التحير والتردد حيث لا يدري المرء أين يتجه. وأرض عمهاء بمعنى لا منار بها.
بدأت السورة بحرفي الطاء والسين. وروى المفسرون عن أهل التأويل أنهما من أسماء الله أو أنهما قسم أقسمه الله. كما رووا أنهما مثل سائر الحروف التي بدأت بها السور الأخرى. ونحن نرجح ذلك ونرجح أنهما جاءا لاسترعاء السمع لما بعدهما من ذكر كتاب الله والتنويه به وبالمؤمنين. فهو الكتاب الذي أنزله الله هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بحقيقة البعث الأخروي. وقد تبع ذلك استطراد إلى الذين لا يوقنون بهذه الحقيقة فوصفوا بأن الله قد زين لهم أعمالهم فعموا عن هذه الحقيقة وإدراكها عمى شديدا فاستحقوا سوء العذاب والخسران في الآخرة.
وانتهت الآيات بتوجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بسبيل التوكيد بأن القرآن الذي يتلقاه هو من لدن الله تعالى الحكيم الذي لا يفعل إلّا ما فيه الحكمة والعليم الذي يعلم بكل شيء.
ولم يرو المفسرون رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ومن المحتمل أن تكون مقدمة بين يدي القصص التي حكتها الآيات التالية لها، ولعل الآية السادسة والأخيرة منها قرينة على ذلك، والله أعلم.
تعليق على اجتماع كلمتي القرآن والكتاب معا في آية واحدة
ولقد اجتمعت كلمتا القرآن والكتاب معا في الآية الأولى. والكلمتان جاءتا في القرآن مترادفتين حينما لا تجتمعان. ومع ذلك فكل منهما مختلف الدلالة حيث تعني كلمة (القرآن) الشيء المقروء وكلمة (الكتاب) الشيء المكتوب. وكل من المعنيين متحقق في القرآن، ولعل الحكمة في جمعهما هنا هي الإشارة إلى كون آيات وفصول وسور القرآن كانت تكتب وكانت تقرأ. فهي قرآن مقروء ومكتوب وإذا صحّ هذا ففيه قرينة على أن الفصول القرآنية كانت تدون في العهد المكي لأن
стр. 1402
الآيات مكية. وهو المتسق مع الروايات المتواترة والدلالات القرآنية الكثيرة على ما ذكرناه في مناسبات سابقة وشرحناه في كتابنا القرآن المجيد.
تعليق على جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ
ولقد اختلفت أقوال المفسرين وتعددت في تأويل جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [٤] لأنها توهم أن الله تعالى زين للكافرين بالآخرة عملهم وكفرهم فعموا نتيجة لذلك عن رؤية الحق وإدراكه، فمما قيل إن معناها حرمناهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم فازدانت أعمالهم في عيونهم «١» . ومنه إنا حسّنا لهم ما هم فيه ومددنا لهم في الغيّ جزاء تكذيبهم بالآخرة «٢» . ومنه إن إسناد التزيين إلى الله هو مجازي وإن معنى الجملة أن الله متّعهم بطول العمر وسعة الرزق فجعلوا ذلك ذريعة إلى اتباع الشهوات فكأنه زيّن لهم بذلك أعمالهم أو أن الله زيّن لهم أعمال الخير التي وجب عليهم عملها فعموا عنها «٣» . وكل من هذه الأقوال وجيه من شأنه إزالة ما قد يثير التوهم في الجملة. ولا سيما أن في القرآن آيات تنسب تزيين الكفر والضلال للشيطان منها آية سورة الأنعام هذه فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) وآية سورة النحل هذه تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وفيه كذلك آيات تنسب إلى الإنسان عمله وترتب جزاءه في الدنيا والآخرة على ذلك مما مرّ منه أمثلة عديدة. ومنه آية سورة فصلت هذه مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) وآية سورة النحل هذه مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) .
стр. 1403
وقد تبادر لنا تأويلان آخران (أولهما) أن تقرير كون الذين زيّن الله تعالى أعمالهم هم الذين لا يؤمنون بالآخرة قد يجعل الجملة من باب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [٢٧] في آية سورة إبراهيم ويُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في سورة البقرة [في الآية: ٢٦] . ووصفهم بالمجرمين قرينة مؤيدة لوجاهة هذا التأويل، أما (ثانيهما) فهو أن الله تعالى قد أودع في عباده ناموس استحسان أعمالهم، فمنهم من يبلغ ذلك فيهم إلى حد يعميهم عن إدراك الحق، وهؤلاء الذين يجحدون بآيات الله ويكذبون بالآخرة، وفي سورة الأنعام آية من باب الآية التي نحن في صددها وقد جاءت مطلقة وهي كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وعبارتها تشمل جميع الناس محسنهم ومسيئهم وتقوّي وجاهة التأويل الثاني.
وعلى كل حال فإن هذه التأويلات هي التي تتسق مع روح القرآن وتقريراته المحكمة عامة التي من ضمنها تقرير جعل الله في الإنسان قابلية الاختيار والكسب وإرساله الرسل للبشر ليبينوا لهم بإذنه ووحيه طرق الهدى والضلال والحق والباطل والخير والشر، وجزاؤه كلّا بما اختاره وفي الوقت نفسه تنزه الله سبحانه عن تزيين أعمال الكفر والمعاصي للكفار والعصاة.
تعليق عام على آيات السورة الأولى
وكلمة الزَّكاةَ تأتي هنا لثاني مرة في آية مكية. وصيغة الآية مثل صيغة آية سورة الأعراف وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) التي ذكرت فيها الكلمة أي صيغة حثّ وتنويه. والسورة من السور المبكرة نوعا ما. وفي هذا وذاك دلالة جديدة على أن النبي ﷺ قد رتّب منذ أوائل الدعوة على الميسورين من المؤمنين مقدارا معينا من المال باسم (زكاة) لمصلحة فقراء المسلمين ومصلحة الدعوة أو كان يحثّهم على إنفاق جزء من مالهم بهذا الاسم على هاتين
стр. 1404
المصلحتين على ما شرحناه في سياق سورة المزمل.
ولقد وصف المؤمنون في الآية الثالثة بأنهم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون بالآخرة وفي هذا توكيد للتقريرات القرآنية بكون الإسلام إيمانا وعملا وبكون التلازم بين ذلك أمرا محكما.
والآية الثانية بتقريرها أن آيات القرآن هي هدى وبشرى للمؤمنين قد انطوت بدلالة الآية الثالثة على تقرير كون الطبقة التي ترغب في الحق والهدى وتعزف عن المكابرة والمماحكة هي التي تهتدي بالقرآن وتستبشر وتنتفع، ثم على التنويه بالمسلمين الأولين الذين سارعوا إلى الاهتداء والاستبشار بالقرآن وعكفوا على عبادة الله سبحانه ومساعدة الفقراء بزكاة أموالهم.
ولقد اقتصرت الآية الرابعة على وصف الكفار بأنهم الذين لا يؤمنون بالآخرة. ولعل القصد من هذه الإشارة إلى أن جحود الكفار حقيقة الآخرة كان أهمّ مظهر لكفرهم وأشدّ العقبات في سبيل الدعوة. ويقوي هذا كون هذه الحقيقة من أكثر المواضيع المتكررة في القرآن ومن أكثر مواضع الجدل والحجاج بين النبي ﷺ وبين الكفار مما مرّ منه أمثلة كثيرة، والآية التي نحن في صددها تعلل أعمال الكفار السيئة وكفرهم بعدم إيمانهم بالآخرة. وقد احتوت آيات كثيرة مثل هذا التعليل مرّ منها أمثلة كثيرة ومنها آية سورة النحل هذه إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) وآية سورة المؤمنون هذه وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) ولعل مما ينطوي في ذلك التنويه بخطورة الإيمان بها وكون ذلك جوهريّا في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية معا حيث يجعل المرء يفكر في عواقب أعماله فينصرف عما يسبب له الشقاء في الآخرة.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧ الى ١٤]
إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)
стр. 1405
(١) شهاب قبس: شعلة مقتبسة من النار.
(٢) تصطلون: تستدفئون.
(٣) جان: اسم من أسماء الأفعى أو جنس من أجناسها الضخمة أو السريعة الحركة الشديدة الاضطراب.
(٤) في تسع آيات: المعجزات التي أظهرها الله تعالى على يد موسى. وهي اليد والعصا والجراد والضفادع والدم والقمل والطوفان والسنين ونقص الثمرات وقد ذكرت في سورة الأعراف «١» .
(٥) مبصرة: واضحة بينة.
(٦) استيقنتها أنفسهم: علموا صدق كونها من الله تعالى في قرارة أنفسهم.
تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة
هذه الآيات حلقة من سلسلة قصصية اقتضتها حكمة التنزيل وتجدد المناسبات. وقد جاءت عقب الآيات التي نوّهت بالمؤمنين ونددت بالجاحدين بقصد تثبيت النبي ﷺ والمسلمين وإنذار الكفار، جريا على الأسلوب القرآني، وهي والحال هذه متصلة بالسياق.
وقد تضمنت الحلقة قصة رسالة موسى ﵇ إلى فرعون وقومه.
стр. 1406
وعبارتها واضحة وقد جاءت مقتضبة مع الاتساق بينها وبين ما جاء في سورتي طه والأعراف إجمالا.
وقصد الموعظة وضرب المثل والتثبيت واضح فيها سواء أفي حرف «إذ» الذي بدئت به والذي هو حرف تذكير أم في نهايتها التي تلفت النظر إلى العاقبة التي صار إليها المفسدون والتي ذكرت في السورتين المذكورتين وتذكر بها.
والجديد في صيغة القصة هنا ذكر جحود فرعون وقومه لآيات الله ظلما وعلوّا مع استيقانهم بصدق كونها من عند الله. وقد انطوى فيه على ما هو المتبادر قصد المقارنة بين ما صدر من فرعون وقومه وبين ما صدر من كفار العرب الذين كانوا يكذبون رسول الله ﷺ ويجحدون بآياته استكبارا في الأرض ومكر السيء على ما ذكرته آيات سورة فاطر هذه وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) وغيرها من الآيات التي أوردناها في سياق تفسير هذه الآيات في سورة فاطر ثم قصد إنذار الكفار وتذكيرهم بعاقبة فرعون وقومه الذين جحدوا بآيات الله ظلما وعلوّا.
ومن الجديد فيها كذلك ما جاء في الآيتين [١٠- ١١] من خطاب الله لموسى. وهذا غير وارد في سفر الخروج. ونعتقد أنه كان المتداول عند اليهود والوارد في بعض قراطيسهم التي لم تصل إلينا.
ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل لما جاء في الآيتين المذكورتين من ذلك أنه شامل للمرسلين وغير المرسلين. ومن ذلك أن المقصود من الصيغة استثناء المرسلين من الخوف. وتقرير كون الخوف إنما هو من شأن الظالم، والمرسلون لا يظلمون. ومن ذلك أن القصد من الآية الثانية مع ذلك هو إيذان الله تعالى بأنه يغفر ويرحم لمن يبدل حسنا بعد سوء إطلاقا وكلا القولين وجيه.
стр. 1407
وفي الآيات تساوق مع المبادئ القرآنية التي تكرر التنبيه عليها في مناسبات عديدة مرّت أمثلة منها. والتي يؤذن الله تعالى فيها بالمغفرة والرحمة لمن ظلم ثم تاب وبدل حسنا بعد سوء. وفي هذا التساوق يبدو التماثل بين ما أوحى الله إلى موسى وإلى محمد ﵉، ولعلّ هذا من حكمة ذلك. والله أعلم.
مغزى وصف الله نفسه بربّ العلمين في آيات هذه القصة
وفي وصف الله تعالى نفسه هنا بوصف رَبِّ الْعالَمِينَ وهو يخاطب موسى مغزى مهم يؤكد ويتمم المغزى الذي انطوى في آيات سورة الأعراف [١٠٥- ١٢١] والذي نبهنا عليه في تعليق خاص. ففي الآية [١٠٥] وصف الله تعالى بهذا الوصف بلسان موسى ﵇. وفي الآية [١٢١] وصف بهذا الوصف بلسان بني إسرائيل. وهنا وصف الله نفسه به وبذلك انسد باب دعوى بني إسرائيل باختصاص الله بهم انسدادا محكما وتم تكذيبهم فيها بصورة حاسمة وصحح التحريف الذي حرّفوه في أسفارهم «١» على ما نبهنا عليه في التعريف المذكور.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٥ الى ٤٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)
أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩)
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)
стр. 1408
(١) منطق الطير: أصواتها أو معانيها أو أغراضها.
(٢) يوزعون: يساقون أو يحبسون موقفا بعد موقف حتى يتلاحقوا.
стр. 1409
(٣) لا يحطمنكم: لا يدوسنكم ويسحقنكم.
(٤) أوزعني: اجعلني أو احصرني أو ألهمني.
(٥) بسلطان مبين: ببرهان ومبرر واضح.
(٦) فمكث غير بعيد: فغاب غير طويل.
(٧) أحطت: علمت ووقفت على خبر.
(٨) الخبء: المخفي أو المخبوء أو كناية عن مطر السماء ونبات الأرض.
(٩) أتمدونني بمال: من الإمداد بمعنى المعونة.
(١٠) عفريت: معناه الخبيث أو الداهية أو المارد الجبار.
(١١) قبل أن تقوم من مقامك: قبل أن تقوم من مجلسك.
(١٢) قبل أن يرتد إليك طرفك: قبل أن ترمش عينك، أو كما يقال بأسرع من لمح البصر.
(١٣) ليبلوني: ليختبرني.
(١٤) نكّروا لها عرشها: غيروا معالم عرشها.
(١٥) ننظر أتهتدي: لنرى هل تهتدي إليه وتعرفه رغم ما طرأ عليه من التغيير.
(١٦) وصدها ما كانت تعبد من دون الله: ومنعها أو جعلها ترجع عما كانت تعبد من دون الله.
(١٧) الصرح: القصر أو إحدى قاعاته.
(١٨) لجة: بحيرة ماء.
(١٩) ممرد: مملس.
(٢٠) قوارير: زجاج.
تعليق على قصة داود وسليمان وملكة سبأ في الحلقة الثانية من السورة
وهذه حلقة ثانية من السلسلة، وقد احتوت إشارة إلى ما آتاه الله داود وسليمان من علم وحمدهما إياه على ذلك، ثم إلى أحداث جرت لسليمان
стр. 1410
وبخاصة ما كان بينه وبين ملكة سبأ بشيء من الإسهاب، وعبارتها واضحة.
ومعظم ما جاء فيها جديد باستثناء ما كان من تسخير الجنّ لسليمان حيث ذكر في سورة ص. ومع ما يبدو عليها من قصد الإخبار فإن فيها مواضع عبرة عديدة تجعلها تتسق في أهدافها مع أهداف القصص القرآني بوجه عام، وهي التذكير وضرب المثل والموعظة والعبرة.
وخبر زيارة ملكة سبأ لسليمان ﵇ وارد في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول الذي هو في الطبعة الكاثوليكية الثالث. وما جاء في هذا الإصحاح أن الملكة نوهت بحكمة سليمان وقدمت له هدايا مائة وعشرين قنطارا من الذهب وطيوبا كثيرة وحجارة كريمة. وأنه أعطاها كل بغيتها التي سألتها فوق ما أعطاها من العطايا وانصرفت إلى أرضها.
وليس في هذا السفر ولا غيره من الأسفار ما جاء في الآيات من قصة الهدهد وتعلم سليمان منطق الطير وحشد جنوده من الجن والإنس والطير ووادي النمل وكلام النملة وكتاب سليمان لملكة سبأ ومحاورتها مع ملأها. ومسألة الإتيان بعرشها والصرح الذي حسبته لجة وهو من القوارير. ولكنا نعتقد أنها كانت متداولة بين اليهود وواردة في قراطيس وأسفار أخرى. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة مروية عن علماء الأخبار ومسلمة اليهود في الصدر الأول في نطاق كل ذلك مما فيه دلالة على أن ما اقتضت حكمة التنزيل منه مما كان متداولا في بيئة النبي ﷺ وليس له مصدر إلا اليهود.
ولما كان هدف القصة وما فيها هو الموعظة والعبرة كما قلنا فإننا لم نر طائلا في إيراد البيانات التي أوردها المفسرون والتي فيها كثير من الإغراب ولا في شرح محتويات الآيات موضوعيا والتوسع في التخمين والتأويل كما فعل المفسرون. ونرى الأولى الوقوف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاؤه لتحقيق ذلك الهدف.
стр. 1411
هدف الحلقة ومواضع العبرة فيها
إن ما قلناه في سياق قصتي داود وسليمان ﵉ في سورة ص اللتين جاءتا عقب ذكر تمرد الأقوام الأولى ومواقف كفار العرب من الرسالة النبوية من كون الهدف الرئيسي للقصتين هو التنويه بما كان من إخلاص داود وسليمان لله تعالى مع ما وصل إليه ملكهما من عظمة وقوة بسبيل تسلية النبي ﷺ يقال هنا بتمامه. فإذا كان فرعون استكبر وظلم وجحد بآيات الله فإن داود وسليمان ﵉ صاحبي الملك العظيم المسخر لهما قوى الكون الهائلة لم يغتروا بذلك وظلوا منيبين لله معترفين بفضله. يلتمسون منه أن يدخلهم في عباده الصالحين.
ويلحظ أن ذكر داود وسليمان وملكهما وعظمته قد جاء هنا عقب ذكر فرعون وتمرده مما فيه تساوق أسلوبي ونظمي مع سياق قصتهما في سورة (ص) مما فيه تدعيم لما نبهنا عليه من الهدف الرئيسي الذي استهدف هنا كما استهدف في تلك السورة. وبالإضافة إلى ذلك فإن من مواضع العبرة في الحلقة الحوار الذي حكته الآيات بين ملكة سبأ ورجال دولتها حيث احتوى حكما جليلة في صدد سياسة الملك. فالملكة تعلن أنها ما كانت مستبدة ولا ظالمة ولا قاطعة أمرا إلا بعد مشاورة أولي الرأي في مملكتها. وواضح أن كلمة (الملوك) التي وردت في كلامها تعني الملوك الأجانب حيث تقرر أنهم إذا غزوا بلادا ما واحتلوها انصرف همّهم إلى إفساد تلك البلاد وجعل أعزة أهلها أذلة. وإن من الواجب وقاية البلاد من أخطارهم بأي وسيلة. مما فيه حكمة اجتماعية رائعة خالدة. وأسلوب الحوار وإن كان قصصيا ففيه ما يلهم قصد التنويه بما حكاه عن لسان الملكة والدعوة إلى التأسي به وجعله خطة يسار عليها وهي خطة حكيمة سليمة حقا.
ومن ذلك إسلام ملكة سبأ لله بعد أن سمعت من سليمان ﵇ ما سمعت من حكمة وعظة، حيث ينطوي في هذا تقرير بأنه إذا كان الكفار لا يستجيبون إلى دعوة الله فهناك من عظماء الملوك من كان كافرا فاستجاب إلى هذه الدعوة وأسلم نفسه لله تعالى مع نبيه.
стр. 1412
تعريف بسبأ
وفحوى الآيات يفيد أن المقصود من سبأ اسم بلد أو قوم. وقد ذكر هذا الاسم في آية في سورة سميت به يفيد نفس الشيء وهي الآية [١٥] من سورة سبأ وهي لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) . ولقد ذكر اسم سبأ في الإصحاح العاشر والإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين بصفته أحد أبناء يقطان بن عاجز من نسل سام بن نوح. والروايات العربية تذكر سبأ رئيسا لعرب اليمن فهو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهو أبو حمير وكهلان، وإلى حمير وكهلان تنتسب جميع القبائل القحطانية. وإلى هذا فقد ذكر اسم سبأ في نقوش يمنية قديمة كاسم قوم ومملكة قامت في القرن العاشر قبل الميلاد وعظم أمرها وعم سلطانها بلاد اليمن وبنت السدود والقصور والمعابد واستخرجت الذهب من المناجم وعظمت تجارتها وزراعتها وازدهرت. واشتهر من سدودها سد مأرب العظيم الذي كان من أعظم الأعمال الهندسية الإروائية في العصور القديمة والذي لا تزال آثاره قائمة تشهد على عظمته والذي كان من أسباب ازدهار الزراعة فيها مما أشير إليه في آية سبأ المذكورة آنفا. وقد استمر حكمها واسمها إلى ما بعد الميلاد المسيحي ثم أخذ يطرأ عليها الوهن وخرب سدها وطغى على ما جاوره ودمره وقد سمي هذا بسيل العرم الذي ذكر في سورة سبأ بعد الآية المذكورة فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) .
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٥ الى ٥٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)
стр. 1413
(١) تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة: تستعجلون عذاب الله تعالى دون رحمته وفضله.
(٢) لولا: بمعنى هلا.
(٣) اطّيرنا: تشاء منا.
(٤) طائركم: شؤمكم.
(٥) تفتنون: تختبرون بطاعة الله ومعصيته.
(٦) تسعة رهط: الرهط بمعنى الجماعة. والمتبادر أن الجملة تعني رهطا مؤلفا من تسعة أشخاص.
(٧) تقاسموا بالله: احلفوا الأيمان.
(٨) لنبيتنه: لنباغتنه ليلا.
(٩) لوليّه: لأهل عصبيته.
تعليق على قصتي صالح ولوط ﵉ مع قومهما
احتوت هذه الآيات حلقتين أخريين هما بقية الحلقات في السلسلة القصصية وفيهما قصتا صالح ولوط ﵉ مع قومهما. ومحتوياتها مطابقة مع ما جاء
стр. 1414
من ذلك في سور الشعراء والأعراف والقمر وغيرها. وعبارتها واضحة. وقصد وعظ الكفار وإنذارهم وضرب المثل لهم بأفعالهم وتثبيت النبي ﷺ والمسلمين وتطمينهم بنصر الله وخذلان الكفار واضح في آيات الحلقتين. وهو ما استهدفته كما هو المتبادر.
وفي آيات قصة صالح ﵇ شيء جديد وهو المؤامرة التي دبرها الرهط المفسدون لقتل صالح ﵇ ونتيجتها. وقد انطوى في ذلك كما هو المتبادر قصد تثبيت النبي ﷺ والمسلمين الذين كانوا يتعرضون لأذى الكفار ومؤامراتهم، وتطمينهم بنصر الله وإنذار الكفار بعاقبة مثل عاقبة ثمود.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)(١) يعدلون: يساوون بين الله وشركائهم أو يجعلون له ندّا وعديلا.
جاء هذا الفضل معقبا على سلسلة القصص جريا على الأسلوب القرآني الذي نبهنا إليه غير مرة فهو متصل بالسياق والحال هذه. وعبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر.
стр. 1415
وقد أمر النبي ﷺ فيها بتقرير الحمد لله والسلام على الذين اصطفاهم من عباده، ثم بتوجيه أسئلة للكفار فيها تقريع وتحدّ واستنكار لكفرهم وجحودهم وشركهم مع ما يقوم من الدلائل الباهرة على وجود الله وشمول قدرته ووحدانيته ومطلق تصرفه ووافر نعمه في الأرض والسماء والمطر والنبات والشجر والليل والنهار والجبال والبحار والأنهار والرياح والنجوم، وتيسير الرزق للناس وكشف الضرّ عنهم، واستخلافهم في الأرض إلخ. وأسلوب الأسئلة استنكاري انطوى فيه كما هو المتبادر تقرير نفي أي احتمال بأن يكون مع الله إله آخر. والفقرة الأخيرة بخاصة انطوت على تحدي الكفار وتبكيتهم من جهة، وعلى تقرير نفي قدرتهم على إقامة البرهان على صواب شركهم من جهة أخرى.
تعليق على الآيات التي جاءت بعد سلسلة القصص وتنويه بما فيها من روعة
والمتبادر أن المشار إليهم في الآية الأولى- أي عباد الله الذين اصطفاهم- الأنبياء السابقون والذين آمنوا بهم تقفية على ذكر قصص بعضهم في الآيات التي قبلها وإنّ أمر النبي ﷺ في الآية الأولى بتقرير الحمد لله، إنما هو بسسبب جعله هو والذين آمنوا به في زمرة الذين اصطفاهم الله، وينطوي في هذا تطمين وتبشير للنبي ﷺ والمؤمنين من جهة، ودعم لما قلناه من أن الفصل قد جاء معقبا على السلسلة وأن هدفها الجوهري هو الموعظة والعبرة وضرب المثل، وهكذا ترتبط آيات السورة منذ بدئها في سياق منسجم.
وأسلوب الآيات التقريعي يلهم أن سامعي القرآن من الكفار يعترفون بأن الله هو ربّ الأرباب وخالق الكون ومدبره ورازق الناس وملجأهم الأعظم. قد حكت آيات عديدة ذلك عنهم أوردناها في مناسبات سابقة، وبذلك تستحكم الحجة والتقريع والتنديد بهم كما هو المتبادر، والفصل من روائع الفصول القرآنية الشاملة في التنبيه على مشاهد عظمة الله تعالى وقدرته ووحدانيته بسبيل التدليل على أنه هو وحده المستحق للعبادة والاتجاه والدعاء. ويبدو من خلاله صورة رائعة للنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1416
وهو يهتف بالكفار بهذه الهتافات والأسئلة، أو بالأصح الصرخات القوية النافذة إلى الأعماق في التقريع والاستنكار والإفحام والتسفيه على إشراك غير الله مع الله وعدم التدبر في آيات الله الماثلة في كونه والتي لا يماري فيها إلّا مكابر سفيه، ثم وهو مستغرق في الدعوة إلى الله وحده معلنا الحرب على الشرك في أي مظهر من مظاهره وأي معنى من معانيه ظاهرا وباطنا، قريبا وبعيدا، وسيلة وأصلا.
وبمناسبة أمر الله تعالى بحمده الوارد في الآية الأولى نقول إن هذا الأمر تكرر في القرآن والمتبادر أنه بسبيل تعلم النبي والمؤمنين حمدهم الله على نعمه المتنوعة التي لا تحصى عليهم وتذكيرهم بذلك. ولقد أثرت في ذلك أحاديث عديدة عن النبي ﷺ منها ما ورد في كتب الصحاح وهذا واحد منها رواه الترمذي عن النبي ﷺ قال «أفضل الذّكر لا إله إلا الله وأفضل الدّعاء الحمد لله» «١» .
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٥]
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)(١) . بل ادّارك علمهم في الآخرة: تدارك بمعنى تلاحق. وتداولت الجملة
стр. 1417
بتأويلات عديدة منها أنها بمعنى اجتمع علمهم عن الآخرة وتلاحقت الأخبار عندهم بأنها لن تكون. ومنها أنها بمعنى عجز علمهم عن فهم حكمة الآخرة.
ومنها أن علمهم ويقينهم بالآخرة جاء متداركا بعد فوات الوقت فلم ينفعهم ذلك.
وقد رجحنا المعنى الثاني. والله أعلم.
(٢) عمون: جمع عم. والكلمة وصف للكفار بعدم الإدراك والإبصار.
والكلمة أشد من العمى.
(٣) ردف: معنى ردفه جاء وراءه ودهمه. والكلمة في مقامها تعني أن ما يستعجلونه يمكن أن يكون وشيك المداهمة لهم.
(٤) تكنّ: تخفي.
(٥) كتاب مبين: الجملة كفاية عن علم الله تعالى وإحاطته بكل ما كان ويكون.
الآيات استمرار للسياق ومتصلة بما سبقها كما هو المتبادر، وبدؤها بأمر «قل» الذي بدأ به الفصل السابق قرينة على ذلك. وفي الوقت نفسه فإن فيها عودا على ما احتواه مطلع السورة من ذكر جحود الجاحدين بالآخرة وخسرانهم مما يجعل الترابط قائما بين فصولها.
وفي الآية الأولى أمر للنبي ﷺ بأن يقرر ويقول إنه ليس من أحد في السموات والأرض غير الله يعلم الغيب، وأنه ليس من أحد يعلم وقت البعث والنشور، وفي الثانية توكيد بعدم إدراكهم لأمر الآخرة وحكمتها وشكهم فيها بسبب ذلك، وأنهم في عماية تامة عنها، والآيتان الثالثة والرابعة حكت تساؤل الكفار على سبيل الإنكار عن إمكان البعث بعد أن يصبحوا هم وآباؤهم من قبل ترابا، وقولهم إن الوعد بالآخرة ليس جديدا وإن آباءهم أوعدوا به من قبلهم، وقد احتوت الآية الخامسة أمرا بالرد عليهم على طريقة الأسلوب الحكيم فما عليهم إلّا أن يطوفوا في الأرض ليروا عاقبة المكذبين المجرمين وآثار نكال الله تعالى فيهم، واحتوت الآية السادسة تسلية للنبي ﷺ : فليس عليه أن يحزن ويضيق صدره مما يمكرونه ويكيدونه للدعوة ويقفونه منها من مواقف التكذيب. وعادت الآية
стр. 1418
السابعة إلى حكاية تساؤلهم عن موعد تحقيق ما يوعدون بأسلوب الإنكار والتحدي، فردت عليهم الآية الثامنة آمرة النبي ﷺ بإنذارهم باحتمال قرب ما يستعجلون من عذاب الله، ثم استطردت الآيات التي جاءت بعدها إلى تقريرات مباشرة: فالله سبحانه ذو فضل على خلقه ولكن أكثرهم لا يشكرونه على ذلك به، والله سبحانه عليم بما يسّره الناس ويعلنونه من أفكار وأعمال وليس من شيء مهما دقّ وخفي في السموات والأرض إلّا قد أحاط علم الله به إحاطة تامة. والمتبادر أن في الآيات الثلاث التقريرية الأخيرة إنذارا وتبكيتا، والآية الأولى منها بخاصة تتضمن تقرير كون الله تعالى إذا لم يعجل للكفار بالعذاب الذي يستعجلونه فإنما ذلك فضل منه يستحق الشكر لأن فيه فرصة لهم.
والآيات كما هو واضح تحتوي صورة من صور الجدل والحجاج والعناد والاستهتار التي كانت تبدو من الكفار، وبخاصة في صدد البعث الذي كان كما قلنا من أهم مواضع الجدل وأشد عقبات الدعوة، والراجح أنه كان يحدث بين النبي ﷺ وبعض الكفار مجادلات وجاهية في هذا الصدد، فتنزل الآيات للتدعيم والتثبيت والردّ والتسفيه والتطمين حسب مقتضيات الموقف.
والأسئلة المحكية عن الكفار قد تكررت حكايتها كثيرا مما مرّت أمثلة عديدة منها، وهذا يدل على تكرر مواقف الجدل والحجاج بين النبي ﷺ والكفار في نفس الصدد في المناسبات التي كانت تتكرر أو تتجدد مما هو متصل بطبيعة مهمة النبي ﷺ واتصالاته المتوالية بمختلف الفئات.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٦ الى ٧٨]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)
تقرر الآيات أن القرآن يحتوي أكثر الحقائق التي يختلف بنو إسرائيل فيها ويحارون في أمرها، وأن القرآن هو هدى ورحمة للمؤمنين، وأن الله تعالى سوف
стр. 1419
يقضي بينهم بحكمه الذي سوف يكون فصلا حاسما، لأنه هو العليم بحقائق الأمور، ذو العزة الذي لا يعجزه شيء.
تعليق على آية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)
وتبدو الآيات كأنها منفصلة عن السياق، ولم نر المفسرين يذكرون شيئا في صدد ذلك، وكل ما قالوه أن الآيات تشير إلى ما كان من خلاف حول عيسى ﵇ وغيره من الشؤون الدينية، والذي تبادر لنا أن يكون بعض كفار العرب سألوا أحد اليهود في مكة عن أمر الآخرة فأجاب جوابا مبهما أو باعثا على الشك، لأنه لا يوجد في الأسفار نصوص صريحة عن الآخرة وحسابها وعقابها وثوابها كما جاء في القرآن، فأخذ الكفار يعلنون ذلك ويستندون إليه في مواقف الجدل والحجاج والإنكار في صدد الآخرة، وظنوا أنهم استحكموا النبي ﷺ بالحجة، لأنه يقول لهم بلسان القرآن إنه مصدق لما قبله من الكتب فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات بالرد عليهم، والإشارة إلى أن بني إسرائيل قد حاروا في فهم كثير من الحقائق والإشارات واختلفوا، وأن أمر الآخرة في جملة ذلك، وأن القرآن يحتوي الحقائق الصحيحة في كل أمر وفي المسائل التي حاروا فيها واختلفوا. وإذا صحّ هذا بدت الصلة والمناسبة قائمتين بين هذه الآيات والآيات السابقة. ونرجو أن يكون ذلك هو الصحيح لأن ورود الآيات هنا بدون هذا التعليل يبدو مشكلا من وجهة النظم القرآني واتساق السياق.
وعلى كل حال فالآية خطيرة المغزى في حدّ ذاتها بتقريرها أن القرآن يحتوي الحقائق والحلول الصحيحة لمختلف الشؤون التي كان يختلف عليها بنو إسرائيل.
وهناك آيات عديدة أخرى مكية ومدنية فيها إشارة إلى اختلافات النصارى أيضا بالإضافة إلى بني إسرائيل مثل آيات سورة السجدة [٢٣- ٢٥] وفصلت [٤٥] والجاثية [١٦- ١٧] المكية وآيات المائدة [١٣- ١٩- ٤٨] المدنية.
ولقد كتبنا في سياق تفسير آيات [٣٤- ٣٧] من سورة مريم تعليقا على ما
стр. 1420
سجله القرآن مكررا من اختلاف أهل الكتاب. وعلة ذلك وواقعه. ونبهنا في التعليق على ما في التسجيل القرآني من حكمة ومقاصد فنكتفي بالإشارة إلى ذلك في مناسبة الآية التي نحن في صددها.
هذا والآية [٧٧] تكرار للآية الثالثة من السورة بفرق كلمة رحمة هنا مقابل بشرى هناك، وتكرارها في المناسبة التي جاءت بها ينطوي على مقارنة تنويهية بين الذين آمنوا برسالة النبي ﷺ وآمنوا بكل ما جاء به القرآن واهتدوا، ومن جملة ذلك الآخرة، فكان لهم رحمة، وبين بني إسرائيل المختلفين فيما بينهم في كثير من نصوص كتبهم الدينية وبين الكفار الذين جحدوا رسالة النبي والقرآن وكذبوا بالآخرة.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٩ الى ٨١]
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)(١) مسلمون: هنا بمعنى منقادون مطيعون لله سبحانه.
في الآيات تثبيت للنبي ﷺ وتسلية، حيث تأمره بجعل اعتماده على الله تعالى، وتطمئنه بأنه على الحق الواضح، وتسلية مقررة أنه ليس من شأنه ولا في إمكانه إسماع الموتى والصمّ وهداية العمي ورجعهم عن ضلالتهم، وأن كل مهمته وما في إمكانه أن يسمع الراغبين في الحق والهدى. فهم الذين يؤمنون بآيات الله وأسلموا أنفسهم إليه واستعدوا لتصديق كل ما يأتيهم من الله تعالى.
والمتبادر أن الآيات جاءت معقبة على الفصول التي سبقتها بعد انتهاء سلسلة القصص والتي حكى فيها حجاج الكفار وعنادهم، فهي من هذه الناحية استمرار للسياق ومتصلة به، وفيها قرينة على أن الآيات التي قبلها مباشرة متصلة بالسياق ومواقف الكفار الجدلية أيضا.
стр. 1421
وقد تكرر مثل هذه التسلية والتطمين في مناسبات مماثلة كثيرة مرّت أمثلة عديدة منها.
وكلمات الموتى والصمّ والعمي في الآيات استعيرت لوصف الكفار على ما هو المتبادر بسبب ما يبدو منهم من مكابرة وتصامم وتعام عن الحق والهدى، والتشبيه قوي لاذع.
هذا، والآيات وإن كانت نزلت في صدد مواقف الحجاج مع الكفار وظروف السيرة النبوية فإن فيها تلقينا مستمرّا في ما احتوته من تثبيت من يكون على الحق الواضح، ودعوته إلى عدم المبالاة بالمشاكسة والمعاندة والمكابرة التي تبدو من سيئي النية وخبثاء الطوية وإلى عدم الجهد والاهتمام بهذه الطبقة حينما تبدو على حقيقتها لأنها تكون قد غلّبت الهوى على الحق والحقيقة، ثم فيما احتوته من إشارة وثناء على من يستجيب إلى الحق ويسلم به وينضوي إليه ومن تقريع واستنكار لمن يقف منه موقف المكابرة والعناد.
ونقول في صدد الوصف الذي وصف به الكفار هنا ما قلناه وفي سياق الآية العاشرة من سورة يس وغيرها من أنه تسجيل لواقع أمرهم حين نزول الآيات بدليل أن كثيرا منهم سمع وآمن واهتدى في حياة النبي ﷺ .
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٢ الى ٨٦]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
في الآية الأولى تقرير بأن الله تعالى إذا ما استحق المخاطبون غضبه وعذابه أخرج لهم دابة من الأرض تخاطبهم وتبكتهم بسبب عدم إيمانهم بتحقيق ما وعد الله.
стр. 1422
وفي الثانية والثالثة والرابعة حكاية ما سوف يكون من أمر الكفار والمكذبين حينما تقوم الساعة حيث يأمر الله تعالى بحشر المكذبين بآياته من كل أمة وسوقهم إليه فيسألهم سؤال التأنيب والتقريع عن تكذيبهم بآياته بدون علم وعما كانوا يفعلونه في دنياهم، وحينئذ يبهتون لأن الحجة قد قامت عليهم بظلمهم وبغيهم ولا يجدون ما يدفعون به عن أنفسهم.
أما الآية الخامسة ففيها لفت نظر الكفار إلى مشهد من مشاهد قدرة الله ونواميسه في كونه، فهو الذي دبر أمر الليل والنهار ليكون الأول للناس سكنا وراحة والآخر مضيئا يقضون فيه حاجاتهم وشؤون معايشهم، وقد انتهت الآية بتقرير كون ذلك دليلا كافيا لمن حسنت نيته واستجاب إلى الدعوة وآمن بالله وآياته على قدرة الله على كل شيء ومن الجملة على البعث، والآيات غير منفصلة عن السياق حيث استؤنف فيها حكاية مواقف الجاحدين بالآخرة ومصائرهم.
ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن الآية الخامسة لم ترد أن تقول إن دليل الليل والنهار هو الوحيد على قدرة الله. وإنما ذلك أسلوب من أساليب النظم القرآني وقد مرّ منه أمثلة كثيرة.
تعليق على الدابة المذكورة في الآية [٨٢]
في كتب التفسير «١» والحديث أحاديث عديدة معزوة إلى النبي ﷺ في صدد الدابة وأوصافها وظروف خروجها وهول أثرها. ومن هذه الأحاديث ما ورد في كتب الأحاديث الخمسة الأولى «٢» ومنها ما لم يرد. ومما ذكر في الأحاديث أن اسم الدابة هو الجسّاسة. وأنها تخرج من منطقة الحرم المكي وأنها ذات شعر ووبر كثيفين وأنها سريعة الجري وأنها تخرج في آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة وحينما يترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتبكت الناس وتدمغ
стр. 1423
جباههم فيعرف بذلك المؤمن منهم من الكافر. وأن تميما الداري أخبر النبي ﷺ أنه رآها في جزيرة وأخبرته أن المسيح مقيد بسلاسل من الحديد في دير الجزيرة ينتظر الإذن بالخروج. وعلى كل حال ففي القرآن صراحة بخروج دابة من الأرض بأمر الله إذا ما حق القول على الكافرين بعدم إيقانهم بآياته لتكلمهم أو تبكتهم.
ومثل هذه الصراحة موجودة بصورة ما في الأحاديث الصحيحة. والإيمان بذلك واجب على المسلم مثل الإيمان بالأمور المغيبة والخارقة التي أخبر بها القرآن أو ثبت خبرها في أحاديث صحيحة. وإن لم يدرك العقل كنهها مع القول إن ذكر ذلك لا بد له من حكمة ويلمح في الآيات والأحاديث ما يسوغ القول إن إنذار الكفار وتخويفهم من هذه الحكمة لعلهم يرعوون ويرتدعون.
على أن في الأحاديث ونظم الآية ما يسوّغ إيراد بعض الملاحظات.
فالأحاديث الصحيحة لا تربط بين الآية وبين خروج الدابة. وتدور في نطاق خروج الدابة في آخر الزمن كعلامة من علامات الساعة. والأحاديث التي تربط بينهما ليست من الصحاح. والضمير في جملة وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ عائد كما هو المتبادر إلى الكفار السامعين للقرآن الذين وصفوا قبل الآية [٨٢] بالموتى والصمّ والعمي. وهذا يقتضي أن يكون الضمير في (تكلمهم) راجع إليهم أيضا. وكثير منهم بل أكثرهم أسلموا والذين ظلوا على كفرهم هلكوا وسيمضي على هلاكهم إلى قيام الساعة دهر لا تحصى أعوامه. ولم تذكر الأحاديث أن الله تعالى سوف يحيي الجاحدين من السابق للقرآن موضوع الخطاب لتكلمهم الدابة. حيث يبدو من هذا أن الوعيد الموجه إليهم لا يتحقق بالنسبة لأشخاصهم. وهذا يسوّغ القول إن دابة آخر الزمن التي ذكرت في الأحاديث الصحيحة غير الدابة التي ورد الوعيد بها في الآية القرآنية. وإن الربط بينهما هو من الرواة. وإن الوعيد القرآني قد قصد به بالإضافة إلى ما تضمنه الخبر الإيماني إثارة الرعب في نفوس السامعين وإيذانهم بأنهم إذا استمروا على جحودهم فيكونون من صنف الحيوانات التي لا يصح أن يكلمها إلّا دابة مثلها ما دام لم ينفعهم إنذار الله المبلغ بواسطة رسوله. ولقد وصف الكافرون المصرون على الجحود في آيات أخرى بوصف الْأَنْعامِ
стр. 1424
وشَرَّ الدَّوَابِّ كما جاء في آيات سورة الأعراف [١٨٩] والأنفال [٣٢- ٣٣] والفرقان [٤٤] مما قد يصح الاستئناس به على ذلك، والله أعلم.
أما الدابة التي تخرج في آخر الزمن فما دام أن خبرها وارد في أحاديث صحيحة، فيجب كما قلنا الإيمان بخبرها مثل سائر الأمور المغيبة والخارقة التي ثبت خبرها في القرآن وأحاديث نبوية صحيحة مع ترك تأويلها لله تعالى إذا أعيا العقل تأويلها ومع استشفاف الحكمة في ذكرها والتي يتبادر أن منها إثارة الرعب في نفوس الكفار وجاحدي اليوم الآخر. ولا نستبعد إلى هذا أن يكون ظهور مثل هذه الدابة بين يدي الساعة مما كان يتحدث به في بيئة النبي ﷺ . ومما كان يرويه أهل الكتاب، والحديث الذي يروى أن تميما الداري أخبر النبي بها من الصحاح، وقد يكون في ذلك دعم لهذا، والله تعالى أعلم.
تعليق على مدى الآية وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا والآيات الثلاث التالية لها
قال بعض المفسرين إن الحشر هو للجميع وإن الآية الأولى تعني جميعهم فوجا بعد فوج. وقال بعضهم إنها تعني الرؤساء والمتبوعين لأنهم الأشد استحقاقا لغضب الله. ويتبادر لنا أن القول الثاني هو الأوجه والمتسق مع نظم الآية. فهذه الطبقة هي التي كانت تقود المعارضة وتصد الناس فاستهدفت الآية فيما استهدفته إنذارهم بصورة خاصة، والله أعلم.
ومع أن كل مفسري السنة مجمعون على أن الحشر هو حشر يوم القيامة فإن مفسري الشيعة يستدلون بالآيات على عقيدة الرجعة التي يدينون بها والتي هي من أهمّ عقائدهم حتى إن بعضهم يكفّرون من لا يؤمن بها والتي يصفون بها رجعة علي أو أئمتهم وأوليائهم مع أعدائهم وهاضمي حقوقهم حيث يحيي الله قوما من أوليائهم وقوما من أعدائهم قبل انقضاء الدنيا لينتقم الأولون من الآخرين وبقطع
стр. 1425
النظر عن عقيدتهم العجيبة فإن في الاستدلال عليها بالآيات التي نحن في صددها تعسفا ظاهرا وتكلفا حزبيا صارخا. سواء من ناحية سياقها أم من ناحية فحواها.
وفي تفسير الطبرسي وهو من أكثرهم اعتدالا كلام طويل عجيب في تفصيل وإثبات ذلك ومما قاله أنه مما تظاهرت أخباره عن أئمة الهدى من آل محمد وإجماعهم حجة. ونحن نريد أن ننزه أي واحد منهم فضلا عن جميعهم من أن يكون قد استنبط ذلك من هذه الآيات.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٧ الى ٩٠]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)(١) الصور: آلة تشبه القرن ينفخ فيها لتكبير الصوت. وهي البوق أيضا.
(٢) داخرين: ذليلين أو صاغرين.
(٣) كبّت وجوههم: طرحوا منكسين على وجوههم.
في الآيات صور للاخرة وهو لها ومصائر الناس فيها، وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح. وعبارتها واضحة. ويلحظ أن الجبال هنا تمر مسرعة كقطع السحاب بينما يظنها الراؤون جامدة في حين أن آيات أخرى ذكرت أنها تتفتت وتكون هباء وأنها تدرك دكا وتنسف نسفا وتكون كالعهن المنفوش. ومع ذلك فمن الممكن أن لا تكون هذه الصور متعارضة تطبيقيا. وعلى كل حال فبالإضافة إلى وجوب الإيمان بما يرد في القرآن من صور عن الآخرة فإن العبارة هنا كما هي في الأماكن الأخرى هي بسبيل وصف هول يوم القيامة وأنها استهدفت فيما استهدفته التشديد في الإنذار والترهيب.
стр. 1426
ولقد أورد المفسرون أحاديث في صدد المستثنى من الفزع في جملة إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يفيد بعضها أنهم كبار الملائكة ويفيد بعضها أنهم الشهداء. ويفيد بعضها أن الفزع هو كفاية عن الموت. والأحاديث لم ترد في كتب الصحاح، وتأويل الفزع بالموت غريب. وفي الآية [٨٩] ما يفيد بصراحة بأن الاستثناء هو ل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فلا يبقى محل لتأويل آخر. والمتبادر أن الاستثناء استهدف فيما استهدفه بالإضافة إلى الحقيقة الإيمانية بثّ الطمأنينة في قلوب المؤمنين المحسنين وتثبيتهم والحضّ على الإيمان والعمل الصالح. والصورة التي جاءت للكافرين مقابل ذلك قوية رهيبة حيث تكبّ وجوههم في النار، ويسألون سؤالا تقريعيّا عما إذا كانوا ينالون غير جزائهم الحق على أعمالهم الأثيمة. والمتبادر أن مما استهدف بذلك إثارة الرعب والفزع في قلوب هؤلاء وأمثالهم ليرتدعوا.
وفي الآيتين الأخيرتين توكيد للتقريرات القرآنية بأن الناس يكتسبون أعمالهم باختيارهم وأنهم يجزون عليها إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ حقّا وعدلا وأن القرآن يستهدف بذلك فيما يستهدف الحثّ على الأعمال الصالحة والتحذير من الأعمال السيئة.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٩١ الى ٩٣]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)(١) البلدة الذي حرّمها: كناية عن مكة وتحريمها هو جعلها حرّما آمنا يأمن الناس فيها على دمائهم ويحرّم فيها القتال وسفك الدم والظلم على ما عليه جمهور المفسرين.
стр. 1427
الآيات جاءت خاتمة للسورة. وعليها طابع الختام الذي يطبع كثيرا من السور. وأسلوبها يدل على أنها جاءت لإنهاء المواقف الحجاجية التي كانت بين النبي ﷺ والكفار في ظروف نزول السورة. وهي على الأرجح المواقف التي انطوت في الفصول السابقة وبخاصة منذ انتهاء السلسلة القصصية. وهي والحال هذه غير منفصلة عن السياق ومعقبة عليه.
وبدء الآية الأولى يوهم أن الكلام هو كلام النبي ﷺ . ولكن ورود أمر وَقُلِ في الآيتين التاليتين يزيل الوهم ويفيد أنه أيضا مما أمر النبي ﷺ بقوله.
وهذا ما يقرره جمهور المفسرين أيضا.
وقد أمر النبي ﷺ في الآيات بأن يعلن بأنه قد أمر بأن يعبد الله ربّ مكة المحرمة الذي هو ربّ كل شيء وأن يسلم نفسه له، وأن يتلوا القرآن على الناس، وأن يقول لهم إنما هو منذر ينذرهم ويبشرهم ويبين لهم طريق الحق والخير ويحذرهم من الكفر والباطل والفواحش، فمن اهتدى فيكون قد اختار لنفسه الخير ومن ضلّ فيكون قد اختار لنفسه الشرّ عن بيّنة وأن يقرر بعد هذا الحمد لله والثناء عليه وأن ينذر الكفار بأنهم سيرون آيات الله ووعيده الموعود رأي العين واليقين بعد أن سمعوها ولم يؤمنوا بها، وبأن الله ليس بغافل عما يعملون وإن بدا أنه يمهلهم ولا يستعجل عليهم.
والآيتان الأولى والثانية احتوتا ما جاء في آيات عديدة أخرى من شرح مهمة النبي وهي التبشير والدعوة والإرشاد والموعظة وبيان طرق الخير والحق والشر والباطل، ثم من تقرير قابلية الناس التي أودعها الله فيهم للاختيار والتمييز وتحميلهم تبعة اختيارهم.
ولعل الآية الثانية قد انطوت على تسلية النبي ﷺ والتخفيف عنه مما يعتلج في نفسه من الحسرة والحزن من مواقف العناد والتكذيب التي يقفها قومه منه. وقد تكرر هذا في مطاوي آيات السورة السابقة وتكرر كثيرا في مطاوي السور السابقة.
والإنذار الذي ينطوي في الآية الأخيرة يحتمل أن يكون دنيويّا ويحتمل أن
стр. 1428
يكون أخرويّا ويحتمل أن يكون دنيويّا وأخرويّا معا، وهي على كل حال قوية حاسمة سواء أفي بثّ الثقة في نفس النبي ﷺ والمسلمين أم في إنذار الكفار بأن وعد الله سيتحقق.
تعليق على جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها
ولقد شرحنا في سياق تفسير سورة قريش مدى ما كان من منح الله لأهل مكة الأمن من الخوف بسبب وجود البيت في مدينتهم. فلسنا نرى ضرورة إلى الإعادة.
وإن كان من شيء نزيده هنا بمناسبة جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها في الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها هو أن الجملة تقرر كون مكة نفسها كانت محرمة.
وليست منطقة الكعبة أو البيت فقط. وهو ما كان جاريا قبل الإسلام على ما شرحناه في سياق سورة قريش أيضا.
стр. 1429
سورة القصص
في السورة تفصيل عن نشأة موسى ﵇ ورسالته إلى فرعون، تخلّله مواعظ وعبر، وفيها إشارة إلى قارون بسبيل ضرب المثل، وفيها صور عن مواقف الكفار والكتابيين من الدعوة وتنديد بالأولين وتحدّ لهم وتنويه بالآخرين الذين أعلنوا إيمانهم بالنبي ﷺ والقرآن، وفيها صور عن حجاج الكفار ومخاوفهم من عواقب الدعوة وتسلية للنبي ﷺ وتثبيت وتطمين وخطة حازمة له إزاء الكفار والمشركين ومبادئ عامة في واجبات الإنسان والإهابة به إلى عدم الاستغراق في الدنيا ومواعظ وتلقينات اجتماعية وأخلاقية.
وفصول السورة مترابطة بحيث يسوّغ القول إنها نزلت متلاحقة حتى تمّت.
وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [٥٢- ٥٥] مدنية، وأن الآية [٨٥] نزلت في طريق هجرة النبي ﷺ إلى المدينة. ومضامين الآيات وانسجامها مع سياقها يسوّغ الشك في صحة الروايات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٢٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
.
стр. 1430
(١) شيعا: هنا بمعنى طوائف وفئات متفاوتة غير متساوية في الحقوق.
(٢) أصبح فؤاد أم موسى فارغا: من تأويلات المفسرين لهذه الجملة:
أصبح فؤادها خاليا من كل همّ إلّا همّ موسى. أو أصبح فؤادها خاليا من كل همّ حينما علمت أن آل فرعون التقطوه وأبقوه حيّا وتبنّوه. ونحن نختار الأول.
(٣) إن كادت لتبدي به: إن كادت لتعلن أنه ابنها من شدة ما اعتراها من الهمّ والخوف عليه، أو الفرح لما علمت ببقائه حيّا، حسب اختلاف تأويل المفسرين، ونحن نختار الأول.
(٤) قصّيه: تتبعي أثره وأخباره.
(٥) فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون: فرأته من مكان قريب دون أن يشعر بها.
(٦) وكزه: طعنه في صدره.
(٧) ظهيرا: مظاهرا وعونا.
(٨) يستصرخه: يستنصره.
(٩) غويّ مبين: ذو غواية أو شرير أو واضح الغواية والشر.
(١٠) يأتمرون بك: يتشاورون في أمرك.
(١١) يترقب: يترصد الأنباء وعواقب ما كان منه.
(١٢) أمة من الناس: جماعة.
стр. 1431
(١٣) تذودان: تمنعان الغنم والإبل التي معهما من الانفلات وتزويانها.
(١٤) ما خطبكما: ما شأنكما.
(١٥) حتى يصدر الرعاء: حتى ينتهي الرعاة من السقي وينصرفون.
(١٦) حجج: جمع حجة بمعنى سنة.
كرر المفسرون ما قالوه في حروف الطاء والسين والميم وذكرناه في تفسير سورة الشعراء. ونحن نرجح كما رجحناه قبل أنها للتنبيه والاسترعاء، وقد أعقبت الحروف إشارة تنويهية إلى آيات الكتاب المبين الواضح الموضح، ثم أعقبتها آية فيها تنبيه إلى أن الله سيتلو على النبي ﷺ شيئا من نبأ موسى وفرعون فيه الحق الذي تستنير به قلوب المؤمنين، ثم جاء بعد ذلك آيات فيها بيان إجمالي لما كانت عليه حالة بني إسرائيل قبل موسى وما كانوا يلقونه من ظلم فرعون، تكاد تكون أسبابا موجبة لرسالة موسى ﵇ وأحداثها: ففرعون قد علا في الأرض وبطر واستشرى بغيه وفساده فيها، وجعل الناس طبقات وطوائف غير متساوية، واستضعف إحداهما- بني إسرائيل على ما يلهمه السياق- فاعتزم قطع نسلها بذبح ذكورها واستبقاء نسائها حذرا من مخاوف داخلته منها، واقتضت إرادة الله وحكمته أن يمنّ على هؤلاء المستضعفين وينجيهم من الظلم ويمكّن لهم ويجعلهم أئمة للناس وورثة أقوياء ظاهرين في الأرض وتتحقق مخاوف فرعون وجنوده منهم.
وقد تلا هذا الإجمال فصلان في قصة موسى وفرعون، أولهما الذي أوردناه آنفا، وقد احتوى نشأة موسى ﵇ طفلا وشابّا، وخروجه من مصر إلى مدين وزواجه فيها، وخروجه منها عائدا إلى مصر. وعبارته واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر، ومحتوياته جديدة لم ترد فيما سبق من السور باستثناء إشارة مقتضبة إلى بعضها في الآيات [٣٨- ٣٩] من سورة طه على سبيل تذكير موسى ﵇ بفضل الله تعالى السابق عليه، وهذه المحتويات متطابقة إجمالا مع ما جاء في الإصحاحات الأول والثاني والثالث من سفر الخروج من أسفار العهد القديم، مع شيء من المباينة مثل كون الرجل الثاني الذي استصرخه عليه ابن شيعته في اليوم
стр. 1432
الثاني عبرانيا ولم يكن مصريا من عدوهم. ومثل عدم ورود ذكر للرجل الذي جاء من أقصى المدينة لينذر موسى ﵇ بتآمر الملأ عليه ليقتلوه ولينصحه بالخروج، ومثل عدد البنات اللاتي سقى لهن موسى، ففي السفر ذكر العدد سبعا، في حين أن الآيات ذكرت اثنتين، ومثل الذي التقط موسى من اليمّ وبحث له عن مرضعة حيث ذكر في السفر أنه بنت فرعون. وليس في السفر كذلك ما حكته الآيات من مفاوضة بين والد البنات وموسى على خدمته ثماني سنين أو عشرا مقابل تزويجه إحدى بناته إلخ، وقد يكون جزئيات أخرى. وكما قلنا في المناسبات السابقة المماثلة نقول هنا إننا نرجح أن ما ورد في القرآن هو الذي كان متداولا معروفا، ومما كان اليهود يروونه على هامش تاريخهم وواردا في قراطيس وأسفار كانت عندهم.
ولقد أورد المفسرون على هامش هذا الفصل بيانات كثيرة لما احتواه معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول منها المتطابق مع الوارد في الأسفار المتداولة ومنها غير المتطابق. ومن جملة تلك اسم الرجل الذي نصح موسى بالخروج وحذره من القتل وهو حزقيل في قول وشمعون في قول وإنه هو نفسه مؤمن آل فرعون المذكور في سورة غافر حيث يدل هذا على أن ما جاء في الفصل مما كان متداولا في بيئة النبي وعصره. والمتبادر أن مصدر ذلك الكتابيون أو اليهود وما كان في أيديهم من قراطيس.
وقد اكتفينا بالوقوف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاؤه. وعدم إيراد ما أورده المفسرون من زوائد لأنه غير متصل بأهداف الحلقة. ومما رواه بعضهم أن والد البنتين هو شعيب نبي الله، وروى بعضهم إلى هذا أنه كاهن مدين واسمه يثرو أو يثرون. وإنه ابن أخي شعيب وإن شعيبا كان قد توفي قبل قدوم موسى إلى مدين. وسفر الخروج يذكر أنه كاهن مدين. وإن اسم يثرو حيث يبدو من هذا أن الرواة تلقوا ذلك من اليهود وأسفارهم ونكتفي بهذا مع العطف على الإيضاحات الأخرى التي أوردناها في سياق التعريف بمدين وأصحاب الأيكة في سور سابقة.
стр. 1433
تعليق على الفصل الأول من قصة موسى وفرعون وما فيها من عبر وتلقين
وبدء السورة مباشرة بقصة موسى وفرعون قد يدل على أن بعض المسلمين أو غير المسلمين وإن كنا نرجح الأول سألوا النبي ﷺ عن نشأة موسى ﵇ بعد ما عرفوا ما كان بينه وبين فرعون وما كان من أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من السور السابقة فاقتضت حكمة التنزيل بإيحاء هذا الفصل وإتباعه بالفصل الثاني الذي فيه قصة رسالة موسى ﵇ إلى فرعون، وقد يسوّغ هذا القول أن ما جاء في هذه السورة من القصة قد قصد به القصة لذاتها، غير أن أسلوبها قد حافظ على الأسلوب القصصي القرآني العام من حيث احتواؤه التذكير والتنبيه والعظة والحكم الأخلاقية والاجتماعية العديدة ومواضع العبرة مما يمكن أن يسوغ القول أيضا إن القصة قد أريد بها الموعظة والمقارنة بين رسالة موسى ﵇ ورسالة محمد ﷺ وظروفهما، وهذا واضح أكثر من الآيات الأخيرة التي أعقبت الفصل الثاني على ما سوف يأتي شرحه بعد.
ومن مواضع العبرة في الآيات التي أوردناها والبيان الإجمالي الذي سبق فصل القصة الأول التنديد بفرعون لجعله الناس طبقات متفاوتة واضطهاده الضعفاء منهم، والبشرى للمستضعفين بعناية الله ونصره وتمكينه، ففي هذا من جهة بشرى للمسلمين الذين استضعفهم الكفار وبخاصة زعماؤهم في مكة وآذوهم وبغوا عليهم وتثبيت لهم، وإنذار للكفار وزعمائهم بعاقبة مثل عاقبة فرعون وجنوده، وفيها بالإضافة إلى ذلك تلقين مستمر المدى بما في التفريق في الحقوق والرعاية بين طوائف الناس واضطهاد الضعفاء منهم من بغي وظلم وخاصة من أصحاب السلطان والجاه وعدم إقرار الله لذلك.
ومن مواضع العبرة في الآيات كذلك:
١- حكاية استشعار موسى ﵇ بالندم والذنب بسبب قتله الشخص مع أنه عدوه. وكان يقاتل شخصا من شيعته. حيث ينطوي في هذا تنبيه عام على
стр. 1434
وجوب الاحتراز من عمل الشر والجريمة مهما كانت الأسباب وعدم مظاهرة أهلهما.
٢- اندفاع موسى إلى مساعدة الامرأتين على السقي لأنه رآهما عاجزتين إزاء قوة الرجال. حيث ينطوي في هذا تلقين عام بمثل ذلك.
٣- جملة إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ التي تنطوي على خير الأوصاف للرجل النافع الصالح وحثّ على التحلي بها.
٤- حكاية ما كان من حسن تساهل وتسامح متبادلين بين موسى ووالد البنتين. حيث ينطوي في ذلك حثّ على وجوب التحلي بذلك وملاحظته في التعامل مع الناس.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٤٦]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)
стр. 1435
(١) جذوة من النار: قطعة من النار.
(٢) شاطىء: جانب.
(٣) جيبك: عبّك.
(٤) اضمم يدك إلى جناحك من الرهب: ضمّ يدك إلى صدرك أو تحت إبطك كما تفعل وقت الخوف والرهبة، وقال المفسرون إن هذا بقصد تعليم كيفية إعادة اليد البيضاء إلى حالتها الأولى، وهذا مذكور في الإصحاح الرابع من سفر الخروج.
(٥) ردءا: معينا وسندا.
(٦) يصدقني: يؤيدني ويشهد بصدقي إذا كذبوني.
(٧) عضدك: ساعدك، وجملة سنشد عضدك بمعنى سنقويك ونؤيدك.
стр. 1436
(٨) نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما: نجعل لكما هيبة وقوة بما نظهره على يدكما من الآيات فيمتنع فرعون وقومه من أذيتكما أو لا يقدرون على أذيتكما.
(٩) أوقد لي: أجج النار واشو الطين لصنع الآجر لبناء الصرح.
(١٠) الصرح: هنا بمعنى البناء المرتفع.
(١١) فنبذناهم: فألقيناهم بشدة أو بازدراء.
(١٢) أئمة: الغالب أن الكلمة جاءت في مقام التهكم.
(١٣) المقبوحين: المذمومين.
(١٤) القرون الأولى: الأقوام السابقة، والآية التي جاءت فيها الجملة تعني أن الله أرسل موسى بالكتاب بعد هلاك الأقوام الأولين ليكون داعيا ونذيرا من جديد.
(١٥) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر: الخطاب لمحمد ﷺ أي ما كنت مع موسى في جانب الجبل الغربي إذ أمرنا موسى بما أمرناه.
(١٦) الشاهدين: الحاضرين.
(١٧) ولكنّا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر: الضمير في «عليهم» راجع إلى أهل عصر النبي ﷺ وبيئته، ومعنى الجملة إنا أنشأنا بعد موسى قرونا كثيرة فبعد ما بين عهده وما بين أهل عصر النبي ﷺ وبيئته.
(١٨) ثاويا: مقيما.
(١٩) ولكنّا كنّا مرسلين: ولكنّا كنّا من قبلك نرسل الرسل.
(٢٠) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك (الخطاب للنبي ﷺ : أي أنك لم تكن بجانب الطور إذ نادينا موسى. وكما نادينا موسى وأرسلناه أرسلناك رحمة منا لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك.
стр. 1437
تعليق على الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون وما فيه من عبر وتلقين
الآيات هي الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون، وقد احتوت خبر مناداة الله تعالى لموسى ﵇ في الطور ورسالته إلى فرعون وتكذيب هذا واستكباره وغرقه عقوبة له. وعبارتها واضحة هي الأخرى.
ومعظم ما جاء في هذا الفصل جاء في السور السابقة وبخاصة في الأعراف والشعراء وطه مع اختلاف في السرد والاقتضاب اقتضته حكمة التنزيل.
ومن الجديد في هذا الفصل مناداة الله تعالى لموسى من ناحية الشجرة، والصرح الذي أمر فرعون وزيره هامان بإنشائه للصعود عليه ليطلع إلى إله موسى .
والأمر الأول وارد في الإصحاح الثالث من سفر الخروج. أما الأمر الثاني فلم يرد في الأسفار المتداولة، ونعتقد أنه كان متداولا بين اليهود وواردا في أسفار وقراطيس كانت في أيديهم. وإن ذلك مما كان متداولا في بيئة النبي ﷺ ومما كان يرويه اليهود لأهل هذه البيئة. ولقد أورد المفسرون بيانات في صدد ذلك معزوة إلى علماء الأخبار في الصدر الأول مما فيه دلالة على ما نقول.
ولقد قال بعضهم إن الصرح المذكور في الآيات هو الهرم. وإن العرب لما رأوه في جاهليتهم حينما كانوا يعملون تجارا إلى مصر تناقلوا خبره مدهوشين.
ومن المحتمل أن يكونوا سألوا اليهود عنه فقال لهم هؤلاء إنه صرح أنشأه فرعون ليصعد عليه إلى السماء.
ولقد طعن بعضهم في ذكر هامان كوزير لفرعون، وقالوا إن هامان إنما كان وزيرا لا حشويريش ملك الفرس في القرآن الرابع قبل الميلاد. وهنا جاء اسم هامان كوزير لهذا الملك في سفر استير من أسفار العهد القديم. والذي نعتقده أن وزارة هامان لفرعون كانت هي المتداولة فذكر القرآن ما هو المتداول في معرض الوعظ
стр. 1438
والتذكير. ولقد كان (آمون) اسما لإله رئيس من آلهة المصريين القدماء، وكان ملوكهم ووزراؤهم ورجال دولتهم وكهانهم يتسمون به أو ينسبون إليه على ما عرف من الآثار القديمة المصرية.
وكان ذلك ممتدا إلى الزمن المخمن أن موسى ﵇ بعث فيه «١» .
فليس من التجوز أن يقال إن هامان معدل أو معرب عنه. ولسنا نرى مانعا من احتمال التجانس بين الاسمين في بلاد الفرس ومصر بطريق الاقتباس والتقليد.
وهو أمر مألوف، بل إن هذا الاحتمال قوي جدا لأن الفرس قد سيطروا على مصر بين القرن الثالث والقرن الخامس قبل الميلاد المسيحي. وكان الملك أحشويريش الفارسي الذي يذكر سفر استير أن هامان وزيره من جملة من حكم باسمه في مصر من ملوك الفرس. وليس ما يمنع أن يكون اسم هامان مقتبسا من إحدى تسميات آمون المتداولة وفي مصر، فيكون وزير احشويريش مأخوذا عن اسم مصر وليس العكس «٢» .
ولعله يقوم إشكال أو وهم إشكال في صدد الآيات [٤٤- ٤٦] فيما يمكن أن ينطوي فيها من احتمال كونها بسبيل تقرير عدم معرفة النبي ﷺ شيئا من تفاصيل وأخبار نشأة موسى ﵇ وهجرته إلى مدين ومناداة الله له في جانب الطور.
والذي يتبادر لنا أنها ليست بسبيل تقرير ذلك وإنما هي كما تلهمه عبارتها بسبيل تقرير كون دعوة النبي ﷺ ليست تقليدا لموسى ﵇ ومقتبسة من حياته التي لم يشهدها مشاهدة عيان، وإنما هي من الله تعالى لينذر قومه الذين لم يكن لهم عهد بالنذر رحمة بهم، وإن شأنه في ذلك شأن المرسلين الذين أرسلهم الله قبله.
стр. 1439
هذا، ومما احتواه الفصل من الموعظة والعبرة ذكر ما كان من عاقبة فرعون وجنوده وإغراقهم بسبب بغيهم وفسادهم وظلمهم، وتوكيد خسرانهم يوم القيامة ولعنهم في الدنيا والآخرة، والتنويه بالكتاب الذي آتاه الله تعالى موسى ﵇ ليكون بصائر للناس وهدى ورحمة بعد أن طال عليهم الأمر وخلت من قبلهم القرون وكون الله تعالى جريا على عادته أرسل محمدا ﷺ بعد أن تتابعت القرون من بعد موسى رحمة بخلقه الذين طال عليهم العمر وفترة النذر لينذرهم لعلهم يهتدون.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٧ الى ٥١]
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)(١) لولا: الأولى إما بمعنى لئلا أو للاستدراك. والثانية والثالثة بمعنى هلا للتحدي.
(٢) سحران تظاهرا: قرئت أيضا ساحران تظاهرا، والجملة تعني محمدا وموسى ﵉ أو ما جاءا به من آيات ومعجزات، فهما ساحران أو سحران يؤيد أحدهما الآخر أو يماثل أحدهما الآخر.
(٣) الظالمين: هنا بمعنى المجرمين أو الباغين أو المنحرفين عن الحق.
(٤) ولقد وصلنا لهم القول: بمعنى أبلغنا إليهم القول بالدعوة والإنذار متصلا بعضه ببعض. والضمير عائد إلى سامعي القرآن الأولين كما هو المتبادر.
стр. 1440
الآيات [٤٧- ٤٩] تتضمن تقرير كون الله تعالى إنما أرسل محمدا ﷺ لأن قومه لو أصابتهم مصيبة ربانية بسبب ضلالهم وكفرهم لتظلموا وقالوا إننا لا نعرف طريق الحق ولو جاءنا رسول من الله تعالى لاتبعناه وآمنا به ونجونا من المصيبة، فلما جاءهم الحق من عند الله تعالى على لسان النبي ﷺ كابروا وعاندوا وطلبوا أن يأتيهم بما أتى به موسى من قبل في حين أنهم قد كفروا بالمبادئ التي أتى بها موسى من قبل، ولما بهتوا بهذه الحجة الدامغة لم يكن منهم إلّا أن اشتدوا في اللجاج وقالوا إن ما جاء به موسى ﵇ وما جاء به محمد ﷺ سحر يظاهر بعضه بعضا ويماثل بعضه بعضا وإنا كافرون بكل منها. وقد أمر النبي ﷺ بأن يتحداهم إزاء موقفهم المتناقض ومكابرتهم مع قيام الحجة والإلزام وعليهم بأن يأتوا بكتاب من عند الله أهدى مما جاء به هو وموسى ﵇ قبله إن كانوا صادقين، وبأن يعلن استعداده للإيمان به إذا ما جاءوا به.
وقد تضمنت الآية [٥٠] خطابا للنبي ﷺ بأنهم إذا لم يستجيبوا إلى التحدي فيكون قد علم أنهم قد أقاموا الدليل على أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويلقون بالقول جزافا بغير علم ولا سند، وإنه ليس من أحد أشد ضلالا ممن يتبع هواه، ويقول ما يقول بغير علم ولا هدى من الله، وإن هذا هو شأن الظالمين الباغين الذين لا يستحقون عطف الله وعنايته وتوفيقه، أو الذين لا يمكن أن يوفقهم الله ويمنحهم عنايته. ثم جاءت الآية [٥١] لتقرر أن الله إنما أنزل القرآن على نبيه ويسّر لهم سماعه وأوصله إليهم فصلا بعد فصل لعلهم يتذكرون فتنفعهم الذكرى ويهتدون.
تعليق على آيات وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ وما بعدها
وقد روى المفسرون في سياق هذه الآيات أن كفار قريش أرسلوا إلى يهود المدينة يسألونهم عن أمر النبي ﷺ فأجابوهم بصفته وصدقه وأن ما يتلقاه هو من الله تعالى كما كان شأن نبيهم موسى ﵇. وأن الكفار مع ذلك كابروا وقالوا إن موسى ومحمدا ﵉ ساحران، وإن ما جاءا به سحر وإنا