← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بمعروف أو فارق بمعروف، واحتاط فأشهد على ما اختار، يعد الله هذا الزوج بالخلاص مما عسى أن يقع فيه من الهموم ومشاكل الزوجية، ويفرّج عنه ما يعتريه من الكروب، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وكذلك يتناول الزوجة التي اتقت الله فيما عليها من حق، فلم تخرج من منزل عدتها، ولم تكتم ما خلق الله في رحمها، فالله يعدها على هذه التقوى بتفريج كربها، ورزقها من حيث لا تحتسب. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي فهو كافيه جل شأنه في جميع أموره، لأنّ الله هو القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الجواد بكل شيء، فإذا فوّض العبد الضعيف أمره إليه كفاه لا محالة ما أهمّه. إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ إنّ الله يبلغ ما يريده سبحانه، ولا يفوته مراد. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً أي إنّه قدّر الأشياء قبل وجودها، وعلم مقاديرها وأوقاتها، وإذا كان كلّ شيء من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى، ولا يقع إلا حسبما علم، لم يسع العاقل إلا التسليم للقدر، وفي هذه الجملة كسابقتها بيان لوجوب التوكل عليه تعالى، وتفويض الأمر إليه جلّ ثناؤه. قال الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أخرج الحاكم، وصححه البيهقي في «سننه» وجماعة عن أبيّ بن كعب أنّ أناسا من أهل المدينة لما نزل قوله تعالى في سورة البقرة: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهنّ الحيض، وذات الحمل، فأنزل الله التي في سورة النساء القصرى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الآية «١» . جعل الله عدّة الآيسة ثلاثة أشهر، ولا خلاف بين الفقهاء في أن المرأة ما دامت ترى الحيض فهي من ذوات الأقراء، لا تكون آيسة ولو بلغت مئة سنة. إنما خلافهم فيمن انقطع حيضها متى تكون آيسة، وتعتد بالأشهر؟ ألذلك حدّ معين أم ليس له حد معين؟ والقائلون بالتحديد مختلفون، فمنهم من قدّره بالسنين. بخمسين سنة وبخمس وخمسين وبستين وباثنتين وستين إلى أقوال أخر، أقصاها خمس وثمانون، ومنهم

стр. 772

من اعتبره بيأس النساء في بلدها الذي هي فيه، فإنّ المكان إذا كان طيب الهواء والماء كبعض الصحارى يبطئ فيها سنّ اليأس، وقيل: يأس كل النساء إلخ. قال أصحاب التحديد: إن اليأس يعتمد غلبة الظن، ومهما انقطع دم المرأة فإنّها لا تزال ترجو عوده، ولا يتأكد الظن بعدم عوده إلا إذا بلغت من السن مبلغا لا يحيض مثلها فيه، وأمر العدد مبني على الاحتياط وطلب اليقين ما أمكن. والقائلون بعدم التحديد يقولون: اليأس ضدّ الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا، ولو كان لها أربعون سنة أو أقل، كما أنّها ما دامت تحيض وترى الدم وترجوه فهي ليست آيسة، ولو كان لها سبعون سنة أو أكثر، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا. وكما أنه يرجع في الاعتداد بالأقراء إلى عادة المعتدة نفسها، لا إلى عادة غيرها، كذلك يرجع في الإياس إلى كل امرأة من نفسها، وكما أنّهم لم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا، كذلك ينبغي ألا يكون للكبر الموجب للاعتداد بها حدا. وينبني على الخلاف في التحديد وعدمه خلافهم في المرأة التي طلّقت، وكانت من ذوات الأقراء، ثم ارتفع حيضها، بماذا تعتد؟ فأصحاب التحديد يقولون: تنتظر حتى ترى الدم أو تبلغ حدّ اليأس، فتعتد بثلاثة أشهر، ولو كانت مدة التربص أكثر من عشر سنين. وهذا هو مذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد. والذين لا يرون لليأس حدّا يقولون: تتربّص غالب مدة الحمل، ثم تعتد عدة الآيسة، ثم تحلّ للأزواج مهما كانت سنها، قالوا: وقد صحّ عن عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة طلّقت، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفعت حيضتها، لا تدري ما رفعها، أنّها تتربص تسعة أشهر، فإن استبان بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر. وقد وافقه كثير من الفقهاء على هذا منهم مالك وأحمد والشافعي في القديم. وكذلك اختلفوا في متعلّق الارتياب في قوله تعالى: إِنِ ارْتَبْتُمْ فقال جماعة: إن ارتبتم في حكمهنّ فلم تدروا ما عدتهن؟ فعدتهن ثلاثة أشهر، وعلى ذلك يكون الشرط بيانا للواقعة التي نزل فيها الحكم من غير قصد للتقييد، فلا مفهوم له عند القائلين بالمفهوم. قال آخرون: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أم استحاضة، وإذا كانت هذه عدة المرتاب في دمها، فغير المرتاب في دمها أولى بذلك. وقال الزجاج: المعنى: إن ارتبتم في حيضهن، وقد انقطع عنهن الدم، وكن ممن يحيض مثلهن. إلى أقوال أخر.

стр. 773

قال ابن جرير الطبري «١» ﵀: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عنى بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ. وذلك أنّ معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أم استحاضة، لقيل: إن ارتبتنّ، لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن. وفي قوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ وخطابه للرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ. وأخرى: وهي أنّه جل ثناؤه قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضا للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن، لأن اليأس هو انقطاع الرجاء، والمرتاب بيأسها مرجو لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد اه. وهذا الذي اختاره ابن جرير وافقه عليه جمهور المفسرين، وليس عليه اعتراض سوى أن يقال: إذا كان معنى إِنِ ارْتَبْتُمْ إن جهلتم عدتهن فسألتم عنها، فأي فائدة في ذكر هذا الشرط بعد أن كان معلوما في كل الأحكام الشرعية أنّ الله أنزلها لتعليم من لا يعلم؟ وأجابوا عن ذلك بأنّ المقصود: إن سألتم عن حكمهنّ، وشككتم فيه، فقد بيناه لكم أيها السائلون، ففيه تنويه بشأن السائلين، وبيان لنعمته تعالى عليهم حين أجاب طلبهم، وأزال ما عندهم من الشك والريب، بخلاف المعرض عن طلب العلم الذي لم يخطر بباله، استوفيت عدد النساء أم لم تستوف؟ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ مبتدأ خبر محذوف، أي واللائي لم يحضن كذلك، أي عدتهن ثلاثة أشهر، يريد أنّ المعتدة التي لم يسبق لها حيض تعتد بثلاثة أشهر، سواء أكان عدم حيضها لصغر، أم لعلة، أم لمنعه بدواء. ولا نعلم خلافا في أنّ التي لم تر الحيض أصلا تعتد بثلاثة أشهر، مهما بلغت من السنّ، إلا رواية عن أحمد ﵀ فيمن بلغت ولم تحض أنّها تتربص تسعة أشهر غالب مدة الحمل، فإن استبان حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر، فيكون مثلها كمثل التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه. والرواية الثانية عن أحمد الموافقة لرأي الجمهور أنها تعتد ثلاثة أشهر، ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا. أخذ العلماء من قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أن للإنسان أن يزوّج ولده الصغار، لأنّ الله تعالى جعل على من لم تحض من النساء لصغر أو غيره عدة، ولا يكون على الصغيرة عدة إلّا أن يكون لها نكاح.

стр. 774

وظاهر العموم في قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ وقوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أنّ الحرة والأمة في ذلك سواء، فكما تعتد الحرة الآيسة أو الصغيرة بثلاثة أشهر، كذلك تعتد الأمة الآيسة أو الصغيرة ثلاثة أشهر، وبهذا قال أهل الظاهر وابن سيرين ومكحول ومالك، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد ﵏. وقال جمهور العلماء: عدة الأشهر فرع وبدل عن عدّة الأقراء، وقد جرى عمل المسلمين من الصحابة والتابعين على أنّ عدة الأمة ذات الأقراء قرآن، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك. وبه قال الأئمة الأربعة، وخلائق من فقهاء الأمصار لا يحصون عدا، ذهبوا إلى أنّها على النصف من عدة الحرة. ولولا أنّ القرء لا يمكن تنصيفه لكانت عدتها قرءا ونصفا. ثم من هؤلاء الفقهاء من قال: عدة الأمة الآيسة والصغيرة شهران، لأن عدتها بالأقراء قرآن، فجعل كلّ شهر مكان قرء، وهو أحد أقوال الشافعي، وأشهر الروايات عن أحمد. ومنهم من قال: عدتها شهر ونصف، لأن التصنيف في الأشهر ممكن، فتنصفت بخلاف القروء، ونظير هذا أنّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مدّ أخرجه، فإن أراد الصيام مكانه لم يجز إلا صوم يوم كامل، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، والقول الثالث للشافعي، ورواية ثالثة عن أحمد ﵏. ثم إنّه لا تعارض بين قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وقوله تعالى في سورة البقرة: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] . فإنّ آية البقرة خاصّة بذوات الأقراء، والآيسة والتي لم تحض ليستا من ذوات الأقراء، وهو ظاهر. إنما التعارض بين الآية التي معنا وقوله تعالى فى سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤] فإنّ آية البقرة عامة تشمل ذوات الأقراء واللائي يئسن واللائي لم يحضن، فتقضي بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة أربعة أشهر وعشرا، والآية التي معنا عامة في السبب الذي من أجله كانت العدة، سواء أكان فرقة حي أم فرقة ميت، فاقتضت بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فكان بين النصين تعارض في ظاهرهما. لكنّ العلماء يكادون يجمعون على أنّ الآية التي معنا واردة في خصوص عدة الطلاق، لأنّ سياق الآية ظاهر في ذلك، وحينئذ يكون اعتداد الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر خاصا بالمعتدات المطلقات، فلا يكون بين الآيتين تعارض. وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أجل الشيء مدته كلها، وأجله أيضا آخر

стр. 775

مدته، والمراد بالأجل هنا آخر المدة التي تتربصها المرأة، أي آخر عدتهن أن يضعن حملهن، وظاهر هذا أنّ المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة، فتكون الآية معارضة لآية البقرة، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً لأن بين الآيتين عموما وخصوصا من وجه. وذلك أنّ آية البقرة أعم من التي معنا في المعتدات، إذ تشمل الحامل وغير الحامل، وأخص من التي معنا في سبب العدة وهو الوفاة وعلى العكس من ذلك الآية التي معنا، فكان التعارض واقعا بينهما في القدر الذي اجتمعتا عليه واشتركتا فيه، وهو عدة المتوفى عنها الحامل، فآية البقرة تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، والآية التي معنا تجعل عدتها مدة حملها، فمتى وضعت فقد انقضت عدتها. ومن أجل هذا التعارض اختلف السلف في عدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا، فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃: تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وهذا أحد القولين في مذهب مالك ﵀، واختاره سحنون. وقال جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة: إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل، ولو كان الزوج على مغسله فوضعت حلّت. فمن ذهب إلى أبعد الأجلين احتجّ بأنّ النصين متعارضان على ما سمعت، ولا يمكن تخصيص العموم في أحدهما بالخصوص في الآخر، لأنّ ذلك إلغاء، ولا يصار إلى الإلغاء إلا إذا تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن، فكان هو المتعين، وبالاعتداد بأبعد الأجلين يحصل الجمع بين النصين، لأنّ مدة الحمل إن زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشرا مع الزيادة، وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت، فيحصل العمل بمقتضى الآيتين. وأنت تعلم أنّ هذا إنما هو جمع بين المدتين، ولا يعدّ جمعا بين النصين. وإعمالا لعموم كل منهما في مقتضاه، وذلك أنها إذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر ثم حكمنا عليها بأنها لا تزال في العدة، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإنّه ظاهر في أنه لا عدة عليها بعد وضع الحمل، وأنها حلال للأزواج متى وضعت حملها. وأصحاب هذا الرأي يحرمونها على الأزواج، ويلزمونها القرار في مسكن العدة إلى أن تنتهي أربعة الأشهر والعشر. فكيف يقال بعد ذلك إنّهم عملوا بمقتضى الآية التي معنا؟ وكذلك يقال فيمن مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها إذا ألزمناها

стр. 776

الاعتداد إلى وضع الحمل، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وهو ظاهر. فلم يكن في هذا المذهب جمع بين النصين، بل فيه إهدار لأحد النصين لا محالة. أما الجمهور الذين قالوا: إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل فقط، فدليلهم على ذلك: أنّ السنة الصريحة دلت على اعتبار الحمل فقط. كما في «الصحيحين» «١» أنّ سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل، فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح إنّك والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوّج إن بدا لي. وصحّ أيضا أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال ابن عباس: عدّتها آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت، فجعلا يتنازعان ذلك فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة-، فبعثوا كريبا- مولى ابن عباس- إلى أم سلمة ﵂ يسألها عن ذلك، فجاءهم، فأخبرهم أنّ أمّ سلمة قالت: إنّ سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنّها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوّج «٢» . وروى الضياء في «المختارة» وابن مردويه وغيرهما عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي ﷺ ، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن أهي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها؟ قال: «هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها» . فجاءت السنة مبيّنة أنّ قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ عام في المطلقة والمتوفى عنها، وأنّ عموم الآية مراد، وإن كان السياق يقتضي أنها خاصة بالمطلقات، فصارت الآية بعد بيان السنة ناصّة على أنّ عدة الحامل المتوفى عنها تنتهي بوضع الحمل فقط، والآية التي معنا نزلت بعد آية البقرة، كما أخرج أبو داود

стр. 777

والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود «١» ﵁ أنه قال: من شاء باهلته أنّ الآية التي في سورة النساء الصغرى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ إلخ نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا. وفي البخاري «٢» عنه أيضا أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى فتكون الآية التي معنا ناسخة لآية البقرة فيما اجتمعتا عليه، واشتركتا فيه، فصار المراد من الأزواج في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً الآية غير الحوامل من المتوفى عنهن. ومن الناس من قال: الآية التي معنا خاصة بالمطلقات كما هو ظاهر السياق. وآية البقرة خاصّة بالمتوفى عنهن، فلا تعارض بينهما، غير أنّ السنة الصحيحة وردت بإخراج الحوامل من عموم الأزواج في قوله تعالى: وَيَذَرُونَ أَزْواجاً فجعلت المراد منهن غير الحوامل، فكانت آية البقرة مخصوصة بالسنة، وكان حكم الحوامل المتوفى عنهنّ معلوما من السنة لا من الكتاب. ومنهم من قال: الآية التي معنا أخصّ مطلقا مما في سورة البقرة، وبيان ذلك أنّ الله ذكر في سورة البقرة حكم المطلقات من النساء، وحكم المتوفى عنهنّ في آيتين على التفريق، ثم وردت هذه الآية التي معنا بعدهما مخصّصة في البابين معا، ولا شك أنّ المستفاد من آيتي البقرة هو أنّ عدة المعتدات الحوامل وغير الحوامل إما ثلاثة قروء، وإما أربعة أشهر وعشر، وأن المستفاد من الآية التي معنا أنّ عدة المعتدات الحوامل تنتهي بوضع الحمل، فكانت الآية معنا أخص مطلقا من آيتي البقرة، وقد نزلت بعدهما، فكانت مخصّصة لهما. والله أعلم. واقتضى قوله تعالى: أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أنّ العدة تنقضي بوضع الحمل، وأنّ المرأة إذا وضعت حملها فقد حلّت للأزواج، ولا يتوقف حلّها على طهرها من النفاس خلافا للشعبي والحسن وإبراهيم النخعي وحماد، فإنّهم قالوا: لا يصحّ زواجها حتى تطهر من نفاسها، واحتجوا بقوله في حديث سبيعة: «فلما تعلّت من نفاسها» أي طهرت منه، ولا حجة لهم فيه، لأنّ ذلك إخبار عنه وقت سؤالها، ولذلك قال ﷺ : «إنها حلت حين وضعت» ولم يعلّل بالطهر من النفاس. وكذلك اقتضى قوله تعالى: أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم

стр. 778

تنقض عدتها حتى تضعهما جميعا، واقتضى أيضا أن العدة تنقضي بوضع الحمل، سواء أكان حيا أم ميتا، تام الخلقة أم ناقصها، نفخ فيه الروح أم لم ينفخ. وظاهر العموم في قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أنّ الحرة الأمة في الاعتداد بوضع الحمل سواء، ولا نعلم خلافا في ذلك بين العلماء. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً أي ومن يخف الله فيأتمر بما أمر به وينته عما نهى عنه يسهّل عليه أمره كله. ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ الإشارة إلى ما تقدّم من الأحكام كلّها يقول تعالى ذكره: هذا الذي بينت لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله أنزله إليكم لتأتمروا له، وتعملوا به وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ يمح ذنوبه من صحائف أعماله، ولا يؤاخذه بها إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ويضاعف له جزاء حسناته، ويجزل له المثوبة على عمله. قال الله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي أسكنوهنّ بعض مكان سكناكم مِنْ وُجْدِكُمْ بدل: أو عطف بيان لقوله تعالى: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ. والوجد: الوسع، أي أسكنوهنّ من وسعكم، ومما تطيقونه. وظاهر قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ يقتضي وجوب السكنى لكل مطلقة، سواء أكانت رجعية أم بائنا، وسواء أكانت حاملا أم غير حامل. وظاهر قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ يقتضي بمنطوقه وجوب النفقة للمطلقات الحوامل، سواء أكنّ رجعيات أم بوائن، وبمفهومه عند القائلين به أنه لا نفقة لغير الحامل، سواء أكانت رجعية أم بائنا. وقد أجمع العلماء على أنّ للرجعية السكنى والنفقة، أما السكنى فلقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ أما النفقة فلأنّ الرجعية كالزوجة في بقاء حبس الزوج وسلطته عليها، فكان إجماعهم على وجوب النفقة لها، ولو لم تكن حاملا مخصّصا لمفهوم قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ لغير الرجعية عند القائلين بالمفهوم. وكذلك على أن للبائن الحامل السكنى والنفقة، لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ.

стр. 779

أما البائن غير الحامل فقد اختلف العلماء في سكناها ونفقتها على ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب السكنى والنفقة. والثاني: عدم وجوبهما. والثالث: وجوب السكنى دون النفقة. فأما وجوب السكنى والنفقة فهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وكثير من فقهاء الصحابة والتابعين. وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وسائر فقهاء الكوفة: احتجوا لوجوب السكنى بقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ فهو أمر بالسكنى لكل مطلقة. ولوجوب النفقة بأنها جزاء الاحتباس، وهو مشترك بين الحائل والحامل، ولو كان الإنفاق جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال، ولم يقولوا به. وقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ليس للشرط فيه مفهوم مخالفة، بل فائدته أن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل، فأثبت لها النفقة، ليعلم غيرها بطريق الأولى فهو من مفهوم الموافقة. وقد قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري جهلت أم نسيت. يريد قول فاطمة بنت قيس حين طلّقها زوجها البتة: لم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة. وأما القول بأنها لا سكنى لها ولا نفقة فهو مروي عن ابن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس من فقيهات نساء الصحابة، وكثير من التابعين، وإليه ذهب إسحاق وداود وأحمد وسائر أهل الحديث، وحجتهم في ذلك حديث فاطمة بنت قيس الذي اتفق على صحته المحدثون. أخرج مسلم «١» وغيره عن فاطمة بنت قيس أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: «ليس لك عليه نفقة» وفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى» ، وفي أخرى للنسائي «٢» «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» . وقالوا: وقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ إنما هو في الرجعيات خاصة، لأنّ الله تعالى ذكر للمطلقات في هذه السورة أحكاما متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض: أحدها: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن. والثاني: أنّهن لا يخرجن.

стр. 780

والثالث: أنّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، أو فرقتهن بالمعروف. والرابع: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهاد على ما اختار من الرجعة والفرقة، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنّه في الرجعيات خاصة بقوله لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا هو المراجعة، كما قال السلف، ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ فكان الظاهر من سياق الكلام ونظمه أنّ الضمائر كلها متّحد مفسرها، وأحكامها كلها متلازمة. وكان قول النبي ﷺ : «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» مفسّرا لكتاب الله، ومبيّنا للمراد منه، وأنّ الأمر بالإسكان إنما هو في خصوص الرجعيات. قالوا: ولو سلمنا أنّ الآية عامة في الرجعيات والبوائن لكان الحديث مخالفا لعمومها، وحينئذ يكون الحديث مخصصا لعموم الآية، فحكمها حكم تخصيص العام من الكتاب بالخاص من السنة، وهو كثير. قالوا: وإذا بانت المرأة من زوجها صارت أجنبية، ولم يبق إلّا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى، ولأنّ النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين في الاستمتاع، والبائن لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأنّ النفقة لو وجبت عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله، ولا قائل به. وأما القول بأنّ لها السكنى دون النفقة: فهو رأي فقهاء المدينة، وإليه ذهب مالك والشافعي، واحتجوا لوجوب السكنى بظاهر العموم في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ولعدم وجوب النفقة بحديث فاطمة بنت قيس مع ظاهر قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإنّ مفهومه أنهنّ إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن، قالوا: وحديث فاطمة صحيح لا ننكر صحته، ولكنه قد خالف في السكنى ظاهر العموم في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ ويجب قبيل القول بالتخصيص أو النسخ الجمع بين الحديث والآية ما أمكن. وقد جاء في «الصحيحين» عن عائشة وغيرها أنّ فاطمة كانت امرأة لسنة، وأنها استطالت على أحمائها، فأمرها النبيّ ﷺ بالانتقال من مسكن فراقها. وفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂ أنها قالت: إنّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ لها. وفي «صحيح مسلم» «١» عن هشام عن أبيه عن فاطمة نفسها قالت: قلت: يا

стр. 781

رسول الله، زوجي طلّقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحوّلت. فلما كان من الممكن حمل إسقاط السكنى في الحديث على أنّه كان لاستطالتها على أحمائها، أو لخوفها أن يقتحم عليها، أو لهما معا، تعيّن تأويل الحديث على هذا المعنى، للجمع بينه وبين الآية، وصار المراد من الحديث أنّ النبيّ ﷺ أذن لها في الانتقال لعذر، وهذا لا ينافي وجوب السكنى للمعتدة البائن. قال الجصاص «١» في حديث فاطمة بنت قيس: وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه، ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعرّيها من نكير السلف اه. ولما كان هذا ردّا لحديث صححه المحدثون، وأخذ به جمع من الفقهاء والأئمة العارفين بعلل الأحاديث وطرق الجرح والتعديل، أحببنا أن نذكر خلاصة للمطاعن التي وردت على هذا الحديث مع بيان ما فيها. روى مسلم في «صحيحه» «٢» عن الأسود بن يزيد أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال- وقد ذكر له قول فاطمة بنت قيس-: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. وروى ابن حزم في «المحلى» والجصاص في «أحكام القرآن» «٣» عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة ابنت قيس، فقال له إبراهيم: إنّ عمر بن الخطاب أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول النبيّ ﷺ لقول امرأة لعلها أوهمت! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السكنى والنفقة» «٤» . وفي النسائي «٥» أن الأسود بن يزيد سمع الشعبي يحدّث بحديث فاطمة بنت قيس، فأخذ كفا من حصباء فحصبه وقال: ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر ﵁: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة. وروى مسلم في «صحيحه» «٦» أن مروان بن الحكم قال في حديث فاطمة: لم نسمع هذا إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.

стр. 782

وحاصل هذه المطاعن يرجع إلى أربعة أمور: الأول: أنّ راويته امرأة. والثاني: أنّها لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها. والثالث: أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن. والرابع: أن روايتها خالفت السنة. فأما أنها امرأة، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يعدّ مطعنا، فإن أحدا من أصحاب الجرح والتعديل لم يقل بأنّ الأنوثة من الأمور التي تردّ بها الرواية، ولم يختلفوا في أنّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، وكما أنّ في الرجال عدالة وضبطا كذلك في النساء عدالة وضبط، وكم من سنة تلقتها الأئمة بالقبول عن امرأة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنة تفرّدت بها امرأة منهنّ إلا رأيتها. وأما أنّها لم تأت بشاهدين، فذلك أيضا ليس بجرح ترد له الرواية، ولم يشترط أحد في الرواية نصابا، ولم يكن طلب عمر الشهادة على الرواية وكذلك تحليف عليّ كرّم الله وجهه، إلا تثبتا منهما ﵄، حتّى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله ﷺ . وقد نقل مثل ذلك عن عمر ﵁ في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتّى شهد له أبو سعيد الخدري ﵁، وفي حديث المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة «١» كلّ ذلك كان تثبتا منه ﵁، وتحذيرا من الإكثار في الرواية عن رسول الله ﷺ ، لأنّه كان يعتبر الشهادة شرطا في قبول الرواية، وإلا فقد قبل عمر خبر الضحاك بن سنان الكلابي وحده، وقبل لعائشة ﵂ عدّة أخبار تفرّدت بها. وأما أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن، فقد أجبنا عنه في تقرير مذهب أهل الحديث في سكنى البائن ونفقتها، وحاصله أنّ الآية إما أن تكون خاصّة بالرجعيات كما هو ظاهر السياق، وإما أن تكون عامة في الرجعيات والبوائن. فإن كانت خاصة بالرجعيات فلا مخالفة بينها وبين حديث فاطمة، وهو ظاهر، وإليه ذهب الإمام أحمد، ﵀، روى عنه أصحابه أنّه أنكر هذا من قول عمر، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلّقة ثلاثا؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة بنت قيس راوية الحديث، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً وأي أمر يحدث بعد الثلاث؟

стр. 783

وإن كانت الآية عامة في الرجعيات والبوائن، فليس هذا أوّل موضع خصّص فيه الكتاب بالسنة، فآية المواريث خصّصت بالسنة الدالة على أن الكافر والقاتل والرقيق لا يرثون، وقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] خصّص بقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها» الحديث. وأما أنّ روايتها تضمنت مخالفة السنة فلا نجد سنة مخافة لحديث فاطمة، إلا روايتين عن عمر ﵁: إحداهما: قوله لا ندع كتاب ربّنا وسنة نبينا، وهذا له حكم المرفوع. والثانية: قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السكنى والنفقة» . أما الرواية الأولى عن عمر فقد قال فيها الإمام أحمد ﵀: لا يصحّ ذلك عن عمر ﵁ وقال أبو الحسن الدارقطني قوله: «وسنة نبينا» هذه زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات، بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا، ومن له إلمام بسنة رسول الله ﷺ يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول الله أنّ للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة. وأمّا الرواية الثانية: فلم يخرّجها فيما نعلم إلا ابن حزم والجصّاص عن حماد عن إبراهيم أنّ عمر إلخ ومعلوم أنّ إبراهيم لم يولد إلا بعد وفاة عمر بسنين، فالخبر منقطع، وقد أنكره علماء الحديث، وصرّح ابن القيم بأنّه مكذوب على عمر، وأنه لو كان هذا عند عمر عن النبي ﷺ لخرست فاطمة وذووها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر ﵁، وأحسنّا به الظن، كان قد روى قول عمر بالمعنى، وظنّ أن رسول الله ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمبتوتة حين قال عمر: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيّب فذكر له ميمون خبر فاطمة بنت قيس فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس. فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة اه. ولا نعلم أحدا من الفقهاء إلّا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام. وقد ذكر النووي في «شرحه على صحيح مسلم» ستة عشر حكما استنبطها العلماء من هذا الحديث. وإذا قد تبيّن أنّ هذه المطاعن مردودة ولم يقدح شيء منها في صحة الحديث لزم القائلين بوجوب السكنى والنفقة للمبتوتة أن يجمعوا بينه وبين الآية ما أمكنهم الجمع، وإلا فالنسخ أو التخصيص.

стр. 784

وقد سلك الجصاص «١» في تأويل الحديث طريقة أقرب إلى الصواب، وأخفّ في الاستهجان من رد الحديث وإنكاره، والطعن فيه بغير مطعن، قال: وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة، وذلك أنّه قد روي أنها قد استطالت بلسانها على أحمائها، فأمروها بالانتقال، فلما كان سبب النقلة من جهتها، كانت بمنزلة الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا اه. والخطاب في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ للأزواج، فاقتضى ذلك بظاهره أنّ السكنى والنفقة إنما تكونان للزوجات المطلقات، لا المتوفى عنهن من الزوجات. وقد روى الدارقطني «٢» بإسناد صحيح عنه ﷺ أنه قال: «ليس للحامل المتوفّى عنها زوجها نفقة» فالمتوفّى عنها غير الحامل أولى ألا يكون لها نفقة. ولا نعلم خلافا في ذلك إلا ما روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما كانا يقولان بوجوب النفقة للمتوفّى عنها من التركة، وظاهر الآية والسنة الصحيحة على خلاف ما يقولان. فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي فإن أرضعن لكم بعد انقضاء عدتهن بوضع حملهن فأدوا إليهنّ أجورهن على الإرضاع، والتزموا ذلك لهن. دلّ هذا على أنّ الأمّ إذا رضيت أن ترضع ولدها بأجر المثل، فهي أحقّ به، لوفور شفقتها، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد، وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ. ودلّ على أنّ الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل، لا بالعقد، لأنّ الله أوجبها بعد الرضاع، بقوله: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. ودلّ أيضا على أنّ نفقة الولد الصغير على أبيه، لأنّه إذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم، ومن ثمّ أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له، وألحق به بالغ عاجز كذلك، لخبر هند بنت عتبة «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» «٣» . وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي ليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر وغيرهما.

стр. 785

وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي، وإن ضيّق بعضكم على بعض في الأجرة، أو في الرضاع، كأن تشتطّ الأمّ في الأجرة، أو تأبى الرضاع، أو يشاح الأب في أجرة المثل فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى الكلام على معنى: فليطلب له الأب مرضعة أخرى، وبذلك يظهر الارتباط بين الشرط والجزاء. وإنما اختير ما في النظم الجليل ليكون فيه نوع من المعاتبة للأمّ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيأبى: سيقضيها غيرك، أي ستقضي وأنت ملوم، ففيه تنبيه على أنّ الأمّ لا ينبغي لها أن تعاسر في رضاع ولدها، فإنّ المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، ولبنها غير متموّل، ولا مضنون به في العرف والعادة، وخصوصا من الأم للولد، وليس كذلك المبذول من جهة الأب، فإنّه المال المضنون به عادة، فكانت الأمّ أجدر باللوم، وأحقّ بالعتب. ودلّ قوله تعالى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى على أنّها إذا طلبت أكثر من أجر المثل، فللأب أن يسترضع غيرها ممن يرضى بأجرة المثل، إذا قبل الصبيّ ثدي الأجنبية، ولم يحصل له ضرر بلبنها، وإلا أجبرت الأمّ على إرضاعه بأجرة المثل. قال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) قدّر الله الرزق: ضيّقه، ولم يبسطه. دلت الآية على أنّ نفقة الزوجات والأقارب متفاوتة بحسب اليسار والإعسار. ولم تقدّر الآية في النفقة شيئا معينا، لا كيلا ولا وزنا، ولا نوعا من الطعام، بل أحالت ذلك على العادة ومتعارف الناس في نفقاتهم، فدلّ ذلك على أنّ النفقة ليست مقدرة شرعا، وإنما تتقدّر بالاجتهاد على مجرى العادة بحسب حال المنفق وكفاية المنفق عليه. وأيد ذلك ما أثبت عنه ﷺ من أنه ردّ الأزواج في النفقة إلى المعروف، وهو ما جرى عليه الناس في عرفهم. ففي «صحيح مسلم» «١» أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» . وفي «الصحيحين» «٢» أنّ هند امرأة أبي سفيان قالت له: إنّ أبا سفيان رجل

стр. 786

شحيح ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . ولقد جعل رسول الله ﷺ نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسوّى بينهما في عدم التقدير، وردهما إلى المعروف، فقال في الزوجات: «ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» وقال في الخادم: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» «١» ولا ريب أنّ نفقة الخادم غير مقدرة، ولم يقل أحد بتقديرها، فكذلك نفقة الزوجة. ولم يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة، لا بمدّ ولا برطل، بل المحفوظ عنهم والذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر أنّهم كانوا ينفقون على أهليهم الخبز والإدام من غير تقدير ولا تمليك. وصحّ عن ابن عباس في قوله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة: ٨٩] الخبز والزيت. وعن عمر: الخبز والسمن، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون الخبز واللحم، ومثل هذا مرويّ عن عليّ وابن مسعود وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك من الصحابة رضوان الله عليهم، وروي مثله عن كثير من التابعين. وبعدم تقدير النفقة قال الجمهور من فقهاء الأمصار. وخالف الشافعي وأبو يعلى «٢» فقدّرا نفقة الأزواج، إلا أنّ أبا يعلى قدّرها بالخبز، فجعل الواجب رطلين من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر، اعتبارا بالكفّارات، فإنّها لا تختلف قلة وكثرة باختلاف اليسار والإعسار، وإنما تختلف جودة ورداءة، لأنّ الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول، وما تقوم به البنية، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة. وأما الشافعي فإنّه قدرها بالحبّ، فجعل على الفقير مدا، وعلى الموسر مدّين، وعلى المتوسط مدّا ونصفا، قال أصحاب الشافعي: نفقة الزوجات متفاوتة ومقدرة بالمد، ومعينة الجنس وهو الحبّ، فهذه ثلاث دعاوى: أما أصل التفاوت فدليله قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ.

стр. 787

وأما التقدير بالأمداد وتعيين الحب: فبالقياس على الكفارة، بجامع أنّ كلّا مال وجب بالشرع، ويستقر في الذمة، وأكثر ما وجب في الكفارات لكل مسكين مدان، مثل كفارة الحلق في النسك. وأقل ما وجب له مد في كفارة اليمين ونحوه، والمد يكتفي به الزهيد، وينتفع به الرغيب، فلزم الموسر من الأزواج الأكثر، والمعسر منهم الأقل، والمتوسط ما بينهما. وأيضا فإنّ النفقة عليهنّ في مقابلة التمتع بهنّ، وشرف القوامة عليهنّ، فاقتضى ذلك تقديرها كما يقدر كل ذي مقابل، وإنما لم تعتبر الكفاية كنفقة القريب لأنّها تجب للمريضة والشبعانة. وليس في الآية الكريمة أكثر من الدلالة على أنها متفاوتة، وما اقتضاه حديث هند من تقديرها بالكفاية يجاب عنه بأنّه لم يقدّرها بالكفاية فقط، بل بها بحسب المعروف، وما ذكر من توزيع الأمداد بحسب اليسار والإعسار هو المعروف المستقر في العقول، ولو فتح للنساء باب الكفاية من غير تقدير لوقع التنازع لا إلى غاية، فتعيّن ذلك التقدير اللائق بالعرف. قالوا: وقد روي التقدير في الكفارات عن الصحابة، فعن عمر في كفارة اليمين: لكل مسكين صاع من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر. ومثله عن عائشة. وعن علي: نصف صاع لكل مسكين. وعن زيد بن ثابت: يجزئ لكل مسكين مدّ حنطة، وروي مثله عن ابن عمر، وابن عباس، وابن المسيّب، وابن جبير، ومجاهد، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم يطعمون في كفارة اليمين مدّا بالمد الأول. قالوا: وثبت في «الصحيحين» «١» أنّ النبيّ ﷺ قال لكعب بن عجرة في كفارة فدية الأذى: «أطعم ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين» فدلّ ذلك على أنّ الإطعام في الكفارات مقدّر بالأمداد من الحبّ المقتات، فجعلنا ذلك أصلا، وعدّيناه إلى نفقة الزوجات لما تقدم. ومعلوم أنّ الشافعية لم يقولوا بتقدير نفقة الزوجة إلا عند تنازع الزوجين، أمّا إذا تراضيا على أن تأكل من بيته، فأكلت قدر كفايتها، كان ذلك إنفاقا عليها، وليس لها

стр. 788

أن تطالبه بنفقة عن المدة التي أكلتها عنده، سواء أأكلت معه أم وحدها، أم أضافها شخص إكراما له، كل ذلك يعتبر إنفاقا عليها، ويسقط نفقتها، لإطباق الناس عليه في زمنه ﷺ وبعده، ولم ينقل خلافه. واختار جمع من أصحاب الشافعي أنّ نفقة الزوجات معتبرة بالكفاية لا بالأمداد، لقوة الدليل على ذلك، حتى قال الأذرعي «١» : لا أعرف لإمامنا ﵁ سلفا في التقدير بالأمداد، ولولا الأدب لقلت: الصواب أنها بالمعروف تأسيا واتباعا اه. والمأمور بالإنفاق في قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ إلخ الآباء الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ومن ثمّ كانت الآية أصلا في وجوب النفقة للولد على الأب دون الأمّ. ودلّ قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها على أنّه لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة، لأنّه قد تضمّن أنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الإنفاق في هذه الحال، فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجل النفقة، لأنّ فيه إيجاب التفريق لشيء لم يجب عليه، وكذلك قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً يدلّ على أنه لا يفرّق بينهما من أجل عجزه عن النفقة، لأنّ العسر يرجى له اليسر، كما قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وبهذا قال أهل الظاهر، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وأحد قولي الشافعي رواية عن أحمد ﵏. وعلى هذا لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع، لأنّه لم يسلم إليها عوضه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه. وعلى الزوج تخلية سبيلها، لتكتسب، وتحصل ما تنفقه على نفسها، لأنّ في حبسها بغير نفقة إضرارا بها. والقول بالفسخ مذهب مالك، وأظهر قولي الشافعي، ورواية عن أحمد ﵏، وحجتهم في ذلك خبر الدارقطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئا ينفق على امرأته يفرّق بينهما. قالوا: وقضى به عمر ﵁، ولم يخالفه أحد من الصحابة، وقال ابن المسيّب: إنّه من السنة. قالوا: وقد شرع الفسخ بالعنة لإزالة الضرر، والضرر الذي يلحقها بعدم النفقة أشدّ من ضررها بالعنة، فكان الفسخ بالعجز عن النفقة أولى من الفسخ بالعنة. وفي تخلية سبيلها للكسب تشويش على الحياة الزوجية، وإخلال بالسكن الذي

стр. 789

هو ثمرة الزواج، وما بقاء الزوجية بعد أن خلينا سبيلها، ورفعنا يد الزوج عنها، ولم نلزمها تمكينه من استمتاع بها؟ وقد تناظر في ذلك مالك وغيره فقال مالك: أدركت الناس يقولون: إذا لم ينفق الرجل على امرأته يفرّق بينهما. فقيل له: قد كانت الصحابة ﵃ يعسرون ويحتاجون. فقال مالك: ليس الناس اليوم كذلك، إنما تزوجته رجاء اه. ومعنى كلامه إنّ نساء الصحابة ﵃ كنّ يردن الدار الآخرة وما عند الله، ولم يكن مرادهنّ الدنيا، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن، لأن أزواجهنّ كانوا كذلك، وأما النساء اليوم، فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا، فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد، وكان عرف الصحابة ﵃ كذلك كالمشروط في العقد، والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي. وفي المسألة مذهبان آخران: أحدهما: أنه إذا أعسر بنفقتها حبس حتى يجد ما ينفقه، وهذا مذهب حكاه الناس عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهو مذهب غير معقول، لأنّه إذا حبس فمن أين يجد النفقة؟ ولعلّ العنبري من القائلين بالتفريق للإعسار، وأنه يريد أنّ الحاكم إذا أمره بالطلاق فامتنع حبسه حتى يطلّق، أو يظهر له مال، وإلا فالكلام على ظاهره بيّن البطلان. والثاني: أنه لا فسخ، وعليها نفقة نفسها إن كانت غنية، وإن عجز الزوج عن نفقة نفسه أيضا كلّفت المرأة الإنفاق عليه، وهو مذهب ابن حزم، قال في «المحلى» : فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلّفت النفقة عليه، لا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر. وهذا المذهب مع بطلانه ومخالفته قواعد الشرع وعمل الناس أقرب إلى العقل من مذهب العنبري والله الموفق. ودلّت الآية أيضا على أنّه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة، وفي الحديث: «إنّ المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا، إذا هو وسع عليه وسع، وإذا هو قتر عليه قتر» «١» .

стр. 790

من سورة التحريم قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) ذهب العلماء في سبب نزول الآيتين مذاهب مروية: فروى عكرمة عن ابن عباس أنّها نزلت في الواهبة التي جاءت النبيّ ﷺ فقالت له: إنّي وهبت لك نفسي، فلم يقبلها. وقال الحسن وقتادة: بل نزلت في شأن مارية القبطية أمّ إبراهيم، «١» حيث خلا بها النبيّ ﷺ في منزل حفصة، وكانت هذه خرجت إلى منزل أبيها في زيارة، فلما عادت، وعلمت، عتبت على الرسول ﷺ فحرم الرسول ﷺ مارية على نفسه إرضاء لحفصة، وأمرها ألا تخبر أحدا من نسائه، فأخبرت بذلك عائشة، لمصافاة كانت بينهما، فطلّق النبيّ ﷺ حفصة، واعتزل نساءه شهرا، وكان جعل على نفسه أن يحرمهن شهرا، فأنزل الله هذه الآية، فراجع حفصة. واستحل مارية، وعاد إلى نسائه. وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم: هل كان تحريم مارية بيمين؟ فقال قتادة والحسن والشعبي: حرمها بيمين. وقال غيرهم: حرمها بغير يمين، وهو عن ابن عباس. وثالث الأقوال: ما ثبت في «الصحيح» «٢» عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان النبيّ ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواصيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير- وهو نبت كريه الرائحة- قال: «لا ولكنّي شربت عسلا عند

стр. 791

زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وقد حلفت لا تخبري أحدا. يبتغي مرضاة أزواجه» . وقد روى مسلم، وأشهب عن مالك أنّ النبي شرب العسل عند حفصة، وروي أنّه كان عند أم سلمة، والأكثر أنّه كان عند زينب بنت جحش، ولعلّ الحادثة تكررت قبل النزول. وبعد فيرى ابن العربي «١» أن ما قيل من أنّ الآية نزلت في الواهبة فهو ضعيف من حيث السند، وضعيف من حيث المعنى: فأما السند: فرواته غير عدول. وأما المعنى: فما يصحّ أن يقال: إن رد النبي ﷺ للهبة كان تحريما، بل هو رفض لها، وللموهوب له شرعا ألا يقبل الهبة. وأما ما روي من أنه حرم مارية فهو أمثل في السند وإن قرب من حيث المعنى، لكنّه لم يدوّن في صحيح ولا نقله عدل. قال ابن العربي: إنما الصحيح أنّه كان في العسل، وأنّه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، وجرى ما جرى، فحلف ألّا يشرب، وأسرّ ذلك، ونزلت الآية في الجميع. وبعد، فقد اختلف العلماء في أنّ تحريم النبي ﷺ ما حرّم أكان بيمين، أم لم يصحبه يمين، وقد جرى بناء على ذلك خلاف بين العلماء في أنّ الرجل إذا حرّم شيئا ولم يحلف أيكون ذلك يمينا، فيجب فيه ما يجب في اليمين، أم لا يكون؟ وتشعبت أطراف الخلاف بينهم إلى حدّ كبير، سنقفك على شيء منه بعد التفسير. لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أي لم تمنع نفسك من شيء أباح الله لك الانتفاع به تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ الابتغاء: الطلب، والجملة حال من فاعل تحرّم. فيكون قيدا للعامل. وقد قال العلماء: إنّ العتاب موجّه إلى هذا القيد، لأنّ الكلام إذا كان مقيّدا بقيد إثباتا أو نفيا، فالنظر فيه إلى القيد، ولا مانع من أن يكون العتاب موجها إلى المقيّد مع قيده. ويرى البعض أنّ الجملة استئناف، وذلك أنّ الاستفهام ليس على حقيقته، بل هو معاتبة على أنّ التحريم لم يكن عن باعث صحيح، وحينئذ

стр. 792

يكون الاستفهام منشأ لأن يسأل فيقال: وما ينكر منه في التحريم وقد كان الأنبياء يحرّمون كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣] فقيل في جواب هذا السؤال: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ فكأنّ التحريم لم ينكر لذاته، وإنّما لما اشتمل عليه من الحرص على مرضاة الأزواج، ومثل النبيّ ﷺ أجلّ من أن يقدم على ما يقدم عليه، ويمتنع عما يمتنع منه تبعا لإرضاء النساء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إنّ النبي ﷺ لم يقارف ذنبا، والذي كان منه إنما هو خلاف الأولى، فالإتيان بالغفران والرحمة هنا تكريم للنبيّ ﷺ ، حيث جعل ما لا يعدّ ذنبا كأنه ذنب، ولا يكون ذلك إلا لمن سمت منزلته. وقد رأيت أنّا فسرنا التحريم هنا بالامتناع، وامتناعه عن شرب العسل أو غيره إنما كان كامتناعه عن أكل الضب، وهو بهذه المثابة لا شيء فيه، وإنما عوتب من أجل أنّ الباعث كان الحرص على مرضاة الأزواج. وقد أراد الزمخشريّ «١» أن يقول: بل هو قد قال: إنّ الذي وقع هنا هو أنّ النبيّ ﷺ حرّم من عند نفسه ما أحل الله، فيكون قد غيّر الحكم ابتغاء مرضاة الأزواج فآخذه الله به، وأنكره عليه، وغفر له ما وقع منه من الزلة، وقد شنع العلماء على الزمخشري في قوله هذا. وذلك أن تحريم الحلال ينتظم معنيين: فقد يراد منه اعتقاد حكم التحريم فيما جعله الله حلالا، وذلك تغيير لحكم الله، وتبديل له على نحو الذي كان من الكفار من تحريمهم البحائر والسوائب والوصائل وغيرها، وكقولهم: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١٣٨] وعلى نحو ما حكى الله عنهم في قوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل: ٣٥] وتحريم الحلال بهذا المعنى كفر لا يكون إلا من الكافرين. والمعنى الثاني: الامتناع من الحلال امتناعا مطلقا، أو مؤكّدا باليمين مع اعتقاد حل الفعل الذي امتنع منه، وهذا شيء لا خطر فيه، ولا شيء، وقد امتنع النبيّ ﷺ من أكل الضب، وقال: «إنّه لم يكن بأرض

стр. 793

قومي» «١» . والذي وقع من النبيّ ﷺ كان من هذا النوع، وإنما عوتب على ما صاحب الامتناع من الحرص على مرضاة الأزواج، خصوصا بعد المظاهرة التي كانت منهنّ، ومرضاة مثل هؤلاء ينبغي ألا يحرص عليها. وقد اعتذر بعض العلماء عن الزمخشري، وأوّل كلامه. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ الفرض: التقدير، والمراد منه هنا: جعل تحلة اليمين شريعة، والمراد من التحلة الكفارة، والتحلة مصدر حلّل، كالتكرمة مصدر كرّم، وهو مصدر غير قياسي، إذ المصدر القياسي في كلّ منهما: التحليل والتكريم. وأصله من الحلّ ضدّ العقد، وذلك أنّ من حلف على شيء فكأنّه قد عقد عليه، لأنّه التزمه. وقد جعل الله الكفارة حلّا لهذا الالتزام. وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ هو سيدكم، ومتولي أموركم، وهو العليم بشأنكم، يعلم ما فيه مصلحتكم، فيشرع لكم ما تقضي به هذه المصلحة، وهو الحكيم الذي لا يصدر عنه إلا كل متقن محكم. اختلف العلماء في أنّ التحريم الذي كان من النبي ﷺ هل كان مقترنا بيمين، وظاهر الآية قد يؤيّد القول بالإيجاب، لقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ إذ هو مشعر بأن ثمة يمينا تحتاج إلى التحلة، وقد جاء في بعض الروايات ما يؤيده. واختلفوا أيضا في أنّ النبيّ ﷺ أعطى كفارة، أو لم يفعل. وقد ذهب الحسن إلى أنه لم يعط كفارة، ويقول في التوجيه: إن النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو توجيه لا يخلو من شيء، وقد نقل عن الإمام مالك ﵀ في «المدونة» أنّه أعطى الكفارة. وقد اختلف العلماء بعد ذلك في الرجل يحرّم شيئا، كأن يقول لزوجته: أنت عليّ حرام، أو الحلال عليّ حرام، ولم يستثن شيئا. ويقول ابن العربي «٢» : بأنّ للعلماء في تحريم الرجل لزوجته خمسة عشر قولا، يجمعها ثلاثة مقامات: المقام الأول: في جمع الأقوال. الثاني: في التوجيه.

стр. 794

المقام الثالث: في عد الصور في ذلك. ونحن نقتصر هنا على جمع الأقوال، ونترك المقامين الآخرين إلى الفقه وعلم الخلاف، فإنّ الآية لا تحتمل كلّ ما قال الفقهاء. القول الأول: روي عن أبي بكر وعائشة والأوزاعي أنّ تحريم الزوجة يمين تلزم فيها الكفارة. القول الثاني: قال ابن مسعود: ليس تحريم الزوجة بيمين، وتلزم فيه الكفارة. القول الثالث: قال عمر بن الخطاب: إنّ تحريم الزوجة طلقة رجعية، وهو رأي الزهري. القول الرابع: أن تحريم الزوجة ظهار، وهو رأي عثمان البتي وأحمد بن حنبل. القول الخامس: قال حماد بن سلمة «١» ، وهو رواية عن مالك: أنه طلقة بائنة. القول السادس: أنّه ثلاث تطليقات، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة، ومالك. القول السابع: قال أبو حنيفة: إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلّا كانت يمينا، وكان الرجل موليا من امرأته. القول الثامن: قال ابن القاسم «٢» : إنّ من حرّم زوجته لا تنفعه نية الظهار، وإنما يكون طلاقا. القول التاسع: قال يحيى بن عمر «٣» : يكون طلاقا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفّر كفارة الظهار. القول العاشر: هو ثلاث قبل الدخول وبعده، لكنه ينوي في التي لم يدخل بها إذا قال: نويت الواحدة، وهو عن مالك وابن القاسم. القول الحادي عشر: هو ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، قال ابن العربي هو قول عبد الملك في «المبسوط» .

стр. 795

القول الثاني عشر: هو في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث، وهو رأي أبي مصعب، ومحمد بن عبد الحكم. القول الثالث عشر: أنّه إن نوى الظهار- وهو أن ينوي أنّها محرمة كتحريم أمه- كان ظهارا، وإن نوى تحريم عينها بجملته بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين، وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين، وهو عن الشافعي. القول الرابع عشر: أنّه إن لم ينو شيئا لا يلزمه شيء. القول الخامس عشر: أنّه لا شيء عليه أصلا، قاله مسروق، وربيعة من أهل المدينة. وبعد فإنّك ترى أنّ الآية الكريمة ليس فيها أكثر من أنّ الله سبحانه عاتب نبيّه على أنّ منع نفسه شيئا أباحه الله له، والظاهر أنّ هذا المنع كان مصحوبا باليمين، فقال الله: لا تمتنع، وكفّر عن يمينك بالتحلة، وإذا جرينا على ما هو الصحيح من أنّ الحادثة كانت في شرب العسل ازددت يقينا بأنّ كلّ هذه الأقوال التي قبلت في تحريم الزوجة من غير يمين تحتاج إلى أدلتها من غير الآية، فلتطلب في أماكنها، والله المستعان، وبه التوفيق.

стр. 796

من سورة المزمل قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر: إنّ هذه السورة مكية كلّها. وحكى الأصبهاني أنّها مكية ما عدا الآيتين: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. وهو مروي عن ابن عباس ﵄. وهناك قول ثالث: أنها مكية ما عدا قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ... وقد اعترض السيوطي في «الإتقان» على الأخير بأنه يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة ﵂ أنّ قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إلخ قد نزل بعد نزول صدر السورة بسنة، لما كان قيام الليل فرضا في أول الإسلام قبل أن تفرض الصلوات الخمس. يعني: وإذا كانت الصلوات الخمس قد شرعت في مكة قبل الهجرة بسنة، وقد تمّ بفرضيتها نسخ ما كان قبلها من فرض القيام، ظهر أنّ آخر المزمل من المكي. ولعلك تختار القول الأول لما أورده السيوطي على الأخير، ولأنّ أمر الرسول ﷺ بالصبر على أذى الكفار، والإعراض عنهم، وهجرهم، إنما كان في أول الإسلام، قبل أن يكثر أنصار الدعوة الإسلامية، وقبل أن يأذن الله تعالى للمؤمنين المظلومين أن يدفعوا عن أنفسهم بالقوة. على ما يدل عليه الاستقراء، وتتبع موارد الآيات القرآنية التي تأمر بمثل ما ورد في آيتي وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ والتي بعدها. يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) المزّمل بتشديد الزاي والميم: اسم فاعل من تزمّل، وأصله المتزمل، فأدغمت التاء والزاي، ومعناه: المتلفف في ثيابه، ومنه قول ذي الرّمة: وكائن تخطت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمل وقرأه أبيّ على الأصل. كما قرئ بتخفيف الزاي، على أنه اسم فاعل أو اسم مفعول. وقد اختلف المفسرون في سبب تزمّله ﵊، فقيل: إنه كان نائما بالليل متزمّلا في قطيفة، أو أنه يريد فتلفّف بالقطيفة، فجاءه الملك بنداء الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) إلخ ليدع النوم، ويقوم لما هو أهم، وينهض لعبادة الله في

стр. 797

ناشئة الليل، فإنها خير معين له على تحمّل ما سيرد عليه من الوحي، وما سيلقى عليه من القول الثقيل. وقيل: إنّ تزمّله ﵊ كان لأسفه وحزنه لما بلغه ما كان من المشركين، وما دبّروه من القول السيئ، يدفعون به دعوته. فقد أخرج البزار والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدلائل» عن جابر ﵁ قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما تصدّوا الناس عنه. فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر. قالوا: يفرّق بين الحبيب وحبيبه، فتفرّق المشركون على ذلك. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فتزمل في ثيابه، وتدثّر فيها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) . وقد يساعد هذا القول ما ورد في السورة من قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) على القول بأنّ هاتين الآيتين من المكي، وأنهما نزلتا مع الآيات السابقة. غير أنّه يقال: إذا كان هذا هو سبب التزمل، وأنه من أجله أمر النبيّ ﷺ في هذه السورة أن يهجر أولئك، ويصبر عليهم، ولا يأبه لقولهم، فما السبب في أنه لم تذكر الآيتان وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وما بعدها عقب النداء؟ ولماذا فصل بين ذلك بالأوامر الأولى المتعلقة بقيام الليل والذكر والترتيل؟ والجواب: أنه لا شك أنّ هذه العبادات تقوّي قلبه ﵊، وتثبّت فؤاده، وتعينه على الصبر والاحتمال والإغضاء عن السوء من أقوال الكافرين. وقيل: إنّ السبب هو ما ورد في حديث جابر المشهور «١» على ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم أن رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي، فلم أر شيئا، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت- بمثلثتين مبنيا للمجهول، فزعت- منه رعبا، فرجعت، فقلت: دثروني، دثروني» وفي رواية: فجئت أهلي، فقلت: زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) . وجمهور العلماء يقولون: وعلى إثرها نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) وعلى هذا يكون

стр. 798

سبب التزمل هو ما عراه ﷺ من الرعب والفزع عند رؤية الملك، وتكون حادثة التزمل هي حادثة التدثر بعينها، أما على القولين الأولين فيصحّ أن يكون السبب واحدا أيضا، كما يصحّ أن يكون مختلفا. والحكمة في ندائه ﵊ بوصف التزمل هو إرادة ملاطفته وإيناسه، على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم في مثل هذه الحالة، ومن ذلك قول النبي ﷺ لعلي لما غاضب فاطمة، وكان نائما قد لصق بجبينه التراب فقال له: «قم أبا ترب» «١» . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ المراد من قيام الليل صلاة التهجد، وذلك بتقدير الصلاة، أي انهض لصلاة الليل، أو بتضمين (قم) معنى صل. وقد أعرب بعض المفسرين: (الليل) ظرفا لفعل القيام، جريا على مذهب البصريين الذين يجوّزون في مثله أن يكون ظرفا، ولو استغرقه الحدث، كما هنا، فإنّ المعنى على إرادة جميع أجزاء الليل حتى يصحّ الاستثناء بقوله: إِلَّا قَلِيلًا فإنّ الاستثناء معيار العموم. أما على رأي الكوفيين الذين يمنعون ذلك فنصب الليل يكون من قبيل النصب على المفعولية. ومعنى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) انهض للصلاة مستغرقا بها الليل إلا جزءا قليلا منه، ونِصْفَهُ بدل كل من الليل بعد مراعاة الاستثناء، فكأنه قيل: قم نصف الليل، ويصحّ أن يكون بدلا من قَلِيلًا والأمران في قوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ معطوفان على الأمر الأول. والضميران في (منه) و (عليه) عائدان على الليل بعد مراعاة الاستثناء، والإبدال أيضا. ويصحّ أن يعود على (نصفه) والمآل واحد. وحاصل المعنى أنه ﷺ مأمور بأن يقوم من الليل للتهجد، وأنّ الله خيّره أن يقوم نصف الليل، وأن ينقص من النصف مقدارا قليلا، وأن يزيد على ذلك النصف، ولم تقيد الزيادة على النصف بالقلّة، كما قيّد النقص بها، لأنّ الزيادة الكثيرة لا تخلّ بالأمر، بل فيها زيادة برّ وعمل صالح. أمّا النقص الكثير عن النصف فعلى خلاف ذلك، إذ إنّه مخلّ بالمطلوب. هذا وقد قال العلماء: إنّه في حالة النقص عن النصف لا يتحقق الوفاء إلا إذا كان النقص لا يبلغ الربع، وهو ظاهر، إذ لا يقال في الاستعمال العربي لمن اقتصر على الربع إنه أنقص من النصف قليلا- ومن العلماء من قال: إنّ القليل هو ما دون

стр. 799

السدس، فإذا بلغ النقص السدس، أو تجاوزه كان كثيرا مخلّا بالوفاء. لكنه يقال: كيف يكون النصف بدل كلّ من الليل الذي استثنى منه القليل؟ وكيف يكون نصف الشيء مطابقا له مع استثناء جزء قليل منه؟ وأجاب المفسرون بأنّه لزيادة الاعتناء بالنصف المقارن للتهجد، وتفضيله بالصلاة فيه على النصف الآخر الخالي من الصلاة، جعل هو أغلب الليل وأكثره، وإن كان في الحقيقة نصفه. ظاهر توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ وأمره بقيام الليل مع ندائه بالوصف الخاصّ به- وهو التزمل- أنّ التهجد كان فريضة عليه، وأنّ فرضيته كانت خاصة به. وإلى هذا ذهب جمع من العلماء، قالوا: وهو الذي يدلّ عليه قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فإنّ قوله: نافِلَةً لَكَ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه ﵊، وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنّه على هذا الوجه لا يكون خاصا به ﵊، بل معنى كون التهجد نافلة له ﷺ أنّه شيء زائد على ما هو مفروض على غيره من الأمة. وذهب جماعة آخرون إلى أنّ وجوب التهجد كان ثابتا في حقّ الأمة أيضا، مستندين إلى قوله تعالى في آخر السورة التي معنا إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إلخ. فإنه يدلّ على أنّ الصحابة كانوا يقومون من الليل كما كان يقوم النبي ﷺ أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه، وإنه قد خفّف الله عنهم جميعا بأمرهم بالقيام على حسب ما يتيسر لهم، قالوا: ويشهد لهذا ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنّه كان يقول: أوّل ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة «١» . وما رواه ابن جرير «٢» عن أبي عبد الرحمن أنه قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت (فاقرءوا ما تيسر منه) قال: فاستراح الناس. وما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» «٣» عن سعيد بن هشام أنه سأل عائشة ﵂ عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ هذه السورة: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) ؟

стр. 800

قال: بلى. قالت: فإنّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضيته. وقال بعض الناس: إنّ التهجد لم يكن مفروضا لا على النبي ﷺ ، ولا على أحد من أمته، واحتجّوا على ذلك بما يأتي: ١- ظاهر قوله تعالى في سورة الإسراء نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فإنه يفيد أنّ التهجد زيادة لم تتعلق بها الفرضية، وقد علمت ردّه فيما سبق. ٢- أنّ الأمر في قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ وقوله جلّ شأنه: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ لا يفيد الوجوب، وحمله على الندب أولى، لأنّا وجدنا أوامر الشريعة تارة تفيد الوجوب، وتارة تفيد الندب، فينبغي حمل ما يرد منها على القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، دفعا للتجوّز والاشتراك اللفظي وإذا كان الأمر كذلك كان الثابت معنى الندب، لأن تمام معنى الواجب- وهو عدم جواز الترك- لا بدّ له من دليل آخر، كالتوعد على الترك، أو قرينة أخرى تدل على ذلك، وهو غير متوفّر في الأمرين السابقين، فبقي الترك على أصله، وهو الجواز. والجواب يعلم مما تقرر في علم الأصول، وهو أنّ المختار في الأوامر حملها على الإلزام، إلا أن يصرف عن ذلك صارف، وهو مذهب الجمهور. ٣- أنه تعالى ترك تقدير قيام الليل إلى النبيّ ﷺ ، وخيّره بين أن يقوم نصف الليل، أو يزيد عليه، أو ينقص منه، ومثل هذا لا يكون في الواجبات، فإنّ الشأن فيها أن تعيّن وتحدّد مقاديرها، كما في المكتوبات. والجواب: أنه لا مانع من ذلك. وقد عهد في الشريعة أن يفرض الله على المكلف أحد أمور معينة، بحيث لا يجوز له الإخلال بها جميعا، ثم إذا فعل واحدا منها كان قائما بما وجب عليه، فيكون قيام الليل مفروضا، بحيث لا ينقص كثيرا عن النصف، فإذا قام المكلف في الليل قريبا من نصفه فقد حصل الواجب، وإذا زاد إلى النصف أو أكثر منه كان محصّلا للواجب من باب أولى. وبعد فهذه أقوال ثلاثة قد عرفت مآخذها، وعرفت الردّ على ما استدل به أصحاب القول الثالث. أما ما استند إليه أصحاب القول الأول فيمكن الجواب عنه بأنّ توجيه الخطاب إلى النبيّ ﷺ وحده لا يقتضي تخصيصه بما ورد بعده من الأوامر، فإنّه ﵊ نبيّ متبوع، وخطابه يتناول أمته، كما هو معروف في الأصول، إلّا أن يقوم دليل على الخصوص.

стр. 801

أما آية الإسراء: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فهي مدنية متأخّرة في النزول عن سورة المزمّل فيصح أن يكون التهجد قد بقي وجوبه على رسول الله ﷺ بعد ما نسخ عن أمته، ويكون معنى الآية: استمر على التهجد بالليل فريضة زائدة لك على ما استقرّ وجوبه على أمتك. والذي يستخلص من ذلك أنّ أرجح الأقوال هو الثاني، وهو القول بأنّ التهجد كان فريضة على النبيّ ﷺ وعلى أمته، إذ هو الذي يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية السابقة. ويشهد له ما تقدّم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. وننتقل بعد ذلك إلى الكلام في بقاء وجوب التهجد وعدمه، وفي تعيين الناسخ على القول بعدم البقاء. وللعلماء في ذلك أربعة أقوال: الأول: نقل عن الحسن وابن سيرين وابن جبير ما يفيد القول ببقاء وجوب التهجد على الناس جميعا، وأنّ أصل وجوب القيام لم ينسخ، وإنما الذي نسخ هو وجوب قيام جزء مقدّر من الليل لا ينقص كثيرا عن النصف على ما علمت. وهذا قول يخالف ما روي عن عائشة ﵂ على ما سبق، وكذلك يخالف ما روي عن ابن عباس أنّه قال: سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وصار تطوعا، وبقي بعد ذلك فرضا على رسول الله ﵊. ويردّه أيضا ما ثبت في «الصحيحين» «١» أنّ رسول الله ﷺ قال للرجل الذي سأله عما يجب: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوّع» . القول الثاني: أنّه نسخ عن النبي ﷺ وعن أمته بآخر سورة المزمّل، واستبدل به قراءة القرآن على ما يعطيه ظاهر قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠] . ويدل عليه أيضا ظاهر ما روي عن عائشة ﵂ كما تقدم فإنّ قولها: فصار قيام الليل تطوعا، لم تقيده بالأمة. القول الثالث: أنّ وجوب التهجد استمر على النبي وعلى الأمة، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج. القول الرابع: أنّه نسخ عن الأمة وحدها، وبقي وجوبه على رسول الله ﷺ على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء [٧٩] .

стр. 802

ولعلّ الراجح هو هذا القول الأخير، كما أنّ الظاهر أنّ نسخ التهجد لم يحصل دفعة واحدة، فإنّ آخر سورة المزمل يفيد نسخ المقدار الذي بيّن في أولها، ولا يلزم من هذا نسخ وجوب التهجد من أصله، وكان بين آخر السورة وأولها نحو عام، كما ورد في الآثار السابقة. أما النسخ أصل الوجوب فإنه كان بافتراض الصلوات الخمس ليلة المعراج، وكان ذلك قبل الهجرة بعام. والظاهر أيضا أنّ هذا كله بالنظر للأمة، فأما النبي ﷺ فإنّ آية الإسراء المدنية تدلّ على أنّ وجوب التهجد قد بقي عليه من بعد هذا، وأنّه استمر وجوبه عليه لم ينسخ إلى آخر حياته ﵊ لعدم ما يدلّ على ذلك النسخ، وهذا هو الذي يشهد له ما تقدّم لك عن ابن عباس أنه يقول: سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله ﷺ وصار تطوعا، وبقي ذلك فرضا على رسول الله ﵊. ويشهد له أيضا ما صحّ أنه ﷺ لم يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وأنه كان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع صلّى من النهار اثني عشر ركعة. كما ورد عن عائشة في حديثها مع سعيد بن هشام وقد تقدم بعضه. فإنّ مواظبة الرسول ﷺ على قيام الليل في الحضر والسفر، وقضاءه ما فاته من ذلك بعذر النوم أو المرض دليل على استمرار فرضية القيام عليه ﷺ . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا تقول العرب: ثغر رتل ورتل بالفتح والكسر، إذا كان مفلّجا أو حسن التنضيد، وفي «القاموس» : الرتل محركة: حسن تناسق الشيء، وفيه أيضا: ورتل الكلام ترتيلا: أحسن تأليفه. وترتّل فيه ترسّل. أما أقوال أهل التفسير: فعن ابن عباس أنّ معنى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا بيّنه تبيينا وعن مجاهد: ترسّل فيه ترسلا. وقال قتادة: تثبّت فيه تثبتا. وكلها تدور حول شيء واحد، والمراد: اقرأه في قيامك بالليل على مهل، وتبيّن حروفه، فإنّ ذلك يكون عونا لك ولمن يسمع منك على فهمه وتدبر معانيه. أخرج العسكري في «المواعظ» عن عليّ كرّم الله وجهه أنّ رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: «بيّنه تبيينا، ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة» «١» الدقل بفتح القاف: رديء التمر ويابسه. والهذّ: الإسراع، ولقد كان رسول الله ﷺ يقرأ قراءة مرتّلة مفسّرة حرفا حرفا، وكان يقطّع قراءته آية آية، ويمد حروف المد.

стр. 803

روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة ﵂ أنّها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطّع قراءته آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) رواه أحمد وأبو داود والترمذي «١» . وأخرج البخاري «٢» عن أنس أنّه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدّا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) يمد بِسْمِ اللَّهِ ويمد الرَّحْمنِ ويمد الرَّحِيمِ. وعلى هذا فليس لأحد من الناس مخالفة في أنّه يقرأ القرآن بترتيل وتبيين حروف، وتحسين مخارج، وإظهار مقاطع، إنما الكلام في التغني به وتلحينه. وقد اختلف في ذلك علماء السلف والخلف، فقال بكراهته أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والإمامان مالك وأحمد. وروي عن ابن المسيب أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يؤم الناس فطرب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله إنّ الأئمة لا تقرأ هكذا. فترك عمر التطريب بعد. وروي عن القاسم أنّ رجلا قرأ في مسجد النبي ﷺ فطرب فأنكر ذلك القاسم، وقال: يقول الله : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ. وروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم. وروي عن أحمد أنّه كان يقول في قراءة الألحان: ما تعجبني، ويقول: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع. وعن عبد الله بن يزيد العكبري قال: سمعت رجلا يسأل أحمد: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال له: أيسرك أن يقال لك: موحامد، ممدودا؟ وأجاز القراءة بالألحان عمر بن الخطاب، وابن عباس وابن مسعود

стр. 804

وعبد الرحمن بن الأسود بن زيد والإمامان أبو حنيفة والشافعي، واختاره أبو جعفر الطبري وأبو بكر بن العربي. فعن عمر بن الخطاب فيما رواه الطبري أنه كان يقول لأبي موسى: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، فيقول عمر: من استطاع أن يتغنّى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل. وابن مسعود كانت تعجبه قراءة علقمة الأسود- وكان حسن الصوت- فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له: زدني فداك أبي وأمي. وعن عطاء بن أبي رباح قال: كان عبد الرحمن بن الأسود يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وروى الطحاوي أنّ أبا حنيفة كان يستمع القرآن بالألحان، كما روي أنّ الشافعي كان كذلك. هذا هو المأثور عن الأئمة والعلماء في قراءة التلحين والتطريب، والنظر بعد ذلك في أدلتهم. استدل المجيزون بما يأتي: ١- ما أخرجه أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب أنّ رسول الله ﷺ قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» «١» . ٢- وما أخرجه مسلم من قوله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» . ٣- وما في «البخاري» «٢» عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجّع في قراءته. ٤- وما روي أنّ رسول الله ﷺ استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنّك تسمعه لحبّرته لك تحبيرا، ويروى أن النبي ﷺ لما سمعه قال: «إنّ هذا أعطي مزمارا من مزامير آل داود» «٣» .

стр. 805

٥- وما رواه مسلم «١» عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن» . الأذن بفتحتين الاستماع. ٦- وقالوا أيضا: إنّ الترنم بالقرآن، والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب، وأبلغ في التأثير. روي أنّ عقبة بن عامر كان من أحسن الناس صوتا فقال له عمر: اعرض عليّ سورة كذا، فعرض عليه، فبكى عمر وقال: ما كنت أظنّ أنها نزلت. أما المانعون فاحتجوا بما يأتي: ١- ما رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنّه يجيء من بعدي أقوام يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» فقد نعى على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، على نحو ما يفعله أكثر قراء هذا العصر، ووصفهم بفتنة القلوب، كما وصف بها كل من يسمع لهم ويعجبه شأنهم. ٢- وما روي عنه ﷺ أنّه ذكر أشراط الساعة، وذكر أشياء، منها أن يتخذ القرآن مزامير، وقال: «يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم، ولا أفضلهم ليغنيهم غناء» . ٣- وما رواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذّن يطرب فقال النبي ﷺ : «إنّ الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن» أخرجه الدارقطني «٢» . فقد كره النبي ﷺ أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق أولى. ٤- وما روي أنّ زيادا النميري جاء إلى أنس ﵁ مع القرّاء فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وطرب- وكان رفيع الصوت-، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء، وقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون، وكان إذا رأى شيئا ينكره رفع الخرقة عن وجهه. وهذا له حكم الرفع، فقوله: ما هكذا كانوا يفعلون. دلّ على أنّ القراءة في عهد النبي ﷺ لم تكن على نحو قراءة زياد. ٥- وقالوا أيضا: إنّ التغني والتطريب يؤدّي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنّه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفا كثيرة، وهو لا يجوز. هذا إلى أنّ التلحين من شأنه أن

стр. 806

يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار وتدبر معاني القرآن. هذه أدلة المانعين، وقد تأوّلوا ما أورده المجيزون مما يفيد جواز القراءة بالألحان فقالوا في حديث: «زينوا القرآن بأصواتكم» إن فيه قلبا، وأصله: «زينوا أصواتكم بالقرآن» كما قيل في: عرضت الناقة على الحوض، وعلى تسليم أنه ليس في الحديث قلب، فمعنى تزيين القرآن بالأصوات تجويده، وتحسين أدائه بالمد والغنة والإظهار، وضبط كلماته، وتبيين حروفه، وأنت ترى أنّ هذا التأويل بوجهيه بعيد عن لفظ الحديث غاية البعد، وهو على كل حال تأويل لا دليل عليه، ولا موجب له. وقالوا في الحديث الثاني: «ليس منّا من لم يتغن بالقرآن» إنه ليس من الغناء وإنما هو من الاستغناء، كما فسره بذلك سفيان بن عيينة، ومعناه: ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن الحديث، أو عن أخبار الأولين. قالوا: وقد ورد التغني بمعنى الاستغناء في كلام العرب. قال الأعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغنّي وأنت ترى أيضا أنّ تأويل التغني بالاستغناء تأويل بعيد لا دليل عليه، ولذلك لما سئل الشافعي عن هذا التأويل المنسوب لابن عيينة قال: نحن أعلم بهذا، لو أراد به الاستغناء لقال. من لم يستغن بالقرآن، ولكن لما قال: «يتغنّ بالقرآن» علمنا أنه أراد به الغناء. أما بيت الأعشى فلا حجة لهم فيه، فإنّه لا يستقيم معناه على إرادة الاستغناء، وإنما هو بمعنى الإقامة، من قولهم: غنى فلان بمكان كذا إذا أقام، ومنه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا. ثم أوّلوا ما ورد في بقية الأحاديث التي استدلّ بها المجيزون من الترجيع والتحبير والتغني مما يرجع لحسن التجويد، وإتقان الأداء. والحق أنّ الأدلة تشهد للمجيزين، وذلك لأنه إذا كان التلحين والتطريب يغيّر من ألفاظ القرآن، ويخلّ بما نقل إلينا من طرق الأداء أو كان تكلّفا وتصنّعا ورفعا وخفضا على نحو توقيعات الموسيقى، فلا كلام في أنّه ممنوع ومحرّم. أما إذا كان تحبيرا وترقيقا وتحزينا، وشيئا قضى به اتعاظ القارئ، وكمال تأثّره بمعاني القرآن، فليس هناك من الأدلة ما ينهض على منعه. بل الأدلة شاهدة به وداعية إليه. وعلى هذا ينبغي حمل كل ما أورده المانعون في منع التغني على التغني المذموم الذي يسير فيه القارئ مع الهوى ويلهو به عن تدبر المعنى ويخرج فيه عن الحدود والقوانين المأثورة في الأداء والترتيل. وهذا محمل قريب جدا وهو فوق ذلك مؤيد بتلك النصوص والآثار التي تجيز التغني في قراءة

стр. 807

القرآن وبعد هذا ترى الأدلة كلها متفقة لا تعارض بينها ولا تدافع. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) الإلقاء: الإنزال: والإيحاء. وعبّر به للإشارة من أول الأمر إلى أنّ ما يوحى به شديد وعظيم. والمراد بالقول الثقيل: القرآن، وثقله باعتبار ما اشتمل عليه من تحميله ﵊ أعباء الرسالة ومهمة التبليغ، وما إلى ذلك من التكاليف التي يتطلّب القيام بها صبرا وجلدا وقوة عزيمة. وقيل: إنه ثقيل في نزوله عليه ﷺ ، وتلقيه إياه من الوحي، فقد كان ﵊ يكرب عند ذلك، ويرجف، ويشتدّ عليه الأمر. روى الشيخان ومالك والترمذي والنسائي عن عائشة «١» ﵂ أنّها قالت: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا. أخرج أحمد وابن جرير «٢» وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك، حتى يسرّى عنه، وتلت إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) . وروي أنه ﷺ نزل عليه الوحي مرة، وكان جالسا واضعا فخذه على فخذ زيد بن ثابت، فكادت فخذه ﵊ ترضّ فخذ زيد من شدّة الضغط. قيل: معنى ثقله: أنه كلام رصين، فخم، له رجحان ووزن، ليس بالسفساف ولا بالهين الضعيف. وقيل: إنّ ثقله كناية عن بقائه على وجه الدهر، لا يزول ولا يتبدل، فإنّ المعهود في الأجسام الثقيلة أنّها تثبت وتبقى في مكانها. قال الله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) واختلف المفسرون في المراد بالناشئة. فقيل: إنّها من نشأ من مكانه إذا نهض، فتكون الإضافة في ناشِئَةَ اللَّيْلِ على معنى في. والمعنى: إن النفس أو النفوس الناشئة

стр. 808

في الليل الناهضة من مضاجعها للعبادة هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا والوطء المواطأة والموافقة، كالوطاء. والقيل: القول كالمقال. والمراد به قراءة القرآن، أو مطلق الذّكر، أي إنها أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص. أو أن قلبها يكون بالليل أشد موافقة للسانها منه في سائر الأوقات، إذ يكون القلب في ساعات الليل حاضرا لا يشغله شاغل، ولا يصرفه عن خشية الله صارف. وَأَقْوَمُ قِيلًا أي إنّ قولها يكون حينئذ أكثر اعتدالا واستقامة على نهج الصواب، لأنّ الأصوات هادئة، والليل ساكن، فلا يضطرب المصلي، ولا يختلط عليه قوله وقراءته. وقيل: إن المراد بناشئة الليل العبادة فيه، ومعنى أن عبادة الليل أشدّ وطأ: أن موافقتها الإخلاص والخشوع في هذا الوقت أعظم منها في أي وقت آخر. أو أنّ قلب العابد فيها يكون أكثر موافقة للسانه منه في غير ذلك من الأوقات. وقيل: المراد بناشئة الليل ساعاته، والمعنى عليه كسابقه، ولعلّ أحسن هذه الأقوال أوسطها. أما موقع هاتين الآيتين مما قبلهما، فقال بعض المفسرين: إن أولاهما معترضة بين الأمر بالقيام وعلتها التي بينتها الآية الثانية، وهي قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) وإنّ السر في هذا الاعتراض هو تسهيل أمر القيام بالليل عن النبيّ ﷺ بالموازنة بينه وبين ما سيوحى إليه من أنواع التكاليف وشدائد الأعمال. ولكنّك ترى أنّه لا حاجة إلى جعل الآية الأولى معترضة بين ما قبلها وما بعدها، فإنّ ارتباطها بما قبلها واضح جدّا، وهي منه في منزلة العلة من المعلول، فكأنّ الله تعالى يقول لنبيه: قُمِ اللَّيْلَ وتجرد للعبادة، وأعد نفسك لما سيلقى عليك، لأنّا سنوحي إليك بأمور عظيمة، وسنحمّلك تكاليف ثقيلة تقتضيها طبيعة الرسالة التي اخترناك لها. ثم إنّ هذا يتضمّن دعوى أنّ العبادة في جوف الليل تعينه ﷺ ، وتهيئه لتحمل أعباء الرسالة، والاضطلاع بشؤونها، فتأتي الآية الثانية وهي قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) لتعزيز الدعوى. فهي من سابقتها بمنزلة العلة من المعلول. فكأنّ الله جل شأنه يقول: حقا إنّ قيام الليل يعينك على تحمل ما سنلقيه عليك، لأنّ عبادة الليل أشدّ مواطأة وموافقة للإخلاص والخشوع، وأكثر اعتدالا واستقامة على نهج الحق والصواب.

стр. 809

قال الله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) السبح في الأصل: الذهاب في الماء، والتقلّب فيه. ويصحّ أن يطلق عن القيد، فيستعمل في مطلق الذهاب والتقلّب. وعلى هذا يكون معنى الآية: إنّ لك في النهار شغلا كثيرا، وتقلبا في أعمال متنوعة لا تستطيع معها أن تقوم في النهار بما يريده منك من تلك العبادات الخاصة، فلذلك كتبناها عليك في الليل، فيكون هذا تيسيرا على النبيّ ﷺ ، وبيانا للحكمة في التخفيف عنه، إذ لم يجمع عليه في النهار بين تلك العبادات وبين ما هو موكول إليه من الأعمال. ويصحّ أن يكون الغرض توكيد أمر القيام عليه، وأنه يجب أن يتفرّغ له بالليل، إذ يكفي أن يكون له من النهار فسحة طويلة يزاول فيها ما شاء من الأعمال. أما الليل فيجب أن يتوفّر فيه على القيام بحقّ الله وعبادته. قال الله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) التبتل: الانقطاع، يقال بتله وبتّله بالتخفيف والتشديد، بتلا وتبتيلا، فانبتل وتبتّل، ومنه البتول للعذراء المنقطعة عن الأزواج، أو المنقطعة للعبادة. يأمر الله نبيّه أن يداوم على ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن، فلا يشغله عن ذلك شاغل في ليله ولا نهاره، وأن يجعل همّه كله في إرضاء ربه، ويجرد نفسه عن التعلق بغيره، ويستغرق في مراقبته في كل ما يأتي وما يذر من الأعمال. وليس المراد أن ينقطع حتى عن أعمال النهار، ويعكف على الذكر والعبادة، فإنّه يتنافى مع قوله تعالى في الآية السابقة: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) بل المراد التنبيه إلى أنّه ينبغي ألا يشغله السبح في أعمال النهار عن ذكر الله. هذا وإنما قيل: تَبْتِيلًا ولم يقل: تبتلا، حتى يتفق مع الفعل قبله، مراعاة للفواصل، وللدلالة على أنّ التبتل والانقطاع يحتاج إلى عمل اختياري منه ﷺ ، بأن يجرّد نفسه عن التعلق بغير الله تعالى، ويحصر همه في مراقبته جلّ شأنه، فيحصل التبتل الذي هو أثر لذلك. وقد يقال: فلماذا لم يقل: وتبتل إليه تبتيلا حتى يوافق الفعل مصدره؟ والجواب: إنّ ذلك للإشارة إلى أنّ المقصود الأهم إنما هو حصول ذلك الأثر، وهو التبتل. قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى

стр. 810

وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) المراد من القيام هو ما تقدّم في أول السورة، وهو صلاة التهجد على ما عرفت. وكلمة أَدْنى من الدنو، وهو القرب، فهي في الأصل بمعنى أقرب، تقول: رأيت محمّدا في الدرس أدنى التلاميذ من الأستاذ، أي أنه يجلس في أقرب الأمكنة إليه، لكنّها استعملت في الآية بمعنى الأقل، على طريق المجاز المرسل، لأنه إذا قربت المسافة بين الشيئين كانت الأحيان بينهما قليلة. قرأ الجمهور: وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالنصب عطفا على أَدْنى لأنّه ظرف أو مفعول فيكون المعنى: إنّ الله قد علم أنّك كنت تقوم من الليل للصلاة على هذه الأوجه، فتارة تقوم أقلّ من ثلثيه، وأخرى تقوم نصفه، وثالثة تقوم ثلثه، وهذه القراءة تدلّ على أنّ عمله ﷺ وعمل الصحابة معه كان وفق المأمور به في أول السورة، فإنّه إذا قام أقلّ من الثلثين فقد حقّق الزيادة على النصف، وإذا قام الثلث، فقد صدق أنّه نقص عن النصف قليلا. والنصف مطابق للنصف. وحينئذ لا تكون هناك مخالفة، لا بطريق الاختيار، ولا بطريق الاضطرار. ويكون التخفيف عنهم بسبب أنّهم- كما علم الله- لا يطيقون المواظبة على القيام بالمأمور به، إذ لا يمكنهم تقدير الليل، ولا يستطيعون ضبط ساعاته، فإذا حرصوا على الوفاء بالمطلوب اضطروا أن يأخذوا بأكبر المقادير وأوسعها، وفي ذلك مشقة زائدة. وقرأ نافع: نِصْفَهُ وثُلُثَهُ بالجر، عطفا على (ثلثيه) فيكون المعنى: إنّ الله علم أنك تقوم أقل من الثلثين مرّة، وأقلّ من النصف مرّة، وأقلّ من الثلث مرّة ثالثة. وظاهر أنّ ما دون الثلث لا يوافق المأمور به في أول السورة، وهو أن ينقص من النصف مقدار قليل، فإنّه لم يجر عرف الكلام أن يقال لما دون الثلث- في معرض التقدير بمثل هذه المقادير- إنه أقل من النصف، كما لا يقال لأمر حدث قبيل طلوع الفجر مثلا: إنه حصل بعد العشاء. على أنّ ما دون الثلث قد جاء في الآية التي معنا مقابلا لما دون النصف، إذ الأحوال الثلاثة هي: القيام أقل من الثلثين، وأقل من النصف، وأقل من الثلث، فيتعين أن يكون قيام ما دون الثلث شيئا غير قيام ما دون النصف وحينئذ لم يأت عملهم في جميع الحالات موافقا للأمر في أول السورة، إذ قيام ما دون الثلث لا يكون امتثالا للأمر بقيام النصف إلا القليل. لكنّ ذلك لما لم يكن عن اختيار وقصد،
следующие страницы →