وعن النبي ﷺ : «من أساء بأخيه الظنّ فقد أساء الظنّ بربّه، إن الله تعالى يقول:
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ.
وقد قدمنا أنّ الممنوع إساءة الظن بالمسلم المستور ظاهر العدالة، وأما من يتعاطى الرّيب، والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم إساءة الظن به، فليس الناس أحرص منه على نفسه، وقد أمر أن يتجنب الريب، وألّا يقف مواقف التّهم، فمن وقف مواقف التهم اتّهم.
والظن الواجب: يكون فيما تعبّدنا الله تعالى بعلمه، ولم ينصب عليه دليلا قاطعا، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة التي تعبّدنا الله بها، وما غلب على ظنه فهو الذي تعبّدنا الله به. ومن ذلك قبول شهادة العدل، وتحرّي القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها نصّ عن الشارع.
والمندوب من الظن: ظنّ الخير بالمسلم، وقد تقول: ما دام سوء الظن محرّما، فما بال حسن الظن مندوبا؟
ولكن إذا علمت أنّ هناك واسطة، وهو ألا يظن شيئا علمت أنّه لا يلزم التقابل في الحكم.
والظنّ المباح: قد مثّلوا له بالشك في الصلاة، وكأنهم يريدون من الظنّ استواء الطرفين، ومثّلوا له أيضا بالظن الذي يعرض في القلب، مما يوجب الريبة،
وقد قال النبي ﷺ : «إذا ظننتم فلا تحققوا»
أي لا توجدوا أثرا لهذا الظن.
وحرمة الظن بالناس إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدّى إلى الغير، وأمّا أن تظنّ شرا لتتقيه، ولا يتعدّى ذلك إلى الغير، فذلك محمود غير مذموم، وهو محمل ما
ورد من أنّ (من الحزم سوء الظن) .
و (احترسوا من الناس بسوء الظن) .
وما جاء في الحكم: (حسن الظنّ ورطة، وسوء الظنّ عصمة) .
وقوله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تعليل للأمر باجتناب الظنّ. والإثم الذنب الذي يستحقّ فاعله العقوبة عليه.
وَلا تَجَسَّسُوا أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتستكشفوا ما ستروه. والتجسس: تفعل من الجس، وهو بمعنى التحسس على ما قيل، وبعضهم يرى أنهما متغايران، وأن التجسس معرفة الظاهر، وبالحاء تتبع البواطن، وقيل:
بالعكس، والأمر مرجعه إلى اللغة. وقد عدّ العلماء التجسس من الكبائر.
وقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّه
стр. 702
من يتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته» «١» .
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي لا يذكر بعضكم بعضا بما يكره.
أخرج مسلم وأبو داود والترمذي «٢» وغيرهم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» . قيل:
أفرأيت لو كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه» .
ومعلوم أنّ المراد من هذا النهي النهي عن الإيذاء بتفهيم الغير معايب المغتاب، وذلك يتناول كلّ طرق الإفهام، وهو يتناول أيضا كلّ ما يكره، سواء في دينه أو دنياه، وفي خلقه أو خلقه، وفي ماله، أو ولده، أو زوجته، أو مملوكه، أو خادمه، أو لباسه، وخصّه بعضهم بما لا يذمّ شرعا من الصفات، فمن ذكر الزاني بأنّه زان لا يكون مغتابا، ولا يحرم عليه هذا الذكر عنده. واستدل لذلك
بقول رسول الله ﷺ : «اذكروا الفاجر بما فيه، يحذره الناس» .
ولم يرفض الجمهور ذلك، وقالوا: الحديث ضعيف لا ينهض حجة: قال أحمد: وهو منكر، وقال البيهقي: ليس بشيء، ولو صحّ فهو محمول على فاجر متهتّك يعلن فجوره وتهتكه.
ويرى بعضهم أنّ الذكر بالمكروه يحرم مطلقا في الغيبة والحضور، ونصّ بعض المفسرين على أنه المعتمد، ويكون التقييد بالغيبة خارج مخرج الغالب، إذ إنّ الغالب أن الناس تستحي من أن تذكر أحدا بمعايبه في حضرته.
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ هذا مثال ذكره الله تنفيرا من الغيبة، وتبعيدا منها، وهو مثل بالغ النهاية في تأدية المراد، قد وضّح فيه ما يصدر من المغتاب من حيث صدوره عنه، ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه تستقبحه العقول، وتنفر منه الطباع، وتنكره الشرائع، وقد ذكر المثل على سبيل الاستفهام التقريري، وهو لا يقع إلّا في كلام مسلّم عند السامع، حقيقة أو ادّعاء، وقد أسند في المثل الفعل إلى أحد إيذانا بأنّه لا يستقر في طبع أحد كائنا من كان أن يقدم على أن يأكل لحم إنسان، فضلا عن أن يحبه، وما بالك به إذا كان المأكول لحم أخيه؟ لا
стр. 703
شك أنه يكون أشنع، وماذا تكون الشناعة إذا كان الأخ ميتا؟ إنّها تكون شناعة ما فوقها شناعة.
فقد بيّن الله بهذا المثل أوضح بيان أنّ وقوع المغتاب في عرض الناس بذكر معايبهم يشبه أن يكون أكلا للحومهم، وهم إخوته، وليتهم كانوا حاضرين، بل هو إنما ينهش أعراضهم وهم غائبون، فهو كالكلب ينهض لحوم الجيف. ولو عقل الناس هذا المثل، وما استعمل فيه من طرق التنفير ما أقدموا على الغيبة.
والفاء في قوله تعالى: فَكَرِهْتُمُوهُ فإن الفصيحة مقدّر معها (قد) وهي واقعة في جواب شرط مقدّر، أي إن عرض لكم هذا فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته.
وبعضهم: إنّ المعنى فأنتم تكرهونه، ويكون الكلام تصريحا بجوابهم عن الاستفهام، كأنّهم قالوا: لا نحب، فقال الله تعالى: فأنتم كرهتموه، وعبر بالماضي للمبالغة.
وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على مقدّر، كأنه قيل: امتثلوا ما أمرتم به، ونهيتم عنه، واتقوا الله إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر بالتقوى، وتوّاب: معناه كثير القبول لتوبة من تاب.
والغيبة محرّمة بنص إلهيّ في الآية الكريمة، وقد نقل القرطبي «١» الإجماع على أنها من الكبائر. والغزالي: يرى أنّها من الصغائر، وهو عجيب من عمدة الأخلاق الغزالي، ولعلّه أراد أن يخفف على الناس لمّا رأى فشوها فيهم، لا يخلو منهم من لا يرتكبها إلا النادر، ولكنّا ما علمنا أنّ إطباق الناس على منكر يكون سببا في تخفيفه ولو لم يرد فيها من دلائل التحريم غير ما ذكر في هذه الآية وأنّها من أشنع القبائح لكان ذلك كافيا في كونها من الكبائر.
وليس لأحد أن يتعلّق بما ورد من
قوله ﵊ فيما رواه أحمد «٢» عن أبي بكرة أنّه قال: بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بيدي، ورجل عن يساري، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : «إنّهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» وبكى إلى أن قال: وما يعذبان إلا في الغيبة والبول
إذ المراد أنهما ما كان يكبر عليهما أن يتجنّبا سبب هذا العذاب، فكان أحدهما لا يستنزه من البول، وإنّه ليسير، وكان الآخر لا يبتعد عن الغيبة، وما هو عليه بعسير.
ولو أنّ الإمام الغزالي ﵀ ذهب إلى أنّ بعضها ليس بكبيرة، بل هو من الصغائر لكان الأمر هينا فإنّك عرفت أنّ الغيبة إنما نهي عنها من أجل الإيذاء، وهو مراتب، فلن يكون ذكر معايب الثوب أو القربة مثلا ببالغ حدّ الخوض في العرض من جهة الإيذاء، فالغيبة حرام، ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة والاستغفار منها.
стр. 704
وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة فيما إذا كان العيب لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا به.
فمن ذلك التظلم: فلمن ظلم أن يشكو لمن يظنّ منه القدرة على إزالة ظلمه.
ومنه الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على تغييره.
ومنه الاستفتاء: كأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا، فما طريق الوصول إلى حقي؟
ومنه أن يكون صاحب العيب مجاهرا بالمعصية، كشربه الخمر- للذين يتظاهرون-.
ومنه جرح الرواة والمصنفين والمفتين مع عدم الأهلية، وكلّ ما فيه تحذير المسلمين من الشر، إذا تعين ذلك طريقا له.
هذا وقد اشتملت الآية الكريمة على الأمر باجتناب الظنّ باجتناب أثره، ثم النهي عن طلب تحقيق ذلك الظن بقوله: ولا تجسسوا ثم النهي عن ذكر ما عسى أن يكون المتجسس قد وقف عليه، فهذه ثلاثة مترتبة: ظنّ، فعلم من طريق التجسس، فاغتاب.
стр. 705
من سورة الواقعة
قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)
قبل أن نتكلّم عن تفسير الآيات نقول: قد ورد القسم على هذا النحو في القرآن الكريم كثيرا، منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) [الانشقاق: ١٦، ١٧] وفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) [التكوير: ١٥، ١٦] ولا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) [القيامة: ١] وفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) [الحاقة: ٣٨] وفَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ [المعارج: ٤٠] ولا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) [البلد: ١] .
وقد جاء على غير هذه الصورة، أي من غير (لا) النافية، ومن غير الفعل (أقسم) . وقد جاء القسم على أنواع: إمّا قسم الله بنفسه موصوفا بالربوبية فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: ٢٣] والقسم هنا على مضمون جملة خبرية فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر: ٩٢، ٩٣] .
وإمّا قسم بالذّات معنونة بلفظ الجلالة: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] وتارة يكون القسم بأشياء من خلقه: (كالصافّات) (والطور) (والذاريات) (والنجم) و (مواقع النجوم) و (الشمس وضحاها) و (الفجر) و (البلد) و (القيامة) و (التين والزيتون) .
وتارة يكون القسم بالقرآن موسوما باسمه يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١، ٢] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١] ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) [ق: ١] أو موسوما باسم الكتاب حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) [الزخرف: ١، ٢ والدخان: ١، ٢] .
ومهما يكن المقسم به فالمقسم عليه لا يعدو أن يكون من أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها، فهو تارة يكون قسما على التوحيد، كقوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) [الصافات: ١- ٤] .
وتارة يكون قسما على أنّ القرآن حقّ، كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) وقوله: حم (١)
стр. 706
وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ
[الدخان: ١- ٣] وقوله: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: ١- ٣] على بعض الوجوه في جواب القسم.
وتارة يكون المقسم عليه أنّ محمدا رسول يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) [يس: ١- ٣] .
وتارة يكون المقسم عليه نفيا لصفة ذميمة عن الرسول الأكرم ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) [القلم: ١، ٢] ووَ النَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) [النجم: ١، ٢] ومن هذا قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) [الحاقة: ٣٨- ٤١] .
وتارة يكون المقسم عليه الجزاء والوعد والوعيد مثل قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) [الذاريات: ١- ٥] ومنه قوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) [الذاريات: ٢٣] ومنه:
إلى قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) [المرسلات: ١- ٧] ومنه وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) إلى قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) [الطور: ١- ٨] .
هذا وقد أمر الله نبيّه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاثة مواضع، قال: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧] وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣] وقال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣] .
وقد جاء المقسم عليه أحوالا من أحوال الإنسان التي هو عليها: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) [الليل: ١- ٤] .
ووقع القسم على صفة الإنسان: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) [العاديات: ١- ٦] .
وجاء القسم على عاقبة الإنسان: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التين: ١- ٦] وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [العصر: ١- ٣] .
قد أردنا بهذا الذي ذكرنا أن نريك فنون القسم في القرآن، سواء في المقسم به والمقسم عليه، ولولا الإطالة في غير الموضوع المقرّر لذكرنا لك شيئا من فنون القرآن
стр. 707
الكريم في جواب القسم، وإنّه تارة يكون إنشاء، وتارة يكون خبرا، وتارة يكون مذكورا، وتارة يكون محذوفا، لكنّ ذلك يحتاج إلى الشرح والإيضاح، فيطول، ونريد أن نرجع إلى القول في الذي معنا.
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) .
قد أطلعناك على أمثلة كثيرة من هذا النوع من القسم في القرآن الكريم، ويمتاز ما معنا بأنه قيل فيه صراحة وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) فكان هذا دليلا على أنّ هنا قسما وحلفا مثبتا، وأنّ الكلام إثبات قسم لا نفي قسم.
ولقد كانت الصورة الظاهرة صورة نفي القسم مجالا فسيحا للعلماء، أجهدوا فيه قرائحهم، وأبدوا آراءهم في بيان المراد، والجمع بينه وبين قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) فذهب بعضهم إلى أنّ (لا) زائدة، مثلها في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: ٢٩] معناه ليعلم، والمعنى هنا: فأقسم بمواقع النجوم، والقول بالزيادة يكاد لا يرتضيه أحد.
وذهب بعضهم إلى أن (لا) هي لام القسم بعينها، أشبعت فتحتها، فتولدت منها الألف، نظير الألف في قول الشاعر:
أعوذ بالله من العقراب
حيث أشبعت فتحة الراء، فتولّدت منه الألف، وحينئذ تتحد القراءتان، قراءة مدّ اللام وعدم مدها في المعنى، ويكون المد مدّ إشباع، ويكفي في ضعف هذا القول اعتراف قائليه بقلّة هذا التوليد في لغة العرب. على أنّ هذا يوقعنا في شيء آخر، لا يقرّه النحويون، وهو خلوّ فعل القسم إذا كان مستقبلا من النون، فإنّ النحاة يقولون: إذا وقع الفعل مستقبلا مقرونا باللام في حيّز القسم وجب اتصال الفعل بنون التوكيد، وحذفها ضعيف جدا، حتى لقد اضطروا إلى تخريج القراءة الأخرى لاقسم على أنّ اللام للابتداء، وليست للقسم، وقالوا: إنّها داخلة على مبتدأ محذوف، والمعنى:
فلأنا أقسم، وإن كان هذا التخريج لا يخلو من شيء.
وقيل: بل النفي على حاله، و (لا) نفي لمحذوف، هو ما كان يقوله الكفار في ذم القرآن، من أنّه سحر وشعر وكهانة. ثم استؤنف الكلام بعد ذلك، ويكون حاصل المعنى: فلا صحة لما يقولون، أقسم بمواقع النجوم إلخ وفوق أن الحذف لا دليل عليه، فهو لا يتفق مع ما يقول النحاة من أنّ اسم لا وخبرها لا يصحّ حذفهما، إلا إذا كانا في جواب سؤال، كما تقول: هل من رجل في الدار؟ فنقول: لا.
على أنّ علماء المعاني يقولون في مثل هذا الموضع: إنّ العطف بالواو متعيّن، كما يقال: هل شفي فلان من مرضه فيقال: لا، وأطال الله بقاءك.
стр. 708
ويرى الفخر الرازي «١» أن كلمة (لا) هي نافية على معناها، غير أن في الكلام مجازا تركيبيا، وتقديره أن نقول: (لا) في النفي هنا مثلها في قول القائل: لا تسألني عما جرى عليّ، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله، فإن غرضه من السؤال لا يحصل، ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلّا بيان عظمة الواقعة، ويصير كأنه قال: جرى عليّ أمر عظيم، ويدل عليه أن السامع يقول له: ماذا جرى عليك، ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال: ماذا جرى عليك، فيصحّ منه أن يقول: أخطأت حيث منعتك عن السؤال، ثم سألتني وكيف لا، وكثيرا ما يقول ذلك القائل الذي قال: لا تسألني عند سكوت صاحبه عن السؤال، أو لا تسألني، وتقول: ماذا جرى عليك؟ ولا يكون للسامع أن يقول: إنك منعتني عن السؤال: كل ذلك تقرّر في أفهامهم: أنّ المراد تعظيم الواقعة لا النهي.
إذا علم هذا فنقول في القسم: مثل هذا موجود من أحد وجهين:
إما أن لكون الواقعة في غاية الظهور، فيقول: لا أقسم بأنه على هذا الأمر، لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول: لا أقسم، ولا يريد به القسم ونفيه، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول: لا أقسم يمينا بل ألف يمين، ولا أقسم برأس الأمير برأس السلطان، ويقول: لا أقسم بكذا، مريدا لكونه في غاية الجزم.
والثاني: يدل عليه أنّ هذه الصيغة لم ترد في القرآن، والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته، وإنما جاءت أمور مخلوقة، والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا:
إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء، كما في قوله: وَالصَّافَّاتِ المراد منه رب الصافات، فإذا قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه وأن يتطرّق الشك إليه.
ولعلك بعد كلام الفخر تكون قد فهمت أن نفي القسم استعمل في القسم من طريق أوكد.
وقبل أن نتكلم على معنى القسم من الله بذاته، أو بأشياء من خلقه، نتكلم على تفسير الآية التي معنا، لنفرغ إلى القول في هذه النواحي باستفاضة.
أُقْسِمُ أحلف بِمَواقِعِ النُّجُومِ المواقع جمع موقع، وموقع الشيء ما يوجد فيه، وما يسقط فيه إن كان من أشياء مرتفعة. وعليه، فمواقع النجوم قيل: المشارق والمغارب جميعا، لأنها موجودة فيها. وقيل: المغارب فقط، لأنّ عندها تسقط النجوم. وقيل: بل مواقعها مواضعها من بروجها في السماء ومنازلها منها. وقيل: بل
стр. 709
المراد مواقعها يوم القيامة إذا الكواكب انتثرت، وسنتكلّم بعد على حكمة القسم بمواقع النجوم خاصة.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) عظيم خبر (إن) وقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ اعتراض بين إنّ وخبرها. والضمير في قوله: (إنه) يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام على ما تقدّم توضيحه. ولَوْ تَعْلَمُونَ شرط، جوابه: إمّا محذوف بالكلية، لأنه لا يتعلق بذكره غرض، إذ المقصود هو نفي ما دخلت عليه (لو) . وكأن المعنى: إنّه لقسم عظيم. لو تعلمون. وذلك أنّ (لو) حرف يدلّ على امتناع شيء لامتناع غيره، وعلى ذلك فهي تدلّ على نفي مدخولها لانتفاء شيء آخر، فإذا قد أفاد دخول (لو) على (تعلمون) انتفاء علمهم، وهذا هو الذي يعنينا، أما الجواب فعلمه بعد ذلك كأنّه لا يعني.
ويقول الفخر الرازي «١» : إنّ فائدة مجيء النفي على هذه الصورة بدل قوله:
(وإنه لقسم عظيم) ولا تعلمون أنّ النفي على الصورة التي معنا أوكد، لأنّ إتيانه عليها ذكر للشيء بدليله. أما الصورة الأخرى فليس فيها إلا إثبات عظم القسم مقترنا بنفي علمهم من غير تعرّض للإشعار بسبب نفي العلم عنهم. أما هنا فكأنّه قيل: لو كان عندكم أثارة من علم لثبت عندكم عظم القسم، فإن كان أحد يشكّ في ذلك، فمنشأ الشك ليس لعدم العظم في نفس الأمر، بل لأنّه لا يعلم، وأين هذا من ذاك.
وإما أن يكون جواب (لو) مقدّرا مفهوما من خبر (إن) أي لو كان عندكم علم لعظّمتموه، لكنكم لم تعظّموه فلا علم عندكم، وترى أنّا لم نقدّر لتعلمون مفعولا، بل جعلناه منزّلا منزلة اللازم، ويصحّ أن يقدّر له مفعول يدلّ عليه خبر (إن) .
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) .
الضمير في (إنّه) يرجع إلى معلوم للمخاطبين، وهو الكلام العربي الذي أنزله الله على محمد ﷺ وكان الكفار يقولون فيه: إنه شعر، إنه سحر إنّه كهانة وافتراء.
فقال الله في الرد عليهم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) ، وقال بعضهم: هو الكلام من أول سورة الواقعة إلى هنا مما جاء فيها من التوحيد، والحشر، والدلائل التي سيقت لإثباتها، وذلك أنهم كانوا يقولون: هذا كلام من عند محمد لم ينزل عليه من عند الله، فقال الله في الردّ عليهم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) .
والقرآن مصدر أريد منه اسم المفعول، فهو بمعنى المقروء، على حد قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرعد: ٣١] وهو
стр. 710
من باب هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: ١١] وقيل: بل هو اسم لما يقرأ من الكلام المنزّل إلخ كالقربان اسم لما يتقرّب به، والمشركون وإن كانوا لا يجهلون أنّه مقروء إلا أنهم كانوا ينازعون في أنه قرآن كريم، وأيضا كانوا يقولون: هو من عند محمد، وكانوا ينكرون تنزيله وأنّ محمدا يتلو عليهم ما سمع من الوحي.
ومعنى كونه كريما: أنّه طاهر الأصل، ظاهر الفضل، يجد فيه كلّ الناس ما يريدون من خير:
«إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا أبدا كتاب الله» «١»
وقد وصف الله القرآن بأوصاف كثيرة، وصفه بكونه حكيما، وبكونه عزيزا، وبكونه كريما، وبكونه مجيدا، وهو كريم، من أقبل عليه أخذ منه ما أراد، وهو عزيز من أعرض عنه ذلّ، وهو حكيم بما اشتمل عليه من كنوز الحكمة، وهو مجيد بما اشتمل عليه من شريف المقاصد.
وقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) أفاد شيئين: الأول: أنه مظروف في كتاب والثاني: أنّه مكنون. فأما ظرفيته في الكتاب فلنا أن نقول: إنّه على حد فلان كريم في نفسه، حيث لا يراد إنّ المظروف شيء والمظروف فيه شيء آخر، فإنّ الشيء لا يكون ظرفا لنفسه، فالقرآن- وهو كتاب- كريم، في كتاب أي نفسه، أو كريم ثبت كرمه في كتاب، هو اللوح المحفوظ، أو يقال: إنّ المظروف هو جملة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) والمظروف فيه هو كتاب، ويكون المعنى: إنّ مضمون هذه الجملة ثابت في كتاب هو اللوح المحفوظ، وقد قيل: الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقيل: هو المصحف، وقيل: بل هو كتاب من الكتب المنزلة: كالتوراة، والإنجيل. وأما كونه مكنونا: فالمكنون هو المستور، فإن كان الكتاب اللوح المحفوظ فمعنى كونه مكنونا أنّه مستور عن الأعين، لا يطّلع عليه إلا نفر مخصوص من الملائكة، ويصحّ أن نقول: إن المكنون أريد منه المحفوظ، ويكون الكن كناية عن الحفظ، لأنّ الشيء إذا كان شريفا عزيزا لا يكتفى في صونه وحفظه بطرق الحفظ المعتادة، بل يستر عن العيون، وكلّما ازدادت عزته ازداد ستره، زيادة في الصون. فقد استعمل الكن والستر وأريد منه المبالغة في الحفظ والصيانة، وقيل: إنّ معنى كونه في كتاب مكنون كونه محفوظا من التبديل والتغيير، فهو على حد قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] .
وأما قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) فإما أن نجعله من صفة الكتاب بمعنى اللوح المحفوظ، وإما أن يكون صفة أخرى للقرآن الكريم.
стр. 711
وعلى الأول: فالمطهرون الملائكة، وطهارتهم نزاهتهم عمّا في طبيعة الإنسان من الشهوة التي هي من مقتضيات المادة، ونفي مسه إلا من هؤلاء يراد منه أنّه لا يطّلع عليه إلا هؤلاء.
وعلى الثاني: فالمراد من المطهرين يحتمل أن يكون الخالين عن الحدثين الأصغر والأكبر، وتكون الطهارة مرادا منها الطهارة الشرعية. ويكون المعنى: لا يمس القرآن إلا من كان على طهارة من الحدثين. والنفي على معنى أنّه لا ينبغي، كمثله في قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣] .
ويرى البعض فرارا من كون الجملة خبرية أنّ (لا) ناهية، والضمة التي في (يمسه) ضمة اتباع، لا ضمة إعراب، وقد صرّح الفخر الرازي «١» بضعف هذا القول وإن روي عن ابن عطية. ومع كون الجملة صفة للقرآن فيحتمل أن يكون المراد من المطهرين الملائكة، وهو مروي من عدّة طرق: فعن قتادة أنّه قال في الآية: ذاك عند ربّ العالمين، لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس، وقد روي عن الإمام مالك ﵁: أحسن ما سمعت في الآية: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا المطهرون. أنّها بمنزلة الآية التي في عبس كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس: ١١- ١٦] .
وقيل: الآية صفة القرآن حقا، والمراد من المطهرين الخالون من الشرك، والمراد من المس الطلب، مثله في قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [الجن: ٨] وقد عرفت أنّ المسّ بمعنى اللمس، والمعنى: أن القرآن لا يطلبه للعمل به إلا المطهّرون من دنس الشرك.
وأما قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) فهو وصف آخر للقرآن الكريم، والتنزيل بمعنى منزل أو يقال: وصف به لأنّ القرآن ينزل نجوما على خلاف سائر الكتب.
وقد أنهينا القول في تفسير الآيات، وهنا أشياء لا بدّ أن نتعرض لها، لأن بعضها من الأحكام التي أراد الفقهاء أن يأخذوها من الآية. وبعضها الآخر وعدناك به، وهو ما يتعلّق بالقسم. ولنشرع في البعض الأول، وهو ما يتعلّق بالأحكام.
قد رأيت أثناء التفسير أنّ من المفسرين من يريد إرجاع الضمير في لا يَمَسُّهُ إلى القرآن الكريم، وأنّ من الآراء في (المطهرين) رأيا يقول: هم المطهرون من الناس وأنّ طهارتهم هي الطهارة الشرعية من الحدثين. على هذين الاعتبارين يقوم الاستدلال بعض الفقهاء بالآية على عدم مس المحدثين للمصحف، وعدم مس المحدث
стр. 712
للمصحف أمر يكاد يجمع عليه، ومن أجازه من الفقهاء أجازه لضرورة التعلم، أو التعبد عند بعضهم، وقد يكون الحكم مسلّما لا اعتراض عليه، إنما الذي لا يسلّم هو أن يكون الحكم مأخوذا من هذه الآية، فإنّك لمست ما فيها من احتمالات كثيرة، بل ويرجّح بعض العلماء أن الكتاب هو اللوح المحفوظ، وأنّ الضمير في (يمسه) راجع إليه، وأنّه حتى على فرض أن الكتاب القرآن، فليس هو المصحف، بل هو المصحف الذي بأيدي الملائكة، ولئن كان هو المصحف فالمطهرون يحتمل أن يراد منهم المؤمنون، ويراد من المس الإدراك، ويكون المعنى لا تفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة أن تجد نور الإيمان. قال البخاري في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به.
وقد رجّح العلماء أنّ المراد من الكتاب الكتاب الذي بأيدي الملائكة، على نحو ما هو مذكور في قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس: ١٣- ١٦] والكتاب بهذا المعنى هو الذي يصحّ وصفه بأنه لا يمسه إلا المطهرون، إذ هو بأيديهم، وأما غيرهم فهم لا يمسونه، لأنه ليس في متناولهم، وقد ذكروا في ترجيح ذلك وجوها كثيرة.
منها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن عن أن تنزيل به الشياطين، وأنّه في محل مضمون لا يصل إليه فيمسه إلّا المطهرون، وأما الأخبثون من خلقه، فلا يصلون إليه، ويكون ذلك على حد قوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] أفرأيت كيف نفى الله ابتغاء مجيئهم به، ونفى استطاعتهم أن ينزلوا به، وكذلك آية عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) [عبس: ١] التي أسلفنا لك ذكرها.
ومن وجوه الترجيح: أنّ السورة مكية، ومعلوم أنّ القرآن في مكة أكثر عنايته كان موجها إلى أصول الدين: من تقرير التوحيد، والمعاد والنبوة. وأما الأحكام، وبخاصّة ما يتعلق منها بمس الأشياء في تفاصيل جزئية فمردّه إلى المدني من السور.
ومن وجوه الترجيح: أن القرآن في أول نزوله لم يكن جمع في مصحف، بل لم يكن تمّ نزولا حتى يكون الناس في حاجة إلى بيان حكم مس المصحف، نعم إنه يحتمل أن يكون خبرا عما يكون.
ومن الوجوه أيضا: أنّ الله تعالى قال في وصف الكتاب: مَكْنُونٍ وذلك كناية عن الصون والستر عن الأعين، لا تناله أيدي البشر. اسمع قول الكلبي في تفسير الآية، قال: هو مكنون من الشياطين. وقال مجاهد: مكنون لا يصيبه تراب ولا غبار، هل ترى أنّ المصحف لا يمسه غبار، أم ذاك خبر عن شيء في السماء؟ قال أبو إسحاق: مصون في السماء.
стр. 713
على أنّ ذلك يتفق تماما مع قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) ولو نظرت إلى أنّ الآية سيقت للرد على المكذبين لوجدت الذي نقول أبلغ في الرد عليه من وصفه بأنه لا يمسه المحدثون.
على أنّ الآية خبر، وتأويلها على الوجه الذي ذكرنا يبقيها على خبريتها، أمّا تأويلها على الوجه الآخر، فيحتاج إلى إخراجها عن الخبرية إلا الإنشاء، والأصل إبقاء الخبر على خبريته حتى يوجد المقتضى، ونحن نبحث عنه فلا نجده.
على أنّه لو كان المعنى ما ذهبوا إليه لقيل: لا يمسه إلا المتطهرون بدل إلا المطهرون، فالمطهرون من تكون طهارتهم من غيرهم، أما المتطهرون فطهارتهم مسندة إليهم، وحيث أراد الله هذا المعنى قال فيه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] .
وفي الحديث: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» «١» .
ومن وجوه الترجيح أنّه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن وصفه بكونه مكنونا ذا فائدة كبيرة، إذ ما فائدة أن يقال: إنّ القرآن في مستور، وكل الكتب كذلك.
إنما سيقت الآية الكريمة لمدحه وتشريفه، وبيان الخصال التي اختص بها، والتي تدلّ على أنّه منزل من عند الله، وأنّه محفوظ مصون، لا تصل إليه الشياطين، ولا يمسه إلا السفرة الكرام البررة.
نعم إذا كان المفسرون تبعا للفقهاء يستدلّون بالآية من وجهها الذي استدل بها منه ابن تيمية على الحكم كان حسنا، حيث قال: إنّ الآية تدلّ على الحكم من باب الإشارة والتنبيه، لأنّه ما دامت صحف القرآن في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسها إلا الطاهر.
على أنّهم لو ذهبوا إلى السنة لوجدوا بها الذين يطلبون،
فقد روى أصحاب السنن «٢» من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنّ في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات:
«ألا يمسّ القرآن إلا طاهر»
وقد رجّح العلماء صحة ما رواه ابن حبان في «صحيحه» ومالك في «الموطأ» ثم الآثار بعد ذلك كثيرة.
ولعل هذا يغنيك عن الرجوع إلى ترجيح أحد الآراء على غيره في التفسير، أما الحكم فنحن نسلم به من دليله إذا كان في غير الآية، والآثار عليه كثيرة: منها ما ورد
стр. 714
في حديث إسلام عمر أنّه قال لأخته: أعطوني الكتاب الذي تقرءون، فقالت: لا يمسه إلا المطهرون، فقام، واغتسل، وأسلم ومسّ المصحف.
وعن كثير من الصحابة أنهم كانوا يأمرون أبناءهم بالوضوء لمس المصحف.
وعن الحسن والنخعي كراهة مس المصحف على غير وضوء. ثم اسمع رأي الجصاص بعد أن نقل الخلاف الذي عرفت آنفا، قال أبو بكر «١» : إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله، والمطهرون الملائكة. وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر، كان عموما فينا، وهذا أولى، لما
روي عن النبي ﷺ أنه كتب لعمرو بن حزم «ولا يمس القرآن إلا طاهر»
فوجب أن يكون نهيه هذا بالآية إذ هي تحتمله.
ولننتقل بعد ذلك للكلام في القسم وفاء بالذي وعدناك، وسيكون كلامنا في الموضوع من ناحيتين:
ناحية القسم من الله.
وناحية بمواقع النجوم خاصّة لأنه معنا، ومن حقك أن تعرف وجه القسم بها، واختصاصها بالموضع الذي وردت فيه. فنقول:
قد رأيت أول ما كتبنا أنّا سقنا لك أنواعا من القسم الوارد في القرآن، فعرفت أنّه أقسم بذاته، وأنّه أقسم بأشياء غير الذات، ومنها القرآن الكريم، وأريناك أمثالا كثيرة فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الذاريات: ٢٣] يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١، ٢] وَالصَّافَّاتِ وَالطُّورِ (١) إلخ، وقد كان العلماء فرقتين في قسمه بغير ذاته، فمنهم من سلك طريق التأويل، وصرف العبارات عن ظاهرها، فقالوا مثلا يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) : أي وربّ القرآن الحكيم، وَالضُّحى (١) : ورب الضحى. وهلم جرا.
وزعموا أن الذي حملهم على هذا التأويل أنهم:
١-
قد رأوا أن النبي ﷺ نهى عن الحلف بغير الله، وقال: «من كان حالفا فيحلف بالله أو ليذر» «٢»
، والنهي يقتضي قبح المنهي عنه، فإذا ورد في الشرع ما ظاهره أنّه حلف بغير الله وجب تأويله، وردّه إلى أن يكون حلفا بالله.
٢- أنّ الحلف بالشيء يقتضي أن يكون المقسم به معظما، والتعظيم لا يكون إلا لله، فوجب أن تحمل الأقسام على ذلك.
٣- أنه قد ورد مصرّحا به على هذا النحو في قوله تعالى:
стр. 715
وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) [الشمس: ٥- ٧] حيث جاء الحلف بالذات بعد الحلف بالسماء وبالأرض وبالنفس، فلا بدّ أن يكون القسم في الجميع على هذا المعنى.
أما الفرقة الأخرى من العلماء فذهبت إلى أنّ القسم وقع بأعيان الأشياء المقسم بها، وقد قالوا في الاحتجاج على صحة ما ذهبوا إليه:
١- أن القسم هو بهذه الأشياء في الظاهر، والعدول عنه عدول عن الظاهر، ولا يكون إلا لدليل، وما ذكرتم لا يصلح دليلا، لأن ما منع من العباد لا يلزم أن يكون ممنوعا صدوره من الله. إذ المانع في حق العباد أن في القسم بغير الله تعظيما لذلك الغير، والعباد يجب ألا يشركوا مع الله أحدا في التعظيم. وهذا المعنى غير مدرك في جانب الله تعالى، فهو إذ يعظّم، فإنما يعظّم أشياء دانت له بالربوبية، ولا يمكن في العقل أن تتعاظم على من هي في قبضة يده وبسطة سلطانه.
وهو إذا يعرّف الناس بعظمتها، فإنما يرشدهم إلى عظمة خالقها، وأنه إذ يقسم بها فإنما يقسم لأنّ لها شأنا بديعا، ومنفعة عند العبد يدركها، وينتقل من إدراك إتقان صنعها إلى أنه لا بد أن تكون صادرة عن المدبر الحكيم، اللطيف الخبير، ثم هي فوق ذلك نعمة من نعمه على عباده، والحلف بها تذكير بالنعمة لتقابل بالشكر.
٢- إنه قال تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فأقسم بالسماء، ثم عطف عليها ما بناها، وذلك على طريقتكم قسم بالباني، فلو كان القسم على تقدير مضاف لتكرر القسم في الموضع الواحد من غير موجب، إذ يصير المعنى وباني السماء وبانيها، وطاحي الأرض وطاحيها، ومسوّي نفس ومسويها.
ومثل هذا ينزّه عنه القرآن الكريم.
ولو قلنا على طريقتنا إنّ هذا قسم بالسماء وببانيها، أو ببنايتها لم يلزم هذا المحذور، فتعيّن أن يكون القسم قسما بأعيان هذه الأشياء.
٣- أنّه لا يبعد أن يقسم بهذه الأشياء تنبيها إلى شرفها، وما حوت من إبداع وإتقان، ليكون ذلك دليلا على عظمة خالقها، وأنّه إله واحد. ويكون ذلك من تضافر الحجج على المدعى الواحد، فهو قسم واستدلال بما في المقسم به من وجوه الدلالة المختلفة، ومن أجل ذلك نقول: لا داعي إلى التأويل، والقسم قسم بأعيان الأشياء وحقيقتها.
وهنا سؤال يتردّد كثيرا، حاصله أن يقال: ما فائدة القسم؟ والمخاطب أحد رجلين: مؤمن بالقرآن، ومكذب به، وما كان المؤمن محتاجا وهو مؤمن إلى قسم، فهو مصدّق من غير يمين. وإن كان من المكذبين الذين لم تغنهم الآيات والنذر، فكيف يصدّق لمجرد القسم بعد أن لم يؤثّر فيه الدليل؟
стр. 716
ويقول العلماء جوابا عن هذا: إنّ هذه الأيمان والأقسام لم تجئ لإثبات الدعاوى، فالدعاوى لها ما يثبتها، وقد اقترنت من دلائل الإثبات بما لا يدحض، إنما جاءت هذه الأقسام لتوكيد ما ثبت من طريق الحجة والبرهان على منهاج العرب وأسلوبهم في توكيد الكلام بالحلف، وقد كان القسم أحد أساليب التوكيد عندهم، والقرآن بلغتهم نزل.
على أننا نحيلك إلى التبصر في كل الأقسام الواردة في القرآن، وبالتأمل فيها تجدها أشياء في مواضعها أقسم بها، وقد حوت من الدلائل ما يجعل القسم ليس قسما في الواقع، وإنما هو تذكير بالدليل الذي يشتمل عليه المقسم به، فهو يذكر في معرض القسم، وهو مخلوق من المخلوقات، فتتوجه النفس إلى سر القسم بهذا المخلوق متسائلة: ما القسم بهذا؟ وما معناه؟ وما مغزاه؟ وما سره؟ ثم تتوجه من ذلك إلى ما في القسم به، باعتبار ما ينبعث منه من بواعث التعظيم، ويكون حاصل المعنى، وحق هذه الأشياء التي ينطق صنعها ووجودها بالعظمة أنّ المقسم عليه لحق.
وما دمنا قد وصلنا إلى هذا فلنتكلم على القسم بمواقع النجوم:
يقول الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) والحديث قبل القسم من أول سورة الواقعة في شأن الواقعة والقيامة الكبرى، وما يكون فيها من أشياء جسام إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) ثم ذكر الله أقسام الخلق يومئذ، ثم ذكر الأدلة القاطعة على عموم قدرته، وعلى المعاد. فذكر النشأة الأولى دليلا: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) .
ثم ذكر إخراج النبات من الأرض، وإنزال الماء من السماء. وخلق النار، وسأل الناس أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) ثم ذكر أنّه جعل ذلك تذكرة ومتاعا، وأمر نبيه أن يسبّح باسم ربه العظيم، ثم أقسم بمواقع النجوم على إثبات القرآن، وكرمه وصونه، وحفظه، وأنه تنزيل من رب العالمين.
وقد عرفت طرفا من أقوال العلماء في المراد بالمواقع، وما دام الكلام سيكون في سر القسم بها نذكر شيئا مما قيل فيها غير ما سمعت:
فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النجوم آيات القرآن، ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء. وقد روي مثل هذا عن سعيد بن جبير، ومقاتل، وقتادة.
стр. 717
وقيل: النجوم الكواكب، ومواقعها مساقطها عند الغروب، وهو قول أبي عبيدة، وقد تقدم قول كهذا.
وقيل: بل مواقعها انتثارها وانكدارها يوم القيامة، وهو مروي عن الحسن.
ويقول الذي يقول المواقع المساقط عند الغروب: إنّ الله تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها، وجريانها وغروبها، إذ فيها، وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة.
والنجوم متى ذكرت في القرآن الكريم فالمراد منها الكواكب، انظر إلى قوله تعالى:
وَإِدْبارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٩] وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ [الأعراف: ٥٤] ومن هنا يمكن أن يقال- بل هو قد قيل: إنّ المناسبة بين المقسم به وهو النجوم ومواقعها، وبين المقسم عليه وهو القرآن، أنّ النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغواية، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، تلك يؤمن جانبها بالنجوم، وهذه تتوقى بهداية القرآن، فالقسم هنا قد جمع فيه بين هدايتين.
هداية ومنافع، ليدير الناس وجوههم إلى القرآن، ويتبصّروا ما فيه جيدا، فيعلموا أنّه هاديهم الذي لا يضلون معه. ولا تنس كذلك أنّ الله قد جعل النجوم رجوما للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم الشياطين ما تجعل الشياطين يولّون عند سماعه، وما نريد أن نترك هذا الموضع حتى نسمعك رأي الفخر الرازي «١» في هذا:
قال ﵀ بعد سؤال حاصله: هل في القسم بمواقع النجوم خاصة فائدة؟
قلنا: نعم، فائدة جليلة، وبيانها أنّا قد ذكرنا أنّ القسم بمواقعها، وأن المواقع كما هي مقسم به، هي من الدلائل، وقد بيّناه في الذاريات، وفي الطور، وفي النجم، وفي غيرها، فنقول هي هنا كذلك.
وذلك من حيث أنّ الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته، بيّن بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس، قدرته واختياره، ولما كان هذا دليلا من دلائل الأنفس ذكر أيضا من دلائل الآفاق على قدرته واختياره فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ إلى غير ذلك، وذكر قدرته على زرعه، وجعله حطاما. وخلقه الماء عذبا فراتا، وجعله أجاجا، إشارة إلى أنّ القادر على الضدين مختار، ولما لم يكن قد ذكر من الدلائل السماوية شيئا، ذكر الدليل السماوي في معرض القسم، وقال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ فإنها أيضا دليل الاختيار، لأنّ كون كلّ واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل على أنّ الفاعل مختار. فقال:
стр. 718
بِمَواقِعِ النُّجُومِ ليشير إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر، كما قال تعالى:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: ٥٣] وهذا كقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) [الذاريات: ٢٠- ٢٢] حيث جمع بين الأنواع الثلاثة كذلك هنا اه.
وهو جميل كما ترى، غير أنّ للباحث أن يقول: ظاهر كلام الفخر أنّ القسم بمواقع النجوم لإثبات القدرة والاختيار لفاعل مختار، لكن الآية تقول: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) وظاهر ذلك أنّ المراد إثباته هو هذا الذي سيق مساق المقسم عليه، فمن أين إثبات القدرة والفاعل المختار في القسم بمواقع النجوم؟
وفي النفس من كلام الفخر روعة، ومن آثارها أن نقول: إنّ هذا استدلال على القدرة والفعل من طريق القسم على القرآن وكرمه وصونه، وأنّه تنزيل من رب العالمين بمواقع النجوم من طريق أبلغ، وكأنّه بعد أن سيقت الدلائل السابقة، والتي كان ختامها القسم بمواقع النجوم، وذكرت في القرآن كأنه قيل: اذكروا هذه الدلائل، وتعرّفوا نتائجها، واذكروا معها مواقع النجوم، وتعرّفوا نتيجة الاستدلال بها، تعلموا أنّ القرآن- الذي جاء بهذا- كريم، وأنّه مصون، وأنّه تنزيل من رب العالمين.
وقبل أن نختم الموضوع نقول: إنّ قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) توكيد لما قبله، وتقرير له. وكما أنّه لازم لكونه قرآنا كريما بهذا في كتاب مكنون، فهو ملزوم له، فهو دليل وهو مدلول، وكفى هذا خاتمة للموضوع.
стр. 719
من سورة المجادلة
قال الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)
ثبت في السنن والمسانيد «١»
أنّ أوس بن الصامت قال لزوجته خولة بنت ثعلبة بن مالك في شيء راجعته فيه: أنت عليّ كظهر أمّي وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لزوجته ذلك حرمت عليه، فندم من ساعته، فدعاها، فأبت، وقالت: والذي نفس خولة بيده، لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله ﷺ ، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سنّي، ونثرت بطني، جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها، فقال ﵊:
«ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن» وفي رواية: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» .
قالت: ما ذكر طلاقا، وجادلت رسول الله ﷺ مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي، وشدّة حالي، وروي أنها قالت: إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها.
فقال ﷺ : «يا خولة أبشري» قالت: خيرا، فقرأ ﵊ عليها: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها.
قال النحاة: إنّ قد الداخلة على الماضي لا بدّ فيها من معنى التوقع، يعنون أنه لا يقال: قد فعل إلا لمن ينتظر الفعل، أو يسأل عنه، ولذلك قال سيبويه: وأما قد فجواب هل فعل، لأنّ السائل ينتظر الجواب، وقال الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، يريد أنّ الإنسان إذا سئل عن فعل، أو علم أنّ المحدّث يتوقع أن يخبر به قال: قد فعل. وإذا كان المخبر مبتدئا قال: فعل كذا وكذا.
و (قد) هنا فيها معنى التوقع، فإنّ السماع في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
стр. 720
مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية. ولا شكّ أن النبي ﷺ كان يتوقع أن يجيب الله دعاءها ويفرّج كربها.
تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها أي تراجعك الكلام في شأن زوجها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ الشكوى أن تخبر عن مكروه أصابك، وهي من الشكو، وأصله فتح الشكوة، وإظهار ما فيها، والشكوة وعاء كالدلو، أو القربة الصغيرة، يتخذ للماء واللبن ونقع الزبيب والتمر، ثم شاع استعمال الشكوى في إظهار البثّ، وما انطوت عليه النفس من المكروه.
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما السمع هنا على حقيقته المعروفة، وهي أنّه صفة يدرك بها الأصوات، غير صفة العلم، أو أنه نوع من الإدراك يرجع إلى صفة العلم. والتحاور:
المرادّة في الكلام، وهو قريب من معنى المجادلة.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي أنه تعالى يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن لازم ذلك أن يسمع تحاورهما، ويبصر هيئة المجادلة حين رفعت رأسها إلى السماء مبتهلة ضارعة.
قالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله ﷺ وأنا في كسر البيت يخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) أخرجه البخاري والنسائي «١» .
قال الله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) الظهار لغة مصدر ظاهر، مفاعلة. يقال: ظاهر زيد عمرا، إذا قابل ظهره بظهره حقيقة، وظاهره غايظه، وإن لم يكن هناك تقابل حقيقة، باعتبار أنّ المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهره: ناصره باعتبار أنّه يقال قوّى ظهره إذا نصره، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر، باعتبار ما يلي به كل منهما الآخر ظهر الثوب. وظاهر من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان ذلك طلاقا في الجاهلية كما تقدم، وقال بعض العلماء: وكان طلاقا أيضا في أوّل الإسلام،
لقوله ﷺ في الرواية السابقة: «ما أراك إلا قد حرمت عليه»
. وحكى بعضهم أنّه كان طلاقا يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه. وقيل: لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى معلقة، لا ذات زوج،
стр. 721
ولا خلية تنكح غيره، وكان الظاهر أن يقال: ظاهر زوجته، كما يقال طلق زوجته، إلا أنّه لتضمنه معنى التبعيد عدّي بمن.
وقوله تعالى: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ليس خبر المبتدأ، إنما هو دليله، والخبر محذوف، والتقدير: الذين يظاهرون من نسائهم مخطئون، لسن أمهاتهم، ما أمهاتهم على الحقيقة إلا اللائي ولدنهم، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن.
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وصف الله الظهار بأنه منكر وزور، باعتبار أنّ قول الرجل لامرأته (أنت عليّ كظهر أمي) يتضمّن إخبارا وإنشاء، فالأول من جهة إخباره بأنها تشبه أمه، والثاني من جهة أنه أنشأ طلاقها وتحريمها، فهو خبر زور، وإنشاء منكر، ينكره الشرع، ولا يعرفه.
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ كثير العفو والمغفرة، فيغفر لهم ما سلف من الظهار، ويعفو عمن ارتكبه إذا تاب.
تمسّك المالكية بظاهر قوله تعالى: مِنْكُمْ في أنّ الذمي إذا قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمي لم يعتبر ذلك ظهارا، ولم تترتب عليه أحكام. وهذا هو المنقول عن الحنابلة، وهو المعول عليه عند الحنفية، إلا أنّ الحنفية لم يستدلوا عليه بمفهوم قوله تعالى: مِنْكُمْ، بل حجتهم في ذلك أنّ الذمي ليس من أهل الكفّارة.
وقال الشافعية كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه، يصحّ ظهار الذمي وتترتب عليه أحكامه، وقوله تعالى: مِنْكُمْ إنّما ذكر للتصوير والتهجين، لأن الظهار كان مخصوصا بالعرب، فليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة الظهار من الذمي.
واعترض قول الشافعية بصحة ظهار الذمي مع اشتراطهم النية في الكفارة بخصالها الثلاث والإيمان في الرقبة. والذمي ليس من أهل النية، ويتعذّر ملكه للرقبة المؤمنة.
وأجابوا عن ذلك بأنّ خصال الكفارة منها ما هو عبادة بدنية وهو الصوم، ومنها ما هو من قبيل الغرامات وهو العتق والإطعام، والنية فيما كان من قبيل الغرامات إنّما هي للتمييز، فلا يشترط فيها الإسلام، كما في قضاء الديون. فالذمي يكفّر بالإعتاق والإطعام، ولا يكفّر بالصوم، لأنه لا يصح منه، كما أنّ العبد المظاهر لا يكفّر بغير الصوم، لأنه لا يملك. ويتصور ملك الذمي للعبد المسلم بإسلام قنّه، أو بقوله لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي فيجيبه، فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو موسر، منع الوطء لقدرته على ملك الرقبة المسلمة، بأن يسلم فيشتريها، وكذلك لا ينتقل من الصوم إلى الإطعام لقدرته عليه بالإسلام. فإن عجز عن الصوم لكبر ونحوه انتقل إلى الإطعام، ونوى للتمييز أيضا.
стр. 722
قال العلماء: لفظ النساء المضاف إلى الرجال حقيقة في الزوجات دون الإماء، لأنّ المتبادر من كلمة نساء الرجل إنما هو زوجاته دون إمائه، فلا يقال فيهن نساؤه، إنما يقال جواريه وإماؤه وسراريه. والتبادر من أمارات الحقيقة، وحينئذ يكون ظاهر قوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ أنّ الظهار إنما يكون في الزوجات، فلو قال لأمته:
الموطوءة، أو غير الموطوءة: أنت عليّ كظهر أمي، لم يعتبر ذلك ظهارا، ولم تترتب عليه أحكام الظهار، وهو منقول عن كثير من الصحابة والتابعين ﵃، وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
وقد نقل عن مالك والثوري صحة الظهار في الأمة مطلقا.
وعن سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس والزهري صحته في الأمة الموطوءة، ذهبوا إلى التعميم في قوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ كما عمّ قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ [النساء: ٢٣] الزوجات والإماء، فحرّم بنت الأمة كما حرّم بنت الزوجة.
واقتضى قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شيء، وهو متفق عليه بين الأئمة الأربعة، وقال أبو بكر بن العربي: وهو صحيح معنى، لأنّ الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الرجال، ليس بيد المرأة منه شيء.
ونقل أبو حيان عن الحسن بن زياد أنّها تكون مظاهرة، ويلزمها التكفير قبل التماس.
وعن الأوزاعي وعطاء وإسحاق أنّ عليها كفارة يمين، وعن الزهري: أنها تكفّر كفارة الظهار، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها.
وكذلك اقتضى عموم الموصول في قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ صحة ظهار العبد من زوجته، لأنّ أحكام النكاح في حقه ثابتة. وإن تعذّر عليه العتق والإطعام، فإنه قادر على الصيام. وحكى الثعلبي عن مالك أنّه لا يصح ظهار العبد.
ولكنّ الذي عليه المعوّل عند المالكية هو صحة ظهاره.
ويؤخذ من قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً أنّ الظهار حرام، بل اعتمد فقهاء الشافعية القول بأنه كبيرة، لأنّ فيه الإقدام على إحالة حكم الله تعالى وتبديله دون إذنه سبحانه. ولأنّ من أقدم على الظهار بعد أن أخبر الله بأنه منكر من القول وزور يعتبر كاذبا معاندا للشرع، فمن ثمّ كان كبيرة.
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
стр. 723
ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)
رتب الله الكفارة على الظهار الذي يعقبه العود، وقد اختلف أهل التأويل في العود ما هو؟
فحكى عن مجاهد أنّ الظهار في الإسلام عود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية، ومعنى الآية عنده: والذين كان من عادتهم أن يظاهروا من نسائهم، فقطعوا ذلك بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فعلى من عاد منهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.. إلخ فالكفارة تجب بنفس الظهار في الإسلام. وقد روي مثل ذلك عن طاوس والثوري وعثمان البتّي.
وقال أبو العالية وأهل الظاهر: العود تكرار لفظ الظهار وإعادته، فلا تلزم الكفارة إلا إذا أعاد لفظ الظهار.
واختلفت الروايات عن الأئمة الأربعة، فأصحّ الروايات عن أبي حنيفة أنّ العود هو العزم على الوطء.
وروى ابن الجلّاب عن مالك روايتين: أولاهما: أنه العزم على الوطء. وثانيتهما: أنه العزم على الإمساك. وابن العربي ينقل عن «الموطأ» أنه العزم عليهما معا.
وقال الإمام أحمد في قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا قال: هو الغشيان إذا أراد أن يغشى كفّر. اه.
وقال الشافعي: الذي عقلت مما سمعت في يَعُودُونَ لِما قالُوا أنّ المظاهر حرم مس امرأته بالظهار، فإذا أتت على المظاهر مدة بعد القول بالظهار ولم يحرّمها بالطلاق الذي يحرّم به، ولا شيء يكون له مخرج من أن تحرم عليه به، فقد وجب عليه كفارة الظهار، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرّم على نفسه عاد لما قال فخالفه، فأحل ما حرّم، ولا أعلم له معنى أولى به من هذا.
فأمّا مجاهد ومن يرى رأيه، فلم يخف عليهم أنّ العود شرط في الكفارة، ولكنّ العود عندهم هو العود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من المظاهرة من الزوجات، وهكذا استعملوا العود في معناه الحقيقي، كما قال الله تعالى في جزاء الصيد: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥] أي ومن عاد للاصطياد بعد نزول تحريمه، وكما قال تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [الإسراء: ٨] أي وإن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة، وقد أخبر الله عن الظهار أنه منكر وزور، فهو معصية منهيّ عنه، والعود إلى المنهي عنه فعله بعد النهي عنه.
стр. 724
ولا يخفى أنّ حمل الكلام على تأويل مجاهد ومن يرى رأيه خروج بالآية عن مقتضى الفصاحة، وتفكيك لنظمها. فإنّهم جعلوا الفعل المستقبل الدالّ على الاستمرار يَظْهَرُونَ بمعنى الماضي المنقطع. وجعلوا العائد غير المظاهر، إذ المظاهرون على رأيهم أهل الجاهلية، والعائدون أهل الإسلام، فإذا ساغ فهم ذلك في رجل ظاهر في الجاهلية، ثمّ ظاهر في الإسلام، فكيف يسوغ في رجل لم يظاهر في الجاهلية، أو لم يدرك الجاهلية أصلا؟
ومعلوم أنّ مساق الآية لبيان حكم المظاهر في الإسلام، وعليه ينطبق سبب النزول، وأيضا فإنّ رسول الله ﷺ أمر أوس بن الصامت بالكفّارة، ولم يسأله أظاهر في الجاهلية أم لا؟
وأما أبو العالية وأهل الظاهر فقد استدلوا على رأيهم بأنّ الذي يعقل من لغة العرب في العود إلى الشيء إنما هو فعل مثله مرّة ثانية، كما قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] والفعل معدّى باللام كآية الظهار سواء بسواء، واتفق أهل التأويل على أن عودهم لما نهوا عنه هو إتيانهم مرة ثانية بمثل ما أتوا به أول مرة.
وكذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وهو في سورة المجادلة بعد ذكر الظهار بآيات، والعهد قريب.
وقالوا أيضا: أصحّ خبر في الظهار حديث عائشة ﵂ أنّ أوس بن الصامت كان به لمم، فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من زوجته، فأنزل الله فيه كفّارة الظهار. فهذا الحديث يقتضي التكرار.
وقالوا أيضا: فما عدا تكرار اللفظ: إما إمساك وإما عزم وإنما فعل، وليس واحد منها عودا لما قال، فلا يكون الإتيان به عودا، لا لفظا ولا معنى.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأنّ هذا الرأي يقتضي أنّ الظهار أول مرة لا يترتب عليه كفارة، وقصة خولة تدفعه، لأنّه لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه ﷺ ، وكذلك لم يسأل النبي ﷺ سلمة بن صخر حين ظاهر من زوجته فألزمه الكفارة: أهذا ظهار مكرّر، أم هو أول ظهار؟
وأما حديث عائشة فما أصحّه، وما أبعد دلالته على ما قالوا، فإنّ غاية ما أفاده أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته مرات كثيرة، وأن زوجته جاءت آخر مرة تجادل رسول الله ﷺ وتشتكي إلى الله، فأنزل الله تحريم الظهار، ورتّب عليه وجوب الكفارة قبل التماس، فكان الذي أخذ هذا الحكم هو المرة الأخيرة، وأما ما قبلها من مرات المظاهرة فإنّها لغو لا حكم لها، أو أنها كما في بعض الآراء كانت طلاقا.
أما الأئمة الأربعة وأكثر المجتهدين فلم يخف عليهم أنّ الظاهر من قوله تعالى:
стр. 725
ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أنّهم يكررون ما قالوا، إلّا أنّه منع من هذا الظاهر أن التكرار لم ينقل في قصة خولة وزوجها أوس، ولا في قصة سلمة بن صخر، وأنّ النبيّ ﷺ لم يسأل أوسا ولا سلمة عنه.
وقد قال أهل اللغة إذا قال قائل: (عاد لما فعل) جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى، وهذا ظاهر. وجاز أن يريد أنه نقض ما فعل وتداركه. لأنّ التصرف في الشيء بنقضه وتداركه لا يمكن إلا بالعود إليه، فلما منع من إجراء اللفظ على ظاهره ما تقدم، وجب المصير إلى المعنى الثاني وهو النقض والتدارك.
إلا أنّ الأئمة مختلفون في العمل الذي ينقضه المظاهر ويتداركه، فيرى غير الشافعي أنّ الظهار يوجب تحريما للزوجة لا يرفعه إلا الكفارة، فالذي يريد المظاهر نقضه وتداركه هو تحريمها عليه، ونقض ذلك التحريم وتداركه إنما يكون بوطئها، أو بالعزم على وطئها، أو باستباحة وطئها، على خلاف بينهم تقدم بيانه.
ويرى الشافعي أنّ كلمة الظهار فيها تشبيه الزوجة بالأم، وهذا التشبيه يقتضي فراقها، فالذي يريد المظاهر نقضه والرجوع عنه هو فراقها، فإن مضت مدة تتسع للفراق الشرعي ولم يفارق صار ناقضا لمقتضى ما قال راجعا عنه. وإن اتصل بلفظ الظهار فرقة فليس بعائد.
واعترض القول بأن العود هو الوطء بأنّ الآية ناصّة على وجوب الكفارة قبل الوطء، فيكون العود سابقا عليه، فكيف يكون هو الوطء؟
وأجاب بعض من يرى هذا الرأي بأنّ المراد من قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا من قبل أن يباح التماس شرعا، والوطء أولا حرام، موجب للتكفير، وهذا الجواب خروج باللفظ عن مقتضى ظاهره، من غير أن يقوم عليه دليل سوى التزام هذا المذهب.
وأجاب آخرون: بأنّ قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا معناه ثم يريدون العود، كما قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] وكما قال: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها، وهذا معنى قول الإمام أحمد وقد تقدّم: إذا أراد أن يغشى كفّر.
واعترض القول بأنّ العود هو العزم على الوطء بأنّ الآية لما نزلت، وأمر رسول الله ﷺ المظاهر بالكفارة، لم يسأله هل عزم على الوطء؟ والأصل عدم ذلك، والوقائع القولية كهذه يعمّها الاحتمال، فتكون الكفارة واجبة، سواء أعزم على الوطء أم لم يعزم.
والجواب أنّ النبيّ ﷺ ترك السؤال عن ذلك، لعلمه به من خولة، فقد أخرج
стр. 726
الإمام أحمد وأبو داود «١» وغيرهما من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال:
حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ وفي أوس بن الصامت أنزل الله تعالى صدر سورة المجادلة، كنت عنده شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل عليّ يوما، فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده، لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت، حتّى يحكم الله ورسوله فينا. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك، فما برحت حتّى نزل القرآن ... الخبر. فإنّ ظاهر قولها: فذكرت له ذلك أنّها ذكرت كلّ ما وقع. ومنه طلب أوس وطأها، المكنّى عنه ب: يريدني عن نفسي. وذكرها ذلك له ﵊ أهمّ لها من ذكرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام.
واعترض القول بأنّ العود هو إمساكها زمنا يتّسع للفراق الشرعي ولم يفارق، بأن الله تعالى قال: ثُمَّ يَعُودُونَ وكلمة (ثم) تقتضي التراخي الزماني، والإمساك المذكور معقب لا متراخ، فلا يعطف بثم، بل بالفاء.
والجواب أن زمن الإمساك ممتدّ، ومثله يجوز فيه العطف بثم، والعطف بالفاء باعتبار ابتدائه وانتهائه.
وقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مبتدأ ثان، خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة، والجملة خبر الموصول، ولتضمنه معنى الشرط زيدت الفاء في خبره، والمراد بالرقبة المملوك من تسمية الكل باسم الجزء فتحرير الرقبة إعتاق المملوك، وجعله حرّا.
وقد أطلق الله الرقبة هنا، ولم يقيّدها بالإيمان، فاقتضى ذلك إجزاء عتق الرقبة في الكفارة، وبهذا الظاهر قال الحنفية وأهل الظاهر، وقالوا: لو كان الإيمان شرطا لبيّنه سبحان، كما بينه في كفارة القتل، فوجب أن يطلق ما أطلقه الله، ويقيد ما قيده، فيعمل بكلّ منهما في موضعه، وزاد الحنفية أنّ اشتراط الإيمان هنا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ إلّا بالقرآن أو الخبر المشهور، ولا يحمل المطلق على المقيّد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة، ولا يلزم من التقييد في كفارة القتل الذي هو أعظم، ثبوت مثله في كفارة الظهار الذي هو أخف، فلا يصحّ أن تكون آية القتل بيانا لآية الظهار.
وذهب مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه إلى اشتراط الإيمان في كفارة غير القتل، كما هو شرط في كفارة القتل، قالوا في بيان ذلك واللفظ للشافعي: شرط الله سبحانه في الرقبة في القتل أن تكون مؤمنة، وأطلق هنا، كما شرط العدالة في
стр. 727
الشهادة، وأطلق الشهود في مواضع، فاستدللنا به على أنّ ما أطلق على معنى ما شرط.
على أنّه سبحانه إنما ردّ زكاة المسلمين على المسلمين لا على المشركين وفرض الله الصدقات، فلم تجز إلا لمؤمن، وكذلك ما فرض من الرقاب، لا يجوز إلا لمؤمن.
قال الشافعي: وإنّ لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، فحمل عرف الشرع على مقتضى لسانهم. قال: ولو نذر رقبة مطلقة لم يجزه إلا مؤمنة، وهذا بناء على هذا الأصل، وأن النذر محمول على واجب الشرع، وواجب العتق لا يتأدّى إلا بعتق المسلم. ومما يدلّ على هذا
أنّ النبيّ ﷺ قال لمن استفتى في عتق رقبة منذورة: «ائتني بها» ، فسألها: «أين الله» ؟ فقالت: في السماء.
فقال: «من أنا» ؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها فإنّها مؤمنة» «١»
قال الشافعي: فلما وصفت بالإيمان أمر بعتقها اه.
والضمير في قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا للمظاهر والمظاهر منها معلومين من السياق، والتماسّ كناية عن الجماع، فدلّت الآية على حرمة الجماع قبل التكفير.
وألحق الحنفية بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأنّ الأصل أنه إذا حرّم الشيء حرّم بدواعيه، إذ طريق المحرم محرم، وأظهر القولين عند الشافعية الجواز، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإنّ الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمسبية يحرم وطؤها دون دواعيه.
أوجبت الآية الكفارة قبل المسيس، وقد يذهب من يتمسّك بالظواهر إلى أنّه إذا وطئ قبل أن يكفّر أثم، وسقطت عنه الكفارة، لأنه قد فات وقتها، ولم يبق له سبيل إخراجها قبل التماس، وهذا الحكم منقول عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف.
ولكنّك تعلم أنّ الآية مع أنّها وقتت للكفارة ميقاتا هو ما قبل المسيس، فإنّها مع ذلك حرّمت على المظاهر العائد المسيس حتى يكفر، فما لم يكفر لا يحل له وطؤها، ولو وطئها مئة مرة، وفوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة، كالصلاة والصيام وسائر العبادات. فلا يزال المظاهر مطالبا بالكفّارة.
وقد دلت على ذلك السنة الصحيحة
أخرج أبو داود والترمذي «٢» وغيرهما أنّ سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته، فوقع عليها قبل أن يكفّر، فقال ﷺ : «ما
стр. 728
حملك على ذلك» ؟ فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال رسول الله ﷺ :
«فاعتزلها حتى تكفّر»
فحكم رسول الله ﷺ بوجوب الكفارة على من وطئ قبل أن يكفّر، وإلى ذلك ذهب الأئمة الأربعة وأكثر المجتهدين.
ويروى عن مجاهد في الرجل يطأ قبل أن يكفّر أنّ عليه كفارتين، وصحّ مثله عن ابن عمر وعمرو بن العاص ﵃، ووجه قولهم: أنّ إحدى الكفارتين للظهار الذي اقترن به العود. والثانية للوطء المحرم، كالوطء في نهار رمضان، وكوطء المحرم. وعن الحسن وإبراهيم أنّ عليه ثلاث كفارات، ولا يعلم لذلك وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه على الحرام، وحكم رسول الله ﷺ يدلّ على خلاف هذه الأقوال.
ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ أي الحكم بالكفارة، تزجرون به عن مباشرة ما يوجبه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بجميع أعمالكم، ظواهرها وبواطنها، ومجازيكم عليها كلها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم، ولا تخلّوا بشيء منه.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) .
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا.
والمراد بمن لم يجد الرقبة من لم يملك الرقبة ولا ثمنها فاضلا عن قدر كفايته، واختلفت مذاهب الفقهاء في بيان قدر الكفاية، ومحلّ ذلك كتب الفروع، وكذلك اختلفوا في اعتبار وقت اليسار والإعسار. فذهب مالك والشافعي في أظهر أقواله إلى اعتبار ذلك بوقت التكفير والأداء، لأنّ الكفّارة عبادة لها بدل من غير جنسها، كالوضوء والتيمم، والقيام من الصلاة والقعود فيها، فاعتبر وقت أدائها.
وذهب أحمد والشافعي في أحد أقواله إلى اعتبار ذلك بوقت الوجوب، تغليبا لشائبة العقوبة، كما لو زنى قنّ ثم عتق، فإنّه يحدّ حدّ القنّ.
وقد جرى عرف الشارع على اعتبار الشهور بالأهلة، فلا فرق بين التام والناقص، فمن بدأ بالصوم في أول الشهر كمّل الشهرين بالهلال، ولو اتفق أنهما ناقصان أجزأه ذلك إجماعا. ومن بدأ بالصوم في أثناء الشهر- فقد اختلفوا فيه، فقال الشافعية: بحسب الشهر بعده بالهلال لتمامه، ويتم الأول من الثالث ثلاثين يوما، لتعذّر الهلال فيه. وقال الحنفية: لا بدّ من ستين يوما.
أوجبت الآية التتابع في صيام الشهرين، فلو أفطر يوما منهما ولو الأخير من غير عذر، انقطع التتابع، ولزمه الاستئناف اتفاقا. ومن صور الفطر بغير عذر أن
стр. 729
يتخللها يوم يحرم صومه كيوم النحر، لأنّه لو ابتدأ صوم الشهرين وهو يعلم أنّ يوم النحر سيتخللهما فسد صومه، لأنّه نيته لصوم الكفارة مع علمه بطروء المبطل تلاعب منه، فهو كالإحرام بالظهر قبل وقتها، مع العلم بذلك. ولو ابتدأ صومهما وهو لا يعلم أنّ يوم النحر سيتخللهما صحّ صومه، لكنّه لا يعتدّ به في الكفارة، لأنّه قطع التتابع بتقصيره.
أما الإفطار بعذر فقد اختلفت مذاهب الفقهاء فيه، فذهب الحنفية إلى وجوب الاستئناف لزوال التتابع المشروط، وهو قادر عليه عادة.
وذهب مالك والشافعي في أحد قوليه إلى أنه لا يقطع التتابع، لأنّ التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان، وهو يسقط بالعذر.
وفرّق بعض العلماء بين العذر الذي يمكن معه الصوم: كالسفر والمرض، والعذر الذي لا يمكن معه الصوم: كالجنون والإغماء جميع النهار، فجعل الأول قاطعا للتتابع، والثاني غير قاطع له.
وأوجبت الآية أن يكون صوم الشهرين المتتابعين قبل المسيس، وقد رأى بعض الظاهرية أنّ من وطئ قبل أن يصوم شهرين متتابعين أثم بالوطء، وسقطت عنه الكفارة لفوات وقتها وعدم التمكن من إيقاع الصيام المتتابع قبل المسيس. كما قالوا ذلك فيمن وطئ قبل العتق، وقد تقدم. والجواب هنا هو الجواب هناك.
واختلف الفقهاء فيمن وطئ التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا متعمدا ونهارا ناسيا.
فذهب أبو حنيفة ومحمد ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه إلى وجوب استئناف الصوم عملا بظاهر الآية، فإنها أمر بصيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما. فإذا جامعها في خلال الشهرين لم يأت بالمأمور به.
وذهب أبو يوسف والشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه إلى عدم وجوب الاستئناف، لأنّ هذا الوطء لم يفسد الصوم، فلم يتخلّل الشهرين إفطار، فلم ينقطع التتابع، وليس من شرط التتابع ألا يتخلل الشهرين جماع.
وكما أنّ ظاهر الآية وجوب صوم شهرين متتابعين لا مسيس فيهما، كذلك ظاهرها وجوب صوم شهرين متتابعين لا مسيس قبلهما، فلو كان الواطئ في خلالهما غير آت بالمأمور به، لكان الوطئ قبلهما غير آت بالمأمور به، ولفات الامتثال بالوطء قبلهما، ولا قائل به غير أهل الظاهر، فوجب حينئذ حمل قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا على تحريم المسيس قبل أن يتمّ صيام الشهرين المتتابعين، لا على أنّ عدم المسيس شرط في الاعتداد بالصوم.
стр. 730
فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أي فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين بأن لم يستطع الصيام: أو لم يستطع تتابعه لسبب من الأسباب، كهرم، ومرض لا يرجى زواله، أو يطول زمانه، أو لحوق مشقة شديدة لا تحتمل عادة، فعليه إطعام ستين مسكينا.
أطلقت الآية إطعام المساكين، ولم تقيده بقدر ولا تتابع، فاقتضى ذلك أنّه لو أطعمهم فغداهم وعشاهم من غير تمليك جاز، وكان ممتثلا لأمر الله تعالى، وهذا قول الجمهور أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين، وليس معنى هذا [أن] تمليك المساكين لا يجزئ، بل المراد أنّ الآية أمرت بالإطعام الذي هو حقيقة في إعطاء الطعام، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه.
وأوجب الشافعية تمليكهم، قالوا: نحن لا ننكر أنّ الآية تحتمل التمليك والإباحة، إلا أنّ السنة وردت بالتمليك، وجرى عرف الشرع في الصدقة الواجبة أنّها مقدرة مشروط فيها التمليك، فكما أنّ الزكاة وصدقة الفطر لا بدّ فيهما من التمليك، كذلك الكفارة لا بدّ فيها من التمليك، ولا تجزئ فيها الإباحة. وذلك لأن التمليك أدفع للحاجة، فلا تقوم مقامه الإباحة.
ثم اختلفت المذاهب في المقدار الذي يملّك لكل مسكين. فقال الحنفية: يعطى لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من شعير أو تمر، ومستندهم في ذلك أخبار ذكرها صاحب «فتح القدير» .
وقال الشافعية: لكل مسكين مدّ من غالب قوت محل المكفّر، لأنّه صحّ في رواية عنه ﷺ تقدير الكفارة بستين مدا، وصحّ في رواية أخرى تقديرها بستين صاعا، والنسخ هنا متعذّر للجهل بالتاريخ، ولإمكان الجمع بين الروايتين، فكان ذلك الجمع متعينا، فحملت رواية الستين صاعا على بيان الجواز الصادق بالندب.
ومذهب مالك فيما روى عنه ابن وهب مدان، وقيل: مد وثلثا مد، وقيل: ما يشبع من غير تحديد.
وظاهر قوله تعالى: فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أنّه لا بدّ من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحدا ستين يوما لم يجزه إلا عن واحد. هذا قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، والثانية إن وجد غيره لم يجزئه، وإن لم يجد غيره أجزأه. وهو ظاهر مذهبه. والثالثة: أنّ الواجب إطعام طعام ستين مسكينا، ولو لواحد في ستين يوما، وهو مذهب أبي حنيفة «١» ﵀، قالوا: لأنّ المقصود سدّ خلة
стр. 731
المحتاج، والحاجة تتجدد كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره، وكالدفع إليه في اليوم الأول، وأنت تعلم أنّ الآية نصّت على ستين مسكينا، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو ستين مسكينا، فكان التعليل بأنّ المقصود سدّ خلة المحتاج إلخ مبطلا لمقتضى النصّ فلا يجوز.
ألا ترى الحنفية حين قالوا: لا يجزئ الدفع لمسكين واحد طعام ستين دفعة واحدة، علّلوا ذلك بأنّ التفريق واجب بالنص، مع أنّ تفريق الدفع غير مصرّح به، وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين، فالنص على العدد أولى بالاعتبار، لأنّه المستلزم، وغاية ما يعطيه كلامهم أنّه بتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكما، فكان تعدّدا حكما. وحينئذ يلزم أنّ يكون المراد بالستين مسكينا في الآية مسكينا حقيقة أو حكما، من باب عموم المجاز الذي يشمل تعدد المساكين حقيقة، وتعددهم حكما، فيكون ستين مسكينا مجازا عن ستين حاجة، وهو أعم من كونها حاجات ستين مسكينا، أو حاجات واحد في ستين يوما. ولا يخفى أنّه لا مقتضى للعدول عن الحقيقة إلى هذا المجاز، وأن ظاهر الآية إنما هو عدد معدوده ذوات المساكين، وتعدد الذوات مما يصح أن يكون مقصودا معقول المعنى لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة، وشمول المنفعة، واجتماع القلوب على المحبة والدعاء.
وظاهر الاقتصار في الآية على المساكين أنّه لا يجزئ دفع الكفارة إلّا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء، كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق.
وقد قالوا: كما علمت المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، هذا مذهب الجمهور.
وعمّم أصحاب أحمد وغيرهم الحكم في كلّ من يأخذ من الزكاة لحاجته، وهم الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارم لمصلحته والمكاتب، ولكنّ ظاهر القرآن اختصاصها بالمساكين على ما علمت.
وقد أطلقت الآية المسكين هنا، ولكنّ الفقهاء شرطوا فيه اعتبارا بمسكين الزكاة ألّا يكون ممن تلزم المكفر نفقته، وألا يكون هاشميا ولا مطلبيا ولا كافرا على خلاف في ذلك بين الفقهاء، منشؤه اختلاف أقوالهم في مسكين الزكاة.
واستنبط بعض الشافعية من التعبير في جانب تحرير الرقبة بعدم الوجود، وفي جانب الصيام بعدم الاستطاعة، أنّه لو كان له مال غائب ينتظره ليعتق منه ولا يصوم، ولو كان مريضا يرجى برؤه، ولكنه يدوم في ظنه مدة شهرين يطعم، ولا ينتظر البرء ليصوم، ووافقهم الحنفية في عدم الصوم لا في الإطعام.
ثمّ إنّ الله سبحانه قيّد التكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصيام، وأطلقه في
стр. 732
الإطعام، فكان ذلك ظاهرا في أنّه لو وطئ قبل الإطعام أو في خلاله لم يأثم، ولا يستأنف، ونقل عن هذا بعض الناس عن أبي حنيفة، ولكنّه توهم، والذي عليه المعول عنده ﵀ أنّه يأثم، ولا يستأنف الإطعام، وبهذا قال جمهور الفقهاء.
أما عدم استئناف الإطعام فوجهه ظاهر، وأما حرمة الوطء فدليل الفقهاء عليها مختلف بحسب اختلافهم في قواعد الأصول، فمن يرى حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة يقول: استفيد حكم ما أطلقه الله مما قيّده، إما بيانا، وإما قياسا قد ألغي فيه الفارق بين الصورتين، فإنّ المعروف عن الشرع في الأعم الأغلب ألا يفرّق بين المتماثلين، وقد ذكر الله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا مرتين، ونبّه بذلك على تكرّر حكمه في الكفارات الثلاث، ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة لأوهم اختصاصه بالإطعام، ولو ذكره في أول مرة فقط لأوهم اختصاصه بالعتق، وإعادته في كل مرة تطويل، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما جاء به النظم الجليل.
وأيضا فإنّه نبه بوجوب التكفير قبل المسيس في الصوم مع تطاول زمنه وشدة الحاجة إلى المسيس فيه، على أن اشتراط تقدم الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.
على أنّ قوله ﷺ في الخبر الحسن. وقد تقدّم
«اعتزلها حتّى تكفّر عنك» «١»
يشمل التكفير بالإطعام.
وأما الحنفية الذين لا يرون حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة، فلهم على حرمة الوطء قبل الإطعام دليلان.
الأول: أنّ إباحة الوطء قبل الإطعام قد تفضي إلى الممتنع، والمفضي إلى الممتنع ممتنع، بيان ذلك: أنّه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور عليه، فلو أبيح للعاجز عنهما القربان قبل الإطعام ثم اتفق أنّه قدر على العتق فوجب التكفير به، لزم أن يقع العتق بعد التماس، وهو ممتنع.
واعترض على هذا الدليل بأنّ القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يرجى زواله أمر موهوم، والأمور الموهومة لا تراعى في إثبات الأحكام ابتداء، بل غايتها أن تراعى في ثبوت الاستحباب ورعا.
والدليل الثاني: ما تقدم من
قوله ﷺ : «اعتزلها حتى تكفّر»
وقد يقال: إن هذا الحديث ليس نصا في الموضوع، لأنّ النبي ﷺ قال ذلك للمظاهر قبل أن يتبين عجزه
стр. 733
عن الإعتاق والصوم، فجاز أن يراد اعتزلها حتى تكفّر بالعتق، أو حتّى تكفّر بالصوم.
بقي أن يقال: لم تذكر الآية حكم من عجز عن الخصال الثلاث، أتسقط الكفارة عنه أم تستقر في ذمته ويحرم عليه المسيس حتى يكفر؟
والذي استظهره العلماء أنّها لا تسقط، بل تستقر في ذمته، حتى يتمكن، قياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات، كجزاء الصيد وغيره. ولأنّ أصحاب السنن رووا أنّ النبيّ ﷺ أعان أوس بن الصامت بعذق من تمر، وأعانته زوجته بمثله فكفّر، وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفّر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها.
وقد أطلنا هنا بذكر الفروع، لأننا نراها كلها متعلقة بتفسير الآية، والله الموفق.
ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الإشارة إلى ما سبق من البيان وتفصيل الأحكام، وتعليمهم إياها. أي ذلك الذي بيّنا فيما مرّ واقع وحاصل لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعملوا بما شرع لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم.
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأحكام المذكورة حدود الله فالزموها، وقفوا عندها لا تتعدوها وَلِلْكافِرِينَ الذين يتعدونها عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم. وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا وزجرا، نظير قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] .
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
التناجي: التسار والمناجاة المسارّة. مأخوذ من النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض، وسمّيت بذلك، لأن المتسارين يكونان بخلوة في نجوة من الأرض، بعيدا عن المتسمعين، أو سمّيت بذلك لأنّ السرّ يصان، فكأنه ارتفع عن الناس، ومن هذا قال الشاعر:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقيل: إنّ التناجي من المناجاة، وهي الخلاص، وكأنّ المتناجيين يتعاونان على أن يخلّص أحدهما الآخر.
والآية التي معنا خطاب المؤمنين، وأريد من النهي هنا التعريض بأولئك الذين كانوا يدورون في المجالس يشيعون السوء ويتناقلونه، حتى يؤثّر ذلك في أقارب
стр. 734
الغائبين في الغزو من المؤمنين الخلص، فكانوا يقولون: تم كيت وكيت، فكانت تنخلع قلوب أقارب المؤمنين من سوء ما يشاع عن أهليهم، وكان يكاد يؤثّر ذلك فيهم لولا أن الكذب حبله غير طويل، فلم يلبث الغائبون أن يعودوا منصورين على خير ما يكون النصر، ويفتضح أمر أولئك الذين لا تخلو منهم أمة، أولئك دعاة التردد والهزيمة، ضعفاء النفوس، لا تقوى نفوسهم على مجالدة أعدائهم، فيلجؤون إلى مقالة السوء يرددونها، يرجون من وراء ذلك الفتّ في عضد خصومهم، ولقد كان اليهود والمنافقون يلجأون إلى هذه الحال دائما، فكانوا يتناجون دون المؤمنين.
وكلّما مروا بهم يتغامزون، فلما كثر ذلك، شكا منهم المؤمنون إلى الرسول ﷺ ، فنهاهم عن ذلك، ولكن الضعيف دائما يجد في هذا التناجي سلوة يستر بها ضعفه، فلم ينتهوا، فأنزل الله فيهم. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ.
وكانت هذه الحال حالا ذميمة مؤذية، فنهى المؤمنين أن يفعلوا هذا، فيكون فيهم هذا الصنف من الناس، فهم لم يكن منهم هذا التناجي المذموم حتى ينهوا عنه، إنما نهوا عنه تعريضا بأولئك الذين لا يعيشون إلّا في الظلام، ويصطادون في الماء العكر، أرأيت الآية التي سقنا لك فيهم، وهذا الآية كيف نهي المؤمنون فيها أن يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ ، وهذا هو الذي كان منهم، ثم هو تحذير للمؤمنين أن يفعلوا فعلهم، فيستحقوا ما استحق أولئك من العاقبة.
وقيل: بل الخطاب للمنافقين، وسمّاهم مؤمنين باعتبار ثوبهم الذي يظهرون فيه، والظاهر الأول، فإنّ الآية نهت المؤمنين أن يتناجوا بالإثم والعدوان، أي بما هو إثم في ذاته، ثم هو عدوان على منصب الرسالة، إذ يجعل الناس ينفضّون من حول الرسول ﷺ ، ثم أمرتهم إذا كان لا بدّ لهم من التناجي أن يتناجوا بما هو برّ وخير، وبما هو وقاية لهم، وحفظ من عذاب الله، ثم أمرتهم بأن يتقوا الله الذي إليه يحشرون، فيحاسبهم على ما كان منهم بعد أن يطلعهم عليه، لا تخفى عليه منه خافية، ثم قال الله في تعليل ما تقدّم إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وأسندت النجوى إلى الشيطان باعتبار أنّه الذي يوسوس بها ويزينها للناس فيرتكبونها، وغايته منه إدخاله الحزن على الذين آمنوا، ولكنّهم ما داموا مؤمنين فلن يضرّهم منه شيء وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ واسم ليس إمّا الشيطان، وإمّا التناجي، وما دام الأمر كلّه لله، فإن قدّر الله مكروها فهو لا بدّ كائن، وإن أراد خيرا فلا رادّ لفضله، يصيب به من يشاء.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ولا يبالوا ما يكون من نجوى الشيطان، لأن الذي
стр. 735
يتناجى به المنافقون إن وقع فهو بقضاء الله ومشيئته، وما شاء لا بدّ أن يكون.
والقصد من هذا إزالة ما عساه يدخل في نفوس المؤمنين بتأثير هذه المناجاة.
ثم إنّ التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه، روى البخاريّ ومسلم «١» وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أنّ ذلك يحزنه» .
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) كان المؤمنون يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ ، ويتسابقون إلى ذلك، لا يكاد أحد يؤثر غيره بمجلسه من رسول الله ﷺ ، واتفق أنّ رسول الله ﷺ جلس يوم الجمعة في الصّفة، وفي المكان ضيق، وكان ﵊ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، منهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ النبي عليهم. ثم سلّموا على القوم، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم، ينتظرون أن يوسع لهم، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، فقال لبعض من حوله: قم يا فلان ويا فلان، فأقام نفرا مقدار من قدم، فشقّ ذلك عليهم، وعرفت كراهيته في وجوههم.
واتخذ المنافقون من ذلك طريقا عسى أن يصلوا منه إلى قلوب المؤمنين، فقالوا: ما عدل رسول الله بإقامة من أخذ مجلسه وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور، فأنزل الله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا الآية.
أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان.
والتفسّح في المجلس: التوسع فيه، أي إذا قال لكم قائل كائنا من كان:
توسعوا، فليفسح بعضكم عن بعض، ليأخذ القادم مكانه في المجلس، فإنّ ذلك سبب المودة والمحبة بينكم، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس.
ولئن كانت الآية نزلت في خصوص التوسع في مجلس رسول الله ﷺ ، فإنّها لمرسلة عامة في كل المجالس التي يكون فيها خير للناس، مجالس العلم، ومدارسة القرآن، ومجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، ومجالس الرأي والشورى، ومجالس الناس في مجتمعاتهم للأغراض الدينية.
стр. 736
يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في دوركم، أو في رزقكم، وفي كل ما تحبّون التوسعة فيه.
وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا النشز: الارتفاع في مكان، والمراد هنا النهوض من المجلس، أي: وإذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على المقبلين فانهضوا، ولا تباطؤوا.
وقال الحسن وقتادة والضحاك: إنّ المعنى: وإذا دعيتم إلى قتال أو صلاة أو طاعة فأجيبوا.
وقيل: إذا دعيتم للقيام عن مجلس الرسول فقوموا، لأن رسول الله ﷺ كان أحيانا يؤثر الانفراد في أمر الإسلام أو لبعض شأنه، ولا مانع من تعميم الحكم في كل مجلس، فإذا دعت الحاجة إلى أن ينفرد صاحب المجلس في أمر، أو إلى أن يخلو ببعض الجالسين، فله أن يطلب في رفق إلى الجالسين أن يقوموا، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم ضررا من فوات المصلحة التي دعت إلى الانفراد.
وهذا مما لا نزاع لأحد في جوازه.
نعم لا يجوز للقادم أن يقيم أحدا ليجلس هو في مجلسه،
فقد روى مالك والبخاريّ ومسلم «١» وغيرهم عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ولكن تفسّحوا أو توسّعوا» .
وقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به، والمجالس من هذا المباح، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس، إلا أنّ مكارم الأخلاق تقضي على الجالسين بتقديم أولي الفضل وأهل الحجى والحلوم، بذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث.
ولقد كان هذا هو الشأن بين الصحابة في مجلس الرسول ﷺ ، فكانوا يقدّمون بالهجرة وبالعلم وبالسن.
روى أبو بكر بن العربي «٢» بسنده عن أنس بن مالك ﵁: بينا رسول الله ﷺ في المسجد وقد طاف به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب، فوقف وسلّم، ثم نظر مجلسا يشبهه، فنظر رسول الله ﷺ في وجوه أصحابه أيهم يوسّع له، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبي ﷺ ، فتزحزح له عن محله، وقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس بين النبي ﷺ وبين أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر! إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل» .
стр. 737
وثبت في «الصحيح «١» أنّ عمر بن الخطاب كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلّموه في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النصر: ١] فسكتوا. فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ . فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، ثم قال: بهذا قدمت الفتى.
وكان التقدم في مجلس الجمعة بالبكور، إلا ما يلي الإمام، فإنّه لذوي الأحلام والنّهى.
وكان التقدم في مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب لذوي النجدة والمراس من الناس، والتقدم في مجلس الرأي والشورى لمن له بصر بالشورى، وخبرة بالأمور.
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ. اختلف المفسرون في المراد بالموصول هنا الَّذِينَ آمَنُوا ووَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ فقال جماعة: المراد من (الذين آمنوا) كلّ المؤمنين، سواء من أوتوا العلم منهم، ومن لم يؤتوه. والمراد من (الذين أوتوا العلم) العلماء من المؤمنين خاصة، وعلى ذلك يكون العطف من عطف الخاص على العام، تعظيما للعلماء بحسبانهم، كأنهم جنس آخر.
وقال قوم: المراد بالذين آمنوا: المؤمنون الذين لم يؤتوا العلم، بدليل مقابلته بالذين أوتوا العلم، وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس ﵃، وعليه يكون العطف عطف متغايرين بالذات، ويكون الموصول الثاني معمولا لفعل محذوف دلّ عليه المذكور، ويكون معمول الفعل المذكور محذوفا، دلّ عليه المعمول المذكور، ويكون الكلام من عطف الجمل، والتقدير: يرفع الله الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات تليق بهم، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات.
وقال آخرون: المراد بالموصولين واحد، والعطف لتنزيل التغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. والمعنى: يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات.
وعلى هذه الأوجه يكون رفع الدرجات جزاء لامتثالهم لأمر النهوض من المجالس، وفي هذا الجزاء مناسبة للعمل المأمور به، وهو ترك ما كانوا يتنافسون فيه من الجلوس في أرفع المجالس وأقربها من النبي ﷺ ، فلما كان الممتثل لذلك يخفض نفسه تواضعا لله، وامتثالا لأمره جوزي على تواضعه برفع الدرجات و «من تواضع لله رفعه» وذهب آخرون إلى أنّ جملة يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ كالتعليل للأمر السابق، أي إذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على القادمين فانهضوا، لأنّ
стр. 738
منهم مؤمنين علماء رفعهم الله درجات على غيرهم، فأوسعوا لهم في المجالس وأكرموهم كما أكرمهم الله.
ثم الآية بعد هذا دليل على فضل العلماء، ولا يقلّ ما روي من الآثار والأخبار في ذلك عن دلالة الآية في الظهور والوضوح،
فقد أخرج الترمذي وأبو داود «١» وغيرهما عن أبي الدرداء مرفوعا «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .
وأخرج الدارمي «٢» عن عمر بن كثير عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة»
وعنه ﷺ : «بين العالم والعابد مئة درجة، بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعون سنة» «٣» .
وعنه ﷺ : «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» «٤» .
وحسب العلماء أن يلوا الأنبياء، ويتقدّموا الشهداء.
والمراد بالعلم الذي أوتوه هو العلم النافع في الدنيا والدين، ولن يكون العلم نافعا يرفع صاحبه حتى يكون هو من العاملين، وإلا كان من الذين يقولون ما لا يفعلون، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) .
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) قد علمتم فيما سبق أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ في مجلسه، ويتسابقون عليه، وأنه صعب على بعضهم أن يقوم للمتأخر، وقد كان بعضهم يناجي الرسول ﷺ في بعض شأنه، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة، فكان ذلك يشقّ على الرسول ﷺ ، وقد يستثقله الحاضرون، فأراد الله أن يحدّ من هذه المناجاة، وهي لا يمكن منعها، فقد يكون لبعض الناس شأن لا يحبّ الكلام فيه إلا مناجاة، وشؤون الناس لا يمكن ضبطها، ولا معرفة مقدار الأهمية فيها، إلا بعد
стр. 739
حصول المناجاة بالفعل، فأمر الله المؤمنين أن يقدّموا صدقات عند مناجاة الرسول ﷺ ، بهذا ترى أنّ الآية متصلة بما قبلها تمام الاتصال، فكلّ منهما متعلّق بما يكون في مجلس الرسول ﷺ وما يفعله الجالسون في المجلس الشريف.
أمر الله المؤمنين بذلك حدّا للمناجاة التي تكون لغير حاجة ومنعا منها، ونفعا للفقراء الذين يكونون في مجلس الرسول ﷺ وقد تدعو المناجاة إلى أن يقوموا من مجلسهم لهذا الذي يريد أن يناجي الرسول ﷺ ، فإذا كان هذا القيام سيعود بالفائدة على الفقراء اطمأنت قلوب القائمين، فقراء كانوا أو أغنياء، فإنّ الأغنياء يطيب خاطرهم لنفع الفقراء.
والتعبير بقوله تعالى: بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يراد منه أن تكون الصدقة حاضرة عند النجوى، على طريق تمثيل النجوى بمن له يدان، أو هو استعارة مكنية تقوم على تشبيه النجوى بالإنسان، وإثبات اليدين تخييل.
ويقول المفسرون: إن هذا الأمر اشتمل على فوائد كثيرة:
منها: تعظيم أمر الرسول ﷺ ، وإكبار شأن مناجاته، كأنها شيء لا ينال بسهولة.
ومنها: التخفيف عن النبي ﷺ بالتقليل من المناجاة.
ومنها: تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول ﷺ ، فإنهم إذا علموا أنّ قرب الأغنياء من الرسول ﷺ ، ومناجاتهم له تسبقها الصدقة لم يضجروا.
ومنها: عدم شغل الرسول ﷺ بما لا يكون مهما من الأمور، فيتفرغ للرسالة فإنّ الناس وقد جبلوا على الشحّ بالمال يقتصدون في المناجاة التي تسبقها الصدقة.
ومنها: تمييز محبّ الدنيا من محبّ الآخرة، فإنّ المال محكّ الدواعي.
هذا وقد اختلف العلماء في مقتضى هذا الأمر، أهو الوجوب أم هو الندب.
فقال بعضهم بالوجوب، مستدلا بأنّ الآية فيها أمر بتقديم الصدقة عند النجوى، والأمر للوجوب، ثم قال الله في آخر الآية: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثل هذا لا يقال إلا في الواجبات التي لا تترك.
وقال بعضهم: إن الأمر هنا للندب والاستحباب، وذلك أنّ الله قال في الآية:
ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ومثل هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.
وأيضا قال الله تعالى في الآية التي بعد هذه مباشرة: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ وهذا يزيل ما في الأمر الأوّل من احتمال الوجوب، انظر إلى قوله: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.
стр. 740
وقد أجاب القائلون بالوجوب: بأنه كما يوصف التطوع بأنّه خير وأطهر، كذلك يوصف الفرض، بل هو أولى.
وأما آية أَأَشْفَقْتُمْ فهي ناسخة للوجوب الذي ثبت بالأمر، ولا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة اتصالهما في النزول.
وهؤلاء القائلون بالوجوب وبالنسخ اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقال بعضهم: ما بقي المنسوخ إلّا ساعة من نهار، وينسب ما روي عن تأخّر كبار الصحابة عن تقديم الصدقة إلى ضيق الوقت، وروي أنه بقي الأمر عشرة أيام ثم نسخ.
وقد روى عن علي بن أبي طالب أنه أول من عمل بهذا الأمر، وآخر من عمل به، وأنه كان عنده دينار فصرفه إلى عشرة دراهم، فكلما ناجى الرسول ﷺ قدّم درهما.
ويرى أبو مسلم الأصفهاني عدم وقوع النسخ، ويقول في هذه الآية: إنّه كان يوجد بين المؤمنين جماعة من المنافقين، كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وإنّ فريقا منهم عدل عن نفاقه، وصار مؤمنا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا. فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين الذين لا يزالون على نفاقهم، فأمر بتقديم الصدقة، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، وإذا كان هذا التكليف لهذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر التكليف بذلك الوقت.
قال الفخر الرازي: وحاصل قول أبي مسلم أنّ ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا.
ثم قال: وهذا كلام حسن لا بأس به، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ ومنهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة.
ونحن نرى مع الفخر الرازي أنّ كلام أبي مسلم كلام حسن، لكنّا نبحث عن أولئك الذين حسن إيمانهم، الذين أريد تمييزهم من المنافقين، فلا نجد أنّ أحدا تصدّق.
بل لقد روي أنّه لم يعمل بهذه الآية إلا الإمام علي بن أبي طالب، ولقد عجب الناس كيف لم يعمل كبار الصحابة بهذا التكليف، وصاروا يعتذرون عنه بأنه لم يبق إلا ساعة من نهار، ومنهم من قال: إنّه استمر عشرة أيام، ومنهم من قال: نسخ قبل أن يعمل به أحد.
ويعجبنا قول الفخر في الدفاع عن عدم عمل الصحابة: أنه على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت ولم يفعلوا فهذا لا يجر إليهم طعنا، وذلك أن الإقدام على هذا العمل مما يضيق به قلب الفقير، ويوحش قلب الغني، لأنه إن لم يفعل جرّ ذلك إلى الطعن فيه، فهذا العمل لما كان سببا لحزن الفقير، ووحشة الغني، لم يكن في تركه كبير مضرة، بل لقد بينا أنهم إنما كلّفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة. ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة، لم يكن تركها سببا للطعن.