياء:
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وقيل في ص: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وقيل في الأنبياء: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ وقيل في ص [٤٣] رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.
وقد جاء في سورة ص زيادة لم تظهر في (سورة الأنبياء) ذلك هو قول الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ وإنما جعلنا هذه زيادة لم تظهر، مع أنّها طريق من طرق كشف الضر الذي أصاب أيوب، لأنا رأينا القرآن قد فصل بين الضّرّ الذي أصاب أيوب في شخصه، وبين ما أصابه في أهله.
فقال في الأول: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ.
وقال في الثاني: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ. فدلّ ذلك على أنه أصابه ضران: ضرّ في النفس، وضرّ في الأهل، وقد جاء إيتاء الأهل في السورتين نصا، وجاء كشف الضّرّ في الأنبياء بلفظه، وفي ص بالأمر بالرّكض بالرجل.
أما الأمر بأخذ الضّغث، والضرب به، فشيء جديد، جاءت به آية مستقلة، وهي في شأن من شؤون أيوب كان من الخير ألا يفعله حتّى لا يتأذّى به غيره.
ويكاد القرآن الكريم يكون صريحا في أنّ الضرّ الذي مسّ أيوب ﵇ ضر حسيّ، تلمسه من قول أيوب: مسني الضر، وقوله في سورة ص: مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وفي قول الله: فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وقوله لأيوب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وليس بلازم في ثبوت صبر أيوب أن يكون الضر الذي أصابه قد وصل إلى الحدّ الذي عصم منه الأنبياء، وعلى الوجه الذي ينقله المفسرون من الإسرائيليات التي لا يكاد يثبت منها شيء. بل يكفي أن يكون مرضا من الأمراض المستعصية التي ينوء بحملها الناس عادة، ويضجرون من ثقلها، وخصوصا إذا امتدّ الزمن بها، وإنّك لتفهم من التعبير عنها بمس الشيطان أنها مما لا يؤلف عادة، وكلّ غريب غير مألوف يقال فيه: إنّه من فعل الشيطان.
وقد يكون التعبير عنها بأنها مس الشيطان للتأدب، على حد ما يقال: (إن كان خيرا فمن الله، وإن كان شرّا فمني ومن الشيطان) .