← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٠ الى ١٣] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) (١) شيع الأولين: فرق الأولين المتنوعة، كناية عن الأقوام السابقة. (٢) نسلكه: ندخله ونلقيه. في الآيات خطاب للنبي ﷺ بأن الله قد أرسل من قبله رسلا إلى الأمم السابقة فكانوا يستهزئون بهم ويعجزونهم كما يفعل قومه معه. وتقرير رباني بأن هذا هو دأب المجرمين الذين فسدت أخلاقهم وخبثت سرائرهم فلا يؤمنون بما يأتيهم من ذكر من ربهم وقد مضت سنة الله في أمثالهم الأولين. والآيات كذلك متصلة بالسياق، وقد استهدفت تطمين النبي ﷺ وتقرير طبيعة الكفار الإجرامية، وتعليل عدم إيمانهم بذلك، والتنديد بهم وإنذارهم وسلكهم في سلك الأمم السابقة التي أهلكها الله بسبب إجرامها الذي أداها إلى عدم الإيمان بما أنزل الله من كتب وبينات. تعليق على مدى الآية كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ والآية التالية لها والآيتان [١٢- ١٣] شبيهتان بالآيتين [٢٠٠ و ٢٠١] من سورة الشعراء. وقد جاء كل منهما بعد ذكر القرآن. ولذلك أولناهما هنا كما أولناهما هناك وصرفنا الضمير في نَسْلُكُهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ إلى القرآن الذي عبر عنه هنا بكلمة (الذكر) . ولقد اختلف المؤولون والمفسرون في عائدية الضمير في الكلمتين كما

стр. 1717

اختلفوا في ذلك سياق آيات سورة الشعراء ولكن بعضهم توسع في الشرح والتعليق حيث قال الذين حرفوا الضمير في نَسْلُكُهُ إلى الكفر والشرك والاستهزاء إن الجملة تعني أن الله سبحانه أدخل الكفر والشرك والاستهزاء في قلوبهم وحسّنه لهم وأنها أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند. وأنكروا صرف الضمير إلى الذكر الذي قاله فريق آخر. وقالوا إن هذا هو قول المعتزلة «١» . والحق الذي تبادر لنا أن صرف الضمير إلى القرآن هو الأولى المتسق مع نظم الآيات ومقامها وإن في صرفه إلى الاستهزاء والكفر لورود صيغة (يستهزئون) تكلفا. وليس من شأن نسبته القول إلى المعتزلة أن نتحاشى تأييده. ونحن نتحاشى كل التحاشي من تعبير (إن الله قد حسن الكفر للكافرين وأدخله في قلوبهم) لمجرد الرغبة في إثبات القدر من العبارات القرآنية ونرى فيه شيئا من البشاعة. وننزه الله تعالى عنه وهو الذي يقول: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ الزمر: [٧] ويقول: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً [فاطر/ ٣٩] . وفي القرآن مئات من الآيات التي تحمل الكفر والإجرام لأصحابهما وترتب عليهم عقابا بسببهما وحتى لو سلمنا جدلا أن صرف الضمير إلى الكفر والاستهزاء فلا يكون في ذلك الإثبات والبرهان اللذان التمسوهما من العبارة. لأنها تصف الكفار بالمجرمين وتكون من باب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ إبراهيم: [٢٧] ووَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة: [٢٦] وكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يونس: [٣٣] والله تعالى أعلم.

стр. 1718

[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٤ الى ١٥] وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) (١) يعرجون: يصعدون. (٢) سكرت: غطيت وأغلقت. في الآيات حكاية لما يقدّر أن يقوله الكفار لو فتح عليهم باب من السماء، ونصب بينه وبين الأرض سلّم ليصعدوا عليه إلى السماء حيث كانوا يقولون حينئذ إن أبصارنا قد سكرت وإنا مسحورون، وإن ما نشاهده هو تخييل ووهم. والآيات متصلة بالسياق كما هو المتبادر وهي بسبيل وصف شدة عناد الكفار ومكابرتهم والتنديد بهم، وبسبيل تثبيت النبي ﷺ وتسليته في الوقت نفسه. وفيها تدعيم ما لما أوّلنا به الآيات السابقة حيث انطوى فيها تقرير طبيعتهم الفاسدة التي تجعلهم لا يقنعون بأي آية من آيات الله. وتوكيد للحكمة التي نبهنا عليها في مناسبات سابقة في عدم استجابة الله تعالى لتحدي الكفار بالإتيان بالمعجزات والخوارق حيث علم الله أنها لن تكون سببا لإيمانهم. ولقد صرف بعض المؤولين كما جاء في تفسير الطبري وغيره الضمير في فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ إلى الملائكة بقرينة ذكرهم سابقا كما صرفه بعضهم إلى الكفار على ما جاء في الطبري وغيره أيضا. وهذا ما رجحناه في الشرح لأنه الأكثر اتساقا مع مجموع الآيات نصا وروحا، والله أعلم. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٦ الى ٢٧] وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)

стр. 1719

(١) رواسي: كناية عن الجبال. (٢) موزون: أوجه الأقوال أن الكلمة بمعنى مقدر بحساب. (٣) ومن لستم له برازقين: المقصود بذلك الحيوانات الأخرى. (٤) لواقح: ملقحة أو مولدة. والمقصود بالجملة تقرير كون الريح يولد المطر ويسببه. (٥) الوارثون: هنا بمعنى الباقون بعد فناء الناس. (٦) صلصال: طين يابس إذا نقر عليه رنّ وصوّت. (٧) حمأ: أسود اللون. (٨) مسنون: مصبوب أو مصوّر. (٩) الجان: لغة في الجن. (١٠) السموم: أوجه الأقوال أنها الريح الحارة التي تنفذ في المسامات أو تسمم الإنسان وتقتله. وأوجه الأقوال في (نار السموم) التي لها لهب وريح شديد الحرارة قاتل. تشير الآيات إلى مظاهر قدرة الله وعظمته وسننه الكونية ونعمه على البشر والمخلوقات الأخرى وتصرّفه في الكون تصرفا مطلقا، وعلمه الشامل المحيط بالناس سابقيهم ولا حقيهم وخلقه الإنس والجن وكونه مرجع كل شيء وأنه أزلي أبدي. وعباراتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والمتبادر أنها جاءت معقبة على جميع الآيات السابقة التي حكت مواقف

стр. 1720

الكفار وعنادهم وإجرامهم بسبيل تقريعهم على هذه المواقف وتذكيرهم بعظمة الله واستحقاقة وحده للخضوع والعبادة. تعليق على آية وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ والآيات التسع التالية لها وما عدّد هنا من مظاهر قدرة الله تعالى قد تكرر في القرآن بأساليب متنوعة مرت أمثلة عديدة منها. وتضمنت جميعها لفت نظر الناس إلى ما يقع تحت أبصارهم ومشاهدتهم وحسهم، وتذكيرهم بشمول قدرة الله وعظمته ومطلق تصرفه وكونه الخالق المدبر الأزلي الأبدي، مما يؤيد ما قلناه غير مرة من أن القصد من ذلك هو العظة واسترعاء الأنظار والأذهان ودعوة الناس إلى الخضوع لله تعالى وحده، ونقول هنا ما قلناه في المناسبات السابقة المماثلة وبخاصة في سياق تفسير سورة القيامة إننا لا نرى طائلا من وراء محاولة استنباط نواميس الكون والخلق فنيا، والتوفيق بين ما هو معروف من هذه النواميس وبين ما في هذه الآيات وأمثالها، ولا من وراء محاولة استخراج قواعد فنية كونية منها. إذ أن كل هذا خارج عن نطاق هدف الآيات. ولقد علقنا على موضوع استراق الشياطين للسمع من السماء ورجمهم بالشهب بما فيه الكفاية في تفسير سورة الجن، كما علقنا بما فيه الكفاية كذلك على خلق الجن من النار والإنسان من الطين في تفسير سورة ص فلا نرى ضرورة للإعادة. وننبه فقط على أن ذكر خلق الإنسان من صلصال والجن من النار بين يدي ذكر قصة آدم وإبليس الواردة في الآيات التالية لهذه الآيات يجعل الهدف التمثيلي والتلقيني في القصة أكثر بروزا. ولقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: «كانت امرأة حسناء تصلّي خلف النبي ﷺ فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصفّ الأول لئلا يراها. وبعضهم

стр. 1721

يتأخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله الآية: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ الحجر: [٢٤] «١» . والحادث المذكور في الحديث من أحداث العهد المدني. ولا خلاف في مكية الآية فضلا عن انسجامها كل الانسجام مع السياق نظما وموضوعا. ولقد أورد الطبري الحديث ومع ذلك فإنه صوب تأويل العبارة بعلم الله لكل خلقه سواء منهم من مضى أو لم يخلق. وهذا هو الحق الذي رأيناه وأثبتناه قبل. ولقد أورد الحديث ابن كثير وقال إن فيه نكارة شديدة، والله تعالى أعلم. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٨ الى ٤٤] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) (١) بما أغويتني: أوجه الأقوال في تأويل الجملة أن إبليس اعتبر أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم سببا لغوايته فأقسم ليغوين ذريته انتقاما. (٢) هذا صراط عليّ مستقيم: أوجه الأقوال في تأويل الجملة إن نهجي وتقديري في هذا الأمر واضح مستقيم لا تبديل فيه.

стр. 1722

(٣) الغاوين: الضالين الذين سلكوا سبيل الغواية وانحرفوا عن الحق وطريق الهدى. في الآيات تذكير بقصة آدم وموقف الملائكة وإبليس من أمر الله تعالى بالسجود له وتوكيد رباني بأن الذين يتبعون إبليس وتزييناته وينحرفون عن طريق الحق والهدى هم الأشرار الغواة الذين فسدت أخلاقهم وحق عليهم بسبب ذلك عذاب جهنم، وبأن إبليس لن يكون له سلطان وتأثير على عباد الله الصالحين المخلصين الذين حسنت نواياهم وطابت أخلاقهم فاتبعوا الحق والهدى. والآيات كما يبدو جاءت استطرادية، حيث انتهت الآيات السابقة لها بذكر خلق الإنسان والجان، فجاءت هذه تستطرد إلى ذكر قصة آدم وإبليس اللذين يمثلان الإنس والجن. وقد جاءت القصة هنا كما جاءت في السور السابقة في سياق ذكر مواقف الكفار وتعجيزهم ومكابرتهم وقصد بها التذكير والعظة. ولقد أسهبنا في التعليق على القصة من وجهة الأهداف ومن وجهة الموضوع بما فيه الكفاية في تفسير سورة ص والأعراف والإسراء فلا نرى حاجة إلى إضافة شيء جديد هنا إلا التنبيه إلى أن في سبق القصة بذكر خلق الإنسان من صلصال والجان من نار بيانا جديدا، يجعل الصلة والحكمة في القصة واضحتين أكثر. تعليق على أبواب جهنم السبعة لقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون في صدد ذلك، وليس منها شيء صادر عن النبي ﷺ الذي هو وحده المصدر الصادق لتوضيح المشاهد الأخروية الغيبية، ومع واجب المسلم بالإيمان بما جاء في القرآن من ذلك ومنها أبواب جهنم السبعة والوقوف عنده بدون تخمين وإيكال تأويله إلى الله تعالى فقد يتبادر أن من حكمة ذكر ذلك كونه متساوقا مع ما شاءت حكمة الله من وصف مشاهد الآخرة بأوصاف الدنيا المألوفة على ما نبهنا عليه سابقا وكون قصد الآية مع السياق هو

стр. 1723

إرهاب الكفار وإثارة الخوف فيهم بتصوير مصيرهم في صحبة إبليس الذي كانوا يعرفونه عدوا لعينا هذا التصوير المفزع، والله تعالى أعلم. تعليق على مدى جملة بِما أَغْوَيْتَنِي ذكرنا في شرح الكلمات أوجه ما قيل في تخريج الجملة ونزيد هنا فنقول إنها حكاية لقول إبليس وليس في السياق إقرار لهذا القول. فتبقى من نوع حكاية أقوال الكفار والمشركين مثل: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [الزخرف/ ٢٠] و: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل/ ٣٥] وغيرهما. وقد سفّه الله قولهم في تتمة كل آية. وفي المقام الذي نحن فيه وفي المقام الذي جاءت فيه الجملة في سورة الأعراف [الآيات ١٦ وما بعدها] ردّ من الله على إبليس متمثل في الآيات [٤١- ٤٤] هنا وفي الآية [١٩] في سورة الأعراف. فلا يبقى إشكال ولا محل لتمحل المتمحلين في صدد العبارة القرآنية. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٥ الى ٥٠] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) (١) غلّ: حقد. (٢) نصب: تعب ومشقة. في الآيات بيان لما سوف يلقاه المتقون في الآخرة من تكريم وأمن وخلود الجزء الربع من التفسير الحديث ٤

стр. 1724

في الجنات والعيون، والجلوس على الأسرّة هادئي البال قريري العين، وقد تطهروا من الغل والحقد وسائر الأعراض البشرية الدنيوية المكروهة، وأمر للنبي ﷺ بأن يعلن الناس أن الله هو الغفور الرحيم وأن عذابه هو العذاب الأليم. والمتبادر أن الآيات الأربع الأولى جاءت تتمة لما سبقها لمقابلة ذكر مصائر الكفار جريا على الأسلوب القرآني. أما الآيتان الأخيرتان فقد جاءتا كتعقيب ختامي للكلام انطوى فيه قصد إعلان الناس أن الله كما هو الغفور الرحيم للمخلصين والتائبين فإنه شديد العذاب للجاحدين الأشرار. وقد استهدفتا فيما استهدفتاه تثبيت المتقين المخلصين ودعوة للكفار والمذنبين إلى الإنابة إلى الله. ولعل في الآية جوابا ضمنيا لما يمكن أن يرد على بال إنسان ما ممّا قد يعتري المرء من أبدية حياة رتيبة ولو كانت نعيما من ملل حيث تطمئن أهل الجنة بأنهم لن يمسهم فيها نصب. وفي سورة فاطر التي مرّ تفسيرها زيادة وهي لا يمسهم فيها لغوب أيضا واللغوب بمعنى الإعياء الذي هو فوق التعب العادي وذلك في الآيتين [٣٤- ٣٥] . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية [٤٨] حديثا رواه مسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينادي مناد من أهل الجنة إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا» «١» . وهناك حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ يصح إيراده في مناسبة الآيتين [٤٦ و ٤٧] جاء فيه: «إنّ أهل الجنة لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم واحدة يسبّحون لله بكرة وعشيا» «٢» . حيث يتساوق الحديثان النبويان في التلقين والبشرى مع الآيات القرآنية. ولقد روى ابن كثير حديثين عن مصعب بن ثابت أخرج أولهما ابن أبي حاتم

стр. 1725

وثانيهما ابن جرير. وجاء في أولهما: «مرّ رسول الله ﷺ على أناس من أصحابه يضحكون فقال اذكروا الجنة. اذكروا النار فنزلت نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) الحجر: [٤٩- ٥٠] وفي ثانيهما: «طلع رسول الله ﷺ على أناس من أصحابه فقال: ألا أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقرى قال إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال يا محمد إن الله يقول لم تقنط عبادي، نبىء عبادي أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم» . والأحاديث ليست وثيقة وهي من المراسيل كما وصفها ابن كثير. ومقتضاها أن تكون الآيتان نزلتا لحدتهما مع أنهما منسجمتان مع ما قبلهما ومع ما بعدهما. ومن المحتمل أن يكون النبي ﷺ تلاهما في موقف مماثل للموقف المروي فالتبس الأمر على الرواة إذا صح الحديث، والله أعلم. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٥٦] وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) (١) وجلون: خائفون. هذه الآيات حلقة من سلسلة قصصية، ومعانيها واضحة. وفيها إشارة إلى قصة تبشير إبراهيم ﵇ بغلام بعد أن شاخ ويئس من الإنجاب وقد جاء ذلك في سورة هود أيضا وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. وفي الآيات شيء جديد وهو حكاية المحاورة بين إبراهيم ﵇ وضيفه في صدد البشرى بالغلام، في حين أن سورة هود حكت المحاورة في صدد

стр. 1726

ذلك بين زوجة إبراهيم والضيوف، وسفر التكوين المتداول اقتصر على حكاية هذه المحاورة دون تلك. ونعتقد أن تلك المحاورة أيضا كانت مما هو وارد فيما كان بين أيدي اليهود من نصوص لم تصل إلينا ومما هو متداول في بيئة النبي ﷺ . وفي هذه المحاورة مواضع عبر يتبادر لنا أن من أهداف الآيات دعوة سامعي القرآن إلى الاعتبار بها بدليل بدء الآيات بأمر النبي ﷺ بإنباء السامعين بالقصة. وهذه العبر هي التأميل في رحمة الله والنهي عن القنوط منها، وتقرير كون الأمل متلازما مع الإيمان، والقنوط متلازما مع الكفر والضلال. وبهذا تبدو حكمة تكرار القصص وتنوع أساليبها كما هو ظاهر. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٧ الى ٧٧] قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) (١) منكرون: مجهولون.

стр. 1727

(٢) جئناك بما كانوا فيه يمترون: جئناك بما كان قومك يرتابون به ويكذبون ويجادلون فيه وهو عذاب الله. (٣) مصبحين: عند الصباح. (٤) يستبشرون: مظهرون فرحهم لأنهم ظنوا أنهم سيظفرون بالضيوف لقضاء وطرهم منهم على عادتهم القبيحة. (٥) مشرقين: عند الإشراق. (٦) المتوسمين: المتفكرين المتفرسين أو المتأملين في حقائق الأمور وعبر الدهر. (٧) وإنها لبسبيل مقيم: كناية عن بلاد لوط التي دمرها عذاب الله، فهي قائمة على طريق معروف للسامعين «١» . وهذه حلقة ثانية من سلسلة القصص، وقد احتوت قصة لوط وقومه ومهّد لها بالمحاورة في صدد قوم لوط بين إبراهيم ورسل الله. ومعاني الآيات واضحة ومعظم ما جاء هنا قد جاء في سورة هود أيضا مع بعض الخلاف الأسلوبي الذي اقتضته حكمة التنزيل وقد علّقنا على القصة في سياق تفسير سورة هود بما يغني عن التكرار. والجديد فيها الإشارة إلى أن قوم لوط كانوا يمارون في عذاب الله الذي توعدهم به، وأن بلادهم هي على طريق معروف ففي النقطة الأولى إنذار للكفار العرب الذين كانوا يمارون مثلهم فيما كانوا يوعدون من عذاب الله ويستهزئون به. وفي الثانية تذكير لهؤلاء ببلاد قوم لوط التي هي في طريق قوافلهم والتي يشاهدون آثار تدمير الله فيها. ففي كل ذلك موعظة لمن يفكر ويتفرس في الأمور، وآية للمؤمنين. ولقد جاء هذا التذكير في آيات سورة الصافات [١٣٣- ١٣٨] بأسلوب أكثر صراحة.

стр. 1728

ولقد أورد الطبري وابن كثير وغيرهما في سياق الآية [٧٥] أحاديث نبوية منها حديث رواه الترمذي أيضا عن أبي سعيد عن النبي ﷺ جاء فيه: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثمّ قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ «١» وأوردوا حديثا آخر أخرجه الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال: «قال رسول الله ﷺ إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسّم» . ورواة الأحاديث من أهل العهد المدني فتكون قد صدرت عن النبي ﷺ في هذا العهد. وفيها استيحاء نبوي من الآية فيه تنويه بما يكون للإيمان من أثر في صاحبه حتى ليجعله ذا نفوذ وصدق ونظر وقول وحكم. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) (١) إمام مبين: أيضا بمعنى طريق واضح «٢» حيث كانت منازل أصحاب الأيكة في طريق قوافل العرب في جهات العقبة. الآيتان من السلسلة القصصية وفيهما إشارة خاطفة إلى أصحاب الأيكة وانتقام الله منهم كما اقتضته حكمة التنزيل. وأصحاب الأيكة هم أهل مدين قوم شعيب على الأرجح على ما شرحناه في سياق سورة الشعراء التي ذكروا فيها مع اسم شعيب. ومدين واقعة في جهات العقبة على طريق قوافل العرب أيضا. وقد استهدفت الآيتان تذكير العرب بنقمة الله التي حلّت بأهلها والتي يرون آثارها حينما يمرون ببلادهم نتيجة لظلمهم وإنذارا لهم.

стр. 1729

[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٠ الى ٨٤] وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) والآيات آخر حلقات السلسلة ومعانيها واضحة، وقد احتوت خبر تكذيب أصحاب الحجر لرسلهم وإعراضهم عن آيات الله وحلول عذاب الله فيهم نتيجة لذلك، دون أن يغني عنهم ما كسبوا وما نحتوا من البيوت في الجبال. وقد استهدفت- على ما هو المتبادر- تذكير كفار العرب وإنذارهم كما استهدفته الحلقات السابقة. وأصحاب الحجر هم على الأرجح قبائل ثمود قوم صالح الذين ذكرت قصتهم مع نبيهم في سورة هود والشعراء والنمل والأعراف وغيرها. لأن نحت البيوت في الجبال قد كان ممّا وصف به ثمود قوم صالح في سور هود والشعراء والأعراف. وبلادهم تعرف اليوم بمدائن صالح. وهي الأخرى واقعة في طريق القوافل العربية من الحجاز إلى بلاد الشام حيث تكون القصة بالأسلوب الذي جاءت به قد استهدفت تذكير كفار العرب بالدمار الرباني الذي حلّ بهذه البلاد والذي يشاهدونه في ذهابهم وإيابهم نتيجة لتكذيبهم لرسل الله وإعراضهم عن آياته. هذا، ويلحظ أن حلقة القصص استهدفت في هذه السورة التذكير بالأمم التي كانت تقطن المناطق الواقعة في طريق القوافل الحجازية، والآيات تلهم أن العرب كانوا يعرفون ويعترفون بأن ما حلّ في هذه البلاد من التدمير الذي كانوا يشاهدون آثاره كان عذابا ربانيا ومن هنا جاء الإنذار محكما والحجة قوية. وآيات سورة الصافات [١٣٢- ١٣٨] ذكرت ذلك صراحة: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وفي سورة العنكبوت مثل هذه الصراحة

стр. 1730

بالنسبة لعاد وثمود: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [٣٨] . [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) (١) فاصفح الصفح الجميل: المتبادر أن الجملة في معنى «واهجرهم هجرا جميلا» التي شرحناها في سورة المزمل. في الآيتين توكيد رباني بأن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض وما بينهما عبثا، وإنما خلقهما بالحق ولحكمة جليلة لا بد من تحقيقها، وبأن الساعة التي يبعث الناس فيها آتية من دون ريب، وأمر للنبي ﷺ بالإغضاء عن مواقف الكفار المثيرة المعجزة وعدم الاغتمام والحزن منها، والمرور بها مرّ الكرام، فربّه هو الذي خلق الناس جميعا وهو العليم بأمورهم خفيها وعلنها. والمتبادر أن الآيتين جاءتا معقبتين على موقف الكفار الذي حكته الآيات السابقة لسلسلة القصص بسبيل تطمين النبي ﷺ وتثبيته وإنذار الكفار وتوكيد تحقيق ما يوعدون به. والمتبادر كذلك أن الآيات عنت بالساعة الآتية أنها من ذلك الحق الذي لم يكن عبثا من الله. وقد تكرر هذا في آيات عديدة مرّ بعضها في السور التي سبق تفسيرها وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. ولقد ذكر المفسرون أن جملة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ نسخت بآيات القتال وقد علقنا على مثل هذا في مناسبات سابقة بما يغني عن التكرار أيضا والجملة في مقامها قد توخت كما قلنا تثبيت النبي ﷺ في الدرجة الأولى. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٧ الى ٨٩] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)

стр. 1731

(١) أزواجا منهم: بمعنى أصناف أو جماعات منهم. الآيات استمرار في التعقيب وفي تطمين النبي ﷺ وتسليته. فقد كرمه الله وحباه بما آتاه من المثاني السبع والقرآن العظيم. فعليه أن يستمر في دعوته إلى الله تعالى وإعلان أنه نذير للناس من قبل الله، وأن يخفض جناحه للذين آمنوا وصدقوا ويغدق عليهم عطفه وبره، وألّا يبالي ولا يحزن مما يبدو من الكفار من عناد وإعراض ولا بما يتمتع به بعضهم من المال والجاه. فما آتاه الله خير وأبقى وما أوتوه عرض زائل لا يعني رضاء الله وإنما أوتوه باقتضاء حكمته ونواميس كونه. تعليق على جملة وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقد تعددت الروايات والأقوال في «المثاني السبع» فروي أنها الفاتحة استنادا إلى حديث رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ جاء فيه: «أم القرآن هي السبع المثاني» «١» . وأن تسميتها بالسبع المثاني لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة أو لأن فيها ثناء على الله تعالى وهي سبع آيات. وروى بعضهم أنها السور السبع الطوال وأنكر بعضهم هذا القول لأن سورة الحجر نزلت قبل نزول السور السبع الطوال التي هي مدينة «٢» .

стр. 1732

والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية [٨٧] التي فيها الجملة مدنية، ولعل ذلك بسبب ما روي من أن السبع المثاني هي السبع الطوال. ومعظم الأقوال تؤيد كون المقصود من الجملة سورة الفاتحة، وهو الأوجه والأرجح عندنا أيضا. ولا سيما أن السبع الطوال لم تصبح كذلك إلّا بعد ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في مصحف. وهذا إنما تم في أواخر عهد النبي ﷺ . ولذلك فإن إنكار صرف الجملة إليها في محله، ويتبع هذا إنكار رواية مدينة الآية. تعليق على الآية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ روى ابن كثير في صدد الآية حديثا جاء فيه: «إن النبي ﷺ ضافه ضيف ولم يكن عنده شيء فأرسل إلى رجل من اليهود يستلف منه دقيقا فقال لا إلّا برهن فرجع فأخبر النبي بجوابه فقال أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ولو أسلفني لأديت له فلما خرج الرجل نزلت الآية» . والحديث ليس من الصحاح والحادث المذكور فيه مدني والآية مكية لا خلاف فيها وهي منسجمة نظما وسياقا مع ما قبلها ومع ما بعدها. فضلا عن أن الحديث لا يتناسب مع مدى الآية. ولقد ورد في سورة طه آية مماثلة لهذه الآية وروي في سياقها نفس الحديث. وفندنا صلته بالآية كما فعلنا هنا. ولقد قال بعض المفسرين إن في الآية نهيا للنبي ﷺ عن تمني ما عند الكفار ونحن نجل النبي ﷺ عن أن يدور في خاطره ذلك. وكل ما يحتمل أن يكون تعجب منه أو من بعض أصحابه من حسن حال الكفار وكثرة مالهم على كفرهم فاقتضت حكمة التنزيل تسليتهم وتطمينهم على النحو الذي شرحناه والذي نرجو أن يكون فيه الصواب. والتعجب من حسن حال الكفار حالة نفسانية كانت متجددة الباعث في العهد المكي بنوع خاص فضلا عن كونها كذلك في كل ظرف، وهذا ما يفسر حكمة تكرر النهي والتنبيه على ما هو المتبادر.

стр. 1733

[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) (١) كما أنزلنا: قيل إن نظمها مرتبط بجملة وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي بحيث يكون تقدير الكلام «كما آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم وأنزلنا على المقتسمين» وقيل إن نظمها مرتبط بجملة إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ بحيث يكون تقدير الكلام «إني نذير لكم بعذاب الله كما أنزل عذابه على من تحالف وتقاسم ضد أنبيائه من قبلكم» . (٢) المقتسمين: تعددت الأقوال في تأويلها فقيل إنها تعني اليهود والنصارى الذين اقتسموا كتب الله حيث اختص كل منهم بشيء منها. وقيل إنها تعني نفرا من زعماء مكة اقتسموا أبواب مكة ومداخلها ليلاقوا الوافدين عليها ويحذروهم من النبي ﷺ . وفيها إنها تعني الذين تقاسموا بالأيمان من المشركين والكتابيين على مخالفة النبي ﷺ . وقيل إنها تعني الذين تقاسموا بالأيمان على مخالفة الأنبياء من قبله فأنزل الله عذابه عليهم وأهلكهم. وقيل إنها تعني رهط صالح الذين تقاسموا على اغتياله فأهلكهم الله كما ورد في سورة النمل «١» . (٣) عضين: جمع عضة. قيل إنها بمعنى أجزاء متفرقة حيث يكون المقتسمون جعلوا القرآن أجزاء صدقوا بعضها وكذبوا بعضها، أو نعتوا بعضها بنعت وبعضها بنعت آخر وهناك حديث رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: «هم أهل الكتاب جزّؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه» . وقيل إنها بمعنى السحر: أي أن المقتسمين قالوا إن القرآن سحر «٢» . مهما بدا على الآيات من إشكال نظمي تحير فيه المفسرون وتعددت أقوالهم في صدد المقصود من المقتسمين وارتباط جملة كَما أَنْزَلْنا على ما شرحناه في

стр. 1734

نبذة شرح الكلمات شرحا يغني عن تكراره مرة ثانية فالمتبادر أنها بسبيل إنذار الذين وقفوا من القرآن موقف الجحود ومن النبي ﷺ موقف المناوأة، وتوكيد كون الله تعالى سوف يسألهم جميعا عما فعلوه ويجزيهم عليه بما يستحقون. وفيها في الوقت نفسه استمرار في تطمين النبي ﷺ وتسليته. ومن هنا تظل الصلة قائمة بينها وبين السياق السابق. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٩] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) (١) اصدع: أطع ونفذ أو امض لما تؤمر به. (٢) اليقين: معظم الأقوال على أن الكلمة هنا عنت الموت، وهناك حديث رواه البخاري عن سالم بن عبد الله أحد أصحاب رسول الله أن الكلمة عنت الموت. «١» في الآيات أمر للنبي ﷺ بالاستمرار في الدعوة والجهر بها والقيام بالمهمة التي أمر بها دون مبالاة بالمشركين. وتطمين رباني بأنه قد كفاه شر المستهزئين به الذين يشركون مع الله غيره والذين سوف يرون سوء عاقبة كفرهم ومواقفهم فلن يصل إليه أذاهم. وتسلية ربانية ثانية له، فالله يعلم أنه ليضيق صدره بما يقولون عنه وعن القرآن ويحزن منه فليهدأ روعه وليطمئن قلبه وليسبح الله ويذكره ويسجد له ويعبده ما دام حيا، ففي ذلك سكينة للقلب وطمأنينة للروح وتهدئة للنفس.

стр. 1735

تعليق على الآية فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ والآيات الخمس التالية لها ولقد روى الطبري وغيره في سياق الآية الأولى روايات تفيد أن النبي ﷺ ظل مستخفيا حتى نزلت، فخرج هو وأصحابه وهذه الروايات لم ترد في كتب الصحاح. ولقد استدللنا من نصوص السور المبكرة في النزول على أن النبي ﷺ جهر بالدعوة منذ نزول الوحي عليه وظل على ذلك دون انقطاع. وكل ما يمكن أن يصح هو أنه كان يلتزم جانب الحذر في الاجتماع والصلاة بأصحابه حماية لهم على ما شرحناه في سياق سورتي العلق والمزمل وقد يكون الاستخفاء الذي ترويه الروايات هو هذا. ولقد روى الطبري وغيره في سياق الآية الثانية أن خمسة من ذوي الأسنان والشرف في قريش كانوا أكثر المستهزئين بالنبي ﷺ مع اختلاف في أسمائهم فلما تمادوا دعا النبي ﷺ فأنزل الله الآية. وصار النبي بعدها يومىء على واحد منهم بعد الآخر فلا تلبث أن تصيبه نازلة فتقتله. وفي رواية إن جبريل نزل فأخذ النبي يشير إليهم واحد بعد آخر فيقول له كفيته ثم يصاب بنازلة فتقتله. وفي رواية إن الآية نزلت لتطمين النبي ﷺ وتبشيره ثم كانوا من هلكى بدر فتحققت البشرى. والروايات لم ترد في الصحاح وقد تكون الأسماء التي ذكرت فيها ممن كانوا أشد أذى ومناوأة للنبي ﷺ من غيرهم. ولكن روح الآيتين ومقامهما يلهمان أنهما جزء من السياق السابق، وإنهما بسبيل تثبيت النبي ﷺ وبث القوة والجرأة في نفسه مع بشرى من الله بأنه كافيه وحاميه وعاصمه من المستهزئين بصورة عامة. وهي قوية رائعة في تلقينها وتطمينها وفي الخطة الحكيمة التي أمر النبي ﷺ فيها بترسمها إزاء موقف الكفار وعنادهم. وجاءت خاتمة قوية للسورة التي احتوت فصولا في مواقف الكفار وأقوالهم وإنذارهم وطابع الختام بارز عليهما كما هو المتبادر. ولقد تحققت بشرى الله لرسوله بأنه قد كفاه المستهزئين وعصمه

стр. 1736

منهم فكانت معجزة من معجزات القرآن. وذلك بما كان من عدم قدرتهم عليه رغم مؤامراتهم، وثم بما كان من انتصاره عليهم وهزيمة الشرك الساحقة وهلاك معظم رؤساء المستهزئين والمناوئين ودخول الناس في الله أفواجا، ثم في سلامة النبي ﷺ من المكر والكيد والمؤامرات التي عمد أولئك الرؤساء إليها ضده والتي حكاها القرآن في آية سورة الأنفال هذه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) . ونقف عند جملة فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لنقول إنها كما قلنا بسبيل تثبيت النبي ﷺ في الظرف الذي نزلت فيه وينبغي أخذها على هذا الاعتبار لا على اعتبار أمر الله لنبيه بإهمال المشركين وتجاوزهم. فدعوة المشركين إلى الله من مهمة النبي الأصلية. والقرآن واصل أوامره للنبي ﷺ بمواصلة الجهد في سبيل هذه المهمة. والنبي ظل يواصلها فعلا والأمر فَاصْدَعْ ينطوي على وجوب هذه المواصلة بحيث يكون معنى وَأَعْرِضْ في مقامها (لا تأبه بمناوأتهم) وقد تكرر مثل هذا في المواقف المماثلة ومرت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها. وبعضهم يرى أن الجملة ترك المشركين وشأنهم وأنها نسخت بآيات القتال في العهد المدني، وقد يصدق النسخ بالنسبة لمن وقف وظل يقف من الإسلام والمسلمين موقف الأذى والعدوان، وهذا ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة أيضا.

стр. 1737

سورة الأنعام في السورة فصول ومشاهد متنوعة عما كان يقع بين النبي ﷺ والكفار من مناظرات. وقد حكي فيها تعجيزهم وما كان يلهم بالنبي ﷺ من همّ وغمّ من جرّائها. وفيها تنديدات وإنذارات قاصمة للكفار وبخاصة لزعمائهم على مواقف المكابرة والعناد التي يقفونها والأدوار الخبيثة التي يقومون بها. واستشهاد بالذين أوتوا الكتاب على صحة رسالة النبي ﷺ وصلة القرآن بالله وشهادتهم بذلك. وفيها تقريرات عديدة عن عظمة الله تعالى وقدرته وشمول حكمه وبديع نواميس كونه. وفيها فصول وصور عن عقائد العرب ونذورهم وتقاليدهم في الأنعام والحرث وقتل الأولاد والذبائح، وحجاج في صددها بين النبي ﷺ وبين الكفار وفيها مجموعة رائعة من الوصايا في التوحيد ومكارم الأخلاق وحملة على الذين يتبعون الأهواء. والسورة من أمهات السور الجامعة الرائعة، وقد روى ابن كثير بخاصة وغيره من المفسرين مثل البغوي والطبرسي والخازن والزمخشري أحاديث عن أصحاب رسول الله ﷺ في صدد خطورة هذه السورة ونزولها منها عن ابن عباس قال: «نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح» وعن أسماء بنت يزيد قالت: «نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ جملة واحدة وأنا آخذة بزمام ناقته، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة» . وليس شيء من هذه الأحاديث واردا في كتب الصحاح بل ولم يرو الطبري الذي كان أقدم وأكثر المفسرين استيعابا للمأثور منها شيئا. ومع ذلك فيتبادر لنا أنها تدل على ما كان من ذكريات خطورة شأن السورة حين نزولها. وفصول السورة منسجمة

стр. 1738

متلاحقة وهذا يلهم بحد ذاته أن تكون نزلت متتابعة إن لم تكن نزلت دفعة واحدة. والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن الآيات [٢٠ و ٢٢ و ٩١ و ٩٣ و ١١٤ و ١٤١ و ١٥٢ و ١٥٣] مدنيات. وروى البغوي عن ابن عباس أن الآيات [٩١ و ٩٢ و ٩٣ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٥٣] مدنيات. وسياق هذه الآيات وفحواها وانسجامها مع ما قبلها وبعدها على ما سوف ننبه عليه في مناسباتها يسوغ الشك في هذه الروايات وترجيح مكية الآيات والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) (١) يعدلون: يساوون أو يجعلون لله تعالى معادلين ومساوين وهم شركاؤهم. (٢) ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده: معظم المفسرين على أن الأجل الأول هو فترة الحياة الأولى إلى الموت والأجل الثاني هو موعد بعث الله الأموات للحساب الأخروي. معاني الآيات واضحة وقد احتوت تنديدا بالكفار المشركين لتسويتهم بين الله تعالى وشركائهم ومماراتهم في البعث، وإعراضهم عما يأتيهم من ربهم مع أنه هو الذي خلقهم وهو رب السموات والأرض يعلم سرهم وجهرهم وما يكسبون

стр. 1739

وجعل لهم أجلا في الحياة ثم أجلا للبعث والحساب. ثم أنذرتهم بأنهم سوف يرون تحقيق ما أوعدوا به جزاء استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم لها، وذكرتهم بالأمم التي من قبلهم والتي أهلكها الله لمثل ذلك السبب وكانت أقوى منهم قوة وتمكينا. والآيات مقدمة استهلالية بين يدي حكاية بعض أقوال ومواقف الكفار، وروحها تلهم أن الكفار كانوا يعترفون بالله وكونه صاحب الأمر في الكون، وأنهم كانوا يعرفون خبر الأمم السابقة التي أهلكها الله لمواقفهم من رسله وآياته، وبهذا وذاك تبدو قوة الحجة والإلزام في الآيات وهذا وذاك مما قررته آيات وفصول قرآنية كثيرة مرت أمثلة عديدة منها. ولقد قال بعض المؤولين على ما رواه البغوي إن جملة وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ تعني الكفر والإيمان غير أن الجمهور على أنها تعني الليل والنهار وهو الأوجه المتساوق مع روح الآيات هنا وفي مكان آخر. وإن كان القرآن استعمل في آيات أخرى هذه الجملة لذلك المعنى كما جاء في آية سورة إبراهيم هذه: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [١] وتكرر هذا في غير سورة. والمؤولون يصرفون تعبير خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ إلى خلقه آدم الأول الذي ذكر بأنه خلقه من طين ومن تراب في آيات عديدة أخرى مرّ بعضها في السور التي سبق تفسيرها. غير أن ورود التعبير بضمير الجمع المخاطب لا بد له من حكمة وقد يكون من ذلك تذكير السامعين من بني آدم بأصل خلقتهم وقدرة على خلقهم وبعثهم ثانية حين ينقضي الأجل المعلوم. [سورة الأنعام (٦) : آية ٧] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) (١) قرطاس: الورق أو ما يقوم مقامه للكتابة من مواد مصنوعة. وجملة الجزء الرابع من التفسير الحديث ٥

стр. 1740

كِتاباً فِي قِرْطاسٍ تعني قرطاسا مكتوبا عليه كتابة. في الآية وصف لشدة عناد الكفار وتكذيبهم حتى لو أنزل الله تعالى على النبي ﷺ قرطاسا عليه كتابة فلمسوه بأيديهم لقالوا إن هذا سحر وليس حقيقة. ولقد روى بعض المفسرين «١» أن الآية نزلت جوابا لتحدي بعض زعماء الكفار حيث قالوا للنبي ﷺ إنهم لن يؤمنوا حتى ينزل عليه كتاب في قرطاس ومعه أربعة من الملائكة يشهدون على صحة صدوره من الله وعلى صحة نبوة النبي ﷺ . والرواية لم ترد في الصحاح ولكن القرآن حكى مثل هذا التحدي عن زعماء كفار قريش في سورتي المدثر والإسراء. حيث جاء في الأولى هذه الآية: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) وحيث جاء في الثانية: أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [٩٣] والذي يتبادر لنا من نظم الآية وعطفها على ما سبقها أنها جاءت مع الآيات السابقة واللاحقة لها سياقا واحدا بسبيل تصوير كون مواقف ومطالب الكفار هي عنادا وليست رغبة في القناعة عن حسن نية. وهذا لا يمنع أن يكون انطوى في الآية جواب على تحدّ وقع من الكفار في ظروف نزولها. ويكون الجواب في هذه الحالة من نوع الأجوبة السلبية التي تكررت في القرآن واقتضتها حكمة الله بعدم الاستجابة لتحدي الكفار كلما طالبوا النبي ﷺ بمعجزة على ما شرحناه في مناسبات سابقة. تعليق على كلمة «قرطاس» وبمناسبة ورود كلمة قرطاس لأول مرة نقول إن من المفسرين من قال إنه الورق ومن قال إنه الصحيفة ومن قال إنه الكاغد «٢» . وقد وردت الكلمة في القرآن

стр. 1741

مرة أخرى بصيغة قراطيس في إحدى آيات هذه السورة بمعنى الصحف أو أوراق الصحف. وعلى كل حال فالمتبادر أنه مادة ملساء خاصة بالكتابة ولعله الورق الحريري الذي يقال له البارشمن والذي روي أنه كان مستعملا في عصر النبي ﷺ في البلاد المتحضرة. أو لعله الورق المصري المصنوع من البردي والمسمى بالبابيروس. وورود الكلمة في القرآن يدل على أن الورق أو ما يمكن أن يوصف بهذا الوصف كمادة يكتب عليها مما كان معروفا ومستعملا في عصر النبي ﷺ وبيئته قبل نزول القرآن. ولقد روت الروايات أنه كان يكتب في بيئة النبي ﷺ وفي حياته ممتدا إلى ما قبله على الرق المتخذ من جلد الأنعام وعلى أكتاف العظام ولحاف الشجر وقطع النسيج. وقد يكون هذا صحيحا، غير أن أسلوب الآية وعدم ورود ذكر لغير القرطاس والرق «١» في القرآن كمادة للكتابة قد يدل على أن الكتابة على هاتين المادتين هي المألوف الذي لا يرد على البال غيره. ولما كان القرطاس قد تكرر ذكره في القرآن وجاء في صيغة جمع كما قلنا آنفا فيكون هو المألوف في الدرجة الأولى. ويكون ما استقر في الأذهان من بدائية أهل عصر النبي ﷺ وبيئته وكون أكتاف العظام ولحاف الشجر وقطع النسيج هي مادة الكتابة عندهم مبالغا فيه كثيرا. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨ الى ٩] وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) (١) وللبسنا عليهم ما يلبسون: أوجه التأويلات لهذه الجملة أنها بمعنى

стр. 1742

(التبس عليهم الأمر فألبسهم الله ما ألبسوه لأنفسهم من الشك في كون رسل الله إليهم بشرا مثلهم) . تعليق على طلب «الكفار استنزال الملائكة وردّ القرآن عليهم» في الآيات حكاية تحدّ للكفار يطلبون به أن ينزل على النبي ﷺ ملك يؤيد صلته بالله. وردّ عليهم أولا: بأن الله تعالى لو أنزل ملكا لكان في ذلك إيذان بحلول أجلهم وقضاء أمر الله فيهم، وحينئذ لا يبقى إمكان لإمهالهم وينصب عليهم البلاء والتدمير. وثانيا: بأن حكمة الله لو اقتضت إنزال ملك لجاءهم على صورة رجل، وحينئذ لا تكون المشكلة قد حلت إذ يكون التبس الأمر عليهم ولم يروا ما طمعوا في رؤيته على حقيقته. ووقعوا في الشك الذي وقعوا فيه حينما شكوا في أن يرسل الله رسولا من البشر فكانوا سببا في إلباس الله لهم ما ألبسوه لأنفسهم بهذا الشك. ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد المحكي قولهم في الآية الأولى. ويلحظ شيء من الفرق بين أسلوب هذه الآية وأسلوب الآية السابقة لها حيث جاءت الآية السابقة بأسلوب المفروض من موقفهم إذا أنزل الله على النبي ﷺ كتابا في قرطاس في حين جاء أسلوب هذه الآية حكاية لطلب وتحدّ من بعض الكفار. وحيث يسوغ هذا أن يقال إن الآيات بسبيل حكاية موقف تحدّ وجدل وجاهي والرد عليه. وإذا صح هذا تكون الآيات السابقة مقدمة لهذا الموقف، على أن احتمال كون الآيات استمرارا للسياق السابق بسبيل حكاية مواقف الكفار وتحدياتهم المتكررة واردا أيضا وفي هذه الحالة يكون ما حكته من تحدّ قد سبق نزول السورة فأشير إليه في معرض حكاية مواقف الكفار وتحدياتهم. ولقد تكررت حكاية طلب الكفار استنزال الملائكة ومرت أمثلة من ذلك في السور التي سبق تفسيرها التي سبقت هذه السورة مباشرة على التوالي أي سور الحجر وهود ويونس ثم في سورتي الإسراء والفرقان قبلها. حيث يدل هذا على ما ذكرناه في سياق سورة المدثر من الجزء الكبير الذي كان يشغله الملائكة في أذهان

стр. 1743

العرب قبل الإسلام واعتقادهم بوجودهم وصلتهم واختصاصهم بالله وكونهم منفذي أوامره وأصحاب الحظوة لديه. والجديد هنا هو ذكر كون الله تعالى إذا ما شاء إنزال ملك أنزله في صورة رجل وهناك آيات تفيد أن سنّة الله جرت على مثل ذلك في الملائكة الذين كان يرسلهم الله إلى بعض أنبيائه. ومن ذلك ما تفيده آيات [٦٨- ٨٠] من سورة هود والآية [١٧] من سورة مريم. وهناك أحاديث صحيحة أوردناها في تعليقنا على موضوع الملائكة في تفسير سورة المدثر تذكر أن النبي ﷺ كان يتمثل له الملك أحيانا في صورة رجل وأن جبريل جاء إلى النبي ﷺ وحوله أصحابه في صورة رجل، والموضوع في أصله أي موضوع الملائكة مما يجب على المسلم الإيمان بما جاء عنه في القرآن وثبت عند النبي ﷺ . ثم تفويض الأمر فيه إلى الله ورسوله على ما شرحناه في التعليق المذكور بما يغني عن التكرار مع ملاحظة ما ذكرناه في التعليق من أهداف ومقاصد. ولقد علل المفسرون والمؤولون حكمة الله في إنزال الملك في صورة رجل إذا ما شاء إنزاله على بشر بأن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة أو أن الملائكة في أصلهم نورانيون لا يمكن أن يراهم البشر. فيشاء الله أن يتمثلوا لهم في صورة رجل وعللوا ما روته بعض الأحاديث التي وردت في الصحاح وأوردناها في سياق تعليقنا المذكور والتي تذكر أن النبي ﷺ رأى الملك في هيئته الأصلية سادا الأفق بأن ذلك خصوصية للنبي ﷺ والتعليلات وجيهة فيما هو المتبادر. والله أعلم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠ الى ١١] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) جاءت الآيتان معقبتين على سابقاتهما وبسبيل تطمين النبي ﷺ وإنذار الكفار

стр. 1744

حيث قررتا أن ما يفعله هؤلاء قد فعلته الأمم السابقة مع رسلهم وقد حاق بهم شر ذلك. وعلى الكفار أن يسيروا في الأرض ليروا آثار بلاء الله تعالى وتدميره وكيف كانت عاقبة المكذبين وليتعظوا بذلك، وهناك آيات عديدة مر بعضها في سور سبق تفسيرها تذكر أن من سامعي القرآن من زار أماكن الأقوام السابقين ورأوا آيات تدمير الله فيها مثل آيات الفرقان [٤٠] والصافات [١٣٣- ١٣٨] والعنكبوت [٣٨] حيث يبدو أن الأمر بالسير ورؤية آثار بلاء الله في الأقوام السابقة هو من قبل الإلزام والإفحام. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢ الى ١٣] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) في الآيتين توكيد بأسلوب السؤال التقريري بأن كل ما في السموات والأرض هو لله وهو المتصرف المطلق في كل ما تحرك وسكن في الليل والنهار وأن رحمته قضت أن يجمع الناس جميعا إلى يوم القيامة وأنه ليس في هذا أي مجال للريب، وهناك يرى الذين لا يؤمنون أنهم هم الذين خسروا وأضاعوا أنفسهم بسبب عدم إيمانهم. هذا ومن المفسرين والمؤولين من قال إن جملة كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [١٢] هي في مقام قسم رباني جوابه في الجملة التي بعدها. ومنهم من تبادر له من الجملتين أن من الرحمة التي كتبها الله على نفسه أن أمهل الكفار وأمدّ لهم في الدنيا لعلهم يغنمون الفرصة ويدينوا بدين الحق. وأن منها حكمته التي اقتضت البعث والحساب الأخرويين لينال أهل الدنيا جزاء أعمالهم خيرا كانت أم شرا، ولا تحتمل التأويلات من الوجاهة. ولقد أورد المفسرون في سياق جملة كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ الأعراف: [١٥٦] أحاديث نبوية في مدى رحمة الله تعالى. وقد أوردنا هذه

стр. 1745

الأحاديث في سياق جملة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في سورة الأعراف الآية [١٥٦] فنكتفي بهذا التنبيه مع التنبيه على أن جملة آية الأعراف أوسع شمولا ومدى منها هنا كما هو المتبادر والله أعلم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤ الى ١٦] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) معاني الآيات واضحة والخطاب فيها موجه للنبي ﷺ يؤمر فيها بإعلان عقيدته الخالصة بالله وحده وينطوي فيها كما هو المتبادر إعلان ودعوة وتحذير للسامعين من مؤمنين وغير مؤمنين. ولقد روى بعض المفسرين «١» أن الآيات نزلت ردا على قول الكفار للنبي ﷺ : إنا علمنا أنه لا يحملك على ما تقول إلّا الفقر ونحن نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا. ولقد روي مثل هذه الرواية في مناسبات عديدة مرت أمثلة منها غير أن فحوى الآية هنا لا يساعد على التسليم بصحة الرواية كمناسبة لنزولها. والمتبادر من التشابه بين هذه الآيات والآيات السابقة لها واللاحقة بها معا أنها سياق واحد. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٧ الى ١٨] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) (١) القاهر فوق عباده: الجملة بمعنى صاحب القدرة والسيطرة على عباده.

стр. 1746

والآيات استمرار كذلك في السياق وتعقيب عليه كما هو المتبادر، ومعانيها واضحة. وكأنما أريد أن يقال للكفار في هذه الآيات وسابقاتها بسبيل الرد والتنديد إنكم إذا كنتم تتخذون أولياء غير الله ظنا منكم بأنهم يمكنهم أن يكشفوا عنكم ضرا أو يجلبوا لكم نفعا فإنكم في ضلال. فلن يملك ذلك إلّا الله تعالى الذي فطر السموات والأرض. والذي لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل الناس ولا يستحق العبادة والاتجاه وإسلام النفس إلّا هو وحده الذي له القدرة والسيطرة على كل عباده والذي لا يقضي إلّا بما فيه الحكمة الخبير بكل شأن وأمر. [سورة الأنعام (٦) : آية ١٩] قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) في الآية أوامر ربانية للنبي ﷺ تأمره بأن يسأل عمن هو أعظم شهادة وأن يقرر أنه هو الله تعالى وأن يعلن أنه يجعل الله شهيدا بينه وبين الذين يتجادل معهم على أن الله هو الذي أوحى إليه بالقرآن لينذر به الناس السامعين ومن يبلغه خير هذا الإنذار من الغائبين، وبأن يعلن إذا أصرّ المشركون على إشراك آلهة أخرى مع الله أنه بريء مما يشركون وأنه لا يشهد إلّا بأن الله واحد لا شريك له. وقد روى البغوي والطبرسي أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبي ﷺ اذكر لنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم فإننا سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فنزلت الآية ردا عليهم. وروى الطبري أن بعض أشخاص من اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا له ما تعلم مع الله إلها غيره. فقال لا إله إلا الله. بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو. فأنزل الله هذه الآية مع التي بعدها. ورواية الطبري تقتضي أن تكون الآية مدينة. وليس هناك رواية بذلك باستثناء الآية [٢٠] على ما ذكرناه في مقدمة السورة. وفحوى الآية أنها في صدد جدال مع المشركين. وفي الآية [٢٠] تأييد دعوى النبي ﷺ فلا يعقل

стр. 1747

أن تكون نزلت للرد على اليهود الذين آذنت أنهم يعرفون حقيقة رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم بصفتهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ البقرة: [١٤٦] وهذا وذاك يسوغ الشك في رواية الطبري، أما الرواية الأولى فإن شطرها الثاني مناقض للآية [٢٠] كما هو واضح. والذي يتبادر لنا من أسلوب الآية أنها استمرار في السياق وأن ضمير الجمع المخاطب الذي يعود إلى الكفار على الأرجح يربط بينها وبين موقف الجدل الوجاهي الذي حكته الآيات السابقة ثم أخذت ترد عليه ردا بعد رد منددة ومنذرة ومقرعة ومذكرة. تعليق على الآية قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ... إلخ وأسلوب الآية نافذ إلى الأعماق في صدد الدعوة إلى الله وحده. والجملة على أي مظهر من مظاهر الشرك ثم في جعل الله شهيدا على أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يبلغ إلّا الصدق. وأن القرآن هو من وحي الله وجملة وَمَنْ بَلَغَ تتضمن عموم الدعوة المحمدية وخلودها وشمولها لكل ظرف ومكان وجنس ونحلة كما هو المتبادر. ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآية أحاديث نبوية وردت صيغ مقاربة لها في كتب الصحاح. منها حديث رواه الشيخان عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: «ليبلغ الشاهد الغائب فإنّ الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى له منه» «١» . وحديث رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «بلّغوا عنّي ولو آية» «٢» . وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «نضّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع فربّ مبلّغ أوعى من سامع» «٣» .

стр. 1748

وينطوي في الأحاديث إيجاب نبوي صريح على كل مسلم في كل زمن ومكان تبليغ شيء مما يعرف من آيات الله وأحاديث رسوله ﷺ لأي كان لا يعرف ذلك. سواء أكان مسلما أم غير مسلم، فكأنما حمل رسول الله ﷺ بهذا ما أمر به في الآية من إنذار السامعين بالقرآن ومن يبلغه خبره من غيرهم على المسلمين استمرارا لتحقيق أمر الله تعالى له. وهذا يعني واجب الدعوة إلى الإسلام على كل مسلم في كل زمن ومكان. والمتبادر أن هذا الواجب أشد إيجابا على القادرين عليه علما وسلطانا واستطاعة. وبالدرجة الأولى على أولياء أمر المسلمين الذين هم خلفاء رسول الله ﷺ على المسلمين والإسلام. فالله أرسل رسوله مبشرا وداعيا ونذيرا لجميع البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم ونحلهم وأمر المسلمين أن يجعلوه أسوة وأن يستمروا على نهجه ولا ينقلبوا على أعقابهم بعده كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [١٤٤] وكما جاء في آية سورة الأحزاب هذه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [٢١] فصار واجب التبليغ والدعوة واجبا لازما على كل مسلم وكل بحسب قدرته واستطاعته. مع شرط مهم هو أن يكون الصدق والإخلاص رائدهم في كل ما يبلغونه وأن يتحروا في ذلك أشد التحري وأن لا يكون فيه كذب على رسول الله ﷺ عليه حيث جاء في حديث رواه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو: «ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «١» . وفي القرآن آيات عديدة فيها إنذار رهيب لمن يكذب على الله تعالى منها آية سورة الأعراف [٢٧] التي سبق تفسيرها ومنها آية الزمر هذه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) .

стр. 1749

[سورة الأنعام (٦) : آية ٢٠] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) في الآية تقرير رباني بأن الكتابيين يعرفون النبي ﷺ وصدق دعوته وصحة وحي الله إليه بالقرآن معرفة يقين كما يعرفون أبناءهم. وبأن الذين لا يؤمنون بذلك هم الذين خسروا أنفسهم وأشقوها بعنادهم ومكابرتهم. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن هذه الآية مدينة ولقد روى المفسرون أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لعبد الله بن سلام اليهودي الذي أسلم في المدينة إن الله قد أنزل على نبيه هذه الآية. وسأله كيف هذه المعرفة. فقال له عرفته حين رأيته كما أعرف ابني هذا وإني أشهد أنه رسول الله حقا. ولقد توقفنا في رواية مدنية الآية مع غيرها مما ذكر أنها مدنيات في تعريف السورة لانسجامها مع السياق. وقد تكون رواية مدينة هذه الآية ملتبسة بهذه الرواية. وإنه ليتبادر لنا بقوة أنها متصلة بالسياق وبخاصة بالآية السابقة لها مباشرة اتصال تدعيم. فقد جعلت الآية السابقة لها الله تعالى شهيدا على صدق وحي الله بالقرآن وجاءت هذه الآية لتقرر ذلك بطريق إشهاد أهل الكتاب. ولعل فيها ردا على ما روته الرواية التي أوردناها من قبل، التي ذكرت أن الكفار قالوا للنبي ﷺ إنهم سألوا عنه اليهود والنصارى فأنكروه. تعليق على جملة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ والآية تتضمن تقريرا يقينيا بأن أهل الكتاب يعرفون النبي ﷺ معرفة يقينية كما يعرفون أبناءهم. وينطوي فيها تقرير كونهم يعرفون صدق دعوته وصحة الوحي القرآني. وكان هذا يتلى علنا، فلا بد من أنه كان مستندا إلى مشاهد ووقائع ثابتة لا تدحض. ولقد كان ذلك فعلا وهو ما حكته آية سورة الأعراف [١٥٧] وآيات سورة

стр. 1750

القصص [٥٢ و ٥٣] وآيات سورة الإسراء [١٠٧- ١٠٩] التي سبق تفسيرها من مشاهد قوية صريحة. وفي سور مكية أخرى تسجيل لذلك منها الآية [١٠] من سورة الأحقاف والآية [٤٧] من سورة العنكبوت والآية [٣٦] من سورة الرعد. وفي سور مدنية تسجيلات أخرى من ذلك في آيات البقرة [١٢١، ١٤٦] وآل عمران [١١٢- ١١٤ و ١٩٩] والنساء [٥٥] والمائدة [٨٢ و ٨٣] التي أوردناها في سياق تفسير آية الأعراف المذكورة. وفي هذه السورة آية تذكر أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون أن القرآن منزّل من الله بالحق. وإذا كان القرآن المدني قد سجل حقا مواقف مناوئة للنبي ﷺ ودعوته من طوائف من أهل الكتاب وأحبارهم ورهبانهم مما تضمنته سلسلة آيات البقرة [٤٠] وما بعدها إلى الآية [١٧٥] وآيات آل عمران [١٩- ٢٥ و ٦٤- ١٢٠] والنساء [٤٣- ٥٦ و ١٥٠] والمائدة [٤٥- ٨٦] والتوبة [٢٩- ٣٥] والجمعة [٥- ٨] ففي سياق التسجيل تقريرات بأن موقفهم هذا آت من الغيظ والحسد والرغبة في كنز الذهب والفضة وأكل الأموال بالباطل مع علمهم في قرارة أنفسهم بصحة نبوة النبي والوحي القرآني كما يظهر لمن يقرأ هذه الآيات. ومن الجدير بالذكر أنه ليس في القرآن المكي ذكر لمواقف مناوئة من أهل الكتاب حيث يدل هذا على أنهم استجابوا للدعوة التي عرفوا أنها الحق وانضووا إليها، حيث ينطوي في هذا شهادة عيانية خالدة من أهل الكتاب بصدق وحي الله بالقرآن وبصدق الرسالة المحمدية وإيمانهم بهما حينما يرتفع قوله عن كل منفعة مادية وحقد وحسد وأنانية ومكابرة ويرغبون في الحق والهدى كما كان شأن الجماعة التي كانت في مكة التي كانت متنوعة الجنسيات وفيهم أولو العلم والاطلاع. وحجة خالدة على مدى الدهر على كل من يقف موقف الجاحد المعطل من القرآن والرسالة المحمدية.

стр. 1751

[سورة الأنعام (٦) : آية ٢١] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) [٢١] . (١) ومن أظلم: ومن أشد جرما وبغيا. الآية استمرار في السياق كما هو المتبادر، وقد قال بعض المفسرين «١» في تأويل جملة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنها بمعنى (ليس أحد أظلم ممن تقوّل على الله فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله) ومعظم المفسرين «٢» أولوها بمعنى (ليس أحد أظلم ممن كذب على الله فادعى أن له شركاء) وكلا التأويلين وجيه ومتسق مع السياق. وفي حال الأخذ بالتأويل الأول تكون الجملة بمثابة تعقيب وتدعيم لجملة إشهاد الله على صحة الوحي القرآني الواردة في الآية [١٩] بأسلوب قوي رائع. وفي حال الأخذ بالتأويل الثاني تكون الجملة بمثابة تعقيب على أمر الله تعالى للنبي ﷺ بعدم مجاراة المشركين في شهادتهم بأن مع الله آلهة أخرى وبإعلان براءته مما يشركون وهذا كذلك مما ورد في الآية المذكورة أيضا. ولعل الآيات التالية لهذه الآية ترجح التأويل الثاني الذي قال به معظم المفسرين. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) (١) ثم لم تكن فتنتهم: بعضهم أوّلها بمعنى (ثم لم تكن عاقبة فتنتهم)

стр. 1752

وبعضهم أوّلها بمعنى (ثم لم يكن اعتذارهم) وكلا التأويلين وجيه. (٢) كذبوا على أنفسهم: بمعنى خدعوا أنفسهم. (٣) ضل عنهم: غاب عنهم شركاؤهم الذين أشركوهم مع الله افتراء عليه. في الآيات وصف للموقف المحرج الذي يقفه المشركون يوم يحشرهم الله تعالى يوم القيامة، حيث يسألهم عن شركائهم فيسقط في أيديهم ويأخذون يحلفون الأيمان على أنهم لم يكونوا مشركين. وهكذا يكذبون أنفسهم ويتنصلون من جريمتهم عبثا، ويغيب عنهم الشركاء الذين أفتروهم ولا يجدون لهم منهم أولياء ولا نصراء. والآيات متصلة بالسياق وهي مرجحة كما قلنا قبل للتأويل الثاني للآية السابقة عليها حيث يتبادر أن الضمير فيها راجع إلى (الظالمين) الذين يفترون على الله ويكذبون بآياته. وقد استهدفت إثارة الخوف في المشركين وحملهم على الارعواء فيما استهدفته. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [٢٣] مدينة مع أنها متصلة اتصالا تاما بسياق الآيات التي قبلها وبعدها وبموضوعها حتى إن الآيات الثلاث تبدو وحدة تامة مما يسوغ الشك في الرواية بقوة بل نفيها ولم نطلع على رواية ما في كتب التفسير تؤيد ذلك. [سورة الأنعام (٦) : آية ٢٥] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) (١) وقرا: صمما. في الآية إشارة إلى موقف من مواقف المناظرة التي كانت تحدث بين

стр. 1753

النبي ﷺ والكفار حيث كانوا يستمعون إليه حينما يتلو القرآن فلا ينفذون إلى ما فيه من علوية وروحانية عنادا ومكابرة ولا يجدون ما يقولونه إلّا أنه أساطير الأولين وقصصهم وكتبهم. وقد أورد المفسرون «١» في سياقها رواية جاء فيها أن أبا سفيان وأبا جهل والنضر بن الحارث وآخرين من زعماء المشركين كانوا يستمعون القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ قال: ما أدري إلّا أني أراه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا، كلا إن الموت أهون علينا من أن نقرّ بذلك «٢» . وضمير (منهم) وعطف الجملة على ما سبقها يدلان على أن الآية من سلسلة السياق. ولم تنزل لحدتها فصلا مستقلا، وهذا لا يمنع أن يكون قد حدث ما ذكرته الرواية فأشير إليه في الآية. تعليق على جملة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وجملة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها معترضة أو استطرادية. ويتبادر أنها بسبيل تصوير شدة مكابرتهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان والتصديق مهما رأوا من آيات الله. وقد تكرر مثل هذا التعبير في مثل هذه المناسبة. ومن ذلك آيات سورة الإسراء [٤٥- ٤٦] التي مرّ تفسيرها وعلّقنا عليها بما فيه الكفاية وما قلناه هناك ينسحب على هذه الآية بما في ذلك ما لمحناه من قصد التسجيل لواقع الكفار حين نزولها. ويتبادر لنا أنه قصد بالعبارة هنا بخاصة تسلية النبي ﷺ وتهوين عناد الكفار ومواقفهم عليه. والأسلوب الاستطرادي مما يؤيد ذلك.

стр. 1754

[سورة الأنعام (٦) : آية ٢٦] وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) قال المفسرون «١» في تأويل الآية إن زعماء المشركين كانوا ينأون عن النبي ﷺ أو عن القرآن فلا يؤمنون به وينهون غيرهم عن الإيمان به فجمعوا بذلك بين القبيحين. وهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم دون أن يشعروا. ورووا مع ذلك «٢» أن الآية نزلت في أبي طالب عم النبي ﷺ الذي كان يدافع عنه ولا يؤمن به في الوقت نفسه. وقد صوب الضحاك وقتادة ومجاهد والطبري التأويل الأول وهو ما نراه الأوجه، ولا سيما إذا لوحظ أن الآية جاءت في سياق تعنيف زعماء الكفار على مواقف عنادهم ومكابرتهم ثم في سياق جدلهم في القرآن. وليس في السياق مجال للاستطراد إلى وصف موقف عمّ النبي ﷺ والآية بعد معطوفة على ما قبلها وليست فصلا مستقلا. والآيات التالية لها هي استمرار في السياق أيضا. أما الشطر الثاني من الآية فقد جاء بمثابة تعقيب على ما حكاه شطرها الأول حيث قرر أن ما يفعله الكفار إنما يضرون به أنفسهم ويهلكونها به دون أن يشعروا ويدروا. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) الآيتان معطوفتان على الآية السابقة في صدد الإشارة إلى مواقف الكفار وإنذارهم والضمير فيها راجع إليهم. وقد حكت الآية الأولى ما سوف يشعرون به من الندم على هذه المواقف حينما يقفون على النار يوم القيامة ويتيقنون من مصيرهم الرهيب فيها فيأخذون يتمنون العودة إلى الدنيا فلا يكذبون بآيات الله ويكونون من المؤمنين برسله. وقد احتوت الآية الثانية تنديدا وتبكيتا للكفار ثم

стр. 1755

توكيدا بأنهم لو عادوا إلى الدنيا كما طلبوا لعادوا إلى ما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وينطوي في هذا تعليل لذلك بأنهم إنما كانوا يصدرون عن نية خبيثة وطوية فاسدة. ولقد أوّل المؤولون الشطر الأول من هذه الآية بتأويلين أحدهما: «إنهم إنما قالوا ما حكته الآية الأولى عنهم لأنهم بدا لهم عاقبة وبال ما كانوا يخفونه من المساويء والمعاصي» . وثانيهما: «إنهم ظهر لهم مصداق ما كانوا مستيقنين منه من صدق النبي ﷺ فيما كان يدعو إليه ويبلغه ويبشر وينذر به والذي كانوا يجحدونه استكبارا وحسدا وغيظا» . وكلا التأويلين وارد. ولقد أشير إلى الأول في آية سورة السجدة [١٢] وآية سورة فاطر [٣٧] وأشير إلى الثاني في آية سورة ص [٧] وآيات سورة فاطر [٤٢ و ٤٣] وآية سورة الزخرف [٣١] . وواضح أن الآيتين استهدفتا فيما استهدفتاه إنذار الكفار وإثارة الخوف في قلوبهم وتصوير ما استقر في نفوسهم من تعمد العناد والكفر وفقدهم الرغبة الصادقة في الإيمان والصلاح وفيهما تطمين وتسلية للنبي ﷺ والمؤمنين أيضا بالإضافة إلى ما فيهما من مشهد أخروي يجب الإيمان به. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) في الآية الأولى حكاية لما كان يقوله الكفار حيث كانوا يزعمون ويؤكدون أنه ليس من حياة وراء هذه الحياة، وأنهم لن يبعثوا بعد الموت. وفي الآية الثانية ردّ إنذاري موجه إلى النبي ﷺ . أو إلى سامع القرآن إطلاقا، وهذا من أساليب الخطاب العربي بسبيل توكيد بعثهم وحكاية لما سوف يكون بينهم وبين الله تعالى إذ ذاك حيث يسألهم حينما يقفون أمامه أليس ما يرونه هو الحق الذي كانوا ينكرونه، فيجيبون بالإيجاب فيقول لهم إذا ذوقوا العذاب جزاء إنكارهم وكفرهم. والآيتان معطوفتان كذلك على سابقاتهما واستمرار في السياق. وفيهما قصد الإنذار مع توكيد البعث والجزاء. وما جاء في الآيتين من أقوال الكفار قد تكرر الجزء الرابع من التفسير الحديث ٦
следующие страницы →