← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

واجب وما يبعثه من هدوء وطمأنينة وما يحفّز عليه من ملاحظة الله وخشيته وعبادته والتقرّب إليه وتنفيذ أوامره واجتناب ما نهى عنه من أخلاق وأفعال والتي تندد بالذين لا يذكرون الله وما يؤدي إليه ذلك من قسوة القلب وظلمة النفس وعدم التورع عن الجحود واقتراف المنكرات والآثام حتى لتبلغ الأربعين. وهذا خلاف ما استعمل فيه فعل الذكر لمقاصد أخرى. نورد من ذلك الأمثلة التالية على سبيل التمثيل لا الحصر: ١- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢] . ٢- الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١] . ٣- فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [النساء: ١٠٣] . ٤- إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] . ٥- الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] . ٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال: ٤٥] . ٧- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) [الرعد: ٢٨] . ٨- وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [طه: ١٢٤] . ٩- رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [النور: ٣٧] .

стр. 1122

١٠- اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥] . ١١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١- ٤٢] . ١٢- أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٢- ٢٣] . ١٣- أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد: ١٦] . ١٤- اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: ١٩] . ١٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: ٩] . حيث يبدو من هذه الآيات وأمثالها الكثيرة ما اقتضته حكمة التنزيل من إعارة هذا الأمر عناية بالغة لما ينطوي فيه من أهداف سامية دنيوية وأخروية معا. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في ذكر الله وفوائده والحثّ عليه. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ يقول الله أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن اقترب إليّ شبرا تقرّبت إليه.

стр. 1123

ذراعا وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» «١» . وحديث ثان رواه الشيخان عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميّت» «٢» . وحديث ثالث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي ﷺ لا يقعد قوم يذكرون الله إلّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» «٣» . وحديث رابع رواه الترمذي عن جابر: «قال رجل يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبّث به قال لا يزال لسانك رطبا بذكر الله» «٤» . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر شأنه في كل أمر. [تم بتوفيق الله الجزء الثاني ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث وأوله تفسير سورة الجنّ]

стр. 1124

فهرس محتويات الجزء الثاني تفسير سورة العاديات ٧ مغزى القسم القرآني بالخيل ٩ تعليق على مدنية السورة ٩ تفسير سورة الكوثر ١١ تفسير سورة التكاثر ١٥ تفسير سورة الماعون ١٨ مدى وتلقينات آيات السورة ٢١ تفسير سورة الكافرون ٢٥ مبدأ حرية التدين في النظام الإسلامي ٢٧ تفسير سورة الفيل ٤١ تفسير سورة الفلق ٤٥ طائفة من الآيات والأحاديث في الاستعاذة ٤٨ تعليق على ما روي في صدد نزول السورة ٥١ تفسير سورة الناس ٥٩ تعليق على موضوع الجن ٦٢ تفسير سورة الإخلاص ٦٨ تعليق على مدى تقرير وحدة الله في هذه السورة ٧١ تفسير سورة النجم ٧٤

стр. 1125

تعليق على مدى متناول آيات وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والعصمة النبوية ٧٨ تعليق على روايات الإسراء والمعراج ٨١ تعليق على ما ورد في كتب التفسير من مسألة رؤية النبي ربّه ٩٧ شرح عقائد العرب في اللاة والعزى ومناة والملائكة وتعليقات في صدد ذلك ١٠٠ تعليق على تعبير الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. ١٠٦ تعليق على مبدأ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ومبدأ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ١١٣ تفسير سورة عبس ١٢١ مدى العتاب الرباني للنبي ﷺ ١٢٢ تفسير سورة القدر ١٢٩ تعليق على ما روي في صدد نزول السورة ١٣٠ تعليق على روايات نزول القرآن جملة واحدة ١٣٢ تعليق على ليلة القدر ١٣٣ تعليق على كلمة الروح ١٣٦ تفسير سورة الشمس ١٣٨ تعليق على جملة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ١٤٠ تعليق على جملة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ١٤٠ تعليق على ناقة ثمود ١٤١ تفسير سورة البروج ١٤٣ تعليق على ذكر البروج ١٤٥ تعليق على محنة فتنة المسلمين الأولين ١٤٧ المرأة المسلمة في هذه المحنة وفي دور الفتنة ١٥٠ تعليق على موضوع التوبة ١٥١ تعليق على اللوح ١٦٠

стр. 1126

تفسير سورة التين ١٦٣ تفسير سورة قريش ١٦٧ تعليق على قريش والبيت والرحلات التجارية ١٦٨ تفسير سورة القارعة ١٨٢ تعليق على الموازين وثقلها وخفتها في الآخرة ١٨٣ تلقينات السورة جملة ١٨٧ تفسير سورة القيامة ١٨٨ تعليق على محاولة ربط البنان بعلم بصمات الأصابع الحديث ١٩٠ تعليق على ما تفيده ظواهر الآيات من بعث الناس بأجسادهم ١٩٢ تعليق على دلالة آيات لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وأخواتها ١٩٦ تعليق على موضوع رؤية الله ١٩٨ تفسير سورة الهمزة ٢٠٥ تفسير سورة المرسلات ٢٠٧ تعليق على عبارة انفراج السماء وانطماس النجوم ٢١٠ تنبيه إلى أن الدعوة الإسلامية قائمة على الإقناع ٢١٣ تعليق على ما يمكن أن يتوهم من تناقض في حكاية حال الكفار يوم القيامة ٢١٤ تعليق على مدى التنويه بالمحسنين والإحسان ٢١٦ تفسير سورة ق ٢٢٠ تعليق على ذكر القرآن والقسم به ٢٢١ تعليق على حكاية تعجب الكفار من مجيء رسول إليهم منهم وإنذاره بالآخرة ٢٢٢ صورة من الأسلوب القرآني في مخاطبة العقل والقلب والحس في البرهنة على قدرة الله ٢٢٥ تعليق توضيحي لأهل الرس والأيكة وتبّع ٢٢٧

стр. 1127

تعليق على موضوع الملائكة الكاتبين على أيمان الناس ٢٣١ تعليق على جملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ٢٣٣ ما في التنديد بمنع الخير من تلقين ٢٣٧ تعليق على تعبير وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٢٣٨ تنبيه إلى مدى عقيدة الشرك عند العرب ٢٣٩ تعليق على ما حكته بعض الآيات من حوار بين الله وبين قرناء الإنسان ٢٣٩ تعليق على ما روي عن مفسري الشيعة ٢٤٠ وجوب تلازم الإيمان مع التقوى والعمل الصالح ٢٤١ تعليق على مدى جملة وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ٢٤٢ كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي ﵇ وحكمتها ٢٤٥ تعليق على موضوع خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ٢٤٦ تعليق على مدى العبارات القرآنية في تعيين أوقات الصلوات ٢٥٠ تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمن من قوة معنوية تساعده على مواجهة الملمات ٢٥١ معنى توالي السور التي احتوت توكيد البعث والحساب ٢٥٢ خبر عن تلاوة رسول الله هذه السورة ٢٥٢ تفسير سورة البلد ٢٥٣ تعليق على عبارة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ٢٥٥ تعليق على جملة وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ٢٥٦ تعليق على جملة أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ٢٥٦ تلقينات آيات سورة البلد الأولى ٢٥٧ التلازم بين العمل الصالح والإيمان أيضا ٢٥٩ تعليق على موضوع الرقيق وموقف القرآن منه ٢٥٩ تعليق على إعطاء الناس يوم القيامة كتب أعمالهم ٢٦٤ تفسير سورة الطارق ٢٦٧ تفسير سورة القمر ٢٧١ تعليق على انشقاق القمر ٢٧٣ تعليق على موضوع اقتراب الساعة ٢٧٧ تعليق على كلمة الحكمة ومعانيها في القرآن ٢٧٨

стр. 1128

تعليق توضيحي للأقوام الذين ذكروا في السلسلة القصصية ٢٨٣ تعليق على الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ ٢٨٧ تفسير سورة ص ٢٩٨ تعليق على مدى ما انطوى في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ٣٠١ تعليق على سلسلة قصص الأنبياء وهدفها ٣٠٥ تعليق على قصة الخصم الذي تقاضى أمام داود وتلقيناتها ٣٠٧ تعليق على ما احتوته الآية يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ ... ٣٠٩ تعليق على تسخير الجبال والطير ليسبحن مع داود ٣١٢ تلقينات آية وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا إلخ ٣١٣ تعليق على كلمة الكتاب ٣١٤ تعليق على آية كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ إلخ ٣١٥ تعليق على ما روي في سياق قصة سليمان ٣٢٢ التلقينات المنطوية في قصة أيوب ٣٢٥ تعليق على توسع بعض الفقهاء في تأويل تحلة اليمين التي يسرها الله لأيوب ٣٢٦ تعريف بالأسماء المذكورة في الآيات ٣٢٩ تعليق على عدم وصف إسماعيل واليسع وذي الكفل بوصف عبادنا وعدم قرن إسماعيل مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ٣٣٢ تعليق على جنات عدن ٣٣٤ تعليق على ما في آيات قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وما بعدها من دلالة ومدى ٣٣٩ استطراد إلى حديث نبوي مروي في سياق الآية ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ ... ٣٤٠ تعليق على قصة آدم وسجود الملائكة له وتمرد إبليس وتلقيناتها ٣٤٢ تعليق على تعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ٣٥٤ تعليق على ما سجله الله تعالى في القرآن من كرامة بني آدم في هذه القصة ٣٥٥ التلقين المنطوي في جملة وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ٣٥٩ تعليق على جملة وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ٣٥٩ تفسير سورة الأعراف ٣٦١ تعليق على قصة آدم وإبليس في هذه السورة ٣٦٧ تعليق على التلقين القرآني بالشكر لله ومداه ٣٦٩ تعليق على جملة إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ٣٧١

стр. 1129

تعليق على جملة إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٣٧٣ تعليق على جملة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ٣٧٦ تعليق على جملة فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ٣٧٧ تعليق على مسجد ٣٧٨ تعليق على الآيات الثلاث يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ وما بعدها ٣٨٤ أحاديث في ستر العورة ٣٨٦ التلقين الذي انطوى في حكاية تلاوم الأجيال في جهنم ٣٩٥ تعليق على مدى جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ٣٩٨ تعليق على الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً ... ٤٠٩ استطراد إلى موضوع الدعاء لله ومداه ٤٠٩ تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ ... ٤١٢ تعليق على دلالة جملة وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ إلخ ٤١٥ استطراد إلى جريمة اللواط ٤٢٤ تلقينات القصص وما فيها من نقاط بارزة متصلة بالهدف القرآني ٤٢٦ تلقين الآيات التي جاءت معقبة على فصل القصص ٤٣٠ تعليق على عبارة يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ٤٣١ تعليق على كلمة (نبي) ٤٣٣ تعليق على تعبير مَكْرَ اللَّهِ ٤٣٤ تعليق على الحلقة الأولى من قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وتلقيناتها ٤٣٧ تعليق على آية وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها إلخ ٤٤١ تعليق على جملة رَبِّ الْعالَمِينَ ٤٤٣ تلقينات الحلقة الثانية من قصص «بني إسرائيل» ٤٤٩ تعليق على جملة فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ٤٥٣ تعليق على جملة لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ ... ٤٥٣ تعليق على الآيتين سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ... ٤٥٥ تعليق على عبارة إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ٤٥٧ تعليق على جملة قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ ... ٤٥٨ تعليق على ذكر الزكاة في الآية [١٥٦] ٤٦٠

стр. 1130

تعليق على الآية الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ... ٤٦٠ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٤٧٠ تعليق على حلّ الطيبات وتحريم الخبائث ٤٧٥ تعليق على كلمتي التوراة والإنجيل ٤٧٦ تعليق على الألواح التي ذكرت في الآية [١٤٥] ٤٩٧ تعليق على ما يرويه الشيعة في صدد جملة وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٥١٧ تعليق على رواية مدنية الآيات [١٦٣- ١٧٠] ٥٢٠ تعليق على حادث السبت وتلقيناته ٥٢٠ تعليق على ما في آية وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ من تلقين وإعجاز قرآني ٥٢٣ تعليق على آية وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ إلخ ٥٢٤ تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل ٥٢٧ تعليق على جملة وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ٥٢٩ تعليق على آية وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها وتلقينها ٥٣٤ تعليق على جملة وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ٥٣٧ تعليق على جملة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ٥٣٩ تعليق على جملة الذين يلحدون في أسمائه ٥٤٠ تعليق على القصص عن موعد القيامة وما في الجواب من دلالة بليغة ٥٤٦ تعليق على آيات هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها إلخ وتلقيناتها ٥٥٠ تلقين آيات خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وما بعدها ٥٥٣ تعليق على مدى نزغات الشيطان في النبي والناس ٥٥٥ تعليق على رواية نسخ آية خُذِ الْعَفْوَ ٥٥٧ تعليق على جملة إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ ٥٦٠ تلقين آية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ٥٦١ تلقين آية وَاذْكُرْ رَبَّكَ إلخ ٥٦٤

стр. 1131

الجزء الثالث السور المفسرة في هذا الجزء «١» ١- الجنّ. ٢- يس. ٣- الفرقان. ٤- فاطر. ٥- مريم. ٦- طه. ٧- الواقعة. ٨- الشعراء. ٩- النمل. ١٠- القصص. ١١- الإسراء. ١٢- يونس. ١٣- هود.

стр. 1132

سورة الجنّ في السورة حكاية لقصة استماع نفر من الجن للقرآن وأثرها ومواعظ ومبادئ قرآنية بمناسبتها. وأسلوب الآيات يدلّ على تساوق فصليها ووحدة نزولها أو نزولهما الواحد بعد الآخر تتابعا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) . (١) جد ربنا: عظمة ربنا. (٢) صاحبة: كناية عن الزوجة.

стр. 1133

(٣) سفيهنا: جاهلنا. (٤) شططا: بعيدا عن الحق. (٥) يعوذون: يستجيرون ويلتجئون. (٦) رهقا: قال الزمخشري أصل معنى الرهق غشيان المحارم والمتبادر من فحوى الآيات أن الكلمة الواردة في الآية [٦] بمعنى زادوهم كفرا وضلالا والواردة في الآية [١٣] بمعنى ظلما وحيفا. (٧) شهبا: جمع شهاب وهو في الأصل النور أو الشيء المضيء. وقد جاء في القرآن على الأكثر للكناية عن الشهب المنقضة من السماء نحو الأرض. (٨) رصدا: مترصدا ومترقبا. (٩) طرائق قددا: مذاهب متفرقة. (١٠) ظننا: هنا بمعنى تيقنا. (١١) بخسا: ظلما أو انتقاصا. (١٢) القاسطون: هنا بمعنى المنحرفين أو الجائرين. شرح الفصل الأول من السورة والتعليق على مدى محتوياته هذه الآيات هي الفصل الأول من الفصلين اللذين تتألف منهما السورة. وفيها أمر للنبي ﷺ بأن يخبر الناس بأن الله تعالى أوحى إليه بأنه استمع نفر من الجن للقرآن فعظّموا شأنه وشأن ربّهم العظيم وآمنوا به ونزّهوه عن اتخاذ زوجة وولد وأنهم تذاكروا مع بعضهم أمورا متنوعة مما كانت عليه أحوالهم وعقائدهم وظنونهم وموقف جماعات من الإنس إزاءهم وما بوغتوا به بخاصة من تكاثر الشهب المنقضة من السماء في هذا الظرف وما أثار ذلك فيهم من خوف وتساؤل على النحو الوارد في الآيات والواضح العبارة. ولقد روى البخاري والترمذي عن ابن عباس حديثا جاء فيه: «انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين فقالوا ما لكم قالوا

стр. 1134

حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا ما حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حدث فانطلقوا ينظرون. فالذين توجّهوا نحو تهامة سمعوا قراءة رسول الله وهو يصلّي الفجر بأصحابه بنخلة! فتسمّعوا له فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربّنا أحدا. وأنزل الله تعالى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ. وإنما أوحي إليه قول الجن» «١» . ولقد أورد الطبري هذا الحديث وأعقبه بكلام يفيد أن حادث استماع الجنّ للقرآن المذكور في هذه السورة وحادث استماعهم المذكور في آيات سورة الأحقاف هذه: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) واحد. مع أن الذي نرجّحه بل المستفاد من روح مجموعتي السورتين والفترة الطويلة بين نزول السورتين وحديث آخر مروي في سياق نزول مجموعة الأحقاف أنهما حادثان على ما سوف نزيده شرحا في سياق تفسير سورة الأحقاف. والعبارة القرآنية قطعية الدلالة على حدوث هذا الحادث الغيبي. ومن واجب المسلم الإيمان به كما هو الشأن في الإيمان بوجود الجنّ على ما شرحناه في سياق سورة الناس. والآيات مع الحديث تساعد على تسجيل الملاحظات التالية: ١- إن الآية الأولى تفيد أن النبي ﷺ لم ير نفر الجن ولم يسمع أقوالهم وأن ذلك كان أمرا مغيبا عنه أخبر وبه بوحي رباني قرآني. وقد روى المفسرون حديثا عن ابن عباس جاء فيه فيما جاء أن النبي ﷺ ما قرأ على الجنّ ولا رآهم وإنما أوحي إليه قولهم «٢» .

стр. 1135

٢- إن الآيات تقرّر بصراحة وجود الجنّ وأنهم طوائف ومذاهب وأن منهم الصالحين وغير الصالحين والمسلمين والقاسطين والمنحرفين والعقلاء الراشدين، والسفهاء الضالين. ٣- إن الآية السادسة تحتوي صورة لما كانت عليه عقائد العرب في الجنّ حيث كانوا يعتقدون بوجودهم وبما هم عليه من قوة وتأثير. وكانوا يخشون شرّهم ويستعيذون بهم. ٤- إن ما جاء في صدد قعود الجنّ مقاعد للسمع في السماء وما كان من تبدّل الموقف وابتلاء السماء بالشهب والحرس وأن من يحاول منهم الاستماع كما كان يفعل سابقا يجد شهابا مترصّدا له هو حكاية عن الجنّ وليس تقريرا قرآنيا مباشرا. غير أن أسلوب الآيات يلهم أنهم يقولون أمورا واقعة لا ينفيها القرآن. وقد أيّدها في آيات عديدة في سور أخرى مثل آيات سورة الحجر هذه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وآيات سورة الصافات هذه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) وآية سورة الملك هذه: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) . ٥- إن الآية الرابعة قد تلهم أن النفر المستمعين كانوا يدينون بأن الله سبحانه اتخذ زوجة وكان له منها ولد. ونرجّح أن هذا يمتّ إلى عقيدة النصارى أكثر من عقيدة العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله لأنه ليس في عقائد العرب أن لله زوجة. ولقد علقنا فى كلمة الجن بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة الناس ونقول هنا إن وجود الجنّ وأخوالهم وماهية استراقهم السمع من السماء من الأمور

стр. 1136

المغيبة التي يقررها القرآن، فيجب الإيمان بها ولو لم تدركها الحواس البشرية أو يتسق مع ما عرفه الناس من نواميس ونظم كونية كسائر الحقائق المغيبة التي قررها القرآن والوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن دون تزيد وتمحل. فالعقل البشري كان وما يزال عاجزا عن إدراك كنه كثير من أسرار الكون وقواه. ولقد أورد المفسرون أحاديث عديدة في سياق تفسير آيات سورة الحجر فيها تفصيلات عن استراق الشياطين للسمع وإيصال الأخبار إلى السحرة والكهان لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولكنها متساوقة مع ما جاء في حديث البخاري وآيات سورة الجن وسور الحجر والصافات والملك. منها حديث عن ابن عباس قال: «تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد فيها فيعلو فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو جنبه أو حيث شاء الله منه فيلتهب فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول إنه كان من الأمر كذا وكذا فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه أضعافه من الكذب فيخبرونهم به فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بما جاؤوهم به من الكذب» . وحديث أورده البغوي في سياق الآيات المذكورة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا قرّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض فيسمع أحدهم الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربّما ألقاها قبل. أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» . ومنها حديث رواه البغوي عن عائشة في سياق الآيات نفسها جاء فيه: «إنها سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الملائكة تنزل في العنان وهو السّحاب فتذكر الأمر الذي قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهّان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» . ونرجّح بل نجزم بأن ما ورد في هذه الأحاديث كان مما يتداوله العرب قبل

стр. 1137

الإسلام. ولقد روى الطبري في سياق آيات سورة الصافات عن الزهري أن انقضاض الشهب قد تزايد كثيرا إبّان ظهور النبي ﷺ . فمن المحتمل أن يكون ذلك قد لفت نظر العرب وجعلهم يكثرون من التحدث عنه. ويحسبون أن لبعثة النبي ﷺ صلة ما بذلك حيث كانوا ينعتونه بالساحر والشاعر والكاهن الذين كانوا يعتقدون أن الشياطين تنزل إليهم بأخبار السماء على ما حكته آيات عديدة عنهم مثل آيات سورة الطور هذه: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) وآيات سورة الحاقة هذه: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وآيات سورة الذاريات هذه: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وآية سورة ص هذه: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) فاقتضت حكمة التنزيل ذكر مسألة استراق الشياطين للسمع في الآيات القرآنية لإعلامهم أن الشياطين قد منعوا من أخبار السماء وأن الله تعالى قد حفظها منهم وأعدّ لهم فيها شهبا راجمة وأن الجن قد يئسوا من ذلك ثم بيان كون الشياطين إنما كانت تنزل على الكاذبين الأفاكين الآثمين. وكون القرآن الصادق الداعي إلى الله وحده والمبشّر بأسمى المبادئ لا يمكن أن تنزل به شياطين وكون الرسول الذي يبلغ هذا القرآن لا يمكن أن يكون له صلة بالشياطين وإنما صلته بالله تعالى كما جاء في آيات سورة الشعراء هذه: ١- وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) . ٢- وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٣) .

стр. 1138

٣- هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) . وإن الذي ينزل عليه بالقرآن ملك رسول من الله تعالى وليس شيطانا كما جاء في آيات سورة التكوير هذه: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) . ولقد كانوا يكررون أقوالهم على ما حكته الآيات فاقتضت حكمة التنزيل تكرار الكلام عن الموضوع بسبيل الردّ والتكذيب. ولقد توهم بعضهم أن محاولات البشر في هذه الحقبة في الطيران إلى الأجواء العالية بواسطة الصواريخ الهائلة السرعة واحتمال وصولهم إلى القمر والنجوم ونزولهم فيها مما يتعارض مع ما جاء في الآيات التي نحن في صددها وأمثالها في السور الأخرى على ما فهمناه من سؤال ورد علينا من جماعة الإرشاد الإسلامي في مدينة شيبرون من مدن جاوا الأندينوسية. وليس لهذا التوهم محلّ في مجال الآيات ومقامها ومداها على ضوء الشرح المتقدم. وهذا الوهم آت من فكرة محاولة تطبيق النظريات الفنية على الآيات القرآنية أو استنباط النظريات الفنية من هذه الآيات وهي فكرة لا طائل من ورائها ولا سواغ لها على ما نبهنا عليه في تفسير سورة القيامة. مع التنبيه على أنه ليس في القرآن نصوص تتعارض مع محاولات البشر المذكورة بل إن فيه حضّا على ذلك وإن كان غير مباشر من حيث أن الله آذن البشر في القرآن بأنه سخّر لهم ما في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وإن ذلك يوجب عليهم بذل الجهد في الانتفاع بما سخره لهم بمختلف الوسائل وعلى مختلف المستويات «١» والله تعالى أعلم.

стр. 1139

هذا، ومما يتبادر من روح الآيات التي نحن في صددها أن حكاية موقف النفر الذي استمع القرآن وأقواله ليست مقصودة لذات قصتها وإنما قصدت في الدرجة الأولى إلى الموعظة والحكمة والتأثير على سامعي القرآن. فسامعو القرآن وهم العرب في الدرجة الأولى والمباشرة كانوا يعتقدون بوجود الجن وقوتهم وتأثيرهم وصعودهم إلى السماء واستراقهم السمع منها واتصالهم بالكهّان والسحرة والشعراء اتصال تلقين وإلهام وتعليم وإخبار. وكانوا يخشون شرهم ويدافعون عن هذا الشر بالاستعاذة بهم وإشراكهم مع الله في التذلّل والتقرّب- وهذا مما أخبر به القرآن كما جاء في آية سورة سبأ هذه: قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) - فاقتضت حكمة التنزيل حكاية هذا الحادث الغيبي ليرى الكفار من السامعين أن من هؤلاء الذين يتصورونهم أقوياء بطاشين جريئين على السماء والذين يتخذونهم معبودات ويتقرّبون إليهم بالعبادة والاستعاذة من رأى أعلام النبوّة المحمدية وآمن بها حينما استمع إلى القرآن الذي يتلوه النبي ﷺ واعترف بما فيه من هدى ورشد وإدراك ما كانوا عليه من سخف وضلال في إنكار البعث ونسبة الولد والزوجة إلى الله، وأمل الإفلات من حسابه وعقابه وسنّة المشتطين المنحرفين. ومما يجعل هذا التوجيه قويّا ما جاء في آخر آية من السورة السابقة من تقرير كون الذين عند الله- وهم الملائكة على ما شرحناه في مناسبتها- لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه ويسجدون له. فللملائكة في أذهان العرب صورة قوية كما كان للجنّ على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثّر، وكلاهما شغلا حيزا كبيرا في أفكارهم وعقائدهم وتقاليدهم فذكر الملائكة بما ذكروا به في آخر السورة السابقة وذكر نفر الجنّ بما ذكروا به في السورة التي تلتها لهما معناهما من الترابط والتساوق في الإشارات والمقاصد القرآنية في صدد موقف هذين الخلقين الغيبيين العظيمين من الله والإخلاص له، وفي دعوة العرب الذين لهما في أذهانهم ما لهما إلى الاقتداء والتأسي بهما. وهذا التساوق بين آخر

стр. 1140

السورة السابقة وهذه السورة قد يحتوي قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة عقب تلك. ولقد تكررت هذه الإشارات في مواضع أخرى من القرآن بأسلوب يسوغ الترجيح أنها إنما جاءت في صدد توكيد هذا المعنى الذي نقرره على ما سوف نشرحه في مناسباتها. كذلك يمكن القول إن هذه الإشارات والتقريرات تحتوي هدفا إيجابيا بالنسبة للنبي ﷺ والمسلمين من جهة والكفار من جهة أخرى. فمن الجهة الأولى فيها تسلية بأن الملائكة وبعض طوائف الجنّ يقفون وإياهم في موقف واحد من الإيمان بالله ورسالته والإخلاص له وإدراك حقيقة ربوبيته وشمولها ووحدتها والسير في طريق الحق والسداد. ومن الجهة الثانية فيها ترغيب وترهيب للكفار حيث تقصّ عليهم هذه القصص ليكون لهم عبرة ومزدجر، وليقتدوا بهذين الخلقين العظيمين اللذين يشغلان في نفوسهم ذلك الحيز الكبير. وهذا قد يقوي وجوب الوقوف في ذاتية الموضوع عند الحدّ الذي وقف عنده القرآن والثابت من الأحاديث النبوية بدون تزيّد وتوسّع لا طائل من ورائهما مع اليقين بأن ما ورد فيهما إنما ورد لحكمة متصلة بأهداف الدعوة الإسلامية والرسالة النبوية من مثل ما ذكرناه. والله أعلم. [سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٦ الى ٢٧] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)

стр. 1141

(١) الطريقة: هنا كناية عن طريق الحق والخير. (٢) غدقا: كثيرا مستمرا. (٣) لنفتنهم: لنختبرهم. (٤) المساجد: هنا بمعنى السجود والصلاة. (٥) عبد الله: كناية عن النبي ﷺ . (٦) لبدا: متزاحمين أو متكتلين أو متألبين. (٧) ملتحدا: ملجأ. (٨) ولن أجد من دونه ملتحدا إلّا بلاغا من الله ورسالاته: أوجه ما قيل في تأويلها أني لن أجد ملجأ من الله إلّا بإبلاغ وحيه ورسالاته أو أن كل مهمته إبلاغ رسالة الله. هذا هو الفصل الثاني من السورة، وقد احتوى: ١- تقريرا ربانيا بأن الناس لو اتّبعوا الطريق القويم واستقاموا عليه لأسقاهم الله ماء غدقا يكثر به رزقهم اختبارا لشكرهم واعترافهم بفضل الله، أما الذين يستكبرون ويبطرون ويعرضون عن ذكر ربهم وشكره يسلّط الله عليهم البلاء الشديد. ٢- ودعوة ربانية بأن لا يدعو أحد مع الله أحدا ولا يشركوا معه في سجودهم وخضوعهم أحدا معه. ٣- وإشارة إلى ما كان من مقابلة الناس للدعوة النبوية من تكتل وتآمر وتألب ومعارضة وأمرا للنبي ﷺ بأن يقول لهم: إن دعوتي لله وإني لا أشرك معه أحدا. كأنما يراد بهذا أن يقال لهم أيضا إن هذه المقابلة منكم عدوان وبغي لأنني لا أدعو إلى منكر وإنما أدعو إلى الخير والحق.

стр. 1142

٤- وأوامر ربانية أخرى للنبي ﷺ بإبلاغ الناس بأنه لا يستطيع أن يضر أحدا ولا ينفعه، وأنه لا يجيره من الله تعالى إلّا إبلاغ رسالته ووحيه، وأن من يعص الله ورسوله فمصيره الخلود في جهنّم حيث يدرك العصاة حينما يرون مصداق ما يوعدون من هو الأضعف والأقل، كأنما يراد بهذا تحدّي الكفار وإنذارهم بأن عصيانهم على الله ورسوله هو منتهى السخف والضلال والجرأة، لأنهم أعجز من أن يستطيعوا الانتصار على الله، وأنهم مخدوعون إذا قاسوا وقائع الحياة الدنيا على الآخرة واغترّوا بقوّتهم وكثرتهم لأن ذلك لن يغني عنهم من الله شيئا. ٥- وأمرا ربانيا للنبي ﷺ بإبلاغ الناس كذلك بأنه لا يدري وقت تحقيق ما يوعدون به أيطول أم يقصر. فالله لا يظهر على غيبه أحدا إلّا ما شاء ممن ارتضى من الرسل الذين يجعلهم تحت حفظه ومراقبته للتحقق من قيامهم بمهمتهم وتبليغ رسالاته التي انتدبهم إليها، ويحيط بكل أمر من أمورهم وهو المحيط بكل أمر والمحصي لكل شيء. تعليق على مفهوم آيات الفصل ودلالته وتلقيناته ولقد تعددت الأقوال والروايات التي يرويها المفسرون عزوا إلى ابن عباس وعلماء التابعين في مدى الآيات الثلاث الأولى «١» . من ذلك أنها من جملة كلام الجن المحكي في الفصل الأول «٢» . ومن ذلك أنها مع بقية الفصل كلام مستقل عن الجن. وتقرير قرآني مباشر. ومن ذلك أنها عنت الإنس والجن معا. ومن ذلك أنها عنت الكفار فقط.

стр. 1143

والمتبادر المستلهم من روح الآيات أنها مع سائر آيات الفصل الثاني كلام مستقلّ وأن المقصود بالآيات الثلاث كفار العرب. وأن هذا الفصل قد جاء تعقيبا التفاتيا للفصل السابق له. ويوثق ذلك تماثل الضمير في جمل وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا وكادُوا يَكُونُونَ وحَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ وواوات العطف المستمرة في جميع آيات الفصلين. ولعل في الآية [٢٤] صورة لما كان في نفس زعماء الكفار من استصغار لشأن النبي ﷺ ومن معه لما كانوا عليه من قلّة وضعف. وقد احتوت الآية ردا عليهم منددة بسخفهم متوعدة إياهم باليوم الآخر الذي يظهر فيه القوي من الضعيف والقليل من الكثير حيث لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم. وفي هذا كما هو المتبادر تسلية وتطمين للنبي ﷺ والمسلمين. ويستلهم من الآية [٢٥] أنها جواب على تساؤل الناس عن موعد قيام القيامة حيث أمرت النبي ﷺ بإعلان عدم علمه به ثم عقبت الآية [٢٦] على هذا بأن ذلك من خصائص الله الذي لا يطلع على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول. وفي هذا تماثل لموقف حكته آيات السورة السابقة [١٨٦- ١٨٧] مع فرق الاستثناء هنا. على أن روح الآيات هنا تلهم أنها ليست بسبيل استثناء علم ذلك الموعد. وتكرر السؤال والجواب يدلّ على أن أفكار الناس ظلّت تشتغل بالآخرة وموعدها بين مستعلم وساخر مما هو تجاوب طبيعي لكثرة ورود الوعد والوعيد بها. وقد يدل تماثل السؤال والجواب في هذه السورة وسابقتها على صحة ترتيبها في النزول. وآيات هذا الفصل مصدر إلهام وتلقين جليل مستمر المدى. سواء أفيما احتواه من عادة الله في اختبار الناس بنعمه وتذكيرهم بواجب شكره، أم في تنزيه النفس عن الدعاء والصلاة لغير الله في كل حال، أم في نفي أي نفع وضرر من أحد على أحد إلّا الله، أم في التنديد بالمغترين بقوتهم وعددهم. أم في تذكير الناس بإحاطة الله بكل شيء ووجوب مراقبته وابتغاء رضائه والبعد عن موجبات سخطه وغضبه.

стр. 1144

وتتجلى صميمية النبي ﷺ الرائعة واستغراقه في مهمته في إعلانه ما جاء في الآيات [٢٠- ٢٢] من أنه إنما يدعو إلى الله وحده وأنه لا يملك لأحد ضرّا ولا رشدا وأنه لن يجيره من الله أحد إذا تهاون في أداء المهمة التي انتدبه إليها كما تجلّت في سياق إعلان الآية [١٨٧] من السورة السابقة. تعليق على جملة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وبمناسبة ورود هذه الجملة في الآية الأخيرة نقول إن مثل هذه الجملة وما في معناها قد تكرر في مواضع كثيرة مثل لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الكهف: ١٢] ووَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ [سبأ: ٢١] وأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: ١٦] ووَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا [آل عمران: ١٦٦- ١٦٧] . ولما كان علم الله تعالى محيطا وشاملا لكل ما كان ويكون ولكلّ ماض وحاضر ومستقبل ولكلّ سرّ وعلن ولكلّ ما في صدور الناس وليس من شيء من كونه وخلقه غير معلوم عنده مما قررته آيات مكية ومدنية كثيرة جدا تغني كثرتها عن التمثيل فمن واجب المؤمن أن يؤمن بذلك وأن يعتبر مثل هذا التعبير أسلوبيا بمعنى (ليظهر) و (ليتبين) و (لينكشف) ما هو خاف على الناس من أحداث وأفعال وصور. وهذا هو ما عليه جمهور المؤولين. وهو من المألوفات الخطابية والله تعالى أعلم.

стр. 1145

سورة يس في السورة توكيد لرسالة النبي ﷺ وصدقها وتنويه بالقرآن. وتقريع للكفار وتنديد بعقائدهم وشدّة غفلتهم وعنادهم. وفيها قصة من القصص المسيحية كما فيها تنويه بنعم الله وبعض مشاهد الكون، وإنذار وتبشير بيوم القيامة وبعض مشاهده ومصائر المؤمنين والكافرين فيه. وفصول السورة منسجمة ومترابطة تسوغ القول إنها نزلت جملة واحدة أو متلاحقة وقد روي أن الآية [٤٥] مدنية وانسجامها في سياقها يحمل على التوقف في الرواية. ولقد روى الترمذي والبيهقي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : «أنّ لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» «١» . وروى الإمام أحمد عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «قلب القرآن يس. لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلّا غفر الله له. اقرؤوها على موتاكم» «٢» . وروى الإمام مالك والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له» «٣» . حيث ينطوي في الأحاديث تنويه نبوي بهذه السورة لعلّ من حكمته ما فيها من مواعظ وأمثال. وفي الأحاديث دلالة على أن السور القرآنية كانت مرتّبة معروفة بأسمائها المتواترة تواترا لا ينقطع في حياة النبي ﷺ .

стр. 1146

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) . (١) الحكيم: المحكم الذي لا يأتيه باطل، أو الذي ليس فيه باطل. (٢) مقمحون: من الإقماح، وهو رفع الرأس. ومعنى الآية التي جاءت فيها أنهم رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون تحريك أعناقهم من الأغلال التي فيها. (٣) أغشيناهم: حجبنا عنهم أو غطينا على أبصارهم. (٤) اتّبع الذكر: صدق بالقرآن وآمن به واتبعه. (٥) خشي الرحمن بالغيب: خاف الله مما أنذر به من المصير الأخروي المغيّب أو خاف الله الذي آمن به وبالحقائق المغيبة التي لا تدركها حواسه أو خاف الله حينما يخلو لنفسه. (٦) ونكتب ما قدموا وآثارهم: نكتب ما فعلوه في حياتهم وما تركوه بعدهم من سنن وتقاليد وتبعات أو تحصى أعمالهم حتى آثار خطاهم. (٧) إمام مبين: قيل إن الجملة تعني (أمّ الكتاب) الذي سجل فيه أعمال الناس. ويتبادر لنا من روح الجملة والسياق أنها كناية عن علم الله الشامل الذي يحصي على الناس أعمالهم إحصاء دقيقا.

стр. 1147

تعددت الأقوال المروية عن التابعين في تأويل معنى يس (١) «١» فقيل إنها اسم من أسماء الله أو اسم من أسماء القرآن أو اسم من أسماء النبي وقيل إنها من اللغة الحبشية بمعنى يا إنسان أو إنها كذلك في لهجة طي. وإنها في أصلها انيسين ثم صارت ياسين. وقيل إنها من نوع الحروف المنفردة التي جاءت في مطالع السور العديدة الأخرى. وهذا ما نرجحه بدليل أنه أعقب الحرفين قسم بالقرآن. وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم السور التي بدأت بالحروف المنفردة. وتكون والحالة هذه مثلها للتنبيه والاسترعاء. والله أعلم. أما الآيات فقد احتوت: ١- توكيدا للنبي ﷺ بصدق رسالته وصحة نسبة التنزيل القرآني إلى الله وقوة إحكامه، وكونه على الطريق القويم لينذر قوما غافلين لم ينذر آباؤهم. ٢- وحملة شديدة على معظم القوم الذين لم ينتفعوا بالإنذار ووقفوا من الدعوة موقف الجحود والعناد حتى كأنما ضرب عليهم سدّ حجب عنهم رؤية الحق. وكأنما قيّدت رؤوسهم بالأغلال فعجزوا عن تحريكها يمنة أو يسرة لاستبانة طريق الهدى. ٣- وتسلية للنبي ﷺ . فهو إنما أرسل لينذر الناس وينتفع بإنذاره الذين حسنت نياتهم وصدقت رغباتهم في الحق، واستشعروا بخوف ربهم فآمنوا به واتبعوا قرآنه ورسوله فاستحقوا مغفرته وأجره الكريم. ٤- وتقريرا ربانيا بأن الله سوف يحيي الناس بعد موتهم وأنه يسجل عليهم جميع ما فعلوه في حياتهم وخلفوه من تبعات بعد موتهم تسجيلا دقيقا وواضحا. ولقد روى الطبري والبغوي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري أن الآية الأخيرة نزلت في بني سلمة من الأنصار الذين كانت محلتهم بعيدة عن مسجد النبي ﷺ فأرادوا الانتقال إلى قرية فنزلت لتبشرهم وتطمئنهم بأن خطاهم تحسب

стр. 1148

لهم فثبتوا في محلّتهم. ومقتضى الرواية أن تكون الآية مدنية دون غيرها مع أنها منسجمة مع السياق ولم يرو أحد أنها مدنيّة. ولقد روى الحديث الشيخان والترمذي دون ذكر كون الآية نزلت بسبب رغبة بني سلمة في الانتقال إلى قرب المسجد وجاء في صيغة الشيخين والترمذي: «إن النبي ﷺ قال لهم: إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا» «١» حيث ينطوي في هذا إيعاز تطبيقي وتطميني وحسب. وروى ابن كثير والطبرسي أن الآيات نزلت في مناسبة محاولة أبي جهل وبعض قومه البطش بالنبي ﷺ ونثره التراب عليهم أو رؤيتهم مشهدا مفزعا جعلهم ينكصون أو يغشى على أبصارهم. ولقد أوردنا رواية فيها شيء من مثل ذلك عن أبي جهل في سياق سورة العلق. وعلى كل حال فالآيات بسبيل تطمين النبي ﷺ وتثبيته إزاء ما كان يلقاه من قومه من عناد وجحود ومناوأة. وأسلوبها قوي نافذ. والراجح أنها نزلت في ظرف كان لهم أو لبعضهم موقف شديد من ذلك أثار النبي ﷺ وآلمه فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بها للتطمين والتثبيت من جهة والتنديد والتقريع والإنذار من جهة أخرى. تعليق على آيات إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ... إلخ والآيات [٧- ٩] قد توهم أن الكفار قد وقفوا موقف الجحود والعناد بتحتيم رباني لم يكن لهم منه مناص. غير أن التروّي فيها وفيما قبلها وما بعدها يؤيد التأويل الذي أوّلناها به. فالآية [١٠] تذكر أن النبي ﷺ إنما عليه إنذار من اتّبع الذكر وخشي الرحمن وبعبارة أخرى من صدقت رغبته في اتّباع الحق. وهذا يعني أيضا أن الكفار إنما وقفوا موقفهم لخبث نيّتهم وعزوفهم عن الحق فحقّ عليهم القول. فهي من باب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ في الآية [٢٧] من سورة إبراهيم

стр. 1149

ووَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في الآية [٢٦] من سورة البقرة ووَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ في الآية [١٥٥] من سورة النساء وكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ في الآية [٣٥] من سورة غافر. وهذا التأويل هو الأكثر انسجاما مع حكمة الله تعالى في إرسال الرسل ودعوة الناس وإنذارهم وتبشيرهم وبيان طرق الهدى والضلال لهم وتعيين مصائرهم الأخروية وفق سلوكهم. وهو الأكثر اتساقا مع الحملة الشديدة التي احتوتها الآيات على الكفار والمناوئين على ما شرحناه في مناسبات سابقة. وهذا التأويل المستلهم من العبارة القرآنية وسياقها وروحها هنا وفي المواضع المماثلة يجعل التشاد الكلامي بين أصحاب المذاهب الكلامية الجبريين والقدريين حول هذه العبارة وأمثالها ويجعل الاتكاء عليها بسبيل تأييد مذهب على مذهب في غير محله كما هو المتبادر. وإلى هذا فإنه يتبادر لنا أن أسلوب الآيات قد جاء أيضا بسبيل تسجيل واقع أمر الكفار حين نزولها وحسب وليس على سبيل تأييد عدم إيمانهم سواء أنذروا أم لم ينذروا بدليل يقيني هو أن كثيرا منهم قد آمنوا فيما بعد وحسن إيمانهم ونالوا رضاء الله على ما نبهنا عليه في التعليق الذي كتبناه على موضوع التوبة في سورة البروج والتعليق الذي كتبناه على الآية [١٠١] من سورة الأعراف المشابهة للآيات التي نحن في صددها. وفي الآية [٦] إشارة صريحة إلى مهمة النبي ﷺ وهي الإنذار كما فيها تعليل لموقفهم وغفلتهم. وهذا مما يوثق التأويل، كما أن الآية [١٢] التي تنسب الأعمال إلى أصحابها وتنذر بإحصاء الله لها لمحاسبتهم عليها من الدلائل القريبة الموثقة. ولقد قلنا إن المتبادر أن الآيات نزلت بسبيل تثبيت النبي ﷺ وتطمينه وخمّنّا أن ذلك قد كان لحادث آلم نفسه وأثارها. فالآيات قد وردت بهذا الأسلوب لتكون أبلغ في التطمين والتثبيت. وفي توجيه الخطاب للنبي ﷺ في الآيات التي قبلها وما فيها من عطف وتأييد وثناء وما في الآية التي بعدها من إيعاز له بأنه إنما ينذر ذوي النفوس الطيبة

стр. 1150

والرغبات والصادقة، وأن له فيهم الغناء والعزاء- قرائن قوية على ذلك أيضا. تلقين الآيات الأولى من السورة والآيات مصدر إلهام وتلقين مستمر المدى. سواء أفيما احتوته من ثناء وبشرى لذوي النفوس الطيبة والرغبات الصادقة أم في ما احتوته من حملة تنديدية شديدة على ذوي السرائر الخبيثة الذين يكون ديدنهم المكابرة في الحق والإيغال في الباطل أم في ما احتوته من تثبيت وتطمين يلهمان الدعاة والقادة والزعماء والمصلحين قوة يتغلبون بها على ما يلقونه في طريقهم من عقبات ومصاعب. [سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ٢٩] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) . (١) عززنا: أيدنا. (٢) أئن ذكرتم: سؤال استنكاري فيه ردّ على قولهم إنّا تطيرنا أي تشاءمنا بكم وبسبيل نفي كون التذكير بالله هو الذي جاء إليهم بالشؤم والنحس. (٣) مسرفون: متجاوزو الحد في البغي والعناد.

стр. 1151

(٤) فطرني: تكررت اشتقاقات فطر كثيرا في القرآن. وأكثر ما جاءت في معنى الإيجاد والخلق بدءا ولأول مرة. وهي هنا بهذا المعنى. وأصل معناها اللغوي شقّ وجاء بعض اشتقاقاتها بمعنى التشقق والتصدّع والشقوق. ومعنى شقّ لا يبعد كثيرا عن معنى الخلق والإيجاد لأول مرة. الآيات معطوفة على سابقاتها والضمير في وَاضْرِبْ لَهُمْ عائد إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة موقفهم من الدعوة كما هو المتبادر. وهكذا يكون هذا الفصل قد جاء معقبا على سابقه تعقيب تمثيل وتذكير، وفيه توثيق للتأويل الذي أوّلناه للآيات التي حكت موقف الجاحدين والتخمين الذي خمّنّاه بنزول الفصل السابق في ظرف أزمة من أزمات النبي ﷺ النفسية لموقف مثير وقفه الكفار. وعبارة الآيات واضحة لا تقتضي أداء آخر. وقد احتوت قصة رسل أرسلهم الله إلى إحدى المدن وموقف أهلها الجحودي منهم، سيقت لسامعي القرآن أو الكافرين منهم على ما هو المتبادر للتمثيل والتذكير. ومما رواه المفسرون عزوا إلى علماء التابعين في صدد قصة الرسل التي حكتها الآيات أن المدينة التي أشير إليها باسم القرية هي أنطاكية الثغر الشامي في شمال سورية وأن الرسل هم يوحنا وبولس وشمعون من حواريي عيسى ﵇ أرسلهم للدعوة والتبشير، وأن الرجل المؤمن هو حبيب النجار. وقد أوردوا بيانات كثيرة عن رسالة الرسل ومحاولاتهم مع الوثنيين في المدينة ومعجزاتهم في إحياء الموتى وخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص، وقتل الوثنيين حبيبا وعنادهم مع الرسل إلخ «١» . وأسلوب الآية الأولى وفحواها يلهمان أن المثل الذي أمر النبي ﷺ بضربه ليس غريبا عن السامعين وأنهم أو أن منهم من كان يعرف القصة المذكورة فيه. ولقد ورد في سفر أعمال الرسل من الأسفار الملحقة بالأناجيل أشياء كثيرة

стр. 1152

عن نشاط تلامذة المسيح ﵇ وحوارييه من بعده في أنطاكية وغيرها. فمن المحتمل جدّا أن تكون القصة مما كان يتداوله النصارى الذين كان منهم أفراد كثيرون في مكة، ولعلها كانت مكتوبة في أسفار عندهم فعرفها العرب منهم. وأسلوب الآيات صريح في أن المقصود منها المثل والتذكير والعبرة وهذا هو الهدف العام لكل القصص القرآنية الذي يكون محكما مؤثرا حينما تكون القصة المساقة مما يعرفه السامعون. وفيما أورده المفسرون دلالة على ذلك كما هو المتبادر. تلقينات ودلالة مثل أصحاب القرية وآياته ومما يلحظ أن في حكاية الحوار بين رسل الله وأهل القرية ثم بين أهل القرية والمؤمن تشابها مع حالة الكفار العرب سواء أفي ما كان من سخفهم وضلالهم في اتخاذ آلهة غير الله أم في موقفهم من النبي ﷺ وأقوالهم له في معرض التكذيب والجحود أم في تهديدهم لرسلهم بالعذاب والأذى إذا لم يكفوا عن دعوتهم بحيث تبدو في هذه الملحوظات حكمة المثل وهدفه وهو تذكير الكفار العرب بأنهم ليسوا المتفردين في مواقفهم وأقوالهم وباطل عقائدهم، وتبكيتهم على ما هم فيه من سخف وضلال وعناد، وإنذارهم بعذاب الله الذي أصاب أمثالهم فجعلهم خامدين دون ما حاجة إلى جنود تنزل وحرب تنشب، وتطمين النبي ﷺ بأنه ليس المتفرّد فيما لقي من كفار قومه وأن له الأسوة بمن تقدمه من الرسل في الأزمنة القديمة أو الحديثة بالنسبة لزمنه فلا يحزن ولا يغتمّ وأنه ليس عليه إلّا التبليغ والتذكير مثلهم. وأسلوب حكاية موقف المؤمن وأقواله لقومه قوي أخاذ. سواء أفي تبكيته وتسفيهه للمعاندين أم في إغرائه وتشويقه على الإيمان بالله وتصديق رسله ومن شأن ذلك أن يحدث أثرا نافذا في السامعين. وهذا ما استهدفته الحكاية على ما هو المتبادر. ولعلّ من أثرها ما روته روايات السيرة من تفاني الرعيل الأول من المسلمين في مكة في نصرة وتأييد النبي ﷺ والذبّ عنه والتعرّض بسبب ذلك

стр. 1153

لصنوف الأذى. وفيها أسوة وحافز على نصرة الحق والداعين إليه في كل موقف وزمان. [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) . الآيات متصلة بالسياق السابق اتصالا تعقيبيا كما هو المتبادر. وهو ما جرى عليه النظم القرآني عقب القصص. وقد احتوت تنديدا بالناس الذين لا تؤثر فيهم المواعظ والأمثال وما كان من إهلاك الله للأقوام السابقة فيقفون من رسل الله كلما جاء رسول موقف الاستهزاء والتكذيب. وتوكيدا بأن الناس جميعهم محضرون أمام الله ومجزيون عن أعمالهم. والتعقيب مؤثر نافذ كما هو واضح. [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٣ الى ٤٤] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) . (١) وما عملته أيديهم: ولم تعمله أيديهم.

стр. 1154

(٢) الأزواج: الأنواع المتشاكلة من النبات والحيوانات ومنها الإنسان. (٣) نسلخ: ننزع أو نخرج. (٤) لمستقر لها: إلى أن يحين وقت استقرارها ووقوفها وقرئت الكلمة بلفظ «لا مستقر لها» بمعنى أنها دائمة الجري. ومعنى التأويلين للكلمة متساوق. (٥) العرجون: هو عرق النخلة فإذا قدم رقّ وتقوّس واصفر. والكلمة في معرض تشبيه القمر في أواخر الشهر. (٦) تدرك: تلحق. (٧) الفلك: الأولى بفتح الفاء واللام بمعنى مدار السماء حيث تجري الشمس والقمر والنجوم وأصل معناه الشكل الدائري. والثانية بضم الفاء واللام وهو مركب البحر. (٨) حملنا ذريتهم في الفلك المشحون: قال المفسرون إن المقصود بذلك الإشارة إلى سفينة نوح وآباء البشر الذين ركبوها «١» . (٩) من مثله: من مثل ذلك الفلك المشحون. (١٠) فلا صريح لهم: لا ناصر ولا مغيث لهم. والآيات استمرار للسياق أيضا. وجملة وَآيَةٌ لَهُمُ موصلة بين الفصل الأول السابق للقصة وبين هذا الفصل كما هو المتبادر. وقد احتوت تنبيها إلى مشاهد كون الله ونواميسه ونعمه على خلقه، وتنديدا بالذين لا يشكرون ولا يرتدعون عن مواقف المكابرة. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كما يلهمه أسلوبها وفحواها في معرض البرهنة على قدرة الله على ما يعد الناس ويتوعدهم والتنبيه على أفضال الله عليهم ورحمته بهم، في الأرض والسماء والبحار، والتنديد بالذين لا يشكرونه ولا يرتدعون عن مواقف المكابرة والجحود، وإنذارهم بأنه لو شاء لأهلكهم ومنع عنهم خيره وبرّه فلا يجدون لهم مغيثا ولا ناصرا، وبأنه إذا لم يفعل

стр. 1155

ذلك فلا يكون إلّا من قبيل الإمهال إلى حين كأنما يهيب بهم إلى اغتنام الفرصة السانحة قبل نفاد صبره وإنزال عذابه فيهم. والآيات قوية نافذة. موجهة إلى القلب والعقل بسبيل ما جاءت من أجله من التذكير والعظة والبرهنة والإنذار. ومع وجوب الإيمان بحقيقة ما احتوته الآيات من تقريرات متنوعة فإن أسلوبها وفحواها وجملة وَآيَةٌ لَهُمُ التي بدأت بها وتكررت في مقاطعها قد يفيد أن السامعين كانوا يعرفون ويحسون ويتصورون ما احتوته من مشاهد كونية وأرضية وسماوية وفق ما ذكر فيها. وبهذا تبدو الحكمة في ذلك وتكون الحجة القرآنية مستحكمة في السامعين. ولقد روى الطبري والبغوي في سياق جملة وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها حديثا عن أبي ذرّ الغفاري قال: «كنت جالسا عند النبي ﷺ في المسجد فلما غربت الشمس قال يا أبا ذرّ هل تدري أين تذهب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربّها ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها وكأنّها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مكانها وذلك مستقرّها» . وما جاء في الحديث أمر مغيّب فيجب الوقوف عنده إذا صحّ «١» مع وجوب

стр. 1156

الإيمان بأنه لا بدّ من أن يكون لصدوره من النبي ﷺ حكمة كشأن حكمة الله في الآيات. ولعلّ من هذه الحكمة قصد التنبيه على إحاطة الله تعالى وتصرفه المطلق في الكون وفي الشمس التي هي من أعظم مظاهر ومشاهد هذا الكون. والله تعالى أعلم. تعليق آخر على ما اعتاده بعضهم من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن لقد علّقنا في سياق تفسير سورة القيامة على ربط بعضهم بين الآية بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) وبين فنّ بصمات الأصابع الحديث. ونعود إلى التعليق مرة ثانية بمناسبة الآيات التي نحن في صددها والتي يقف بعضهم عندها وعند أمثالها لاستنباط قواعد فنية كونية منها أو تطبيق نظريات علمية عليها وبخاصة في صدد حركات الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار، والإدلاء بآراء متنوعة هي أدخل في نطاق التكلّف والتزيد بل والغلوّ أكثر منها في نطاق الحقيقة في حين أن الآيات في مجموعها وأسلوبها وروحها تحمل الدليل على أن القصد منها هو لفت نظر الناس جميعا بأسلوب يفهمونه إلى ما يشاهدونه من مظاهر قدرة الله وكونه بقطع النظر عما أقام الله سبحانه الكون عليه من نواميس ونسب وقواعد دقيقة محكمة النظام مطردة السير والجريان. ونحن نرى في مثل هذه المحاولات إخراجا للقرآن الكريم عن هدفه الوعظي والتذكيري وتعريضا له للتعديل والجرح اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية على غير طائل ولا ضرورة. ولقد جاء في سورة يونس في صدد منازل القمر آية تفيد أن الله قدّر القمر منازل ليعلم الناس عدد السنين والحساب وهي: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً

стр. 1157

وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) فإذا لحظنا أن منازل القمر أو دوراته اليومية التي تتبدّل بها صوره كانت هي الوسيلة الممكنة المشاهدة لمعرفة حساب الأيام والأشهر والسنين بالنسبة للسامعين رغم كونها ليست دقيقة تبين لنا أن حكمة التنزيل إنما اقتضت أن يكون الخطاب كما جاء بسبيل تنبيه السامعين إلى نواميس كون الله وإثبات وجوده وقدرته على ما هو ملموح بقوة من فحوى السلسلة التي نحن في صددها وسياق آية سورة يونس المذكورة وأمثالها لأنه كان هو المفهوم من قبل السامعين بمداه ومعناه. وتبين لنا مدى ما في تجاوز هذا النطاق إلى استخراج النظريات الفنية من القرآن أو تطبيقها على الآيات القرآنية من تجوّز وتمحّل وخروج بالقرآن عن نطاق حكمة تنزيله. ونعود إلى التنبيه مرة أخرى في هذه المناسبة إلى أن ما قلناه لا يعني حظر دراسة أسرار الكون على المسلمين بمختلف الوسائل وعلى مختلف المستويات. فهذا شيء وذاك شيء آخر. بل إن إيذان الله تعالى للبشر ومن جملتهم المسلمين أن الله سخّر لهم ما في السموات وما في الأرض ليوجب عليهم ذلك لأن الانتفاع بما سخّره لهم الله لا يتمّ إلّا به. والله تعالى أعلم. تعليق على تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ... وبمناسبة ورود تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ نقول إن كثيرا من المسلمين يسوقون هذا التعبير في معرض عقيدة القضاء والقدر وكمستند لها به في حين أنه قد جاء في معرض بيان أن حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار كل ذلك يجري ضمن حساب رباني مقدّر على أحسن أسلوب وأدقّ ترتيب. وبكلمة أخرى إن كلمة «تقدير» هنا تعني الحساب الدقيق وليس لها صلة بعقيدة القدر ولا يصحّ سوقها في معرض ذلك.

стр. 1158

نموذج آخر للتفسيرات الصوفية لقد قلنا في تعليقنا على هذه التفسيرات في سياق سورة الفجر إن منها ما ليس فيه شذوذ فاحش. وهذا نموذج من ذلك حيث يفسر التستري الآية الأولى من هذه السلسلة بقوله: «القلوب الميتة بالغفلة أحييناها بالتيقّظ والاعتبار والموعظة وأخرجنا منها حبا معرفة صافية يضيء أنوارها على الظاهر والباطن» «١» . [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٠] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) . (١) اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون: اتقوا غضب الله في حياتكم وبعد مماتكم لعلّ الله يرحمكم، ويلحظ أن الجواب على هذا غير موجود في الآيات. وقد قال المفسرون إنه محذوف مقدّر وهو الإعراض وعدم الاستماع. والآية التالية تحتوي جوابا غير مباشر أيضا مما يوثق وجاهة القول. (٢) ينظرون: ينتظرون. (٣) يخصمون: يختصمون أي تأخذهم الصيحة بغتة أثناء استغراقهم في أشغالهم ولهوهم وخصوماتهم. الآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. وفي ضمير لَهُمُ هنا دلالة على هذا الاتصال والترابط كما هو كذلك في الآيات السابقة. وعبارتها واضحة. وقد احتوت الآيات الأربع الأولى تقريرات عن واقع أمر الكفار ومبلغ مكابرتهم وجحودهم وغلظ قلوبهم. فهم يؤمرون باتقاء غضب الله في الدنيا

стр. 1159

والآخرة فلا يبالون. وتأتيهم آيات الله فيعرضون عنها. ويقال لهم أنفقوا مما رزقكم الله فيجيبون ساخرين: إن الله لو شاء أن يرزق الفقراء ويطعمهم لما قتّر عليهم وحرمهم، وإنكم في طلبكم هذا منّا في ضلال مبين ثم يتساءلون تساؤل الساخر المتحدي عن موعد العذاب الذي يوعدون به إن كان ذلك صدقا وحقا. وقد احتوت الآيتان الأخيرتان ردّا إنذاريا. فالموعد آت لا ريب فيه. وستأتيهم الصيحة بغتة وهم لاهون في أشغالهم وخصوماتهم فيهلكون حيث هم فلا يرجعون إلى أهلهم ولا يجدون الفرصة لوصية يوصون بها. تعليق على حثّ القرآن على البرّ بالفقراء وموقف الأغنياء من ذلك وآثاره والآيات قوية التقرير والتنديد والإنذار. وقد احتوت صورا متنوعة لمواقف الكفار من دعوة الله وآياته ونبيه. والآية [٤٧] بخاصة تدلّ على أنه كان يقع جدل بين المؤمنين والكفّار في صدد المبادئ التي بشّرت بها الدعوة وآمن بها المؤمنون وأن هؤلاء كانوا يدعون أولئك في جملة ما يدعونهم إليه ويحاجونهم فيه إلى البرّ بالفقراء ويذكرونهم بأن ما في أيديهم من مال إنما هو من رزق الله فلا يجوز أن يضنّوا به على المحتاجين من عباده وأن الكفار كانوا يجيبونهم على هذا بخاصة بجواب حجاجي ساخر وطريف يتهربون به مما يطلب منهم. وفي هذا صورة لما كان من تأثر المؤمنين بالدعوة ومبادئها وخاصة البرّ بالفقراء والمعوزين والجهد في نشرها والدعوة إليها ثم صورة لما كان من تأثير ذلك في أغنياء الكفار، وقد كان هذا الموضوع من أبكر ما بشّر به القرآن ومن أبكر ما أثار حقد الأغنياء والزعماء وحفّزهم إلى التكتل والمعارضة وظلّ كذلك قويا إلى أن أدخله القرآن في نظام الدولة وميزانيتها على ما تلهم آيات أخرى بالإضافة إلى تكراره وتوكيده في مختلف المناسبات والأساليب. وقد مرّ بعض الأمثلة من ذلك وعلقنا عليها. وستأتي تعليقات متنوعة أخرى في صدده في مناسبات آتية. غير أننا نرى هنا أن ننوّه بالمعنى الجليل الذي انطوى في تعبير أَنْفِقُوا مِمَّا

стр. 1160

رَزَقَكُمُ اللَّهُ وننبه على أن هذا قد تكرر كثيرا في سور مكية ومدنية بأساليب متنوعة. وجاء في بعضها بقوة وصراحة أكثر حيث يبدو من هذا حكمة التنزيل في التوكيد عليه لإقراره في الأذهان. من ذلك آية سورة الرعد هذه: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) وآية سورة إبراهيم هذه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) وآية سورة البقرة هذه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وآية سورة آل عمران هذه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... [١٨٠] وآية سورة النساء هذه: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وآية سورة النور هذه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ... [٣٣] وآية سورة الحديد هذه: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) . ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [٤٥] مدنية في حين أنها منسجمة في السياق ونظمه انسجاما تاما وليس لها خصوصية مدنية. والخطاب فيها في صدد الذين سبق الكلام عنهم حيث عبّر عنهم بكلمة (لهم) مما تكرر في السياق. ولذلك فإننا نشك في صحة الرواية. [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥١ الى ٦٥] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)
следующие страницы →