العبرة التي نبهنا إليها في تفسير قصة هود ﵇ ومثل هذا يقال في ما ذكرته الآيات من تنجية صالح ﵇ وقومه أيضا.
وفي تفسير الطبري وغيره بيانات كثيرة في سياق هذه الحلقة أيضا عن صالح وقومه وناقته، وتامر قومه عليه وعلى الناقة لم نر ضرورة ولا طائلا في إيرادها أو تلخيصها لأنها لا تتصل بالهدف القرآني وهو العبرة والتذكير.
[سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
. (١) حنيذ: مشوي.
(٢) نكرهم: أنكرهم واستغرب أمرهم.
(٣) أوجس منهم خيفة: استشعر الخوف منهم.
(٤) ضحكت: قال المفسرون إنها ضحكت حينما رأت الرسل لا يأكلون من الطعام أو حينما بشروها بإسحاق وهي تظن أن ذلك مستحيل لأنها وزوجها كانا عجوزين.
(٥) بعلي: زوجي.
(٦) الروع: الخوف أو الدهشة.
(٧) أواه: كثير التأوه بمعنى كثير البكاء والدعاء والابتهال.
(٨) منيب: راجع إلى الله ومسلم له.
стр. 1647
تعليق على قصة إبراهيم ﵇
وهذه حلقة رابعة فيها قصة جديدة من قصص إبراهيم ﵇. فقد ذكرت قصته مع قومه في سورة الشعراء، وهذه القصة تحكي مجيء رسل الله إليه بالبشرى، ثم إلى قوم لوط بالعذاب. وتكررت هذه القصة بعد هذه السورة بأساليب متقاربة. وهذه القصة مما ذكر في سفر التكوين بما في ذلك الحوار بين إبراهيم ورسل الله الملائكة وضحك سارة وتعجبها من أنها ستحبل وتلد وهي عجوز عقيم، خلافا لقصة سورة الشعراء على ما ذكرناه في سياق تفسيرها. وهي هنا مقاربة إجمالا لما ذكر في سفر التكوين عدا عدم أكل رسل الله من الطعام حيث ذكر في هذا السفر أنهم أكلوا وعدا البشرى يبعثون مع ذكره عهد ربه له أن يكون مع اسحق ابن سارة وأن ينمي ذريته «١» .
وسفر التكوين كان متداولا في أيدي أهل الكتاب واليهود في بيئة النبي ﷺ بحيث يقال بجزم إن هذه القصة مما كان متداولا في هذه البيئة. ونعتقد إلى هذا أن ما لم يذكر في السفر وذكر في القرآن أو ما ذكر في القرآن مباينا لما ذكر في السفر كان متداولا بين اليهود وكان واردا في أسفار وقراطيس لم تصل إلينا.
وفي القصة من العبر تقرير قدرة الله على جعل إبراهيم وزوجته ينجبان رغم طعنهما في السن رحمة بنبيه وخليله. وقد نوهت به وبأهل بيته تنويها كريما. ومما فيها أيضا ردّ على إبراهيم ﵇ حينما جادل في قوم لوط ﵇ بأنهم قد حق عليهم العذاب فلا راد له. وفي هذا إنذار لسامعي القرآن من قوم النبي ﷺ بأن صلتهم به لن ترد عنهم العذاب الرباني إذا حق عليهم بإصرارهم على الكفر والإثم.
[سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
стр. 1648
(١) سيئ بهم: ساءه مجيئهم خوفا عليهم.
(٢) ضاق بهم ذرعا: التعبير يقصد به بيان ما ألمّ بالمرء من ضيق وشدة.
(٣) عصيب: شديد الخطر.
(٤) يهرعون إليه: يسارعون إليه.
(٥) يعملون السيئات: كناية عن عادتهم السيئة بإتيان الذكور.
(٦) لو أن لي بكم قوة: لو أن لي قوة بكم تنصرني عليهم وأدفع عنكم بها قومي.
(٧) ركن شديد: ملجأ حصين أحميكم فيه.
(٨) لن يصلوا إليك: لن يقدروا على أذيتك.
(٩) بقطع من الليل: في أثناء ظلمة الليل.
(١٠) سجّيل: طين جاف وهي كلمة معربة من الفارسية.
(١١) منضود: مصفوف أو متتابع.
(١٢) مسومة: معدة أو عليها علامة ربانية.
стр. 1649
تعليق على قصة لوط ﵇
وهذه حلقة خامسة من سلسلة القصص تحتوي قصة لوط ﵇ ومجيء رسل الله إليه وما كان من التدمير الذي حل بقومه وبلادهم وتنجية لوط وأهله باستثناء زوجته، وآياتها واضحة المعنى. والقصة واردة في الإصحاح (١٩) من سفر التكوين المتداول مقاربة لما جاء في هذه السورة وسورتي الشعراء والأعراف اللتين مرّ تفسيرهما. وقد علقنا عليها في السورتين المذكورتين بما يغني عن التكرار. وتكرارها هنا يتضمن تكرار العبرة في ما كان من إهلاك الله لقوم لوط وامرأته معا وتنجيته والذين آمنوا معه.
وفي الآيات جديد لم يرد في السور السابقة وهو انزعاجه من مجيء رسل الله لأنه لا يقدر على حمايتهم. وهذا مباين لما في سفر التكوين المتداول الذي ذكر أن لوطا ألح عليهم لينزلوا في ضيافته «١» . ونحن نعتقد أن ما جاء في القرآن كان متداولا وواردا في قراطيس أخرى، وهو المتسق مع ما حكي من أخلاق قوم لوط وعاداتهم السيئة التي كان لوط يعرفها بطبيعة الحال. وفي تفسير الطبري وغيره لهذه الآيات بيانات كثيرة معزوة إلى علماء الصدر الأول فيها ما هو المتطابق مع سفر التكوين وغير المتطابق، لم نر ضرورة ولا طائلا لإيراده أو تلخيصه هنا لأنه غير متصل بالهدف القرآني ويدل على كل حال على تداول تفصيلات لم ترد في السفر عن هذه القصة في عصر النبي ﷺ وبيئته، مما فيه دعم لما نقول.
[سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٩٥]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
стр. 1650
(١) لا يجرمنكم شقاقي: لا يجعلنكم شقاقي أو لا تحملنكم رغبة مخالفتي.
(٢) ما نفقه: ما نفهم.
(٣) رهطك: عشيرتك أو أسرتك.
(٤) وما أنت علينا بعزيز: لست شخصيا غاليا علينا أو مكرما عندنا أو قويا.
(٥) اتخذتموه وراءكم ظهريا: بمعنى تناسيتموه ولم تبالوا به.
(٦) اعملوا على مكانتكم: استمروا في عملكم وحالتكم.
(٧) ارتقبوا إني معكم رقيب: انتظروا وأنا منتظر معكم. وفي الجملة معنى الإنذار بعذاب الله.
стр. 1651
تعليق على قصة شعيب ﵇
وهذه حلقة سادسة من السلسلة. وقد احتوت قصة شعيب ﵇ وقومه أهل مدين. وآياتها واضحة. وقد وردت هذه القصة في سورتي الشعراء والأعراف بصيغ متقاربة مع بعض زيادات اقتضتها حكمة التنزيل ولقد علقنا على مدى القصة في السورتين المذكورتين بما يغني عن التكرار. وفي الحوار الذي يحكي بين شعيب وقومه مماثلة لما حكته آيات عديدة لبعض ما كان يقع بين النبي ﷺ والكفار العرب حيث ينطوي في ذلك إظهار وحدة الطبائع التي تجمع بين الكفار وزعمائهم بخاصة في مختلف الأدوار. وبالإضافة إلى ذلك فإن فيما احتوته آيات القصة من إنذار ووعيد وتنديد وتأنيب وتطمين قد انطوى إنذار ووعيد للكافرين السامعين وتثبيت وتطمين للنبي ﷺ والمؤمنين.
[سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ٩٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)
. (١) يقدم قومه: بمعنى يتقدم قومه ويقودهم.
(٢) بئس الورد المورود: الورد بمعنى الورود على الماء، ومعنى الجملة:
بئس الورد الذي أورد فرعون قومه لأنه أوردهم النار.
(٣) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة: لحق بهم في هذه الدنيا سخط الله وغضبه.
(٤) بئس الرفد المرفود: الرفد بمعنى العون والعطاء والقرى. ومعنى الجملة: بئس الرفد الذي رفد به فرعون قومه.
стр. 1652
تعليق على قصة موسى ﵇
وهذه حلقة سابعة من السلسلة وهي الأخيرة، وقد اقتضت حكمة التنزيل أن تكون الإشارة فيها إلى قصة رسالة موسى ﵇ إلى فرعون مقتضبة جدا.
وقد وردت القصة مفصلة في سور سبق تفسيرها. وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار، ومن مواضع العبرة هنا ما يمكن أن يكون إنذارا للكفار السامعين وبخاصة للذين اتبعوا الزعماء من سوادهم وتنبيههم إلى أن هؤلاء الزعماء سيوردونهم النار وبئس هي من مورد وسيكون نصيبهم جميعا لعنة ونقمة ربانيين في الدنيا والآخرة وبئس ذلك من نصيب.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٤]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)
. (١) قائم: بمعنى باق وموجود.
(٢) حصيد: بمعنى مدمر وهالك.
(٣) تتبيب: خسارة.
(٤) يوم مشهود: يوم عظيم حافل.
الآيات جاءت معقبة على سلسلة القصص جريا على النظم القرآني. وفيها توكيد صريح لما قلناه مرارا لأهداف القصص القرآنية وهي العبرة والتذكير والإنذار والتثبيت، حيث قررت:
١- أن الله يقص أنباء القرى والأمم السابقة على النبي ﷺ ومن يسمع القرآن
стр. 1653
للعبرة والتذكير. ومن هذه القرى والأمم ما هو باق يرى الناس آثار تدمير الله فيه ومنها ما زال.
٢- وأن الله لم يظلم تلك القرى والأمم وإنما ظلموا أنفسهم بانحرافهم وبغيهم، ولم تكن آلهتهم التي كانوا يدعونها من دون الله لتنفعهم شيئا حينما حق عليهم عذاب الله تعالى، ولم تزدهم إلّا خسارا.
٣- وأن الله إذا أخذ القرى والأمم وهي ظالمة باغية فيكون أخذه لها شديدا أليما.
٤- وأن في ذلك نذيرا للناس من شأنه أن يحملهم على الارعواء ويدعوهم إلى التفكير وبخاصة من يحسب حساب الآخرة منهم ويومها الرهيب الهائل الحافل بالأحداث الجسام والمجموع له جميع الناس، والذي إنما يؤخره الله تعالى بمقتضى حكمته لأجل محدود قصير. وإذا كان أخذ الله في الدنيا للظالمين يثير خوفا ورعبا فعذابه في الآخرة يجب أن يكون أشد إثارة لهما لأن الأول يأتي ثم ينقضي ولكن الآخر طويل المدى.
والإنذار في الآيات قوي موجه للعقول والقلوب معا وقد استهدف كما هو المتبادر إثارة الرعب والارعواء في قلوب الكفار وزعمائهم. ولعل في جملة وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) إنذارا بأن الفرصة أمامهم سانحة ولكنها قصيرة فعليهم أن لا يضيعوها.
تعليق على جملة وَهِيَ ظالِمَةٌ
وجملة وَهِيَ ظالِمَةٌ [١٠٢] تنطوي على معنى أوسع وأشد من جملة (وهي كافرة) كما هو المتبادر فالظلم يشمل الشرك والكفر ويشمل في الوقت نفسه الإجرام والبغي والعدوان على الناس والفساد والتكبر في الأرض. ويتبادر لنا أن هذا هو مقصود الجملة القرآنية وليس الكفر وحده. وفي آية آتية ما يمكن أن يؤيد ذلك.
ولقد أورد الطبري في سياق الآية الثانية حديثا بطرقه رواه الشيخان والترمذي
стр. 1654
أيضا عن أبي موسى بهذا النص: «قال النبي ﷺ إنّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ الآية» «١» حيث ينطوي في الحديث توكيد للإنذار الرهيب الذي احتوته الآية.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٨]
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)
. (١) لا تكلم: لا تتكلم.
(٢) لهم فيها زفير وشهيق: المراد بهذه الجملة وصف الشدة التي سوف يقاسيها أهل النار. فالمرء حينما يشتد عليه البلاء يسرع نفسه ويضيق.
(٣) غير مجذوذ: غير مقطوع.
والآيات استمرار بياني للآيات السابقة، فحينما يأتي ذلك اليوم يخشع الناس ويسكتون تهيبا من الموقف. ولن يستطيع أحد أن يتكلم إلّا بإذن الله، والناس في ذلك اليوم صنفان أشقياء وسعداء. فالأولون يلقون في النار حيث يقاسون من البلاء أشده ويخلدون فيها ما دامت السموات والأرض إلّا ما شاء الله الفعّال لما يريد. وأما الآخرون فينزلون في الجنة ويخلدون فيها ويتمتعون بنعم الله التي لا تنقطع ما دامت السموات والأرض إلّا ما شاء الله كذلك.
وفي الآيات ما يثير الرعب والخوف في قلوب الكفار والطمأنينة والغبطة في قلوب المؤمنين وهو ما استهدفته في جملة ما استهدفته على ما هو المتبادر.
стр. 1655
تعليق على جملة
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وقد تعددت أقوال المفسرين ورواياتهم «١» في تأويل جملة ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ فقالوا فيما قالوه إن الاستثناء الأول عائد إلى مذنبي المؤمنين الذين سوف يخرجون أخيرا من النار ويدخلون الجنة وقالوا إن الاستثناء هو في صدد زيادة أنواع العذاب والنعيم وقالوا إنه على طريقة قول العرب: «ما لاح كوكب» و «ما أقام ثبير» و «ما دامت السماء سماء والأرض أرضا» ويريدون بذلك التأبيد، والقول الأخير يعني أن التعبير أسلوبي مما اعتاد العرب استعماله وهم يقصدون التأبيد. وهو قول وجيه يزيل وهم التناقض الذي قد يبدو بين العبارة القرآنية هنا وبين آيات كثيرة وردت فيها جملة خالِدِينَ فِيها بالنسبة لأهل الجنة وأهل النار بدون قيد إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وهناك حديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر جاء فيه: «قال رسول الله ﷺ إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت فيوقف على السور الذي بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لهم هل تعرفون هذا فيقولون قد عرفناه وهو الموت الذي وكّل بنا فيضجع فيذبح على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت» «٢» .
ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار المشاهد الأخروية فإن في الحديث من جهة توكيدا للخلود الأبدي في النار والجنة لمن استحقه من الناس ومؤيد لما تفيده العبارة التي جاءت كأسلوب تعبيري عن التأبيد حسب تخاطب العرب. ومن الحكمة المستشفة منه قصد الترهيب للكفار والبشرى للمؤمنين.
ومع ذلك فقد يتبادر أيضا أن التعبير من الأساليب التي جرى عليها الوحي
стр. 1656
القرآني في كثير من الآيات حيث يقرن الأمر بمشيئة الله تعالى إعلانا بأن كل شيء وأمر منوط بأمره وإذنه ومشيئته. وأنه لا ضرورة ولا طائل من التخمين وإطالة الكلام في العبارة ومداها كما فعل بعضهم «١» وتفويض الأمر في حكمة مداها لله مع ملاحظة كون الهدف الجوهري للآيات هو إنذار الكفار السامعين ومن بعدهم ليرعووا ويتوبوا وتبشير المؤمنين السامعين ومن بعدهم ليغتبطوا ويثبتوا والله أعلم.
تعليق على جملة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
روى الطبري في سياق هذه الجملة حديثا عن عمر بن الخطاب رواه أيضا البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي جاء فيه: «قال عمر أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما فرغ منه فقال فيما فرغ منه يا ابن الخطاب. كلّ ميسّر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء» «٢» .
وروى البغوي حديثا عن علي بن أبي طالب رواه أيضا مسلم والترمذي جاء فيه:
«كان رسول الله ﷺ جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل. قال اعملوا فكل ميسّر لما خلق له. ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) الآيتين في سورة الليل» .
ولسنا نرى في هذين الحديثين ما يوهم أن الله قد كتب الشقاء والسعادة من الأزل على أناس بأعيانهم وبصورة اعتباطية تنزّه عن ذلك، بل فيهما ما يمكن أن يفيد أن ذلك منوط بسلوكهم. وكل ما يمكن أن يكون بالإضافة إلى ذلك أن الله
стр. 1657
سبحانه يعلم الذين يسلكون سبيل الشقاء فيستحقون النار والذين يسلكون سبيل السعادة فيستحقون الجنة. أما من باب وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة: [٢٦] ووَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ الرعد: [٢٧] وهذا هو المتسق مع المبادئ القرآنية المحكمة على ما شرحناه في مناسبات سابقة. على أن في آيات سورة الليل التي قرأها رسول الله على ما جاء في الحديث الثاني قرينة حاسمة فهي تنسب الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى والبخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى لفاعلي ذلك وترتب تيسير الله للأولين للحسنى وتيسير الآخرين للعسرى على ذلك. وهذا أيضا وارد في بقية آيات سورة الليل التي تأتي بعد الآيتين.
تعليق على جملة لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
وقد وقف بعض المفسرين «١» إزاء تعبير لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لأن هناك آيات جاء فيها ما قدم يوهم نقض ذلك مثل آية سورة النحل هذه: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) ومثل آيات سورة ص هذه: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) .
ومما ذكره الزمخشري في رفع الإشكال أن ذلك اليوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم. وهذه التخريجات وجيهة وكل الصور المذكورة فيها مما ورد في آيات قرآنية أخرى مرّت أمثلة منها في السور التي سبق تفسيرها.
стр. 1658
على أننا لا نرى إشكالا من جهة التعبير لورود جملة إِلَّا بِإِذْنِهِ لأن جملة إِلَّا بِإِذْنِهِ تحل كل إشكال. ومع ذلك فإننا لا نرى المقام يستدعي الإشكال في أصله. ونرى أن التعبير أسلوبي قصد به تصوير شدة الهول الأخروي وأثره. ويمكن أن يقال أيضا بالإضافة إلى واجب المسلم بالإيمان بما ذكره القرآن من مشاهد أخروية إن تنوع الأسلوب القرآني في أوصاف مشاهد الآخرة وحسابها وعذابها ونعيمها متأتّ من تنوع المشاهد والمواقف بين النبي ﷺ والكفار أولا وأنه يمكن أن يكون قرينة على ما ذكرناه في مناسبات سابقة من أن الترهيب والترغيب مقصودان لذاتهما في الآيات القرآنية ثانيا. ولعل من القرائن على ذلك كون الأوصاف والصور والمشاهد الأخروية الواردة في القرآن هي في نطاق مألوف السامعين من مشاهد وصور وأوصاف دنيوية تتصل بالنعيم والعذاب ومجالس القضاء إلخ حتى يكون لها تأثير في السامعين الذين لا يتأثرون إلّا بما هو معروف ومجرب عندهم ولا يفهمون إلا ما هو في نطاق معارفهم. هذا مع تكرار تقرير كون الحياة الأخروية من المسائل الإيمانية الغيبية التي يجب الإيمان بما جاء عنها في القرآن مع الوقوف في ذلك عند ما وقف القرآن بدون تزيد ولا تخمين. مع تكرار القول أيضا إن آيات المشاهد الأخروية من المتشابهات التي تتحمل تأويلات عديدة ومنها ما لا يعلم تأويله إلا الله وأن هذا يوجب كذلك الوقوف عند ما وقف القرآن مع استشفاف الحكمة التي يتبادر أن منها ما مر ذكره والله أعلم.
[سورة هود (١١) : آية ١٠٩]
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)
. في الآية تقرير بأن الكفار إنما يعبدون- كما كان يعبد آباؤهم- عبادات باطلة، وإنه ليس في ذلك محل للشك والمراء، وتوكيد بأن الله تعالى سوف يوفيهم استحقاقهم على ذلك بدون نقص.
واتصال الآية بما سبقها ظاهر من حيث إنها في صدد الكفار الذين كانوا موضع الحديث والإنذار كما يدل عليه الضمير الراجع إليهم.
стр. 1659
تعليق على آية فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
ولم نر أحدا من المفسرين فيما اطلعنا عليه وقف عند الآية وبين سبب نهي النبي ﷺ عن الشك فيما يعبد الكفار، مع أن أسلوب الآية يستدعي ذلك.
وقد استلهمنا منها أن بعض المسلمين أو بعض الكفار كانوا يدافعون عن أنفسهم بأنهم مؤمنون بالله معتقدون بأنه الخالق الرازق المؤثر في كل شيء، وبأنهم محترمون بيته وتقاليد ملة إبراهيم خليله ويفعلون المكرمات فأريد في الآية ردّ ذلك ما داموا يشركون مع الله غيره في العبادة والدعاء مهما كان القصد وتوكيد كونهم ضالين هم وآباءهم من قبلهم بسبب شركهم.
ومع أن الخطاب في أول الآية موجه إلى النبي ﷺ فإن هذا لا يمنع أن يكون موجها إلى المسلمين أيضا الذين قد يكون بينهم المدافع أو المعتذر أو المتسائل عن الأمر.
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)
. (١) لمّا: تعددت الأقوال في معنى هذا الحرف في الآية، فقيل إنه بمعنى إلا وقيل إن في الآية محذوفا تقديره «وإن كلّا لما عملوا ليوفينهم ربك أعمالهم» ونحن نرى الأول أوجه.
في الآيات إشارة إلى ما كان من اختلاف في فهم الكتاب الذي آتاه الله تعالى موسى ﵇ وتأويله، وتنبيه إلى أنه لولا اقتضاء حكمة الله في التأجيل لقضى
стр. 1660
قضاءه في المختلفين فيه الذين هم في شك منه مريب، وتوكيد بأن الله لا بدّ موف كل عامل جزاء عمله من خير وشر، وهو الخبير بما يعمل الناس.
تعليق على الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ والآية التالية لها
لقد أدار فريق من المفسرين القدماء «١» الكلام على الآيتين على اعتبار أن فيهما تسلية للنبي ﷺ وإنذارا للكفار. فإذا كان الكفار قد كذّبوا بالقرآن فقد فعل أقوام قبلهم ذلك بالنسبة لكتاب الله تعالى الذي آتاه موسى ﵇. ولسوف يجزيهم الله بما يستحقون من حيث إنه لا بد من أن يجزي كل طائفة بما تستحق.
ونتيجة لذلك صرفوا الضمير في (إنهم) إلى الكفار والضمير في (منه) إلى القرآن.
وخالفهم فريق آخر فقال إن الجملة عائدة إلى الكتابيين الذين اختلفوا في كتاب موسى ﵇. واستدل على ذلك بآية سورة الشورى وهي: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) وقد يكون هذا هو الأوجه. ولا سيما إن هناك آيات كثيرة مدنية ومكية غير آية سورة الشورى ذكرت اختلاف أهل الكتاب واليهود خاصة في ما نزل على أنبيائهم، ومن ذلك ما مرّ في السور التي سبق تفسيرها لولا أن يكون هذا يجعل الآيتين منقطعتين عن السياق السابق واللاحق لهما. وقد يتبادر لنا من فحوى الآيتين وروحهما ومقامهما احتمال آخر يجعلهما جزءا من السياق غير شاذين ومنقطعتين عنها وهو ما لا يستساغ.
وهذا الاحتمال هو أن يكون الكفار قد تحدثوا عن كتاب موسى ﵇ واختلاف بني إسرائيل فيه كأنما أرادوا أن يقولوا إن اتخاذهم الملائكة شفعاء لدى الله- وهو ما تضمنته الآيات السابقة وردته- هو اجتهاد وليس من شأنه أن ينفي
стр. 1661
عنهم صفة الإيمان بالله وكونه الخالق الرازق كما يريد القرآن، وإن بني إسرائيل قد اختلفوا عن اجتهاد في كثير مما احتواه كتابهم فاحتوت الآية الأولى ردا عليهم يتضمن تقرير كون اختلاف بني إسرائيل لم يكن اجتهادا في المبادئ لأن المبادئ التي من جملتها توحيد الله مطلقا لا تتحمل اختلافا وإنما كان اختلافهم نتيجة لتوسعهم في التأويل والتخريج. ثم أكدت الآية الثانية ما قررته الآية السابقة للآيتين بأن الله تعالى سيوفي كل الناس أعمالهم.
وهكذا تظهر صلة الآيتين بالسياق قوية وتكون الآية الأولى إذا صح استلهامنا- ونرجو أن يكون صحيحا- قد احتوت صورة طريفة من صور الجدال بين نبهاء الكفار والنبي ﷺ حيث كان كثير من هؤلاء النبهاء لم يجحدوا رسالة النبي ﷺ والقرآن غباء. وإنما عنادا واستكبارا على ما قررته آيات عديدة أوردناها في المناسبات السابقة.
ومع ما ذكرناه فليس ما يمنع أن تكون الآية الأولى قد تضمنت أيضا تسلية للنبي ﷺ من حيث أرادت تقرير أن الله تعالى قد آتى موسى الكتاب فوقف الناس منه موقف المصدق والمكذب والمؤمن والشاك والمؤول والمختلف كما كان شأن العرب من القرآن، وأن الله قادر على أن يعجل في القضاء على الشاكين المكذبين لولا أن حكمته اقتضت التأجيل إلى الحين المعين في علم الله.
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٢ الى ١١٥]
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
. (١) ولا تطغوا: ولا تتجاوزوا ما أمرتم به.
(٢) ولا تركنوا: فسرها بعضهم بالميل وبعضهم بالاعتماد والاستناد وكلا
стр. 1662
التفسيرين وجيه وإن كان الثاني أوجه.
(٣) زلفا من الليل: الإزلاف بمعنى التقرب. والجملة بمعنى ساعات من الليل القريبة من النهار، ويمكن أن يكون قصد بها وقت العشاء ووقت الفجر فهما أول الليل وآخره بحيث يكون ذلك مقابلة لجملة طَرَفَيِ النَّهارِ.
الآيات تأمر النبي ﷺ بالاستقامة على ما رسمه الله من مبادئ وحدود هو والمؤمنون معه وعدم الانحراف عن ذلك وتجاوزه، وتؤكد أن الله بصير بما يعملونه ومراقبهم فيه، وتنهاهم عن الميل والركون للظالمين وتنذرهم بأن هذا يجرهم إلى النار فضلا عن أنهم لا يمكن أن ينتصروا بذلك لأنهم ليس لهم ناصر من دون الله، وتحث النبي ﷺ على إقامة الصلاة في أول النهار وآخره وفي أول الليل وآخره كذلك، وتقرر أن ما يقدمه المرء من صالح الأعمال يمحو ما قد يكون بدر منه من هفوات وسيئات، وأن في هذا تذكرة للذاكرين وترغيبا للراغبين، ثم تثبت النبي ﷺ وتحثه على التمسك بالصبر وتطمئنه بأن الله تعالى لا يضيع أجر الصابرين المحسنين.
والمتبادر أن الآيات متصلة بسابقاتها اتصالا تعقيبيا، وقد احتوت التفاتا للنبي ﷺ والمؤمنين بالنصائح والمواعظ والتنبيهات التي من شأنها أن تثبت قلوبهم وتمنحهم رضاء الله بعد أن سبقتها آيات فيها وعيد وإفحام وردّ وتكذيب للكافرين.
فعليهم أن يستقيموا على ما رسمه الله تعالى لهم من مبادئ وحدود دون أن يركنوا إلى الظالمين ففي ذلك خيرهم وسعادتهم وطمأنينتهم وفي الخروج عنه هلاكهم.
تعليق على آية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا
ومما ذكره المفسرون في سياق تفسير الآية [١١٢] أن ابن عباس ﵁ قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية حتى قال شيبتني هود وأخواتها فسئل عما شيبه منها فقال فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «١» .
стр. 1663
والمتبادر إذا صحت الرواية أن النبي ﷺ نبه المؤمنين بذلك إلى ما قد تحتاج إليه الاستقامة على أوامر الله وحدوده من عزيمة قوية وإيمان عميق، وذلك حق لا ريب فيه، ومما قالوه في معنى (استقم) اثبت على أوامر الدين ونواهيه ولا تزغ عنها ولا تحتل فيها، ولا شك في أن الكلمة تتحمل هذه المعاني أيضا.
ولقد روى البغوي في سياق الآية حديثا عن عبد الله الثقفي قال: «قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم» ، وروي عن عمر بن الخطاب قوله: «إن الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تزوغ زوغان الثعلب» .
ومن المفسرين «١» من فسر جملة وَلا تَطْغَوْا بمعنى التجاوز إلى ما فيه معصية وطغيان، ومنهم من قال إنها تتضمن معنى التحذير من الغلو في الدين.
وأورد أصحاب القول الثاني في سياقها حديثا نبويا روى صيغة مقاربة من البخاري عن أبي هريرة جاء فيها: «إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة» «٢» .
وكلا التفسيرين وارد إلا أن روح الجملة تجعل القول الأول أكثر وجاهة وورودا. والحديث لم يرد كتفسير للآية، وفيه في حدّ ذاته تلقين بليغ.
تعليق على جملة وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
تعددت الأقوال في معنى (تركنوا) منها أنها بمعنى (تميلوا) ومنها أنها بمعنى (تستندوا) والثاني هو المتسق أكثر في مدى الركون اللغوي على ما حققه السيد رشيد رضا. وتعددت الأقوال كذلك في المقصود (بالذين ظلموا) حيث قيل إنهم الكافرون والمشركون كما قيل إنهم الظلمة البغاة. وقد رجح الطبري الأول وقد
стр. 1664
يكون هذا هو الأوجه في ظروف نزول الآية من حيث إنه لم يكن من المشركين الكافرين في العهد المكي من لا يوصف بغير الظلم في موقفه من الدعوة بقطع النظر عن شركه وكفره. وقد وصف الشرك في القرآن المكي بالظلم العظيم كما جاء في آية سورة لقمان [١٣] ووصف الكفار المشركون بالظالمين كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة الفرقان [٢٧] وسورة الأعراف [٩] .
غير أنه يتبادر لنا أن للقول الأول وجاهة على المدى البعيد عند النبي ﷺ .
وقد يؤيد ذلك إطلاق العبارة القرآنية بحيث يصح القول إن في الجملة تلقينا مستمر المدى يوجب كل مسلم مخلص بعدم الميل والاستناد إلى الباغي المنحرف عن الحق والمرتكب للمعاصي سواء أكان مسلما أم غير مسلم. وعدم الاعتماد عليه والتناصر معه ومداهنته والتعاون معه. وكل هذا يدخل في مدى ومفهوم الركون بها وواجبه بالوقوف منه موقف المناوئ المناضل في نطاق قدرته، وهذا الواجب يصبح أكثر لزاما على الجماعات الإسلامية.
ويلفت النظر بخاصة إلى جملة وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ التي أعقبت الجملة التي نحن في صددها فإنها ذات مدى ومغزى قويين في التنبيه والتحذير. فالركون إلى الذين ظلموا فضلا عن أن يجر إلى النار فإنه لن يضمن أي نصر ونجاح لأنه ليس غير الله يضمن ذلك. وليس غير الله ولي ونصير.
ولقد استطرد السيد رشيد رضا الذي توسع في هذه المسألة إلى موضوع طاعة أصحاب السلطان والتعاون معهم إذا كانوا بغاة منحرفين. وقد رأينا أن نرجئ الكلام على هذه المسألة إلى مناسبة آتية أكثر ملاءمة. ولقد سبق التعليق على الظلم في معنى البغي والعدوان والاغتصاب في سورة الفرقان بما يغني عن التكرار هذا من حيث نزولها ومقامها في السياق.
ولقد أورد المفسرون أحاديث وروايات وأقوالا عديدة في فحواها من ذلك عن مجاهد أن الحسنات التي تذهب السيئات هي «سبحان الله والحمد لله ولا إله
стр. 1665
إلّا الله والله أكبر» «١» . ومن ذلك قول روي في صيغ عديدة عن أبي بكر وعثمان وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ أنها الصلوات الخمس. أو الصلاة مطلقا.
وساق الطبري حديثا رواه بطرق عن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ قال:
«جعلت الصلوات كفارات لما بينهن فإن الله قال إن الحسنات يذهبن السيئات» .
والقول إنها الصلاة أوجه من القول الأول. ومجيء الجملة بعد الأمر بإقامة الصلاة قرينة حاسمة على كونه الأوجه.
تعليق على آية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
المصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أن هذه الآية مدنية، ويروي المفسرون في سياقها أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن مسعود جاء فيه: «أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ ﷺ فذكر له ذلك فأنزلت الآية. فقال الرجل ألي هذه قال لمن عمل بها من أمّتي» «٢» . وحديث رواه الترمذي عن أبي اليسر قال: «أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها إنّ في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي فملت عليها فقبّلتها فسألت أبا بكر فقال استر على نفسك ولا تخبر أحدا وتب إلى الله فلم أصبر وسألت رسول الله ﷺ فقال أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنّى أنه لم يكن أسلم إلّا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار. وأطرق رسول الله طويلا حتى أوحي إليه
стр. 1666
بالآية فقرأها فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة» «١» .
ومقتضى الحديثين أن الآية نزلت في العهد المدني. ويلحظ أنها منسجمة في السياق ومعطوفة على ما قبلها. وبينها وبين ما قبلها مماثلة في الصيغة فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ووَ أَقِمِ الصَّلاةَ حيث يبرر هذا الشك في مدنية الآية التي تبدو والجملة هذه مقحمة في سياق مكي.
وفي كتب تفسير الطبري والبغوي صيغ متعددة من باب الحديثين، منها ما يفيد أن النبي ﷺ تلا الآية على الرجل تلاوة. وأمره بالوضوء والصلاة والتوبة حيث يتبادر أن النبي ﷺ قرأ الآية على سبيل التقوى وتطمين المذنب الذي جاء إليه معترفا بذنبه نادما تائبا وأن الذين رووا مدنيتها ونزولها في هذه المناسبة قد التبس الأمر عليهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث أخرى في نفع الصلاة، منها حديث رواه أيضا مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي ﷺ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر» «٢» . ومنها حديث رواه الطبري بطرقه عن النبي ﷺ جاء فيه: «إن النبي ﷺ كان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا فهزّه حتى تحاتّ ورقه ثم قال لراوي الحديث ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان؟ فقلت: ولم تفعله؟ فقال: إن المسلم إذ توضّأ فأحسن الوضوء ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ هذا الورق ثم تلا هذه الآية: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» «٣» .
ويجب أن نستدرك أمرا فإن الربط بين الصلاة التي عدت حسنات وبين محو
стр. 1667
السيئات في الآية قائم على ما هو المتبادر على كون المرء الذي يبدر منه خطيئة حينما يقف أمام الله يتذكر ما بدر منه فيشعر بالخجل والندم ويسوقه هذا إلى التكفير عن عمله والكف عنه. وفي الفقرة الأخيرة من الآية توضيح هذا المعنى أو قرينة عليه، ففي ذكر الله قوة رادعة عن الشر دافعة إلى الخير. والصلاة أقوى وسيلة إلى ذكر الله. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الصلاة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة ليس من شأنها أن تمحو سيئة ما. وأن ما يتوهمه عوام الناس من أنهم يتلافون بقيامهم وركوعهم وسجودهم الآلي فقط نتائج ما يقترفونه من ذنوب في غير محله. فهدف الآية هو إصلاح النفس وإيقاظ الضمير بوسيلة الصلاة وذكر الله تعالى فيها. ولا يكون هذا مجديا إلّا إذا صلى المرء خاشعا شاعرا ذاكرا متأثرا نادما على ذنبه مصمما على توبته منه معتقدا ذلك فعلا. ومن الأحاديث النبوية التي وردت في هذا المعنى: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» «١» و «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» «٢» .
وقد يتبادر مع ذلك أن كلمة (السيئات) في الآيات والأحاديث قد عنت الهفوات الصغيرة التي سميت في القرآن باللمم أيضا التي قد يغفرها الله تعالى للمسلم بحسنات صلاته إذا أداها على وجهها واجتهد في الوقت نفسه في تجنب الكبائر على ما شرحناه في سياق سورة النجم بما يغني عن التكرار. وفي أحد الأحاديث التي مر إيرادها «إن الصلاة كفارة لما قبلها ما لم تغش الكبائر» حيث ينطوي في هذا تأييد لما قلناه.
وجملة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ جاءت بأسلوب مطلق، وهي في الوقت ذاته جملة تامة، وقد تبادر لنا من ذلك أنها تتضمن في ذاتها مبدأ عاما، وإن الصلاة على عظم خطورتها هي من الحسنات وليست كل الحسنات، فالصدقات المفروضة (الزكاة) والتطوعية حسنة، والجهاد حسنة، ومساعدة الضعفاء والذبّ عنهم حسنة، والبرّ بالوالدين حسنة، والتعاون على الحق والخير والصبر والأمر
стр. 1668
بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير حسنة إلخ ... وكما تذهب الصلاة الصادقة السيئات فإن مقتضى هذا المبدأ أن تذهب هذه الحسنات السيئات إذا ندم مقترفها وتاب عنها، ومما يؤيد ذلك آية سورة الفرقان هذه: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) التي جاءت عقب تعداد الجرائم الكبيرة التي يحرمها الله وينذر مقترفيها بالعذاب المضاعف والهوان المخلد، وآيات سورة التوبة هذه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) وفي سورة النساء آية عظيمة في هذا الباب حيث تتضمن أن اجتناب المرء الكبائر مما يجعل الله يغفر له الهفوات والسيئات وهي هذه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) . ولقد ورد في حديث نبوي رواه الإمام أحمد عن معاذ ﵁: «يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «١» . وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «٢» . والحديثان يؤيدان ما قلناه من عمومية المبدأ الذي احتوته الآية وإطلاقه.
وهكذا يفتح هذا المبدأ وما ورد في سياقه من أحاديث وما أيده من آيات أفقا واسعا أمام المؤمن، ويتضمن وسيلة عظمى من وسائل إصلاح المؤمن وحفزه على عمل الصالحات والحسنات إذا ما قارف ذنبا مهما بدا عظيما وندم عليه، وهو إن كان يشبه التوبة التي شرحنا مداها في سياق سورة الفرقان ففيه زيادة من حيث حفزه على الحسنات في سبيل محو السيئات.
هذا، ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في مدى
стр. 1669
جملة طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ كما تعددت أقوالهم في عبارات مماثلة في سورتي الإسراء وطه على ما ذكرناه في تفسيرهما. ومما قيل إن طَرَفَيِ النَّهارِ هما الفجر إلى المغرب فيكون المقصود من ذلك صلوات الفجر والظهر والعصر ويكون المقصود من وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ صلوات المغرب والعشاء. كما قيل إن العبارة الأولى عنت صلاتي الفجر والمغرب والعبارة الثانية عنت صلاة العشاء.
والمتبادر أن القول الأول هو أكثر ورودا والله تعالى أعلم.
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٧]
فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)
. (١) فلولا: هنا بمعنى فهلا للتنديد والتعجب.
(٢) أولو بقية: بمعنى أولو فضل وخير وتقوى وعقل.
(٣) الذين ظلموا: المتبادر المستلهم من روح الآية أن هذه الجملة بمعنى الذين بغوا وطغوا وعصوا.
(٤) ما أترفوا فيه: ما كان سببا لترفهم من الشهوات.
(٥) بظلم: هنا بمعنى بدون حق وسبب موجب.
في الآيات تقرير فيه معنى التعقيب على ما كان من أمر الأمم السابقة التي قصّ الله أنباءها، فقد كان ينبغي أن يكون فيها أولو عقل وفضل وتقوى ينهون الناس عن الفساد في الأرض ولكن هؤلاء كانوا قليلين فلم يؤثروا، وهم الذين أنجاهم الله وأنجى الذين ساروا على طريقتهم من بعدهم. أما سائرهم فقد كانوا ظالمين واستمروا في طريق الإجرام والبغي والشهوات والترف فأهلكهم الله. فالله تعالى لا يهلك القرى ويدمرها إذا كان أهلها صالحين لأن ذلك ظلم يتنزه عنه
стр. 1670
سبحانه وصلة الآيات والحالة هذه بالسياق ملموحة.
ويمكن أن يستلهم من مطلع الآية الأولى قصد تعليل بقاء الناس أجيالا بعد أجيال في حين أن منهم من ينتسب إلى الأمم التي أهلكها الله، فلو لم يكن من القرون والأمم السابقة أناس ولو قليلون من ذوي العقول والتقوى والصلاح كانوا ينهون عن الفساد في الأرض لبادت أجيال الناس ولما بقي منهم ديّار.
وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وتعليل اجتماعي بليغ كما فيه تنويه بالمؤمنين الذين آمنوا بالنبي ﷺ على قلتهم وتلقينهم أنهم قد تحفظ بهم الأجيال والديار فعليهم الصبر والله لا يضيع أجر المحسنين، وفيه كذلك إنذار للكافرين الذين اتبعوا أهواءهم واستغرقوا في شهواتهم واستمروا في عنادهم ومكابرتهم وبغيهم. والمتبادر أن هذا وذاك هو استهدفته الآيات أو مما استهدفته.
تعليق على آية وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
قال المفسرون في معنى الآية قولين أحدهما أن الله تعالى لا يهلك القرى إلّا إذا شذت عن الصلاح فكفرت بالله وكذبت الرسل واقترفت المنكرات. وثانيهما أن الله لا يهلك القرى إذا كان أهلها مصلحين يتعاطون الحق بينهم ولا يتظالمون وإن كانوا غير مؤمنين بالله ورسله وإنما يهلكهم إذا تظالموا. وروى الطبرسي حديثا نبويا مؤيدا للقول الثاني لم يرد في الصحاح جاء فيه: «وأهلها مصلحون أي ينصف بعضهم بعضا» .
القول الثاني هو الأوجه كما هو المتبادر ومضمون الآية، والآية التي قبلها يدعمه دعما قويا حيث اقتصر الكلام فيهما على الفساد في الأرض والإجرام والظلم واتباع الشهوات وأسباب الترف وجملة وَهِيَ ظالِمَةٌ في الآية [١٠٢] من السورة تدعم ذلك أيضا. وللسيد رشيد رضا قول سديد في ذلك حيث يحمل الجملة على معنى الصلاح الاجتماعي والعلمي والعمراني أو يجعل ذلك من ضمن ما يحمله
стр. 1671
معنى الجملة ويعلل بذلك عدم تذكير الله تعالى الأمم الصالحة على هذا الوجه مع كفرها وشركها ويقول إن الأمم تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم. وشيء من مثل هذا ملموح في كلام بعض المفسرين القدماء كالطبري وابن كثير والزمخشري، والله أعلم.
[سورة هود (١١) : الآيات ١١٨ الى ١١٩]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
. تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً والآية التالية لها
المتبادر أن الآيتين جاءتا كتعقيب على ما سبقهما وأنهما والحالة هذه متصلتان بالسياق. ولقد تعددت التأويلات التي قالها أو رواها المفسرون للآيتين.
من ذلك أن الاختلاف المذكور في الأولى هو اختلاف الأديان والنحل. وأن الاستثناء الذي جاء في أول الآية الثانية عائد إلى الذين آمنوا برسالة النبي ﷺ ، ومن ذلك أن الاختلاف هو بسبيل وصف أهل الباطل والأشقياء بسبيل وصف أهل الحق.
وأن هذا الاختلاف على أي قول هو من حكمة الله ومشيئته ليمتاز كل صنف عن الآخر وينال كل منهم ما يستحقه. ومن ذلك أن الاختلاف بسبيل بيان اختلاف الناس في الرزق ومراتب الحياة الاجتماعية. وإن حكمة الله اقتضته ليتسخر بعضهم لبعض.
والعبارة القرآنية تتحمل كل ذلك إذا اعتبرت جملة وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وما بعدها كلاما مستأنفا مستقلا عن ما قبله. أما إذا اعتبرت جزءا من معنى عموم الآيتين فيكون القول الأول هو الأوجه. وهناك من أوّل الآيتين بمعنى أن الله قادر حمل الناس على الإيمان والحق ولكن حكمته اقتضت تركهم لاختيارهم. وأن الاختلاف كان نتيجة ذلك فاستحقوا الثواب والعقاب. وهذا أيضا وجيه بل يتبادر لنا أنه أوجه التأويلات للآيتين روحا ونصا وأنه المتسق مع مبادئ قرآنية مرّ على
стр. 1672
تقريرها وشرحها في السور التي سبق تفسيرها.
وقد يصح أن يضاف إلى ذلك في الوقت نفسه أن الآيتين انطوتا أولا على تطمين النبي ﷺ وتسليته عما كان من مواقف الكفار وعنادهم مع إنذار لهؤلاء. فلا محل لحزنه وغمّه. فإن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة وقسرهم على الإيمان والتصديق. ولكن حكمته اقتضت تركهم لاختيارهم فتكون جهنم مصير كل من اختار الكفر والبغي. وعلى ضوء هذا فتكون جملة إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بسبيل التنويه بالذين آمنوا برسالة النبي ﷺ الذين تداركتهم رحمة الله فلم يكونوا من أهل جهنم بالإضافة إلى أنها عامة مستمرة المدى. ومثل هذا التطمين للنبي ﷺ والتنويه بالمؤمنين قد تكرر كثيرا ومرّت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها لأن المواقف التي تقتضيهما كانت تكرر.
وثانيا على رد على طريقة الأسلوب الحكيم على تساؤل كثير من الناس حيث احتوت تقرير كون اختلاف الناس هو مظهر طبيعي وناموس من نواميس الله فيهم لييسر كلا منهم حسب قابليته واختياره فلو شاء لخلقهم على جبلة واحدة ووتيرة واحدة وملة واحدة. وحينئذ لا يتميزون عن سائر الحيوانات. ولا يكون معنى لما اقتضته حكمة الله من جعلهم أهلا للتكليف وخلفاء في الأرض ليكونوا فيها أولي الأمر والشأن والانتفاع من مختلف مظاهر كونه ومن بعثهم يوم القيامة ليجزي كلا منهم بما كسب في الحياة الدنيا والله تعالى أعلم.
وقد يبدو لأول وهلة بين الآية الأولى وآية سورة يونس [١٩] التي جاء فيها:
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا تناقض. ولسنا نرى ذلك فآية يونس في صدد وحدة فطرة الله التي فطر الناس عليها وما كان من اختلافهم وشذوذهم عنها على ما شرحناه في سياقها وفي هذه الآية تعليل لذلك الاختلاف والشذوذ. والله تعالى أعلم.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٣]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
стр. 1673
(١) في هذه: روى المفسرون في تأويل هذه الجملة ثلاثة أقوال منها أنها بمعنى هذه السورة. ومنها أنها بمعنى هذه الدنيا. ومنها أنها بمعنى هذه الأنباء.
ولعل القول الأخير هو الأوجه لأن كلمة الأنباء هي الأقرب ذكرا.
في الآيات تعقيب على السياق والكلام السابق كما هو المتبادر، فالله تعالى إنما يقص على نبيه ﷺ ما يقصه من أنباء الرسل السابقين ليثبت به فؤاده، ويتبين حكمة الله في خلقه، ولقد جاء في هذه الآيات الحق الذي فيه موعظة وتذكرة للمؤمنين. وعليه أن لا يبالي بالذين لم يؤمنوا لأن حكمة الله اقتضت أن يكون في الناس الصالح والطالح والمهتدي والضالّ والأخيار والأشرار، وأن يقول لهم سيروا على الطريقة التي ترغبون ونحن نسير على الطريقة التي نرغب، وانتظروا حكم الله وأمره ونحن من المنتظرين لهما أيضا. وعليه أن يتوكل على الله ويستمر في عبادته وذكره. فالأمر كله راجع إليه، وهو المطلع على كل ما خفي وظهر في السموات والأرض، وليس غافلا عما يفعل الناس مؤمنوهم وكفارهم.
والمتبادر أن الآيات استهدفت أيضا فيما استهدفته تسلية النبي ﷺ وتوكيد كونه غير مسؤول عن موقف الكفار. وكون ما نزل عليه هو الحق الذي يهتدي به الطيبون الصالحون في نواياهم وقلوبهم وأخلاقهم، كما استهدفت إنذار الكفار وتوكيد كون الله محيطا بأعمالهم وكونهم راجعين إليه ومسؤولين أمامه.
كذلك جاءت خاتمة قوية لمواقف المناظرة والجدل التي حكتها فصول السورة وخاتمة قوية أيضا للسورة.
[تم بتوفيق الله الجزء الثالث ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله تفسير سورة يوسف]
стр. 1674
فهرس محتويات الجزء الثالث
تفسير سورة الجن ٧ شرح الفصل الأول من السورة والتعليق على مدى محتوياته ٨ تعليق على مفهوم آيات الفصل ودلالته ١٧ تعليق على جملة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا ... ١٩
تفسير سورة يس ٢٠ تعليق على آيات إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ ... ٢٣
تلقينات ودلالة مثل أصحاب القرية وآياته ٢٧ تعليق على محاولة استنباط النظريات العلمية من الآيات ٣١ تعليق على تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ... ٣٢
نموذج آخر للتفسيرات الصوفية ٣٣ تعليق على حثّ القرآن على البرّ بالفقراء ٣٤ تعليق على نسبة العرب الشعر والشاعرية للنبي ٣٩ تفسير سورة الفرقان ٤٧ تعليق على زعم الكفار بأن أناسا يعاونون النبي ٥٠ تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين ٥٣ دلالة تعبيري اكْتَتَبَها وتُمْلى عَلَيْهِ ٦٣ تعليق على تحدي الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي ٦٥
стр. 1675
تعليق على ما يفرضه العرب من طبيعة للنبي تغاير طبيعة البشر ٦٥ تعليق على تعبير انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ... ٦٦
تعليق على تعبير كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً ... ٦٨
تعليق على تعبير مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ ٧١ تعليق على ما في القرآن من تكرار التنديد بالظالمين ٧١ تعليق على جملة وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ٧٦ تعليق على جملة جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ٨٠ تعليق على تحدي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة ٨٢ تلقين الآيتين [٤٣ و ٤٤] وما بعدهما ٨٦ تعليق على الأمر بالتوكل على الله ٩٣ تعليق على اسم الرحمن ٩٧ تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمن وتلقيناتها ١٠٢ تعليق على تعبير لَوْلا دُعاؤُكُمْ ١٠٥ تفسير سورة فاطر ١٠٧ تعليق على الأمر بعدم الاغترار بالدنيا ١١٠ تعليق على تعبير فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ... ١١١
تعليق على جملة وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ ... ١١٤
تعليق على جملة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ١١٨ تعليق على جملة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ١٢١ تعليق على جملة أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ١٢٥ تعليق على جملة فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ١٢٩ تعليق على جملة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ١٣١ تعليق على جملة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ١٣٢ سبب وقوف زعماء قريش موقف المعاداة ١٣٦
стр. 1676
تعليق على ما حكاه القرآن من استعجال المشركين العذاب ١٣٨ حكمة الله المنطوية في جملة وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ ... ١٤٠
تفسير سورة مريم ١٤١ تعليق على قصة ولادة عيسى وأهدافها ١٤٧ تعليق على جملة فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ١٥٨ تعليق على سلسلة الأنبياء بعد قصتي يحيى وعيسى ﵉ ١٦٠ تعليق على مغزى التفصيل في قصة إبراهيم ﵇ ١٦٢ تعليق على شخصية إدريس ﵇ ١٦٣ تعليق على الآية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والآيات الثلاث ١٦٦ تعليق على آية وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ١٦٨ تعليق على جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ١٧٣ تعليق على جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ١٧٧ تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ ... ١٨١
تفسير سورة طه ١٨٦ تعليق على الآيات الأولى من سورة طه ١٨٧ تعليق على مدى السلسلة القصصية عن رسالة موسى ﵇ إلى فرعون ١٩٠ تعليق على جملة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ١٩٣ تعليق على الحلقة الثانية من سلسلة قصص موسى ﵇ ١٩٤ تعليق على أمر الله تعالى لموسى بملاينة الكلام مع فرعون ١٩٥ تعليق على الحلقة الثالثة من سلسلة قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل ١٩٩ تعليق على الآيات المتضمنة حكاية بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ٢٠٢ تعليق على جملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ ٢٠٨ تعليق على جملة وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ٢٠٩
стр. 1677
تعليق على الآية فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ... ٢٠٩
تعليق على الجديد في قصة آدم وإبليس في هذه السورة ٢١٤ تعليق على مدى الآية التي تأمر بذكر الله وتسبيحه ٢١٦ تلقينات آية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ... ٢١٩
تعليق على تحدي الكفار للنبي بالإتيان بآية ٢٢٠ تفسير سورة الواقعة ٢٢٥ تعليق على وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ... ٢٢٨
تعليق على ما جاء في الآيات في وصف مجلس الشراب ٢٢٩ تعليق على منازل أصحاب اليمين ٢٣١ تعليق على التنديد بالترف والمترفين ٢٣٢ تعليق على تنوع أوصاف النعيم والعذاب في الآخرة ٢٣٣ تعليق على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه ٢٣٣ تعليق على آيات إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ... ٢٣٧
تفسير سورة الشعراء ٢٤١ تعليقات على الآيات التسع الأولى من السورة ٢٤٢ تعليق على كلمة مُحْدَثٍ في الآيات ٢٤٤ تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة ٢٤٧ تعليق على قصة إبراهيم وأبيه وقومه في السورة ٢٥٠ تعليق على قصة نوح ٢٥٢ تعليق على قصة هود ٢٥٤ تعليق على قصة صالح ٢٥٥ تعليق على قصة لوط ٢٥٦ تعليق على قصة شعيب ٢٥٧
стр. 1678
تعليق عام على القصص ٢٥٨ تعليق على آيات وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ ... ٢٥٩
تعليق على استعجال الكفار عذاب الله ٢٦٥ تعليق على كلمة الأعجمي والأعجمين ٢٦٥ تعليق على آيتي وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ... ٢٦٦
تعليق على آيات وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ... ٢٦٧
تعليق على آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٢٧٠ بناء الأخوة الدينية في الإسلام ٢٧١ ما في معالنة النبي لأقاربه بالبراءة ٢٧٣ تلقين جملة وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ ... ٢٧٣
تعليق على آيات هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ ... ٢٧٥
تعليق على آية وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ٢٧٦ تعليق على استثناء المؤمنين من ذم الشعراء ٢٧٦ دلالة الآيات الأربع الأخيرة من السورة ٢٧٨ تفسير سورة النمل ٢٧٩ تعليق على اجتماع كلمتي القرآن والكتاب في آية واحدة ٢٨٠ تعليق على جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ٢٨١ تعليق عام على آيات السورة الأولى ٢٨٢ تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة ٢٨٤ مغزى وصف الله نفسه بربّ العالمين ٢٨٦ تعليق على قصة داود وسليمان وملكة سبأ ٢٨٨ هدف الحلقة ومواضع العبرة فيها ٢٩٠ تعريف سبأ ٢٩١ تعليق على قصتي صالح ولوط مع قومهما ٢٩٢
стр. 1679
تعليق على الآيات التي جاءت بعد سلسلة القصص ٢٩٤ تعليق على آية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... ٢٩٨
تعليق على الدابة المذكورة في الآية [٨٢] ٣٠١ تعليق على مدى الآية وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ... ٣٠٣
تعليق على جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ٣٠٧ تفسير سورة القصص ٣٠٨ تعليق على الفصل الأول من قصة موسى وفرعون ٣١٣ تعليق على الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون ٣١٨ تعليق على آيات وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ٣٢٠ تعليق على جملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٣٢٢ تعليق على آية الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ... ٣٢٤
مشهد يسجل أثر الدعوة المحمدية والقرآن في أهل الكتاب ٣٢٦ تعليق على آية إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... ٣٢٧
تعليق على آية وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى ... ٣٣٠
تعليق على الآية وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ... ٣٣٤
تعليق على جملة وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ... ٣٣٨
تعليق على قصة قارون ٣٤٢ تعليقات على الآيات الأخيرة الأربع من سورة القصص ٣٤٦ دلالة قرآنية ٣٤٩ تفسير سورة الإسراء ٣٥١ تعليق على تعبيري المسجد الحرام والمسجد الأقصى ٣٥٦ تعليق على أحداث بني إسرائيل في أول السورة ٣٥٨ تعليق على تكرر التنويه بالقرآن في هذه السورة ٣٦٣
стр. 1680
تعليق على مدى الآية مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ... ٣٦٦
مذهب السلف الصالح في فهم القرآن ٣٦٨ تعليق على آية وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ...
٣٧٠
تعليق على مجموعة الوصايا الربانية في السورة ٣٧٥ تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ... ٣٧٦
صور من تقاليد العرب وعاداتهم ٣٧٧ تنويه بما احتوته الآيات من تلقينات هامة ٣٧٨ تعليق على صرف جملة وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ٣٨٣ تعليق على تحديد عدد السموات بسبع ٣٨٧ تعليق على آية وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا ... ٣٩٣
تعليق في صدد تفضيل الأنبياء ٣٩٧ تعليق على الآية وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ... ٤٠٠
تعليق على الآية وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ ... ٤٠٢
تعليق على آية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... ٤٠٧
تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... ٤١٠
تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ... ٤١٥
تعليق على الآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... ٤١٩
تعليق على جملة وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ ... ٤٢٣
تعليق على إعجاز القرآن وعجز الناس عنه ٤٢٩ تعليق على الآية وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ٤٣٨ تفسير سورة يونس ٤٤٢ تعليق على قول الكفار ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ... ٤٥١
مدى عقيدة الشرك عند العرب ومدى عقيدة التوحيد الإسلامية ٤٥٣ تعليق على جملة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً ... ٤٥٤
стр. 1681
تعليق على جملة يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... ٤٦٦
تعليق على جملة كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ... ٤٦٦
تعليق على الآية وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى ... ٤٦٨
تعليق على جملة صَبَّارٍ شَكُورٍ ٤٦٩ تعليق على كلمة (سورة) ٤٧٠ تعليق على آية وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ... ٤٧١
تعليق على جملة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ٤٧٦ تعليق على الآية أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ... ٤٨٣
تعليق على قصة نوح ﵇ ٤٨٧ تعليق على آيات قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل ٤٩٠ تعليق على الآية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا ... ٤٩٣
تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ... ٤٩٧
تعليق على كلمة (الحنيف) ٤٩٩ تفسير سورة هود ٥٠١ قوة استهلال السورة ٥٠٢ تعليق على ما يبدو من كلام النبي المباشر للناس ٥٠٣ تعليق على جملة وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ٥٠٦ تعليق على جملة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ٥٠٧ تعليق على الآية فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى ... ٥١١
دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن ٥١٢ تعليق على آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا ... ٥١٣
تعليق على قصة نوح ﵇ ٥٢١ تعليق على آية تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ... ٥٢٢
مواضع العبرة في قصة نوح ﵇ ٥٢٤
стр. 1682
تعليق على آية أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ٥٢٥ تعليق على قصة هود ﵇ ٥٢٧ تعليق على قصة صالح ﵇ ٥٢٨ تعليق على قصة إبراهيم ﵇ ٥٣٠ تعليق على قصة لوط ﵇ ٥٣٢ تعليق على قصة شعيب ﵇ ٥٣٤ تعليق على قصة موسى ﵇ ٥٣٥ تعليق على جملة وَهِيَ ظالِمَةٌ ٥٣٦ تعليق على جملة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ ٥٣٨ تعليق على جملة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ٥٣٩ تعليق على جملة لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ٥٤٠ تعليق على آية فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ... ٥٤٢
تعليق على الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ... ٥٤٣
تعليق على آية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ ... ٥٤٥
تعليق على جملة وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ٥٤٦ تعليق على آية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ... ٥٤٨
تعليق على آية وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى ... ٥٥٣
تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ٥٥٤
стр. 1683
ا
لجزء الرابع
سورة يوسف
الشطر الأعظم من هذه السورة احتوى قصة يوسف ﵇ وإخوته، وتبعه آيات فيها تطمين للنبي ﷺ وبشرى له وللمؤمنين وتوضيح لمهمته ومداها، وإنذار وتقريع للكفار وتقرير لحقيقة موقفهم وواقع عقائدهم. والقصة في هذه السورة جاءت مباشرة على نمط قصة موسى وفرعون في سورة القصص. وفي الآيات ما يلهم أنها نزلت إجابة لسؤال أو استفسار. وقد احتوت آيات القصة حكما ومواعظ وعبرا عديدة بحيث تطابقت في ذلك مع أسلوب القصص القرآنية وهدفها بوجه عام، وفي الآيات التي تبعت فصول القصة ما يربط بينها وبين هذه الفصول بحيث يسوغ القول إن فصول السورة نزلت متتابعة إلى أن تمت.
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات [١ و ٢ و ٣ و ٧] مدنيات، وانسجام هذه الآيات في الموضوع والسياق وصلتها بهما ومماثلة محتواها لمحتوى آيات مكية لا خلاف فيها يجعلنا نشك في صحة الرواية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)
معاني الآيات واضحة، وما قلناه في الحروف المتقطعة التي بدئت بها سور عديدة سابقة وما رجحناه من أنها للاسترعاء والتنبيه نرجحه هنا أيضا. ومعانيها واضحة وفيها تمهيد لما جاء بعدها من فصول قصة يوسف، والخطاب في
стр. 1684
لَعَلَّكُمْ موجّه للسامعين العرب ومهيب بهم إلى تدبر آيات القرآن الذي أنزله الله بلسانهم وفهمه والاهتداء به. والمتبادر من جملة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أنها توكيد لما قررته آية سورة يونس: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) وآية سورة القصص: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) على ما شرحناه في سياق تفسير السورتين شرحا يغني عن التكرار. ولقد قال بعض المفسرين «١» إن الآية تعني قصة يوسف التي كان النبي ﷺ غافلا عنها. غير أن ضمير «قبله» عائد إلى القرآن كما يتبادر ويكون تأويلنا هو الأوجه، وقد قال به غير واحد من المفسرين أيضا «٢» .
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات الثلاث مدنية وهو غريب لأنها جاءت تمهيدا لقصة يوسف وفي الآيات المكية آيات مماثلة لها تماما، ولا تظهر حكمة مدنيتها. ولم نر في كتب التفسير التي اطلعنا عليها تأييدا لهذه الرواية.
ولذلك نشك في صحتها ولقد ذكر هذه الرواية السيوطي في الإتقان وقال إنها واهية جدا.
تعليق على ما روي من أسباب نزول الآيات واستطراد إلى مسألة أخذ العلم عن الغير
وفي كتب التفسير أحاديث عديدة في سبب نزول الآيات مفادها أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون منه أن يحدثهم فوق الحديث ودون القرآن فأنزل الله الآيات منبها إلى أن ما يرد في القرآن هو أحسن القصص وأن الله قد أنزله بلسانهم ليعقلوه.
وجملة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ لا تتسق مع هذه الأحاديث
стр. 1685
التي لم يرد شيء منها في كتب الصحاح. ولقد جاء بعد قليل من الآيات آية لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) حيث يمكن أن يكون بعض أصحاب رسول الله ﷺ سألوه عن قصة يوسف ورووا ما يقوله عنها اليهود فأنزل الله فصول قصة يوسف وجعل الآيات الثلاث تمهيدا لها.
ولقد أورد ابن كثير أحاديث أخرى في سياق هذه الآيات مفادها أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ استكتبوا صحفا مما عند اليهود وأرادوا أن يعرضوها على النبي ﷺ فغضب النبي من ذلك وتلا عليهم هذه الآيات. وآية سورة الزمر اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ... الزمر: [٢٣] ومن هذه الأحاديث حديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر جاء فيه: «إن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها نقية بيضاء. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوه أو بباطل فتصدقوه. والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلّا أن يتبعني» .
وبقطع النظر عن كون هذه الأحاديث لم ترد في الصحاح وأن بعض نقاد الحديث قد تكلموا فيها فإن الفكرة فيها هي حرص النبي ﷺ على اكتفاء أصحابه بما يبلغهم إياه من آيات الله وتحذرهم ممّا في أيدي اليهود من كتب تحتمل الكذب والانشغال بها عن القرآن. ولقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» «١» . مما قد يكون فيه تأييد ما للفكرة المذكورة.
وقد تكون الفكرة صحيحة والأحاديث محتملة الصحة. وصحة الفكرة واردة بخاصة في ظرف حياة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين حيث كان أغلب اليهود يكفرون